شرح المنهج المنتخب إلى قواعد المذهبصفحات 578-617

فصل لما اختلف في تقديم أحدهما على الآخر عند التعارض

صفحات 578-617

كتعارض قياسين ومقصد، ولفظ وغالب، وأصل [وظاهر وأصل] وإنما ذكر تعارض قياسين هنا مع الجزم بتقديم الأقوى شبها، لأنه قد يختلف فى الأقوى ما هو فالتحق بالنمط الأول وإن كان/ 158 - ب خلافا فى حال.
[ص] 342 - إن دار فرع بين أصلين وقد... تعذر الجمع يغلب الأسد [ش] فى طرة على هذا بخط المؤلف من القواعد: إن دار الفرع بين أصلين غلب أرجحهما إن تعذر الجمع وقد يختلف فى ذلك.
انتهى.
ويعنى بالأسد الأكثر سدادا أى: استقامة، والمعنى أن الفرع إذا دار بين أصلين يغلب الأقوى شبهًا.
قال بعضهم: كمن تيقن بالوضوء وشك فى الحدث فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
وبهذا الأصل تمسك الجماعة.
وبالثانى تمسك حمديس.
وذلك أنه قال: الأصل عمارة الذمة بعد التكليف ولا يبرأ إلا بيقين، والشك فى الشرط شك فى المشروط.
وقال القاضى أبو عبد الله المقرى: قاعدة: إذا اتص الفرع بأصل أجرى عليه إجماعا، فإن دار بين أصلين حمل على الأولى منهما، وقد يتلف فيه كالإرث من المكاتب، وما يجب بقتل أم الولد، وملك العامل أهو بالظهور، لأنه كالشريك لتساويهما فى زيادة الربح ونقصه، ولعدم تعلق حقه بالذمة، أو بالقسمة لأنه كالأجير، لاختصاص رب المال بغرم رأس المال، ولأن القراض معاوضة على عمل وقد تعمل الشائبتان، فإن من غلب

الشركة اعتبر شروط الزكاة فى حقهما ومن غلب الإجارة اعتبرها فى حق المالك فقط.
وابن القاسم أعملهما فقال: يراعى أمرهما وإن سقطت عن أحدهما سقطت عن العامل فى الربح انتهى.
ومثل لهذا أيضا بمن قتل عبدا هل عليه قيمته وإن زادت على دية الحر، أو ما لم تزد على دية الحر ومذهبنا الأول وله شبه بالحر وهو ظاهر والدابة والياقوتة ونحوهما فى المالية والتصرف بالملك فبأيهما يلحق.

[ص] 343 - ومقصدان عارض اللفظ ففى... ذاك وقيل ذا كنذر حالف [ش] هل يقدم القصد أو اللفظ عند تعارضهما؟ اختلف فى ذلك/ 159 أوالصحيح تقديم القصد بمعنى أن القصد العرفى مقدم على مقتضى اللفظ لغة أو العكس على الآخر، كمن حلف لا يأكل لحما أو بيضا أو رءوسًا ففى حنثه بمثل لحم الحيتان وبيضها ورءوسها قولان، لابن القاسم وأشهب.
فابن القاسم بنى على تقديم اللفظ، وأشهب على تقديم القصد وكذلك لا آكل خبزا فأكل نحو الأطرية والهريسة والكعك.
وكذلك لا آكل عسلا فأكل عسل الرطب وكذلك لو حلف لا أدخل عليه بيتا هل يحنث بالمسجد، ومنه لو حلف لا أكلمه فسلم عليه فى الصلاة.
وعروض قول ابن القاسم وأشهب هنا بقولهما فيمن وكل رجلا يشترى له ثوبا فاشترى ما لا يليق بالآمر، فإن ابن القاسم قال: إنه غير لازم للآمر، ورأى أشهب لزومه له فراعى ابن القاسم العرف فى الوكالة دون الأيمان، وعكس أشهب.

وأجيب بأنه لا يلزم من اطراد العرف فى وجه أو فى مسألة اطراده فى مثل ذلك لجواز جريان العرف فى أحدهما دون الآخر، والقياس لا يجرى فى المسائل العرفية.
قال القاضى أبو عبد الله المقرى: قاعدة: اختلف المالكية فى المقدم من اللفظ والقصد عند تعارضهما، كصوم يوم يقدم فلان فقدم نهارا، قيل: يقضى، لأن المقصود صيام يوم شكرا، وقيل: لا وبابها الأيمان، والظهار كمن ظاهر قاصدا للطلاق ففى اللازم منهما قولان أما إن لم يقصد شيئا فعلى الخلاف فى لزوم اليمين باللفظ المجرد عن النية وهى قاعدة عامة انتهى.
وقوله: "كصوم" أى كنذر صوم، وفى طرة بخط المؤلف: وعليه من نذر صوم يوم قدوم فلان فقدم نهارا، هل يقضى لقصد الشكر أم لا؟ للفظ.
انتهى.
ومثله لو نذر صوم شهر، فالقصد أنه يغلظ على نفسه، ولفظ الشهر يطلق على ثلاثين، وعلى تسعة وعشرين والأصل براءة الذمة فاقتضى القصد ثلاثين واللفظ تسعة وعشرين حملا على الأقل لما مر.
قوله: "ففى ذاك" أى تبع المقصد فوصل إشارته بالكاف لبعده، وذا أى /159 - ب اللفظ لقربه ونذر منون أى كنذر وحالف، وفى بعض النسخ بلفظ المصدر مناسبا لنذر.

[ص] 344 - فى الأخذ بالغالب أو أصل إذا... تعارضا قولان لكن نبذا 345 - إجماعا أصل عارض الذى شهد... وغالب فى الدين قال من رشد [ش] إذا تعارض الأصل والغالب هل يؤخذ بالأصل أو الغالب فيه قولان وعليه فى المذهب فروع ومسائل منها:

الخلاف بين مالك وابن حبيب فى دعوى المبتاع الجهل بالعيب الظاهر، فمالك قبل دعوى المبتاع بيمين، وابن حبيب والموثقون لم يقبلوها إذا كان العيب فى موضع ظاهر لا يخفى غالبا.
قال فى إيضاح المسالك: تنبيه: قال القرافى: هذا ليس على إطلاقه بل أجمعت الأمة على اعتبار الأصل وإلغاء الغالب فى دعوى الدين ونحوه، فإن القول قول المدعى عليه وإن كان الطالب أصلح الناس وأتقاهم لله، ومن الغالب عليه أن لا يدعى إلا ماله، فهذا الغالب ملغى إجماعا.
واتفق الناس على تقديم الغالب وإلغاء الأصل فى البينة إذا شهدت، فإن الغالب صدقها، والأصل براءة ذمة المشهود عليه، وألغى الأصل هاهنا بالإجماع عكس الأول، فليس الخلاف على الإطلاق انتهى.
وأجاب الإمام أبو عبد البقورى فى اختصار الفروق وترتيبها بقوله: إنما ألغى الغالب الذى هو صدق البر التقى لما قلناه: من أن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء فليس هذا الغالب بمعتبر أصلا كما قلنا فى الذى قبله وكلام الفقهاء فى الغالب الذى لا يطرقه مثل هذا كجلد قران ودباغ الغالب أنه للدباغ، وما قاله فى البينة إذا شهدت فإن الغالب صدقها ليس هذا من ترجيح الغالب على الأصل، بل من باب العمل بالخبر الذى لا يصح خلافه وهو قوله عليه السلام: "شاهداك أو يمينه" انتهى.
والذى قاله فى الذى قبله هو ما ذكرناه عنه فى قاعدة المدعى والمدعى/ 160 - أعليه من قوله: الظواهر التى ذكرناها جلية بينة غير خاف قبولها وما نقضت به من دعوى البر التقى على الفاسق لطروق الشك فى هذا الظاهر، فإن القلوب بيد الله يقلبها كيف شاء فيكون تقيا الزمن

الطويل ثم ينعكس: وبالعكس ومعرفة هذا من الأمر الخفى فألغى هذا الظاهر هنا ولم يعتبر بخلاف الظواهر التى ذكرناها لا يطرقها ما طرق هذا فاعتبرت وترتب الحكم عليها.
قال القاضى أبو عبد الله المقرى: قاعدة: اختلف المالكية فى المقدم من الأصل والغالب عند التمارض كسؤر ما عادته استعمال النجاسة إذا لم تر على أفواهها وقت شربها، وقد مر تحقيقه وتفريق المشهور بين الطعام والماء لمقاومة حرمته للغالب المتقدم عنده فيسلم الأصل كعمل الماضين فيما نسجه أهل الذمة وقد نبه فى المدونة على هذه الحرمة، فى سؤر الكلاب وإن كان البراذعى قد أسقطها حتى حمل كتابه ما ضعف التعليل به من التخصيص بالعادة، ومن هذا الأصل أن يتزوج حر أمة فيدعىى الغرور وتنكره، ففى المصدق منهما قولان وأشار بقوله- وقد مر تحقيقه- إلى قوله: قاعدة: ما يحصل على تقديرين أقرب وجودا مما يحصل على تقدير واحد، ثم أصعد كذلك فإن شربت الجلالة احتمل أن تكون لم تستعمل نجاسة إذ ذاك أو استعملها ثم ذهبت بالكلية أو لم تلاق الماء، وهذه تقتضى البقاء على الأصل ويحتمل أيضا أن تكون فيها وقت شربها ولاقت الماء، وهذا يقتضى النجاسة لكن الأول أقرب إلى الوجود وبه تبطل دعوى الغالب الذى هو مستند المشهور، فيبقى الأصل وهو الصحيح إلا على القول بانتقال النجاسة الحكمية.
قوله: "لكن نبذ إجماعا أصل عارض الذى شهد" هذا كالاستثناء من الخلاف الذى قبله أى لكن طرح بالإجماع أخذ عارض شهادة الذى شهد، أى طرح الأخذ بالأصل.

وإنما يتمسك بالشهادة والأصل براءة الذمة والغالب صدق الشاهدين وعلى/ 160 - ب ما شهدا به يعمل إجماعا.
قوله: "وغالب فى الدين" أى ونبذ غالب فى دعوى الدين، والغالب صدق الرجل الصالح والأصل براءة الذمة من الدين، وعلى الأصل يعمل إجماعا وإن كان مدعيه فاسقا.
قوله: "قال من رشد" يعنى الرشد فى الدين، أى من رشد فى الدين قال بغيته.

[ص] 246 - فى الأصل والظاهر أيضا علما... مع تعارض كقبر قدما [ش] من القواعد إذا تعارض أصل وظاهر أيهما يقدم؟ عليهما ما ذكر، وهو القبر القديم أى البالى هل تجوز الصلاة فيه، بناء على الأصل، وهو بقاء ما كان، أو لا؟ بناء على الظاهر وهو وجود العظام فى القبر.
قال القاضى أبو عبد الله المقرى: قاعدة: إذا تعارض أصل وظاهر فللمالكية فى المقدم منهما قولان، كالمقبرة القديمة الأصل الطهارة، والظاهر اختلاط الأجزاء.
قوله: "علما" أى القولان وبه يتعلق فى الأصل.

[ص] 347 - وغالبا قدم على ما ندرا... وهو شأن شرعنا فكثرا 348 - لكن عليه نادر قد قدما... كالطين والنعل ونحو علما 349 - ومنه نسج مسلم لا يحترز... من نجس وثوبه كمن نبز 350 - بشرب أو ترك صلاة أو جهل... كثوب سوق وعن اللخمى نقل 351 - فى ثوب من ذكر أنه نجس... كالنوم لكن خفف الذى لبس 352 - فى الرأس قيل ما عدا من شربا... وغسل ما قد شك فيه صوبا 353 - ونسج كافر وما قد صنعا... كفاسق من طعام وسعا 354 - فيه كلبس صبية ونقلا... معافرى نجس وقبلا 355 - إن استقل ولد بالغسل... وكمبرز ووضع الحمل

356 - وشبه ما ذكر مما ارتكبا... من النوادر لمعنى أوجبا [ش] جل هذا الكلام مأخوذ من كلام القرافى، فى الفرق السابع والثلاثين والمائتين بين قاعدة ما اعتبر من الغالب [وبين ما ألغى من الغالب] / 161 - أ. قال: اعلم أن الأصل اعتبار الغالب وتقديمه على النادر، وهو شأن الشريعة كما يقدم الغالب فى طهارة المياه، وعقود المسلمين، ويقصر فى السفر، ويفطر بناء على غالب الحال وهو المشقة، ويمنع من شهادة الأعداء والخصوم، لأن الغالب منهم الحيف، وهو كثير فى الشريعة لا يحصر كثرة، وقد يلغى الشارع الغالب رحمة بالعباد، وهذا قسمان: قسم يعتبر فيه النادر،.
وقسم يلغيان معا، وأنا أذكر من كل قسم مثلا ليتهذب بها الطالب ويتنبه إلى وقوعه فى الشريعة، فإنه لا يكاد يخطر ذلك بالبال، لا سيما تقديم النادر على الغالب.
ثم ذكر من القسم الأول عشرين مثالا ونذكر منها على كلام المؤلف ما يناسبه قوله: "وهو شأن شرعنا" يحتمل أن يقرأ هو بتخفيف الواو وهى اللغة الكثرى، فيكون الجزء مخبولا، ويحتمل أن تقرأ بتشديدها.
وهى لغة همدان، فيكون الجزء مخبونا؟.
قوله: "نادر قد قدما" يصح رفع نادر، وقدم ماض للمجهول ونصبه وقدمن أمر فألفه بدل نون التوكيد الخفيفة وهما نسختان.
قوله: "كالطين والنعل ونحو علما" كأن هذا من التقديم النادر، لأن الغالب فى الطرق النجاسة، وكذا النعل المأمور يدلكها.
القرافى: الرابع: طين المطر الواقع فى الطرقات وممر الدواب والمشى بالأمدسة التي

يداس بها فى المراحيض، الغالب عليها وجود النجاسة، من حيث الجملة، وإن كنا لا نشاهد عينها والنادر سلامتها.
ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر توسعة ورحمة بالعباد فتصلى به من غير غسل.
الخامس: النعال الغالب عليها مصادفة النجاسات، لا سيما نعل مشى بها سنة وجلس بها فى موضع قضاء حاجة الإنسان سنة أو نحوها والنادر سلامتها من النجاسة، ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر، فجاءت السنة بالصلاة بالنعال حتى قال بعضهم: إن خلع النعال فى الصلاة بدعة/ 161 - ب كل ذلك رحمة من الله، وتوسعة على العباد انتهى.
ويدخل فى قول المؤلف "ونحو علما" الرجل الحافية وفى بعض النسخ بدل هذا (وزاد القدما).
وصدر البيت بعده على هذه النسخة (بعض) فهو فاعل زاد وأثره.
"ونسج مسلم" بخفض نسج عطفا على الطين، وعلى الأول ومنه نسج مسلم برفع نسج.
القرافى: الخامس عشر: الحفاة بغير نعل الغالب مصادفة النجاسة، ولو فى الطرقات ومواضع قضاء الحاجات، والنادر سلامتهم منها، ومع ذلك جوز الشرع صلاة الحافى كما جوز له الصلاة بنعله من غير غسل رجليه، وكان عمر رضى الله عنه يمشى حافيا، ولا يعيب ذلك فى صلاته، لأنه يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبى بنعليه، ومعلوم أن الحفاء أخف فى تحمل النجاسة من النعال وقدم الشرع حكم النادر على الغالب توسعة على العباد.

قوله: "ومنه نسج مسلم لا يحترز من نجس وثوبه كمن نبز بشرب أو ترك صلاة أو جهل كثوب سوق" أى ومن النادر المقدم على الغالب ما نسجه مسلم لا يتوقى النجس وما بعده.
القرافى: العاشر: ما ينسجه المسلمون المتقدم ذكرهم، الغالب عليه النجاسة- أى الذين لا يصلون ولا يستنجون بالماء ولا يتحرزون من النجاسة- قال: وأثبت الشرع حكم النادر، وألغى حكم الغالب، وجوز الصلاة فيه، لطفا بالعباد.
الحادى عشر: ما يصنعه أهل الكتاب الغالب نجاسته وهو أشدهما لكثرة النجاسة فألغى الشارع حكم هذا الغالب وأثبت حكم النادر فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا لحكم النادر على الغالب لطفا بالعباد.
الثانى عشر: ما يلبسه العوام الذين لا يصلون، ولا يتحرزون من النجاسات الغالب نجاسته فجوز الشرع الصلاة فيه تغليبا لحكم النادر على الغالب وتوسعة على العباد.
الثالث عشر: ما يلبسه الناس ويباع فى الأسواق ولا يعلم/ 162 - ألابسه كافر أو مسلم مخلط أو محترز، مع أن الغالب على أهل البلاد العوام والفسقة وتراك الصلاة ومن لا يحترز من النجاسات فالغالب نجاسة هذا الملبوس، والنادر سلامته فأثبت الشارع حكم النادر وألغى حكم الغالب لطفا بالعباد انتهى.
وثوبه، بالرفع عطفا على نسج مسلم أى وثوب مسلم لا يتحرز من نجس.
وجهل، بفتح

الجيم معطوف على نبز، أى جهله مشتريه، بمعنى أنه جهل مشتريه نجاسته وطهارته [بأن لم يدر] حال لابسه، ولا مانع من ضم جيمه مبنيا للمجهول لكن بالفتح ضبطه المؤلف.
قوله: "وعن اللخمى نقل، فى ثوب من ذكر أنه نجس كالنوم لكن خفف الذى لبس فى الرأس" أنه نجس نائب عن فاعل نقل، وفاعل خفف عائد على اللخمى أى نقل عن اللخمى فى ثوب المسلم الذى لا يحترز من النجس، وثوب شارب خمر وتارك الصلاة والمجهول وثوب السوق أن ذلك كله نجس كثياب النوم.
البرزلى: وفى تبصرة اللخمى ثياب النوم وما لبس شارب الخمر ومن لا يصلى وما يحاذى الفرج ممن لا يحسن الاستبراء من العوام، وزاد بعض القرويين المتأخرين وما تحت الفرج مما يصيبه البلل عند الجلوس كل هذا نجس، وجل النساء غير مصل، ولباس رأس من لا يصلى أخف من غيره، وإن شك فى حال لابسه يغسل استحبابا.
انتهى.
وقال الشيخ ابن عرفة: اللخمى: ملبوس النوم وشارب الخمر وقميص غير المصلى ولباس الوسط نجس لقلة محسنى الاستبراء، ولباس رأس غير المصلى أخف وأكثر النساء غير مصل، وما شك فى حال لابسه غسل احتياطا، ونجاسة الثوب الجديد عيب.
وفى التوضيح قال اللخمى: وأما ما يلبسه المسلم فإن علم أن بائعه ممن يصلى فلا بأس بالصلاة فيه، وإن كان ممن لا يصلى لا يصل به حتى يغسله، فإن لم يعلم بائعه فينظر إلى الأشبه ممن يلبس مثال ذلك، فإن شك فالاحتياط بالغسل أفضل انتهى.
ونص سند: على أن/ 162 - ب من اشترى من مسلم مجهول الحال محمول على

السلامة قال: وإن شك فيه نضح.
قوله: "قيل ما عدا من شربا" يعنى أن كلام اللخمى فى ثوب رأس غير المصلى مقيد بغير شارب الخمر، وأما شارب الخمر فثيابه كلها نجسة، واللخمى نفسه هو المقيد بهذا ونصه فى نقل أبى الحسن الصغير: وأما ما يستعمل فى الرأس من منديل أو عمامة فالأمر فيه أخف، لأن الغالب سلامته من النجاسة كان البائع له ممن يصلى أم لا؟ إلا أن يكون ممن يشرب الخمر فلا يصلى فى ذلك حتى يغسله.
صح من التقييد.
وعلى هذا قلت: فلو قال المؤلف قال بالبناء للفاعل لكان أحسن، ولعل هذا التقييد مبنى على نجاسة عرق السكران.
قوله: "وغسل ما قد شك فيه [صوبا" أى صوب اللخمى غسل ما قد شك فيه"] للجهل بحال لابسه، وقد تقدم ذلك، فصوب بالبناء للمعلوم، وضبطه المؤلف أيضا بالبناء للمجهول وعليهما نصب غسل ورفعه.
قوله: "ونسج الكافر" هو معطوف على قوله: "نسج مسلم" فهو مما قدم فيه النادر على الغالب.
القرافى: السابع: ثياب الكفار التى ينسجونها بأيديهم لما يباشرونه عند قضاء حاجة الإنسان ومباشرتهم الخمر، والخنازير، ولحوم الميتات، وجميع أوانيهن نجسة لملابسة ذلك، ويباشرون النجس والعمل مع بلة أيديهم وعرقها حال العمل ويبلون تلك الأمتعة بالنشا، وغيره مما يقوى لهم الخيوط، ويعينهم على النسج، فالغالب نجاسة هذا القماش والنادر سلامته من النجاسة، وقد سئل مالك- رضى الله عنه- فقال ما أدركت أحدا يتحرز من الصلاة فى مثل هذا، فأثبت الشارع حكم النادر وألغى رحمة بالعباد.

قوله: "وما قد صنعا كفاسق من كطعام وسعا فيه" ما مبتدأ والخبر وسع فيه وفاعل صنع يعود على الكاف، ويحتمل أن يكون الكاف من كفاسق.
وذكر البرزلى فى اغتفار ما خاطه الكفار/ 163 - أكما نسجوه قولين للشبيبى وابن عرفة.
الوانوفى: لا يصلى بما خاطه الذمى لنجاسة ريقه، ولو صلى بخيط ورمى فى جيبه لا يعيد كنسجهم.
البرزلى: لا بأس بالصلاة بما نسجوه أهل الذمة لا بما لبسوه.
ابن عبد الحكم: وكذلك ما لبسوه.
ابن رشد: يحمل على ما لم يغب عليه ولم يطل لبسه، واختلف فى صلاته بما لبسه فى كفره ولم يعاين به نجاسة وعن ابن العربى: تجوز بما نسجوه إذا كانت تؤكل ذبائحهم إجماعا وأما المجاسى فكذلك عندنا، وأما ذوو الصناعات منهم مثل من يقص الملف والخياط ونحوه، والصاغة فى الحلى والدراهم يمسها بيديه أو فمه فكان شيخنا الإمام ابن عرفة يفتى بغسل ما لبسوه، لأن الغالب عليهم عدم التحفظ من النجاسات ولا ضرورة تدعو اليهم للاستغناء عنهم بالمسلمين، وكان غيره يفتى باغتفار هذا قياسا على ما نسجوه، وأكل المائع من أطعمتهم وغير ذلك مما هو مباح، لا سيما إن كانت صنعتهم يفتقر إليهم فيها كالصواغين فى الأغلب، وكذلك كانوا يسئلون عن طبخ الخبز معهم فى الفرن الذى يخالطون المسلمين فيه والصواب الجواز فى ذلك كله.

وكذلك ما يحكى عن الشيخ الصالح ابن أيى محمد المرجانى أنه كان يتوقى الصلاة بجنب من يلبس الملف وعلل ذلك بما يذكر أن فيها شحم الخنزير، وهذا إغراق فى الورع، والحق اتباع السلف الصالح، ولم يأت عنهم التحفظ فى مثل هذا بل أتى عكسه فى مسألة النسج انتهى من اختصار سيدى أحمد حلولوه للنوازل المذكورة.
وفى شرح الأبى لصحيح مسلم: وما يحكى عن الشيخ تقى الدين: من أنه كان لا يلبس الملف وأنه إذا قبّل أحد يديه يغسلهما كان شيخنا يقول: إن هذا ورع، لأنه إنما يريد أن يخرج من عهدة التكليف بيقين، لأنه من الجائز أن يكون بيد من مسه أو بفى من قبل يده نجاسة لا سيما العوام ومن لا يتحفظ ولا يعرف أحكام الطهارة، وليس هذا وسوسة/ 163 - ب وإنما الوسوسة ما يتفق لبعض الناس من إكثار الماء فى الوضوء وإطالة التدليك، وكان الشيخ الولى الفقيه أبو محمد المرجانى لا يصلى بالملف لما يذكر أنهم يرطبونه بشحم الخنزير ويستدل على ذلك بأن الإبرة إذا مسكت فيه فإنها لا تصدى، ولو جعلت فى أرطب صوف أو غيره تصدت فما ذلك إلا لصحة ما يقال.
وكان الشيخ يقول: ترك الصلاة به إنما هو ورع، لأن ما يقال من ذلك لا يثبت بخبر مقبول، ولا بينة، وكان السطى وابن عبد السلام يصليان بالملف وأنا أصلي به في

الدار ويمنعني من الصلاة به فى الجامع خوف أن يأتم بى من يكره الصلاة فيه، قيل: وإن غسل بالماء الحار فإنه يطهر.
القرافى: الثامن: ما يصنعه أهل الكتاب من الأطعمة فى أوانيهم وبأيديهم الغالب نجاسته لما تقدم، والنادر طهارته، ومع ذلك أثبت الشارع حكم النادر وألغى حكم الغالب وجوز لطفا بالعباد.
انتهى.
بعض الشيوخ: وهو أشد مما ينسجونه لكثرة الرطبات الأ (ئلة) للنجاسة.
قوله: "كلبس صبية" عياض أثناء كلامه على حديث أمامة: وفيه من الفقه أن ثياب الصبيان وأبدانهم على الطهارة حتى تتحقق النجاسة.
الأبى: حمل ثياب الصبيان على الطهارة إنما هو فى صبيان علمت أهاليهم بالتحفظ من النجاسة.
أعطيت للشيخ أبى الحسن المنتصر خيارة فجعلها فى جيبه، ومعه حفيد له، فجعل الصبى يقول: منجوسة منجوسة، وما ذلك إلا لما علم الصبى من تحفظ أهله من النجاسة حتى أنهم كانوا يغسلون الخيارة لما عسى أن يكون علق بها من زبل الأرض المستنبتة فيها.
القرافى: السادس: الغالب على ثياب الصبيان النجاسة لا سيما مع طول لبسهم/ 164 - أ

لها.
والنادر سلامتها، وقد جاءت السنة بصلاته عليه السلام بإمامة يحملها فى الصلاة إلغاء لحكم الغالب، وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد.
قوله: "ونقلا معافرى نجس وقبلا إن استقل ولد بالغسل".
المعافرى هو أبو بكر بن العربى، أى ونقل المعافرى عن أهل المذهب فى ثوب الصبى أنه نجس إن استقل الصبى بالغسل وقبل ذلك هو طاهر.
الشيخ ابن عرفة: ابن العربى ثوب الصبى عندهم نجس، والصواب إن استقل بغسل حدثه وقبله طاهر، لأن حاضنه ينظفه وهذا خلاف قول القرافى وفى نوازل البرزلى: ابن العربى: وثوب الصبى عندهم نجس قال: والصواب إن استقل بغسله فهو نجس وإن لم يستقل فهو طاهر، لأن حاضنه ينظفه دليله الرواية فى حمل الولد فى الصلاة وهو المذكور فى حمل أمامة.
أبو عمران: معناه أن الولد كان طاهرا أو لو لم يشغله فى الفريضة أجزأه.
قوله: "وكمبرز" أى ادعى على فاسق، والمبرز السابق فى الصلاح.
القرافى: السادس عشر: دعوى الصالح الولى التقى على الفاجر الشقى الغاضب الظالم، درهما الغالب صدقه، والنادر كذبه، ومع ذلك قدم الشرع حكم النادر وجعل القول قول الفاجر، لطفا بالعباد، بإسقاط الدعاوى عنهم، واندرج الصالح مع غيره سدا لباب الفساد والظلم بالدعاوى الكاذبة.

قوله: "ووضع الحمل" هو شامل لصورتين.
القرافى أثر قوله: وأنا أذكر منه- أى من تقديم النادر- عشرين مثالا، قال: الأول: غالب الولد أن يوضع لتسعة أشهر فإذا جاء بعد عشر سنين من امرأة طلقها زوجها دار بين أن يكون من زنى وهو الغالب، وبين أن يكون تأخر فى بطن أمه وهو نادر بالنسبة إلى وقوع الزنى فى الوجود فألغى الشارع الغالب، وأثبت حكم النادر، وهو تأخر الحمل رحمة بالعباد لحصول الستر عليهم وصونا لأعراضهم عن الشك.
وزاد هذا بيانا فى الفرق الخامس والسبعين والمائة بين قاعدة الدائر بين النادر والغالب، يلحق بالغالب من جنسه/ 164 - ب وبين قاعدة ألحاق الأولاد بالأزواج إلى خمس سنين وقيل: الى أربع، وقيل: إلى سبع، فقال: لكن الله تعالى شرع لحوقه بالزوج لطفا بعباده وسترا عليهم وحفظا للأنساب وسدا لباب ثبوت الزنى، كما اشترط تعالى فى ثبوته أربعة مجتمعين سدا لبابه حتى يبعد ثبوته، وأمرنا أن لا نتعرض لتحمل الشهادة فيه، وإذا تحملناها أمرنا بأن لا نؤديها، وأن نبالغ الستر على الزانى ما استطعنا بخلاف جميع الحقوق كل ذلك شرع طلبها سترا على العباد ومنة عليهم، فهذا هو سبب استثناء هذه القاعدة من تلك القاعدة.
قال: الثانى: إذا تزوجت فجاءت بولد لستة أشهر جاز أن يكون من وطء قبل العقد وهو الغالب، أو من وطء بعده وهو نادر، فإن غالب الأجنة لا توضع إلا لتسعة أشهر، وإنما يوضع للستة سقطا فى الغالب، فألغى الشارع الغالب وأثبت حكم النادر وجعله من الوطء

بعد العقد لطفا بالعباد لحصول الستر وصونا للعرض.
قوله: "وشبه ما ذكر"- البيت- لمعنى يتعلق بارتكب، والمعنى الذى اقتضى تقديم حكم النادر فى تلك المواضع المتوسطة على العباد واللطف بهم، ويدخل تحت الشبه من كلام المؤلف باقى العشرين التى ذكر القرافى- رحمه الله تعالى- كعقد الجزية لتوقع إسلام بعضهم وهو نادر والغالب استمرارهم على الكفر وموتهم عليه.
وكالحصر والبسط التى قد اسودّت من طول ما لبست يمشى عليها الحفاة والصبيان ومن يصلى ومن لا يصلى، الغالب نجاستها والنادر سلامتها، ومع ذلك فقد جاءت السنة بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى على حصير قد اسود من طول ما لبس بعد أن نضحه بماء والنضح لا يزيل نجاسة بل ينشرها.
وكالاشتغال بالعلم مأمور به مع أن غالب الناس الرياء وعدم الإخلاص والنادر الإخلاص، ومقتضى الغالب النهى عن/ 165 - أالاشتغال بالعلم لأنه وسيلة للرياء ووسيلة المعصية معصية، فلم يعتبره الشرع وأثبت حكم النادر.
وكالمتداعيين أحدهما كاذب قطعا والغالب أن أحدهما يعلم بكذبه، والنادر أن يكون قد وقع لكل منهما شبهة، وعلى التقدير الأول يكون تحليفه سعيا فى وقوع اليمين الفاجرة فكان حراما، غايته أن يعارضه أخذ الحق وإلجاؤه إليه وذلك إما مباح، وإما واجب، وإذا تعارض المحرم والواجب قدم المحرم، ومع ذلك ألغى الشارع حكم الغالب وأثبت حكم النادر لطفا بالعباد فى تخليص حقوقهم وكذلك القول فى اللعان الغالب أن أحدهما كاذب.

وكتعمير (المفقود) إلى سبعين سنة فإن الموت فى الشبان أكثر إذا لو كان الشبان يعيشون لصاروا شيوخا فيكثر الشيوخ لكنهم فى الوجود أقل، ومع ذلك فقد شرع صاحب الشرع التعمير إلغاء لحكم الغالب وإثباتا لحكم النادر لطفا بالعباد.
وكندب الشره للنكاح رجاء أن يخرج رجل صالح مسلم بين الزوجين والغالب الجهل بالله، واقدام على المعاصى، ومقتضى هذا الغالب أن ينهى عن النكاح لا سيما على مذهب من يكفر المقلد، ولكنه حكم بالنادر وغلب على الغالب ونظائر هذا كثيرة: فينبغى لمن قصد إثبات حكم النادر دون الغالب أن ينظر هل ذلك الغالب مما ألغاه الشرع أم لا؟ وحينئذ يعتمد عليه، وأما مطلق الغالب كيف كان فى جميع صوره فخلاف الإجماع، ومع هذا كله فالأصل اعتبار الغالب وإلغاء النادر، فالفرد المتردد بينهما على الغالب يحمل، لكن شرطه على ما ذكره الشهاب أن يكون ذلك الفرد من جنس الغالب وإلا فلا يحمل على الغالب، فالعام الذى لا قرينة على تخصيصه يحمل على عمومه وإن كان التخصيص فى العام أكثر حتى روى عن ابن عباس رضى الله عنهما ما من عام إلا وقد تخصص إلا قوله تعالى: ﴿والله بكل شئ عليم﴾.
وهذا لأنا لم نقض على عام بأنه مخصوص بمجرد كونه لفظا عاما بل لأجل اقترانه/ 165 - ب بالقرينة الصارفة عن العموم للتخصيص، وهذا اللفظ الوارد ابتداء ليس معه مخصص صارف عن العموم فهو حينئذ ليس من جنس ذلك الغالب فلو حملناه على الخصوص لحملناه على غير غالب فإنه لم يوجد لفظ عام حمل على الخصوص من حيث كونه كذلك ألبتة فضلا عن كونه غالبا بل هذا اللفظ قاعدة مستقلة بنفسها ليس فيها غالب ونادر بل شئ واحد وهو العموم مطلقا، فتأمل.
ولم يذكر المؤلف القسم الثانى من إلغاء الغالب وهو ما ألغى فيه الغالب والنادر معا وذكر الشهاب عنه عشرين مثالا أيضا: الأول: شهادة الصبيان فى الأموال إذا كثر عددهم جدا الغالب صدقهم، والنادر كذبهم ولم يعتبر الشارع صدقهم، ولا قضى بكذبهم، بل أهملهم رحمة بالمدعى عليه بخلاف القتل

والجراح فقد قبلهم وجماعة.
الثانى: شهادة الجمع الكثير من جماعة المسوان فى أحكام الأبدان، الغالب صدقهن والنادر كذبهن، لا سيما مع العدالة، وقد ألغى صاحب الشرع صدقهن فلم يحكم بصدقهن لطفا من الله تعالى بالعباد.
الثالث: الجمع الكثير من الكفار من الأحبار والرهبان إذا شهدوا الغالب صدقهم والنادر كذبهم وقد ألغى الشارع صدقهم لطفا بالمدعى عليه ولم يحكم بكذبهم.
الرابع: الجمع الكثير من الفسقة الغالب صدقهم، والنادر كذبهم، ولم يحكم الشرع بكذبهم ولا صدقهم.
الخامس: شهادة ثلاث عدول فى الزنى، الغالب صدقهم والنادر كذبهم، ولم يحكم الشرع به سترا على المدعى عليه، ولم يحكم بكذبهم بل أقام الحد عليهم من حيث إنهم قذفة لا من حيث إنهم شهود.
السادس: شهادة العدل الواحد فى أحكام الأبدان الغالب صدقه، والنادر كذبه ولم يقض الشرع بصدقه لطفا بالمدعى عليه، وكذلك لم يكذبه.
السابع: حلف المدعى الطالب وهو من أهل الخير والصلاح، الغالب صدقه والنادر كذبه ولم يقض الشرع بصدقه/ 166 - أفيحكم له بيمينه بل لابد من البينة ولم يحكم بكذبه.
الثامن: رواية الجمع الكثير لخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحبار والرهبان المتدينين المعتقدين تحريم الكذب فى دينهم الغالب صدقهم، والنادر كذبهم، ولم يعتبره الشرع لطفا بالعباد، وسدا لذريعة أن يدخل دينهم ما ليس منه.
التاسع: رواية الجمع الكثير من الفسقة بشرب الخمر وقتل النفس وهم رؤساء عظماء فى الوجود كالملوك والأمراء ونحوهم، الغالب عندنا اجتماعهم على الرواية الواحدة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والغالب صدقهم، فإن لهم وازعا طبيعيا يمنعهم الكذب معرة لا دينا، ومع ذلك لم تقبل روايتهم صونا للعباد عن أن يدخل فى دينهم ما ليس منه، بل جعل الضابط العدالة، ولا يحكم بكذب هؤلاء.
العاشر: رواية الجمع الكثير من المجاهيل للحديث النبوى الغالب صدقهم والنادر كذبهم

ولم يحكم بصدقهم ولا كذبهم.
الحادى عشر: أخذ السراق المتهمين بالسرقة بالتهم، وقرائن أحوالهم كما يفعله الأمير اليوم دون الإقرار الصحيح والبينات المعتبرة، الغالب مصادفتهم الصواب والنادر خطأهم، ومع ذلك ألغاه الشرع صونا للأعراض والأطراف عن القطع.
الثانى عشر: أخذ الحكام بقرائن الأحوال من المتكلم وكثرة الشكوى والبكاء مع كون الخصم مشهورا بالفساد والعناد، والغالب مصادفته للحق والنادر خطأه ومع ذلك منعه الشارع منه وحرمه ولا يضر الحاكم ضياع حق لا بينة عليه.
الثالث عشر: الغالب على من وجد بين فخذى امرأة وهو متحرك حركة الواطئ وطال القران فى ذلك أنه قد ولج، والنادر عدم ذلك فإذا شهدوا عليه بذلك لغى الشارع هذا الغالب ولم يحكم بوطئه ولا بعدم وطئه.
الرابع عشر: شهادة المبرز لولده الغالب صدقه، وقد ألغاه الشارع ألغى كذبه فلم يحكم بواحد منهما.
الخامس عشر: شهادة/ 166 - ب العدل المبرز لوالده الغالب صدقه ولم يحكم الشرع بصدقه ولا بكذبه بل ألغاهما.
السادس عشر: شهادة العدل المبرز على خصمه، الغالب صدقه وقد ألغى الشرع صدقه وكذبه.
السابع عشر: شهادة الحاكم على فعل نفسه إذا عزل وشهادة الإنسان لنفسه إذا وقعت من العدل المبرز فى العدالة، الغالب صدقه، وقد ألغى الشارع صدقه وكذبه.
الثامن عشر: حكمه لنفسه وهو من أهل العدل والتقوى، الغالب صدقه وأنه يحكم بالحق والنادر خلافه وقد ألغى الشارع ذلك الحكم وحكم ببطلانه.
التاسع عشر: القرء الواحد فى العدة الغالب منه براءة الرحم، والنادر شغله ولم

يحكم الشرع بواحد منهما حتى ينضاف إليه قرءان آخران.
العشرون: من غاب عن امرأته سنين ثم طلقها أو مات عنها الغالب براءة الرحم والنادر شغله، وقد ألغاهما صاحب الشرع وأوجب عليها استئناف العدة بعد الوفاة، والطلاق، لأن وقوع الحكم بغير سببه غير معتد به.
والمقصود من ذكر هذه الأمثلة من أجناس مختلفة أن يظهر لك أن إطلاق القول بترجيح الغالب على النادر مما لا ينبغى، بل ما يكون ذلك إلا بحث شديد ومعرفة الباحث بالمسائل الفقهية والدلائل الشرعية، واستقرائه لذلك كله فبعده يصح له أن يحكم بترجيح الغالب.
وأيضا فلا ينبغى أن يقال إذا تعارض الأصول والغالب فأيهما يرجح قولان؟ فقد ظهر أجناس كثيرة اتفق الناس فيها على تقديم الغالب على الأصل، كما فى أمر البينة فإن الغالب صدقها والأصل براءة الذمة والتنبيه على هذا اللفظ فى الإطلاق هو المراد المقصود من بيان هذا الفرق، وأكثر هذا لفظ القرافى وبعضه بالمعنى على سبيل الاختصار أيضا.

[ص] فصل [ش] أى في القضاء والشهادة.

[ص] 357 - المدعى عليه من يوافقه... عرف أو أصل بعضهم يحققه/ 167 - أ 358 - بأنه أقرب خصمين سبب... والضد مدع كناظر طلب [ش] بدأ بقاعدة المدعى والمدعى عليه، لأن من ميز بينهما لم يلتبس عليه الحكم، كما قال بن المسيب.
قال أبو عمرو بن الحاجب: والمدعى من تجرد قوله عن مصدق، والمدّعى عليه من ترجح قوله بعهود، أو أصل، فلذلك كان مدعى رد الوديعة مقبولا

لائتمانه ومدعى حرية الأصل صغيرا كان أو كبيرا، ما لم يثبت عليه حوز الملك بخلاف مدعى العتق.
قال شهاب الدين القرافى: فى الفرق بين قاعدة المدعى والمدعى عليه: إذ هما يلتبسان لأنه ليس كل طالب مدعيا، ولا كل مطلوب مدعى عليه.
للأصحاب فيه عبارتان: إحداهما: أن المدعى هو أبعد المتداعيين سببا، والمدعى عليه هو أقرب المتداعيين سببا.
والعبارة الثانية: وهى توضح الأولى المدعى من كان قوله على خلاف أصل أو عرف، والمدّعى عليه من كان قوله على وفق الأصل أو عرف.
وبيان ذلك بالمثال: أن اليتيم إذا بلغ وطللب الوصى بماله فإنه مدعى عليه، والوصى المطلوب مدع، عليه البينة، لأن الله تعالى أمر الأوصياء بالإشهاد على اليتامى إذا دفعوا إليهم أموالهم، فلم يأتمنهم على الدفع بل على التصرف والإنفاق خاصة، وإذا لم يكونوا أمناء كان الأصل عدم الدفع، فهذا طالب واليمين عليه، لأنه مدعى عليه، والوصى مطلوب وهو مدع [وإنما قلنا اليمين عليه لقوله عليه السلام: "البينة على المدعى واليمين على من أنكر"] ونظائر هذا كثيرة فيكون الطالب فيها مدعى عليه ويعتمد أبدا الترجيح بالعوائد وظاهر الأحوال والقرائن، وعلى هذا إذا ادعى قزاز، ودباغ جلدا كان الدباغ مدعى عليه.

أو قاض وجندي رمحا [كان الجندي مدعى عليه] وهلة خذا مسألة الزوجين إذا اختلفا فى متاع البيت أن القول فول الرجل فيما يشبه قماش الرجل والقول قول المرأة فينا يشبه قماش النساء وقد تقدم هذا وخالفنا الشافعي.
وأما الأصل وحده/ 167 - ب من غير ظاهر الحال ولا عرف، كمن ادعى علي شخص دينًا أو غصبًا أو خيانة أو نحوهما فالأصل عدم هذه الأمور ويكون القول فى ذلك قول المطلوب مع يمينه، لن الأصل يعضده ويخالف الطالب وهذا مجمع عليه، وإنما الخلاف فيما قبله وظهر لك بهذا قول الأصحاب أن المدعى هو أضعف المتداعيين سببًا والمدعى عليه هو أقوى المتداعيين سببًا.
تنبيه: ما ذكرنا من ظاهر الحال ينتقض بما اجتمعنا عليه من أن الصالح البر التقي العظيم الشأن فى العلم والدين، مثل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب لو ادعى على أفسق الناس أو أرذلهم لا يصدق فيه، وعليه البينة وهو مدع، المطلوب مدعى عليه، وعكسه لو ادعى الطالح على الصالح كان الحكم كذلك، وبهذا يحتج الشافعي علينا وينقض علينا الحدود انتهى باختصار البقوري.
ونص الأصل: وكما أن هذه الصورة فهي نقض لقولنا المدعى من خالف قوله أصلًا أو عرفا، والمدعى عليه من وافق قوله أصلًا أو عرفا فإن العرف في هذه الصورة

[ش] اهد، وكذلك الظاهر، وقد ألغيا جميعًا فكان ذلك أبطالًا للحدود المتقدمة ونقضا على المذهب فتأمل ذلك.
وأجاب الإمام أبو عبد الله البقوري عن أشكاله، بأن قال: الظواهر التي ذكرناها جلية بينة غير خاف قبولها، وما نقضت به من دعوى البر التقي على الفاسق لطروق الشك فى هذه الظواهر فإن القلوب بيد الله تعالى يقلبها كيف شاء، فيكون تقيا الزمن الطويل ثم ينعكس، وبالعكس ومعرفة هذا الأمر الخفى فألغى هذا الظاهر هنا ولم يعتبر بخلاف الظواهر التي ذكرناها لا يطرقها ما طرق هذا فاعتبرت وترتب الحكم عليهما.
انتهى.
وقال القاضي أبو عبد الله المقري: قاعدة: المدعى أبعد المتداعيين سببا، وهو من كان على خلاف أصل أو عرف أو ظهار، والمدعى عليه أقربهما سببًا وهو من وافقت دعواه أحدهما وقد يتساويان كالمتبايعين/ 168 - أفالأصل كدعوى بقاء الملك، والعرف كدعوى الأشبه وهي مسموعة بعد الفوات اتفاقًا، ومع القيام قولان.
ابن بشير: وهما خلاف فى حال، فإن ادعى شبها وأبعد صاحبه فينبغي أن لا يختلف أن القول قول من ادعى الشبه، وإن ادعى الآخر ما يمكن ويتغابن الناس به لم يلتفت إلى الشبه، والظاهر.
أما ظاهر حال أو قرينة فقال: وبالجملة ما أفاد ظن الصدق، وليس كل طالب مدعيا ولا كل مطلوب مدعى عليه، فعلى هذه القاعدة تتخرج فروع الدعاوى قال ابن المسيب: من عرف المدعى من المدعى عليه لم يلتبس عليه الحكم انتهى وقال العلامة شهاب الدين بن حجر: واختلف الفقهاء فى تعريف المدعى والمدعى عليه [والمشهور فيه تعريفان: الأول: المدعى من يخالف قوله الظاهر، والمدعى عليه] بخلافه.
الثانى: من إذا سكت تركه وسكوته، والمدعى عليه إذا سكت لم يترك، والأول

وأشهر والثاني أسلم.
وقد أورد على الأول أن المودع إذا ادعى الرد أو التلف، فإن دعواه يخالف الظاهر، ومع ذلك فالقول قوله، وقيل فى تعريفهما غير ذلك انتهى.
والثانى قد ذكره المازرى فى شرح التلقين عن بعضهم.
قوله: ((بعضهم يحققه بأنه أقرب خصمين سبب)) أى بعضهم يحقق المدعى عليه بما ذكر، وفسر المؤلف هذا البعض فى طرة بخطه بقوله: هو القرافى وغيره.
وفسره تلميذ له زعم أنه أخرج نسخته من مبيضه المؤلف وأنه سأله عن كل ما أشكل فيها وأنه لم يسبقه إلى كتبها أحد.
بقوله: نقله القرافى عن بعضهم.
انتهى.
وقد رأىت أن القرافى نقله عن الأصحاب وقرره وسلمه فهو أحد القائلين به والبعض يصدق على الواحد والجماعة فصح كل من التفسرين.
ابن عبد السلام بعد أن ذكر أنه اختلفت عبارات الفقهاء فى تحديد كل واحد منهما قال: وتحويمهم على شيء واحد، وهو أن من أراد التمسك بالأصل فهو المدعى عليه، ومن أراد النقل/ 168 - ب عنه فهو المدعى، إلى غير ذلك من العبارات المؤدية إلى هذا المعنى، غير أنه يتعارض النظر فى كثير من المسائل من هو المتمسك بالأصل من الخصمين.
وأيضا فهنالك أمور [اختلف الفقهاء فى ترجيح أحد الخصمين على الآخر بسببها وأمور] اتفقوا على الترجيح بها، ويختلف النظر فى حصول ذلك المرجح فى صورة النزاع فهذه الوجوه وما أشبهها صعب علم القضاء ودق.

وقوله: ((والضد مدع)) أى المدعى هو الضد على كلا التعريفين.
ابن عبد السلام: فإن قلت: لا إشكال أن كل خصمين فلا بد أن يكون أحدهما مدعيا [والآخر مدعى عليه، أو يكون أحدهما مدعيًا] من وجه مدعى عليه من وجه وبالجملة إن معرفة المدعى تغني عن معرفة المدعى عليه، فلم عرف المؤلف كل واحد منهما وهلا اكتفى المدعى بتعريف أحدهما عن تعريف الآخر؟ قلت: قد قلنا الآن إنه ربما أشكل تمييز المدعى عليه فى صورة بعض الصور وقد تكون معرفة كل واحد منهما ظاهرة، وقد تكون معرفة أحدهما دون الآخر فإذا كان رسم كل واحد منهما معلومًا الفقيه، وعرضت عليه مسألة نظر فيما ينوب كل واحد من الخصمين، فإن انطبق رسم المدعى على كلام أحدهما [ورسم المدعى عليه على الآخر فذلك غاية البيان، وان انطبق رسم المدعى على كلام أحدهما] ولم ينطبق رسم المدعى على كلام الآخر، لم يضره ذلك، لن معرفة المدعى توجب معرفة المدعى عليه، وكذلك العكس، فلهذا احتاج إلى تعريف كل واحد منهما والله أعلم.
قوله: ((كناظر طلب)) أي ناظر على يتيم طلبه اليتيم بعد الرشد بالمال، فزعم الدفع فهو مدع، لأن الأصل الاستصحاب، لأن اليتيم لم يأتمنه، وقد مر ما فيه من الخلاف.

[ص] 359 - طلب ما بذمة المعين... أو المعين كثوب بين 360 - أو مترتب عليه ما ذكر... كمرأة ووارث اعتبر/ 169 أ 361 - شرعا وإلا لا كعشر سمسمه... دعوى صحيحة وجهلا عدمه 362 - ولم تكذب عادة وحققا... وفرض صح به تعلقا [ش] القرافى: فى الفرق الحادى والثلاثين والمائتين بين قاعدة الدعوى الصحيحة والدعوى الباطلة: فضابط الدعوى الصحيحة أنه طلب معين، أو ما فى ذمة معين، أو ما يترتب عليه أحدهما معتبر لا تكذيبا العادة شرعا:

فالأول: كدعوى أن السلعة اشتراها وغصبت منه.
والثانى: كالديون والسلم، ثم المعين الذي يدعى فى ذمته، قد يكون معينًا بالشخص كزيد أو بالصفة كدعوى الدية على العاقلة، والقتل على جماعة وأنهم اتلفوه له متمولا.
الثالث: كدعوى المرأة الطلاق، أو الردة على زوجها، فيترتب لها حوز نفسها وهى معينة، أو الوارث أنه مات مسلما أو كافرا فيترتب له الميراث المعين فهن مقاصد صحيحة.
وقولنا معتبر شرعا احترازا من دعوى عشر سمسمة فإن الحاكم [لا يسمع مثل هذه الدعوى] فإنه لا يترتب عليها نفع شرعى، ولهذه الدعوى أربعة شروط: أن تكون معلومة، محققة، لا تكذبها العادة، يتعلق بها غرض صحيح.
وفى الجواهر: لو قال: لي عليه شئ لم تسمع دعواه، لأنها مجهولة، وكذلك أظن أن لى عليك ألفا أو لك علىّ ألف، وأظن أنى قبضتها لم يسمع لتعذر الحكم بالمجهول إذ ليس بعض أولى من بعض، ولا ينبغى للحاكم أن يدخل فى الخطر بمجرد الوهم من المدعى.
ثم قال بعد كلام: وقول أصحابنا: إن من شرطها أن تكون معلومة نظر فإن الإنسان لو وجد وثيقة فى تركة مورثه، أو أخبره عدل بحق له فالمنقول جواز الدعوى بمثل هذه والحلف بمجرده عندنا، وعندهم- يعنى الشافعية مع أن هذه الأسباب لا تفيد

إلا الظن [فإن العلم فى نفس الطلب وليس كذلك] وإن أرادوا التصريح بالظن يمنع الصحة والسكوت عنه لا يقدح، فهذا مانع إلا أن عدمه شرط.
وأيضا فما جاز الإقدام معه/ 169 - ب لا يكون التصريح به مانعا، كما لو شهدوا بالاستفاضة وبالسماع وبالظن فى الفلس (وحصر الورثة) وصرح بمستنده فى الشهادة.
وقال بعض الشافعية: يقدح تصريح الشاهد بمستنده فى ذلك، وليس له وجه فإنما جوزه الشرع لا يكون النطق به منكرا وهذا مقتضى القواعد.
ثم قال بعد كلام: المسألة الثانية فى بيان قولي: لا تكذبها العادة والدعاوى ثلاثة أقسام: قسم: تصدقه العادة كدعوى القريب الوديعة.
وقسم: تكذبه العادة، كدعوى الحاضر الأجنبي ملك الدار فى يد زيد، وهو حاضر يراه يهدم ويبنى ويؤجر مع طول الزمان من غير وازع يزعه عن الطلب من رغبة أو رهبة فلا تسمع دعواه، لظهور كذبها، والسماع انما هو لرفع الصدق، فإذا تعين الكذب عادة امتنع رفع الصدق.
والقسم الثالث: لم تقض العادة بصدقها ولا كذبها كدعوى المعاملة ويشترط فيها الخلطة.
قوله: ((طلب ما بذمة المعين)).
القرافى: الذمة معنى شرعى مقدر في المكلف قابل للالتزام والإلزام وشرط ثبوته

انتفاء الحجر انتهى.
وقد مر تحقيق ذلك.
وطلب مبتدأ، والخبر دعوى صحيحة، والمعين من قوله: ((أو المعين)) معطوف على ما بين نعت لثوب ومعناه كثوب ظاهر، وأشار بظهوره إلى تعيينه ومترتب هو ما ذكر، وما واقعه على المعين، أو غير المعين أى أو مترتب عليه أحدهما، ومعتبر من كلام القرافى مخفوض نعت لأحد الثلاثة السابقة وعبارة القرافى الآتية أبين.
قوله: ((كمرأة ووارث)) هما مثالان للمترتب عليه المعين، قوله: ((إن اعتبر شرعا)) ضمير اعتبر عائد على ما، أى إن اعتبر المطلوب المدعى فيه شرعا وهذا الكلام مؤخر في التقدير عن قوله دعوى صحيح أى طلب ما تقدم دعوى صحيحة إن اعتبر شرعا، وعدم جهلا- إلى آخره-.
قوله: ((وإلا لا)) أى وان لا يعتبر شرعا فلا تصح الدعوى، فحذف الفاء من جواب الشرط للضرورة، كقول الشاعر:/ 170 - أ من يفعل الحسنات الله يشكرها..................... وقوله: ((وجهلا عدمه)) جهلا منصوب على شريطه التفسير والمفسر معطوفا على اعتبار أى وان اعتبر المدعى فيه شرعا وعدم جهلا عدمه، وطرر عليه المؤلف بخطه جملة حالية.
انتهى.
وعليه فتقدر قد، أى وقد عدم جهلا، [ولم تكذب عادة، وهو معطوف على اعتبر وكذا قوله: ((وحققا)) أى مطلوب]، قوله: ((وفرض صح به تعلقا)) يحتمل أن يكون رفع غرض بفعل محذوف يفسره ما بعده، وتكون الواو عاطفة على اعتبر ويحتمل أن يرتفع على الابتداء فتكون الواو للحال، والظاهر أن هذا الشرط يغني عن قوله إن اعتبر شرعا، لكونه أشمل، ويتبين بكلام القاضى أبى عبد الله المقرى قال: قاعدة: لا يعتبر الشرع من المقاصد إلا ما تعلق به غرض صحيح من جلب مصلحة

أو درء مفسدة، ولذلك لا يسمع الحاكم الدعوى في الأشياء التافهة الحقيرة ولا يمكن المستأجر ونحوه من قلع ما لا قيمة له بعد القلع، ومقتضى هذه القاعدة أنه إذا عين صاعا من صبرة وباعه أنه لا تعين وإن قالت المالكية بتعينه ولا العين لذتها وان اختلفوا فيه.
وقال أيضا بعد: قاعدة: الدعوى الصحيحة طلب معين أو ما في ذمة معين أو ما يترتب نفع معتبر شرعا بحيث لا تكذبه العادة كدعوى المرأة الطلاق فيترتب لها حوز نفسها والوارث أنه مات مسلما أو كافرا فيترتب له الميراث.

[ص] 363 - وكل ما ثبوته مقيد... بشاهدى عدل فإن تجرد 364 - فلا يمين مطلقا...................... [ش] هذا كقول أبى عمرو بن الحاجب: وكل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها، ولا ترد كقتل العمد، والنكاح والعتق، والنسب والولاء والرجعة.
ابن عبد السلام: هذا ظاهر لأنه بتقدير أن ينكل المدعى عليه لا يتم الحكم عندنا بمجرد النكول بل لابد مع ذلك من يمين المدعى، وقد تقدم أن نكول المدعى عليه مع يمين المدعى/ 170 - ب إنما يجري فيه الشاهد واليمين.
قوله: ((فإن تجرد فلا يمين مطلقًا)) أى فإن تتجرد الدعوى التي لا تثبت إلا بشاهدين عن الشهادة فلا يمين، فتجرد على حذف إحدى التائين، ويحتمل أن يكون بضم التاء مبنيًا للمفعول فلا حذف، وضبطه المؤلف بهما، واحترز بشرط التجرد مما إذا اقترنت بشاهد واحد فإن اليمين تتوجه.

ابن الحاجب: ويطالب المشهود عليه بالشاهد في النكاح والطلاق والعتاق بأن يقر أو يحلف فإن امتنع فالأخيرة أن يحبس لهما لا أن يحكم بالشهادة.
وقال ابن القاسم: يحبس سنة.
قال سحنون أبدا.
خليل: ومساواته الناكح لهذين خلاف المعروف، نعم حكى ابن الهندى في وثائقه: قولان بوجوب اليمين في النكاح كما يجب فى غيره، لأن النكاح أشبه بالبيوع، واستقرى أيضا مما لابن القاسم فى الموازية، ومما في الواضحة من التوضيح وأصله لابن عبد السلام، وشمل إطلاق المؤلف دعوى جرح العمد على القول بأنه لا يثبت إلا بشاهدين.
ابن عبد السلام: واختلف المذهب فى توجه دعوى الجرح من غير بيان سببه فقيل: يحلف المدعى عليه [وقيل: لا يحلف وإن بين المدعى لذلك سببا فقيل: يحلف المدعى عليه] وقيل: يضرب، فإن أبى أن يحلف على القول بذلك فقيل: يسجن، وقيل: إن طال سجنه أدب إلا أن يكون مبرزا.
صح من شرحه.
ابن فرحون: وقاعدة المذهب في هذا- أي في تعلق اليمين بالدعوى- أن كل دعوى لو أقر بها المدعى عليه، لا تنفع المدعى بإقراره، فإنه إذا لم يقر وأنكر تعلقت على اليمين على الجملة، ما لم يخرج ذلك أصلا من قواعد الشرع، مثل أن يطلب المحكوم عليه القاضي باليمين أنه ما جار عليه، أو يطلب المشهود عليه يمين الشهود أنهم لم يكذبوا في شهادتهم فإن هذا لا يختلف في سقوط الدعوى، وكونها لا يلتفت إليها، لأنها تفسد قواعد الشرع في الأحكام ولا يشاء أحد أن يحط منزلة القاضي والشهود إلا/ 171 - أادعى مثل ذلك حتى يؤدى ذلك إلى الوقوف عن القضاء والشهادة، وأما تحليف القاضي للشهود فليس من هذا الباب وسيأتي ذكره في قسم السياسة.
مسألة: ويستثنى من هذه القاعدة أيضا دعوى المرأة على زوجها أنه طلقها

ودعوى العبد على سيده أنه أعتقه فإن عندنا لا تتعلق اليمين بهذه الدعوى مجردة لأجل أن ذلك لو فتح فيه الباب لم تشأ امرأة أن تستحلف زوجها كل يوم مرارا إلا وفعلت وكذا العبد مع سيده، إذ ادعى عليه العتق فسقطت هذه الدعوى مع كونها مفيدة لو أقر بها المدعى عليه، لأجل ما يتخوف من تكريرها مضارة حصول الأذى للأزواج والسادات انتهى.
وقاعدة المذهب التي ذكر أصلها للإمام المازرى ونقلها عنه صاحب التوضيح على قول ابن الحاجب: وكل دعوى لا تثبت إلا بشاهدين فلا يمين بمجردها.

[ص] ......... نعم تجب... إن نفى وما كان طلب 365 - مستوفيا شروط ما تقدما... ومشبها كمن بسوق علما [ش] فاعل تجب عائد إلى اليمين، والقيد المنفى كون الدعوى لا تثبت إلا بشاهدين ويعنى بالشروط المتقدمة شروط الدعوى الصحيحة.
القرافى: في الفرق السابع والثلاثين والمائتين بين قاعدة من شرع إلزامه بالحلف وقاعدة من لا يلزمه الحلف: فالذى يلزمه الحلف كل من توجهت عليه دعوى صحيحة مشبهة، فقولنا صحيحة احترازا من المجهولة أو غيره المحررة، وما فات فيه شرط من الشروط المتقدمة فى هذه القاعدة، قولنا مشبهة احترازا من التي يكذبها العرف، وقد تقدم أن الدعوى ثلاثة أقسام، ما يكذبها العرف، وما يشهد لها وما لم يتعرض لتكذيبها ولا تصديقها.
فما شهد لها كدعوى سلعة معينة بيد رجل، أو دعوى غريب وديعة عند جاره، أو مسافر أنه أودع أحد رفقائه، وكالدعوى على الصباغ المنتصب أنه دفع إليه متاعا ليصبغه، أو على أهل السوق المنتصبين للبيع أنه اشترى من أحدهم، أو يوصى/ 171 - ب في مرض موته أن

له دينا عند رجل، فيشرع التحليف ها هنا بغير شرط وتتفق الأئمة فيها والتي شهد بأنها غير مشبهة وهى كدعوى دين ليس على من تقدم فلا يستحلف إلا بإثبات خلطة انتهى.
قوله: ((علما)) صلة من أي كمن علم بسوق.

[ص] 366 - والحكم والثبوت شيء اتحد... وقيل غير ان نعم هذا أسد 367 - وخصص الكل كما قد عمما... نهوض حجة ثبوت رسما 368 - والحكم إنشاء كلام قررا؟؟؟ في النفس إلزاما............ [ش] القرافى: في الفرق الخامس والعشرين والمائتين بين قاعدة الحكم وقاعدة الثبوت: اختلف فيهما، هل هما بمعنى واحد أو الثبوت غير الحكم والعجب أن الثبوت يوجد في العبادات والمواطن التي لا حكم فيها بالضرورة إجماعا فيثبت هلال شوال وهلال رمضان وتثبت طهارة المياه ونجاستها، ويثبت عند الحاكم التحريم بين الزوجين بسبب الرضاع، والتحليل بسبب العقد، ومع ذلك لا يكون شيء من ذلك حكما، وإذا وجد الثبوت بدون الحكم كان أعم من الحكم والأعم من الشئ غيره بالضرورة، ثم الذى يفهم من الثبوت نهوض الحجة كالبينة وغيرها، السالمة عن المطاعن فمتى وجد شيء من ذلك يقال في عرف الاستعمال ثبت عند القضى ذلك، وعلى هذا التقدير يوجد الحكم بدون الثبوت أيضا كالحكم بالاجتهاد فيكون كل واحد منهما أعم من الآخر وأخص من وجه، ثم ثبوت الحجة مغاير للكلام النفسانى الإنشائى الذي هو الحكم، فيكونان غيرين بالضرورة ويكون الثبوت نهوض الحجة، والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام والحكم ويترتب على هذا الثبوت، وهذا فرق آخر من جهة أن الثبوت يجب تقديمه على الحكم، ومن قال بأن

الثبوت هو الحكم لم يتحقق له ما معنى ما هو.
قوله: ((نعم هذا أسد)) أي القول بأنهما غير ان أسد من لقول الاتحاد.
قوله: ((وخصص/ 172 - أالكل كما قد عمما)) أي جعل كل واحد من الحكم والثبوت أخص من الآخر وأعم بمعنى أن بينهما عموما وخصوصا من وجه.
قوله: ((نهوض حجة ثبوت رسما)) أي الثبوت رسم، أي عرف بنهوض الحجة فانتصب نهوض بعد إسقاط الخافض.
قوله: ((والحكم إنشاء كلام قروا في النفس إلزاما)) نصب إلزاما على الحال من ضمير قرر، وهذا كقول القرافى: والحكم إنشاء كلام في النفس هو إلزام.
قال القاضي أبو عبد الله المقرى: قاعدة: الفتيا إخبار عن حكم الله تعالى فهو كالمترجم، والحكم إنشاء له، فهو كالنائب، فمن ثم لا تلزم الفتيا من لا يعتقدها كالإمام الشافعى يثبت الهلال بواحد ويبرح به، فلا يلزم المالكي الصوم بذلك ويلزمه الحكم مطلقا، ومن ثم قيل: الحكم هو الثبوت، فهما غيران مطلقا انتهى.
وقال ابن عبد السلام: ولا يكون قول القاضى ثبت عندى حكما منه، بمقتضى ما ثبت عنده فإن أعم منه، وإنما أوجب هذا البيان أن بعض من ينتهى إلى علم الأصول من أهل القيروان غلط فى ذلك، فألف الإمام المازرى جزءًا فى الرد عليه وجلب عليه نصوص المذهب والمسألة جلية لا تحتاج إلى بيان.
الشيخ ابن عرفة: وأنا أذكر لبابه مختصرا- أي لباب الجزء- فإنه تفريق بخطابات أدبية لا يحتاج لذكرها هنا.

قال: حدث سؤال أفتيت فيه وجميع من يستفتى بالمهدية بجواب واحد، وعلى أن ما خالفه باطل فاسد، فظن بعض من نشأ ممن ينسب للفقه أنه خفى شأنه وأخمله زمانه مكنونه وكشفه.
وهو: أن بعض القضاة أنفذ كتابا لقاض، ذكر فيه: وثبت لدى أن فلانا وفلانا اشتريا من فلان في عقد واحد كذا وكذا سهما بثمن سماه، ثم ذكر بعد ذكر هذا وما يتعلق به فسألنى الحامل لهذا الكتاب إنهاء جميع ذلك للقاضى ليفعل فيه موجبه، فاتفق رأى الجماعة الذين استرشدوا فيه/ 172 - ب على أنه لا يوجب نقل ملك البائع فتتعلق به الأحكام التابعة لنقل الملك من الشفعة وغيرها، وعن تعلق الشفعة وقع الكلام، والدليل أن هذا الكتاب لا يوجب على الشريك أخذا للشفعة أو تركها أنها لا تجب إلا بعد انتقال الملك، لأن بيع الخيار لا تجب فيه الشفعة ما لم يبت، والملك قد انتقل فيه على أحد القولين عندنا، والملك لا يثبت انتقاله إلا إذا اعترف بع المتعاقدان، أو حكم به عليهما عند الإنكار، وهذا الكتاب لم يذكر فيه اعتراف البائع بالبيع، ولا صرح من بعثه بأنه حكم بالبيع وقضى به، بل أورد لفظا محتملا للحكم ولما سواه، ولا تلزم القضايا والأحكام بلفظ فيه إشكال وإيهام، وهذا مما لا يختلف فيه أحد من ذوى الأفهام، واللفظ الذي أشرنا إليه بالاحتمال هو قول القاضى: وثبت عندى أن فلانا اشترى من فلان، وقوله: ثبت عندى لفظ يتردد بين ثبوت حكم وقضية، وبين استماع لما أثبته من بينة زكية دون إيقاع حكم، وأبرام قضية فإن تعسف متعسف ورأى أن الثبوت نص في القضايا والأحكام، قيل له: انما يتحاكم في هذا لأهل اللسان، وأرباب البيان، ووجدنا أهل اللسان يقولون ثبت عندنا موت الخليفة وخصب أرض كذا، وثبت عدنا ظلم فلان وعداوته إلى غير ذلك مما علموه بالخبر عنه وتلقوه بالقبول من أفواه العدول مما لا يصح أن ينتصب له الحكام وتطلب فيه القضايا والأحكام، وجملة الأمر أن المعنى بالثبوت لغة حصول الأمر وتحققه ولهذا حد بعض المتكلمين العلم بأنه إثبات المعلوم على ما هو به، وإن كان هذا الحد مرغوبا عندنا والروايات مسطورة بصحة ما قلناه.

قال أشهب: إذا كتب قاض إلى قاض بأمر مختلف فيه والمكتوب إليه لا يرى ذلك الرأى فإن كتب إليه أنه حكم بما في كتابه وأنفذه جاز ذلك، وأنفذه، هذا وإن لم يكن قطع فيه الحكم، وإنما كتب بما ثبت عنده للخصم فلا ينبغي له أن يعمل برأى الكاتب، ومثله لابن حبيب عن الأخوين.
وفي الموازية/ 173 - أيجب إنفاذ ما فى كتاب القاضى إن كان فيه إنى قضيت لفلان على فلان، وإن لم يكن في الكتاب الفراغ من الحكم فعلى المكتوب إليه أن يتم الحكم ولا يستأنفه.
ابن عرفة مسألة النزاع بين المازرى ومنازعه مبنية على تحقيق أمرين: أحدهما: أن فاعل ثبت في كتاب القاضى لقاض آخر بلفظ ثبت كذا هل هى بمنزلة المقضى به عنده أم لا؟ والحق أنه مختلف فيه على قولين: أحدهما: أنه ليس كالمقضى به وظاهر قول ابن رشد حيث قال فيما قدمناه عنه فى مسألة تسمية القاضى فى كتابه من شهد عنده ما نصه: لأن كتاب القاضى بما ثبت عنده على رجل في بلد المكتوب إليه ليس بحكم على غائب.
والثانى: أنه كالمقضى به وهو فهم ابن رشد المذهب.
حيث قال: إن كتب بثبوت شهادة البينة فقط لم يأمر بإعادة شهادتهم، وإن كتب بتعديلهم أو بقبوله إياهم إلى آخر..... كلامه المتقدم.
ولفظ لمازرى الذي نقلناه عنه من شرح التلقين نص فى أنه مختلف فيه بين العلماء.
ولم يصرح فيه عن المذهب بشئ، ونقل الشيخ عن أشهب: يقتضى أنه ليس كالمقضى به.
الأمر الثانى: هو أن مسمى اشترى هل يقتضى ثبوت ملك المشترى، مفعول اشترى وهو المشترى أم لا فالمازرى ومن ذكر أنه وافقه على فتواه من فقهاء (المهدية) يقول:

إنه لا يقتضي ملكه، وخصمه يقول: يقتضى ملكه ابن عرفة: وهذا هو مقتضى ألفاظ المدونة عندى، منها قولها- إلى آخره- وبفهم كلامه في المسألة تتحرر وينجلى تحقيقها.

[ص] ............................................. وقد تأثرا 369 - به الذى تقاربت مداركه.... وباجتهاد تنجلى مسالكه 370 - لاجل ما يصلح من دنيا وقد... اختص بالفتيا جميع ما ورد 371 - من العبادات وما قد منعا... منها وأسباب شروط جمعا 372 - وما للآخرة فيه اختلفا... ورسمها أخبار من قد عرفا 373 - بأنه أهل بحكم شرعا... والحكم وهى في سواها اجتمعا 374 - وربما شاركها فيما ذكر... من الزكاة أيضا إن له افتقر/173 ب [ش] القرافى: في الفرق الرابع والعشرين والمائتين بين قاعدة الفتوى وقاعدة الحكم: وينبنى على الفرق تمكين غيره من الحكم بغير ما قال فى الفتيا فى مواقع الخلاف بخلاف الحكم.
واعلم أن العبادات كلها على الإطلاق لا يدخلها الحكم البتة، بل الفتيا فقط فكل ما وجد فيها من الأخبار فهى فتيا فقط فليس للحاكم أن يحكم بأن هذه الصلاة صحيحة ولا باطلة، ولا أن هذا الماء دون القلتين فيكون نجسا فيحرم على المالكى بعد ذلك استعماله بل يقال فى ذلك إنما هو فتيا إن كانت مذهب السامع عمل بها، وإلا فله تركها والعمل بمذهبه، ويلحق بالعبادات أسبابها فإذا شهد بهلال رمضان شاهد واحد فأثبته حاكم شافعى، ونادى فى المدينة بالصوم، ولا يلزم ذلك المالكى، لأن ذلك فتوى وليس بحكم وكذلك إذا قال حاكم: قد ثبت عندى أن الدين يسقط الزكاة أو لا يسقطها، أو ملك النصاب من الحلى المتخذ لاستعمال مباح سبب وجود الزكاة [فيه، أو أنه لا يوجب

الزكاة] أو غير ذلك من أسباب الأضاحى والعقيقة، والكفارات، والنذور، ونحوها من العبادات المختلف فيها، أو فى أسبابها لا يلزم شئ من ذلم من لا يعتقده، بل يتبع مذهبه فى نفسه ولا يلزمه قول ذلك القائل لا فى عبادة ولا فى سببها، ولا شرطها لا مانعها.
وبهذا يظهر أن الإمام لو قال: لا تقيموا الجمعة إلا بإذنى لم يكن ذلك حكما وان كانت مسألة مختلف فيها، هل تفتقر الجمعة إلى إذن السلطان أم لا؟ وللناس أن يقيموها بغير إذن الإمام، إلا أن يكون ذلك صورة المشاقة، وخرق الولاية، وإظهار الفساد والمخالفة فممتنعة إقامتها بغير أمره، لأجل [ذلك لا ل] انه خلاف اتصل به حكم حاكم، وقد قاله بعض الفقهاء، وليس بصحيح، بل حكم الحاكم إنما يؤثر إذا أنشأ في مسألة اجتهاد تتقارب فيها المدارك، لأجل مصلحة دنيوية، فاشتراط قيد الإنشاء احتراز من/ 174 - أحكمه فى مواقع الإجماع فإن ذلك إخبار وتنفيذ محض، وفى مواقع الخلاف ينشئ حكما وهو إلزاما أحد القولين اللذين قيل بهما في المسألة ويكون إنشاؤه اخبارا خاصا عن الله تعالى فى تلك الصورة فى ذلك الباب، وجعل لله تعالى إنشاءه في مواطن الخلاف قضاء ورد من قبله في خصوص تلك الصورة، كما لو قضى فى امرأة علق طلاقها قبل الملك بوقوع الطلاق فتناول هذه الصورة الدليل الدال على عدم لزوم الطلاق عند الشافعى وحكم الحاكم بالنقض، ولزوم الطلاق نص خاص يختص بهذه المرأة المعينة، وهو نص من قبل الله تعالى، فإن الله تعالى جعل ذلك للحاكم رفعا للخصومات والمشاجرات، وهذا النص الوارد من هذا الحاكم أخص من ذلك الدليل [فتقدم عليه، لأن القاعدة الأصولية أنه إذا تعارض الخاص والعام] قدم الخاص على العام، فلذلك لا يرجع الشافعى يفتى بمقتضى دليله العام الشامل لجملة هذه القاعدة في هذه الصورة، منها لتناولها نص خاص مخرج لها عن مقتضى ذلك الدليل

العام، ويفتي الشافعي بالعام فيما عدا هذه الصورة من هذه القاعدة.
وكذلك لو حكم الشافعى باستمرار الزوجية بينهما خرجت هذه الصورة عن دليل المالكى وأفتى فيها بلزوم النكاح ودوامه، وفى غيرها بلزوم الطلاق، لأجل ما أنشأه الشافعى من الحكم تقديما للخاص على العام، فهذا هو معنى الإنشاء وقولى: فى مسألة اجتهادية احترازا من مواقع الإجماع، فإن الحكم هنالك ثابت بالإجماع فتعذر فيه الإنشاء لتعيينه وثبوته إجماعا.
وقولى: تتقارب مداركها احترازا من الخلاف الشاذ على المدرك الضعيف.
وقولنا: لأجل مصالح الدنيا احترازا من العبادات، والفتوى بتحريم السباع وطهارة الأوانى وغير ذلك مما يكون اختلاف المجتهدين فيه لا للدنيا بل للآخرة بخلاف المنازعة في العقود والرهون والأوقاف ونحوها إنما ذلك لمصالح الدنيا.
وبهذا/ 174 - ب يظهر أن الأحكام الشرعية قسمان: منها: ما يقبل حكم الحاكم مع الفتيا فيجتمع الحكمان.
ومنها: ما لا يقبل إلا الفتيا، ويظهر لك بهذا أيضا تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا وقع هل هو من باب الفتوى، أو من باب القضاء، والإنشاء.
وأيضا يظهر أن أخبار الحاكم عن نصاب اختلف فيه أنه يوجب الزكاة فتوى.
وأما أخذه للزكاة فى مواطن الخلاف فحكم وفتوى من حيث إنه تنازع بين الفقراء والأغنياء فى المال الذى هو مصلحة دنيوية.
وكذلك إن تصرف السعاة والجباة فى الزكاة أحكام لا ينقضها وان كانت الفتيا عندنا على خلافها، ويصير حينئذ مذهبنا.

ويظهر بهذا التقرير سر قول الفقهاء: إن حكم الحاكم فى مسائل الاجتهاد لا ينقض وأنه يرجع على القاعدة الأصولية، وتصير هذه الصورة مستثناة من تلك الأدلة العامة كما المصراة والعرايا والمساقاة وغيرها من المستثنيات.
ويظهر بهذا ان التعزيزات من الحكام ليست أحكاما فتبقى الصورة قابلة لحكم جميع تلك الأقوال المنقولة فيها.
ثم قال بعد كلام: فظهر أيضا من هذه الفتاوى والمباحثات أن الفتوى والحكم كلاهما إخبار عن حكم الله تعالى، ويجب على السامع اعتقادهما، وكلاهما يلزم المكلف من حيث الجملة، لكن الفتوى إخبار عن الله تعالى في إلزام أو إباحة والحكم إجبار ومعناه الإنشاء والإلزام من قبل الله تعالى.
وبيان ذلك بالتمثيل: إن المفتى مع الله تعالى كالمترجم مع القاضى ينقل ما وجده عن القاضى واستفادة عنه بإشارة أو عبارة أو فعل أو تقرير أو ترك.
والحاكم مع الله تعالى كنائب الحاكم ينشئ الأحكام والإلزام بين الخصوم، وليس بناقل ذلك عن مستنيبه، قال له: أى شئ حكمت به على القواعد فقد جعلته حكمى فكلاهما موافق للقاضى ومطيع له وساع في تنفيذ مراده، غير أن أحدهما ينشئ والآخر ينقل نقلا محضا من غير اجتهاد له فى الإنشاء، كذلك المفتى والحاكم كلاهما مطيع لله تعالى/ 175 - أناقل لحكمه غير أن الحاكم منشئ والمفتى مخبر محض انتهى.
وقد اعترض الإمام أبو القاسم ابن النشاط كثيرا من كلامه في هذا الفرق، وقال لا أشد فسادا من كلامه فى هذا الفصل، فقال فى كلامه: لا يلزم ذلك المالكى لأن ذلك ليس بحكم، فيما قاله فى ذلك نظر، إذ لقائل أن يقول: وهو حكم يلزم جميع أهل ذلك البلد.

جارٍ التحميل