شرح فتح المجيد للغنيمانالحديث عن الحمد والثناء

الحديث عن الحمد والثناء

عن هذه الطبعة
عَلَم
عبد الله بن محمد الغنيمان
الكتاب
شرح فتح المجيد
المؤلف
عبد الله بن محمد الغنيمانمصدر
الكتاب
دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 142 درسا]

الحمد والشكر والعلاقة بينهما

قال الشارح رحمه الله: [قال المصنف رحمه الله تعالى: (الحمد لله).
معناه: الثناء بالكلام على الجميل الاختياري على وجه التعظيم، فمورده اللسان والقلب.
والشكر يكون باللسان والجنان والأركان، فهو أعم من الحمد متعلقاً وأخص منه سبباً؛ لأنه يكون في مقابلة النعمة، والحمد أعم سبباً وأخص متعلقاً؛ لأنه يكون في مقابلة النعمة وغيرها، فبينهما عموم وخصوص وجهي، يجتمعان في مادة وينفرد كل واحد عن الآخر في مادة].
معنى ذلك أن الشكر يكون متعلقه عاماً، ولكن سببه خاص؛ لأنه يكون مقابلاً للنعمة فقط، و (متعلقه) يعني أنه يتعلق باللسان وبالجوارح، فيتعلق باللسان بالقول والثناء، ويتعلق بالجوارح بالعمل، كما قال الله جل وعلا: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا﴾ [سبأ:13]، فجعل العمل شكراً، فيكون الذي يصدر منه الشكر أعم، أما سببه الباعث عليه فيكون أخص من الحمد، والحمد يكون أعم سبباً، فسببه عام ومتعلقه أيضاً أخص، وذلك أن الله جل وعلا يحمد على كل شيء، فيحمد على جميع أفعاله، ويحمد على خلقه، ويحمد على جزائه، ويحمد على فعله، ولهذا أخبر جل وعلا أن له الحمد في المبدأ وفي المنتهى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام:1]، هذا في المبدأ، أما المنتهى فإنه جل وعلا لما ذكر جزاءه للكفار والأنبياء وحكمه بين الأنبياء والشهداء والمؤمنين والكفار، وأنه أدخلهم النار وأدخل المؤمنين الجنة فقال: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ [الزمر:71]، إلى آخر الآيات، ذكر في خاتمة ذلك قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الزمر:75]، فقوله: (وقيل) يدل على العموم المطلق، فجميع الخلق قالوا هذا القول، حتى أهل النار حمدوه على قضائه بينهم؛ لأنهم لا يستحقون إلا ذلك، ولا يليق بهم إلا ذلك، فهو يحمد على جميع ما يفعله، يحمد على فعله سواء أكان قضاء، أم كان عقاباً، أم كان إثابة وجزاء، أم كان خلقاً وإيجاداً، أم كان حكماً، أم كان شرعاً أم غير ذلك يحمد عليه، فهذا معنى قوله: إنه أعم سبباً، فأسبابه عامة؛ لأن كل ما يصدر من الله جل وعلا يحمد عليه.

الحمد والمدح والعلاقة بينهما

يبقى الفرق بين الحمد وبين المدح، فالمدح يكون في ذكر الصفة التي يستحق عليها الثناء، ولكن لا يلزم أن يكون الحب والتعظيم في المدح، أما الحمد فلا بد أن يكون فيه ذلك، محبة مع تعظيم، ولهذا جاء في الأثر حديث: (أعوذ بك من أن يكون لفاجر علي منة فيوده قلبي)؛ لأن المنة يحمد عليها، والحمد يكون إذا ذكر الوصف الذي هو فعل الجميل الاختياري فإنه يتضمن الحب والتعظيم، ثم الحمد يكون على الفعل الذي يفعله مختاراً، أما المدح فيكون على ذلك وعلى غيره، أي: على الشيء الذي لا دخل له فيه وهو من فعل غيره.

أحكام الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

قال المصنف رحمه الله تعالى: [وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم] قال الشارح رحمه الله: [أصح ما قيل في معنى صلاة الله على عبده ما ذكره البخاري رحمه الله تعالى عن أبى العالية قال: صلاة الله على عبده ثناؤه عليه عند الملائكة.
وقرره ابن القيم رحمه الله ونصره في كتابيه (جلاء الأفهام) و (بدائع الفوائد)].
الثناء قد قيل: إنه صلاة الله، أما صلاة الخلق فمعلوم أنها الدعاء، قال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة:103] يعني: ادع لهم، فالصلاة من الخلق الدعاء، أن يدعى الله جل وعلا لهم بالخير والمغفرة أو الهداية، وكان صلى الله عليه وسلم إذا أتاه آت بزكاته صلى عليه، قال عبد الله بن أبي أوفى جاء أبي بالزكاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (اللهم صل على آل أبي أوفى)، فقوله: (اللهم صل) دخل فيه أمر الله جل وعلا بأن يصلي عليهم، وبأن يسأل الله له أن يصلي عليه، فالمقصود: أنها من العبد السؤال والدعاء، فالرسول صلى الله عليه وسلم يسأل الله أن يصلي على آل أبي أوفى، وكذلك صلاته على الميت تسأل الله أن يغفر له، وكذلك غيره من الخلق.
وكذلك من الملائكة، فهم قد أخبر الله جل وعلا عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ [غافر:7] إلى آخر الدعاء الذي جاء عنهم، وغير ذلك.
وأما الصلاة من الله فلا يجوز أن نقول فيها: الصلاة من الله الدعاء فالله لا يدعو لأحد، فقال قوم: الصلاة من الله الرحمة، ولكن الله جل وعلا فرق بين الصلاة والرحمة، كقوله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة:156 - 157]، فجعل الرحمة غير الصلاة، مما يدل على أنها غيرها، فكان الأولى بل الصواب والأصح أن يقال: إن صلاة الله على عباده هي ثناؤه عليهم في الملأ الأعلى، أن يثني على عبده عند الملائكة، وإذا أثنى الله جل وعلا على أحد فحسبه ذلك؛ لأنه امتثل أمر ربه وأرضى ربه، فيكون كل شيء راضياً عنه، وكل عباد الله يدعون له، ويسألون له، ويطلبون محبته وموالاته، فهذا من أفضل الأعمال وأعظم الخصائص التي يخص بها ربنا جل وعلا من يشاء من عباده، فإذا قال الإنسان: (اللهم صل على محمد) فمعناه: اذكره مثنياً عليه عند أخص خلقك الذين هم ملائكتك، وهذا يكون أخص من الرحمة، والآية -مثلما قلنا-: دلت على أن الصلاة غير الرحمة.
[قلت: وقد يراد بها الدعاء، كما في المسند عن علي مرفوعاً: (الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه)].
وهذا ليس فيه إشكال؛ لأن هذا من المخلوقين، ولكن الإشكال في الصلاة من الله، هل يقال: الصلاة من الله الرحمة أم الدعاء؟ هذا محل إشكال، والصلاة هي الدعاء من جميع الخلق ملائكة، وأنبياء، ومن المؤمنين، والأصل في الصلاة الدعاء، فالصلاة الشرعية التي تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم وتشتمل على القراءة والركوع والسجود وغير ذلك أصلها مأخوذة من الدعاء، فهذا هو أصلها.

المراد بالآل في الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم

قال الشارح رحمه الله: [قوله: (وعلى آله) أي: أتباعه على دينه، نص عليه الإمام أحمد رحمه الله هنا].
هذا هو أرجح أقوال السلف والعلماء، أن آل النبي صلى الله عليه وسلم هم أتباعه على دينه؛ لأنه جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم -كما في صحيح مسلم وغيره- أنه قال: (ألا إن بني فلان ليسوا لي بآل) وسمى أناساً معينين من الأقرباء نسباً، فمعنى ذلك أنه لما لم يكونوا من أتباعه أخبر صلى الله عليه وسلم أنهم ليسوا له بآل، فكذلك جاء أن أتباعه على دينه هم آله بنص ورد عنه صلى الله عليه وسلم، وهذا لا ينافي كون آله هم الذين حرمت عليهم الصدقة، أو هم أزواجه، وأزواجه يدخلن في ذلك من باب أولى، ولا ينافي ذلك، ولكن هذا عند الصلاة والدعاء يكون عاماً شاملاً.

جارٍ التحميل