الحديث المفسر لهذه الآية
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- عبد الله بن محمد الغنيمان
- الكتاب
- شرح فتح المجيد
- المؤلف
- عبد الله بن محمد الغنيمانمصدر
- الكتاب
- دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 142 درسا]
قال الشارح: [وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه تلا هذه الآية على عدي بن حاتم الطائي رضي الله عنه، فقال: يا رسول الله! لسنا نعبدهم.
قال: أليسوا يحلوا لكم ما حرم الله فتحلونه، ويحرمون ما أحل الله فتحرمونه؟ قال: بلى.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: فتلك عبادتهم) فصارت طاعتهم في المعصية عبادة لغير الله تعالى، وبهذا اتخذوهم أرباباً كما هو الواقع في هذه الأمة، وهذا من الشرك الأكبر المنافي للتوحيد الذي هو مدلول شهادة ألا إله إلا الله، فتبين بهذه الآية أن كلمة الإخلاص نفت هذا كله لمنافاته لمدلول هذه الكلمة، فأثبتوا ما نفته من الشرك، وتركوا ما أثبتته من التوحيد].
يكون الاتباع شركاً أكبر إذا كان الإنسان عالماً بأنهم عملوا هذا الشيء -أي تحليل الحرام وتحريم الحلال- فعلم بذلك واتبعهم على هذا، فيكون قد وقع في الشرك الأكبر.
أما إذا كان جاهلاً فإنه يكون عاصياً من العصاة، يستحق العقاب إن لم يعف الله عنه، وإلا فهو معرض لعقاب الله جل وعلا، ولكن لا يكفر.
معنى قوله تعالى: (ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله)
قال المصنف: [وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:165]].
وهذه الآية أيضاً تبين معنى لا إله إلا الله، وذلك أن الإله هو المألوه الذي تألهه القلوب حباً وخوفاً ورجاءً.
وفي هذه الآية يقول الله تعالى: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:165]، والند: هو المثيل والشبيه والنظير.
فما هناك أحد من الخلق يعتقد أن شخصاً من بني آدم أو صنماً من الأصنام أو شجرة أو حجراً شيئاً يصنعه بيده يكون مثيلاً لله جل وعلا في التصرف والإيجاد والخلق وجميع الأمور، وإنما التنديد في الحب فقط،، اتخذوهم أنداداً في المحبة، أما في التصرف والفعل فهم يعلمون علماً يقينياً بأنه ليس لهم منه شيء، وأن هذا خاصٌ بالله جل وعلا.
إذاً: فيكون معنى ذلك: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:165] أي: في المحبة فقط.
فالتنديد هنا في المحبة فقط، والحب هو الذي قلنا: إنه الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم.
ومعلوم أن الحجر أو الشجر لا يجوز أن يخاف منه، فإذا خاف الإنسان منه أو رجاه فلابد أنه يحبه، وهذا أمر ضروري، ومن وقع في ذلك فقد وقع في الشرك، وهذا يكون من الشرك الأكبر الذي يكون مخرجاً من دين الإسلام، وإذا مات عليه صار من أهل النار، ولهذا قال الله جل وعلا في آخر هذه الآية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ﴾ [البقرة:166]، والأسباب -كما يقول ابن عباس - هي المودة والمحبة التي بينهم، انقطعت وانتهت، وكل واحد تبرأ من الآخر، العابد تبرأ من المعبود، والمعبود تبرأ من العابد ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ [البقرة:166 - 167] يعني: يقولون: يا ليت لنا كرة.
يا ليت لنا رجعة إلى الدنيا.
هذا معناه: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ﴾ [البقرة:167]، فهذا لأنهم أحبوهم حب الإلهية والتعظيم، وهذا هو التنديد، وهذا هو التسوية التي ذكرت في الآية الأخرى التي ذكرت أن أهل النار يخاطبون معبوداتهم وهم في النار فيقولون: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:97 - 98]، والمعنى: لقد كنا ضُلّالاً ضلالاً واضحاً لا يخفى لما كنا نسويكم برب العالمين.
أي: في الحب فقط، ما هو في التصرف، وهذه التسوية هي المذكورة في هذه الآية: ﴿وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة:165]، فيجب أن يكون الحب الخاص الذي يتضمن الذل والتعظيم لله وحده، ولا يجوز أن يكون لغير الله.
وقد يشتبه الأمر على بعض الناس أن بعض المخلوقين يحب أكثر من محبة النفس، كالرسول -مثلاً- صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجب على المسلم أن يحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من محبته لنفسه وأهله وماله والناس أجمعين، وإلا فلا يكون مؤمناً الإيمان الذي ينجيه، فيجب أن يعلم أن هذا الحب-حب الرسول صلى الله عليه وسلم- يكون تابعاً لحب الله، وليس حباً مع الله، بل هو يتبع محبة الله جل وعلا، فالمسلم يحب الله حباً أكثر، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم كذلك تكون أعظم وأكثر؛ لأنه يحب ما يحبه الله، فالله يحب رسوله، فهي تبع لمحبة الله، وليست محبة مع الله أنها ليست محبة ذل وتعظيم وعبادة، وإنما يحب الرسول لأن الله جل وعلا يحبه، فأنت تحب محبوبات حبيبك، فهي مكملة لمحبة الله جل وعلا ومتممة لها، وهذا يتبين في قوله صلى الله عليه وسلم: (من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله فقد استكمل عرى الإيمان) أو نحو ما قال، فمحبته تكون تبعاً لمحبة الله جل وعلا، فإذا رأيت من يطيع الله تحبه، لا لذاته، ولا لأنه شخص أو لأنه قريب، لا، تحبه لعمله، تحبه لأجل فعله، وتحبه لأجل العمل الذي عمله وهو طاعة الله، وكلما زادت طاعته لله تزداد محبته لدى المؤمنين.
وهكذا العكس، فإذا عصى الإنسان ربه يبغضه المؤمن، وإذا زادت معصيته زاد بغضه، والكافر يجب أن يتبرأ منه، كما سبق في الآية أن إبراهيم تبرأ من أبيه وقومه لأجل أنهم كفار، وذلك أن الله جل وعلا بريء من المشركين ورسوله، فيجب أن يكون المسلم كذلك بريئاً من المشركين، كما قال الله جل وعلا: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة:22] أي: لو كان ابنك أو أباك أو أخاك أو زوجك أو أحداً من قومك ما يجوز أن توده وهو عدو لله.
إذاً: فالحب الذي يكون للمخلوقين ما هو حب ذات، حب الذات لا يكون إلا لله وحده؛ لأنه لا يوجد شيء يحب لذاته إلا الله جل وعلا، أما المخلوقون كلهم فيحبون لصفاتهم وأفعالهم فقط، فإذا كان مطيعاً لله حب لأجل ذلك، ما يحب لأنه بشر، وسواءٌ أكانوا أنبياء أم ملائكة أم غير ذلك، وإنما الذي يحب لذاته هو الله وحده، وذلك أنه جل وعلا هو الإله الحق وحده، وهو المالك وحده، وهو الموجد وحده، وهو المنعم وحده على العباد، والعبادة تكون تبعاً لذلك.
الشرك في حب الله يكون شركاً منافياً للتوحيد
قال الشارح رحمه الله: [وكل من اتخذ نداً لله يدعوه من دون الله ويرغب إليه ويرجوه لما يؤمله منه من قضاء حاجاته وتفريج كرباته كحال عباد القبور والطواغيت والأصنام فلابد أن يعظموهم ويحبوهم لذلك؛ فإنهم أحبوهم مع الله، وإن كانوا يحبون الله تعالى ويقولون: (لا إله إلا الله) ويصلون ويصومون فقد أشركوا بالله في المحبة بمحبة غيره وعبادة غيره، فاتخاذهم الأنداد يحبونهم كحب الله يبطل كل قول يقولونه، ويبطل كل عمل يعملونه؛ لأن المشرك لا يقبل منه عمل ولا يصح منه، وهؤلاء وإن قالوا: لا إله إلا الله فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة من العلم بمدلولها؛ لأن المشرك جاهل بمعناها، ومن جهله بمعناها جعل لله شريكاً في المحبة وغيرها، وهذا هو الجهل المنافي للعلم بما دلت عليه من الإخلاص، ولم يكن صادقاً في قولها؛ لأنه لم ينفٍ ما نفته من الشرك، ولم يثبت ما أثبتته من الإخلاص، وترك اليقين أيضاً؛ لأنه لو عرف معناها وما دلت عليه لأنكره أو شك فيه، ولم يقبله وهو الحق، ولم يكفر بما يعبد من دون الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة:165]؛ لأنهم أخلصوا له الحب فلم يحبوا إلا إياه، ويحبون من أحب، ويخلصون أعمالهم جميعاً لله، ويكفرون بما عبد من دون الله.
فبهذا يتبين لمن وفقه الله تعالى لمعرفة الحق وقبوله دلالة هذه الآية العظيمة على معنى شهادة ألا إله إلا الله، وعلى التوحيد الذي هو معناها الذي دعا إليه جميع المرسلين، فتدبر].
يعني أن الحب مع الله يكون شركاً منافياً للتوحيد، فيجب أن يكون الحب خالصاً لله جل وعلا، وحب عباد الله الصالحين متعين، ولكن مثلما سبق أن عباد الله الصالحين يحبون لله لا يحبون معه، فمعنى محبتهم أنها مكملة لمحبة الله جل وعلا.
وأما قوله: (فقد تركوا كل قيد قيدت به هذه الكلمة العظيمة) فالقيود التي قيدت بها هذه الكلمة جاءت في الأحاديث الصحيحة وفي الآيات، كقوله جل وعلا: ﴿إِلاَّ مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [الزخرف:86] يعني: لابد أن يكون عالماً بمعنى هذه الكلمة، (شهد بالحق) الذي هو لا إله إلا الله، (وهم يعلمون) هذه الشهادة ومعناها وحقيقتها حتى لا يخالفوها.
وكذلك قيدت باليقين، فيكون الإنسان موقناً بذلك، والذي يدعو مع الله غيره يكون غير موقن، بل يكون غير عالم بها، وكثير من الناس يغتر؛ لأنه جاء أنه صلى الله عليه وسلم قال: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، والمقصود بقول: (لا إله إلا الله) نفي العبادة عن غيره جل وعلا وإثباتها له، فمن مات وهو لا يعبد إلا الله وحده فإنه يكون من أهل الجنة، ولكن إذا كان يقول: (لا إله إلا الله) وهو يدعو غير الله معه فهذه الكلمة تكون لا فائدة في قوله لها؛ لأنه يأتي بالفعل الذي ينافي هذا القول.
وكذلك كونه لا يكفر بما يعبد من دون الله، فإن هذا قيد من القيود التي قيدت به هذه الكلمة، لابد لمن يقول: (لا إله إلا الله) أن يكفر بما يعبد من دون الله، أما إذا آمن بالمعبودات من دون الله فقد ناقض هذا القول.
والمقصود أنه يجب على العبد أن يتعرف على معنى كلمة التوحيد، وعلى القيود التي قيدت بها وشروطها، ومنها أنه لابد أن يكون القائل لها عالماً بها ولمدلولها، صادقاً فيها، والصدق معناه أن يقولها صادقاً لا متردداً أو شاكاً فيها.
ولابد أن يكون محباً لها الحب الذي ينافي البغض لمدلولها وما دلت عليه، فمن أبغض شيئاً مما دلت عليه فهو لم يأت بهذه الكلمة على الوجه المطلوب.
وكذلك لابد أن يكون مخلصاً في قولها، فمن وقع في الشرك وقالها لا تفيده، ولابد أن يكون أيضاً منقاداً لها مذعناً، فلو قال -مثلاً-: (لا إله إلا الله) ولم ينقده لما دلت عليه من الفرائض والواجبات التي أوجبها الله جل وعلا فهذا لم يأت بها على الوجه المطلوب، ولم يحصل على ما وعد من دخول الجنة لمن قالها، إلى غير ذلك من القيود التي قيدت بها هذه الكلمة.
معنى قوله: (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب)
قال المصنف رحمه الله: [وقول الله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء:57]].
قبل هذه الآية يقول الله: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:56] (ادعوا الذين زعمتم) يعني أنهم كانوا يدعون المخلوقين غير الله جل وعلا، وقوله: (ادعوا) هذا أمر تعجيز وتهديد لهم، يقول: إنكم إذا دعوتموهم فإن دعوتهم لا تنفع بل تضركم، ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ﴾ [الإسراء:56] لا يملكون كشف الضر الذي تدعونهم لكشفه ولا تحويله من مكان إلى آخر، والمعنى أنهم لا يملكون شيئاً.
ثم بعد ذلك قال: ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمْ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء:57] يكاد يجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت في الذين يدعون المسيح وأمه وعزيراً والملائكة، يقول: إن هؤلاء الذين تدعونهم عباد مثلكم يتسابقون في طاعة الله والتقرب إليه أيهم يكون أقرب إلى الله بالعمل الصالح الذي يعمله، فهم لا يجوز أن يدعون، فدعوتكم إياهم ضلال وخسران، وهي تضركم ولا تنفعكم.
وقيل: إنها نزلت في قوم من الجن كان بعض المشركين يدعونهم، وكان من عادة المشركين أنهم يعبدون الجن، فقال الله جل وعلا عنهم: ﴿وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِنْ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقاً﴾ [الجن:6] كان أحدهم إذا آواه الليل وهو في البر ينادي ويقول: أعوذ بسيد هذا الوادي من سفهاء قومه.
أستجير بسيد هذا الوادي-يعني رئيس الجن- أستجير وأستعين به -وهذه عبادة- من سفهاء قومه أن يعتدوا علي ((فزادوهم رهقاً)) يعني: خوفاً وذلاً.
فأذلوهم حيث تسلطوا عليهم بسبب هذا الدعاء الذي هو العبادة؛ لأن الذي يتعلق بغير الله يسلط الله عليه ذلك المخلوق الذي تعلق به بخلاف الذي يتجه إلى ربه جل وعلا فإنه لا يضره شيء، والله يحميه.
فقوله: ((أولئك الذين يدعون)) يعني: هؤلاء.
وقرأ بعض القراء: ((أولئك الذين تدعون)) خطاباً للكفار، أنهم يدعون بعض من يدعونهم من دون الله، سواءٌ أكانوا ملائكة أم غيرهم، فإن فريقاً من مشركي العرب كانوا يعبدون الملائكة كما أخبر الله جل وعلا عنهم في كتابه، وإذا جمعهم يوم القيامة فإن الله يخاطب الملائكة ويقول: ﴿أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ:40]، فتتبرأ الملائكة منهم ويقولون: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ [سبأ:41] أي: الشياطين التي أمرتهم بذلك ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:41]، ومنهم من يعبد المسيح، ومنهم من يعبد عزيراً وهو نبي، وكذلك أم المسيح مريم عليها السلام، فقد كان بعض الناس يعبدها وهي ليست نبية، وإنما هي صديقة كما أخبر الله تعالى عنها، فهؤلاء المعبودون يخبر الله جل وعلا عنهم أنهم كانوا يتقربون إلى الله ويسارعون إلى مرضاته أيهم يكون أقرب عند الله، والوسيلة التي يبتغونها هي الإسلام، هي الدين الذي أوحاه الله جل وعلا إلى أنبيائه.
وقوله تعالى: ((يبتغون إليه الوسيلة)) يعني: يعتنقون الدين ويؤمنون به ويتبعونه؛ لأنه هو الوسيلة التي تقربهم إلى الله جل وعلا.
ويتبين بهذا أن الدعاء من العبادة يجب أن يكون خالصاً لله جل وعلا وحده.
معنى قوله: (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه)
قال الشارح: [يتبين معنى هذه الآية بذكر ما قبلها وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء:56].
قال ابن كثير رحمه الله: يقول تعالى: (قل) يا محمد للمشركين الذين عبدوا غير الله ﴿قُلْ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾ من الأصنام والأنداد، وارغبوا إليهم ((فإنهم لا يملكون كشف الضر عنكم)) أي: بالكلية ((ولا تحويلا)) أي: ولا أن يحولوه إلى غيركم.
والمعنى أن الذي يقدر على ذلك هو الله وحده لا شريك له، الذي له الخلق والأمر.
قال العوفي عن ابن عباس رضي الله عنه فى الآية: كان أهل الشرك يقولون: نعبد الملائكة والمسيح وعزيراً.
وهم (الذين يدعون) يعنى: الملائكة والمسيح وعزيراً.
وروى البخاري فى الآية عن ابن مسعود رضى الله عنه قال: ناس من الجن كانوا يعبدون فأسلموا.
وفى رواية: كان ناس من الإنس يعبدون ناساً من الجن فأسلم الجن وتمسك هؤلاء بدينهم].
يعني أن المعبودين من الجن أسلموا فصاروا يتقربون إلى الله ويتسارعون لطاعته أيهم أقرب إليه زلفى، وبقي الإنس المشركون على عبادتهم، يقول: أولئك الذين تدعون يبتغون عند ربهم الوسيلة.
يعني أنهم أسلموا واتبعوا ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه الوسيلة إلى الله جل وعلا.
قال الشارح: [وقول ابن مسعود هذا يدل على أن الوسيلة هي الإسلام، وهو كذلك على كلا القولين.
وقال السدي عن أبي صالح عن ابن عباس فى الآية قال: عيسى وأمه وعزيراً.
وقال مغيرة عن إبراهيم: كان ابن عباس يقول في هذه الآية: هم عيسى وعزير والشمس والقمر.
وقال مجاهد: عيسى وعزير والملائكة] الصواب أن هذه الآية عامة في كل من يدعى من دون الله، سواءٌ أكان صالحاً من عباد الله سواء من البشر أو من الملائكة أو من الجن، أم كان صنماً أم شجراً أم غير ذلك، فكل ما دعي من دون الله فهو لا يملك كشف الضر ولا تحويله، أي: لا يملك شيئاً، وهو أيضاً إذا كان عاقلاً خاضعاً لله جل وعلا ذالاً له عابداً له بالعبادة التي سخره الله تعالى ليعبده بها، فإنه جل وعلا كل من في السموات والأرض من غير بني آدم والجن يعبد ربه، أما الجن والإنس فهم الذين حق على كثير منهم القول؛ لأنهم كفروا بالله جل وعلا.
فالمقصود أنه إذا وقعت العبادة لغير الله سواءٌ أكانت لعاقل أم لغير عاقل فهي شرك وضلال، وذلك المعبود سوف يتبرأ من العابد أحوج ما كان إليه، وسوف يكفر بعبادته، كما أخبر الله جل وعلا بذلك بقوله جل وعلا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف:5 - 6] وهذا عام في كل معبود من دون الله.
لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء
قال الشارح: [وقوله: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الإسراء:57] لا تتم العبادة إلا بالخوف والرجاء، فكل داع دعا دعاء عبادة أو استغاثة لابد له من ذلك، فإما أن يكون خائفاً، وإما أن يكون راجياً، وإما أن يجتمع فيه الوصفان.
قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في هذه الآية الكريمة لما ذكر أقوال المفسرين: وهذه الأقوال كلها حق؛ فإن الآية تعم من كان معبوده عابداً لله، سواءٌ أكان من الملائكة أم من الجن أم من البشر، والسلف في تفسيرهم يذكرون تفسير جنس المراد بالآية على نوع التمثيل، كما يقول الترجمان لمن سأله: ما معنى الخبز؟ فيريه رغيفا فيقول: هذا.
فالإشارة إلى نوعه لا إلى عينه، وليس مرادهم من بذلك تخصيص نوع دون نوع مع شمول الآية.
فالآية خطاب لكل من دعا من دون الله مدعواً وذلك المدعو يبتغي إلى الله الوسيلة ويرجو رحمته ويخاف عذابه، فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأولياء والصالحين، سواءٌ أكان بلفظ الاستغاثة أم غيرها فقد تناولته هذه الآية الكريمة كما تتناول من دعا الملائكة والجن، فقد نهى الله تعالى عن دعائهم، وبين أنهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله، ولا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من موضع إلى موضع كتغيير صفته أو قدره، ولهذا قال: ((ولا تحويلاً)) فذكر نكرة تعم أنواع التحويل.
فكل من دعا ميتاً أو غائباً من الأنبياء والصالحين أو دعا الملائكة فقد دعا من لا يغيثه ولا يملك كشف الضر عنه ولا تحويله].
يعني: من دعا حاضراً في شيء لا يقدر عليه.
فلا يلزم أن يكون ميتاً، أما دعوة الميت والغائب فهي شرك مطلقاً، لأنه في دعوته هذه لا يسمع وليس قادراً على ذلك، أما إذا كان حاضراً فيشترط أن يكون دعاؤه فيما يستطيع أن يجيبه، أما إن كان في الشيء الذي لا يجيبه، مثل أن يدعوه أن يشفي مريضه أو يصلح قلبه أو أن يهب له مولوداً أو ما أشبه ذلك فهذا شرك أكبر بالله جل وعلا؛ لأنه من خصائص الله جل وعلا، وكل من جعل شيئاً مما هو لله جل وعلا للمخلوق فقد وقع في الشرك الأكبر.
قال الشارح: [وفي هذه الآية رد على من يدعو صالحاً ويقول: أنا لا أشرك بالله شيئاً، الشرك عبادة الأصنام!] الذي يدعو صالحاً سواءٌ أكان حياً أم ميتاً، ويقول: دعائي ليس شركاً وإنما هذا توسل به فالواقع أن هذا هو الشرك، وإن غير الاسم فهو لا يجدي شيئاً.