الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد؛ إخواني، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
هذا المقطع سيكون أول مجلس من مجالس شرح أو التعليق على كتاب "شرح السنة" للإمام البربهاري، هذا الكتاب الجليل العظيم النفع لصاحبه الإمام شيخ الحنابلة في زمانه، الذي قال عنه الذهبي في "السيَر": "شيخ الحنابلة، القدوة الإمام، أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري الفقيه، كان قوّالاً بالحق، داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم".
وقال عنه ابن أبي يعلى الحنبلي: "شيخ الطائفة في زمانه، ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع".
وقال عنه ابن كثير: "الإمام الزاهد، الفقيه الحنبلي الواعظ..." إلى أن قال: "كان شديداً على أهل البدع، وكان قدره عظيماً عند العامة والخاصة".
توفي الإمام رحمه الله تعالى سنة تسع وعشرين وثلاثمائة (329 هـ). وكان مما تركه لنا هذا الكتاب القيم العظيم النفع، الذي سيكون هذا المقطع بإذن الله سبحانه وتعالى أول المجالس للتعليق على هذا المتن المبارك.
[مقدمة المصنف وبراعة الاستهلال]
قال الإمام رحمه الله تعالى في مقدمة كتابه:
(( الحمد لله الذي هدانا للإسلام، ومنّ علينا به، وأخرجنا في خير أمة، فنسأله التوفيق لما يحب ويرضى، والحفظ مما يكره ويسخط.
))
بدأ رحمه الله تعالى كعادة المصنفين بالحمدلة، وهنالك براعة استهلال في مقدمته رحمه الله تعالى؛ والاستهلال هو أن تبدأ كتابك أو رسالتك بشيء يدل القارئ على ما سيطلع عليه في هذه الرسالة أو في هذا الكتاب.
فهنا قال: (( الحمد لله الذي هدانا للإسلام ومنّ علينا به ))، فهنا يشير لك المصنف رحمه الله تعالى أنك ستقرأ شيئاً وسيحاول المصنف أن يهديك إلى الإسلام هداية دلالة وإرشاد، وهذا ما سيفعله المصنف رحمه الله تعالى في كتابه، فهذا من براعة الاستهلال.
[الفقرة الأولى: حقيقة الإسلام والسنة]
يقول في الفقرة الأولى:
(( اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر.
))
اشتهر بين الناس، وخصوصاً عوام الناس، أن السنة هي الأمور المستحبة، وهذا لا نقول خطأ، ولكن ليس دقيقاً.
مثلاً: السنة عند المحدثين هي كل ما رُفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يعني أي حديث يُنسب للنبي صلى الله عليه وسلم، أو فيه فعل أو تقرير أو صفة للنبي صلى الله عليه وسلم، فالمحدثون يسمونه سنة.
أما مثلاً عند الفقهاء، فالسنّة عندهم هي الأمور المستحبة التي ليست واجبة مثلاً.
لكن هنا في العقائد، في باب العقائد، عندما ندرُس علم العقيدة، فالسنّة تعني الإتباع، تعني إتباع النبي صلى الله عليه وسلم.
لذلك عندما نطلق مثلاً لفظ "أهل السنة والجماعة"، لا يُقصد به مثلاً أهل الأمور المستحبة، كلا! وإنما أهل الإتباع والالتفاف حول جماعة المسلمين.
لذلك قال: (( اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر ))؛ يعني لا يمكن أن تكون مسلماً إلا إذا اتبعت، ولا يصح إسلامك إلا إذا اتبعت النبي صلى الله عليه وسلم.
[الفقرة الثانية: لزوم الجماعة]
ثم قال رحمه الله تعالى في الفقرة الثانية:
(( فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب عن الجماعة وفارقها، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالاً مضلاً.
))
مفهوم الاجتماع والجماعة من المفاهيم التي وقع فيها خلط كثير، خصوصاً في الأزمنة المتاخرة، وخصوصاً مع ضعف المسلمين.
الكثير من الناس أصبح يريد الاجتماع لمجرد الاجتماع، وهذا خطأ.
لماذا أقول ضعف المسلمين؟ لأن البعض أراد أن يعيد الأمجاد القديمة، البعض أراد أن يعيد أمجاد المسلمين، فماذا قال؟ قال لك: "لا سبيل لتحقيق هذا إلا أن نجتمع... إلا أن يجتمع المسلمون"، وهذا المعنى حق ونوافق عليه، ولكن مصطلح الاجتماع عندهم مصطلح فضفاض جداً؛ فيريدون جمع السني مع الإباضي الخارجي، مع الأشعري الجهمي، مع المعتزلي، مع... كل هذا في سبيل تحقيق المجد الدنيوي الذي يريدون إرجاعه! الإمام هنا لا يقصد بالجماعة أن نجتمع وإن كنا على باطل، وإن كنت أنا أجتمع مع الأشعري وأعتقد أن عقيدته وقوله في علو الله سبحانه وتعالى قول كفري، وأعتقد أن قوله في القرآن قول كفري! لا أستطيع أن أجتمع مع إباضي يطعن في الصحابة، ويكفر بالكبيرة، وينكر الرؤية (رؤية الله سبحانه وتعالى يوم القيامة).
[الفقرة الثالثة: أساس الجماعة]
لكن الإمام البربهاري في الفقرة الثالثة سيشرح لنا رحمه الله تعالى مفهوم الجماعة، فيقول رحمه الله تعالى:
(( والأساس الذي تُبنى عليه الجماعة: وهم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ورحمهم أجمعين، وهم أهل السنة والجماعة، فمن لم يأخذ عنهم فقد ضل وابتدع، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار.
))
فيريد أن يفهمك الإمام البربهاري رحمه الله تعالى أن الاجتماع على ماذا يكون؟ يكون على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
أما أن تجتمع مع أهل الضلال، فهذا اجتماع علماني وليس اجتماعاً إسلامياً.
الاجتماع الإسلامي هو كما قال الإمام هنا: أن نجتمع على ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
ثم أورد رحمه الله تعالى قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
"وقال عمر بن الخطاب رحمه الله تعالى..."
وهنا تنبيه: هنا قال: "رحمه الله"، قديماً لم تكن هنالك عبارة "رضي الله عنهم"، كانوا يقولون مثلاً -حتى في ذم أهل البدع- كانوا يقولون: "فلان لا يترحم على الصحابة"، أو "فلان لا يترحم على عثمان"، أو "فلان لا يترحم على علي".
فهذه "رضي الله عنه" لا نقول محدثة، ولكن لم تكن هي الدارجة عند السلف رحمهم الله تعالى.
فقال عمر: "لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد بُيّنت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر".
نبه المحققون بخصوص هذا الأثر أنه منقطع، ومنقطع السند؛ مثلاً أنا صاحب الحديث، أنا الذي قلت هذا الكلام، فيروي عني شخص يقول لهم: "عن محمد، عن أحمد، عن كريم، عن عادل"، لكن كريم لم يسمع مني ولم ألتقِ به، فهنالك رجل ناقص في هذه السلسلة الإسنادية، فهنا نسمي الحديث منقطعاً، والمنقطع هو من أقسام الضعيف.
لكن هنا ننبه على مسألة مهمة جداً: أن السلف وإن رووا بعض الأحاديث الضعيفة، إلا أنهم لا يروون المنكَر.
ما معنى المنكر؟ ليس من حيث الصناعة الحديثية، لا، ولكن من حيث المعنى؛ لا يروون شيئاً معناه منكر أو معناه غير صحيح.
نجد في كتب العقائد هنالك بعض الأحاديث الضعيفة، لكن السلف رحمهم الله لا يروون المنكر أبداً، هم لا يروون الموضوعات والأكاذيب والأباطيل، وغالباً تجد هذه الآثار لها شواهد أخرى صحيحة، يعني مثلاً هذا الأثر ضعيف، هنالك أثر آخر عن صحابي آخر، أو ربما تجد الأثر عن عمر من طريق أخرى (من طريق صحيحة يعني) تعضد هذا الأثر، فهذه قاعدة يجب التنبيه عليها.
ولكن هنا نركز على معنى ما قاله عمر رضي الله عنه: "لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد بُيّنت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر".
يقول لك: "هذا عالم، وعلامة، وإمام، وله كتب ومصنفات"، تقول له: "طيب، ماذا تقول أنت الذي قلت عن هذا العالم أنه إمام وعلامة، ماذا تقول فيمن ينكر علو الله؟" يقول لك: "كافر، من ينكر علو الله كافر"، تقول له: "طيب، هذا الشخص الذي قلت له إنه علامة وعنده مصنفات وكتب وإمام وجبذ وكذا، هذا ينكر علو الله!" يقول لك: "لا، يُعذر بالجهل!" تخيل أن عمر هنا يتكلم بإطلاق، يعني عمر رضي الله عنه لا يتكلم عن العلماء فقط، قال لك: "لا عذر لأحد في ضلالة ركبها حسبها هدى، ولا في هدى تركه حسبه ضلالة، فقد بُيّنت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر".
فتخيل أن نأتي لعالم شارح صحيح الإمام فلان، وشارح صحيح الإمام علان، والعلامة، الفقيه، المحدث، ثم نعذره بالجهل! هذا غباء، هذا أولاً.
ثانياً: نبهنا عمر رضي الله عنه على شيء مهم جداً؛ الكثير من الناس (أنا مثلاً شخصياً أُسأل كثيراً هذا السؤال الذي سأطرحه الآن): "يا عادل، من بين هذه الطوائف كيف نعرف الحق؟" هذا الكلام مبني على مقدمة أن القرآن والسنة لا تحصل بهما الهداية! يعني هذا القرآن أنزله الله سبحانه وتعالى، كلام هيروغليفي لا تحصل به الهداية! لا نستطيع أن نهتدي بهذا الكلام الذي أنزله الله! الكثير من الناس (عوام وربما بعض المنتسبين للعلم) يعتقدون أن القرآن لا تحصل به الهداية، وهذه كارثة! لأن علماء الكلام من الجهمية وغيرهم يقولون إن القرآن لا تحصل به الهداية (وإن لم يصرحوا بهذا يعني لفظاً)، لكنهم يجعلون تعلم علم الكلام واجباً.
طيب لماذا؟ يقول لك: "لتحصل الهداية"، طيب والقرآن أليس كافياً؟! لذلك ينبه عمر رضي الله عنه على هذا المعنى: "فقد بُيّنت الأمور، وثبتت الحجة، وانقطع العذر".
فإذا أردت الهداية، ما عليك سوى أن تقرأ القرآن بتجرد، يعني وكأنك أعرابي نزل عليك هذا القرآن لتعرف الحق.
لأن القرآن يا جماعة الخير هذا نزل على عرب، لم ينزل على اليونان، ولم ينزل على الإغريق، ولم ينزل على أوروبا، نزل على عرب، فعلينا أن نفهمه ليس بلغة العرب فقط، بل بفهم الرجل العربي.
ثم يعلق البربهاري قائلاً:
(( وذلك أن السنة والجماعة قد أحكما أمر الدين كله، وتبين للناس، فعلى الناس الاتباع.
))
وقد نبه على هذا المعنى عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى إذ قال: "لا تبتدعوا فقد كفيتم"، يعني ما عليكم إلا الاتباع.
قد كفينا مؤونة التفكير في الدين والبحث عما يصلح ديننا، يعني خلاص، الدين واضح ما عليك إلا الاتباع.
[الفقرة الرابعة: الدين من عند الله تعالى لا بالعقول]
يقول رحمه الله تعالى في الفقرة الرابعة:
(( واعلم -رحمك الله- أن الدين إنما جاء من قبل الله تبارك وتعالى، لم يوضع على عقول الرجال وآرائهم، وعلمه عند الله وعند رسوله، فلا تتبع شيئاً بهواك فتمرق من الدين فتخرج من الإسلام، فإنه لا حجة لك، فقد بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته السنة، وأوضحها لأصحابه، وهم الجماعة، وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم: الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الدين فقد كفر.
))
هنا نبه رحمه الله تعالى تنبيهين مهمين:
- التنبيه الأول: أن هذا الدين ليس بالعقول، لأن هذا الدين أنزله الله سبحانه وتعالى على الأعرابي الذي في الجزيرة العربية، وعلى الأمريكي، وعلى صاحب العقل المتفتح، وعلى صاحب العقل المنغلق، أنزله للجميع.
فمستحيل أن ينزل الله سبحانه وتعالى هذا الدين للناس كافة على اختلاف عقولهم ثم يترك فهمه لعقولهم! هذا من المستحيل.
إذاً نفهم من هذا أن الدين واضح.
ثم قال: (( وعلمه عند الله وعند رسوله )).
مثلاً كيف نتبع شيئاً بهوانا؟ هنالك من يريد الإصلاح، ولكن في ذلك الإصلاح اتباع لهوى معين.
مرة كنت أتكلم مع أحدهم، كنا نتكلم عن عقيدة الخوارج، فقلت له (بطبيعة الحال الشيء المعروف عن الخوارج): إنهم يكفرون بالكبيرة.
فقال: "يعني هذا جيد، يعني إن كفرنا الناس بالكبيرة فهذا سيدفع الناس إلى عدم الإقدام على الأمور المحرمة وكذا".
فهنا نبهته على كلام مهم هو من جنس كلام البربهاري هنا، قلت له: نحن مطالبون باتباع الدليل أينما قادنا هذا الدليل، تمام؟ وإن كنت تعتقد أن هنالك شيئاً حسناً لم يأتِ به القرآن الكريم وأنت أتيت به، فهذه كارثة! فأنت تزعم أنك تصحح وتستدرك على القرآن الكريم! أنت يجب أن تتبع الدليل وتأخذ الدليل أينما سار بك، النتائج هي لله سبحانه وتعالى؛ نتائج ما ستفعله ونتائج اتباعك هي لله، هل سيهتدي الناس؟ هل سيتوقفون عن السرقة إذا قلت كذا؟ هذه ليست لك، أنت اتّبع.
وهذا فيه سوء أدب مع المولى عز وجل؛ تخيل مثلاً لو كنت قائداً عسكرياً أو كنت جندياً ولك قائد أكبر منك وأمرك بأوامر، ثم قلت له (يعني أنت لم تطبق تلك الأوامر بحذافيرها وأضفت شيئاً أو كذا)، فعندما ترجع إليه سيعتبر ما فعلته سوء أدب لأنك لم تتبع ما قاله لك.
إذا كان هذا بالنسبة للمخلوق، فما بالك بالنسبة للخالق؟!
- والأمر الثاني الذي نبه عليه البربهاري رحمه الله تعالى: أن أهل السنة والجماعة والسواد الأعظم في هذه الأمة ليس بالكثرة، ليس بالكثرة.
لذلك قال رحمه الله تعالى: (( وأوضحها لأصحابه وهم الجماعة وهم السواد الأعظم، والسواد الأعظم: الحق وأهله، فمن خالف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء من أمر الدين فقد كفر )).
وهنا يقصد من "أمر الدين فقد كفر" يعني المعلوم من الدين بالضرورة.
وعلى كل حال لا تجوز مخالفة الصحابة، ولكن الكفر الذي يتكلم عنه هو المعلوم من الدين بالضرورة.
ليست كل مخالفة للصحابة هي كفر، وإذا قلنا ليست كل مخالفة للصحابة هي كفر لا تعني أن كل مخالفة للصحابة جائزة! (يعني البعض إن قلت له لا هذا ليس كفراً يعتبره خلاص مستحب! لا، تظل مخالفة السلف لا تجوز، تمام؟ ولكن هذه المخالفة على درجات).
فنبه هنا أن السواد الأعظم ليس بالكثرة كما يعتقد البعض، وإن كنا لا نسلم لهم أصلاً أنهم الكثرة، ولكن السواد الأعظم ليس بالكثرة وإنما "سوادهم الحق وأهله".
ويعضد هذا الكلام أثر ابن مسعود رضي الله عنه الذي قال: "أنت الجماعة وإن كنت وحدك".
[الفقرة الخامسة: البدعة تُميت السنة]
يقول في الفقرة الخامسة:
(( واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة قط حتى تركوا من السنة مثلها، فاحذر المحرمات من الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وأهلها في النار.
))
وهذا سبحان الله من الأمور المشاهدة: (( واعلم أن الناس لم يبتدعوا بدعة حتى تركوا من السنة مثلها )).
يعني الناس مثلاً يا إخوان الآن يحتفلون بالمولد النبوي (بدعة)، يحتفلون بـ"يناير"، الكريسماس (احتفال بأعياد الكفرة)، فتخيل أن هؤلاء المحتفلين بالأعياد التي لا تجوز والتي ليست من ديننا، انظر لحالهم في أعياد المسلمين! في عيد الفطر وعيد الأضحى: "والله ذهبت لذة العيد، ولنا أحباب في القبور، ولنا كذا، ومساء العيد يصبح ليس له طعم، وكرهنا العيد..." وكذا! هو لما ابتدع بدعة ترك سنة، وهي تعظيم شعائر الله سبحانه وتعالى.
لما عظّم الأعياد التي ليست من دينه، حُرِم من تعظيم الأعياد التي هي من صلب دينه! نسأل الله عز وجل العافية.
وهذا مشاهد يعني ولا أحد ينكره.
المحتفلون بالمولد مثلاً، تجده يحتفل: "أحنا بنحب النبي، أحنا بنحب كذا..."، وتجده حليق اللحية ويستهزئ ممن يطيل لحيته، والبعض منهم يستهزئ بصاحب اللحية، والبعض الآخر يصف صاحب اللحية بالأحمق! والنبي صلى الله عليه وسلم كانت لحيته كثيفة، بل وأمر بإعفائها! فهم اتبعوا بدعة ثم تركوا سنة.
فسبحان الله، أئمة السلف هؤلاء كلامهم (وهذا الإمام البربهاري توفي سنة 329 هـ) يعني الكلام هذا الذي قاله في الدين ما زال ينطبق على أناس حتى في زماننا هذا في القرن الرابع عشر! الله المستعان.
[الفقرة السادسة: الحذر من صغار البدع]
يقول رحمه الله تعالى في الفقرة السادسة:
(( واحذر صغار المحدثات من الأمور، فإن صغير البدع يعود حتى يصير كبيراً، وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق، فاغتر بذلك من دخل فيها ثم لم يستطع الخروج منها، فعظمت وصارت ديناً يدان به، فخالف الصراط المستقيم فخرج من الإسلام.
فأنظر -رحمك الله- كل من سمعت كلامه من أهل زمانك خاصة فلا تعجلن، ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر: هل تكلم به أصحاب رسول الله أو أحد من العلماء؟ فإن وجدت فيه أثراً عنهم فتمسك به ولا تجاوزه لشيء، ولا تختار عليه شيئاً فتسقط في النار.
))
انظر إلى شدة السلف على المخالف: "فتسقط في النار"! من من المعاصرين الآن لديه هذه القدرة يعني على الكلام وعلى الترهيب من النار بهذه الألفاظ؟! هذه ألفاظ شديدة الكثير من الناس لا يتقبلونها اليوم بحكم الليبرالية التي أكلت عقولنا وكذا.
فمن من المشايخ الآن (وإن كانوا معذورين فالناس لم تعد تتقبل هذا الكلام)، لكن لا بد من تعويدهم على سماع هذا النوع من الترهيب.
هنا نبه البربهاري رحمه الله تعالى عدة تنبيهات:
-
التنبيه الأول: هو في قوله: (( واحذر صغار المحدثات من الأمور ))، يعني لا تقل "أنا خالفت سنة نعم ولكن في هذه المسألة البسيطة".
وهذا الكلام يشهد له أثر الصديق رضي الله عنه: "إن الله يغفر الكبائر فلا تيأسوا، ويعذب على الصغائر فلا تغتروا".
نحن نجد مثلاً أن الشرك بدأ مثلاً بتعظيم الصالحين؛ قصة نوح عليه الصلاة والسلام معروفة، قومه كانوا عندهم مجموعة من الرجال الصالحين: { وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا } [نوح: 23]، هؤلاء كانوا رجالاً صالحين، فبدأوا بتذكرهم ثم نصبوا لهم تماثيل ثم تدرج بهم الشيطان إلى أن صاروا يعبدون هذه الأصنام، نسأل الله عز وجل العافية.
لذلك حذرنا الله سبحانه وتعالى من اتباع خطوات الشيطان: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ } [البقرة: 168]. -
ثانياً: قوله رحمه الله تعالى: (( وكذلك كل بدعة أحدثت في هذه الأمة كان أولها صغيراً يشبه الحق )).
وهذا كلام دقيق جداً؛ مثلاً لو ذهبنا للتشيع والرفض، سنجد أن أوله كان بسبب حب آل البيت وتعظيم آل البيت، وهذا معنى حق، نحن نحب آل البيت.
لكن ما يفعله الروافض الآن لا علاقة له بحب آل البيت! لو وجدنا الجهمية من أشاعرة وماتريدية وكذا حرفوا صفات الله سبحانه وتعالى بحجة تنزيه الله سبحانه وتعالى، وتنزيه الله سبحانه وتعالى معنى حق، لكن أولاً: لا ننزه الله سبحانه وتعالى عما وصف به نفسه، ثانياً: إذا أردنا أن ننزه الله فعلينا أن ننطلق من الكتاب والسنة وفهم الصحابة وفهم السلف، لا أن ننطلق من فلسفة اليونان وفلسفة أرسطو ونأتي بمفهوم الإله عند أرسطو وندخله عند المسلمين! فالشاهد أن كل باطل بدأ بشيء من الحق. -
ثالثاً: أعطانا البربهاري رحمه الله تعالى معياراً لمعرفة من هو على حق ومن هو على باطل: (( فلا تعجلن ولا تدخلن في شيء منه حتى تسأل وتنظر هل تكلم به أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أحد من العلماء )).
ثم قال: (( فإن وجدت فيه أثراً عنهم فتمسك به ولا تجاوز لشيء )).
هل تكلم به أحد من أصحاب رسول الله؟ قبلها قال: (( فأنظر رحمك الله كل من سمعت كلامه من أهل زمانك ))، يعني لا تتبع أحداً من أهل زمانك إلا إذا وجدته جاء بأثر عن الصحابة، تلاميذهم، أو تلاميذ تلاميذهم (يعني من السلف الصالح).
فاللمعيار هو السلف.
المشكلة أننا الآن أصبحنا نعظم العلماء المعاصرين أكثر من تعظيمنا للسلف، وهذه كارثة يا إخوان! يعني نأتي للناس بكلام لسفيان الثوري، يقول لك: "من قال به من المعاصرين؟!" هذه كارثة! هذه طامة هذه! والمشكلة أن الرجل هذا يسمي نفسه سلفياً، طيب أنت خلفي لست سلفياً! السلفي يتبع السلف لا يتبع الخلف.
طيب العلماء المعاصرون على رأسنا، ولكن أنت لماذا تطلب العلم؟ أنت سلفي وطالب علم، ثم تذهب عند المعاصرين ولا تريد البحث؟! أنت أصلاً طلبت العلم كي لا تذهب عند الشيخ وتسأله وتستفتيه، كي تبحث بنفسك عن الدليل.
والله إن وجدت شيخك وافق الصواب فتبارك الله، إن وجدته خالف فلا تتبعه على خطئه.
فهنا البربهاري رحمه الله تعالى ينبهنا أنه إذا سمعت كلاماً من أهل زمانك فلا تتبعه حتى تجد من كلام السلف ما يشهد له.
[الفقرة السابعة: أسباب الخروج من الطريق]
يقول الإمام رحمه الله تعالى في الفقرة السابعة:
(( واعلم أن الخروج من الطريق على وجهين: أما أحدهما: فرجل زل عن الطريق وهو لا يريد إلا الخير، فلا يقتدى بزلته فإنه هالك.
))
طيب لا يريد إلا الخير وهو هالك؟! لماذا؟ الأصل الذي قررناه في الفقرة الثانية أو الثالثة: أن القرآن وضح، أن القرآن نور وهدى وبرهان.
فالبعض يأتي يستشكل: "لماذا؟ هو نيته كانت سليمة وكذا!" ولو تلاحظ أن هذا الكلام لا يقولونه عن جاحش مثلاً؛ جاحش أيضاً يحمل السلاح ويقتل وربما تكون نيته سليمة! آه، لكن هنا الجواحش مسوا حقاً من حقوق الإنسان فلا يُعذرون، لكن من مس حقاً من حقوق الله فلا بأس! من عبد غير الله؟ "لا، مس حقوقنا كبشر لا، إذن يُعذر ربما يُعذر، هو ربما كانت نيته سليمة"! أما الجواحش أو التنظيمات الجاحشية لا، لا تُعذر عندهم.
إن عذرت بسبب سلامة القصد، فكلٌّ قد يكون سليم القصد، وسلامة النية لا تعني سلامة الفعل.
ثم قال في الصنف الثاني:
(( وآخر عاند الحق وخالف من كان قبله من المتقين، فهو ضال مضل، شيطان مريد في هذه الأمة، حقيق على من يعرفه أن يحذر الناس منه، ويبين للناس قصته لئلا يقع أحد في بدعته فيهلك.
))
الكثير من الناس الآن تحذرهم من صاحب بدعة: "يا أخي دعكم من الغيبة والنميمة!" طيب يا رجل هذا فيه خطر على دين الناس! النبي صلى الله عليه وسلم لما سألته امرأة عن رجلين جاؤوا لخطبتها، قال لها: «أما فلان فصعلوك، وأما الثاني فلا يضع العصا عن عاتقه» [حديث صحيح].
فإذا أجزنا الكلام على الناس في امور الدنيا كالزواج، أفلا نَتَكلَّمُ فيهِم لِصَلَاحِ الدِّينِ؟! طيب أنا لماذا أتكلم في هذا؟ هذا يسرق من الناس آخرتهم! والله إن كنت أخطأت تراني أني أخطأت في هذا الرجل وأنه لم يقل هذه المقالة، أو أنت تقول بمقالته، تعال وناقش.
لكن أن تكون ليبرالياً وأنت تدعي الإسلام وتقول لي: "لا، لا يجب أن نتكلم عن المخالف"، هذه مفاهيم ليبرالية!
[الفقرة الثامنة: كمال الدين وذم الابتداع]
يقول رحمه الله تعالى في الفقرة الثامنة:
(( واعلم -رحمك الله- أنه لا يتم إسلام عبد حتى يكون متبعاً، مصدقاً، مسلماً.
فمن زعم أنه بقي شيء من أمر الإسلام لم يكفونا ه أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فقد كذبهم، وكفى به فرقة وطعناً عليهم، وهو مبتدع ضال مضل، محدث في الإسلام ما ليس فيه.
))
الآن من خالف أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم هو الذي أصبح إماماً، وهو المقدم في المجالس، ومن يحذر منه هو المبتدع! ومن يقول إنه لا يجب ولا يجوز الاجتماع مع المبتدعة ومع الضُّلال هو الذي يصبح مبتدعاً! وهذا صراحة من أسباب التي جعلتني أعلق على هذا المتن.
البعض يظن أن بعض المعاني التي نأتي بها معاني لم يسبقنا إليها أحد، وأننا مثلاً نفهم كلام السلف على غير وجهه.
انظر، الآن ماذا ستفهم من هذا الكلام أنت؟ ألفاظ شديدة على أهل البدع، عدم موالاة أهل البدع، توضيح وتصحيح لمفاهيم معاصرة عن الجماعة وعن الاجتماع وعن كذا.
هذا ليس كلاماً هيروغليفياً لكي نأتي بمترجم لكي يفهمه، ترى كلام عادي هذا يُفهم.
[الفقرة التاسعة: النهي عن القياس والأهواء في السنة]
يقول في الفقرة التاسعة رحمه الله تعالى:
(( واعلم -رحمك الله- أنه ليس في السنة قياس، ولا يضرب لها الأمثال، ولا تتبع فيها الأهواء، وهو التصديق بآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا كيف ولا شرح، ولا يقال: لِمَ؟ وكيف؟ ))
يقول: (( واعلم -رحمك الله- أنه ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ))؛ أي أنه لا يخاض في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقل، ولا ترد سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالعقل، يعني لا يخاض فيها بالعقل ولا ترد بالعقل، وإنما هي الاتباع.
[الفقرة العاشرة: ذم الخصومات والجدال]
قال في الفقرة العاشرة:
(( والكلام والخصومة والجدال والمراء محدث، يقدح الشك في القلب، وإن أصاب صاحبه الحق والسنة.
))
طبعاً الجدال والمراء الأصل فيه التحريم، الأصل فيه أنه لا يجوز.
لكن الجدال والمناظرات وكذا قد تدور مع الأحكام الفقهية الخمسة، يعني على حسب، تمام؟ لكن الأصل فيها التحريم؛ لأنها كما قال "تُورث الشك"، والناس عقولهم تتفاوت، فما فهمه فلان لن يفهمه الآخر، فقد تنشئ عنده شبهة أو كذا، فيجب الابتعاد عن هذا، لكن إن اضطررنا لتبيان الحق للناس فلا بأس.
[الفقرة الحادية عشرة: القول في صفات الله تعالى]
يقول رحمه الله تعالى في الفقرة الحادية عشرة:
(( واعلم -رحمك الله- أن الكلام في الرب محدث، وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن، وما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وهو جل ثناؤه: واحد، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11]، ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وعلى عرشه استوى، وعلمه بكل مكان، لا يخلو علمه من مكان تبارك وتعالى.
))
الكلام في الرب يعني كيف؟ الكلام في الرب بغير ما وصف به نفسه.
والله «بل يداه مبسوطتان»، يداه نمرها كما جاءت كما قال السلف وانتهى الأمر.
لا! "يداه معناها القدرة، اليد يُعَبَّر بها عن القدرة؛ لأن هذا إذا قلنا كذا فهذا يعني تجسيم"، هذا هو الكلام في الرب! طيب ما الذي يجب علينا فعله؟ أن نُمِرّ نصوص الصفات كما جاءت.
النصوص التي تتحدث عن الإله نمرها كما جاءت، عن صفات الإله تُمرّ كما جاءت.
ما معنى اليد؟ معنى اليد مفهوم بالبداهة، كيف صفات هذه اليد؟ علمها عند الله.
يقول: (( وهو بدعة وضلالة، ولا يتكلم في الرب إلا بما وصف به نفسه في القرآن )).
ربنا له يد، وعينان، وساق، ووجه، وليست كصفات البشر لأنه ليس كمثله شيء.
والإشكال الذي يقع لنا مع المبتدعة أنهم يركزون على هذه الصفات، وخلافنا معهم ليس في هذه الصفات فقط؛ نخالفهم في الرحمة، في الحكمة، في صفة الغضب، في صفة الفرح، في كل هذه الصفات.
لكن هم لما عرفوا أن العوام قد يستشكل بعضهم هذه الصفات، فذهبوا للتشنيع فيها على السلف.
قال: (( إلا بما وصف به نفسه في القرآن وما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه، وهو جل ثناؤه واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ربنا أول بلا متى، وآخر بلا منتهى، يعلم السر وأخفى، وعلى عرشه استوى، وعلمه بكل مكان )) لا يخلو علمه من مكان تبارك وتعالى.
[الفقرة الثانية عشرة: تنزيه الله عن الكيف والتأويل]
يقول في الفقرة الثانية عشرة:
(( ولا يقول في صفات الرب: "كيف؟" و"لِمَ؟" إلا شاك في الله.
))
وهذه العبارة دقيقة يجب أن نقف معها: الأشاعرة والجهمية عموماً لو لم يقولوا في صفات الله "كيف؟" و"لِمَ؟" لما أولوا.
هم لما سألوا سؤال "كيف؟" أولوا.
"بل يداه مبسوطتان"، كيف هاتان اليدان؟ آه، إذا قلنا يدان فهي كيد البشر، فهي جارحة، فهي كذا، إذاً نؤولها! إذاً هم شكوا في كلام الله سبحانه وتعالى، شكوا في ما وصف الله عز وجل به نفسه، الله المستعان!
[الفقرة الثالثة عشرة: القرآن كلام الله غير مخلوق]
يقول رحمه الله تعالى:
(( والقرآن كلام الله، وتنزيله، ونوره، ليس بمخلوق، لأن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكـذا قال مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، والفقهاء قبلهما وبعدهما، والمراء فيه كفر.
))
والقرآن كلام الله، وكلامه سبحانه وتعالى صفة له.
وتنزيله: هذا فيه رد على الأشاعرة، لأن الأشاعرة الكلام الذي بين أيدينا الآن مخلوق! يعني الكلام المنزل بين أيدينا الذي نقرأه في المصاحف هذا كلام مخلوق عندهم، هذا عندهم كلام جبريل ليس كلام الله سبحانه وتعالى! ونوره ليس بمخلوق، لأن القرآن من الله، وما كان من الله فليس بمخلوق، وهكذا قال مالك بن أنس، وأحمد بن حنبل، والفقهاء قبلهما وبعدهما، والمراء فيه كفر.
[الفقرة الرابعة عشرة: الإيمان بالرؤية]
يقول رحمه الله تعالى:
(( والإيمان بالرؤية يوم القيامة، يرون الله بأبصار رؤوسهم، وهو يحاسبهم بلا حجاب ولا ترجمان.
))
والإيمان بالرؤية يوم القيامة، وقد ضلت في هذه المسألة طوائف عدة؛ هنالك من أنكر أن الله سبحانه وتعالى يُرى، وهنالك من تلاعب قال لك: "لا، نحن نرى الله ولكن نراه بوحي أو بإيحاء كذا، لا نراه بأعيننا"، لذلك قال البربهاري رحمه الله تعالى: (( يرون الله بأبصار رؤوسهم ))، لا تقول إنه نستشعره أو كذا، لا! بأبصار رؤوسهم، وهو يحاسبهم بلا حجاب ولا ترجمان.
فمثلاً الإباضية عندهم الله سبحانه وتعالى (هم شابهوا المعتزلة في هذه المسألة) عندهم الله سبحانه وتعالى لا يُرى، ليس قابلاً للرؤية تبارك وتعالى.
[الفقرة الخامسة عشرة: الإيمان بالميزان]
يقول في الفقرة الخامسة عشرة:
(( والإيمان بالميزان يوم القيامة، يُوزن فيه الخير والشر، له كفتان ولسان.
))
هنا بعض السفهاء يقول لك: "طيب، الأعمال هذه ليست شيئاً هكذا قائم بذاته، وإنما هي أعراض"، والأعراض مثلاً كيف أقول لك العرض؟ ما هو العرض؟ مثلاً هذا شيء نقول له جوهر، طيب واللون الذي فيه هذا الأزرق؟ هذا الأزرق نسميه عرضاً، هذا الأزرق عرض.
فالأعرض هو ما لا يقوم بذاته (يعني ليس شيئاً قائماً بذاته)، كالأعمال مثلاً؛ الأعمال لا تقوم إلا بشخص يعملها.
فقالوا لنا: "كيف تُوزن هذه الأعمال وهي أعراض؟" طبعاً بعيداً عن أن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء، إن أراد أن يزنها ستوزن، إلا أنه الآن أصبحت ترى الأعراض تُقاس! الحرارة عرض وتُقاس، شدة الزلازل أعراض وتُقاس شدة الزلازل.
فبعيداً عن أن الله سبحانه وتعالى لا يعجزه شيء ويمكن أن يقيس الأعراض سبحانه وتعالى، لكن هذا مشاهد حتى في الدنيا يعني، الله المستعان.
[الفقرة السادسة عشرة: عذاب القبر ومنكر ونكير]
يقول:
(( والإيمان بعذاب القبر، ومنكر ونكير.
))
أما عذاب القبر فيشهد له قول الله سبحانه وتعالى: { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } [غافر: 46]؛ أي أنهم يُعَذَّبون قبل قيام الساعة، ويُعَذَّبون بعد قيامها.
ويشهد له كذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم (حديث ابن عباس) عندما مر النبي صلى الله عليه وسلم برجلين فقال: «إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير؛ أما أحدهما فكان يمشي بين الناس بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله» [حديث صحيح].
أما منكر ونكير فهما الملكان اللذان يسألان الميت عند القبر الأسئلة الثلاثة.
[الفقرة السابعة عشرة: الإيمان بالحوض]
يقول في الفقرة السابعة عشرة:
(( والإيمان بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكل نبي حوض، إلا صالحاً عليه السلام، فإن حوضه ضَرع ناقته.
))
هنا تنبيه مهم جداً بخصوص الحوض: الحوض يا جماعة الخير، تخيل أن شخصاً لا يؤمن بالحوض، لا يؤمن بحوض النبي صلى الله عليه وسلم، هل سيشرب منه؟! أصلاً ورد في حديث الحوض أن هنالك أناساً سَيُذادون عن الحوض لأنهم بدلوا وحرفوا دين الله سبحانه وتعالى.
فمن لا يؤمن به هل سيشرب منه؟! من أنكر عذاب القبر هل سيتركه الله عز وجل ولا يذيقه من هذا العذاب؟! من أنكر رؤية الله سبحانه وتعالى وقال إن الله لا يُرى وشبهه بالهواء، هل سيرزقه الله عز وجل لذة النظر إلى وجهه الكريم؟! الله المستعان، الله المستعان.
فهذه هي خطورة البدع يا جماعة الخير.
[الفقرة الثامنة عشرة: الشفاعة والخروج من النار]
كذلك هنا مثلاً في العبارة الثامنة عشرة:
(( والإيمان بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم للمذنبين الخاطئين يوم القيامة وعلى الصراط، ويخرجهم من جوف جهنم، وما من نبي إلا له شفاعة، وكذلك الصديقون والشهداء والصالحون، ولله بعد ذلك تفضل كثير على من يشاء، والخروج من النار بعدما احترقوا وصاروا فحماً.
))
يعني الذي لا يؤمن بالشفاعة، الذي ينكر شفاعة النبي (أن النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أمته بإذن ربه)، هل ستناله هذه الشفاعة؟ هل سيحصل عليها؟ يعني أنا لو أخبرتك أن هنالك شيئاً ستحصل عليه إن فعلت كذا، فقلت لي: "لا، أنا لن أصدقك، أنت كذاب"، فإذا جاء موعد تلك المكافأة هل ستحصل عليها؟ كلا لأنك كذبتني، فنفس الشيء هنا.
[الفقرة التاسعة عشرة: الصراط]
وهنا في العبارة التاسعة عشرة قال:
(( والإيمان بالصراط على جهنم، يأخذ الصراط من شاء الله، ويجوز من شاء الله، ويسقط في جهنم من شاء الله، نعوذ بالله من هذا، ولهم أنوار على قدر إيمانهم.
))
نسأل الله عز وجل أن نكون من أهل الإيمان.
[الفقرة العشرون: الإيمان بالأنبياء والملائكة]
يقول في الفقرة العشرين والتي سنختم بها درسنا لهذا اليوم:
(( والإيمان بالأنبياء والملائكة.
))
شوفوا، من كفر بنبي واحد فقد كفر بجميع الأنبياء، هذا متفق عليه: { كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ } [الشعراء: 141 - 142]؛ كذبت ثمود المرسلين لأنهم كذبوا صالحاً، فمن كفر بنبي واحد فقد كفر بجميع الأنبياء.
فكان هذا كل شيء لليوم، نرجو من الله سبحانه وتعالى أن نكون استفدنا وأفدنا من هذا المقطع، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، والسلام عليكم.