يقول في الفقرة الواحدة والعشرين:
(( وَالْإِيمَانُ بِأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَالنَّارَ حَقٌّ ))
ماذا يقصد بهذه الكلمة رحمه الله؟ هذه الكلمة فيها رد على الفلاسفة أمثال ابن سينا وغيره.
ابن سينا والفلاسفة عموماً ينكرون الحساب والعقاب؛ ينكرون أن سيأتي يوم القيامة وسنحاسب ونعاقب وكذا.
لماذا؟ لأن دافعهم لقول هذا هو أنهم لم يثبتوا أصلاً أن الله خلق هذه المخلوقات، هم يقولون إن هذا الوجود أزلي مع الله، بتعبيرهم الفلسفي يقولون إن هذا الوجود صادر عن الله سبحانه وتعالى كما تصدر أشعة الشمس منها، يعني هذا الوجود موجود اضطراراً! فلما لم يثبتوا خلقاً أن الله خلق، فبالتالي لن يثبتوا معاداً وجنة وناراً.
فهذه العبارة من الإمام البربهاري رحمه الله تعالى كانت في الرد على الفلاسفة.
(( وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ، فَالْجَنَّةُ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ وَسَقْفُهَا الْعَرْشُ، وَالنَّارُ تَحْتَ الْأَرْضِ السَّابِعَةِ السُّفْلَى، وَهُمَا مَخْلُوقَتَانِ ))
والعرش كما هو معلوم هو سقف المخلوقات.
(( قَدْ عَلِمَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَدَدَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَمَنْ يَدْخُلُهَا، وَعَدَدَ أَهْلِ النَّارِ وَمَنْ يَدْخُلُهَا ))
هنا سيأتي بعض الموسوسين ويقول لك: "كيف علم الله ونحن أعمالنا كذا وكذا؟" شوف! لا ينبغي أن نحيل المحكم إلى المتشابه، وإنما ينبغي أن نحيل المتشابه إلى المحكم.
أنت الآيات المحكمات التي عندك ما هي؟ أن الله سبحانه وتعالى ليس ظالماً، وأن الله سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، وأنك أنت عندك إرادة حرة {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30]، فهذه هي الآيات المحكمات تفهم من خلالها هذه النصوص المتشابهات.
كون الله سبحانه وتعالى علم عدد أهل الجنة ومن يدخلها وعلم عدد أهل النار ومن يدخلها، هذا لا يعني أنه جَبَرَك على دخول الجنة أو جَبَرَك على دخول النار، هذا لا يفهمه أحد؛ لأنه يجب أن نرد المتشابهات إلى المحكمات، وهذه قاعدة مهمة في فهم نصوص الشريعة.
ثانياً: يقول النبي «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»، أنت ما عليك إلا العمل، تفهم الشريعة وترد المتشابهات إلى المحكمات وتعمل، وأنت ميسر لما خلقت له.
(( لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا ))
وهذا خلافٌ للجهمية الذين قالوا بفناء الجنة والنار بناءً على أصولهم الكلامية التي تقتضي عدم تسلسل الحوادث في المستقبل، وهذه مسألة أخرى.
(( هُمَا مَعَ بَقَاءِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَبَدَ الْآبِدِينَ وَدَهْرَ الدَّاهِرِينَ.
وَآدَمُ عليه السلام كَانَ فِي الْجَنَّةِ الْبَاقِيَةِ الْمَخْلُوقَةِ فَأُخْرِجَ مِنْهَا بَعْدَمَا عَصَى اللهَ عز وجل ))
هنالك طائفة قال بعضهم إن الجنة التي دخلها آدم عليه الصلاة والسلام هي جنة في الأرض، وقال البعض الآخر إن هذه الجنة بين السماء والأرض.
والقول الصحيح الذي دلت عليه النصوص وجرى عليه قول السلف هو أن الجنة في السماء، والجنة المقصودة في الآيات هي الجنة التي سندخلها إن شاء الله تعالى.
ودليل هذا أن الله سبحانه وتعالى قال: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى} [طه: 118-119]، وهذه الأوصاف لا تكون إلا في جنة الخلد، التي يجازي الله عز وجل بها عباده.
فلذلك الجنة التي أُخرج منها آدم هي جنة الخلد.