شرح المعتمد في أصول الفقهصفحات 28-32
أهل الأثرالأرشيف العلمي

المقدمة

صفحات 28-32
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد الحبش
الكتاب
شرح المعتمد في أصول الفقه ((نظمها وشرحها د محمد الحبش))
المؤلف
محمد حبشمع مقدمة: للدكتور محمد الزحيلي [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

/متن المنظومة/ وَخلفُهم مَنَحنا المرونَة ... ومدَّنا بثروةٍ ثمينة وخلفُهم على الفروعِ توسِعَةْ ... لَوْ أَنَّهم ما اختلفوا لامتنعا ولم يكن خلافُهم تَعصُّباً ... أو للهَوى أو يشتهونَ الرُّتَبَا وانحصر الخلاف في المظنونِ ... كخبرِ الآحاد لا اليقيني -100- ومن فوائد اختلافهم ظهور المرونة في التشريع.
كان عمر بن عبد العزيز يقول: ما أحب أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -لم يختلفوا، لو لم يختلفوا لم تكن رخصة.
وكذلك فإن هذا الاختلاف نتج عنه ثراء حقيقي في الفقه الإسلامي، إذ كان كل فقيه يدلل لرأيه بأدلة كثيرة من العقل والنقل، وافتراض الوقائع بالأرأيتية (أرأيت إن) والفنقلة (فإن قلت) وقد كان لذلك أثر حقيقي في إثراء الفقه الإسلامي الذي نفخر به اليوم.
-101- يشير إلى كلمة الخليفة الراشدي عمر بن عبد العزيز السالفة، وهو توكيد على حقيقة اليسر في الشريعة الإسلامية السمحة.
﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ -102 إن اختلاف الفقهاء له أسباب موضوعية دقيقة، نُفصِّلها في الفصل التالي، وسترى أنهم ما كانوا يختلفون تعصباً أو ابتغاءً لرتبة أو منصب، وبذلك يطمئن قلبك في اتِّبَاعهم.
-103- والخلافُ منحصر في المسائل الظنية دون القطعية، فالكتاب كلُّه قطعيُّ الثبوت، وكذلك السنة المتواترة، فلم ينقل فيها أي اختلاف ولكن وقع الخلاف في سنة الآحاد، وفي الدلالات الظنية للنصوص إذا ما استوفت دلالاتها القطعية.

/متن المنظومة/ ومطلقاً لم يجرِ عهدَ المصطفى ... فالوحيُ والحديثُ فيهمُ قَدْ كفى ورُبَّما حكمَ في رأيَيْنِ ... مختلفينِ ... جوَّزَ الوَجْهينِ -104- بَيَّن أن الخلافَ لم يسجَّل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم -كان مرجعهم فيما يختلفون فيه، فلا خلاف بعد مشاورته - صلى الله عليه وسلم -. -105 أما ما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من سننٍ شريفة فيها رأيان اثنان، فإنما صدر ذلك عنه لبيان جواز الوجهين في المسألة.
ومثال ذلك ما رواه عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال: خرج رجلان في سفر، فحضرَتِ الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمَّما صعيداً طيباً فصلَّيا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعدِ الآخر، ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعده: أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي توضأ وأعاد: لك الأجر مرتين.

أسباب اختلاف الفقهاء

/متن المنظومة/ وبعدَما أدركتَ حكمةَ الخِلافْ ... خذْ واضحاً أسبابَ ذاكَ الاختلافْ فاختلفوا في واقعِ الجِبِّلَةْ ... إذ لم تقيدِ العقولَ الملّةْ واختلفُوا في لغةِ القرآنِ ... كالقرءِ والنَّكاحِ في البَيَانِ واختلفُوا في عَصْرِهم ومِصْرهم ... وحالِهم وبالِهم وعُرْفهِم -106 و 107- شرع الناظم يعدد أسباب الاختلاف بين الفقهاء فذكر منها: أولاً: الاختلاف في أصل الجبلة، وذلك أن الناس - والعلماء منهم - لم يخلقوا على طبيعة واحدة، فتجد فيهم الحازم واللين، والشديد والهين وهذا تفاوت قضى به أمر الله ولا مبدل لكلمات الله.
ولم تأت الملّة السمحاء بقيد على العقول، بل كان كلٌّ يختار ما يناسب فطرته مما أذن به الله سبحانه.
-108- ثانياً: اختلفوا في المعنى اللغويِّ للكلمة، فربَّ كلمة في العربية تردُ على أكثر من معنى فكان كلُّ فقيه يختار واحداً من هذه الوجوه، ودلَّلَ الناظم على ذلك بمثالين: القرء فهو يستعمل في العربية بمعنى الطهر بين الحيضتين - وهو اختيار الشافعية، ويستعمل أيضاً بمعنى الحيض - وهو اختيار الحنفية -، وكذلك لفظ النكاح فإنه يأتي بمعنى العقد، ويأتي بمعنى الدخول الحقيقي.
-109- وذكر من أسباب الاختلاف، اختلاف الزمان والمكان والبيئات والأعراف، فلكلِ زمانٍ أحكامه وظروفه، والشريعة السمحاء فيها سعة وتنوع يسع كل عصر ومكان وبيئةٍ وعرف، ولكن الخطأ إمضاء حكم ما مخصوص على سائر الأعصر.

/متن المنظومة/ واختلفوا في الفَهمِ للمرادِ ... بالنَصِّ في سبيلِ الاجتهادِ فهذهِ الأسبابُ لن تباشرَهْ ... وهاكُمُ أسبابَهُ المباشِرَةْ أَوَّلُّها الخلافُ في المصَادِرِ ... مِنْ كلِّ ما أتى بلا تواتُرِ -110- ومن أسباب اختلافهم تفاوت فهمهم للنصوص ودلالتها، وذلك أن النصوص الشرعية لها دلالات قطعية ودلالات ظنية، وهم لا يختلفون في قطعي الدلالة ولكنهم يختلفون في ظني الدلالة.
مثال ذلك: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ . المائدة -38 فدلالة الآية قطعية لا شك فيها، ولكن دلالتها على النباش والمختلس والطَّرار والمغلّ دلالة ظنية محتملة.
-111 و 112- ذكر الناظم أن الأسباب السالفة أسباب غير مباشرة، أي مصدرها خارج عن الفقه الإسلامي، ثم شرع يعدد الأسباب المباشرة فقال: أولاً: الخلاف في المصادر غير المتواترة، وذلك أن العلماء لا يختلفون في شيء تواتر إسناده إلى المعصوم (، والتواتر هو أن يروي النص جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب.
ولكن وقع الخلاف في بعض روايات الآحاد، وهذا أمر طبيعي إذ يجوز عقلاً الاختلاف في توثيق فلان أو تجريحه، وهو لا ينقض من أصول الشريعة ولا من فروعها شيئاً.
واعلم أن القرآن كله متواتر من شك في شيء منه كفر، والسنة العملية المشتملة على أحكام الصلاة والصيام والزكاة والحج والعقائد كلها متواترة، وثمة قريب من مائتي حديث لفظي بلغ رتبة التواتر، وقد فصل الإمام السيوطي ذلك في كتابه اللآلئ المتناثرة في الأحاديث المتواترة.
وفيه تساهل بَيِّن.

/متن المنظومة/ وبعدَهُ الخلافُ في الحديثِ ... مصطلحاً كالجهلِ بالحديثِ وعدم الثبوتِ عند واحدِ ... كذاكَ في شروطِ نقلِ الواحدِ أو علمُهُ بواحدٍ منَ السَّنَدْ ... بضعفِه كذاكَ نسيانُ السَّنَدْ ثَالثُها الخلافُ في القواعدِ ... كضابطِ الإيجابِ والتباعُدِ والخلفُ في دلالةِ الألفاظ ... والعامِ والخاصِ مِنْ الأَلفاظِ -113 و 114 و 115- ثاني تلك الأسباب: الاختلاف في مصطلح الحديث، إذ أن مصطلح الحديث علم محدث، تفاوتت في تقريره، قرائح الأئمة، وذكر الناظم من ذلك ثلاثة أمثلة: الأول: الجهل بالحديث، فقد يبلغ الحديث بعض الرواة، ولا يبلغ البعض الآخر فينشأ من ذلك اختلاف في نتيجة الاستدلال.
الثاني: عدم الثبوت عند أحد الأئمة، وهنا يبلغه الحديث، ولكنه لا يتحقق من ثبوته لانقطاع في الإسناد، أو علة في الرواية.
الثالث: شروط نقل الآحاد، فقد كان للأئمة مناهج مختلفة في إثبات الاتصال والمعاصرة واللقيا، وقد ترتب على ذلك أيضا تفاوت في نتيجة الاستدلال.
الرابع: علمه بعلة في الإسناد: فقد يثبت له الاتصال والمعاصرة، ولكنه يعلم جرحاً في أحد الرواة لم يطلع عليه غيره، والمرء مأمور بأن يلتزم ما أدى إليه عيانه في الرجال ولو خالفه اجتماع الثقات.
-116 و 117- ثالث تلك الأسباب هو الاختلاف في القواعد الأصولية، كاختلافهم في دلالة الألفاظ على الأحكام، واختلافهم في شمول الألفاظ وعدمه واختلافهم في دلالة العام على كافة أفراده، وسيأتي تفصيل هذه المسائل في مواضعها.

/متن المنظومة/ والخلفُ في قواعدِ التَّرْجيحِ ... والنسخِ والتخصيصِ والتَّصريحِ كذاكَ ما شذَّ مِنَ الرِّوايَةْ ... ومرسلُ الحديثِ في الدِّرايَةْ -118- وكذلك اختلافهم في قواعد التعارض والترجيح، فقد يتوهم المرء وجود تعارض بين بعض النصوص، وقد تتعارض النصوص الظنية فعلاً، فلا بد هنا من الترجيح، والترجيح هنا يكون بإعمال أحد النصين، كما يكون بإعمالهما معاً كل في مناطه، وهذه المسائل لا تتفق عليها مناهج العلماء، ويؤدي ذلك إلى اختلاف الاجتهاد.
وكذلك اختلافهم في قواعد النسخ، وإعمال المنسوخ، وتخصيص العام وتقييد المطلق.
-119- ومن أسباب اختلاف الفقهاء، اختلافهم في الاحتجاج بالرواية الشاذة من القرآن الكريم، فقد كان بعض الصحابة يكتب في مصحفه كلمات على سبيل التفسير والبيان، فرواها الناس عنه على أنها قراءة، مثال ذلك زيادة ابن مسعود كلمة متتابعات، عقب قوله تعالى: فصيام ثلاثة أيام في سورة المائدة.
ومع اتفاقهم على أن القراءة الشاذة ليست قرآناً غير أنهم اختلفوا في الاحتجاج بها.
فاختيار أبي حنيفة وأحمد وجوب العمل بها واختيار الجمهور أنها من باب قول الصحابي يستأنس به ولا يجب العمل به.
وأما الحديث المرسل فهو ما رفعه التابعي مباشرة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهو على قاعدة الرواية حديث منقطع، ولكن لما كان الساقط من الرواية هو الصحابي والصحابة كلهم عدول، كان ذلك الساقط ثقة لا يضر الجهل باسمه، ولكن ذلك اختيار الحنفية والمالكية وبعض الشافعية، فيما يرى الإمام الشافعي أن المرسل ليس بحجة وهو في عداد الحديث الضعيف.

/متن المنظومة/ فخلفُهم لعللٍ وَجيهَةْ ... بَيَّنتُها فكُنْ بِهَا نَبيها -120- وأجمل القول فأشار أن الخلاف كان له أسبابه الموضوعية المقنعة، وعلى طالب العلم أن يتنبه إليها ليرفع غاشية سوء الظن عن السلف الصالح.

مقاصد الشريعة

/متن المنظومة/ مقاصِدُ الشَّرْعِ هيَ النتائِجُ ... كذلكَ الغاياتُ والمباهِجُ أَتَتْ بها الشريعةُ المطَهَّرَةْ ... وأَثبتَتْها في الفروعِ الظَّاهِرَةْ وهِيَ التَّي سَعَتْ إلى تحقيقِها ... دوماً بكلِّ أمرِها ونهيها فحققتْ مصالحَ العبادِ ... دُنيا وأخرى بهدىِ الرَّشاد أَلا ترى إلى النُّصوصِ الوَاضِحَةْ ... كم عَلَّلَتْ وبَيَّنَتْ موضِّحَةْ وظاهرٌ لعاقلٍ لبيبِ ... في الخلقِ والتشريعِ والتهذيبِ لم يخلقِ الرحمنُ شيئاً باطلاً ... وجاء جُلُّ شرعِنا معلَّلا -121 و 122 و 123- مقاصد الشريعة في اصطلاح العلماء هي الغايات والأهداف والنتائج والمعاني التي أتت بها الشريعة وأثبتتها في الأحكام وسعت إلى تحقيقها وإيجادها والوصول إليها في كل زمان ومكان.
-124- جاء الدين لخدمة الإنسان وسعادته والله غني عن العالمين، وفي الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني» رواه مسلم عن أبي ذر، وفي التنزيل العزيز: ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد﴾ فصلت -46- -125 و 126 و 127- أراد الناظم التوكيد على تنزيه المولى سبحانه وتعالى عن العبث في التشريع، فما من حكم إلا وله حكمة، علم ذلك من علم وجهل ذلك من جهل، ولذلك كانت أكثر الأحكام تأتي معللة مبيَّنة في الكتاب والسنة.

/متن المنظومة/ ومَنْ وعى مقاصِدَ الشريعة ... فعلُمهُ كقلعةٍ منيعَة فيدرِكُ الطَّالبُ سِرَّ الشَرْعِ ... كذا إطارَ حكمِهِ والفَرْعِ وهو في الدِراسةِ المقارِنَة ... دليلُهُ المفيدُ في الموازَنة وهدفُ الدَّعوةِ فِيها يَنْجلِي ... وذاكَ شأنُ المصلحيَن الكُمَّلِ ويستنيرُ العُلما بها على ... معرفةِ الأحكامِ مِما أُجْملا ويستعينونَ بها في الفَهْمِ ... لغامضِ النُّصوصِ قبلَ الحُكَمْ -128 و 129- شرع الناظم يذكر الفائدة من معرفة مقاصد الشريعة فعدَّد منها: أولاً: إدراك حكمة الشريعة فيما جاءت به من أحكام، وذلك يلقي اليقين في نفس طالب العلم ويزيده ارتباطاً بالشريعة ودعوة إليها، وفهماً عنها وحرصاً عليها، ويكسبه تصوراً شاملاً لغاياتِ الشريعة المطهرة أصولاً وفروعاً وإطاراً ومناطاً.
-130 و 131- ثانياً: وبناء على معرفة مقاصد الشريعة يمكن الترجيح والمقارنة بين الاجتهادات المختلفة للفقهاء، فما كان منها أكثر تحقيقاً لمصالح الناس ومنافعهم كان أقرب إلى القبول، وأدنى إلى الحق.
ثالثاً: وتبين المقاصد أيضا أهداف الشريعة السامية في سائر الأحكام، وهذا منهج المصلحين الكاملين في دعوتهم وإرشادهم.
-132 و 133 رابعاً: إن معرفةَ مقاصد الشريعة دليلٌ قويٌّ في تفسير الأدلة وتحديد معاني المجمل منها.
خامساً: كذلك فإنها تعين الأصوليَّ في بيان تفصيل غامض النص قبل استنباط الحكم منه.

/متن المنظومة/ وأَنَّهُمْ بها يُحدِّدُونَا ... مدلولَها في اللَّفْظ والمَضْمُونَا وحينَما تفتَقَدُ النُصُوصُ ... بهديها تَستَنْبَط الفُصُوصُ وحينَما نحتاجُ للترجيحِ ... بها يرجحونَ في الصَّحيحِ تقسيمُها بحسبِ المَصَالحِ ... ثلاثةٌ على المقالِ الواضِحِ أَوَلُها ما سمِّيَ الضَروري ... ونُوِّعَتْ لخمسةٍ أمورِ فحفظُهُ لدينهِم ونفسهِمْ ... وعَقْلِهِم وعرضهِم ومالِهِمْ -134 سادساً: ومن خلال المقاصد يمكن تحديد مدلول النصوص الشرعية لفظاً ومضموناً.
-135 سابعاً: وكذلك يمكن تشريع الأحكام التي سكت عن بيانها الشارع الحكيم، على هدي المقاصد العامة، والفصوص: حقائق الأشياء، والمراد هنا حقيقة الأحكام.
-136 ثامناً: وكذلك فإن مقاصد الشريعة مرجح قوي لدى التنازع في حكم من أحكام الشريعة.
-137138139 شرع يذكر تقسيم المصالح الشرعية، فأشار إلى أنها تنقسم ثلاثة أقسام: أولاً: المصالح الضرورية: وهي التي تقوم عليها حياة الناس الدينية والدنيوية، ولا يمكن أن تستقر الحياة بفقد واحد منها، وهي تنحصر في حفظ خمسة أشياء: الدين والنفس، والعقل، والعرض، والمال.
قال الإمام الغزالي: فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة، ودفعها مصلحة.

/متن المنظومة/ وبعدَهُ المصالحُ الحاجِيَّةْ ... بدفْعِ كُلِّ شقَّةٍ حَرِيَّة ثالثُها ما سمِّيَ التحسِيني ... وهيَ الكمالُ لأُولي التبيينِ ومنهجُ التَّشْريعِ في الرِّعايَة ... إِيجادُها والحفظُ والوِقايَةْ فحَفِظَ الثلاثَة الأَقْسَامْا ... وزادَ فيها رابعاً تماماً أتى بهِ مكَّملا محتاطاً ... كي لا يكونَ حفظُه اعتباطاً -140 ثانياً: المصالح الحاجيَّةَ: وهي التي يحتاجها الناس لتأمين معاشهم بيسر وسهولة، وحيث لم تتحقق واحدة منها أصاب الناس مشقة وعسر وهو ما عبر عنه الناظم بقوله: (حرية بدفع كل مشقة) أي لازمة لدفع المشاق.
-141- ثالثاً: المصالح التحسينية، وهي الأمور التي يقتضيها الأدب والمروءة، ولا يصيب الناس بفقدها حرج ولا مشقة، ولكن الكمال والفطرة يجدان فقدها.
-142- وهكذا فإن منهج الشريعة السمحة لرعاية هذه المصالح يتلخص في خطوتين اثنتين: أولاً: إيجاد هذه المصالح عن طريق النصوص التي أمرت بها.
ثانياً: حفظها عن طريق تشريع موجبات التزام الناس بها، وعدم الإساءة إليها.
-143 و 144- وهكذا فقد حفظ أقسام المصالح الثلاثة، وزاد المصالح التكميلية وهي التي يتم بها تحقيق المصالح الثلاثة على أحسن وجه، كالأذان للصلاة بقصد حفظ الدين، والقصاص بقصد حفظ الأنفس، ومنع النظر بقصد حفظ الأعراض وتحريم الخمر بقصد حفظ العقل، والحجر على السفيه بقصد حفظ المال.

/متن المنظومة/ ثُمَّ الضَّرُوريُّ مقَّدمٌ على ... سِواهُ كالحاجيِّ والذي تَلا وقَدَّمُوا ما عمَّ في الأَحكامِ ... على الذي خصَّ مِنَ الأَنامِ ورتَّبُوا أيضاً ذوَيْ الضرورة ... من حاجةٍ عُظمى ومِن خطيرة فَقُدِّمَ الدينُ على الأَموالِ ... وهكذا النَفْسُ على التَوالي -145- يجب تقديم المصالح الضرورية على الحاجية عند التعارض وكذلك الحاجية على التحسينية.
فستر العورة واجب ولكن أبيح كشفها للطبيب حفظاً للنفس، لأن حفظ النفس من المصالح الضرورية، وستر العورة من المصالح التحسينية.
-146- أيضاً تُقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، فالقصاص قتل للنفس ولكن فيه حفظ لأنفس الناس، إذ أن ترك القاتل بلا عقاب فيه ترويع للأبرياء وهو مظنة قتل أبرياء آخرين.
-147 و 148- أفاد الناظم بأن المصالح مرتبة أيضاً داخل التقسيم الواحد، فحفظ الدين مقدم على حفظ النفس، وحفظ النفس مقدَّم على حفظ المال وهكذا وفق ترتيب الأبيات السابقة.
فشرع الجهاد بالنفس للحفاظ على الدين، وشرع بذل المال للتداوي حفاظاً على النفس، وهكذا دواليك.
...

فصول الكتاب · 8 فصل · 107 صفحة
جارٍ التحميل