شرح المعتمد في أصول الفقهصفحات 86-99
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الثاني: مباحث الحكم

صفحات 86-99
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد الحبش
الكتاب
شرح المعتمد في أصول الفقه ((نظمها وشرحها د محمد الحبش))
المؤلف
محمد حبشمع مقدمة: للدكتور محمد الزحيلي [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

/متن المنظومة/ والسَّبَبُ الوصفُ الجليُّ المنضبطْ ... دلَّ لَهُ دليلُ سمعِ واشتُرِطْ لَدى الدليلِ كونُه معرِّفاً ... للحكمِ وهو حكمُ شرعيٍّ كَفَى وحينَما يوجَدُ فالمسبَّبُ ... لا بُدَّ موجود كما قد هذبوا وحيثما يُعدَمُ فالمسبَّبُ ... لا بُدَّ مَعْدومٌ كما قَدْ كَتَبُوا مثالُه أَنَّ الزِّنَا تَسَبَّبا ... في الحدِّ فالحدُّ به وجَبَا أقسامُهُ من جهة الموضوعِ ... قسمانِ: فالوقتيُّ للجميعِ مثالُهُ الظهرُ لدى الزوالِ ... ولصيام الشهرِ بالهلالِ والمعنويْ مثالُهُ الإسكارُ ... سبَّبَ تحريماً كذا القمارُ -440 و 441- تعريف السبب: هو الوصف الظاهر المنضبط الذي دل الدليل السمعي على كونه معرفا لحكم شرعي.
وهكذا فإن السبب حدث جعله الشارع علامة أكيدة على وجود الحكم، وقول الناظم (وكفى) إشارة إلى أن التعريف بألفاظه السالفة كاف محكم.
-442-443 أفاد بأن وجود السبب يستلزم حتما وجود المسبب، وانعدام السبب يستلزم حتماً انعدام المسبَّب.
فيلزم من وجوده الوجود ويلزم من عدمه العدم.
-444 مثال ذلك أن حد الرجم متوقف على ثبوت الزنا فحيث ثبت الزنا وجب الحد وحيث انتفى الزنا انتفى الحد.
-445 و 446 و 447- ينقسمُ السببُ من حيث موضوعه إلى قسمين: وقتي ومعنوي.
فالوقتي: ما لا تبدو فيه حكمة باعثة ظاهرة، بل هو محض توقيت، كالزوال سببٌ في وجوب الظهر، والهلال سبب في وجوب الصيام.
والمعنوي: ما يستلزم حكمة باعثة في تعريفه للحكم الشرعي، ومثاله: الإسكار سبب في تحريم الخمر، والعقد على مجهول سبب في تحريم القمار.
وعليه فإنه يجوز القياس على المعنوي ولا يجوز القياس على الوقتي.

/متن المنظومة/ أقسامه من جهة المكلف ... قسمان فافهمها لدي تكتفي أولها ملكْتَ فيه المقدرَةْ ... كالبيعِ والقتلِ فخُذْ للآخرَةْ وربما يكون مأموراً بِهِ ... مثاله النكاحُ مأمورٌ بِهِ وربما نهاكَ عنه الشارعُ ... كالسرقاتِ وكذاك القاطعُ وربما يباحُ كالذبيحِ ... يحلُّ أكلُهُ على الصحيحِ -448 و 449- ينقسم السبب من حيث قدرة المكلف على القيام به وعدمها إلى قسمين: الأول: ما هو من فعل المكلف وهو مقدور له، كالبيع سبب لانتقال ملكية المبيع، وثبوت الثمن، والقتل العمد سبب لثبوت القصاص.
وقول الناظم (فخذ للآخرة) أراد به أن المرء مأمور أن يستعد للآخرة باجتنابه ما حرم الله، حيث التكاليف كلها مقدور عليها من قبل العباد.
-450 و 451 و 452- أراد أن السبب الذي يملك فيه المكلف المقدرة يكون على ثلاثة أحوال: الأول: سببٌ مأمورٌ به شرعاً، كالنكاح يكون سببا في ثبوت الولد والتوارث.
الثاني: سبب نهى عنه الشارع، كالسرقة سبب في وجوب الحد، وكذلك قطع الطريق سبب في ثبوت حد الحرابة، مع أن كلاً منها منهيٌّ عنه شرعاً.
الثالث: سبب أذن به الشارع إذن إباحة، كذبح الحيوان سبب في صحة أكله.
-453

/متن المنظومة/ والثان ليس في يديك المقدرةْ ... مثل الزوال في الصلاة الحاضرةْ وإنما الأسبابُ مقصوداتُ ... لغيرها.. أي المسبَّبَاتُ والسببُ المشروعُ ما أدى إلى ... مصلحةٍ وإن يكن فيه بلا مثاله الجهادُ في الفيافي ... فربَّما أدى إلى إتلافِ وغير مشروع كما أدى إلى ... مفسدةٍ مثل تبنِّي من خلا

  • القسم الثاني: قسم ليس من فعل المكلفين، بل هو محض وضع إلهي، كالموت سبب لنقل الملكية، والزوال سبب لوجوب الظهر، والحيض سبب لإسقاط الصلاة والصوم.
    -454- أشار إلى أن الأسباب ليست مقصودة لذاتها، بل يراد منها إيضاح أحكام المسببات.
    -455 و 456 و 457- التقسيم الثالث للسبب، بحسب المشروعية وعدمها، وهو قسمان: -1- سبب مشروع: وهوما أدى إلى مصلحة في نظر الشارع، وإن اقترنت به بعض المفاسد فهي عارضة، كالجهاد سبب لنشر الدعوة وهي مصلحة حقيقية للناس ولو أن البعض يراها سبباً تزهق به الأنفس.
    وقوله: (فيه بلا) أي بلاء.
    -2- سبب غير مشروع: وهو ما أدى إلى مفسدة في نظر الشارع، وإن اقترنت به بعض المنافع العاجلة، كالتبني فإنه سبب غير مشروع لا تترتب آثاره عليه شرعاً، وهو وإن بدا مفيداً لبعض اليتامى، ولكنه مؤذ للمجتمع لما ينشأ عنه من ضياع الأنساب وتفرق العوائل.
    وقوله (تبنّي من خلا) أشار إلى عادة الأمم الخالية في إقرار التبني.

/متن المنظومة/ ويقسم السببُ في تأثيرِهِ ... في الحكمِ قسمين على تحريرِهِ مؤثّرٌ وذاك يدعى العلَّةْ ... كالسكرِ في التحريمِ فهو العلَّةْ وغير ما أثَّر وهو الذي ... كالوقتِ ليس علةً لحكمِ ذي وباعتبار نوعِ ما تسبَّبا ... فإنه قسمان فامْح الريبا أولها لحكم تكليف ظهَرْ ... مثاله الصوم إذا هلَّ القمَرْ والثانِ للحلِّ أو الملكيّة ... كالعتقِ والبيعِ كذا الزوجيَّة -458 و 489 و 460- التقسيم الرابع للسب اعتبار تأثيره في الحكم وعدمه، وهو نوعان: -1- السبب المؤثر في الحكم، وهو ما يسميه الأصوليون: العلة، وهو ما يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، ويمكن القياس عليها، كالسُّكْر سبب تحريم الخمرة- أي علته-.
-2- السبب غير المؤثر في الحكم، وهو الذي لا يكون بينه وبين الحكم مناسبة يدركها العقل، ولا يصلح القياس عليه.
-461 و 462 و 463- التقسيم الخامس للسبب اعتبار نوع المسبَّب، وهو نوعان: -1- سبب لحكم تكليفي: كالوقت للصلاة والهلال للصيام.
-2- سبب إثبات أو إلغاء ملك أو حل: كالعتق سبب لإزالة الملكية، والزواج سبب ينتج عنه تحليل المعاشرة، والبيع سبب لإثبات ملك أو إلغائه.

/متن المنظومة/ وباعتبار مصدر العلاقَةْ ... بينهما أقسامُهُ ثلاثَةْ أولها الشرعي وهو ما زكى ... من حكم شرعٍ كالصلاة والزكَا وبعدها العقليُّ وهو ما نَتَجْ ... عن حكمِ عقلٍ كالنقيضِ في المحَجْ والثالث العادي وهو ما جرى ... عرفٌ به أو عادةٌ بلا مرا ولازم عند وجود السببِ ... حتماً له الوجود للمسبَّبِ ولازمٌ عند انعدام السببِ ... حتماً له الزوال للمسبَّبِ من 464 حتى 467- التقسيم السادس للسبب وهو تقسيم فلسفي محض، وهو بحسب مصدر الرابطة والعلاقة بينه وبين المسبَّب، وهو ثلاثة أقسام: -1- سبب شرعي: وهو ما تقرر بناء على حكم شرعي، كالنصاب سبب لوجوب الزكاة، والوقت سبب لوجوب الصلاة.
-2- سبب عقلي: وهو ما تقرر بناء على حكم عقلي، كالقول بأن الليل سبب في انعدام النهار، وأن النقيض سبب في بطلان نقيضه، وأراد بقوله (في المحج) أي في المحاججة والمناظرة.
-3- سبب عادي: وهو ما تقرر بناء على عرف وعادة، كما لو قيل: الذبح سبب في الموت.
وأشار بقوله: (بلا مرا) إلى أن العادة يجب أن تكون غالبة بلا امتراء أو قيود.
-468 و 469- المعنى أنه يلزم من وجود السبب وجود المسبَّب، ومن عدمه عدمه، وقد سبقت الإشارة إلى ذلك في البيتين: 442-443 فلينظر.
...

الشرط

/متن المنظومة/ والشرط ما الوقوف بالوجودِ ... للحكم شرعاً منه للوجودِ وكان عنه خارجاً ويلزمُ ... من عدمِ الشرط لحكمٍ عدمُ وإنه كالركن إلا أنهُ ... مختلفُ فافهمه وافهم فَنَّهُ فالشرطُ جاءَ خارجَ الماهيَّةْ ... والركنُ جاءَ داخلَ الماهيَّةْ ويلزمُ العدمُ من عدمِهِ ... كذلك السببُ في عدمِهِ -470 و 471- الشرط في الاصطلاح: هو ما يتوقف وجود الحكم وجوداً شرعياً على وجوده، ويكون خارجاً عن حقيقته، ويلزم من عدمه عدم الحكم.
وأراد بقوله (وجوداً شرعياً) أن الحكم الشرعي لا ينعقد شرعاً إلا باستيفاء شرائطه، فالزواج يتم بغير شاهدين، ولكنه لا ينعقد شرعا بغير شاهدين.
-472 و 473- الركن والشرط حكمهما واحد من حيث أن الحكم لا يصح إلا بهما، ويتوقف وجوده الشرعي على وجودهما.
ولكن يختلفان في أن الشرط يكون خارج الماهية، فيما يكون الركن داخلها ومثال الشرط الوضوء للصلاة، ومثال الركن: الركوع في الصلاة.
-474- والشرط كالسبب في حال العدم، فيلزم من عدمه انعدام الحكم.

/متن المنظومة/ أما إذا وجدَ شرط لم يَجِبْ ... وجودُ حكم.
فتعلَّمْ واستطِبْ ويقسَمُ الشرطُ لدى ارتباطِهِ ... بسببٍ نوعين في احتياطِهِ فحيث جاءَ مكملاً للسببِ ... فالحولُ مكملُ النصابِ فانجبِ وقد يجيءُ مكملُ المسببِ ... كالستر مكملاً بلوغاً للصبي وباعتبار جهة اشتراطِهِ ... نوعان.
فالشرعي لارتباطِهِ بالشارعِ العليِ كالأحكامِ ... وسائر الحدود والصيامِ -475- ولكن في حال وجوده فإنه يختلف عن السبب، فبينما يجب وجود المسبب عند وجود السبب، فإنه لا يجب وجود الحكم عند وجود الشرط.
وقوله (فتعلَّمْ واستطِب) أراد به توجيه طالب العلم إلى الفارق الدقيق بين الشرط والسبب فيجب تعلمه لتطيب بذلك نفسه.
-476 و 477 و 478- التقسيم الأول للشرط باعتبار ارتباطه بالسبب والمسبب: -1- الشرط المكمل للسبب: كالحول شرط لا بد منه ليكمل السبب وهو النصاب إذ لا يثبت وجوب الزكاة إلا بالنصاب ولا يثبت النصاب إلا بحولان الحول.
والحق أن السبب ينطبق تماماً على (مجموعة الشروط الصحيحة) . وقوله: (فانجب) توجيه لطالب العلم لبلوغ النجابة في تحصيل العلم.
-2- الشرط المكمل للمسبَّب: كالطهارة وستر العورة مكملان للصلاة التي وجبت بسبب بلوغ الصبي، فهي تجب عليه، سَتَرَ العورة أو لم يستر، ولكن لا تكمل صلاته إلا بستر العورة.
-479 و 480- التقسيم الثاني للشرط من حيث جهة اشتراطه وهو على نوعين: الشرط الشرعي: وهوما اشترطه الشارع الحكيم كاشتراط القصد لثبوت القصاص، واشتراط الولي لصحة النكاح، واشتراط القدرة لوجوب الصيام.

/متن المنظومة/ وبعده الجَعْليّ وهو ما اشتُرِطْ ... من المكلف الذي له اشتُرِطْ كالمهرِ في تقديمِهِ في فعلِهِ ... والبيع في استلامه ونقلِهِ وشرطه إن جاء أن يوافقا ... للشرعِ مثلَ البيع حيث أطلقا وباعتبار نوع ما يربطه ... بكل مشروط ثلاث عَدُّه أولها الشرعيُّ كالوضوءِ ... شرط الصلاة بعد ما طروءِ وبعده العقليُّ من عقولنا ... نتاجُهُ كالفهمِ في تكليفنا ثالثها العاديُّ وهو ما نَتَجْ ... عن عادة كالنارِ تكوي من وَلَجْ -481 و 482 و 483- الشرط الجعلي: وهو ما اشترطه المكلف، كما لو اشترطت المرأة تقديم المهر كله، أو لو اشترط البائع تسليم المبلغ في مكان ما، وتكاليف نقله على المشتري وأمثال ذلك.
ويشترط في الشرط الجعلي أن لا يكون منافياً لما قرره الشارع، كما لو باعه شيئا وشرط عليه قيداً في إطلاق ملكيته عليه.
من 484 حتى 487- التقسيم الثالث للشرط بحسب إدراك الرابطة بينه وبين المشروط إلى ثلاثة أنواع: -1- الشرط الشرعي: وهوما نتج عن حكم الشرع كالوضوء للصلاة، وقوله: (بعدما طروء) إشارة إلى طروء الحدث الناقض للوضوء.
-2- الشرط العقلي: وهوما نتج عن حكم العقل، كاشتراط الفهم لثبوت التكليف، فهولم يدل عليه دليل شرعي ولكنه واضح بحكم العقل.
-3- الشرط العادي: وهو ما نتج عن العادة والعرف، كقولك: دخول النار شرط في الإحراق، وأضاف بعضهم نوعاً رابعاً، وهو الشرط اللغوي، وهو ما نتج عن دلالة اللغة.

/متن المنظومة/ فهل يُرى تكليفُهُ بالحكمِ ... مع فقده لشرطِهِ؟ خلفٌ نُمِيْ مثاله هل خوطبَ الكفارُ ... بالفرعِ من تشريعِنا.. فاحتاروا فقيل بالصحة للتكليفِ ... والشرط لم يحصل بلا تخفيفِ قاسوه بالجنبِ في تكليفِهِ ... بكل فرضٍ.. ثم في تعنيفِهِ في الذكر للكفار عند تركهم ... أمْرَ الصلاةِ رغم حالِ كفرهِمِ -488 و 489- أورد الناظم مسألة أصولية فرعية اشتهرت بين الأصوليين وهي: هل يصح التكليف مع فقدان شرطه؟ وشرطه هو الإيمان، وعبارتهم في ذلك: هل الكافر مخاطب بفروع الشريعة.
فأشار بأن الخلف في هذه المسألة نُمي، أي شاع واشتهر، وأشار بأن الأصوليين احتاروا في ذلك، وانقسمت آراؤهم في المسألة إلى مذهبين.
-490 و 491 و 492- القول الأول: ذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وبعض الحنفية إلى أن الكفار مخاطبون بالتكليف ولو لم يحصل شرط الإيمان، فلا يخفف عنهم التكليف بفروع الشريعة بحجة عدم إيمانهم، واستدلوا لذلك بالقياس على الجنب فهو مطالب بالفرائض، رغم أنه فاقد لشرط الطهارة الذي لا تصح الصلاة إلا به، واستدلوا كذلك بأن الله عنَّفَ الكفار في الذكر - أي في القرآن الكريم- لتركهم الصلاة رغم كفرهم، وذلك في قوله: ﴿ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين﴾ المدثر-42- والآيات في ذلك كثيرة ظاهرة.

/متن المنظومة/ وخالف الأحناف في اشتراطهم ... لسائر الكفار إيماناً لهم وما رآه الأولون أرجحُ ... دليلهم منمّقٌ موضَّحُ -493- والقول الثاني في المسألة هو مذهب الحنفية إذ قالوا إن الإيمان شرط في سائر التكاليف، ودليلهم في ذلك أن الكافر إذا أسلم لا يطالب بقضاء الصلاة لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، وذلك دليل على أنه لم يكن مكلفاً بها.
-494- ورجح الناظم رأي الأولين، ووصف دليلهم بأنه منمق - أي ظاهر الجمال- موضح، ودفع استدلالهم بذات الحديث، فقوله ص: «الإسلام يجب ما كان قبله» رواه ابن سعد عن الزبير، يدل على أنهم كانوا مطالبين بالتكاليف أصلا ثم خفف ذلك عنهم بدخولهم في الإسلام.
والمسألة كما ترى محض خلاف لفظي لا طائل تحته.

المانع

/متن المنظومة/ والمانعُ الوصفُ الجليُّ المنضبِطْ ... كالقتلِ في الميراثِ حيثُ يختلِطْ ويلزمُ العدمُ من وجودِهِ ... أفتِ به لكلِّ مستفيدِهِ ولم يجبْ من عدمٍ له عَدَمْ ... ولا وجودٌ.. فتعلم لا تُنَمْ ويقسم المانع في تأثيرِهِ ... عليهما قسمين في تحريرِهِ أولها لحكمة النقيضِ ... كالترك للصلاة في المحيضِ -495 و 496 و 497- المانع في الاصطلاح هو الوصف الظاهر المنضبط، الذي يستلزم وجوده عدم الحكم أو عدم السبب، فيلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم.
وقول الناظم (كالقتل في الميراث حيث يختلط) أرادأن الوارث يستحق الإرث ولكن إن تورط في قتل مورثه، فإنه يمنع من ميراثه، إذ اختلط المانع بالحكم فحال دونه.
وقوله (أفتِ به لكل مستفيده) إشارة إلى إجماعهم على تعريف المانع بما سلف، وعليه الفتوى.
-498- وينقسم المانع من جهة تأثيره على الحكم والسبب إلى نوعين كما حرره العلماء.
-499- القسم الأول: مانعٌ للحكم لكونه مناقضاً له.
القسم الثاني: مانعٌ للحكم لكونه مخلاً به.
فالأول على ثلاثة أنواع:

/متن المنظومة/ فربما اجتمع بالتكليفِ ... مثل المثال السابق الظريفِ وربما لم يجتمع به كما ... في النوم والجنون.. فابقَ مسلما وربما ينقلبُ اللزومُ ... مخيَّراً.. مثالُهُ السقيمُ والثان ما أخل حكمةَ السببْ ... فالدينُ في الزكاةِ أبطلَ السببْ والحنفيُّ قسَّمَ الموانعا ... لخمسةٍ فكن لديَّ سامعا -500 _ الأول: المانع الذي يجتمع مع أهلية التكليف، كالحيض يطرأ على المكلفةِ شرعاً فيرفع عنها التكليف الموجه إليها في الصلاة والصوم خصوصا.
مع بقاء التكليف عليها في سوى ذلك.
-501 _ الثاني: المانع الذي لا يجتمع مع الحكم التكليفي، بل يرفع التكليف كله حين يطرأ، كالنوم والجنون والإغماء.
وأراد بقوله (فابقَ مسلما) أن يستديم المؤمن في تمسكه بالإسلام حتى يلقى الله على التوحيد.
-502- الثالث: المانع الذي يطرأ فلا يرفع التكليف، بل يرفع اللزوم عنه إلى تخيير، كالمرض فإنه يرفع وجوب صلاة الجمعة، فيكون أداؤها حينئذ على سبيل التخيير بينها وبين فرض الظهر.
-503- القسم الثاني من أقسام المانع من حيث تأثيره على السبب والشرط هو: المانع الذي يمنع الحكمَ لحكمةٍ تخلُّ بحكمةِ السبب.
مثاله الدَّين على مالك النصاب، فهو بملكه للنصاب أحرزَ السبب الموجز للزكاة، ولكن بوجود الدَّين عليه وُجِدَ المانع الذي يحول دون ثبوتِ وجوبِ أداء الزكاة عليه.
-504- أخبر أن الحنفيةَ لهم تقسيمُ خاص للموانع فيجعلونها خمسة أقسام:

/متن المنظومة/ ما يمنع انعقادَ أيِّ سببِ ... كبيعِ حرٍّ أو كإفتاءِ الصبي والثانِ ما يمنعُ من تمامِهِ ... كبيعِ ذي الفضولِ غيرَ مالِهِ ثالثها يمنعُ بدءَ الحكمِ ... مثلَ خيارِ الشرطِ للمسلَّمِ رابعُها يمنعُ من تمامِهِ ... مثلَ خيارِ العينِ في إلمامِهِ والخامسُ المانع من لزومِهِ ... مثل خيارِ العيبِ في لزومِهِ -505- الأول: يمنع انعقاد السبب أصلا، كبيع الحر، فالحرية مانع من انتقال التملك عن طريق البيع، إذ هي مانعة للبيع أصلاً.
-506- الثاني: يمنع تمام السبب في حق غير العاقد، كبيع الفضولي، فالمالك هنا مخير بين إتمام العقد أو إبطاله مع أن العقد قد تم في حق العاقد.
-507- الثالث: ما يمنعُ ابتداءَ الحكمِ، كخيارِ الشرط للبائع، فالعقد منعقد في حقِّهما، ولكن انتقال الملكية ممنوع بسبب الخيارِ المشترط.
-508- الرابع: يمنع تمام الحكم، كخيار الرؤية، فالعقد منعقد في حقهما، وانتقال الملكية صار معتبراً لكنه غير تام، ويحق لصاحب الخيار أن يفسخ العقد بإرادته، لدى إلمامه: أي لدى اطلاعه على خفايا وصف المنيع.
-509- الخامس: يمنعُ من لزومِ الحكم، كخيارِ العيب، فالعقد منعقدٌ في حقِّهما، وقد انعقد تاماً، لكنه غير نافذ، إذ يحقُّ للمشتري فسخُ العقد بعد تمامه بخيار العيب.

الصحيح وغير الصحيح

/متن المنظومة/ وعرفوا الصحيحَ دونَ ريبَةْ ... ترتُّبُ الثمرةِ المطلوبَةْ شرعاً عليهِ منه أي ترتبتْ ... آثارُهُ كامِلَةً وأوجبتْ وغيره ما لم ترتَّبْ بعدَهُ ... آثارُهُ فافهمْ لهذا عنَدهُ فما مضى يقال عنه الباطل ... لكلِّهم.. والحنفي قائل يغايرُ الفسادُ بطلاناً، ولم ... يميزِ الجمهورُ في تعريفِهِمْ -510 و 511- النوع الرابع من أنواع الحكم الوضعي هو الصحيح وغير الصحيح.
فالحكم الصحيح هو: حكم ترتبت ثمرته المطلوبة منه شرعا عليه، فإذا حصل السبب، وتوفرت الشروط، وانتقى المانع ترتبت الآثار الشرعية على الفعل.
-512- وأما غير الصحيح فهو الذي لا تترتب عليه آثاره الشرعية، ويكون غير صحيح إذا انتقى سبب أو شرط، أو وجد مانع.
-513-514- الجمهور على أن غير الصحيح نوع واحد، فلا فرق عندهم بين الباطل والفاسد، ولكن الحنفية جعلوا الفاسد غير الباطل، فقالوا: الباطل هو الذي لم يشرع بأصله ولا بوصفه، وأما الفاسد فهو الذي شرع بأصله لا بوصفه، ومثال الباطل بيع المجنون، ومثال الفاسد بيع الربا.
...

العزيمة والرخصة

/متن المنظومة/ في الأصلِ ما شرعَ للأنامِ ... جميعِهم بدءاً من الأحكامِ فإنه عزيمةٌ مبيَّنَةْ ... وما سواه رخصَةٌ معيَّنَةْ وطالما لم يطرأِ الترخيصُ ... عليه فهو الأصلُ والتنصيصُ وفي العزيمة من الأنواعِ ... أربعةٌ تظهر باطِّلاعِ فالأول الغالب وهو ما شُرِعْ ... من أول الأمر لكل متَّبِعْ والثان ما شرع للطَّوارئِ ... كالنهيِ عن سبِّ أولي التناوءِ -515 و 516 و 517- العزيمة والرخصة من أقسام الحكم الوضعي، وعلى هذا الرأي كبار الأصوليين كالغزاليِّ والآمديِّ والشاطبي.
وتعريف العزيمة: ما شرعه الله عز وجل ابتداء لعامة عباده من الأحكام.
وعرفها البعض: الحكم الثابت الذي خولف لعذر.
وعليه فإن الأصل في الأحكام العزائم، ثم قد يطرأ عليها ما يجعلها رخصة لعذر ما.
-518- ويدخل في العزيمة أربعة أنواع: -519- الأول: ما شرع ابتداءً لصالح المكلفين عامة، وهو يشمل غالب الأحكام الشرعية -520- الثاني: ما شرعَ لطارئٍ ما، خلافاً للأصل، كالنهي عن سب الأوثان والمشركين في قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدواً بغير علم﴾ سورة الأنعام-108-، وعبر الناظم عنهم بقوله: (أولي التناوء) أي العداوة.
فها هنا حكم لم يشرع ابتداء، وإنما شرع لسبب طارئ، ولكنه لا يخرج عن كونه عزيمة.

/متن المنظومة/ والثالثُ النَّاسخُ للَّذي سَبَقْ ... فالنَّاسِخُ العزمُ..على هذا اتَفَق رابِعُها استثني مِمَّا قَدْ حُكِمْ ... كقولِهِ لدى الزَّواجِ ما عُلِمْ (والمحصناتُ مِنَ نِساءٍ إلاَّ ... ما ملكَتْ أيمانُكم) أَحَلاَّ والرُّخْصةُ الحكْمُ الذي أثبتَّهُ ... خلاف أصلٍ لدليلٍ سُقْتَهُ سبَّبَهُ عذرٌ مبيحٌ كالَّذي ... أتاهُ عمَّارُ بنُ ياسِرَ فذِيْ وتشَملُ الأحكامَ كُلَّها سِوَىْ ... حكمَ المحرَّماتِ فاترُكِ الهَوَىْ -521 الثالث: الحكم الناسخ لحكم سابق، فهو لم ينزل ابتداء، ومع ذلك فهو عزيمة.
-522-523- الرابع: الاستثناء الوارد في حكم سابق، كما في قوله سبحانه: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم ... والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم﴾ النساء 23 فإباحة التزوج بما ملكت أيمانكم عزيمة، وإن تكن لم تنزل ابتداء.
-524-525- تعريف الرخصة: (الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر) . وأورد الناظم مثالاً لذلك حديث عمار بن ياسر، حيث عذبه المشركون، فلم يكفوا عنه حتى نال من النبي - صلى الله عليه وسلم -وذكر آلهتهم بخير، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -مذعوراً فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «مالك؟» قال: هلكت يا رسول الله، ما تركني المشركون حتى نلت منك، وذكرت آلهتهم بخير، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: «كيف تجد قلبك؟» قال: أجده مطمئناً يا رسول الله.
قال: «فإن عادوا فعد..» -526- وتدخل الرخصة في سائر الأحكام التكليفية سوى الحرام، فتدخل في الواجب والمندوب والمباح والمكروه.

/متن المنظومة/ فالواجبُ الأكلُ لِمَنْ يُضْطَرُّ ... لميتةٍ بذاكَ قَد أقَرُّوا والنَّدبُ كالقصرِ لمن يُسافِرُ ... ثمَّ المُباحُ والطبيبُ ناظِرُ والرابعُ المكروهُ كالنُّطْقِ بِما ... يكْفُر فيهِ ظاهِراً إنْ أُرْغِما وتُجْعَلُ الرُّخصةُ أنواعاً على ... أَرْبعةٍ فافهَمْ لما قد أُجْمِلا أوَّلُها ما أسْقَطَ التكليفا ... عن العِبادِ ثُمَّ لَمْ يَحيفا عنْ كونِه في أصلهِ محرَّما ... كالأكْلِ للميتَةِ إن تحتَّما ورجَّحوا الأّخْذَ بها إلاَّ إذا ... أُرغِمَ أنْ يكفُرَ فليقْتَل إِذاً -527- مثال الواجب في الرخصة الأكل من الميتة لمن يضطر، فهو واجب عليه، ولو أن جائعاً في برية لم يكن حوله إلا لحم ميتة فتركه حتى هلك، مات آثماً، لتركه الرخصة الواجبة.
-528- مثال المندوب في الرخصة قصر الصلاة للمسافر، وهو مذهب الشافعية، واختار الحنفية الوجوب في رخصة القصر.
مثال المباح في الرخصة نظر الطبيب إلى العورة فهي مأذون بها شرعاً ولكن على سبيل الإباحة لا الندب ولا الإيجاب.
-529- مثال المكروه في الرخصة النطق بكلمة الكفر حال الإكراه، فهي رخصة مأذون بها شرعاً، ولكن الأحب إلى الله الصبر على الإكراه، وعدم النطق بكلمة الكفر.
-530- والرخصة على أربعة أنواع -531-532-533- الأول من أنواع الرخصة: ما سقطت فيها المؤاخذة عن العباد لأعذارهم مع بقائها حراماً في الأصل، كالأكل الميتة للمضطر، والنطق بكلمة الكفر للمكره.
وهذا النوع من الرخص يستحب الأخذ فيه واستثنوا منه حالة واحدة وهي حالة الإكراه على الكفر فقد تقرر أن الصبر أفضل.

/متن المنظومة/ والثانِ ما جَعَلَهُ مُباحاً ... مع قيامِ سَبَبٍ صُراحاً معَ التَّراخي موجبٌ لحكمِهِ ... كالفِطْر في سفرِهِ في يومِهِ فها هُنا العزيمةُ المُفَضَّلَهْ ... إلاَّ إذا عمَّا يُهِمُّ أشْغَلَهْ والثالثُ المَنْسُوخُ مِنْ شرعِ الألى ... فهو مجازاً رخصةٌ قَدْ جُعِلا ولا يجوزُ فِعْلُها تشْرِيعَاً ... فكُنْ لما أذكُرهُ سَمِيْعَاً واعتبَرَ الأحنافُ حكْمَ القَصْرِ ... مجازَ رخصةٍ فذاكَ فانْظُرِ ولا يجوزُ عندَهُمْ أَنْ تُكْمِلا ... فالرُّخْصَةُ التي بها تَنَزَّلا -534-535-536- الثاني من أنواع الرخصة هو الرخصة التي تجعل الفعل في حكم المباح خلال فترة العذر الطارئ، ولكن الحكم باقٍ متراخٍ لحين زوال العذر، كالإفطار في السفر، فقد شرع الإفطار للعذر مع بقاء الحكم وهو الصيام مؤجلاً لحين زوال العذر، وفي هذه الحالة فالعزيمة أفضل إلا إن كان ينال المكلف بها حرج أو ضيق.
-537-538- النوع الثالث من أنواع الرخصة: ما جاء رافعاً لمشقة كانت حكماً مقرراً في شريعة سابقة، كنسخ قص موضع النجاسة كما كان مشروعاً لدى بني إسرائيل، وهذه تسمى رخصة مجازاً، ولا يجوز الأخذ بالأصل المنسوخ لأنه ليس من شريعتنا.
-539-540- أضاف الحنفية نوعاً رابعاً للرخصة وهو: ما سقط عن العباد بإخراج سببه، ومثَّلوا لذلك بقصر الصلاة للمسافر، فالعزيمة عندهم هنا لا يجوز فعلها وهي إتمام الصلاة في السفر، لأن الرخصة هنا حكم مبتدئ ثبت بالنص بعد زوال السبب الموجب للإتمام وهو الإقامة.
ويطلق الحنفية عليها تخلصاً: رخصة إسقاط.

/متن المنظومة/ واختلَفوا أَيُّهما يُفَضَّلُ ... والشَّاطبِي لَخَّصَ ما تَوَصَّلُوا فقالَ فِيمَنْ رجَّحُوا العَزيمَةْ ... دليلُهُمْ حقاً عظيمُ القيمَةْ فأَوَّلاً ثبوتُها بالقَطْعِ ... وتثبتُ الرخصةُ فيها فاسمَعِ وثانياً عمومُها إِطلاقاً ... والرخصُ عارِضٌ بها اتِّفاقَاً وأمرُهُ بالصَّبْرِ مثلُ أمرِهِ ... بِها كما النَّبِيُّ عندَ صَبْرِهِ وأخذُها يَقضي على الذَّرَائِعِ ... وتَرْكُها يُفْضِي إلى التَّمَايُعِ والأَصْلُ في الشَّرائِعِ التكليفُ ... لا الهونُ والإِسفافُ والتَّخْفيفُ -541- اختلف الأصوليون في تفضيل الرخصة والعزيمة، وقد أجمل الشاطبي كلاً من المذهبين وأورد الأدلة عليه.
-542-543- أورد الشاطبي أولاً أدلة ترجيح العزيمة فقال: -1 العزيمة ثابتة قطعاً وبسبب قطعي، أما الرخصة فإنها وإن ثبتت بدليل قطعي ولكن سببها مظنون غير منضبط وهو المشقة.
-544- 2 العزيمة حكم عام في الناس، والرخصة جواز طارئ، ولا شك أن الدخول في ما عليه الأمة خير من الانفراد بالأعذار.
-545- 3 إن الله عز وجل أمر بالصبر في تحمل التكاليف (فاصبر لحكم ربك) وأمره بالصبر على التكاليف بمثابة أمره بالعزائم دون الرخص.
-546- 4 إن الأخذ بالعزائم ضمانة حقيقية لسد الذرائع، بينما يؤدي تتبع الرخص إلى التهاون أحياناً في بعض شرائع الدين.
-547- 5 إن الأصل في الشريعة هو التكليف، وهو خلاف ما يهواه الإنسان غالباً من التهوين والتخفيف، والتكليف أقرب إلى العزيمة من الرخصة.

/متن المنظومة/ أمَّا الذينَ أخَذُوا بِالرُّخْصَةِ ... فَذَلَّلُوا مثلَهُمُ بخمْسَةِ فالظَنُّ كالقَطْعِ لدى الأَحكامِ ... في شرعةِ القرآنِ والإِسْلامِ وإنَّما يُقَدَّمُ المُخَصَّصُ ... على العمومِ هكذا قد نصَّصُوا وأَنَّ هذا الدِّينَ يُسْرٌ فيهِ نَصْ ... وربُّنا يُحِبُّ أَنْ تُؤتَى الرُّخَصْ وأنَّ قصدَهُ بِها التخفيفُ ... فاعمَلْ لما يقصدُهُ اللَّطيف -548-549- واستدل الذين فضلوا الرخص بخمسة أمور: -1 إن الرخصة ثابتة بالشرع أيضاً كالعزيمة، وبدليل قطعي أيضاً، ولكن الدليل القطعي رتب سبب الرخصة على أمر مظنون، فلا معنى إذن للقول بأن العزيمة قطعية والرخصة ظنية.
-550- 2 إن المقرر لدى علماء الأصول أن الخاص مقدم على العام، والمقيد مقدم على المطلق، فالعزيمة مبنية على العموم، والرخصة مبنية على الخصوص.
-551- 3 إن الأدلة الشرعية التي جاءت في الكتاب والسنة في إقرار حكمة اليسر في الدين كثيرة، ومنها قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ البقرة 188، وكذلك قوله عز وجل: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ الحج، وكذلك قوله ص: «إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه» -552- 4 إن من مقاصد الشارع الحكيم التخفيف عن العباد، قال تعالى: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ الأعراف (157) ومن أجل ذلك نهى الإسلام عن التبتل.

/متن المنظومة/ وتركُها يُودِي إلى السآمَةِ ... وفِعلُها الكفيلُ بالسَّلامةِ وإِنَّما التَّرجيحُ مِثْلَمَا تَرَى ... فَقَدِّرِ الشِّقَةَ وارفَعِ المِرَاْ -553- 5 إن المجاهدة المستمرة للنفس بقصد المداومة على العزائم تودي بالإنسان إلى الملل والسآمة، ولكن ترويض النفس على العزائم مع الأخذ بالرخص في المشقات هو الكفيل بالسلامة.
-554- والحق أن الأدلة متكافئة، وعلى المرء أن يكون فقيه نفسه، فالرخصة والعزيمة متناوبتان، وليس فيها حكم واحد، بل تقدر كل منهما بحسب ظروف المكلف واستعداده.

الفصل الثاني: الحاكم

/متن المنظومة/ والحاكِمُ الحقُّ هُوَ الإِلَهُ ... فاحكُمْ بِهِمْ كما أرادَ اللهُ وربَّما يَظْهَرُ في القرآنِ ... أو في كلامِ السَّيِّدِ العَدْنَانِ أو في اجتهادِ العُلماء بَعْدَهُ ... فكلُّهم يبيِّنونَ قَصْدَهُ وجاءَ في قُرآنِنَا مُفصَّلاً ... أجْمَلَهُ الرَّحمنُ ثُمَّ فَصَّلاْ وجائِزُ إطلاقُهُ أيضاً على ... مَنْ أظهرَ الأَحكامَ أو مَنْ فَصَّلاْ -555- الحاكم بمعنى واضع الأحكام ومنشئها وهو الله عز وجل، لا يخالف أحد من أهل الملة في ذلك، وقد أُمر النبي (صراحاً بذلك في قول الله عز وجل: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ المائدة (49) -556- وإن مظهر إرادة الحاكم سبحانه وتعالى يُعرف في صريح القرآن الكريم الذي هو كلام الله عز وجل، ويعرف كذلك من خلال سنَّة النبي (التي هي بيان لوحي إلهي غير متلو أنزله الله عز وجل على قلب نبيه (. -557- كذلك فإن اجتهاد العلماء سواء كان إجماعاً أم قياساً ما هو إلا جهد يبذلونه في سبيل الكشف والبيان عن إرادة الله سبحانه وتعالى الذي هو في النهاية الحاكم الحقيقي في الإسلام.
-558- أراد أن البيان الإلهي للأحكام جاء مفصلاً في القرآن الكريم، أو مجملاً في القرآن مفصلاً في السنَّة.
-559- ويطلق الحاكم ويراد به أيضاً من أدرك الأحكام وفصلها وكشف عنها.

/متن المنظومة/ فالحاكِمُ الفَصْلُ هُوَ التَّشْرِيْعُ ... وذاكَ بعدَ أَنْ أتَى الشَّفيعُ واختَلفوا قبلَ مجيءِ المُصطَفى ... فقيلَ لا حاكِمَ مُطلقاً وَفَىْ أمَّا الذينَ اعتَزَلوا فأكَّدُوا ... بأنَّهُ العقلُ كما قَدْ فندُوا وسَبَبُ الخلافِ أمرُ الحُسْنِ ... والقبحِ في العقلِ فَدعْكَ مِنِّيْ -560- ولا خلاف بين الأصوليين فيما قدمناه، من أن الحاكم الحق هو الشارع العظيم سبحانه وتعالى، فيجب على العباد اتباع أمره وإرادته كما بينها المصطفى (بعد بعثته.
-561-562- وقع الخلاف بين الأصوليين في معرفة الحاكم الذي يلزم اتباعه شرعاً قبل بعثة النبي (على قولين: الأول: إنه لا يوجد تكليف بدون مجيء الأنبياء، لتعذر معرفة حكم الله سبحانه بدون هدى من الأنبياء، وقوله: (لا حاكم مطلقاً وفى) أي وافى بمعنى جاء.
وهذا هو قول أهل السنة والجماعة.
الثاني: الحاكم الحق هو الله عز وجل، وإرادته إما أن يبديها الكتاب بعد النبوة، أو العقل قبل مجيء الأنبياء.
إذ العقل أهل لفهم مراد الله وأمره.
وهذا هو قول المعتزلة.
وقوله: (كما قد فندوا) إشارة إلى أن دعوى المعتزلة هنا تفنيد وادعاء لا دليل عليها.
-563- أشار إلى أن الخلاف المتقدم سببه اختلافهم في مسألة: هل الحسن والقبح أمر عقلي أم شرعي وقوله: (فدعك مني) أشار إلى أن هذه المنظومة في أصول الفقه ليست محلاً للاختلاف في هذه المسألة، بل يجب إحالتها إلى كتب العقائد.

/متن المنظومة/ وهَل يحاسبُ أهالي الفَتْرةِ ... فيهِ خلافٌ هائِلٌ فأثْبِتِ فالأشعريونَ نفوا تكليْفَهُمْ ... فَهُمْ سواءٌ محسنٌ مسيئُهُمْ والحُسْنُ والقبحُ مِنَ الشَّرْع عُرِفْ ... وليس بالعقلِ كما بِذَا وُصِفْ وخالَفَ الجماعة المُعتزلَةْ ... ونُقِلَتْ مِنْهُمْ إِلينا المَسْأَلَةْ فأوجَبوا تكليفَ كُلِّ عاقِلِ ... حتماً ولَوْ لَمْ يأتهِمْ مِنْ مُرْسَلِ والحُسن والقبحُ مِنَ العَقْلِ عُرِفْ ... فالشَّرعُ تابعٌ لَهُ ومكتَشِفْ -564-565-566- وقع الخلاف بين المسلمين في حكم أهل الفترة، هل يحاسبون أم لا، وهم الذين لم يرسل إليهم نبي يبين لهم مراد الله، وأجمل الناظم الخلاف على ثلاثة أقوال: الأول: قول الأشعريين نسبة إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، وهو الذي بَيَّن عقائد أهل السنة والجماعة، وميزها من عقائد المخالفين.
واختار الأشعريون (الذين هم أكثر أهل السنة والجماعة) أن أهل الفترة غير محاسبين ولا مكلفين، ويستوي في ذلك محسنهم ومسيئهم، إذ لا سبيل للعقل إلى معرفة الحسن والقبح، إذ إن معرفة ذلك لا تتم إلا عن طريق الشرع وحده دون سواه.
-567-568-569- القول الثاني: هو قول المعتزلة حيث نقل عنهم أن الناس مكلفين بالعقل وحده، ولو لم يأتهم رسول، إذ العقل وحده قادر على اكتشاف إرادة الحاكم سبحانه وتعالى وتمييز الحسن من القبيح.
وتأولوا قول الله عز وجل: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولاً﴾ الإسراء (15) بأن الرسول هنا هو العقل.

/متن المنظومة/ والماتريديونَ جَاؤوا في الوَسَطْ ... فأوجَبُوا معرفَةَ اللهِ فَقَطْ وما سوى ذاكَ مِنَ التكليفِ ... نَفَوْهُ عَنْهُمْ.. رحمةَ اللَّطيفِ وليسَ حُسْنُ الفِعْلِ مارآهُ ... عَقْلٌ.. ولَكِنْ ما أرادَ اللهُ وهكذَا فكُلُّهمْ قَدْ أَجْمَعُوا ... تكليفَ مَنْ تبلُغُهُ ويَسْمَعُ واختلفوا في كُلِّ مَنْ لم تَتَّصِلْ ... بهم، نجاةً أَوْ هلاكاً مُتَّصِلْ -570-571-572- القول الثالث: وهو قول الماتريدي، وهم بعض الحنفية والحنابلة من أهل السنة والجماعة خالفوا الأشاعرة في مسائل طفيفة كانت هذه واحدة منها.
فقال الماتريديون: إن الإنسان مكلف بالإيمان بالله، فإن كفر أو أشرك فإنه محاسب مسؤول، سواء جاءه نذير أو لم يأته نذير، إذ الإيمان لا يختلف في حسنه عقل ولا شرع.
أما ما سوى ذلك من التكاليف الشرعية فقد وافقوا الأشاعرة في أن العباد غير مكلفين بها إلا عن طريق الأنبياء، وبذلك فإنهم يوافقون الأشاعرة في أن الحسن والقبح شرعيان لا عقليان ويستثنون مسألة الإيمان فقط من هذه القاعدة.
-573-574- وهكذا فإنهم أجمعوا على أن من بلغتهم الدعوة مكلفون بها محاسبون عليها، واختلفوا في من لم تصلهم هل يحكم بهم للنجاة أم للهلاك على التفصيل الذي قدمناه.

/متن المنظومة/ كذاكَ إِنَّ العقلَ هَلْ يعتَبَرُ ... مِنْ أُسُسِ التَّشْريعِ أَصْلاً؟.. نظروا جعلَهُ كذلِكَ المُعْتَزِلَةْ ... رَفضَهُ أهلُ النُّهى والمَسْأَلَةْ -575-576- ووقع الخلاف كذلك في مسألة اعتبار العقل وحده مصدراً من مصادر الشريعة؟ قال المعتزلة وعليه الشيعة أيضاً: بأن العقل يعتبر مصدراً من مصادر التشريع.
بينما اختار أهل السنة والجماعة أن العقل لا ينهض مستقلاً كمصدر من مصادر التشريع.
ونشير هنا إلى أن هذه المباحث جاءت مختصرة في النظم لكونها من مباحث العقيدة أصلاً لا من مباحث علم الأصول.

الفصل الثالث: المحكوم فيه

/متن المنظومة/ تعريفُهُ فعلُ المُكَلَّفِ الذي ... تعلَّقَ الخِطابُ فيهِ فاحتَذِيْ فرُبَّما يجيءُ تكْلِيفيَّاً ... وتارةً تجدُهُ وَضْعِيَّاً واشتَرطوا عِلْمَ المكلفينَ بِهْ ... مفصَّلاً فاعرفْهُ حقاً وانتَبِهْ واشتَرَطُوا معرفَةً بِالمَصْدَرِ ... وما رَضوْا جهلاً بذاكَ فاحذَرِ واشترطُوا اختيارَهُ في فِعْلِهِ ... وتركِهِ.. لا مُلزماً بفعلهِ -577- المحكوم فيه هو فعل المكلف الذي تعلق به خطاب الشارع -578- قد يكون الفعل المحكوم فيه تكليفياً وذلك إذا سماه الشارع واجباً أو مندوباً أو حراماً أو مكروهاً أو مباحاً، وقد يكون وضعياً وذلك إذا سماه الشارع سبباً أو مانعاً أو شرطاً.
-579- اشترط الأصوليون في ثبوت الوصف الشرعي على الحكم وترتب أثره عليه أن يعلم به المكلف تفصيلاً.
-580- واشترطوا كذلك أن يكون المكلف عارفاً بأن التكليف صادر عن الله عز وجل، فلا يكفي أن يعلم أن الزنا ممنوع ليصير محاسباً عليه بل لا بد من أن يعلم أن ذلك هو حكم الله وإرادته.
-581- واشترطوا أيضاً أن يكون المكلف قادراً على فعله وعلى تركه بإرادته دون إلجاء أو اضطرار.

/متن المنظومة/ فلا يُكَلَّفُونَ مُستحيلاً ... لِفِعْلِهِ لَمْ يَجِدوا سَبيلاً ولاَ يكلفُونَ فعلَ غيرِهِمْ ... وتَرْكِهِمْ فأمرُهُمْ لِرَبِّهِمْ ولا يُكَلَّفُونَ ما قَدْ فُطِرُوا ... دفعاً وجَلْباً.. إذْ هُمُ لَنْ يقدِروا وأوِّلِ الظاهِر حيثُ وَرَدَاْ ... لمختَفٍ لهُ الإلهُ قَصَدَاْ -582-583-584- أشار إلى أن الشروط السالفة في المحكوم فيه تتفرع عنها ثلاثة أمور: الأول: لا يصح شرعاً التكليف بالمستحيل الذي لا يجد المكلف سبيلاً ممكناً لفعله.
الثاني لا يكلف المرء بفعل غيره أو بتركه، فالمرء لا يسأل إلا عن نفسه.
وجماع هذه الأمرين في قوله تعالى: ﴿لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت﴾ سورة البقرة (286) الثالث: لا يكلف المرء شرعاً بفعل أو ترك ما هو مفطور عليه كحمرة الوجه عند الغضب، والحزن عند المصيبة، والطول والقصر والبياض والسمرة إلى غير ذلك.. -585- أشار إلى وجوب تأويل كثير من النصوص عن ظاهرها إذا أوهمت نفي ما بيناه، فمثلاً قوله تعالى: ﴿ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ آل عمران (102) ، ظاهره تكليف بتحصيل حكم حال الموت، مع أن ساعة الأجل لا يعلمها المكلف وهذا تكليف بالمستحيل.
ولكن مراد الله سبحانه أن يستديم المرء على الاستقامة حتى تلزمه حال الموت.
وقوله سبحانه: ﴿لكي لا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم﴾ الحديد (23) ظاهره النهي عن الفرح عند النعمة، وهو أمر فطري لا يملك المرء أن يتحكم فيه، ولكن المراد من النهي هنا هو النهي عن تبعات الحزن من اللطم والنواح، وتبعات الفرح من الأشر والبطر، وذلك مقدور للإنسان.
وقوله سبحانه: ﴿قوا أنفسكم وأهليكم ناراً﴾ المراد الأمر بنصح الأبناء والأهل وتوجيههم وليس المراد أن الرجل مسؤول عن صلاح أهله وفسادهم، بل مسؤول عن نصحهم وإرشادهم.

/متن المنظومة/ وأكثرُ الأحنافِ يشرطونا ... حصولَ شرطِ الشرع موقنينا فهل جرى التكليفُ للكفارِ ... بالفرعِ في الدين؟.. خلافٌ جارٍ -586-587- واشترط أكثر الحنفية شرطاً رابعاً وهو أن المحكوم فيه لا ينعقد حكمه شرعاً حتى يتحقق الشرط الشرعي لقيامه، وهذا خلاف رأي الجمهور، وثمرة الخلاف تظهر في مسألة تكليف الكفار بفروع الشريعة من قبل حصول الشرط الشرعي وهو هنا: الإيمان.
وقد سبق بيان الخلاف في المسألة في بحث الشرط.

/متن المنظومة/ وكُلِّفوا مشقةً معتادَةْ ... يفعلُها جميعهم بالعادَةْ ورخِّصَتْ شديدةُ المشقَّةْ ... فضلَ الإله عند بعد الشُّقَّةْ وقسِّمَ المحكومُ فيه حيثما ... نظرْتَ ما هِيَّتَهُ فمنه ما رأيته وُجِدَ حسّاً وانتفى ... شرعاً كأكلٍ أو كشربٍ أو شِفا وربما سُبِّبَ حكمٌ شرعي ... منه كما الزنا بأي وضعِ وربما بالحسِّ والشرعِ وُجِدْ ... مثالُهُ الحجُّ إذا ما قد قُصِدْ وربما بالحسِّ والشرعِ وجِدْ ... ورتبت عليه أحكامٌ تَرِدْ مثالُهُ النكاحُ والإقالَةْ ... والبيعُ والتمليكُ والحوالَةْ -588-589- أشار إلى أن المشقة نوعان: مشقةٌ معتادة ومشقة غير معتادة، فالمشقة المعتادة ما يقدر عليه مع شيء من التكلف، فالمحكوم فيه يجوز أن تصاحبه المشقة المعتادة، كالمشقة في الصوم والحج، أما المشقة الشديدة غير المعتادة فقد تفضل المولى سبحانه وتعالى برفعها عن العباد، وشرع في مقابلها الرُّخص المأذون بها شرعاً، كأكل الميتة للمضطر، والإفطار في السفر.
من 590 حتى 595- يقسم المحكوم فيه باعتبار ماهيته أربعة أقسام: الأول: ما وجد حسا وانتفى شرعا، وليس سبباً لحكم شرعي.
كالأكل والشرب والدواء.
الثاني: ما وجد حساً وانتفى شرعاً، ولكنه صار سبباً لحكم شرعي آخر.
كالزنا والقتل.
الثالث: ما وجد حساً وشرعاً، ولا يترتب عليه حكم شرعي آخر.
كالحج والزكاة.
الرابع: ما وجد حساً وشرعاً، وترتب عليه حكم شرعي آخر.
كالنكاح والبيع والتمليك والإقالة والحوالة، فكل واحد منها له وجود شرعي إذا تحقق بشروطه وأسبابه ترتب عليه حكم آخر.

/متن المنظومة/ وجملةُ الأحنافِ قسَّموهُ ... حَسَبَ ما يضافُ رتَّبوهُ أربعة أولُها للهِ ... مخلَّص ومالَه تناهي عبادةٌ ليسَ بها مؤونَةْ ... وبعدها التي بها مؤونَةْ ثالثها مؤونَةٌ وفيها ... معنى عبادةٍ تحلُّ فيها رابعُها مؤونةٌ وفيها ... معنى عقوبةٍ تحلُّ فيها خامسُها عقوبةٌ محققَةْ ... سادسُها قاصرةٌ منمقَةْ سابعُها تدورُ معنى فيها ... عبادةٌ عقوبةٌ تحويها ثامنُها حقٌّ تمامٌ قائمُ ... بنفسِهِ مثالُهُ الغنائمُ أولُها الصلاةُ في الإسلامِ ... وبعدها الفطرةُ في الصيامِ والثالثُ العشرِ ونصفُ العشرِ ... والرابعُ الخراجُ.. فافهم فكري -596-597- والحنفية يقسمون المحكوم فيه باعتبارِ ما يضاف إليه إلى أربعة أقسام: الأول: حقٌّ خالصٌ لله كالصلاة والصيام، وحدُّ شرب الخمر والزنا، فيجب على الحاكم شرعاً إنفاذُه، ولا يحقُّ لأحدٍ إسقاطُه، ولكن يجب درؤه بالشبهات.
وقوله (وماله تناهي) أراد به أنه ليس للإنسان أن يتنازل عنه لأن الحق فيه لله عز وجل لا يتناهى إلى غيره.
من 598 إلى 607- ثم هذا القسم ثمانية أنواع عددها الناظم ثم أورد عليها الأمثلة في أبيات مستقلة: -1- عبادات خالصة لله، ما فيها معنى المؤونة ولا العقوبة.
كالصلاة والصيام.
-2- عبادات فيها معنى المؤونة، والمؤونة: الكلفة.
كصدقة الفطر -3- مؤونة فيها معنى العبادة، كدفع العُشْر في الأرض الزراعية.
-4- مؤونة فيها معنى العقوبة كالخراج.
-5- عقوبة كاملة، كحد الزنا والسرقة وقطع يد الصائل إذا سرق.
-6- عقوبة قاصرة، كحرمان القاتل من الميراث، فهي عقوبة قاصرة على المال دون البدن.
-7- حقوق دائرة بين الأمرين، كالكفارات فيها معنى العقوبة ومعنى العبادة.
-8- حق قائم بنفسه، كدفع الخمس من المغنم.

/متن المنظومة/ والخامسُ الزنا وقطعُ الصائلِ ... سادسُها حرمانُ كلِّ قاتلِ سابعُها الكفارةُ المفروضَةْ ... ثامنها الغنائمُ المقبوضَةْ وقِسْمُها الثاني لعبدِ الله ... فأمرُه لَهُ بلا نواهي يسقطُهُ إن شاءَ أو يأباهُ ... وإن يشأْ يتركُهُ فذا هو -608-609- القسم الثاني من أقسام المحكوم فيه عند الحنفية هو: حق خالص للعبد يملك رفع الدعوى له، ويملك إسقاطه والعفو فيه، وهو الحقوق التي تتعلق بها مصلحة المكلف الدنيوية، كحرمة ماله.

/متن المنظومة/ والثالث اجتماعها وإنَّما ... يغلبُ حقُّ ربنا فليعلما والرابع اجتماعُها وإنما ... يغلب حقُّهم بها فليعلما فالثالثُ القذفُ وذاكَ يعلَمُ ... والرابعُ القصاصُ وهو يفهَمُ -610-611-612- القسم الثالث: هو ما كان حقاً لله وللعبد ولكن حق الله فيه أغلب، كالقذف فهو حق للعبد من حيث مساسه بكرامته، وحق لله عز وجل من حيث درء الفساد في المجتمع، وحق الله فيه أغلب، ولكن يرى الشافعية والحنابلة أن حد القذف حق خالص للآدمي المقذوف.
القسم الرابع: هو ماكان حقا لله وللعبد، ولكن حق العبد فيه أغلب، كالقصاص والديات، فهو حق للعبد من حيث تحقيقه مصلحة أولياء القتيل، وحق لله عز وجل من حيث درء الفساد في المجتمع ولأن الشارع يتشوفُ إلى حقن الدماء، فإنه فوض أمر العفو إلى العبد، فصار حقه فيه أغلب.

الفصل الرابع: المحكوم عليه

فصول الكتاب · 8 فصل · 107 صفحة
جارٍ التحميل