شرح المعتمد في أصول الفقهصفحات 33-54
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الأول: مصادر التشريع الإسلامي

صفحات 33-54
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد الحبش
الكتاب
شرح المعتمد في أصول الفقه ((نظمها وشرحها د محمد الحبش))
المؤلف
محمد حبشمع مقدمة: للدكتور محمد الزحيلي [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

الفصل الأول: المصادر المتفق عليها

المبحث الأول: الكتاب الكريم

/متن المنظومة/ وأوَّلُ المصادرِ القُرآنُ ... كتابُ ربِّي المعجِزُ البيانُ منزلاً على النَّبيِّ العرَبي ... ولفظَهُ وخطُّهُ بالعَربي تواتراً.. كتبَ بالمصاحفِ ... وما سِواهُ في الصَّلاةِ مُنْتَفي ولا تجوزُ في الأَصَحِ التَرْجَمَة ... والخلفُ قامَ في ثبوتِ البَسْمَلَة -149 و 150 و 151- أورد الناظم تعريف الجمهور للكتاب العزيز القرآن الكريم، وهو أول مصادر التشريع، لا يجهله أحد، ولا يختلف عليه أحد، ولكنه أورده على اصطلاح الأصوليين، وهاكه كما أورده الغزالي في المستصفى، القرآن الكريم: هو كلام الله المعجز، المنزل على سيدنا محمد (، باللفظ العربي، المنقول إلينا بالتواتر، المكتوب بالمصاحف، المتعبد بتلاوته، المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس.
وقول الناظم: (البيان) زيادة إيضاح في التعريف وهو اسم من أسماء القرآن الكريم، قال الله عز وجل: ﴿هذا بيان للناس وهدى ورحمة وموعظة للمتقين﴾ ، وقوله (وما سواه في الصلاة منتفي) إشارة إلى قولهم: المتعبد بتلاوته.
-152- ولا تصحُّ ترجمة ألفاظ القرآن الكريم، وقد أذن الفقهاء بترجمة معاني القرآن، وعلى كل حال فلا يسمى النص المترجم قرآناً بحال، لقوله تعالى: ﴿بلسان عربي مبين﴾ ، ولا يصح أن تستنبط منه الأحكام وأشار الناظم إلى الخلاف في البسملة، وهل هي آية من القرآن الكريم، ولا خلاف أن البسملة بعض آية من القرآن الكريم، وردت في سورة النمل في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم﴾ والمسألة على ثلاثة أقوال: الأول: البسملة آية في كل سورة إلا سورة براءة، وهو قول الشافعي أي هي (113) آية، تضاف إليها آية النمل.
الثاني: البسملة ليست بآية في أوائل السور مطلقاً وهو قول المالكية.
الثالث: البسملة آية واحدة ثم وضعت في أوائل السور جميعاً تبركاً.

/متن المنظومة/ وكلُّ مَا لم يتواتَر في السَّنَدْ ... آحادُهُ مشهورَهُ فلا تُعَدْ والشرطُ في الإعجازِ ما سأبدي ... أولُّها أنْ يوجَدَ التَحدِّي والثانِ أنْ تُهَيأ الدوافِعُ ... ثالثُها أنْ تنتفي الموانِعُ -153- أشار الناظم بذلك إلى أن القراءات التي لم تنقل بالتواتر لا تسمى قرآناً، وبذلك تخرج القراءات الشاذة والآحادية والمشهورة.
فليست قرآناً ولا يتعبد بها، ولا تصح بها الصلاة.
-154 و 155- ذكر الناظم شروط الإعجاز وهي ثلاثة: الأول: وجود التحدي، أي بأن يدعى المعارضون إلى الإتيان بمثله.
الثاني: أن تهيأ الدوافع لدى المعارضين لقبول المنازلة.
الثالث: أن تنتقي الموانع التي تحول دون قيامهم بالتحدي.
وهذه الشرائط الثلاثة توفرت في الإعجاز القرآني، فقد تحداهم أن يأتوا بمثله، فلا مسوغ لقولهم لو شئنا لقلنا مثل هذا، ووجد الدافع لدى الخصوم للمعارضة لأنهم كانوا حريصين على تكذيبه، وانتقى المانع عنهم لأنه تحداهم بلغتهم وكلامهم.

/متن المنظومة/ وهذهِ بعضُ الوجوهِ فيهِ ... نظامُ لفظٍ ومعانٍ فيهِ ثُمَّ انطباقُهُ على العِلْمِ الصحيحْ ... وأثرُ اللَّفْظِ البليغِ والفصيحْ كذلكَ الإِخبارُ بالمستقبلِ ... وكلُّ ذاكَ واضحٌ ومُنْجَلي أحكامُه ثلاثَةٌ لِمَنْ أَرادْ ... عمليةٌ خلقيةٌ ثُمَّ اعتقادْ فَمِنْهُ ما أبانَهُ مفصلاً ... ومنهُ ما أبانَ مِنْهُ مجملاً -156-157-158- شرع يعدد بعض وجوه الإعجاز القرآني فذكر منها: -1- اتساق ألفاظه وعباراته ومعانيه وأحكامه ونظرياته.
-2- انطباق آيات القرآن الكريم على ما يكشفه العلم الصحيح.
-3- فصاحة ألفاظه وبلاغة عباراته وقوة تأثيره.
-4- إخباره بوقائع لا يعلمها إلا علام الغيوب.
وقد أفاض أستاذنا الزحيلي في إيراد الأمثلة على تحقق هذه الوجه، فلا داعي لتفصيل القول فيها.
-159- يمكن تصنيف الأحكام التي تضمنها القرآن الكريم إلى ثلاثة أقسام: أحكام اعتقادية، وأحكام أخلاقية، وأحكام عملية شرعية، وهي تشتمل على العبادات والمعاملات والأنكحة والحدود والجهاد.
-160- وقد جاءت الأحكام في القرآن الكريم مفصلة في مواضع ومجملة في مواضع.

/متن المنظومة/ واستوعَبَتْ آياتُهُ العقائِدا ... والمجملاتِ وأَحالَتْ ماعدا وبعضُهُ دلالَةٌ قَطْعِيَّةْ ... وبعضُهُ دلالةٌ ظَنِّيَة واختلفَ الأسلوبُ في الإِلزامِ ... والندبِ والحلالِ والحرامِ -161- بين الناظم أن القرآن الكريم يشتمل على جميع العقائد، ويشتمل على جميع الأحكام على سبيل الإجمال فيما ترك تفصيل الأحكام المجملة لتقوم السنة المشرفة ببيانه.
-162 و 163- القرآن الكريم كله قطعيُّ الثبوت، أي لا شك في نسبته إلى الله عز وجل ولكنه ليس قطعي الدلالة على سائر الأحكام، فمنه قطعي الدلالة ومنه ظني الدلالة، مثال ذلك قوله عز وجل ﴿أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ النساء -43-، فالآية تدل على أن ملامسة المرأة تنقض الوضوء، ولكن ما هي الملامسة المقصودة؟ هل هي محض اللمس؟، أم هي الجماع؟، أم هي الملامسة بشهوة؟ ثلاثة أقوال، لكل منها قرائن يستدل بها القائلون بذلك، والآية ظنية الدلالة على كل قول.
وللقرآن الكريم: أساليب مختلفة في الأمر والنهي والندب والكراهة والإباحة نبينها فيما بعد إن شاء الله.

المبحث الثاني: السنة

/متن المنظومة/ والسُنَةُ الطريقَةُ المعتادَةْ ... قَدْ حدَّها قومٌ كرامٌ سادَة وهِيَ اصطلاحاً ما أضيفَ للنَّبيْ ... قولاً وفعلاً.. ثم تقريرُ النَّبيْ فالقولُ ما جاءَ مِنَ الكلامِ ... والفعلُ ما رأَوهُ كالسلامِ وبعدَهُ التَّقريرُ وهو ما رَأَى ... مِنْ فعلِهم فما أَبَى ولا نَأى واختلفَتْ في السنَّةِ الأقوالُ ... لِمَا مَضَى أهلُ الحديثِ مَالوا وللأصوليينَ ما يثابُ ... بها.. وما لتاركٍ عِقَابُ -164- السنة لغة: الطريقة والعادة، وهكذا عرفها النحاة.
-165- والسنة في اصطلاح المحدّثين: هي ما أضيف للنبي (من قول أو فعل أو وصف أو تقرير.
-166- ويراد بالقول: كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - المرفوع إليه بإسناد، ويراد بالفعل ما أخبر به الصحابة الكرام أو التابعون من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثل الناظم بالسلام ليعبر عن السنة الفعلية.
-167- أما التقرير: فهو ما رآه - صلى الله عليه وسلم -من أحوال الصحابة فلم ينكره ولم يأمر به.
-168- وتعددت مناهج العلماء في تعريف السنّة، والتعريفُ السابق هو تعريف المحدثين.
-169- أما تعريف الأصوليين فهو: السُّنة: ما يثابُ فاعله ولا يعاقب تاركه.

/متن المنظومة/ وأربَعٌ لم تُعتَبرْ في السُّنَّةْ ... ما كانَ قبلَ بعثةٍ ومِنَّة والثانِ ما أتى على الجِبِلَّة ... وما استَقى.. كطِبِّه في العِلَّة رابعُها ما خصَّهُ بالذَّاتِ ... من حالِهِ كعدِدِ الزَّوْجاتِ -170 و 171 و 172- ذكر الناظم أربعةَ مسائل لا يعدُّها الأصوليون من السنة: الأولى: ما كان قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه لا تشريع فيه.
الثانية: أفعال النبي - صلى الله عليه وسلم - الجبلية التي لم يقم دليل على اعتبار مشروعيتها، لكن قالوا: نعم يثاب من قلده - صلى الله عليه وسلم -في ذلك لحبه وإخلاصه.
الثالثة: ما صدر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -بمقتضى ما حصله من الخبرة البشرية في حياته الخاصة.
الرابعة: مسائل مخصوصة به - صلى الله عليه وسلم -، قام الدليل على أنه لا يجوز التأسِّي بها كالزواج بأكثر من أربع، والوصال في الصيام.

حجية السنة من القرآن

/متن المنظومة/ وثَبَتَتْ حجيةُ السنَّةِ في ... ألفِ دليلٍ ودليلٍ فاعرفِ أَوَّلُها إشارةُ القرآنِ ... في النَّحْل للنَّبِيِّ بالبَيَانِ وبعدَها الأمرُ بطاعةِ الرَّسُولْ ... وإن تحبَّ الله فاتبعِ الرَّسُولْ -173- يراد بحجية السنة وجوبُ الرجوع إليها في تقرير الأحكام، وقد دأب بعض الناس على التشكيك بها، والتقليل من شأنها فراح الناظم يرد عليهم فأورد الأدلة أولاً من القرآن الكريم فقال: -174- يريد قوله تعالى في سورة النحل آية -64-: ﴿وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون﴾ -175- أراد بالشطر الأول قول الله عز وجل في النساء -59- ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، ذلك خير وأحسن تأويلا﴾ . وأراد بالشطر الثاني قوله عز وجل في سورة آل عمران -31- ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم﴾

/متن المنظومة/ وردُّهم إليهِ في التنازُعِ ... وحذِّر المِنكِرَ بالرَّوادِعِ وأَنَّهُ أوتي حكمةَ الهُدى ... محلِّلٌ محرِّمٌ.. لا عَنْ هَوَى -176- أشار في الشطر الأول إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء -59- ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾ . وأشار في الشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة النور -63-: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾ -177- إشارة إلى قوله سبحانه وتعالى في وصف النبي - صلى الله عليه وسلم - في سورة الأعراف 156: ﴿يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، يحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث، ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ وأشار بالحكمة إلى قوله سبحانه في سورة الجمعة -2-: ﴿هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾ وأشار بقوله: لاعن هوى إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة النجم -4- ﴿وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى﴾

/متن المنظومة/ وقُرِنَتْ باللهِ فعلاً طاعَتُه ... وأَنَّه لذي اليقينِ أُسْوتُه وليسَ مُؤْمِناً مِنْ لَمْ يحكِّمَهْ ... وما حباكَ خُذْ وما نهاكَ مَهْ وَأُرْسِلُ الرَّسُولُ كَيْ يُطاعا ... لا خيرةً لمسلمٍ أطاعَا -178- أشار بذلك إلى قوله تعالى في سورة النساء -80-: ﴿من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً﴾ وأشار بالشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة الأحزاب 21: ﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً﴾ -179- أشار إلى قوله سبحانه وتعالى في سورة النساء 65-: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً﴾ وأشار بالشطر الثاني إلى قوله سبحانه في سورة الحشر 7-: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله إن الله شديد العقاب﴾ و (مه) اسم فعل، معناه: اكفف، أي انته.
-180- أشار في الأول إلى قوله تعالى في سورة النساء -64-: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله، ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيماً﴾ وأشار في الثانية إلى أنه لا خيرة لمسلم أطاع الله ورسوله في الاتباع وعدمه، بل يلزمه اتباع الرسول (في كل شيء بمجرد دخوله في الإيمان وهو مقتضى الطاعة، وذلك هو مضمون قول الله عز وجل في سورة الأحزاب-36-: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالاً بعيداً﴾

/متن المنظومة/ وكلُّها في واضحِ القرآنِ ... مسطورةٌ تقصدُ للبيانِ -181- وعقب بأن هذه النصوص وغيرها مسطورة في صريح القرآن الكريم، وهي بمجملها قطعية الدلالة على وجوب اتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -.

حجية السنة من غير القرآن

/متن المنظومة/ وهكذا قد أجمعَ الصحابةْ ... والتَزموا سؤالاً أو إِجابَةْ ثُمَّ دليلهَا مِنَ المعقولِ ... ضرورةُ التبيينِ والتفصيلِ وفعلُه كانَ البيانَ العَمَلِيْ ... لِكُلِّ ما في الذِّكْرِ مِنْ شَرعِ العلي -182- راح الناظم يحتج لثبوت السنة من الأدلة الأخرى بعد القرآن الكريم، فأكد إجماع الصحابة الكرام على الأخذ بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - والاحتكام إليها في مسائل الخلاف، ولا شك أن استقراء عمل الصحابة يدل على إجماعهم أن السنة حجة كاملة، ومصدر تشريعي واجب الاتباع، متى صحت سنداً إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. -183- واستدل لها من المعقول بأن كثيراً من أحكام القرآن الكريم نزلت مجملة غير مفصلة، والأمر بالمجمل من غير تفصيل أمر بما لا يفهم، والأمر بما لا يفهم عبث، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومثال ذلك أوامره سبحانه وتعالى أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، وكتب عليهم الصيام.
فلولا السنة لبقيت هذه المجملات بغير تفصيل وهو عبث لا يليق بكمال المولى سبحانه.
فكانت هذه النصوص وغيرها مجملة فصلتها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وفق ما أمر به الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم من ربهم﴾ -184- واستدل الناظم أيضا بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ كان يفسر ويبين ما ورد في القرآن مجملا، وهذا أمر تظاهرت على إثباته روايات متواترة متضافرة لا يسع عاقلاً إنكارها.

/متن المنظومة/ وعُصِمَتْ كعصمةِ القُرآنِ ... فعصمةُ المبينِ كالمُبَانِ ودَلَّتِ الآثارُ بالوُجُوبِ ... وحَذَّرِ المُنْكِرَ باللَّهيبِ -185- ولا خلافَ أن السنَّة إذا صحَّت نسبتها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فهي معصومة، لا يتطرق إليها الزلل، وذلك لأن القرآن معصوم، وقد سميت السنة بياناً للقرآن، والحكيم لا يَكِلُ بيان المعصوم إلى غير المعصوم.
-186- وقد جاءت أحاديث كثيرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - تأمر باتباع السنة وتحذر من مخالفتها، وتعد المنكرين بلهيب النار، وإنما أعرض الناظم عن إيرادها لأن الشيء لا يكون حجة لنفسه، فالخصوم يجادلون في حجية السنة والاحتجاج بها هنا مصادرة على المطلوب.
ونورد هنا استئناساً حديث المقداد بن معد يكرب فيما يرويه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يوشك أن يقعد الرجل متكئاً يحدَّثُ بحديث من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله مثل ما حرم الله» أخرجه أبو داوود والترمذي وأحمد.

تقسيم السنة من حيث السند

/متن المنظومة/ وما أتى تواتراً في الواقعِ ... يفيدُ في العلمِ اليقيني القاطعِ وأنَّهُ كالذِّكرِ في ثبوتهِ ... وكفَّروا الجاحدَ في ثُبُوتِهِ والخبرَ المشهورَ زادَ الحنفي ... وفَسَّقوا جاحدَهُ إنْ لَمْ يَفِيْ -187 و 188- أخبر أن السنة تقسم من حيث عدد الرواة إلى أنواع فذكر منها: المتواتر، وهو ما رواه جمع عن جمع تحيل العادة تواطؤهم على الكذب وحيث تحققت شروط التواتر فإن ذلك يلزم العلم اليقيني القاطع، ويجب العلم به وتحرم مخالفته، وثبوته كثبوت القرآن، لأن القرآن إنما نقل أيضا بطريق التواتر، ومنكر المتواتر بلا بينةٍ كافر.
-189- الجمهور يقسمون الحديث إلى آحاد ومتواتر، فالمتواتر ما بيناه، والآحادي ما في إحدى حلقات إسناده راوٍ واحد، ولكن الحنفية أضافوا صنفاً ثالثاً وهو المشهور، وهو ما كان متواترا إلى الصحابي ثم لم يروه عن رسول الله إلا صحابي واحد، بجامع أن الصحابة كلهم عدول.
ومنكر الخبر المشهور فاسق عند الحنفية إن لم يقم بينة على إنكاره، وهو ما عبر عنه بقوله: إن لم يفي، أي لم يوافِ بالبينة.
لكن المتأخرين من علماءِ الاصطلاح يصنفون السنة على الاعتبار الآتي: المتواتر: ما رواه عشرة فما فوق.
المشهور: ما رواه أربعة إلى تسعة من الرواة.
العزيز: ما رواه اثنان أو ثلاثة.
الآحاد: ما رواه واحد.
ولا يخفى أن المراد بالأعداد المذكورة هو أضعف حلقة في سلسلة الإسناد.

/متن المنظومة/ واتَّفَقوا بأنَّها تستلزِمُ ... عَمَلنا والاحتجاجُ ملزِم وخبر الآحادِ خُذْ دليلا ... أَنْ تنذِرَ الطائفةُ القَبيلا وربَّ حاملٍ إلى فقيهِ ... وبلِّغوا عنِّي كما نَرْويهِ -190- ولا خلاف بأن العمل بالمتواتر من الحديث لازم، والحجة به قائمة ملزمة، مع الإشارة إلى ما سبق من رأي الحنفية.
-191- ذكر الناظم نوعاً ثالثاً هو حديث الآحاد، وقد سبق تعريفه، وأورد على وجوب الاحتجاج به من الأدلة: قوله تعالى: ﴿فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون﴾ التوبة -122- فالفرقة ثلاثة، والطائفة واحد أو اثنان، وقد أخبر سبحانه بأن الطائفة مأمورة بإنذار الفرقة.
-192- واستدلَّ كذلك بالحديث الذي يبلغ رتبة التواتر المعنوي، وهو ما أخرجه الأئمة عن جبير بن مطعم وعبد الله بن مسعود قال رسول الله ص: «نَضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها، فرب حاملِ فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وقوله: (بلغوا عني) إشارة إلى ما نرويه من حديث الإمام البخاري عن ابن عمر في قوله ص: «بلغوا عني ولو آية» . ...

/متن المنظومة/ وانعقدَ الإجماعُ.. أَيْ لم ينكرِ ... فجزيةُ المجوسِ فعلُ عمرِ كذلِكَ استدلَّ بالقياسِ ... في الحكمِ يكفي واحدٌ في النَّاسِ والجرحُ والتعديلُ في التصويبِ ... رجِّحْ بِهَا الصِّدقَ على التكذيب ونقلوا عن الخليفتينِ ... مع خبرِ الواحد شاهدينِ وربما حلَّفَهُ لم تَطَّرِدْ ... عنهم طريقة لأخذٍ أو لِرَدّْ -193- واستدلَّ أيضاً بانعقاد الإجماع على وجوبِ الأخذ بخبر الآحاد، والإجماع المقصود هنا هو الإجماع السكوتي، ومعناه أن الصحابة أخذوا بحديث الآحاد ولم ينكر عليه أحد منهم فكان إجماعاً.
فقد عمل عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحديث عبد الرحمن بن عوف، وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في المجوس: (سنُّوا بهم سنة أهل الكتاب) فأخذ منهم الجزية وهو حديث آحاد، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة.
-194- ويستدلُّ أيضاً بالقياس على وجوب الأخذ بخبر الواحد، وذلك أن القاضي يقضي بشهادةِ الرجلين كما في نص القرآن الكريم.
-195- واستدلَّ عقلا بأن علم الجرح والتعديل تكفل ببيان أحوال الرجال، فصار الصدق أدنى من الكذب، وصارت الرواية تفيد الظن القوي.
-196- شرع في بيان شروط الأخذ بخبر الواحد، فنقل أولاً شروط الصحابة الكرام، فقد كان الخليفتان الراشديان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يشترطان شاهدين مع الحديث حتى يحكما به.
-197- وأحيانا كان عمر رضي الله عنه يستحلف الراوي فيما يروي، ثم أشار الناظم إلى أن ذلك لم يكن منهجاً مطرداً، بل كان ذلك عائداً لمدى قناعة الخليفة رضي الله عنه بموثوقية المحدث.

/متن المنظومة/ وهذِهِ شَرَّطَها الأَحنَافُ ... أَنْ لا يُرى في فعلِهِ خلافُ أو ليسَ مما حثتِ الدَّواعي ... أولم يُوافِقْ عملَ الأَتْبَاع في الفقه والراوي بلا فقهٍ كما ... في خَبَرِ المصراةِ قد تَذمَّما واشتَرطوا لمالكٍ بأَنَّ مَا ... خالفَ فعلَ يثربٍ لم يَسْلَما -198 و 199 و 200- واشترط الأحناف شروطاً ثلاثة:

  • أن لا يعمل الراوي بخلاف ما يرويه
  • أن لا يكون مما توافرت الدواعي على نقله، فالحديث الذي تتوافر الدواعي على نقله يجب أن يكون من رواية أكثر من واحد، وإن عدم وجود أحد يرويه مظنة ريبة.
  • أن لا يكون مخالفاً للقياس والأصول الشرعية وعمل الأمة إن كان الراوي غير فقيه.
    -200- تقدير الكلام أن الراوي بلا فقه مذموم، وأورد الناظم مثالاً عليه في حديث الشاة المصراة، وهو ما أخرجه الإمام البخاري في كتاب البيوع باب 64، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ص: «لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر» -201 واشترط الإمام مالك شرطاً آخر، وهو وجوب موافقة الحديث لعمل أهل المدينة، لأنه يرى أن عمل أهل المدينة وهم أبناء الصحابة الخلص، إنما هو نوع من التواتر المعنوي فلا يدفع بحديث الآحاد.

/متن المنظومة/ والشافعيُّ أربعٌ شُروطُهُ ... في كلِّ راوٍ عقلهُ وضَبْطُهُ وأَنْ يكونَ ثقة في دينهِ ... ولم يخالِفْ متنُهم لِمَتْنِهِ وأحمدٌ شروطُه كالشَّافِعِيْ ... فصَّلْتُها على المقالِ الرائِعِ -202 و 203- واشترط الشافعي أربعة شروط وهي العقل، والضبط، والاستقامة في الدين في كل راو من الرواة، وأن لا يكون متن رواية مخالفاً لما هو رواية الجماعة.
-204- ومذهب الإمام أحمد في الرواية كمذهب الشافعي، غير أنه يرى أن الحديث الضعيف خير من قول الرجال، وكذلك يحتج بالحديث المرسل.

مكانة السنة

/متن المنظومة/ وعملُ السُّنَّةِ في الكِتَابِ ... ثلاثَةٌ في الحقِّ والصَّوابِ أَولُها التأكيدُ للقُرآنِ ... كالبرِّ والجهادِ والإِحسَانِ والثانِ تبيينُ الذي قَدْ نُصَّا ... قيدَه فَسَّرهُ أَوْ خَصَّا ثالثُها زيادَةٌ علَيْهِ ... كرجمِ محصنٍ وما إِليهِ واختلفوا في نَسْخِها القُرآنا ... فالشَّافِعيُّ قالَ لا وبَانا -205- أشار الناظم إلى أن موقع السنة من القرآن واحد من ثلاثة: التوكيد والبيان والزيادة.
-206- فتكون أولاً مؤكدة لما أمر به القرآن الكريم من الفضائل والأحكام وما نهى عنه من الرذائل والأفعال.
-207- وتكون ثانياً مبينة للقرآن الكريم، فتقيد المطلقَ، وتخصص العام، وتفسر المبهم وتفصل المجمل.
-208- وقد تأتي السنة بحكم جديد لم ينص عليه القرآن أصلاً، وأورد من الأمثلة عليه: رجم المحصن -209- أخبرَ بأن الإمامَ الشافعيَّ قال بعدمِ جوازِ نسخ القرآن بالسنة، لأن الله عز وجل قال: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ ولا شك أن السنة ليست مثل القرآن ولا خيراً منه.
وقوله (بانا) إشارة إلى أن الشافعي باينَ برأيه هذا مذهب الجمهور.

/متن المنظومة/ ونَسْخُها على مقالِ الجُلِّ ... دليلُهم وقوعُهُ بالفِعْلِ -210 اختار الجمهور بأن السنة تنسخ القرآن الكريم، ودليلهم على ذلك الوقوع الفعلي، فقد نسخت آية الوصية في البقرة -180-: ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقاً على المتقين﴾ فقد قالوا إنها نسخت بقوله لا وصية لوارث.
ودفع الشافعي ذلك بقوله بل نسخت بآية المواريث في سورة النساء 11: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ... ﴾ الآية

المبحث الثالث: الإجماع

/متن المنظومة/ هو اتفاقُ أهلِ الاجتهادِ ... من أمةِ النَّبي الإمامِ الهادي في أَحدِ العصورِ والأزمانِ ... في حكمِ أمرٍ مّا.. بلا تَوانِيْ دليلُهُ مِنَ الكتابِ نَهْيُهُ ... عنِ الشِّقاقِ، ثُمَّ فيهِ وَعْدُهُ كذاكَ وصفُها بأنَّها الوَسَطْ ... وخيرُ أمةٍ فإنَّها فَقَطْ -211 و 212- الإجماع مصدر من المصادر المتفق عليها للتشريع الإسلامي، وأورد الناظم تعريف الكمال بن الهمام الحنفي، ونصه: الإجماع: اتفاق مجتهدي عصر من أمة محمد (على أمر شرعي، والأمر الشرعي هو الأمر الذي لا يدرك لولا خطاب الشارع.
وقول الناظم: بلا تواني، أي بلا إبطاء، فلو اتفق بعض الفقهاء وأبطأ آخرون فليس إجماعاً معتبراً.
-213 و 214- شرع الناظم يورد الأدلة على ثبوت حجية الإجماع فبدأ أولاً بالأدلة من القرآن الكريم، فذكر أولاً آية سورة النساء رقم-115-: ﴿ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبعْ غير سبيل المؤمنين نولِّهِ ما تولَّى ونصلهِ جهنم وساءت مصيراً﴾ وقد تضمنت الآية النهي عن مشاققة المؤمنين، وتضمنت الوعيد على من يسلك سبيل شقاق المؤمنين ثم استدل بقول الله عز وجل في سورة البقرة 143: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾ وكذلك قوله عز وجل في سورة آل عمران -110-: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾

/متن المنظومة/ وصَحَّ في الحديثِ حيثُ قالا ... ليسَ اجتماعُ أُمَّتي ضَلالاً والزَمْ سوادَ المسلمينَ الأَعظما ... وحَسنٌ عندَ الإلهِ كُلُّ مَا رآهُ جمعُ المسلمينَ حسَنَا ... نقلَها أصحابُ علمِ أُمَنَا واحكُمْ بهِ عقلاً فجَمْعُهم إذا ... توافَقَتْ آراؤُهم فالحقُّ ذا -215 و 216 و 217- شرع الناظم يورد الأدلة على حجية الإجماع من السنة المشرفة: فأشار إلى الحديث المشهور: (لا تجتمع أمتي على ضلالة) وهو حديث صحيح أخرجه أحمد وغيره وقد روي من طرق كثيرة تبلغ بمجموعها رتبة التواتر المعنوي.

  • وأشار كذلك إلى حديث: «عليكم بالسواد الأعظم» (24) . وحديث: «ألا من سره بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد» ثم أشار إلى حديث: «ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن» وهو حديث موقوف على ابن مسعود، أخرجه أحمد في كتاب السنة -218- واستدل كذلك بالمعقول وهو أن فقهاء الأمة إذا اتفقوا على الحكم في قضية ما، وجزموا بها، فالعادة تحيل أن يكون هذا الاتفاق غير مستند إلى أصل شرعي، وإلا فإنه لا بد أن يعارض أحدهم

/متن المنظومة/ وركنُهُ اتفاقُهم جميعُهم ... بقولهِمْ وفاقاً أَوْ سُكوتِهم ورَدَّ هذا الشَّافِعِيْ والظَّاهِرِيْ ... وكَمْ حكاهُ مِنْ إمامٍ ماهرِ -219- بَيَّن أنَّ ركن الإجماع هو اتفاق سائر المجتهدين، ولا عبرة بخلاف أهل الأهواء، وعامة القراء الذين لا يعتبرون من المجتهدين.
ثم بين أن الإجماع نوعان: إجماع صريح وإجماع سكوتي، فالإجماع الصريح هو ما قررناه، وأما الإجماع السكوتي فهو أن يتكلم مجتهد في مسألة، فتشيع بين الناس ولا ينكرها من معاصريه أحد.
-220- لم يقبل الشافعية والظاهرية الاحتجاج بالإجماع السكوتي، لكن الحنفية وأحمد يرونه مصدراً مستقلاً من مصادر التشريع.

شروط الإجماع

/متن المنظومة/ وعَدَّدوا شروطَهُ وبَعْضُها ... مُختَلَفُ فيهِ وهاكَ عَدُّها أَوَّلُّها أَنْ ينتفي التَعارُضُ ... مع الكتابِ أو حديثٍ قد رَضُوا والثانِ أَنْ يستندَ الإِجْماعُ ... إلى دليلِ واضحٍ أذَاعوا وأَنْ ترى المجتهدينَ عَددا ... واتَّفَقوا جميعهُم لا ماعَدا وأَنْ يكونَ مِنْ أمورِ الشَّارِعِ ... وقيلَ لا بَلْ كُلُّ أمرٍ نافعِ وأَنْ يَمُرَّ عصرهُمْ جَميعاً ... فلا يعودَ واحدٌ رُجُوعاً وبعضهُم نَفَوا.. وزادَ الحَنَفِيْ ... أَنَّ الخلافَ قبله قَدْ انتُفي -221 و 222- أول شروط الإجماع أن لا يعارضه نص من القرآن أو السنة أو إجماع سابق، وعبر الناظم عن الحديث الصحيح بقوله: (حديث قد رضوا) أي رضيه علماء السنن.
-223- ومن شروط الإجماع أن يستند إلى دليل شرعي، وإن لم يصلنا الدليل وقوله: (أذاعوا) أي شاع هذا الشرط بين الأصوليين.
-224- يريد أنه لا بد من وجود عدد من المجتهدين، ولا بد من اتفاقهم في المسألة، فإذا خالف البعض لم يكن إجماعا، إذا كان هذا المخالف ممن تحققت فيه شروط الاجتهاد.
-225- ولا يكونُ الإجماعُ في رأي الأكثرين إلا في المسائل الشرعية، لكن خالف بعض الفقهاء فقالوا: إن الإجماع حجة شرعية في أي أمر.
-226227 واشترطوا أن ينقرض العصر، ويموت المجتهدون الذين نقل إجماعهم، من غير أن يرجع منهم أحد.
وكذلك اشترط أبو حنيفة أن لا يكون في المسألة خلاف سابق

/متن المنظومة/ وحُكْمُهُ في الشَّرعِ حكمٌ قاطِعُ ... وحكمُهُ في الأَمرِ لا يُنَازَعُ واختلَفُوا في حُجَّةِ السكوتيِ ... فالكَرْخِي والآمدِي لم يُثْبِتِ ومالكٌ يحتج بالإجماعِ ... من أهلِ يثربٍ بلا نزاعِ وقصرَ الإجماعَ أهلُ الظاهرِ ... على الصحابِ في مقالٍ جائرِ واعتَبروا للعترة الإِجماعا ... والراشدينُ بَلْ لشيخينِ مَعَا -228- واتفق أهل السنة والجماعة أن الإجماع حجة قطعية لدى توافر شروطه، ولم ينازع في ذلك أحد يعتد برأيه.
-229- عاد الناظم يشير إلى ما سبق من بيان اختلافهم في قبول الإجماع السكوتي، فأشار إلى أن الكرخي من الحنفية، والآمدي من الشافعية يعتبرانه حجة ظنية، فيما يراه أكثر الحنفية والحنابلة حجة قطعية.
-230- ويحتج الإمام مالك بإجماع أهل المدينة، ويعده حجة قطعية في الأحكام، وليس هذا الإجماع حجة مستقلة إلا عند مالك.
-231- أما الظاهرية فإنهم يرون أن الإجماع مقتصر على الصحابة، ولا إجماع بعدهم، وهذا قول لم يذهب إليه غيرهم من الفقهاء.
-232- ويعتبر الشيعة أن الإجماع هو إجماع أهل البيت وحدهم.
كذلك فإن بعض العلماء يحتجون بإجماع الخلفاء الراشدين، بل يحتج البعض بإجماع الشيخين أبي بكر وعمر فيجعلون ذلك حجة قطعية.

المبحث الرابع: القياس

/متن المنظومة/ وعرَّفوا القياسَ اصْطلاحاً ... فاحفظْهُ عني تبلغِ النَّجَاحَاْ فرعٌ يساوِي أصلَهُ في العِلَّة ... أي حكمهِ، فالحكمُ فيهِ مِثْلَهْ أركانُهُ أربعَةُ في العَقْلِ ... أصلٌ وفرعٌ ثم حكمُ الأصلِ رابعُها العِلَّةُ في الإطارِ ... مثالُهُ النَبيذُ في الإسكارِ -233 و 234- أشار الناظم إلى تعريف القياس لدى ابن الحاجب في مختصره ونصه: (مساواة فرع لأصل في علة حكمه) . وهو في تعريف آخر (إلحاق فرع بأصله في الحكم لجامع العلة بينهما) فالشارع الكريم بين عدداً من الأحكام بالنص صراحة، ولكن النصوص متناهية، والحوادث غير متناهية، وما يتناهى لا يضبط ما لا يتناهى، فلا بد من الاجتهاد، والقياس أظهر أبواب الاجتهاد، فيبحث الفقيه عن العلة التي حرم من أجلها الشارع الحرام، ويقيس الأمور عليها.
مثال ذلك: نص الشارع صراحة على تحريم الخمر، وعلة التحريم بلا ريب الإسكار، فكل ما تحقق فيه الإسكار كان حراماً.
-235 و 236- شرع الناظم يعدد أركان القياس فقال: هي أربعة: الأصلُ الذي نقيس عليه، والفرعُ الذي نقيسُ لأجله، وحكم الأصل: إذ لا بد أن يكون الأصل الذي نقيس عليه قد بين الشارع حكمه صراحة، والرابع هو وجود علة مشتركة بين الأصل والفرع ليكون حكم المسألتين واحداً في الإطار ذاته.
ثم أورد الناظم مثالا لذلك: النبيذ، فرع عن الخمر بعلة الإسكار فيهما، فحكمهما واحد، وقد سبق بيانه.

/متن المنظومة/ دليلُه من الكتاب قولُهُ ... فاعتبروا.. عن شافعيٍ نقلُهُ وخُذْ مِنَ السُّنَّةِ قولَ ابنِ جَبَلْ ... كذا النبيُّ حيَن قاسَ في القُبَلْ -237- أخبر بأن الإمام الشافعي استدل على القياس بقول الله عز وجل: فاعتبروا يا أولي الأبصار.
فقال: الاعتبار قياس الشيء بالشيء لجامع العلة بينهما.
-238- واستدل من السنة بحديث معاذ بن جبل رضي الله عنه، لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن، (فقال له: كيف تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو) . وفي رواية قال: (أقيس الأمر بالأمر، فما كان أقرب إلى الحق عملت به، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أصبت) - أخرجه أحمد وأبو داوود والترمذي.
وكذلك استدل الناظم بخبر عمر رضي الله عنه كما رواه أبو داوود، وهو أن عمر سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القبلة هل تفطر الصائم؟ قال أرأيت إن تمضمضت، أكنت تفطر؟ قال: لا.
فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: فمه؟) يريد ما الفارق؟.. واستدل كذلك بتداول الصحابة الكرام في مسألة عقوبة الشارب، فقد قضى علي بن أبي طالب كرم الله وجهه بثمانين جلده على شارب الخمر، قياساً على عقوبة القذف، وقال: إن شارب الخمر إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعقوبة المفتري ثمانون جلدة

/متن المنظومة/ وغيرها عَنْ مائَةٍ تَزيدُ ... مثالُ ذاكَ الأسودُ الوَليدُ وثبتَ القِياسُ بالإجماعِ ... فعَلَهُ الصِّديقُ للأتباعِ وحكمه يفيد ظنَّ الحكْمِ ... فاحكُمْ بِهِ ولا تَخُضْ بالوهمِ -239- وهناك أخبار كثيرة تزيد عن مائة يمكن أن تجد فيها تعامل النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة من بعده، على أساس القياس.
وأورد من الأمثلة على ذلك حديث أبي هريرة الذي أخرجه البخاري، ونصه: أن رجلا من فزارة أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن امرأتي ولدت غلاماً أسود، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: هل لك من إبل؟ قال نعم.
قال: ما ألوانها؟ قال: حمر، قال فهل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقاً، قال: فأنَّى أتاها ذلك؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق، قال: وهذا عسى أن يكون نزعه عرق.
-240- ولا خلاف أن الصحب الكرام أخذوا بالقياس في المسائل ولم ينكر بعضهم على بعض ذلك، حتى قال ابن عقيل الحنبلي: (وقد نقل التواتر المعنوي عن الصحابة في استعمال القياس) وأورد حديث الصديق رضي الله عنه حين أفتى في الكلالة وقال: أقول فيه برأيي، فإن يكن صواباً فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، الكلالة ما عدا الوالد والولد.
-241 أشار إلى أن القياس دليل ظني، وقال: إن الظن حجة يعمل بها طالما لم يتوفر اليقين

الفصل الثاني: المصادر المختلف فيها

الاستحسان

فصول الكتاب · 8 فصل · 107 صفحة
جارٍ التحميل