شرح المعتمد في أصول الفقهصفحات 55-67
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الباب الأول: مصادر التشريع الإسلامي

صفحات 55-67
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد الحبش
الكتاب
شرح المعتمد في أصول الفقه ((نظمها وشرحها د محمد الحبش))
المؤلف
محمد حبشمع مقدمة: للدكتور محمد الزحيلي [الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]

/متن المنظومة/ وحدُّه أن يعدلَ المجتهدُ ... عن مقتضى قياسِ أمر يردُ مِنْ واضحٍ إلى قياسٍ مختفي ... أو حكمِ كليٍ لمستثنى خفي وذاكَ من أجل دليلٍ يقدحُ ... في عقلِه عدولَه يرجِّحُ وظاهر بأنَّه نوعانِ ... ترجيحٌ استثناءُ للبيانِ فالأوَّلُ الترجيحُ كالحَلْفانِ ... والثان الاستثناءُ كالضمانِ -242 و 243 و 244 الاستحسان مصدر من مصادر التشريع قالت به الحنفية وبعض الحنابلة، وتعريفه عندهم هو: عدول المجتهد عن مقتضى قياس جلي إلى مقتضى قياس خفي، أو عن حكم كلي إلى حكم استثنائي، لدليل انقدح في عقله رجح هذا العدول.
-245 وبه يظهر لك أن الاستحسان عندهم نوعان: -1- ترجيح قياس خفي على قياس جلي.
-2- الحكم باستثناء جزء من أفراد الحكم من الحكم العام وذلك لحكمة يراها المجتهد.
-246 أورد لكل نوع مثالا فمثال الأول: التحالف، وذلك أن الحكم في الأصل أن البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر، ولكن قد يطرأ في المسألة ما يجعل كلاً من الطرفين مدعياً ومدعى عليه، كما لو اختلف البائع والمشتري في مقدار الثمن قبل القبض، فيتحالفان.
ومثال الثاني: ضمان الأجير المشترك، وهو الحرفي الذي يتولى إصلاح حوائج الناس، فالأصل أنه لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، ولكن لما تساهل الصناع في حوائج الناس، استحسن الفقهاء أن يضمنوهم، وهو كما ترى استثناء حكيم من القاعدة الكلية: أن الأمين لا يضمن إلا بالتفريط.

/متن المنظومة/ وذهبَ الأحنافُ والحنابلةْ ... إلى اعتباره دليلاً قابلَهْ مِنَ الكتابِ: يتبعونَ الأَحْسَنا ... وما رآهُ المسلمونَ حَسَنا وأكَّدوا تفضيلَ الاستحسانِ ... على القياسِ أي قياسِ الثاني ومالكٌ والشافعيُّ قالا ... بنفيهِ وصَحَّحُا الإِبْطالا -247 و 248 أخبر الناظم بأن الأحناف والحنابلة اعتبروا الاستحسان دليلاً شرعياً، وذلك بما قابله من دليل الكتاب العزيز في قوله سبحانه وتعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ سورة الزمر -18- وكذلك قوله عز وجل: ﴿اتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾ سورة الزمر 55 ومن السنة ما روى موقوفاً على عبد الله بن مسعود: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) . -249 ويعتبر الحنفية الاستحسان مصدراً رئيساً من مصادر التشريع، ويقدمونه على القياس، لأنه عندهم قياس في الحقيقة، تقَّوى بمرجح، كان أولى من القياس الآخر الذي لم يتأيد بمرجح.
-250 وأنكر الإمام مالك حجية الاستحسان، وكذلك فقد تشدد الشافعي في إنكار المسألة، وقال من استحسن فقد شرع، وصنف كتابا خاصا أسماه: إبطال الاستحسان.
...

المصالح المرسلة

/متن المنظومة/ وعرَّفوا المصالِحَ اصْطِلاحا ... ما لم يَرِدْ في حكمِها صُراحَاً دليلُ شرعٍ في اعتبارِ حُكْمِها ... ولا على إلغائِها أَوْردِّها كالجُندِ والديوانِ والسُّجُونِ ... والخُلْفُ في استقلالِها في الدَّينِ فذهبَ الأحنافُ ثم الشافِعِيْ ... لنَبْذِها على مَقالٍ بارعِ -251 و 252- المصالح المرسلة: هي المصلحة التي لم ينص الشارع على حكم لتحقيقها، ولم يدل دليل شرعي على اعتبارها أو إلغائها.
وهكذا فإن المصالح ثلاثة أنواع: -1- مصالح معتبرة، نص عليها الشارع وأمر بها ودعا إليها: كالزواج والسفر والصيد.. -2- مصالح ملغاة، حرمها الشارع ونهى عنها: كالربا والقمار وغيرها ... -3- مصالح مرسلة، سكت عنها الشارع، وهي المراد بالاستصلاح.
-253- وأورد من الأمثلة على المصالح المرسلة أنظمة الجند، وتدوين الدواوين، وإحداث السجون لردع المجرمين، فكل هذه المصالح قررها الأصحاب مما سكت عنه الشارع العظيم.
ثم أخبر أن الأصوليين مختلفون في اعتبار المصلحة المرسلة دليلاً مستقلاً في الدين.
فمنهم من يعدها دليلاً مستقلاً، ومنهم من يعتبرها دليل استئناس يعضد به الدليل الأصل.
-254- أخبر أن الحنفية والشافعية لم يعتبروا المصالح دليلاً شرعياً، ولهم في ذلك كلام أوضحه البيت التالي:

/متن المنظومة/ فالشَّرْعُ كلَّ أمرِنا قد راعى ... كتاباً أو حديثاً أو إجماعاً والآخرانِ جَعَلاهُ أصْلاً ... يُبْنى عليهِ الحكمُ مُستَقِلاً واشتَرطوا ثلاثةً شروطاً ... بغالبِ الأَنام أَنْ تُحيطَا كذاكَ أنْ تكونَ واقعَّيةْ ... ولم تعارَضْ حجةً شَرْعِيَّةْ ثَمَّ لهَا أَربعةٌ دَواعِيْ ... درءُ الأَذَى والسدُّ للذَرائعِ جلبُ مصالحٍ، تغُّيرُ الزَّمَنْ ... فافْهَمْ فأنْتَ في البلاغِ مُؤْتَمَنْ -255- احتج الأحناف والشافعية بأن الشرع جاء كاملا فيه تبيان كل شيء، عن طريق سبله الثلاثة الكتاب والحديث والإجماع، وقرروا أن سائر مصالح المسلمين موجودة في هذه المصادر الثلاثة.
-256- أخبر أن مالكاً وأحمد جعلا المصلحة المرسلة أصلاً تبنى عليه الأحكام الشرعية باستقلال، إذ الزمان يتغير وتبدو في كل عصر مصالح جديدة، لم يكن يراها الأولون، فلو لم يشرع الاستصلاح لتعطلت مصالح كثيرة للعباد، وإن القول بتحريم المصلحة ليس أهون من القول بإباحتها، فكلاهما نوع من الرأي فيما لا نص فيه.
-257 و 258- واشترط القائلون بحجية المصالح المرسلة ثلاثة شروط: الأول: أن تكون مصلحة عامة لا خاصة.
الثاني: أن تكون مصلحة حقيقية لا وهمية.
الثالث: أن لا تعارض أصلاً شرعياً معتبراً.
-259 و 260- ولهذه المصالح عند القائلين بها أربعة دواعٍ تلجئ إليها وهي: درء الأذى عن الناس، وسد الذرائع التي توصل إلى الأذى والإثم، وجلب المصالح للأمة، وتغير الزمن الذي يستلزم طروء مصالح جديدة للناس.
وقوله: (فافهم فأنت في البلاغ مؤتمن) توجيه لطالب العلم ليفهم ضوابط المصلحة في الشرع، فلا يقفز فوق النصوص بحجة المصلحة، ولا يتساهل في تحقيق شروطها السالفة.

الاستصحاب

/متن المنظومة/ هو اصطحابُ حكمِ أَمرٍ ماضِي ... لحاضِرٍ لم يقضِ فيهِ قاضِ فيستمرُّ الحكم فيه قائماً ... إلى ثبوتِ غيرِه ملائماً واعتَبَروه حُجَّةً إذا انفَرَدْ ... نَفْياً وإِثْباتاً بِلا أَخْذٍ وَرَدْ مثالُهُ الحياةُ للمَفْقودِ ... وردَّه الأحنافُ بالقيودِ -261 و 262- الاستصحاب في تعريف الشوكاني: ما ثبت في الزمن الماضي، فالأصل بقاؤه في الزمن المستقبل.
ومثاله: الحكم بصحة الوضوء عند الشك استصحابا للأصل حتى يثبت ما يبطله.
وكذلك الحكم بالحياة للمفقود ولو انقطعت أخباره، فتثبت له حقوقه من المواريث والوصايا، ويحرم توزيع ماله، وتبقى زوجته على عصمته.. -263 و 264- أورد الناظم المثال الذي قررناه، ثم بين أن الحنفية لا يرون الاستصحاب حجة شرعية، ولكن المحققين من الحنفية يعتبرونه حجة في الدفع دون الإثبات، أي في إبقاء ما كان على ما كان، فالمفقود مثلا يحرم توزيع ميراثه استصحابا على الأصل، ولكن لا يثبت له ميراث جديد من قريب له يتوفى.
وأخبر في البيت الذي قبله أن الباقين من الفقهاء اعتبروا الاستصحاب حجة شرعية في النفي والإثبات جميعاً.

/متن المنظومة/ أنواعه ثلاثةٌ في الأصلِ ... أولها اصطحابُ حكمِ الأصلِ وبعدَه ما أصلُه البراءَةْ ... كالحكمِ للحقوقِ بالبراءَةْ ثالثُها اصطحابُ حكمِ حالِهِ ... على ثبوتِهِ إلى زوالِهِ واعتَبروا دَليلَه ظَنِّيَّا ... وآخِرَ الأَدِلَّةِ المحكيَّة -265 و 266 و 267- بين الناظم أن الاستصحاب على ثلاثة أنواع: الأول: استصحاب الحكم الأصلي للأشياء، وهو الإباحة، إذ الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد نص بالبيان.
وهكذا فإن الله عز وجل قال: وقد فصل لكم ما حرم عليكم، فكل ما يفصله الله عز وجل في الحرام فهو على الإباحة الأصلية.
الثاني: استصحاب العدم الأصلي أو البراءة الأصلية، كالحكم ببراءة الذمة للناس حتى يقوم دليل النفي.
الثالث: استصحاب ما دل الشرع على ثبوته لوجود سببه، حتى يقوم الدليل على زواله، فهي مسألة حكم الشارع فيها بحكمه في ظرف ما، ثم طرأت أوضاع تغيرت فيها الظروف، ولكن الحكم في المسألة على حاله الأول حتى يقوم دليل واضح على تغير الحكم.
وهذا النوع هو الذي اختلف فيه الفقهاء، أما النوعان الأولان فهما محل اتفاق، وإن كان الفقهاء لا يسمونهما استصحاباً.
ومن الاستصحاب استنبط الفقهاء عدة قواعد كلية، منها: اليقين لا يزول بالشك، الأصل في الأشياء الإباحة، الأصل بقاء ما كان على ما كان حتى يثبت ما يغيره.
-268- ويعتبر الاستصحاب دليلاً ظنياً في إثبات الأحكام، وذلك عند فقد الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهو آخر مدار الفتوى.

العرف

/متن المنظومة/ والعرفُ ما استقرَّ في النُّفُوسِ ... من جهةِ العقولِ لا الطُروسِ ثُمَّ ارْتضَاه النَّاسُ بالقَبُولِ.. ... أنواعُه أربعةٌ..فالقولي تعارفَ الناسُ على إطلاقِهِ ... كاللحمِ والشرابِ في إطلاقِهِ والعَمَلي تَعارَفوا إِتْيَانَهْ ... كالأَكلِ أو كالمَهْرِ في أَوانِهْ -269 و 270- العرف عند الحنفية: ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول.
وقول الناظم (كالطروس) أفاد بأن المقصود بالعرف ما تعارفه الناس بغير قانون مكتوب في الطروس أي الصفحات، إذ كل قانون وضعي يحكم به زمنا يصبح عرفاً، فمراد الناظم نفي ذلك وتحديد العرف بأنه ما دفعت إليه الطباع السليمة بغير مؤثر خارجي.
-270 و 271- أخبر بأن العرف أربعة أنواع: أولاً: عرف قولي: إذا تعارف الناس على إطلاق لفظ ما للدلالة على معنى معين كما لو تعارفوا على إطلاق اللحم على الحيوان وعدم إطلاقه على السمك والطير.
-272 - ثانياً: عرفٌ عملي: كما لو تعارف الناس على تقسيم المهر إلى معجل ومؤجل.

/متن المنظومة/ والعامُ ما يَعمُّ في البلادِ ... والخاص عرفُ ثلةٍ أفرادِ واتَّفَقُوا في كونِه دليلاً ... واختلفوا هَلْ يَسْتَقِلُّ؟ ... قيلا للمَالكِي والحَنَفِي والحَنبَلي ... خذهُ دليلاً كامِلاً.. وَدَلِّلِ مِنَ الكتابِ أَمْرُهُ بالعُرْفِ ... وما رأَوْهُ حَسَناً فلتَعرِفِ كذاكَ مالهُ مِنَ السُّلْطانِ ... في العقلِ عندَ معشَر الإِنْسَانِ والشافعيْ مالَ إلى إنكارِهِ ... إلا إذا أرشدَ لاعتبارِهِ -273 - ثالثاً: عرف عام: هو ما كان متفقاً على التعامل فيه في سائر البلاد.
رابعاً: عرف خاص: هو عرف جماعة بعينهم، كعرف التجار، وعرف الحاكَةِ، وعرف الحرفيين.
-274-275- واتفق الفقهاءُ على أن العرفَ حجةٌ شرعية إذا احتفَّ بغيره من الأدلة، ولكن اختلفوا هل يكون وحده دليلا شرعياً إذا لم يوجد سواه، فقال المالكية والحنفية والحنابلة: يحتج بالعرف وحده في الأحكام، واستدلوا لذلك بما يلي: -276- أي استدلوا من القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ سورة الأعراف آية -200- ومن السنة ما رواه ابن مسعود موقوفاً: (ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن) . -277- واستدلُّوا بالمعقول، وهو ما تلاحظه من سلطان العرف في نفوس الناس، واحتكامهم إليه بالفطرة والبداهة.
-278- وعبارة الشافعية: إن العرف ليس حجة ولا دليلاً شرعياً إلا إذا أرشد الشارع إلى اعتباره.

/متن المنظومة/ واشترطوا عمومَهُ في الناسِ ... ولم يخالفُ ثابتاً للناسِ -279- واشترط الجمهور لدى احتجاجهم بالعرف شرطين اثنين: أن يكون عاماً في الناس، أو عاماً في مناطه كما قدمنا، فعرف التجار حجة على التجار دون الصناع، وعرف الحاكة حجة على الحاكة دون البنائين، والثاني أن لا يخالف دليلاً شرعياً ثابتاً.

قول الصحابي

/متن المنظومة/ واتَفَقوا في أنَّهُ دليلُ ... في كل ما ليسَ لَهُ سَبيْلُ كذاك إن أقَّرهُ الباقونا ... يكون حجةً كما روينا واختلَفُوا لدى اختلافِ رأيهِمْ ... فقيلَ يَنبغي التزامُنا بِهِمْ بواحدٍ لمالكٍ والحَنَفِي ... لخبرِ النُّجومِ فِيهِمْ فاقتفي وأحمدٌ والشَّافِعِيُّ خالَفَهْ ... عَنْ تابعينَ نَقَلُوا المُخالَفَة -280- اتفق الفقهاء على أن قولَ الصحابي حجةٌ إذا تكلم في أمورٍ لا سبيل إلى معرفتها في الاجتهاد، كأمور القيامة والعقائد والعبادات، وإن كلامهم في هذه المسائل ينزل منزلة الحديث المرفوع.
-281- واتفقوا كذلك أن قول الصحابي إذا لم يوجد له مخالف من الصحابة، يكون بمنزلة الإجماع السكوتي، حجة لازمة على المسلمين.
-282 و 283- واختلف الأصوليون لدى اختلاف أقوال الصحابة، على قولين: الأول: وهو قول أبي حنيفة يجب التزام قول واحد منهم بلا تعيين، لأن اختلافهم على قولين إجماع بأنه لا ثالث في المسألة وهذا ملزم باجتناب ما أجمعوا على نفيه.
-284- الثاني: قول أحمد والشافعي، وهو أن قول الصحابي ليس حجة في شيء، وقد اختلف الأصحاب فيما بينهم، وترك التابعون أقوال الصحابة، إذ العبرة بالأدلة التي نقلها الصحابة لا بالآراء التي رآها الصحابة.

شرع من قبلنا

/متن المنظومة/ واختلَفُوا في شرعةِ الذينا ... مِنْ قبلِنا ملغيةٌ أَمْ دينَا فاتفقوا في الأخذِ بالأحكامِ ... مما أقرَّ الدينُ كالصِّيامِ واتفقوا في نسخِ ما قد نُسِخا ... في شَرْعِنا.
كالقطعِ مما اتَّسَخا واختلَفُوا في حكمِ ما قَدْ وَردا ... ولم يُنْسَخْ ثُمَّ لَمْ يُؤيَّدا كالنفس بالنفسِ وشُرْبِ محتضَرْ ... ... -285- يراد من شرع من قبلنا مجموعة الأحكام والأوامر الإلهية التي أنزلها الله عز وجل على الأنبياء الكرام قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهي تنقسم إلى ثلاثة أقسام: -1 - ما أقره شرعنا وأمر به 2 - ما نهى عنه 3 - ما سكت عنه.
-286- فاتفقوا أن الأحكام التي أقرها شرعنا وأمر بها أحكام معتبرة، كما في الصيام، حيث قال الله عز وجل ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ سورة البقرة، آية -186- -287- واتفقوا كذلك أن الأحكام التي نسخها شرعنا وألغاها، أحكام ملغية لا يصح الاحتجاج بها، ولا القياس عليها، وذلك كقتل النفس لدى التوبة، وقطع الثوب لدى طروء نجس عليه، وكلاهما أحكام مقررة عند بني إسرائيل.
-288 و 289- واختلفوا في الأحكام التي وردت في الكتاب والسنة إخباراً عن الأمم الأولى، ثم لم يأت في شرعنا ما يؤيدها ولا ما يبطلها، مثل قوله تعالى: ﴿وكتبنا.
عليهم أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والجروح قصاص﴾ سورة المائدة -45-، ومثله قوله تعالى ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر﴾ سورة القمر -28- فاختلفوا في مثل هذه الحالة على قولين:

/متن المنظومة/ ........ ... فالحنفيْ والحنبليْ والبعضُ قَرّ ودلَّلوا بوحدةِ الشرائعِ ... والرجمِ واقتدهْ لكلِّ سامعِ والشافعيُّ أنكرَ استِدلالَهُمْ ... بأَن لِكُلِّ أمةٍ مِنْهاجُهُمْ -289290 فذهبَ الحنفيةُ والحنابلة وبعض الشافعية والمالكية إلى إقرار الاحتجاج بشرع من قبلنا، واستدلوا لذلك بأن الشرائع في الأصل واحدة، وأن عقيدتنا تأمرنا باتباع الرسل السابقين والاهتداء بهم، وقد قال الله عز وجل: ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ سورة الأنعام -90- -291- والقول الثاني هو قول الإمام الشافعي، إذ لم يعتبر شرع من قبلنا حجة في شرعنا، واستدل لذلك بقول الله عز وجل: ﴿لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً﴾ سورة المائدة، آية - 48 -.

سد الذرائع

/متن المنظومة/ وكلَّ ما ظاهِرُه مُباحُ ... وموصِلٌ لما بهِ جُنَاحُ أباه سداً منْهُ لِلذَّرائِعِ ... مالكُ وابنُ حنبلٍ لا الشَّافِعِيْ وأكَّدَا ذاكَ بمنعِ الشتمِ ... لِكُلِّ مَنْ يَعْدُو بغيرِ عِلمِ -292- الذريعة لغة: الوسيلة، وهي في تعريف الأصوليين: ما ظاهره مباح، ويتوصل به إلى محرم.
فالنهي عن هذا المباح خوفاً من أثره، وهو ما يسمى: (سد الذرائع) مثاله: النهي عن سب المشركين في قوله تعالى: ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم﴾ ، فسبُّ المشركين وأوثانهم مباح في الأصل، ولكن نهى الله عنه لئلا يكون ذريعة لسب الله.
-293- أخبر بأن المالكية والحنابلة قالوا بأن سدَّ الذرائعِ حجةٌ تتقرر لأجلها الأحكام، وعبر الناظم بقوله (أباه) عن منعهم للذريعة وإبائهم لها لما فيها من مدخل للمفاسد، أما الشافعي رضي الله عنه فقد اتفق مع الجمهور في المآل، ولكنه لا يرى ذات السبيل، بل يقول: إنما تحرم الذريعة ذاتها بالأدلة المعتبرة، ولا داعي لتحريمها بالتبع.
-294 وأكدا أي أحمد ومالك، أكدا هذه القاعدة بالمثال السابق الذي أشرنا إليه، حول منع شتم المشركين.

/متن المنظومة/ والشافعيُّ حرمَ الذريعة ... لذاتها أي حرَّمَ الوقيعة -295 ورأى الشافعي أن منع شتم المشركين تقرر بالآية وليس بالاجتهاد، فلو لم تنص عليه الآية لم يكن لأحد أن يقوم بتحريمه بحجة سد الذرائع.
وهو ما أراده الناظم بقوله: أي حرم الوقيعة.

فصول الكتاب · 8 فصل · 107 صفحة
جارٍ التحميل