ثم قال المصنف: (والدليل على نبوة الأنبياء المعجزات والدليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم القرآن المعجز نظمه ومعناه).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: هذه الطريقة هي من أعظم الطرق عند أهل الكلام والنظر حيث يقررون نبوة الأنبياء بالمعجزات ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح لتقرير نبوة الأنبياء لكن كثير من هؤلاء كل من بنى إيمانه عليها يظن أن لا نعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات.
ثم لهم في تقرير دلالة المعجزة على الصدق طرق متنوعة وفي بعضها من التنازع والاضطراب ما سننبه عليه، والتزم كثير من هؤلاء إنكار خرق العادات لغير الأنبياء حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر ونحو ذلك.
وللنظار هنا طرق متعددة؛ منهم من لا يجعل المعجزة دليلا بل يجعل الدليل استواء ما يدعو إليه وصحته وسلامته من التناقض كما يقول طائفة من النظار، ومنهم من يوجب تصديقه بدون هذا وهذا، ومنهم من يجعل المعجزة دليلا ويجعل أدلة أخرى غير المعجزة وهذا أصح الطرق، ومن لم يجعل طريقها إلا المعجزة اضطر لهذه الأمور التي فيها تكذيب لحق أو تصديق لباطل، ولهذا كان السلف والأئمة يذمون الكلام المبتدع فإن أصحابه يخطئون إما في مسائلهم وإما في دلائلهم فكثيرا ما يثبتون دين المسلمين في الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله على أصول ضعيفة بل فاسدة يلتزمون لذلك لوازم يخالفون بها السمع الصحيح والعقل الصريح.
وهذا حال الجهمية من المعتزلة وغيرهم حيث أثبتوا حدوث العالم بحدوث الأجسام وأثبتوا ذلك بحدوث صفاتها التي هي الأعراض فاضطرهم ذلك إلى القول بحدوث كل موصوف فنفوا عن الله الصفات وقالوا بأن القرآن مخلوق وأنه لا يرى في الآخرة وقالوا إنّه لا مباين ولا محايث وأمثال ذلك من مقالات النفاة التي تستلزم التعطيل كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وليس الأمر كذلك بل معرفتها بغير المعجزات ممكنة فإن المقصود إنما هو معرفة صدق مدعي النبوة أو كذبه فإنه إذا قال إني رسول الله فهذا الكلام إما أن يكون صدقا وإما أن يكون
كذبا، وإن شئت قلت: هذا خبر فإما أن يكون مطابقا للمخبر وإما أن يكون مخالفا له، سواء كانت مخالفته له على وجه العمد أو الخطأ، إذ قد يظن الرجل في نفسه أو غيره أنه رسول الله غير متعمد للكذب بل خطأ وضلال مثل كثير ممن يتمثل له الشيطان ويقول: إني ربك ويخاطبه بأشياء وقد يقول له: أحللت لك ما حرمت على غيرك وأنت عبدي ورسولي وأنت أفضل أهل الأرض، وأمثال هذه الأكاذيب، فإن مثل هذا قد وقع لكثير من الناس فإذا كان مدعي الرسالة لم يكن صادقا فلا بد أن يكون كاذبا عمدا أو ضلالا فالتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما هو دون دعوى النبوة فكيف بدعوى النبوة «1». ومعلوم أن مدعي الرسالة إما أن يكون من أفضل الخلق وأكملهم وإما أن يكون من أنقص الخلق وأرذلهم، ولهذا قال أحد أكابر ثقيف للنبيّ صلى الله عليه وسلم لما بلغهم الرسالة ودعاهم إلى الإسلام: والله لا أقول لك كلمة واحدة، إن كنت صادقا فأنت أجلّ في عيني من أن أرد عليك، وإن كنت كاذبا فأنت أحقر من أن أرد عليك.
فكيف يشتبه أفضل الخلق وأكملهم بأنقص الخلق وأرذلهم، وما أحسن قول حسان: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تأتيك بالخبر وما من أحد ادعى النبوة من الكذابين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه ما ظهر لمن له أدنى تمييز.
وما من أحد ادعى النبوة من الصادقين إلا وقد ظهر عليه من العلم والصدق والبر وأنواع الخيرات ما ظهر لمن له أدنى تمييز فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور ويأمرهم بأمور ولا بد أن يفعل أمور.
والكذاب في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة، والصادق يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه ويفعله ما يظهر به صدقه من وجوه كثيرة بل كل شخصين ادعيا أمرا من الأمور أحدهما صادق في دعواه والآخر كاذب فلا بد أن يبين صدق هذا وكذب هذا من وجوه كثيرة، إذ الصدق مستلزم للبر والكذب مستلزم للفجور كما في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى
الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، ولا يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا» «1». ولهذا قال تعالى: هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ221تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (223) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ225وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) «2» بين سبحانه أنه ليس بكاهن تنزل عليه الشياطين ولا شاعر حيث كانوا يقولون ساحر وشاعر، فبين أن الشياطين تنزل على الكاذب الفاجر يلقون إليهم السمع وأكثرهم كاذبون فهؤلاء الكهان ونحوهم وإن كانوا يخبرون أحيانا بشيء من المغيبات ويكون صدقا فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن ملك وليسوا بأنبياء.
ولهذا لما قال النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن صياد: «قد خبأت لك خبيئا»، قال: هو الدخ، قال له النبيّ صلى الله عليه وسلم: «اخسأ فلن تعدو قدرك» «3» يعني إنما أنت كاهن، كما قال للنبيّ صلى الله عليه وسلم: يأتيني صادق وكاذب، وقال: أرى عرشا على الماء، وذلك هو عرش الشيطان كما ثبت مثل ذلك في الصحيح «4» عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وبين الله تعالى أن الشعراء يتبعهم الغاوون، والغاوي الذي يتبع هواه وشهوته، وإن كان ذلك مضرّا له في العاقبة قال تعالى: أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ225وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (226) «5».
فهذه صفة الشعراء كما أن تلك صفة من تنزل عليه الشياطين، فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله علم علما يقينيا أنه ليس بشاعر ولا كاهن ولا كاذب.
والناس يميزون بين الصادق والكاذب بأنواع من الأدلة حتى في المدعين للصناعات والمقالات كالفلاحة والنساجة والكتابة، وعلم النحو والطب والفقه وغير ذلك، فما من أحد يدعي العلم بصناعة أو مقالة إلا والتفريق في ذلك بين الصادق والكاذب له وجوه كثيرة، وكذلك من أظهر قصدا وعملا كمن يظهر الديانة والأمانة والنصيحة والمحبة وأمثال ذلك من الأخلاق فإنه لا بد أن يتبين صدقه وكذبه من وجوه متعددة.
والنبوة مشتملة على علوم وأعمال لا بد أن يتصف الرسول بها وهي أشرف العلوم وأشرف الأعمال، فكيف يشتبه الصادق فيها بالكاذب، ولا يتبين صدق الصادق وكذب الكاذب من وجوه كثيرة لا سيما والعالم لا يخلو من آثار نبي من لدن آدم إلى زماننا، وقد علم جنس ما جاءت به الأنبياء والمرسلون وما كانوا يدعون إليه ويأمرون به، ولم تزل آثار المرسلين في الأرض ولم يزل عند الناس من آثار الرسل ما يعرفون به جنس ما جاءت به الرسل ويفرقون به بين الرسل وغير الرسل.
فلو قدر أن رجلا جاء في زمان إمكان بعث الرسل وأمر بالشرك وعبادة الأوثان وإباحة الفواحش والظلم والكذب، ولم يأمر بعبادة الله ولا بالإيمان باليوم الآخر هل كان مثل هذا يحتاج أن يطالب بمعجزة أو يشك في كذبه أنه نبي، ولو قدر أنه أتى بما يظن أنه معجزة لعلم أنه من جنس المخاريق أو الفتن والمحنة، ولهذا لما كان الدجال يدعي الإلهية لم يكن ما يأتي به دالّا على صدقه للعلم بأن دعواه ممتنعة في نفسها وأنه كذاب، وكذلك من نشأ في بني إسرائيل معروفا بينهم بالصدق والبر والتقوى بحيث قد خبر خبرة باطنة يعلم منها تمام عقله ودينه، ثم أخبر بأن الله نبأه وأرسله إليهم فإن هذا لا يكون أولى بالرد من أن يخبرنا الرجل الذي لا يشك في عقله ودينه وصدقه إنه رأى رؤيا.
وهذا المقام يشبه من بعض الوجوه تنازع الناس في أن خبر الواحد هل يجوز أن يقترن به من القرائن والضمائم ما يفيد معه العلم، ولا ريب أن المحققين من كل طائفة على أن خبر الواحد والاثنين والثلاثة قد يقترن به من القرائن ما يحصل معه العلم الضروري بخبر المخبر، بل القرائن وحدها قد تفيد العلم الضروري كما يعرف الرجل رضاء الرجل وغضبه وحبه وبغضه وفرحه وحزنه وغير ذلك ممّا في
نفسه بأمور تظهر على وجهه قد لا يمكنه التعبير عنها كما قال تعالى: وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ «1» ثم قال: وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ «2» فأقسم أنه لا بد أن يعرف المنافقين في لحن القول، وعلق معرفتهم بالسيماء على المشيئة لأن ظهور ما في نفس الإنسان من كلامه أبين من ظهوره على صفحات وجهه، وقد قيل: ما أسر أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه، فإذا كان مثل هذا يعلم به ما في نفس الإنسان من غير إخبار فإذا اقترن بذلك إخباره كان أولى بحصول العلم، ولا يقول عاقل من العقلاء: إن مجرد خبر الواحد أو خبر كل واحد يفيد العلم بل ولا خبر كل خمسة أو عشرة، بل قد يخبر ألف أو أكثر من ألف ويكونون كاذبين إذا كانوا متواطئين، وإذا كان صدق المخبر أو كذبه يعلم بما يقترن به من القرائن بل في لحن قوله وصفحات وجهه، ويحصل بذلك علم ضروري لا يمكن للمرء أن يدفعه عن نفسه فكيف بدعوى المدعي إنه رسول الله؟ كيف يخفى صدقه وكذبه أم كيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة لا تعد ولا تحصى؟ وإذا كان الكاذب إنما يأتي من وجهين إما أن يتعمد الكذب وإما أن يلبس عليه كمن يأتيه الشيطان، فمن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من الناس من يعلم منه إنه لا يتعمد الكذب بل كثير ممن خبره الناس وجربوه من شيوخهم ومعامليهم يعلمون منهم علما قاطعا إنهم لا يتعمدون الكذب وإن كانوا يعلمون أن ذلك ممكن فليس كل ما علم إمكانه جوّز وقوعه، فإنّا نعلم أنّ الله قادر على قلب الجبال ياقوتا والبحار دما.
ونعلم إنه لا يفعل ذلك ونعلم من حال البشر من حيث الجملة إنه يجوز أن يكون أحدهم يهوديّا ونصرانيّا ونحو ذلك.
ونعلم مع هذا أن هذا لم يقع من الأشخاص، وإن من أخبرنا بوقوعه منهم كذبناه قطعا.
ونحن لا ننكر أن الرجل قد يتغير ويصير متعمد الكذب بعد أن لم يكن كذلك لكن إذا استحال وتغير ظهر ذلك لمن يخبره ويطلع على أموره.
ولهذا لما كانت خديجة رضي الله عنها تعلم من النبيّ صلى الله عليه وسلم إنه الصادق البار، قال لها لما جاءه الوحي: «إني قد خشيت على عقلي» فقالت: «كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتقري
الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق» «1» فهو لم يخف من تعمد الكذب فإنه يعلم من نفسه صلى الله عليه وسلم إنه لم يكذب لكن خاف في أول الأمر أن يكون قد عرض له عارض سوء، وهو المقام الثاني فذكرت خديجة ما ينفي هذا وهو ما كان مجبولا عليه من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم والأعمال، وهو الصدق المستلزم للعدل والإحسان إلى الخلق، ومن جمع فيه الصدق والعدل والإحسان لم يكن ممّا يخزيه الله، وصلة الرحم وقرى الضيف وحمل الكل وإعطاء المعدوم والإعانة على نوائب الحق هي من أعظم أنواع البر والإحسان.
وقد علم من سنة الله أن من جبله الله على الأخلاق المحمودة ونزهه عن الأخلاق المذمومة فإنه لا يخزيه، وأيضا فالنبوة في الآدميين هي من عهد آدم عليه السلام فإنه كان نبيّا وكان بنوه يعلمون نبوته وأحواله بالاضطرار.
وقد علم جنس ما يدعوا إليه الرسل وجنس أحوالهم فالمدعي للرسالة في زمن الإمكان إذا أتى بما ظهر به مخالفته للرسل علم أنه ليس منهم.
وإذا أتى بما هو من خصائص الرسل علم أنه منهم لا سيما إذا علم أنه لا بد من رسول منتظر، وعلم أن لذلك الرسول صفات متعددة تميزه عمن سواه، فهذا قد يبلغ بصاحبه إلى العلم الضروري بأن هذا هو الرسول المنتظر ولهذا قال تعالى: الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (146) «2». والمسلك الأول: النوعي، هو ممّا استدل به النجاشي على نبوته فإنه لما استخبرهم عما يخبر به واستقرأهم القرآن فقرءوه عليه قال: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة.
وكذلك قبله ورقة بن نوفل لما أخبره النبيّ صلى الله عليه وسلم بما رآه وكان ورقة قد تنصر وكان يكتب الإنجيل بالعبرانية، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك ما يقول، فأخبره النبيّ صلى الله عليه وسلم بخبره فقال: هذا هو الناموس الذي كان يأتي موسى، وإن قومك سيخرجونك؟ فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أو مخرجيّ هم»؟ فقال: نعم، لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي «3».
المسلك الثاني: الشخصي: استدل به هرقل ملك الروم، فإن النبيّ صلى الله عليه وسلم لما كتب إليه كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام طلب هرقل من كان هنا من العرب وكان أبو سفيان قد قدم في طائفة من قريش في تجارة إلى غزة فطلبهم وسألهم عن أحوال النبيّ صلى الله عليه وسلم فسأل أبا سفيان وأمر الباقين إن كذب أن يكذبوه، فصار يجدهم موافقين له في الإخبار، فسألهم: هل كان في آبائه من ملك؟ قالوا: لا.
وهل قال هذا القول أحد قبله؟ قالوا: لا.
وسألهم أهو ذو نسب فيكم؟ قالوا: نعم، وسألهم: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقالوا: لا ما جربنا عليه كذبا، وسألهم: هل اتبعه ضعفاء الناس أم أشرافهم؟ فذكروا أن الضعفاء اتبعوه، وسألهم هل يزيدون أم ينقصون؟ فذكروا أنهم يزيدون، وسألهم هل يرجع أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه، فقالوا: لا، وسألهم: هل قاتلتموه؟ قالوا: نعم، وسألهم عن الحرب بينهم وبينه؟ فقالوا: يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، وسألهم هل يغدر؟ فذكروا أنه لا يغدر، وسألهم بماذا يأمركم فقالوا: يأمرنا أن نعبد الله وحده ولا نشرك به شيئا وينهانا عمّا كان يعبد آباؤنا ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة «1»، فهذه أكثر من عشر مسائل.
ثم تبين لهم ما في هذه المسائل من الدلالة وأنه سألهم عن أسباب الكذب وعلاماته فرآها منتفية، وسألهم عن علامات الصدق فوجدها ثابتة، فسألهم هل كان في آبائه من ملك فقالوا: لا، قال: قلت: فلو كان في آبائه ملك لقلت: رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل قال هذا القول فيكم أحد قبله؟ فقلت: لا، فقلت: لو قال هذا القول أحد قبله لقلت رجل ائتم بقول قيل قبله، ولا ريب أن اتباع الرجل لعادة آبائه واقتدائه بمن كان قبله كثيرا ما يكون في الآدميين، بخلاف الابتداء بقول لم يعرف في تلك الأمة قبله، وطلب أمر لا يناسب حال أهل بيته، فإن هذا قليل في العادة لكنه قد يقع.
ولهذا أردفه بقوله: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال، فقالوا: لا، قال: فقد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله، وذلك أن مثل هذا يكون كذبا محضا يكذبه لغير عادة جرت، وهذا لا يفعله إلا من يكون من شأنه أن يكذب، فإذا لم يكن من خلقه الكذب قط بل لم
يعرف منه إلا الصدق وهو يتورع أن يكذب على الناس كان تورعه عن أن يكذب على الله أولى وأحق، والإنسان قد يخرج عن عادته في نفسه إلى عادة بني جنسه، فإذا انتفى هذا وهذا كان هذا أبعد عن الكذب وأقرب إلى الصدق.
ثم أردف ذلك بالسؤال عن علامات الصدق فقال: وسألتكم أضعفاء الناس يتبعونه أم أشرافهم؟ فقلتم: ضعفاؤهم وهم أتباع الرسل، وقال: فهذه علامات من علامات الرسل، وهو اتباع الضعفاء له ابتداء.
قال تعالى حكاية عن قوم نوح:* قالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (111) «1» وقالوا: ما نَراكَ إِلَّا بَشَراً مِثْلَنا وَما نَراكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ «2». وقال تعالى في قصة صالح: قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صالِحاً مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قالُوا إِنَّا بِما أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ75قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كافِرُونَ (76) «3». وقال تعالى في قصة شعيب:* قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ88قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِباً إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها وَما يَكُونُ لَنا أَنْ نَعُودَ فِيها إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّنا وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ (89) «4». ثم قال هرقل: وسألتكم أيزيدون أم ينقصون فقلتم بل يزيدون، وكذلك الإيمان حتى يتم، وسألتكم هل يرتد أحد منهم عن دينه سخطة له بعد أن يدخل فيه فقلتم لا، وكذلك الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب لا يسخطه أحد، فسألهم عن زيادة أتباعه ودوامهم على اتباعه، فأخبروه أنهم يزيدون ويدومون، وهذا من علامات الصدق والحق، فإن الكذب والباطل لا بد أن ينكشف في آخر الأمر، فيرجع عنه أصحابه ويمتنع عنه من لم يدخل فيه.
ولهذا أخبرت الأنبياء المتقدمون أن المتنبّئ الكذاب لا يدوم إلا مدة يسيرة وهذه من بعض حجج ملوك النصارى الذين يقال لهم إنهم من ولد قيصر هذا أو غيرهم حيث رأى رجلا يسب النبيّ صلى الله عليه وسلم من رءوس النصارى
ويرميه بالكذب فجمع علماء النصارى وسألهم عن المتنبّئ الكذاب كم تبقى نبوته؟ فأخبروه بما عندهم من النقل عن الأنبياء: إن الكذاب المفتري لا يبقى إلا كذا وكذا سنة لمدة قريبة، إما ثلاثين سنة أو نحوها، فقال لهم: هذا دين محمد له أكثر من خمسمائة سنة أو ستمائة سنة وهو ظاهر مقبول متبوع فكيف يكون هذا كذابا ثم ضرب عنق ذلك الرجل.
وسألهم هرقل عن محاربته ومسألته فأخبروه أنه في الحرب تارة يغلب كما غلب يوم بدر وتارة يغلب كما غلب يوم أحد، وإنه إذا عاهد لا يغدر فقال لهم: وسألتكم كيف الحرب بينكم وبينه؟ فقلتم إنها دول، يدال علينا المرة وندال عليه الأخرى، وكذلك الرسل تبتلى وتكون العاقبة لها، قال: وسألتكم هل يغدر؟ فقلتم إنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر، فهو لما كان عنده من علمه بعادة الرسل وسنة الله فيهم أنه تارة ينصرهم وتارة يبتليهم وأنهم لا يغدرون علم أن هذا من علامات الرسل فإن سنة الله في الأنبياء والمؤمنين أنه يبتليهم بالسراء والضراء لينالوا درجة الشكر والصبر كما في الصحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاء إلا كان خيرا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له» «1». والله تعالى قد بين في القرآن ما في إدالة العدو عليهم يوم أحد من الحكمة فقال: وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ139إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ (141) «2». فمن الحكم تمييز المؤمن عن غيره، فإنهم إذا كانوا دائما منصورين لم يظهر لهم وليهم وعدوهم إذ الجميع يظهرون الموالاة فإذا غلبوا ظهر عدوهم قال تعالى: وَما أَصابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (166) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا قاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمانِ
يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يَكْتُمُونَ (167) الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا ما قُتِلُوا قُلْ فَادْرَؤُا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (168) «1». وقال تعالى: الم1أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ2وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ3«2» إلى قوله: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ (10) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ (11) «3» وقال تعالى: ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ «4» وأمثال ذلك.
ومن الحكم أن يتخذ منكم شهداء فإن منزلة الشهادة منزلة علية في الجنة، ولا بد من الموت فموت العبد شهيدا أكمل له وأعظم لأجره وثوابه ويكفر عنه بالشهادة ذنوبه وظلمه لنفسه، والله لا يحب الظالمين.
ومن ذلك أن يمحص الله الذين آمنوا فيخلصهم من الذنوب فإنهم إذا انتصروا دائما حصل للنفوس من الطغيان وضعف الإيمان ما يوجب لها العقوبة والهوان قال تعالى: إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً «5» وقال تعالى: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى6أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى7«6». وفي الصحيحين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تقيمها الرياح تقومها تارة وتميلها أخرى، ومثل المنافق كمثل الأرزة لا تزال ثابتة على أصلها حتى يكون انجعافها مرة واحدة» «7». وسئل صلى الله عليه وسلم أي الناس أشد بلاء؟ فقال: «الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل
فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه رقة خفف عنه وإن كان في دينه صلابة زيد له في بلائه، ولا يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وأهله وماله حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة» «1». وقد قال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (214) «2». وقال تعالى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (142) «3». وفي الأثر فيما روي عن الله تعالى: «يا ابن آدم البلاء يجمع بيني وبينك والعافية تجمع بينك وبين نفسك»، وفي الأثر أيضا: «إنهم إذا قالوا للمريض اللهم ارحمه يقول الله: كيف أرحمه من شيء به أرحمه».
وقد شهدنا أن العسكر إذا انكسر خشع لله وذل وتاب إلى الله من الذنوب وطلب النصر من الله وبرئ من حوله وقوته متوكلا على الله ولهذا ذكرهم الله بحالهم يوم بدر وبحالهم يوم حنين فقال: وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (123) «4» وقال تعالى: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ25ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (26) «5». وشواهد هذا الأصل كثيرة وهو أمر يجده الناس بقلوبهم ويحسونه ويعرفونه
من أنفسهم ومن غيرهم وهو من المعارف الضرورية الحاصلة بالتجربة لمن جربها، والأخبار المتواترة لمن سمعها، ثم ذكر حكمة أخرى فقال تعالى: وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ «1» ذلك أن الله سبحانه إنما يعاقب الناس بأعمالهم، والكافر إذا كانت له حسنات أطعمه الله بحسناته في الدنيا فإذا لم تبقى له حسنة عاقبه بكفره، والكفار إذا أديلوا يحصل لهم من الطغيان والعدوان وشدة الكفر والتكذيب ما يستحقون به المحق ففي إدالتهم ما يمحقهم الله به.
وأما الغدر فإن الرسل لا تغدر أصلا إذ الغدر قرين الكذب كما في الصحيحين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان» «2». وفي الصحيحين أيضا عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب، وإذا اؤتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» «3». قلت: الغدر ونحوه داخل في الكذب كما قال تعالى:* وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ75فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ (77) «4». وقال تعالى:* أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَداً أَبَداً وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ
لَكاذِبُونَ11لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ (12) «1». فالغدر يتضمن كذبا في المستقبل والرسل صلوات الله عليهم منزهون عن ذلك فكان هذا من العلامات.
قال: وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، يأمركم بالصلاة والصدق والعفاف والصلة وينهاكم عما كان يعبد آباؤكم وهذه صفة نبي، وقد كنت أعلم أن نبيّا يبعث ولم أكن أظن أنه منكم ولوددت أن أخلص إليه، ولولا ما أنا فيه من الملك لذهبت إليه، وإن يكن ما يقول حقّا فسيملك موضع قدميّ هاتين، وكان المخاطب بذلك أبو سفيان بن حرب وهو حينئذ كافر من أشد الناس بغضا وعداوة للنبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال أبو سفيان: فقلت لأصحابي ونحن خروج: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة أنه يخافه ملك بني الأصفر، وما زلت موقنا بأن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سيظهر حتى أدخل الله عليّ الإسلام وأنا كاره.
قلت: فمثل هذا السؤال والبحث أفاد هذا العاقل اللبيب علما جازما بأن هذا هو النبيّ الذي ينتظره.
وقد اعترض على هذا بعض من لم يدرك غور كلامه وسؤاله، كالمازري ونحوه، وقال: إنه بمثل هذا لا تعلم النبوة، وإنما تعلم بالمعجزة.
وليس الأمر على ما قال، بل كل عاقل سليم الفطرة إذا سمع هذا السؤال والبحث علم أنه من أدل الأمور على عقل السائل وخبرته واستنباطه ممّا يتميز به هل هو صادق أو كاذب، وأنه بهذه الأمور تميز له ذلك، وممّا ينبغي أن يعرف أن ما يحصل في القلب لمجموع أمور قد يستقل بعضها به، بل كل ما يحصل للإنسان من شبع وري وسكن وفرح وغم بأمور مجتمعة لا يحصل ببعضها لكن بعضها قد يحصل بعض العلم.
وكذلك العلم بمجرد الإخبار وبما جربه من المجربات وبما في نفس الإنسان من الأمور فإن الخبر الواحد يحصل في القلب نوع ظن ثم الآخر يقويه إلى أن ينتهي إلى العلم حتى يتزايد فيقوى وكذلك ما يجربه الإنسان من الأمور وما يراه من أحوال الشخص.
وكذلك ما يستدل به على كذبه وصدقه، وأيضا فإن الله سبحانه وتعالى أبقى في العالم الآثار الدالة على ما فعله بأنبيائه والمؤمنين من الكرامة وما فعله بمكذبيهم من العقوبة، وذلك أيضا معلوم بالتواتر كتواتر الطوفان وإغراق فرعون وجنوده.
والله تعالى كثيرا ما يذكر ذلك في القرآن كقوله: وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَثَمُودُ42وَقَوْمُ إِبْراهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (43) وَأَصْحابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسى فَأَمْلَيْتُ لِلْكافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (44) فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها وَهِيَ ظالِمَةٌ فَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (45) أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (46) «1». وقال تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشاً فَنَقَّبُوا فِي الْبِلادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ36إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37) «2». وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجادَلُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كانَ عِقابِ5«3» إلى قوله:* أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ21ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (22) «4» إلى قوله سبحانه: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ (51) «5» إلى قوله تعالى: وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذا جاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْمُبْطِلُونَ (78) «6» إلى قوله تعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ (82) فَلَمَّا جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرِحُوا بِما عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (83) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا قالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنا بِما كُنَّا بِهِ
مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبادِهِ وَخَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ (85) «1». ولما ذكر في سورة الشعراء قصص الأنبياء نبيّا بعد نبي كقصة موسى وإبراهيم ونوح ومن بعده يقول في آخر كل قصة: إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ139وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (140) «2» كقوله تعالى: فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ61قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (62) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (64) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (65) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (66) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (67) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (68) «3». وكذلك قال في آخر كل قصة إلى أن قال في قصة شعيب: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ189إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (190) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (191) «4». وقال تعالى: كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتادِ12وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحابُ الْأَيْكَةِ أُولئِكَ الْأَحْزابُ (13) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقابِ (14) «5». وقال تعالى في قوم شعيب: فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ37وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (39) فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40) مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ (43) «6».
وقال تعالى: وَلَقَدْ أَهْلَكْنا ما حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ27فَلَوْلا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْباناً آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذلِكَ إِفْكُهُمْ وَما كانُوا يَفْتَرُونَ (28) «1». فهو سبحانه يذكر ما ظهر للموحدين من مساكنهم التي كانت حول أهل مكة فإن عامة من قص الله نبأه من الرسل وأممهم بعثوا حول مكة كهود في اليمن وصالح بالحجر من ناحية الشام، وإبراهيم وموسى وعيسى ويونس ولوط وأنبياء بني إسرائيل بأرض الشام ومصر والجزيرة وما يليها من العراق.
وقد قال تعالى لما قص قصة قوم لوط: فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ73فَجَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77) وَإِنْ كانَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ لَظالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ (79) «2». وقال تعالى: وَإِنَّ لُوطاً لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ133إِذْ نَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (134) إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (135) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (136) وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (137) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (138) «3». وقال تعالى: فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ35فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (36) وَتَرَكْنا فِيها آيَةً لِلَّذِينَ يَخافُونَ الْعَذابَ الْأَلِيمَ (37) «4». وقال تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ1أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ2وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ3تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ4فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ5«5». وقال تعالى: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ1إِيلافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتاءِ وَالصَّيْفِ2فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ3الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ4«6». وقال تعالى: قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (13) «7». وقال تعالى: هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ
أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ2«1». وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلا تَعْقِلُونَ109حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جاءَهُمْ نَصْرُنا فَنُجِّيَ مَنْ نَشاءُ وَلا يُرَدُّ بَأْسُنا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110) لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111) «2». ومثل هذا في القرآن متعدد في غير موضع يذكر الله تعالى قصص رسله ومن آمن بهم وما حصل لهم من النصر والسعادة وحسن العاقبة وقصص من كفر بهم وكذبهم وما حصل لهم من البلاء والعذاب وسوء العاقبة، وهذا من أعظم الأدلة والبراهين على صدق الرسل وبرّهم وكذب من خالفهم وفجوره، ثم إنه سبحانه بيّن أن ذلك يعلم بالبصر أو السمع أو بهما.
فالبصر والمشاهدة لمن رآهم أو رأى آثارهم الدالة عليهم كمن شاهد أصحاب الفيل وما أحاط بهم، ومن شاهد آثارهم بأرض الشام واليمن والحجاز وغير ذلك كآثار أصحاب الحجر وقوم لوط ونحو ذلك.
والسمع فبالأخبار التي تفيد العلم كتواتر الأخبار بما جرى في قصة موسى وفرعون وغرق فرعون في القلزم، وكذلك تواتر الأخبار بقصة الخليل مع النمروذ، وتواتر الأخبار بقصة نوح وإغراق أهل الأرض، وأمثال ذلك من الأخبار المتواترة عند أهل الملل وغير أهل الملل مع أن في بعض قصص من تواترت به هذه الأخبار ما يحصل العلم بخبرهم، واشتراك البصر والسمع كما يشاهد بعض الآثار من تواتر الأخبار، وممّا يبين الحال كما نشاهد السفن ويعلم بالخبر أن ابتداءها كان سفينة نوح كما قال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ41وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (42) «3» وقوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ11لِنَجْعَلَها لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (12) «4»، وكذلك نشاهد أرض الحجر وما فيها من البيوت المنقورة في الجبال، ونعلم بالخبر تفصيل الحال وأمثال ذلك.
وبالجملة فالعلم بأنه كان في الأرض من يقول بأنهم رسل الله، وأن أقواما اتبعوهم وأن أقواما خالفوهم، وأن الله نصر الرسل والمؤمنين وجعل العاقبة لهم وعاقب أعداءهم، هو من أظهر العلوم المتواترة وأجلاها، ونقل هذه الأمور أظهر وأوضح من نقل أخبار ملوك الفرس والعرب في جاهليتها وأخبار اليونان وعلماء الطب والنجوم والفلسفة اليونانية كبقراط «1» وجالينوس «2» وبطليموس «3» وسقراط «4» وأفلاطون «5» وأرسطو «6» وأتباعه.
فكل عاقل يعلم أن نقل أخبار الأنبياء وأتباعهم ينقلها من أهل الملل من لا يحصى عدده إلا الله ويدونونها في الكتب وأهلها من أعظم الناس تدينا بوجوب الصدق وتحريم الكذب ففي العادة المشتركة بينهم وبين سائر بني آدم ما يمنع اتفاقهم وتواطأهم على الكذب، بل ما يمنع اتفاقهم على كتمان ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله، وفي عادتهم الخاصة ودينهم الخاص برهان آخر أخص من الأول وأكمل وهذا معلوم على سبيل التفصيل من حال أمتنا فإنا نعلم علما ضروريّا بالنقل المتواتر من عادة سلف الأمة ودينهم الموجب للصدق والبيان المانع من الكذب والكتمان ما يوجب علما ضروريّا لنا بما تواتر لنا عنهم وبانتفاء أمور لو كانت موجودة لنقلوها.
وأهل الكتابين قبلنا عندهم من التواتر بجمل أمور ما يحصل به المقصود في هذا الموضع، وإن كان قد يجيء كذب أو كتمان في بعض التفاصيل من أهل الكتابين قبلنا، وفي بعض أمتنا فهذا أقل بكثير ممّا يقع من الكذب والكتمان بأخبار الفرس واليونان والهند وغيرهم ممن ينقل أخبار ملوكهم وعلمائهم ونحو ذلك، وما
من عاقل يسمع الخبر عن هؤلاء وعن هؤلاء كما هو موجود في هذا الزمان في الكتب والألسنة، إلا ويحصل له من العلوم الضرورية بأحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم أعظم ممّا يحصل من العلوم بأحوال ملوك الفرس والروم وعلمائهم وأوليائهم وأعدائهم وهذا بيّن ولله الحمد.
ولولا أن هذا الجواب إنما كان القصد به الكلام على هذه العقيدة المختصرة لكان البسط لي في هذا الموضع أولى من ذلك، فإن هذه المقامات تحتمل بسطا عظيما لكن نبهنا على مقدمات نافعة فإن أكثر أهل الكلام مقصرون في حجج الاستدلال على تقرير ما يجب تقريره من التوحيد والنبوة تقصيرا كثيرا جدّا، كما أنهم كثيرا ما يخطئون فيما يذكرونه من المسائل، ومن لا يعرف الحقائق يظن أن ما ذكروه هو الغاية في أصول الدين، والنهاية في دلائله ومسائله فيورثه ذلك مخالفة الكتاب والسنة بل وصريح العقل في مواضع، ويورثه استضعافا لكثير من أصولهم وشكّا فيما ذكروه من أصول الدين استرابة بل قد يروثه ترجيحا لأقوال من يخالف الرسل من متفلسفة وصابئين ومشركين ونحوهم حتى يبقى في الباطن منافقا زنديقا وفي الظاهر متكلما يذب عن النبوات.
ولهذا قال أحمد وغيره ممن قال من السلف: علماء الكلام زنادقة، وما ارتدى أحد بالكلام إلا كان في قلبه غل على أهل الإسلام لأنهم بنوا أمرهم على أصول فاسدة أوقعتهم في الضلال، وليس هذا موضع بسط هذا، وقد بسطناه في غير هذا الموضع.
والمقصود هنا أن طرق العلم بالرسالة كثيرة جدّا متنوعة ونحن اليوم إذا علمنا بالتواتر بأحوال الأنبياء وأوليائهم وأعدائهم علمنا علما يقينا أنهم كانوا صادقين على الحق من وجوه متعددة.
منها: أنهم أخبروا الأمم بما سيكون من انتصارهم وخذلان أولئك وبقاء العاقبة لهم أخبارا كثيرة في أمور كثيرة هي كلها صادقة لم يقع في شيء منها تخلف ولا غلط بخلاف من يخبر به من ليس متبعا لهم ممن تنزل عليه الشياطين أو يستدل على ذلك بالأحوال الفلكية وغيره.
وهؤلاء لا بد أن يكونوا كثيرا بل الغالب من أخبارهم الكذب وإن صدقوا أحيانا.
ومن ذلك: أن ما أحدثه الله تعالى من نصرهم وإهلاك عدوهم إذا عرف الوجه الذي حصل عليه كحصول الغرق لفرعون وقومه بعد أن دخل البحر خلف موسى وقومه كان هذا ممّا يورث علما ضروريّا أن الله تعالى أحدث هذا نصرا
لموسى عليه السلام وقومه ونجاة لهم، وعقوبة لفرعون وقومه ونكالا لهم، وكذلك أمر نوح والخليل عليهما السلام، وكذلك قصة الفيل وغير ذلك.
ومن الطرق أيضا: أن من تأمل ما جاء به الرسل عليهم السلام فيما أخبرت به وما أمرت به علم بالضرورة أن مثل هذا لا يصدر إلا عن أعلم الناس وأصدقهم وأبرهم وأن مثل هذا يمتنع صدوره عن كاذب متعمد للكذب مفتر على الله يخبر عنه بالكذب الصريح، أو مخطئ جاهل ضال يظن أن الله تعالى أرسله ولم يرسله، وذلك لأن فيما أخبروا به وما أمروا به من الإحكام والإتقان وكشف الحقائق وهدى الخلائق وبيان ما يعلمه العقل جملة ويعجز عن معرفته تفصيلا ما يبين أنهم من العلم والمعرفة والخبرة في الغاية التي باينوا بها أعلم الخلق ممن سواهم فيمتنع أن يصدر مثل ذلك عن جاهل ضال، وفيها من الرحمة والمصلحة والهدى والخير ودلالة الخلق على ما ينفعهم ومنع ما يضرهم ما يبين أن ذلك صدر عن راحم بار يقصد غاية الخير والمنفعة للخلق، وإذا كان ذلك يدل على كمال علمهم وكمال حسن قصدهم، فمن تم علمه وتم حسن قصده امتنع أن يكون كاذبا على الله يدعي عليه هذه الدعوى العظيمة التي لا يكون أفجر من صاحبها إذا كان كاذبا متعمدا، ولا أجهل منه إن كان مخطئا.
وهذه الطريق تسلك جملة في حق الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتفصيلا في حق واحد واحد بعينه فيستدل المستدل بما يعلمه من الحق والخير جملة على علم صاحبه وصدقه ثم يستدل بعلمه وصدقه على ما لم يعلمه تفصيلا، والعلم بجنس الحق والباطل والخير والشر والصدق والكذب معلوم بالفطرة والعقل الصريح بل جملة ذلك ممّا اتفق عليه بنو آدم، ولذلك يسمى ذلك معروفا ومنكرا، فإذا علم أنه فيما علم الناس أنه الحق وأنه خير هو أحق منهم به، وأنصح الخلق فيه وأصدقهم فيما يقول علم بذلك أنه صادق عالم ناصح لا كاذب ولا جاهل ولا غاش.
وهذه الطريق يسلكها كل أحد بحسبه ولا يحتاج في هذه الطريق إلى أن يعلم أولا خواص النبوة وحقيقتها وكيفيتها بل أن يعلم أنه صادق بار فيما يخبر به ويأمر به ثم من خبره يعلم حقيقة النبوة والرسالة.
وقد سلك آخرون من المتكلمين والمتفلسفة والمتصوفة وغيرهم طريق أخرى تشبه هذه من وجه دون وجه وهو أن يعلم النبوة أولا وأنها موجودة في بني آدم وأنهم محتاجون إليها ويعلم صفاتها ثم يعلم عين النبيّ صلى الله عليه وسلم، ثم المتكلمون من المعتزلة
وغيرهم يوجبون النبوة على الله على طريقتهم في إيجاب ما يوجبونه عليه، والمتفلسفة قد يوجبون ذلك على طريقتهم فيما يجب وجوده في العالم وغيرهم يوجب ذلك لما علم من عادته في حكمته ورحمته وإعطائه الخلق ما يحتاجون إليه.
وبالجملة فيعلمون نوعها في العالم ثم يعلمون الواحد من الجنس بثبوت حقيقة النوع فيه، وهذه الطريقة يسلكها كثير من المتكلمة والمتصوفة والمتفلسفة والعامة غيرهم، لكن المتفلسفة كابن سينا وأمثاله أدركوا من النبوة بقدر ما أعطتهم موادهم الفلسفية التي علموا بها أن النبيّ يكون له كمال القوة العلمية وكمال قوة السمع والبصر وكمال قوة النفس بحيث يعلم ويسمع ويبصر ما يقصر غيره عنه، ويفعل في العالم بهمته ما يعجز غيره عنه، وهؤلاء يجعلون نفس النبوة ثلاثة أمور: أحدها: أن تكون له قوة عقلية بل نسبة ينال بها العلم من غير تعلم.
الثاني: أن تكون له قوة خيالية يتخيل بها الحقائق العقلية موجودة خالية وثقة من أجناس منام النائم فيرى في نفسه ضوءا وذلك هو الرسالة عندهم ويسمع، ذلك هو كلام الله عندهم.
الثالث: أن تكون لنفسه قوة على أن تؤثر في العالم.
وهذه الأقوال الثلاثة تحصل لخلق كثير هم دون رتبة الصالحين فضلا عن النبوة، ولهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة فصار كثير منهم يطلب أن يصير نبيّا كما جرى للسهروردي المقتول «1» ولابن سبعين.
ولهذا كان ابن سبعين يقول: لقد زدت في حديث قال: «لا نبي بعد نبي عربي» وهؤلاء يجعلون النبوة إنما هي من جنس واحدة وقوة الناس في العلم والقدرة لكن يقول بينهما من الفصل بإرادة النبي الخير، وإرادة الساحر الشر، ويقولون: الملك والشيطان قوى لكن قوة الملك قوة صالحة وقوة الشيطان قوة فاسدة.
وأما من يقول الملائكة والجن هم جنس واحد لا فرق بينهما في الصفات
فهؤلاء يقولون إن هذا القدر يحصل نوع منه لغيرهم من الأولياء لكن يحصل لهم ما هو دون ذلك وهذا على طريقة عقلاء المتفلسفة الذين يفضلون النبي على الفيلسوف والولي كابن سينا وأمثالهم.
وأما غلاتهم كالفارابي «1» وأمثاله الذين قد يفضلون الفيلسوف على النبي كما يفضل أشباههم كابن عربي الطائي «2» صاحب الفتوحات المكية وفصوص الحكم وغيرهما فإنهم يفضلون الولي على النبيّ.
وكان يدعي أنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى النبي، وإن الملك على أصلهم هو الخيال الذي في نفس النبي، والنبي بزعمهم يأخذ عن ذلك الخيال، والخيال يأخذ عن العقل، ثم زعم هذا أنه يأخذ عن العقل الذي في هذا الخيال، فلهذا قال إنه يأخذ من المعدن الذي يأخذ منه الملك ما يوحي به إلى النبيّ، فهؤلاء شاركوهم في أصل طريقهم لكن عظم ضلالهم وجهلهم بقدر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام مع أن أصل معرفة هؤلاء بقدر النبوة معرفة ناقصة بتراء، بل من عرف ما جاءت به الأنبياء وما يذكرونه في قدر النبوة علم أنهم آمنوا ببعض ما جاءت به الرسل وكفروا ببعض، فكما أن اليهود والنصارى آمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض فهؤلاء آمنوا ببعض صفات النبوة وكفروا ببعض، ولهذا قد يكون فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى، وقد يكون في اليهود والنصارى من هو أكفر منهم بحسب ما آمن به كل من هؤلاء بما جاءت به الرسل وما كفروا به.
وأبو حامد كثيرا ما يسلك هذا الطريق في كتبه لكنه لا يوافق المتفلسفة على كل ما يقولونه بل يكفرهم ببعض ويضللهم في موضع، وإن كان في الكتب المضافة إليه ما قد يوافق بعض أصولهم بل في الكتب التي يقال إنها مضنون بها على غير أهلها ما هو فلسفة محضة مخالفة لدين المسلمين واليهود والنصارى، وإن كانت قد عبر عنها بعبارات إسلامية لكن هذه الكتب من الناس من يقول إنها
مكذوبة على أبي حامد ومنهم من يقول بل رجع عنها، ولا ريب أنه صرح في مواضع ببعض ما قاله في هذه الكتب وأخبر في المنقذ من الضلال وغيره من كتبه بما في ذلك من الضلال، وذكر كيف كان طلبه للعلوم أولا حتى قال: أقبلت بحد بليغ أتأمل في المحسوسات والضروريات وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها فانتهى بي طول التسلسل إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضا.
وأخذ يتبع الشك فيها وذكر بعض شبه السوفسطائية في الحسيات إلى أن قال: فلما خطر لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجا فلم يتيسر إذ لم يمكن دفعه إلا بدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية وإذا لم تكن مسلمة لم يمكن ترتيب الدليل فأعضل هذا الداء ودام قريبا من شهرين أنا فيها على مذهب السفسطة بحكم الحال لا بحكم المنطق والمقال حتى شفى الله تعالى عني ذلك المرض والإعلال وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقا بها على إيمان ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام بل بنور قذفه الله تعالى في الصدور وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، قال: فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المجردة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة، إلى أن قال: والمقصود من هذه الحكاية أن يعلم أنه كمل الجد في الطلب حتى انتهى إلى طلب ما لا يطلب لأن الأوليات ليست مطلوبة فإنها حاضرة والحاضر إذا طلب بعد واختفى.
قال: ولما كفاني الله تعالى هذا المرض انحصرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر.
والباطنية: وهم يدعون أنهم أصحاب التعليم والمخصصون بالاقتباس من الإمام المعصوم.
الفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أصحاب المنطق والبرهان.
والصوفية: وهم يدعون أنهم خاصة الحضرة وأهل المشاهدة والمكاشفة.
فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة فهؤلاء السالكون سبيل طلب الحق فإن شذ الحق عنهم فلا يبقى في درك الحق مطمع.
إلى أن قال: فابتدأت لسلوك هذه الطرق واستقصاء ما عند هؤلاء الفرق مبتدئا بعلم الكلام، ومثنيا بطريق الفلسفة، ومثلثا بتعليمات الباطنية، ومربعا بطريق الصوفية.
قال: ثم إني ابتدأت بعلم الكلام فحصلته وعقلته وطالعت كتب المحققين منهم وصنفت فيه ما أردت أن أصنف فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي، وإنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش المبتدعة فقد ألقى الله تعالى إلى عباده على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم عقيدة هي الحق على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم، كما نطق بمقدماته القرآن والأخبار ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أمورا مخالفة للسنة فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة أهل الحق على أهلها.
فأنشأ الله تعالى طائفة من المتكلمين وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة على خلاف السنة المأثورة.
إلى أن قال: وكان أكثر حرصهم في استخراج مناقضات الخصوم ومؤاخذاتهم بلوازمهم ومسلّماتهم.
إلى أن قال: فلم يكن الكلام في حقي كافيا ولا لدائي الذي أشكوه شافيا.
إلى أن قال: فلم يحصل منه ما يمحو بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق ولا أبعد أن يكون قد حصل ذلك لغيري بل لا أشك في حصول ذلك لطائفة ولكن حصولا مشوبا بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات.
إلى أن قال: ثم إني ابتدأت بعد الفراغ من علم الكلام بعلم الفلسفة وعلمت يقينا أنه لا يقف على فساد نوع من المعلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم حتى يساوي أعلمهم في أصل العلم ثم يزيد عليه ويجاوز درجته فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائلة.
إلى أن قال: لم أزل حتى اطلعت على ما فيه من خداع وتلبيس وتحقيق تخييل اطلاعا لم أشك فيه، فاستمع الآن حكايته وحكاية حاصل علومهم فإني رأيتهم أصنافا ورأيت علومهم أقساما، وهم على كثرة أصنافهم تلزمهم وصمة الكفر والإلحاد وإن كان بين القدماء منهم والأقدمين وبين الأواخر منهم والأوائل تفاوت عظيم في البعد عن الحق والقرب منه.
ثم قال: اعلم أنهم على كثرة فرقهم ينقسمون إلى ثلاثة أقسام: الدهريون والطبائعيون والإلهيون «1». الصنف الأول الدهريون: وهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر للعالم القادر وزعموا أن العالم، ولم يزل موجودا كذلك، ولم يزل الحيوان من
نطفة والنطفة من حيوان كذلك كان وكذلك يكون أبدا وهؤلاء الزنادقة.
الصنف الثاني: الطبيعيون: وهم قوم أكثر بحثهم عن عالم الطبيعة وعن عجائب الحيوان والنبات.
إلى أن قال: إلا أن هؤلاء لكثرة بحثهم عن الطبيعة ظهر عندهم لاعتدال المزاج تأثير عظيم في قوام قوى الحيوان به فظنوا أن القوة العاقلة من الإنسان تابعة لمزاجه أيضا وأنها تبطل ببطلان مزاجه فتنعدم ثم إذا انعدمت فلا تعقل إعادة المعدوم كما زعموا فذهبوا إلى أن النفس تموت ولا تعود فجحدوا الآخرة وأنكروا الجنة والنار والقيامة والحساب فلم يبق عندهم للطاعة ثواب ولا للمعصية عقاب، فانحل عنهم اللجام وانهمكوا في الشهوات انهماك الأنعام.
وهؤلاء أيضا زنادقة لأن أصل الإيمان هو الإيمان بالله واليوم الآخر وهؤلاء جحدوا اليوم الآخر، وإن آمنوا بالله تعالى وصفاته.
والصنف الثالث الإلهيون: وهم المتأخرون مثل سقراط وهو أستاذ أفلاطون، وأفلاطون أستاذ أرسطاطاليس، وأرسطاطاليس هو الذي رتب لهم المنطق وهذب لهم العلوم وخمر لهم ما لم يكن مخمرا من قبل، وأوضح لهم ما كان أحجى من علومهم، وهم بجملتهم ردوا على الصنفين الأولين من الدهرية والطبيعية وأوردوا في الكشف عن فضائحهم ما أغنوا به غيرهم وكفى الله المؤمنين القتال بقتالهم، ثم رد أرسطاطاليس على أفلاطون وسقراط ومن كان قبله من الإلهيين ردّا لم يقصر فيه حتى تبرأ عن جميعهم إلا أنه استبقى أيضا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزوع عنها فوجب تكفيرهم وتكفير متبعيهم من المتفلسفة الإسلاميين كابن سينا والفارابي وأمثالهما، على أنه لم يقم بنقل علم أرسطاطاليس أحد من متفلسفة الإسلاميين كقيام هذين الرجلين وما نقله غيرهما ليس يخلو عن تخبيط وتخليط يتشوش فيه قلب المطالع حتى لا يفهم ومن لا يفهم كيف يرد أو يقبل.
ومجموع ما صح عندنا من فلسفة أرسطاطاليس بحسب نقل هذين الرجلين ينحصر في أقسام: قسم يجب التكفير به، وقسم يجب التبديع به، وقسم لا يجب إنكاره أصلا فلنفصله... ثم ذكر أنها ستة أقسام: رياضية ومنطقية وطبيعية وإلاهية وسياسية وخلقية وتكلم على ذلك بما ليس هذا موضعه.
وقد بينا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.
إلى أن قال: ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهيمه وتزييف ما تزيف منه علمت أن ذلك أيضا غير واف بكمال الغرض فإن العقل ليس مستقلّا
بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفا للغطاء عن جميع المعضلات.
ثم ذكر مذهب الباطنية وتلبيسهم وأنه ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء ثم هم مع عجزهم عن إقامة البرهان عن تعيين الإمام المعصوم صدقناهم في الحاجة إلى التعليم وإلى المعلم المعصوم وأنه هو الذي عينوه.
ثم سألناهم عن العلم الذي تعلموه من هذا المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها فضلا عن القيام بحلها، فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب، وقالوا لا بد من السفر إليه، والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم والنجاح في الظفر به، ولم يتعلموا منه شيئا أصلا كالمتضمخ بالنجاسة يتعب في طلب الماء فإذا وجد ما يستعمله بقي مضمخا بالنجاسة.
ومنهم من ادعى شيئا من علمهم، وكان حاصل ما ذكره من ركيك فلسفة فيثاغورس وهو رجل من قدماء الأوائل ومذهبه أول مذاهب الفلاسفة وقد رد عليه أرسطاطاليس بل استدرك كلامه واسترذله وهو المحكي في كتاب رسائل إخوان الصفا وهو على التحقيق حشو الفلسفة.
فالعجب ممن يتعب طول العمر في طلب العلم ثم يتبع لمثل ذلك العلم الركيك المستغث ويظن أنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم فهؤلاء أيضا جربناهم وسبرنا باطنهم وظاهرهم، فرجع حاصلهم إلى استدراج العوام وضعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلم ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مفحم، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم ساعد، وقال: هات علمه وأفدنا من تعليمه، وقف فقال: الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه فإنما غرضي هذا القدر فقط، إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى المشكلات بل عجز عن فهمه فضلا عن جوابه.
ثم قال: ثم إني لما فرغت من هذه أقبلت بهمتي على طريق الصوفية وعلمت أن طريقهم إنما يتم بعلم وعمل وكان حاصل علمهم قطع عقبات النفس والتنزه عن أخلاقها المذمومة وصفاتها الخبيثة حتى يتوصل بها إلى تخلية القلب عن غير الله تعالى وتحليته بذكر الله، وكان العلم أيسر عليّ من العمل فابتدأت بتحصيل علمهم من مطالعة كتبهم مثل قوت القلوب لأبي طالب المكي وكتب الحارث المحاسبي والمتفرقات المنثورة عن الجنيد والشبلي وأبي يزيد البسطامي قدس الله أرواحهم وغير ذلك من كلام المشايخ، حتى اطلعت على كثير من مقاصدهم العلمية وحصلت ما يمكن أن يحصل من طريقهم بالتعلم والسماع، وظهر لي أن أخص
خواصهم ما لا يمكن الوصول إليه بالتعلم بل بالذوق والحال وتبدل الصفات، وكم من الفرق بين أن يعلم حد الصحة وحد الشبع وأسبابهما وشروطهما وبين أن يكون صحيحا شبعان، وبين أن يعرف حد السكر وأنه عبارة عن حالة تحصل عن استيلاء أبخرة تتصاعد من المعدة إلى معادن الفكر وبين أن يكون سكرانا بل السكران لا يعرف حد السكر وأركانه وهو سكران وما معه من علمه شيء، والطبيب يعرف حد السكر وأركانه وما معه من السكر شيء، والطبيب في حالة المرض يعرف حد الصحة وأدويتها وهو فاقد الصحة.
فكذلك الفرق بين من يعرف حقيقة الزهد وشروطها وأسبابها وبين من هو يكون حالة الزهد عزوف النفس عن الدنيا، فعلمت يقينا أنهم أرباب أحوال لا أصحاب أقوال وأن ما يمكن تحصيله بطريق العلم قد حصلته.
ولم يبق إلا ما لا سبيل إليه بالتعلم والسماع بل بالذوق والسلوك وكان قد حصل معي من العلوم التي مارستها، والمسالك التي سلكتها في تفتيشي عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني بالله تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر.
وهذه الأصول الثلاثة كانت رسخت في نفسي بلا دليل محرر بل بأسباب وقرائن وتجارب لا تدخل تحت الحصر تفاصيلها، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى وكف النفس عن الهوى، وإن رأس ذلك كله قطع علاقة القلب عن الدنيا، والتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، وإن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال.
وذكر حاله في خروجه عن ذلك ومجيئه إلى الشام ثم الحجاز.
إلى أن قال: وانكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها والقدر الذي أذكره لينتفع به أني علمت يقينا أن الصوفية هم السالكون لطرق الله تعالى الخاصة وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقتهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق، بل لو جمع عقل العقلاء وحكمة الحكماء وعلم الواقفين على أسرار الشريعة من العلماء ليغيروا شيئا من سيرتهم وأخلاقهم ويبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا إليه سبيلا، فإن جميع حركاتهم وسكناتهم في باطنهم وظاهرهم مقتبسة من نور مشكاة النبوة، فليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به.
إلى أن قال: وممّا بان لي بالضرورة من ممارسة طريقهم حقيقة النبوة وخاصتها.
ثم تكلم في حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها، فقال: اعلم أن جوهر
الإنسان من أول الفطرة خلق خاليا ساذجا لا خبر معه من عوالم الله تعالى، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله كما قال سبحانه: وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ «1» ثم ذكر ما يدركه بالحواس ثم بالتمييز ثم يترقى في طور آخر فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات وأمورا لا توجد في الأطوار التي قبله وراء العقل طور آخر يتفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل وأمور أخرى العقل معزول عنها لعزل قوة الحس عن مدركات التمييز وكما أن المميز لو عرض عليه مدركات العقل لأباه واستبعده، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة فاستبعدوها، وذلك عين الجهل إذ لا مستند له إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فظن أنه غير موجود في نفسه، والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال وحكى له ابتداء لم يفهمها ولم يقر بها، وقد قرب الله منها ذلك إلى خلقه بأن أعطاهم أنموذجا من خاصة النبوة وهو النائم إذ النائم لم يدرك ما سيكون في الغيب إما صريحا وإما في كونه مثال يكشف عنه التعبير.
وهذا لو لم يجز به الإنسان من نفسه، وقيل له إن من الناس من يسقط مغشيّا عليه كالميت ويزول إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب لأنكره ولأقام البرهان على استحالته.
وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الشيء مع وجودها وحضورها فبأن لا يدرك مع ركودها أولى.
وهذا نوع قياس يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي يحصل فيه عين أخرى يبصر بها أنواعا من المعقولات الحواس معزولة عنها فالنبوة أيضا عبارة عن طور يحصل فيه عين أخرى لها نور يظهر في نورها الغيب وأمور لا يدركها العقل، والشك في النبوة إما أن يقع في إمكانها أو في وجودها أو وقوعها أو في حصولها لشخص معين.
ودليل إمكانها وجودها، ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال بالعقل كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي «2» وتوفيق من جهة الله تعالى ولا سبيل إليه بالتجربة فمن
الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة فكيف ينال ذلك بالتجربة، وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البرهان أن في الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة عينها فقط بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة وله خواص كثيرة سواها، وما ذكرناه فقطرة من بحرها، إنما ذكرناها لأن معك أنموذجا منها وهي مدركاتك في النوم ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم.
فأما معجزات الأنبياء فلا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلا، وأما ما عداها من خواص النبوة فإنما يدركه بالذوق «1» من سلك طريق التصوف لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه ما صدقت به فإن كان للنبيّ خاصة ليس لك منها أنموذج فلا تفهمها أصلا فكيف تصدق بها، وإنما التصديق بعد التفهيم، وذلك الأنموذج يحصل في أول طريق التصوف فيحصل به نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصة الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة، فإن وقع لك الشك في شخص معين أنه نبي أم لا فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله إما بالمشاهدة أو بالتواتر والتسامع فإنك إذا عرفت الطب والفقه يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم وسماع أقوالهم إن لم تشاهدهم.
فمعرفة كون الشافعي فقيها وكون جالينوس طبيبا معروف بالحقيقة لا بالتقليد بأن تتعلم شيئا من الطب والفقه، وتطالع كتبهما وتصانيفهما فيحصل لك علم ضروري بحالهما، وكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثر النظر في القرآن والأخبار يحصل لك العلم الضروري لكونه صلى الله عليه وسلم في أعلى درجات النبوة وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق في كذا وكذا، فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف حصل لك علم ضروري لا تتمارى فيه، فمن هذا القبيل طلب اليقين بالنبوة لا من قلب العصا ثعبانا وشق القمر، فإن ذلك إذا نظرت إليه وحده ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن حد الحصر ربما ظننت أنه سحر وأنه تخييل، وأنه من الله تعالى إضلال، فإنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء.
ويرد عليك أسئلة المعجزات فإذا كان مستند إيمانك كلاما منظوما في وجه
دلالة المعجزة ينخرم إيمانك بكلام مرتب من وجه الإشكال والشبه عليهما فليكن مثل هذه الخوارق إحدى القرائن والدلائل في جملة نظرك حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين كالذي يخبره جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يقول: اليقين مستفاد من قول واحد معين بل من حيث لا يدري ولا يخرج عن جملة ذلك، ولا تتعين الآحاد فهذا هو الإيمان القوي العلمي.
وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد ولا يوجد إلا في طريق الصوفية.
قال: ثم إني واظبت على العزلة والخلوة قريبا من عشر سنين وبان لي في أثناء ذلك على الضرورة من أسباب لا أحصيها وبان لي من حقيقة الذوق أن للإنسان بدنا وقلبا وأعني بالقلب حقيقة روحه التي هي محل معرفة الله تعالى دون اللحم الذي يشاركه فيه الميت والبهيمة وأن البدن له صحة بها سعادته ومرض فيه هلاكه، وأن القلب كذلك له صحة وسلامة ولا ينجو إلا من أتى الله بقلب سليم، وله مرض فيه هلاكه إن لم يتدارك كما قال تعالى: فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ «1». وإن الجهل بالله سم مهلك، وإن معصية الله تعالى بمتابعة الهوى داؤه الممرض، وإن معرفة الله تعالى ترياقه المحيي، وطاعته بمخالفة الهوى دواؤه الشافي، وأنه لا سبيل إلى معالجته بإزالة مرضه وكسب صحته إلا بأدوية، كما لا سبيل إلى معالجة البدن إلا بذلك، وكما أن أدوية البدن تؤثر في كسب الصحة بخاصية فيها لا تدركها العقلاء ببضاعة العقل بل تجب فيها تقليد الأطباء الذين أخذوها عن الأنبياء الذين اطلعوا بخاصية النبوة على خواص الأشياء فكذلك بان لي على الضرورة أن أدوية العبادات بحدودها ومقاديرها المحدودة المقدرة من جهة الأنبياء لا يدرك وجه تأثيرها ببضاعة عقل العقلاء بل يجب فيها تقليد الأنبياء الذين أدركوا تلك الخواص لا ببضاعة العقل، وكما أن الأدوية تركب من أخلاط مختلفة النوع والمقدار وبعضها ضعف لبعض في الوزن فلا يخلو اختلاف مقاديرها عن سر من قبل الخواص فكذلك العبادات التي هي أدوية القلوب مركبة من أفعال مختلفة النوع والمقدار حتى أن السجود ضعف الركوع وصلاة الصبح نصف صلاة الظهر ولا يخلو عن سر من الأسرار هو من قبيل الخواص التي لا يطلع عليه إلا بنور النبوة.
لقد تحامق وتجاهل جدّا من أراد أن يستنبط بطريق العقل لها حكمة وظن أنها ذكرت على الاتفاق لا عن سر إلهي فيها يقتضيها بطريق الخاصية وكما أن في الأدوية أصولا هي أركانها وزوائد هي متمماتها لكل واحد منها خصوص تأثير في
أعمال أصولها كذلك السنن والنوافل لتكميل آثار أركان العبادات، وعلى الجملة فالأنبياء أطباء أمراض القلوب.
وأما فائدة العقل وتصرفه أن عرفنا ذلك وشهد بصدق النبوة وبعجز نفسه عن درك ما يدرك بعين النبوة وأخذنا بأيدينا وسلمنا إليها تسليم العميان إلى القائدين، وتسليم المرضى المتحيرين إلى الأطباء المشفقين.
فإلى هاهنا مجرى العقل ومخطاه وهو معزول عمّا بعد ذلك إلا عن تفهيم ما يلقيه الطبيب إليه فهذه أمور عرفناها بالضرورة الجارية مجرى المشاهدة في مدة الخلوة والعزلة.
ثم رأينا فتور الاعتقاد في أصل النبوة ثم في حقيقة النبوة، ثم العمل بما شرحته النبوة وتحققنا شيوع ذلك بين الخلق ونظرت إلى أسباب فتور الخلق وضعف إيمانهم بها فإذا هي أربعة: سبب من الخائضين في علم الفلسفة، وسبب من الخائضين في طريق التصوف، وسبب من المنتسبين إلى دعوى التعليم، وسبب من معاملة المتوسمين من العلماء فيما بين الناس، فإني تتبعت مدة آحاد الخلق أسأل من يقصر منهم في متابعة الشرع وأسأله شبهته وأبحث عن عقيدته وسره، وأقول له: ما لك تقصر فيها؟ فإن كنت تؤمن بالآخرة ولست تستعد لها وتبيعها بالدنيا فهذه حماقة فإنك لا تبيع الاثنين بواحد فكيف تبيع ما لا نهاية له بأيام معدودة؟ وإن كنت لا تؤمن فأنت كافر فدبر لنفسك في طلب الإيمان وانظر ما سبب كفرك الخفي الذي هو مذهبك باطنا وهو سبب جراءتك ظاهرا، وإن كنت لا تصرح به تجملا بالإيمان وتشرفا بذكر الشرع فقائل يقول: هذا أمر لو وجبت المحافظة عليه لكان العلماء أجدر بذلك، وفلان من المشهورين من الفضلاء لا يصلي وفلان يشرب الخمر وفلان يأكل الأموال من الأوقاف وأموال اليتامى وفلان يأكل أدرار السلطان ولا يحترز من الحرام، وفلان يأخذ الرشوة على القضاء والشهادة وهلم جرّا، إلى أمثاله.
وقائل ثان يدعي علم التصوف فيقول: إني بلغت مبلغا ترقيت عن الحاجة إلى العبادة.
وقائل ثالث تعلل بشبهة أخرى من شبهات أهل الإباحة وهم الذين ضلوا عن طريق التصوف، وقائل رابع لقي أهل التعليم ويقول: الحق مشكل والطريق إليه عسير منسد والاختلاف كثير، وليس بعض المذاهب أولى من بعض، وأدلة العقول
متعارضة فلا ثقة برأي أهل الرأي، والداعي إلى التعليم متحكم لا حجة له فكيف ندع اليقين بالشك.
وقائل خامس يقول: لست أفعل هذا تقليدا ولكني قرأت علم الفلسفة وأدركت حقيقة النبوة وأن حاصلها يرجع إلى المصلحة والحكمة وأن المقصود من تعبداتها ضبط عوام الخلق وتقييدهم عن التقاتل والتنازع والاسترسال في الشهوات فما أنا من العوام الجهال حتى أدخل في حجر التكليف، وإنما أنا من الحكماء أتبع الحكمة وأنا بصير بها مستغني فيها عن التقليد.
هذا منتهى من قرأ فلسفة الإلهيين منهم ويعلم ذلك من كتب ابن سينا وأبي نصر الفارابي وهؤلاء المتجملون منهم بالإسلام وربما يرى الواحد منهم يقرأ القرآن ويحضر الجماعات والصلوات ويعظم الشريعة بلسانه ولكنه مع ذلك لا يترك شرب الخمر وأنواعا من الفسق والفجور وإذا قيل له إن كانت النبوة غير صحيحة فلم تصلي؟ فربما يقول: رياضة الجسد وعادة البلد وحفظ الذرية والولد، وربما قال: الشريعة صحيحة والنبوة حق فيقال له: فلم تشرب الخمر؟ فيقول: إنما نهي عن الخمر لأنها تورث العداوة والبغضاء وأنا بحكمتي محترز عن ذلك، وإني أقصد بها تشحيذ خاطري حتى أن ابن سينا ذكر في وصية له كتب فيها أنه عاهد الله تعالى على كذا وكذا وأن يعظم الأوضاع الشرعية ولا يقصر في العبادات الدينية ولا يشرب الخمر تلهيا بل تداويا وتشفّيا، وكان منتهى حالته في صفاء الإيمان والتزام العبادات أن يستثني شرب الخمر لغرض التشفي فهذا إيمان من يدعي الإيمان منهم وقد انخدع إلى ذكر ما رد به على أهل التعليم وأهل الإباحة.
قال: وأما من فسد إيمانه بطريق الفلسفة حتى أنكر أصل النبوة فقد ذكرنا حقيقة النبوة ووجودها بالضرورة بدليل وجود خواص الأدوية والنجوم وغيرها وإنما قدمنا هذه المقدمة لأجل ذلك، وأوردنا الدليل من خواص النجوم والطب لأنه من نفس علمهم ونحن نبين لكل عالم بفن من العلوم كالنجوم والطب والطبيعة والسحر والطلسمات مثلا من نفس علمه برهان النبوة.
وأما من أثبت النبوة بلسانه وسوى أوضاع الشرع على الحكمة فهو على التحقيق كافر بالنبوة وإنما هو مؤمن بحكيم له طالع مخصوص يقتضي طالعه أن يكون متبوعا وليس هذا من النبوة في شيء بل الإيمان بالنبوة أن يقر بإثبات طور وراء طور العقل تنفتح فيه عين يدرك بها مدركات خاصة، والعقل معزول عنها
كعزل اللمس عن إدراك الأصوات وجميع الحواس عن إدراك المعقولات فإن لم يجوز هذا فقد أقمنا البرهان على إمكانه بل على وجوده.
وأخذ يستدل بالخواص الموجودة في الطبيعيات على إمكان خواص ثابتة في الشرعيات وأن تلك إذا لم تعرف بقياس العقل فكذلك الأخرى.
قال: وإنما تدرك هذه الخواص بنور النبوة، قال: والعجب أنا لو غيرنا العبارة إلى عبارة المنجمين لصدقوا باختلاف هذه الأوقات، فنقول: ليس يختلف الحكم والطالع بأن تكون الشمس في وسط السماء أو في الطالع أو في الغارب حتى بنوا على هذا في تسييراتهم اختلاف الصلاح وتفاوت الأعمار والآجال.
فلا فرق بين الزوال وبين كون الشمس في وسط السماء ولا بين المغرب وبين كونه في الغارب فلم يكن لتصديقه سبب إلا أن ذلك سمعه بعبارة منجم جرب كذبه مائة مرة، ولا يزال يعاود تصديقه حتى لو قال له المنجم إذا كانت الشمس في وسط السماء ونظر الكوكب الفلاني فلبست ثوبا جديدا في ذلك الوقت قتلت في ذلك الوقت، فإنه لا يلبس الثوب في ذلك الوقت وربما يقاسي فيه البرد الشديد، وربما سمعه من منجم قد جرب كذبه مرات فليت شعري من يتسع عقله لقبول هذه البدائع ويضطر إلى الاعتراف بأنها خواص معرفتها معجزة لبعض الأنبياء كيف ينكر مثل ذلك فيما يسمعه من قول نبي صادق مؤيد بالمعجزات لم يعرف قط بالكذب ولم لا يتسع لإمكان هذه الخواص في أعداد الركعات ورمي الجمار وعدد أركان الحج، وسائر تعبدات الشرع، ولم نجد بينها وبين خواص الأدوية والنجوم فرقا أصلا فإن قال: قد جربت شيئا من النجوم وشيئا من الطب فوجدت بعضه صادقا فانقدح في نفسي تصديقه وسقط عن قلبي استبعاده ونفرته.
وهذا لم أجربه فيما أعلم وجوده وتحققه وإن أقررت بإمكانه فأقول: إنك لا تقتصر على تصديق ما جربته بل سمعت أخبار المجربين وقلدتهم فاسمع أقوال الأنبياء فقد جربوه وشاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع أو اسلك سبيلهم تدرك بالمشاهدة بعض ذلك على أني أقول: وإن لم تجرب فيقتضي عقلك بوجوب التصديق والاتباع قطعا.
فإنّا لو فرضنا رجلا بلغ وعقل ولم يجرب ومرض وله والد مشفق حاذق بالطب يسمع دعواه في معرفة الطب منذ عقل فعجن له والده دواء وقال: هذا يصلح لمرضك ويشفيك من سقمك، فماذا يقتضيه عقله وإن كان الدواء كريها مرّ المذاق أن يتناول أو يكذب ويقول: أنا لا أعرف مناسبة هذا الدواء لتحصيل الشفاء ولم أجربه، فلا شك أنك تستحمقه إن فعل ذلك، فكذلك يستحمقك أهل البصائر
في توقفك، فإن قلت فلم أعرف شفقة النبيّ ومعرفته بهذا الطب فأقول وبم عرفت شفقة أبيك فإن ذلك أمر ليس محسوسا بل عرفتها بقرائن أحواله وشواهد أعماله في موارده ومصادره علما ضروريّا لا يتمارى فيه.
ومن نظر في أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ورد من الأخبار في اهتمامه بإرشاد الخلق وتلطفه في حق الناس بأنواع اللين واللطف إلى تحسين الأخلاق وإصلاح ذات البين، وبالجملة إلى ما يصلح به دينهم ودنياهم حصل له علم ضروري بأن شفقته على أمته أعظم من شفقة الوالد على ولده، وإذا نظر إلى عجائب ما ظهر عليه من الأفعال وإلى عجائب الغيب التي أخبر عنها في القرآن على لسانه وفي الأخبار وإلى ما ذكره في آخر الزمان وظهر ذلك كما ذكره علما ضروريّا أنه بلغ الطور الذي وراء العقل وانفتحت له العين التي ينكشف منها الغيب والخواص والأمور التي لا يدركها العقل وهذا هو منهاج يحصل العلم الضروري بصدق النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتأمل في القرآن وطالع الأخبار إلى أن تعرف ذلك بالعيان، وهذا القدر يكفي في تنبيه المتفلسفة ذكرناه لشدة الحاجة إليه في هذا الزمان.
قلت: فهذه الطريق التي ذكرها أبو حامد الغزالي تفضي أيضا إلى العلم بالنبوة والتصديق بها بأكثر من القدر الذي تقر به المتفلسفة وما ذكره من المشاهدات والكشوفات التي تحصل للصوفية وأنهم يشهدون تحقيق ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم ونفع ما أمر به فهذا أيضا حق في كثير ممّا أخبر به وأمر به ثم إذا علم ذلك صار حجة على صدقه فيما لم يعلمه كمن سلك طريقا من العلم بفن من الفنون إذا رأى كلام متكلم في ذلك العلم ورآه يحقق ما عنده ويأتي بزيادات لا يستطيعها فإنه يعلم بما رآه من مزيد تحقيقه لما شاركه في أصل معرفته أنه أعلم منه بما وراء ذلك كمن نظر في الطب إذا رأى كلام بقراط «1» ومن نظر في النحو إذا رأى كلام الخليل «2» وسيبويه «3»، ومن نظر في العلوم الدينية إذا رأى كلام أئمة
السلف وكذلك من سلك مسلك الزهد والعبادة إذا بلغه سير زهاد السلف وعبادتهم، ومن والى الناس وساسهم إذا رأى سيرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعمر بن عبد العزيز ونحوهما، فهذا كله يبين له عظمة قدر هؤلاء وأنهم كانوا أئمة في هذه الأمور وفيما يصلح ويجب من ذلك، ويعلم كل أحد الفرق بين سيرة العمرين وسيرة الحجاج «1»، والمختار بن أبي عبيد «2» ونحوهما بل يعلم الفرق بين سيرة بني أمية وبني العباس وبين سيرة بني بويه وبني عبيد وأمثال ذلك، كذلك يعلم الفرق بين نبينا محمد وموسى وعيسى عليهم السلام وبين مسيلمة والأسود العنسي وأمثالهما بأدنى تأمل، وهذه الطريق ينقسم الناس فيها إلى عام وخاص بسبب علمهم بالخير والشر والصدق والكذب ونحو ذلك، وهذه تفيد العلم القطعي بأن الأنبياء أكمل الخلق وأفضلهم وأنه لا يصلح لأحد أن يعارضهم برأيه ولا يخالفهم بهواه لكن لا يفيد العلم بحقيقة النبوة إلا أن يعترف أن النبي أعلم منه فلا يمكنه أن يقول هو أعلم منه فكل من حصل له من المخاطبات ومن المشاهدات ما يحصل للأولياء فإنه يعلم أن الذي للأنبياء فوق الذي له من ذلك كعمر بن الخطاب رضي الله عنه فإنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر» «3».
وقال صلى الله عليه وسلم: «إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه» «1». وفي الترمذي عن النبيّ صلّى الله عليه وسلّم أنه قال: «لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر» «2» وكان عمر بهذا يعلم أن ما يأتي النبيّ صلى الله عليه وسلم من الوحي والملائكة وما يخبر به من الغيب وما يأمر به وينهى عنه أمر زائد على قدره ومجاوز لطاقته بل يجد بينه وبين ذلك من التفاوت ما يعجز القلب واللسان عن معرفته وتبيانه بل كان عمر بما حصل له من المكاشفة «3» والمخاطبة يعلم أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه أكمل منه معرفة ويقينا وأتم صدقا وأخلاقا وأعلم منه بقدر الرسول صلى الله عليه وسلم فكان خضوع عمر هذا الذي هو أفضل الأولياء المحدثين الملهمين المخاطبين لأبي بكر الصديق كخضوع من رأى غيره من مشاركيه في فنه أكمل منه، كخضوع الأخفش «4» لسيبويه «5» وزفر «6» لأبي حنيفة «7»
وابن وهب «1» لمالك ونحو ذلك، أو خضوع فقهاء المدينة لسعيد بن المسيب «2» وعلماء البصرة للحسن البصري «3» وفقهاء مكة لعطاء بن أبي رباح «4». وإذا كان هذا مثل عمر مع أبي بكر لأن أبا بكر صديق يأخذ ما يأخذه عن الرسول المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي قد عصم أن يستقر فيما جاء به خطأ، فهو لخبرته بحال صديق النبيّ بهذه المثابة، وكل من كان عالما بالصحابة يعلم أن عمر رضي الله عنه كان متأدبا معظما بقلبه لأبي بكر رضي الله عنه مشاهدا أنه أعلى منه إيمانا ويقينا فكيف يكون حال عمر وغيره مع النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وإذا كان هذا حال أفضل المحدثين المخاطبين فكيف حال سائرهم، ولا ريب أن الرجل كلما عظمت ولايته وعظم نصيبه من انكشاف الحقائق له كان تعظيمه للنبوة أعظم، والناس في هذه الطريق متفاوتون بحسب درجاتهم لكن طريق الصوفية لا ينهض بانكشاف جميع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم بل ولا بأكثره، بل عامة ما يخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم لا يمكن أبو بكر وعمر فضلا عن غيرهما أن يعلمه بدون خبره، وإن كان عند المخبرين علم بجمل ذلك أو أصله لكن ما يخبر به من التفصيل لا يعلم بدون خبره أصلا، وما يوجد في كلام أبي حامد وغيره من أن الكشف يحصل ذلك، وقول القائل أن الأولياء شاهدوا الحق في جميع ما ورد به الشرع ليس بسديد، بل لا يزال الأولياء مع الأنبياء في إيمان بالغيب ولا يتصور أن الولي يعطى ما أعطيه النبيّ من المشاهدة والمخالطة.
وأفضل الأولياء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم، وليس في هؤلاء من شاهد ما شاهده النبيّ صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج ولا شاهد الملائكة الذين كانوا ينزلون بالوحي على النبيّ صلى الله عليه وسلم ولا سمع أحد منهم كلام الله الذي كلم به نبيه ليلة المعراج ولا سمع عامة الأنبياء فضلا عن الأولياء كلام الله كما سمعه موسى بن عمران عليه السلام، ولا كلم الله تكليما، لداود وسليمان بل ولا إبراهيم ولا عيسى فضلا عن أن يكون يحصل لأحد من الأولياء، والإيمان بكل ما جاء به الأنبياء واجب فإنهم معصومون ولا يجب الإيمان بكل ما يقوله الولي بل ولا يجوز فإنه ما من أحد من الناس إلا يؤخذ من كلامه ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن سب نبيّا من الأنبياء قتل وكان كافرا مرتدا بخلاف الولي، قال تعالى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْباطِ وَما أُوتِيَ مُوسى وَعِيسى وَما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136) «1». وقال تعالى: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ «2» وقال تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (52) «3». فإن قيل ففي قراءة ابن عباس «ولا محدث» قيل: هذه القراءة ليست متواترة
ولا معلومة الصحة، ولا يجوز الاحتجاج بها في أصول الدين، وإن كانت صحيحة فالمعنى أن المحدث كان فيمن كان قبلنا، وكانوا يحتاجون إليه وكان ينسخ ما يلقيه الشيطان إليه كذلك وأمة محمد صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى غير محمد صلى الله عليه وسلم.
ولهذا كانت الأمم قبلنا لا يكفيهم نبي واحد بل يحيلهم هذا النبيّ في بعض الأمور على النبيّ الآخر، وكانوا يحتاجون إلى عدد من الأنبياء، ويحتاجون إلى المحدث، وأمة محمد أغناهم الله بمحمد صلى الله عليه وسلم وعن غيره من الأنبياء والرسل فكيف لا يغنيهم عن المحدث، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «إنه قد كان في الأمم قبلكم محدثون، فإن يكن في أمتي أحد فعمر» «1» فعلق ذلك ب «إن» ولا يجزم به، لأنه علم استغناء أمته عن محدث كما استغنت عن غيره من الأنبياء، سواء كان فيها محدث أو لا، أو كان ذلك لكمالها برسولها الذي هو أكمل الرسل وأجملهم، وهؤلاء كبعض في أمته عن الأمم قبلهم.
وقد وقع في كلام أبي حامد وغيره نحو من هذا في مواضع أخر حتى ذكر فيما يتأول وما لا يتأول أن ذلك لا يعلم إلا بتوفيق إلهي يشاهد به الحقائق على ما هي عليه ثم ينظر في السمع والألفاظ الواردة فيه فما وافق مشهوده أقره وما خالفه تأوله، وذكر في موضع آخر أن الواحد من الأولياء قد يسمع كلام الله سبحانه كما سمعه موسى بن عمران وأمثال هذه الأمور، ولهذا تبين له في آخر عمره إن طريق الصوفية لا تحصل مقصوده فطلب الهدى من طريق الآثار النبوية وأخذ يشتغل بالبخاري ومسلم، ومات في أثناء ذلك على أحسن أحواله وكان كارها ما وقع في كتبه من نحو هذه الأمور ممّا أنكره الناس عليه، حتى قال المازري وغيره ما معناه: إن كلامه يؤثر في الإيمان بالنبوة فينقص قدرها أو نحو هذا، وكذلك ما ذكره من أن النبوة انفتاح قوة أخرى فوق العقل.
ولا ريب أن هذا ممّا يكون للنبيّ، وليست النبوة قوة تدرك بها الأمور وإنما يشبه هذا أصول الفلاسفة الذين يزعمون أن الفيض دائم من العقل الفعال وإنما يحصل في القلوب بسبب استعداد الأشخاص، فأي عبد كان استعداده أتم كان الفيض عليه أتم من غير أن يكون من الملأ الأعلى سبب يخص شخصا دون شخص بالخطاب والتكليم.
وليس هذا مذهب المسلمين بل ولا اليهود ولا النصارى بل هؤلاء كلهم إلا من ألحد منهم متفقون على أن الله سبحانه خصص موسى بالتكليم دون هارون
وغيره، وإنه يخص بالنبوة من يشاء من عباده لا أنه بمجرد استعداده يفيض عليه العلوم من غير تخصيص إلهي.
وهنا صار الناس ثلاث أصناف: صنف يقولون: ليست النبوة إلا مجرد إنباء الله تعالى للعبد وهو تعلق كلامه كما يقولون: إن الأحكام الشرعية ليست إلا مجرد خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين من غير أن يكون للفعل في نفسه صفة اقتضت تخصيصه بالحكم.
وكذلك يقول هؤلاء: ليس للنبي في نفسه صفة اقتضت تخصيصه بالنبوة وهذا يقوله طوائف من متكلمة أهل الإثبات القدريين أصحاب جهم وأبي الحسن وغيرهما الذين يخالفون المعتزلة والفلاسفة فيما يقولونه في فعل الرب وحكمه إذ المتفلسفة يقولون بالطبع والعلة الموجبة، والمعتزلة يقولون بالاختيار المتضمن لشريعة عقلية ألزموه بها في التعديل والتجوير ونحو ذلك، والمنتسبون إلى السنة والجماعة من الكلابية والأشعرية والكرامية وسائر المنتسبين إلى السنة والجماعة يردون عليهم الأصول التي فارقوا بها أهل السنة والجماعة بالتكذيب من القدر والصفات وتخليد أهل الكبائر كما يردون على المتفلسفة ما فارقوا به المسلمين لكن لهؤلاء في مسائل الحكمة والمصالح وتعليل الأفعال والأحكام وهل للأفعال صفات يدرك بها حسنها وقبحها؟ نزاع ليس هذا موضع تفصيله، إنما نذكره مجملا، ومعلوم أن الإنباء والإرسال من باب كلام الله تعالى، وكذلك الأمر والنهي هو من باب كلام الله تعالى، والأمر متعلق بالفعل، والإرسال والإنباء متعلق بالرسول والنبيّ وللناس في هذا وهذا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه ليس ذلك إلا مجرد كلام الله تعالى المتعلق بذلك، أو تعلق الخطاب بذلك وهو من الصفات النسبية الإضافية عندهم، قالوا: لأنه ليس لمتعلق القول من القول صفة ثبوتية وهذا قول هؤلاء.
والقول الثاني: أن ذلك يعود إلى صفة قائمة بالنبيّ وبالفعل.
والقول الثالث: أن ذلك يتضمن الأمرين فالحكم الشرعي يتضمن خطاب الشارع وصفة قائمة بالفعل، والنبوة تتضمن خطاب الرب لتضمن صفة قائمة بالنبيّ أيضا، وهذا معنى قول السلف والأئمة وجمهور المسلمين والفلاسفة والمعتزلة أيضا يثبتون فيه أيضا حسن الفعل وقبحه إلى صفة فيه توجب الحمد والذم، وخطاب الشارع كاشف لها لا مثبت لها والمتفلسفة عندهم يعود ذلك إلى صفة في الفعل توجب كمال النفس أو نقصها، ولذلك يقولون: إن النبوة هي كمال للنفس الناطقة تستعد به لأن تفيض عليها المعارف من العقل الفعال من غير أن يكون هناك