بَابُ كَيْفِيَّةِ الاسْتِفْتَاءِ، وَالْفَتْوَى، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا
فَصْلٌ
وَقَوْلُ [الْإمَامِ] 1 أَحْمَدَ: "لا بَأْسَ بِكَذَا"، أَوْ 2: "أَرْجُو أَنْ لا بَأْسَ بِهِ 3 " 4: لِلْإِبَاحَةِ.
وَفَاقًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهَ السَّلَامُ: "لَا بَأْسَ بِمَسْكِ الْمَيْتةِ إِذَا دُبِغَ، وَصُوفِهَا وَشَعْرِهَا إِذَا غُسِلَ" 5.
فَصْلٌ قَوْلُ أَحْمَدَ: "أَخْشَى" أَوْ "أَخَافُ" أَنْ يَكُونَ كَذَا، أَوْ أَلَّا يَكُونَ كَذَا 1:
- كَقَوْلِهِ: "يَجُوزُ" أَوْ "لَا يَجُوزُ".
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَالْقَاضِي.
كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْجَمَاعَةِ: "أَخْشَى أَنْ تَكُونَ فَرِيضَةً" 2، وَفِي إِخْرَاجِ الْقِيمَةِ [فِي الزَّكَاةِ] 3: "أَخْشَى أَلَّا يُجْزِئَهُ" 4، وَقَوْلِهِ فِي الطَّلَاقِ -إِذَا أَخْبَرَ بِهِ وَهُوَ كَاذِبٌ-: "أَخْشَى أَنْ يَكُونَ وَقَعَ" 5. وَالْكُلُّ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَنَا؛ لِقَوْلِهِ 6 -تَعَالى-: ﴿يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ 7، وَقَوْلِهِ: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ 8
- وَقِيلَ: "هُمَا لِلْوَقْفِ وَالشَّكِّ".
كَقَوْلِ 1 أَحْمَدَ فِي "الْحِلُّ عَلَيَّ حَرَامٌ" يَعْنِي بِهِ الطَّلاقَ: "أَخْشَى أَنْ يَكُونَ ثَلَاثًا" 2. وَفِيْهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تُسْتَعْمَلُ [عُرْفًا] 3 غَالِبًا فِي الاِمْتِنَاعِ مِنْ فِعْلِ شَيْءٍ خَوْفَ الضَّرَرِ مِنْهُ، وَحَيْثُ امْتَنَعَ مِنَ الْفَتْوَى إِنَّمَا كَانَ تَخْفِيفًا عَلَى النَّاسِ.
فَصْلٌ وَقَوْلُ أَحْمَدَ: "أُحِبُّ كَذَا" 1:
- لِلنَّدْبِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
كَقَوْلِ أَحْمَدَ: "يَذْبَحُ إِلَى الْقِبْلَةِ أَحَبُّ إِليَ" 2، وَ"يَذْهَبُ إِلَى الْجُمْعَةِ مَاشِيًا أَحَبُّ إِليَّ" 3. وَقَدْ قَال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْعُطَاسَ، وَيَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ" 4. وَقَال: "إِنَّ أَحَبَّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ [-تَعَالى-] 5 أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ" 6. وَالْمَحْبُوبُ مَنْدُوبٌ.
- وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: " [إِنَّهُ] 1 لِلْوُجُوبِ".
كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي اثْنَيْنِ قَطَعَا يَدًا: "أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يُقْطَعَا" 2. وَعِنْدَهُ تُؤْخَذُ الْأَيْدِي بالْيَدِ، وَالْأَنْفُسُ بِالنَّفْسِ، فكَأَنَّهُ أَرَادَ "أَسْتَحِبُّ مِنَ الْمَذَاهِبِ كَذَا"، وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِ أَحْمَدَ: "هَذَا حَسَنٌ"، أَوْ "أَحْسَنُ"، أَوْ "أَسْتَحْسِنُ كَذَا"، وَفِي قَوْلِهِ: "يُعْجِبُنِي كَذَا"، أَوْ "هُوَ أَعْجَبُ 3 إِلَيَّ".
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: "إِذَا اسْتَحْسَنَ شَيْئًا، أَوْ قَال: "هُوَ حَسَنٌ"؛ فَهُوَ لِلنَّدْبِ؛ لِأَنَّهُ الْمُتَيَقَّنُ.
وَإِنْ قَال: "يُعْجِبُنِي"؛ فَهُوَ لِلوُجُوبِ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ".
فَصْلٌ وَقَوْلُ أَحْمَدَ: "أكْرَهُ كَذَا"، أَوْ "لا يُعْجِبُنِي" 1:
- لِلتَّنْزِيهِ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-، إِنْ لَمْ [يُحَرِّمْهُ قَبْلَ] 2 ذَلِكَ.
كَقَوْلِهِ: "أَكْرَهُ النَّفْخَ فِي الطَّعَامِ 3، وَإِدْمَانَ اللَّحْمِ 4، وَالخُبْزَ الْكِبَارَ 5 ". لِقَوْلِهِ 6 -تَعَالى-: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ 7 الْآيَةَ.
وَقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ مَعَالِيَ الْأُمُورِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا" 8.
- وَقِيلَ: "بَلْ لِلتَّحْرِيمِ".
اخْتَارَ الْخَلَّال، وَصَاحِبُهُ، وَابْنُ حَامِدٍ.
كَقَوْلِ أَحْمَدَ: "أَكْرَهُ الْمُتْعَةَ 1، وَالصَّلَاةَ فِي الْمَقَابِرِ 2 ". وَكَقَوْلِهِ: "هَذَا قَبِيحٌ"، أَوْ "أَنَا أَسْتَقْبِحُهُ"، أَوْ "لا أَرَاهُ".
لِقَوْلِهِ 3 -تَعَالى-: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ 4، أَي حَرَامًا.
وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ.
وَالْأَوْلَى: النَّظَرُ إِلَى الْقَرَائِنِ فِي الكُلِّ، فَإِنْ دَلَّتْ عَلَى وُجُوبٍ، أَوْ نَدْبٍ، أَوْ تَحْرِيمٍ، أَوْ كَرَاهَةٍ، أَوْ إِبَاحَةٍ؛ حُمِلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَقَدَّمَتْ، أَوْ تَأَخَّرَتْ، أَوْ تَوَسَّطَتْ.
فَصْلٌ فَإِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ فَقَال: "ذَاكَ 1 أَهْوَنُ"، أَوْ: "أَشَدُّ" 2:
- فَقَال أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ: "هُمَا [عِنْدَهُ] 3 سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ قَدْ يَسْتَوِيَانِ فِي الْوُجُوبِ، وَالنَّدْبِ، وَالتَّحْرِيمِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالْإِبَاحَةِ، وَيَكُونُ أَحَدُهُمَا آكَدَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ الْوَاجِبَاتِ عِنْدَهُ آكَدُ مِنْ بَعْضٍ".
- وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: "لَفْظُهُ يَقْتَضِي الْفَرْقَ فِي الْحُكْمِ، فَإِنَّ قَوْلَهُ: "أَهْوَنُ" يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ التَّحْرِيمِ؛ فَيَكُونَ مَكْرُوهًا، أَوْ نَفْيَ الْوُجُوبِ؛ فَيَكُونَ مَنْدُوبًا".
وَالْأُوْلَى: النَّظَرُ إِلَى الْقَرَائِنِ فِي الْكُلِّ، وَمَا عُرِفَ مِنْ عَادَةِ أَحْمَدَ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِهِ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَصْلَحِ 4 الْمَحَامِل، وَأَرْجَحِهَا، وَأَنْجَحِهَا، وَأَرْبَحِهَا 5. وَقَدْ وُجِّهَ كُلُّ قَوْلٍ بِمَا يَطُولُ ذِكْرُهُ هُنَا.
فَصْلٌ فَإِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ شَيْءٍ فَأَجَابَ، ثُمَّ سُئِلَ عَنْ غَيْرِهِ، فَقَال: "ذَاكَ 1 شَنَعٌ" 2، كقَوْلهِ فِي الْعَبِيدِ: "تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ فِي الأَمْوَالِ" فَقِيلَ لَهُ: تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ؟ فَقَال: "ذَاكَ شَنَعٌ" 3:
- فَقَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَبُو بَكْرٍ بِالْفَرْقِ، وَإِلَّا لَمْ يَتَوَقَّفْ، وَمَا شَنُعَ عِنْدَ النَّاسَ إِلَّا لِدَلِيلٍ مَانِعٍ مِنَ التَّسْوِيَةِ.
- وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: " [هُمَا] 4 عِنْدَهُ سَوَاءٌ؛ لِعَدَمِ مَا يَمْنَعُهَا ظَاهِرًا، وَتَرْكُ الشَّيْءِ لِلشَّنَاعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى قُبْحِهِ وَمَنْعِهِ شَرْعًا.
وَلِهَذَا تَرَكَ أَحْمَدُ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ تَأَسِّيًا بِالنَّاسِ فِي التَّرْكِ، وَهَابَ مَسْأَلةَ الْمَفْقُودِ، وَجَعَلَهَا أَصْحَابنَا 5 مَذْهَبًا لَهُ" 6.
قُلْتُ: "وَالاِعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ وَنَحْوِهِ عَلَى الْقَرَائِنِ، وَاسْتِقْرَاءِ النَّظَائِرِ.
فَإِنْ كَثُرَ التَّشَابهُ بَيْنَهُمَا 1، وَعَسُرَ الْفَرْقُ؛ لَمْ تَمْتَنِعِ 2 التَّسْوَيةُ شَرْعًا بالشَّنَاعَةِ عُرْفًا.
وَإِنْ ظَهَرَ الْفَرْقُ؛ تُرِكَ لَهُ، لِلْإِلْحَاقِ 3 لَا لِلشَّنَاعَةِ" 4.
فَصْلٌ فَإِنْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: "أَجْبُنُ عَنْهُ" 1:
- فَقَال ابْنُ حَامِدٍ: "هُوَ مَذْهَبُهُ، وَلَيْسَ قَوِيًّا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّ جُبْنَهُ لِكَثْرَةِ الشُّبْهَةِ، أَوْ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ، أَوْ لِتَعَادُلِ الْأَدِلَّةِ -إِنْ أَمْكَنَ-".
- وَقُلْتُ 2: "بَلْ يُكْرَهُ" 3.
فَصْلٌ
[وَمَا] 1 دَلَّ كَلَامُهُ عَلَيْهِ وَسِيَاقُهُ 2 وَقُوَّتُهُ 3:
فَهُوَ مَذْهَبُهُ، مَا لَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى مِنْهُ.
[كَقَوْلِه] 4 فِي الْعُرَاةِ: "فِيهَا 5 اخْتِلَافٌ، إِلَّا أَنَّ إِمَامَهُمْ يَقُومُ [فِي] 6 وَسَطِهِمْ"، وَعَابَ مَنْ قَال: "يَقْعُدُ الإِمَامُ" 7.
فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ: أَنْ [يُصَلِّي الْعُرْيَانُ قَائِمًا] 8.
فَصْلٌ فَإِنْ أَفْتَى بِحُكْمٍ، ثُمَّ اعْترَضَ عَلَيْهِ أَحَدٌ؛ فَسَكَتَ 1:
- لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا عَنْهُ إِلَى ضِدِّهِ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ بَعْضُ الأصْحَابِ، إِنْ 2 احْتَمَلَ التَّدَبُّرَ، أَوْ كَرَاهِيَةَ الْكَلَامِ؛ لِشُبْهَةٍ، أَوْ فِتْنَةٍ، أَوْ تَوَرُّعًا 3. - وَالثَّانِي: يَكُونُ رُجُوعًا.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ لِتَوَقُّفِ أَحْمَدَ عَنِ الْجَوَابِ مَعَ وُجُوبِ دَفْعِ الشُّبْهَةِ؛ خَوْفًا مِنْ ضَلَالِ السَّائِلِ، أَوْ بَقَائِهِ عَلَى بَاطِلٍ، وَقَدْ رَجَعَ الصَّحَابَةُ [-رضي الله عنهم-] 4 إِلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ لَوْمِهِمْ [إيَّاهُ فِي] 5 قِتَالِهِ [مَانِعِي] 6 الزَّكَاةِ؛ لِقَوْلِهِمْ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" 7.
فَصْلٌ وَصِيغَةُ 1 [كَلَامِ] 2 الْوَاحِدِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَرُوَاتِهِ، فِي تَفْسِيرِ مَذْهَبِهِ وَإِخْبَارِهِمْ عَنْ رَأْيِهِ 3:
- كَنَصِّهِ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مَعْرِفَتُهُمْ مَذْهَبِهِ 4، وَمُرَادِهِ بِكَلَامِهِ، وَهُوَ عَدْلٌ ثِقَةٌ، خَبِيرٌ بِمَا رَوَاهُ، كَقَوْلِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ: "سَأَلْتُ أَبِي عَنِ الْخُطَّافِ؛ فكَانَ عِنْدَهُ أَسْهَلَ مِنَ الْخُشَّافُ 5 " 6. - وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ مَذْهَبُهُ.
اخْتَارَهُ الْخَلَّال وَصَاحِبُهُ؛ لِأَنَّهُ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْتَقِدَ خِلَافَهُ، وَرُبَّمَا أَرَادَ غَيْرَ مَا ظَهَرَ لِلرَّاوِي، بِخِلَافِ حَالِ الصَّحَابَةِ [-رضي الله عنهم-] 7 مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي ذَلِكَ.
فَصْلٌ وَإِنِ انْفَرَدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، أَوْ 1 رُوَاتِهِ عَنْهُ بِقَوْلٍ، وَقَوِيَ دَلِيلُهُ 2:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَقَال: "يَجِبُ تَقْدِيمُهَا عَلَى سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنَ العَدْلِ مَقْبُولَةٌ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ عِنْدَ 3 أَحْمَدَ، فَكَيْفَ [عَنْهُ! ]، 4، وَالرَّاوِي عَنْهُ ثِقَةٌ خَبِيرٌ بِمَا رَوَاهُ". - وَخَالفَهُ الْخَلَّال، وَصَاحِبُهُ، [وَأَكْثر الأصْحَابِ] 5، لِأَنِّ نِسْبَةَ الْخَطَأَ إِلَى وَاحِدٍ أَوْلَى مِنْ نِسْبَتِهِ إِلَى جَمَاعَةٍ، وَالأَصْلُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ.
فَصْلٌ
فإِنْ أَجَابَ فِي شَيْءٍ بِكِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قَوْلِ صَحَابِيٍّ 1:
كَانَ الْحُكْمُ مَذْهَبَهُ؛ لأَنَّهُ اعْتَقَدَ مَا ذَكَرَهُ دَلِيلًا حَيْثُ أَجَابَ [فِيهِ] 2، وَأَفْتَى بِحُكْمِهِ، وَإِلَّا لَبَيَّنَ مُرَادَهُ مِنْهُ غَالِبًا.
وَلأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَهُ، فَلَوْ كَانَ مُتَأَوَّلًا أَوْ مُعَارَضًا؛ لَتَوَقَّفَ فِيهِ.
فَصْلٌ فَإِنْ ذَكرَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- خَبَرًا، أَوْ قَوْلَ صَحَابِيٍّ، وَصَحَّحَهُ، أَوْ حَسَّنَهُ، أَوْ رَضِيَ سَنَدَهُ، أَوْ دَوَّنَهُ فِي كتُبِهِ، وَلَمْ 1 يَرُدَّهُ 2:
- لَمْ يَكُنْ مُقْتَضَاهُ مَذْهَبًا لَهُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-، إِذْ لَوْ نُسِبَ إِلَيْهِ مَا رَوَاهُ [مَذْهَبًا لَهُ] 3؛ لَنُسِبَ إِلَى أَرْبَابِ الْحَدِيثِ مِثْلُ ذَلِكَ فِيمَا رَوَوْهُ.
وَلهَذَا: لَوْ أَفْتَى بِحُكْمٍ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثًا يُخَالِفُهُ؛ لَمْ نَجْعَلْ نَحْنُ مَذْهَبَهُ الْحَدِيثَ، بَلْ فُتْيَاهُ، إِذْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عِنْدَهُ مَنْسُوخًا أَوْ مُتَأَوَّلًا أَوْ مُعَارَضًا بِأَقْوَى مِنْهُ، بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ.
وَلأَنَّ أَحْمَدَ صَحَّحَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي أَنَّ الْقُرْآنَ مَهْرٌ 4، وَلَمْ يَجْعَلْهُ 5 مَذْهَبَهُ -فِي الأْشْهَرِ-. - وَالثَّاني: يَكُونُ مُقْتَضَاهُ مَذْهَبَهُ.
اخْتَارَهُ ابْنَاهُ، وَالْمَرُّوذِيُّ، وَالْأَثْرَمُ، لِأَنَّ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَخَذَ بِهِ.
فَلَا يُظَنُّ أَنهُ يُفْتِي بِخِلَافِهِ، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمُعَارِضِ حَتَّى يَتبَيَّنَ 1. وَإِنْ أَفْتَى بِخِلَافِهِ؛ دَلَّ عَلَى ظَفَرِهِ بِدَلِيلٍ يَجُوزُ تَرْكُ الْخَبَرِ لَهُ 2.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ عَلَى الْفَتْوَى 3، فَيُقَدَّمُ مَا رَوَاهُ عَلَى مَا رَآهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَكَذَا فِي حَقِّهِ.
[وَقُلْتُ] 4: "يُقَدَّمُ 5 الْمُتَأَخِّرُ مِنْهُمَا، مَعَ ذِكْرِهِ أَوَّلِهِمَا".
فَصْلٌ فَإِنْ ذَكَرَ [عَنْ] 1 الصَّحَابَةِ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلَيْنِ، وَلَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا 2:
- فَمَذْهَبُهُ: أَقْرُبهُمَا مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-؛ لأَنَّهُ قَال: "إِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ؛ نُظِرَ أَشْبَهُهُمَا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأُخِذَ بِهِ" 3. وَلَا نَجْعَلُ 4 مَا حَكَاهُ عَنْ غَيْرِهِمْ مَذْهَبًا لَهُ؛ لَأنَّهُ يَجُوزُ 5 أَنْ يَذْهَبَ إِلَى قَوْلٍ ثَالِثٍ لا 6 يَخْرِقُ إِجْمَاعَهُمْ، بِخِلَافِ الصَّحَابَةِ؛ لَأنَّهُ 7 يَتَعَيَّنُ الأخْذُ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ؛ لأَنَّهُ عِنْدَهُ حُجَّةٌ -فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ-.
- وَالثَّانِي: لَيْسَ أَحَدُهُمَا مَذْهَبًا لَهُ؛ لأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْأَشْبَهِ مِنْهُمَا 8، فَلَمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا، وَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِ مَعَ مَعْرِفَتِهِ؛ دَلَّ 9 عَلَى أَنَّهُمَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ، فَلَا يَكُونُ أَحَدُهُمَا مَذْهَبًا لَهُ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى.
فَصْلٌ فَإِنْ نُقِلَ عَنْهُ فِي مَسْأَلَةٍ قَوْلانِ، دَلِيلُ أَحَدِهِمَا قَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- وَهُوَ عَامٌّ، وَدَلِيلُ الآخَرِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ وَهُوَ خَاصٌّ 1:
- فَالْأَوَّلُ مَذْهَبُهُ.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِقَوْلِهِ 2 -تَعَالى-: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ 3 إِلَى 4 غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأدِلَّةِ. - وَقِيلَ: "بَلْ الثَّانِي؛ لأَنَّهُ حُجَّةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ -عَلَى الْأَشْهَرِ- وَيَخُصُّ بِهِ عُمُومَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيُفَسِّرُ بِهِ مُجْمَلَهُمَا -فِي وَجْهٍ-".
وَإِنْ كَانَ قَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- أَخَصَّ أَوْ أَحْوَطَ؛ تَعَيَّنَ مُطْلَقًا، كَمَا لَوْ كَانَا عَامَّيْنِ أَوْ خَاصَّيْنِ، أَوْ لَمْ نَجْعَلْ 5 قَوْلَ الصَّحَابِيِّ حُجَّةً -فِي رِوَايَةٍ -، وَلَمْ 6 نَخُصَّ 7 بِهِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ -فِي وَجْهٍ-.
وَإِنْ وَافَقَ أَحَدُهُمَا مَذْهَبَ صَحَابِيٍّ، وَقُلْنَا: "هُوَ حُجَّةٌ، يُقَدَّمُ عَلَى الْقِيَاسِ، وَيُخَصُّ بِهِ الْعُمُومُ".
وَالآخَرُ مَذْهَبَ تَابِعِيٍّ، وَقُلْنَا: "يُعْتَدُّ بِقَوْلِهِ مَعَ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: وَعَضَّدَهُ عُمُومُ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ أَوْ أَثَرٍ".
فَأَيُّهُمَا مَذْهَبُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ 1.
وَإِنْ قَدَّمْنَا الْقِيَاسَ عَلَى قَوْلِ الصَّحَابِيِّ، وَلَمْ نَخُصَّ 2 بِهِ عُمُومَ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ؛ قُدِّمَ أَشْبَهُهُمَا [بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ] 3.
فَصْلٌ فَإِنْ كانَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ عَامًّا أَوْ مُطْلَقًا، وَالآخَرُ خَاصًّا أَوْ مُقَيَّدًا 1:
- حُمِلَ الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، وَالْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، جَمْعًا بَيْنَهُمَا بِحَسْب الْإِمْكَانِ.
- وَقِيلَ: "يُعْمَلُ بِكُلِّ قَوْلٍ 2 فِي مَحَلِّهِ، وَفَاءً [بِمُقْتَضَى اللَّفْظِ] 3. فَإِنْ أَمْكَنَ هَذَا، أَوِ التَّنْزِيلُ عَلَى حَاليْنِ؛ تَعَيَّنَ، وَإِلَّا فَلا".
فَصْلٌ فإِنْ ذَكرَ اخْتِلَافَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَعِلَّةَ كُلِّ قَوْلٍ، وَلَمْ يَمِلْ إِلى أَحَدِهِمَا 1:
- فَمَذْهَبُهُ: الْأَشْبَهُ مِنْهُمَا، بِكِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَثَرٍ.
- وَقِيلَ: "بِالْوَقْفِ".
وَفِيهِ بُعْدٌ.
فَصْلٌ وَإِنْ 1 ذَكَرَ الاخْتِلَافَ، وَحَسَّنَ بَعْضَهُ 2: فَهُوَ مَذْهَبُهُ؛ لأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِأَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا، فَمَيْلُهُ إِلَى أَحَدِهَا 3 دَلِيلُ قُوَّتِهِ وَصِحَّتِهِ [عِنْدَهُ] 4.
فَصْلٌ فَإِنْ عَلَّلَ أَحَدَهُمَا، وَاسْتَحْسَنَ الْآخَرَ، وَلَمْ يُعَلِّلْهُ 1:
- فَمَذْهَبُهُ: مَا اسْتَحْسَنَهُ؛ لأَنَّهُ مَا اسْتَحْسَنَهُ إِلَّا لِعَلَّةٍ وَوَجْهٍ، فَقَدْ سَاوَى مَا عَلَّلَهُ، وَزَادَ عَلَيْهِ بِاسْتِحْسَانِهِ.
اخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ. - وَقِيلَ: "مَذْهَبُهُ مَا عَلَّلَهُ".
وَفِيهِ بُعْدٌ.
فَصْلٌ فَإِنْ أَعَادَ 1 ذِكْرَ أحَدِهِمَا، أَوْ 2 فَرَّعَ عَلَيْهِ 3:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
- وَقِيلَ: "لَا".
وَهُوَ أَوْلَى.
فَصْلٌ
فَإِنْ سُئِلَ مَرَّةً فَذَكَرَ الاِخْتِلافَ، ثُمَّ سُئِلَ مَرَّةً أُخْرَى فَتَوَقَّفَ، ثُمَّ سُئِلَ مَرَّةً أُخْرَى فَأَفْتَى فِيهَا 1:
فَمَذْهَبُهُ فِيهَا: مَا أَفْتَى بِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَشْبَهَ، لأَنَّهُ خِلَافُ نَصِّهِ.
وَجَوَابُهُ الْأَوَّلُ إِجْمَالٌ.
وَتَوَقُّفُهُ ثَانِيًا يَحْتَمِلُ النَّظَرَ فِي الْأَرْجَحِ مِمَّا حَكَاهُ، إِذْ لَيْسَ فِي ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ تَرْجِيحُ أَحَدِهَا 2.
فَصْلٌ فَإِنْ سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: "قَال فُلَانٌ كَذَا"، يَعْنِي بَعْضَ الْفُقَهَاءِ 1:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ وَإِلَّا لَمْ يُجِبِ السَّائِلَ بِهِ، [وَلَمْ] 2 يَقْتَصِرْ عَلَيْهِ. - وَالثَّانِي: لَا؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ بِهِ، وَلَمْ يَرَهُ صَوَابًا أَوْ رَاجِحًا.
وَلهَذَا رُبَّمَا أَفْتَى بِخِلَافِهِ.
وَقَدْ يَكُونُ غَرَضُهُ أَلَّا يَتَقَلَّدَ لِلسَّائِلِ، بَلْ يَدُلَّهُ عَلَى مَا قِيلَ ليَسْأَلَ عَنْهُ.
وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-.
فَصْلٌ وَإِنْ 1 قَال: "يَفْعَلُ السَّائِلُ كَذَا وَكَذَا احْتِيَاطًا" 2:
- فَهُوَ وَاجِبٌ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ.
كَقَوْلِ أَحْمَدَ فِي الطَّلَاقِ فِي نِكَاحٍ بِلَا وَليٍّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ: "يَقَعُ احْتِيَاطًا" 3. - وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَنْدُوبٌ.
وَالْأَوْلَى: النَّظَرُ فِي الْحُكْمِ، فَإِنْ كَانَ الْوُجُوبُ فِيهِ أَحْوَطَ، أَوِ 4 اقْتَضَاهُ دَلِيلٌ أَوْ قَرِينَةٌ؛ تَعَيَّنَ، وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ فإِنْ تَوَقَّفَ فِي مَسْأَلَةٍ 1:
- جَازَ إِلْحَاقُهَا بِمَا يُشْبِهُهَا، إِنْ كَانَ حُكْمُهَا أَرْجَحَ مِنْ غَيْرِهِ.
- وَإِنْ أَشْبَهَتْ 2 مَسْأَلتَانِ أَوْ أَكْثَرُ، أَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ بِالْخِفَّةِ وَالثِّقَلِ، فَهَلْ يُلْحِقُ 3 بِالأْخَفِّ، أَوِ الأْثْقَلِ 4، أَوْ يُخَيِّرُ الْمُقَلِّدَ بَيْنَهُمَا؟ يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا 5.
الْأَظْهَرُ هُنَا عَنْهُ: التَّخْيِيرُ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: "لَا تتَعَادَلُ الأَمَارَاتُ" 6. قُلْتُ: "فَلَا تَخْيِيرَ، وَلَا وَقْفَ، وَلَا تَسَاقُطَ إِذًا".
وَالْأَوْلَى: العَمَلُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لِمَنْ هُوَ أصْلَحُ لَهُ.
فَصْلٌ وَإِذَا نَصَّ عَلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ، ثُمَّ قَال فِيهَا: "وَلَوْ قَال قَائِلٌ"، أَوْ: "ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى كَذَا" يُرِيدُ خِلافَ نَصِّهِ، كانَ مَذْهَبًا؟ 1
- لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَذْهَبًا لِلْإِمَامِ، كَمَا لَوْ قَال: "وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى كَذَا".
- قُلْتُ: "وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لَهُ، كَمَا لَوْ قَال: "يَحْتَمِلُ قَوْلَيْنِ".
فَصْلٌ وَمَفْهُومُ كَلامِهِ 1:
- مَذْهَبُهُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ، لأَنَّ التَّخْصِيصَ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِنَّمَا يَكُونُ لِفَائِدَةٍ، وَلَيْسَ هُنَا [سِوَى] 2 اخْتِصَاصِ مَحَلِّ النُّطْقِ بِالْحُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ تَخْصِيصُهُ بِهِ عَبَثًا وَلَغْوًا. - وَالثَّاني: لَا.
اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ جَعْفَرٍ؛ لأَنَّ كَلَامَهُ قَدْ يَكُونُ خَاصًّا بِسُؤَالِ سَائِلٍ أَوْ حَالةٍ خَرَجَ الْكَلَامُ لَهَا مَخْرَجَ الْغَالِبِ؛ فَلَا يَكُونُ مَفْهُومُهُ بخِلَافِهِ؛ وَلهَذَا [إِنَّ] 3 لَهُ أَنْ يُعْقِبَهُ 4 بِخِلَافِهِ 5، وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ ضِدَّهُ لَبَيّنَهُ غَالِبًا.
فَإِذَا قُلْنَا: "هُوَ مَذْهَبُهُ"، فَنَصَّ عَلَى خِلَافِهِ 6: - بَطَلَ الْمَفْهُومُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ- لِقُوَّةِ النَّصِّ وَخُصُوصِهِ.
- وَالثَّانِي: لَا يَبْطُلُ؛ لأَنَّ الْمَفْهُومَ كَالنَّصِ فِي إفَادَةِ الْحُكْمِ، فَيَصِيرُ فِي الْمَسْأَلةِ قَوْلَانِ إِنْ كَانَا عَامَّيْنِ.
كَقَوْلِهِ فِي الْأَبِ وَالْأَخِ، لَمَّا سُئِلَ عَنْ عِتْقِ الْأَبِ بِالشِّرَاءِ؟ فَقَال: "يُعْتَقُ".
وَعَنْ [عِتْقِ] 1 الأْخ بِهِ؟ فَقَال: "يُعْتَقُ" 2. فَمَفْهُومُ الْأَوَّلَةِ: أَنَّ الْأَخَ لَا يُعْتَقُ، وَلَفْظُ الثَّانِيَةِ: أَنهُ يُعْتَقُ.
فَإِنْ قُلْنَا: " [إِنَّ] 3 الْمَفْهُومَ يَبْطُلُ بِالْمَنْطُوقِ"؛ كَانَتِ الْمَسْأَلةُ رِوَايَة وَاحِدَةً، وَإِلَا صَارَ فِي الْأَخِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: بِنَصِّهِ.
وَالأُخْرَى: بِنَقْلٍ وَتَخْرِيجٍ.
فصل فَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا 1:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-.
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَاكْثَرُ أَصحَابِنَا، لأَنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأنبِيَاءِ فِي الْعِلْمِ، وَالتَّبْلِيغِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالاتِّبَاعِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا لَا دَلِيلَ لَهُ عِنْدَهُ، حَذَرًا مِنَ الضَّلَالِ وَالإِضْلَالِ، لَاسِيَّمَا مَعَ الدِّينِ، وَالْوَرَعِ، وَتَرْكِ الشُّبْهَةِ. - وَالثَّانِي: الْمَنع، لِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهِ سَهْوًا، أَوْ نِسْيَانًا، أَوْ جَهْلًا، أَوْ تَهَاوُنًا، [فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَيْهِ] 2، [وَأَنْ يقرَّهُ اللهُ] 3 عَلَيْهِ، لِعَدَمِ الْوَحْيِ بَعْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَرُبَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ رُتْبَةِ الاجْتِهَادِ فِي ذَلِكَ الْحُكْمِ؛ [وَلأَنَّ خَطَأَهُ لَا يَعُمُّ] 4 ضَلَالهُ بِهِ، وَلَا اتِّبَاعَهُ فِي كُلِّ شَيءٍ، وَلَا تَجَنُبهُ، بِخِلَافِ الشَّارع فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لَكِنْ جَعْلُهُ أَوْلَى [أَوْلَى] 5.
فصل
إِذَا حَدَثَتْ مَسْألةٌ لا قَوْلَ فِيهَا لِأحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَهَلْ يَجُوزُ الاجْتِهَادُ فِيهَا، وَالْفَتْوَى (1)، وَالْحُكْمُ لِمَنْ هُوَ أَهْل لِذَلِكَ؟
2 فِيهِ ثَلَاثةُ أَوْجُهٍ:
- الأوَّلُ: يَجُوزُ؛ لِقَوْلِهِ -عليه السلام-: "إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ" 3 وَهُوَ عَام، [وَعَلَى] 4 هَذَا دَرَجَ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ.
[وَلِأَنَّ] 5 الْحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، لِكَثْرَةِ الْوَقَائِعِ، وَ [الْحَاجَةِ إِلَى] 6 مَعْرِفَةِ أَحْكَامِهَا شَرْعًا، مَعَ قِلَّةِ النُّصُوصِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا، وَحَذَرًا مِنْ تَوَقُّفِ الْحُكْمِ بَيْنَ الْخُصُومِ.
وَلأنَّهُ رُبَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهِ، فتتَعَذَّرُ 7 مَعْرِفتهُ إِذًا لِعَدَمِ النَّاظِرِ فِيهِ، أَوْ لِتَأَخُّرِ اجْتِهَادِهِ مَعَ دَعْوَى الْحَاجَةِ إلَيْهِ.1
- وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ فِيهِمَا.
قَال أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابهِ: "إِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ بكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَامٌ" 1. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ يَتَدَافَعُونَ الْمَسَائِلَ وَالْفَتْوَى، وَكُلُّ وَاحِدٍ وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ هِيَ، وَنَعْلَمُ 2 أنَّهُمْ لَوِ اجْتَهَدُوا لَظَهَرَ لَهُمُ الْحَقّ فِي الْمَسْأَلةِ لِأَهْلِيَّتهِمْ 3. - وَالثَّالِثُ: أنَّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْفُرُوعِ دُونَ الْأُصُولِ؛ لِأَنَّ الْخَطَرَ فِي الْأُصُولِ أَعْظَمُ 4، وَتَرْكَ الْخَوْضِ فِيهَا أَسْلَمُ، وَالْمُخْطِئُ فِي أَكْثَرِهَا كَافِرٌ أَوْ فَاسِقٌ، بِخِلَافِ الْفُرُوعِ فِي ذَلِكَ، فَإنَّ الْمُخْطِئَ [فِيهَا] 5 رُبَّمَا أُثِيبَ كَالْحَاكِمِ الْمُخْطِئِ؛ لِلنَّصِّ فِي اجْتِهَادِهِ، وَكَيْفَ 6 لَا وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَى مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْوَاقِعَةِ لِيَقْضِيَ فِيهَا الْمُجْتَهِدُ بِمَا يَرَاهُ، بخِلَافِ الْأُصُولِ، إِذِ الْعَقْلُ كَافٍ فِي [مَعْرِفَةِ] 7 أَكْثَرِ مَا يَلْزَمُهُ فِيهَا؛ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا يَتَوَقَّفُ حُكْمُ الْفُرُوعِ، حَيْثُ لَا يُعْلَمُ 8 إِلَّا مِنْ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.
[وَاللهُ أَعْلَمُ] 9.