بَابُ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْمُفْتِي، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعلَّقُ بِهِ
تَصِحُّ فُتْيَا 1:
- الْعَبْدِ.
- وَالْمَرْأَةِ.
- وَالْقَرِيبِ 2.
- وَالْأُمِّيِّ.
- وَالْأَخْرَسِ الْمَفْهُومِ الْإِشارَةِ أَوِ الْكِتابَةِ.
وَتصِحُّ مَعَ جَرِّ النَّفْعِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ.
وَكَذَا 3: مِنَ الْعَدُوِّ.
وَقِيلَ: "لَا؛ كَالْحَاكِمِ وَالشَّاهِدِ".
وَلا تَصِحُّ مِنْ فاسِقٍ لِغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ مُجتَهِدًا، لَكِنْ يُفْتِي نَفْسَهُ، وَلَا يَسْأَلُهُ غَيْرُهُ.
وَأَمَّا مَسْتُورُ الْحَالِ؛ فَتَجُوزُ فُتْيَاهُ.
وَقِيلَ: "لَا [تَجُوزُ] 4 ". وَقِيلَ: "تَجُوزُ، إِنِ اكْتَفَيْنَا 5 بِالْعَدَالةِ الظَّاهِرَةِ، وَإِلَّا فَلَا" 6.
فَصْلٌ
وَمَنْ 1 كَانَ مِنْ أَهْل الْفُتْيَا قَاضِيًا؛ فَهُوَ كَغَيْرهِ.
وَقِيلَ 2: "يُكْرَهُ لِلْقَاضِي أَنْ يُفْتِيَ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، دُونَ الطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَنَحْوِهِمَا 3 ".
وَقَدْ قَال شُرَيْحٌ: "أَنَا أَقْضِي لَكُمْ، وَلَا أُفْتِي" 4.
وَلِأَنَّهُ يَصِيرُ كَالْحُكْمِ مِنْهُ عَلَى الْخَصْمِ، فَلَا يُمْكِنُ نَقْضُهُ وَقْتَ الْمُحَاكَمَةِ؛ إِذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ ضِدُّهُ [بِقَوْلِ خِصْمِهِ] 5، أَوْ حُجَّتِهِ، أَوْ قَرَائِنِ حَالِهِمَا 6.
فَصْلٌ
إِذَا سَأَل عَامِّيٌّ 1 عَنْ مَسْأَلَةٍ لَمْ تَقَعْ؛ لَمْ تَجِبْ إِجَابَتُهُ، لَكِنْ تُسْتَحَبُّ 2.
وَقِيلَ: "تُكْرَهُ 3؛ لِأَنَّ بَعْضَ السَّلَفِ كَانَ لَا يَتكَلَّمُ فِيمَا لَمْ يَقَعْ".
وَقَال أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ 4: "إِيَّاكَ أَنْ تَتَكلَّمَ فِي مَسْأَلَةٍ لَيْسَ لَكَ فِيهَا إِمَامٌ" 5.
وَقُلْتُ: "إِنْ كَانَ غَرَضُ السَّائِلِ مَعْرِفَةَ الْحُكْمِ؛ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَقَعَ لَهُ، أَوْ لِمَنْ سَأَلَ عَنْهُ؛ فَلا بَأْسَ.
وَكَذَا 6: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَتَفَقَّهُ فِي ذَلِكَ، ويقَدِّرُ وُقُوعَ ذَلِكَ، وَيُفَرِّعُ عَلَيْهِ".
فَصْلٌ
فَإِنْ أَفْتَى الْمُفْتِي بِشَيْءٍ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ:
فَإِنْ عَلِمَ الْمُسْتَفْتِي بِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَمِلَ بِالْأَوَّلِ؛ حَرُمَ عَمَلُهُ بِهِ.
وَلَوْ نَكَحَ بِفَتْوَاهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَى النِّكَاحِ، ثُمَّ رَجَعَ بِاجْتِهَادٍ؛ لَزِمَهُ مُفَارَقَتُهَا -فِي الْأَقْيَسِ-؛ لِأَنَّ الْمَرْجُوعَ عَنْهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ -فِي الْأَصَحِّ-.
كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُ مَنْ قَلَّدَهُ فِي القِبْلَةِ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ 1؛ فَإِنَّهُ يَتَحَوَّلُ مَعَهُ 2 -فِي الْأَصَحُّ 3 -.
- وَإِنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي قَدْ عَمِلَ بِهِ قَبْلَ رُجُوعِهِ، وَكَانَ مُخَالِفًا لِدَلِيلٍ قَاطِعٍ؛ لَزِمَهُ نَقْضُ عَمَلِهِ ذَلِكَ، وَالرُّجُوعُ إِلَى قَوْلِهِ الثَّانِي.
- وَإِنِ اخْتَلَفَ اجْتِهَادُهُ وَلَمْ يَرْجعْ؛ لَمْ يَنْقُضْ عَمَلَهُ بِالْأَوَّلِ.
- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَمِلَ 4 بِهِ؛ تَرَكَهُ.
- وَإِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِرُجُوعِهِ؛ اسْتَمَرَّ كَمَا كَانَ.
وَلَا يَلْزَمُهُ إِعْلَامُهُ.
وَقِيلَ: "بَلَى؛ لِأَنَّ مَا رَجَعَ عَنْهُ لَا يَعْمَلُ هُوَ بِهِ، فَكَذَا 1 مَنْ قَلَّدَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ -فِي الْأَصَحِّ-".
قَال [الْقَاضِي] 2 الإمَامُ أَبُو يَعْلَى فِي "الْكِفَايَةِ": "مَنْ أَفْتَى بِالإِجْتِهَادِ، ثُمَّ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ 3 إِعْلَامُ الْمُسْتَفْتِي بِذَلِكَ، إِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ 4 بِهِ، وَإِلَّا أَعْلَمَهُ بِتَغَيُّرِ مَذْهَبِهِ الَّذِي اتَّبَعَهُ فِيهِ" 5.
وَقَال غَيْرُهُ: "يُعْلِمُهُ بِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ 6، وَكَذَا بَعْدَهُ حَيْثُ يَجِبُ النَّقْضُ، وَإِلَّا فَلَا" 7.
وَإِذَا كَانَ الْمُفْتِي [إِنَّمَا] 8 يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مُعَيَّنٍ:
- فَإِذَا رَجَعَ لِكَوْنِهِ بَانَ لَهُ قَطْعًا أَنَّهُ خَالفَ فِي فَتْوَاهُ نَصَّ مَذْهَبِ إِمَامِهِ؛ وَجَبَ نَقْضُهُ، وَإِنْ كَانَ عَنِ اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّ نَصَّ مَذْهَبِ إِمَامِهِ فِي حَقِّهِ كَنَصِّ الشَّارعِ فِي حَقِّ [الْمُفْتِي] 9 الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ 10.
فَصْلٌ
إِذَا عَمِلَ الْمُسْتَفْتِي بِفُتْيَا مُفْتٍ فِي إِتْلَافٍ، ثُمَّ بَانَ خَطَؤُهُ
بِمُخَالفَةِ الْقَاطِعِ؛ ضَمِنَهُ الْمُفْتِي.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْفَتْوَى؛ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِتَقْصِيرِ الْمُسْتَفْتِي فِي تَقْلِيدِهِ.
وَقِيلَ 1: "يَضْمَنُ؛ لَأِنَّهُ تَصَدَّى لِمَا لَيْسَ لَهُ بِأَهْلٍ، وَغَرَّ مَنِ اسْتَفْتَاهُ بِتَصَدِّيهِ لِذَلِكَ" 2.
فَصْلٌ
يَحْرُمُ التَّسَاهُلُ فِي الفَتْوَى، وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ؛
إِمَّا لِتَسَارُعِهِ 1 قَبْلَ تَمَامِ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ، أَوْ لِظَنِّهِ أَنَّ الْإِسْرَاعَ بَرَاعَةٌ، وَتَرْكَهُ عَجْزٌ وَنَقْصٌ.
فَإِنْ سَبْقَتْ مَعْرِفَتُهُ لِمَا سُئِلَ عَنْهُ قَبْلَ [تَمَامِ] 2 السُّؤَالِ، فَأَجَابَ سَرِيعًا؛ جَازَ.
وَإِنْ تَتَبَّعَ الْحِيَلَ الْمُحَرَّمَةَ؛ كَالسُّرَيْجيَّةِ 3، أَوِ الْمَكْرُوهَةَ، أَوِ الرُّخَصَ لِمَنْ أَرَادَ نَفْعَهُ، أَوِ التَّغْلِيظَ عَلَى مَنْ أَرَادَ مَضَرَّتَهُ؛ فَسَقَ.
وَإِنْ حَسُنَ قَصْدُهُ فِي حِيلَةٍ لَا شُبْهَةَ فِيهَا، وَلَا تَقْتَضِي 4 مَفْسَدَةً؛ [لِيُخَلِّصَ بِهَا الْمُسْتَفْتِيَ] 5 مِنْ يَمِينٍ صَعْبَةٍ أَوْ نَحْوِهَا؛ جَازَ؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالى
- لِأَيُّوبَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ 1 لَمَّا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ امْرَأَتَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ 2. وَقَدْ قَال سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ: "إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَنَا الرُّخْصةُ مِنْ ثِقَةٍ، فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيُحْسِنُهُ كُلُّ أَحَدٍ" 3.
فَصْلٌ [وَيَحْرُمُ] 1 التَّحَيُّلُ لِتَحْلِيل الْحَرَام وَتَحْرِيمِ 2 الْحَلَالِ بلَا ضَرُورَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ، وَهُمَا مُحرَّمَانِ 3. [لِقَوْلِ اللهِ -تَعَالى-: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ 4. وَ] 5 قَوْلهِ 6 - تَعَالى-: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (50) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (51) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ 7. وَقَوْلهِ [-تَعَالى-] 8: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ 9. وَقَوْلهِ [-تَعَالى-] 10: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ 11.
وَلقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَلْعُونٌ مَنْ ضَارَّ مُسْلِمًا أَوْ مَكَرَ بِهِ" 1 رَوَاهُ مُسْلِمٌ 2.
وَيقَوْلِهِ عَلَيْهَ السَّلام: "الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ" 3.
وَلقَوْلهِ عليه السَّلَامُ: "لَا تَرْتَكِبُوا مَا ارْتَكَبَتِ 4 الْيَهُودُ فَتَسْتَحِلُّوا مَحَارِمَ اللهِ - تَعَالى- بِأَدْنَى الْحِيَلِ" 5 ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّةَ.
وَلِقَوْلهِ عَلَيْهَ السَّلَامُ: "مَا بَال أَقْوَامٍ يَلْعَبُونَ بِحُدُودِ اللهِ -تَعَالى- وَيَسْتَهْزِؤُونَ 6 بِآيَاتِهِ: خَلَعْتُكِ رَاجَعْتُكِ 7، طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ" رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَابْنُ بَطَّةَ.
وَفِي لَفْظٍ: "طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ، طَلَّقْتُكِ رَاجَعْتُكِ 1 " 2. ولقَوْلهِ 3 عَلَيه السَّلَام: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُومُ، فَجَمَلُوهَا، وَبَاعُوهَا، وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا" حَدِيثٌ صَحِيحٌ 4. وَ"جَمَلُوهَا" بِمَعْنَى 5: أَذَابُوهَا 6. وَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: "مَن يَخْدَعِ اللهَ يَخْدَعْهُ" 7. وَقَال [الْإِمَامُ] 8 أَحْمَدُ: "هَذ الْحِيَلُ الَّتِي وَضَعَهَا هَؤُلَاءِ، عَمَدُوا إِلَى السُّنَنِ فَاحْتَالوا فِي نَقْضِهَا، أَتَوْا إِلَى الَّذِي قِيلَ لَهُمْ إِنَّهُ حَرَامٌ، احْتَالوا 9 فِيهِ حَتَى أَحَلُّوهُ" 10.
وَقَال: "إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ، ثُمَّ احْتَال بِحِيلَةٍ فَصَارَ إِلَيْهَا، فَقَدْ صَارَ إِلَى ذَلِكَ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ" 1. وَقَال: "مَنِ احْتَال بِحِيلَةٍ فَهُوَ حَانِثٌ" 2. [وَقَال: "مَا أَخْبَثَهُمْ -يَعْنِي أَصْحَابَ الْحِيَلِ-] 3 يَحْتَالونَ لِنَقْضِ سُنَنِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" 4.
فَصْلٌ
لَيْسَ لَهُ الْفَتْوَى فِي حَالِ شَغْلِ قَلْبِهِ وَمَنْعِهِ التَّثَبُّتَ وَالتَّأَمُّلَ؛ لِغَضَبٍ، أَوْ جُوعٍ، أَوْ عَطَشٍ، أَوْ غَمٍّ، أَوْ هَمٍّ 1، أَوْ خَوْفٍ، أَوْ حُزْنٍ، أَوْ فَرَحٍ غَالِبٍ، أَوْ نُعَاسٍ، أَوْ مَلَلٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ حَرٍّ مُزْعِجٍ، أَوْ بَرْدٍ مُؤْلِمٍ، أَوْ مُدَافَعِةِ الْأَخْبَثَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا.
وَهُوَ أَعْلَمُ بِنَفْسِهِ، فَمَتَى أحَسَّ بِاشْتِغَالِ قَلْبِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ حَالِ اعْتِدَالِهِ؛ أَمْسَكَ عَنِ الفُتْيَا.
فَإِنْ أَفْتَى فِي شَيءٍ مِنْ هَذه الْأَحْوَالِ، وَهُوَ يَرَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ إِدْرَاكِ الصَّوَابِ؛ صَحَّتْ فُتْيَاهُ.
وَإِنْ خَاطَرَ بِهَا؛ فَالتَّرْكُ أَوْلَى.
وَفِي الْحُكْمِ خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ 2.
فَصْلٌ
الْأَوْلَى [لَهُ] 1 التَّبَرُّعُ بِالْفُتْيَا.
وَلَهُ أَخْذُ الرِّزْقِ [عَلَى ذَلِكَ] 2 مِنْ بَيْتِ الْمَالِ.
وَإِنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَلَهُ كِفَايَةٌ تَامَّةٌ؛ احْتَمَلَ الْمَنْعَ وَالْجَوَازَ.
فَإِنْ كَانَ اشْتِغَالهُ بِهَا وَبِمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا، يَقْطَعُهُ عَمَّا يَعُودُ بِهِ عَلَى حَالِهِ؛ فَلَهُ الْأَخْذُ.
وَإِذَا كَانَ لَهُ رِزْقٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ أُجْرَةٍ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ رِزْقٌ مِنْهُ؛ لَمْ يَأْخُذْ أُجْرَةً مِنْ أَعْيَانِ مَنْ يُفْتِيهِ.
وَقِيلَ 3: لَوْ قَال لِلْمُسْتَفْتِي: "إِنَّمَا يَلْزَمُنِي أَنْ أُفْتِيَكَ بِقَوْلِي، وَأَمَّا 4 بِخَطِّي فَلَا"؛ فَلَهُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى خَطِّهِ.
وَقِيلَ 5: "لَوِ اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ 6 عَلَى أَنْ جَعَلُوا 7 لَهُ رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ؛ لِيتَفَرَّغَ لِفَتَاوِيهِمْ؛ جَازَ" وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَأَمَّا الهَدِيَّةُ لَهُ؛ فَلَهُ قَبُولُهَا.
وَقِيلَ 1: "يَحْرُمُ إِذَا كَانَتْ رِشْوَةً عَلَى أَنْ يُفْتِيَهُ بِمَا يُرِيدُ".
قُلْتُ: "أَوْ يَكُونَ لَهُ فِيهِ نَفْعٌ مِنْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ، فيُفْتِيَهُ لِذَلِكَ بِمَا لَا يُفْتِي بِهِ غَيْرَهُ، مِمَّنْ لَا يَنتفِعُ بِهِ كَنَفْعِ الْأَوَّلِ" 2.
فَصْلٌ
وَلَا يُفْتِي فِي الْأَقَارِيرِ، وَالْأَيْمَانِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِاللَّفْظِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَلَدِ اللَّافِظِ بِإِقْرَارٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ خَبِيرًا بِهِ عَارِفًا بِتَعَارُفِهِمْ فِي ألفَاظِهِمْ.
فَإِنَّ الْعُرْفَ قَرِينَةٌ حَالِيَةٌ يَتَعَيَّنُ الْحُكْمُ بِهَا، وَيَخْتَلُّ مُرَادُ اللَّافِظِ مَعَ عَدَمِ مُرَاعَاتِهَا، وَكَذَا فَقْدُ كُلِّ قَرِينَةٍ تُعَيِّنُ الْمَقْصُودَ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ 1.
فَصْلٌ
مَنْ كَانَتْ فُتْيَاهُ نَقْلًا مِنْ مَذْهَبِ إِمَامِهِ، وَاعْتَمَدَ عَلَى كِتَاب يُوثَقُ بِصِحَّتِهِ؛ جَازَ، كَاعْتِمَادِ الرَّاوِي عَلَى كِتَابِهِ، وَالْمُسْتَفْتِي عَلَى مَا يَكْتمهُ الْمُفْتِي.
وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي كِتَابٍ غَيْرِ مَوثُوقٍ بِهِ؛ بِأَنْ يَجِدَهُ فِي نُسَخٍ أُخَرَ كَذَلِكَ.
وَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ الثِّقَةُ بِمَا يَجِدُهُ فِي نُسْخَةٍ غَيْرِ مَوثُوقٍ بِهَا؛ بِأَنْ يَرَاهُ كَامِلًا مُنتظِمًا، وَهُوَ خَبِيرٌ فَطِنٌ، لَا يَخْفَى [عَلَيْهِ فِي الْغَالِبِ] 1 [مَوَاقِعُ] 2 الإِسْقَاطِ وَالتَّغْيِيرِ.
وَإِذَا لَمْ يَجِدْهُ إِلَّا فِي مَوْضِعٍ لَمْ يَثِقْ بِصِحَّتِهِ، نَظَرَ:
- فَإِنْ وَجَدَهُ مُوَافِقًا لِأُصُولِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَهْلٌ لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لَوْ لَمْ 3 يَجِدْهُ مَنْقُولًا؛ فَلَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِهِ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحكِيَهُ عَنْ إِمَامِهِ، فَلَا يَقُلْ: "قَال أَحْمَدُ كَذَا وَكَذَا" بَلْ: "وَجَدْتُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا"، أَوْ: "بَلَغَنِي"، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ. - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِتَخْرِيجِ مِثْلِهِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ [فِيهِ] 4، وَلَمْ
يَذْكُرْهُ بِلَفْظٍ جَازِمٍ مُطْلَقٍ، فَإِنَّ سَبِيلَ مِثْلِهِ النَّقْلُ الْمَحْضُ، وَلَمْ يَحْصلْ لهُ مَا يُجَوِّزُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَذْكرهُ فِي [غَيْرِ] 1 مَقَامِ الفَتْوَى مُفْصِحًا بِحَالِهِ فِيهِ، فَيَقُولَ: "وَجَدْتُهُ فِي نُسْخَةٍ مِنَ الْكِتَابِ الفُلَانِيِّ" أَوْ: "مِنْ كِتَابِ فُلَانٍ، وَلا 2 أَعْرِفُ صِحَّتَهُ" أَوْ: "وَجَدْتُ عَنْ فُلَانٍ كَذَا وَكَذَا" أَوْ: "بَلَغَنِي عَنْهُ كَذَا"، وَمَا 3 ضَاهَى ذَلِكَ مِنَ الْعِبَارَاتِ.
وَلا 4 يَجُوزُ لِعَامِّيٍّ 5 أَنْ يُفْتِيَ بِمَا يَجِدُهُ فِي كُتُبِ الْفُقَهَاءِ 6.
فَصْلٌ
إِذَا (1) أَفْتَى فِي حَادِثَةٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ [لَهُ] (2) مَرَّةً أُخْرَى:
- فَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا مُسْتَنَدَهُ فِيهَا؛ أَفْتَى بِهِ.
- وَإِنْ ذَكَرَهَا 3 دُونَ مُسْتَنَدِهَا، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مَا يُوجِبُ رُجُوعَهُ عَنْهَا؛ لَمْ يُفْتِ بِهِ حَتَّى يُجَدِّدَ النَّظَرَ.
وَقِيلَ: "بَلَى؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهُ عَلَى ذَلِكَ الاجْتِهَادِ".
وَالْأَوْلَى: أنَّهُ لَا يُفْتِي بِشَيْءٍ حَتَّى يُجَدِّدَ النَّظَرَ فِي دَلِيلِهِ بِكُلِّ حَالٍ.
وَمَنْ لَمْ تَكُنْ فَتْوَاهُ حِكَايَةً عَنْ غَيْرِهِ؛ فَلَا بُدَّ [لَهُ] 4 مِنَ اسْتِحْضَارِ الدَّلِيلِ فِيهَا 5. 12
فَصْلٌ
قَوْلُ الشَّافِعِيِّ -رضي الله عنه-: "إِذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابي خِلَافَ سُنَّةِ رَسُول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدَعُوا مَا قُلْتُهُ" 1.
وَقَوْلُهُ: " [إِذَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - حَدِيثٌ] 2، وَقُلْتُ قَوْلًا [يُخَالِفُهُ] 3، فَأَنَا رَاجعٌ عَنْ قَوْلِي، [قَائِلٌ] 4 بِذَلِكَ الْحَدِيثِ" 5، وَفِي لَفْظٍ: "فَاضْرِبُوا بِقَوْلِي الْحَائِطَ":
صَرِيحٌ فِي مَدْلُولِهِ، وَأَنَّ مَذْهَبَهُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، لَا قَوْلُهُ الْمُخَالِفُ لَهُ، فَتَجُوزُ الْفَتْوَى بالْحَدِيثِ 6 عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبُهُ.
وَلَيْسَ لِكُلَّ فَقِيهٍ أَنْ يَعْمَلَ بمَا يَرَاه 7 حُجَّةً مِنَ الْحَدِيثِ حَتَّى يَنْظُرَ؛ هَلْ
لَهُ مُعَارِضٌ أَوْ نَاسِخٌ أَمْ لَا؟ أَوْ 1 يَسْأَلَ مَنْ يَعْرِفُ ذَلِكَ ويعْرَفُ بِهِ.
وَقَدْ تَرَكَ الشَّافِعِيُّ الْعَمَلَ بِالْحَدِيثِ عَمْدًا؛ [لِأَنَّهُ] 2 عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ 3، فَإِنَّهُ قَدْ صَحَّ حَدِيثُ: "أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ" 4 [وَتَرَكَهُ] 5، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مَنْسُوخٌ لِمَا بَيَّنَهُ [هُوَ] 6.
وَقَدْ قِيلَ لِابْنِ خُزَيْمَةَ: هَلْ تَعْرِفُ سُنَّةً لِرَسُولِ 7 اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ لَمْ يُودِعْهَا الشَّافِعِيُّ كِتَابَهُ؟ قَال: "لَا" 8.
فَمَنْ وَجَدَ 9 مِنَ الشَّافِعَيَّةِ حَدِيثًا يُخَالِفُ مَذْهَبَهُ:
- فَإِنْ كَمَلَتْ [لَهُ] 10 آلَةُ الاجْتِهَادِ فِيهِ مُطْلَقًا، أَوْ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، أَوْ فِي ذَلِكَ النَّوْعِ، أَوْ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلةِ؛ فَلَهُ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ.
- وَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ آلَتُهُ، وَوَجَدَ فِي قَلْبِهِ حَزَازَةٌ مِنْ مُخَالفَةِ الْحَدِيثِ، بَعْدَ أَنْ بَحَثَ فَلَمْ يَجِدْ لِمُخَالفَتِهِ 1 عَنْهُ جَوَابًا شَافِيًا، فَلْيَنْظُرْ؛ هَلْ عَمِلَ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ إِمَامٌ مُسْتَقِلٌّ أَمْ لَا؟ فَإِنْ وَجَدَهُ؛ فَلَهُ أَنْ تَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبِهِ فِي الْعَمَلِ بِذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَيَكُونَ ذَلِكَ عُذْرًا لَهُ فِي تَرْكِ مَذْهَبِ إِمَامِهِ فِي ذَلِكَ 2. وَقَدَ ذَهَبَ [بَعْضُ] 3 الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ: أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ، وَأَنَّ لِلْمَغْرِبِ وَقْتَيْنِ؛ لِلْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِيهِمَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ 4.
فَصْلٌ وَهَلْ لِلْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبٍ أَنْ يُفْتِيَ بِمَذْهَبٍ آخَرَ أَمْ لَا؟
- فَإِنْ 1 كَانَ مُجْتَهِدًا، فَأَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ آخَرَ؛ تَبعَ اجْتِهَادَهُ.
- وَإِنْ كَانَ اجْتِهَادُهُ مُقَيَّدًا مَشُوبًا بِشَيْءٍ مِنَ التَّقْلِيدِ؛ نَقَلَ ذَلِكَ الشَّوْبَ مِنَ التَّقْلِيدِ إِلَى ذَلِكَ الإمَامِ الَّذِي أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إِلَى مَذْهَبِهِ، ثُمَّ إِذَا أَفْتَى بَيَّنَ ذَلِكَ فِي فُتْيَاهُ 2.
وَلِهَذَا قَال الْقَفَّال: "لَوْ أَدَّى 3 اجْتِهَادِي إِلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، قُلْتُ: مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ كَذَا، لَكِنِّي أَقُولُ بِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ.
لِأَنَّهُ 4 جَاءَ السَّائِلُ لِيَسْتَفْتِيَ 5 عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَلَابُدَّ أَنْ أُعَرِّفَهُ بِأَنِّي 6 أُفْتِي بِغَيْرِهِ" 7. - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ؛ بَنَى عَلَى اجْتِهَادِهِ.
- فَإِنْ تَرَكَ مَذْهَبَهُ إِلَى مَذْهَبٍ [هُوَ] 1 أَسْهَلُ مِنْهُ وَأَوْسَعُ؛ فَالْمَنْعُ أَصَحُّ.
- وَإِنْ 2 تَرَكَهُ لِكَوْنِ الآْخَرِ أَحْوَطَ الْمَذْهَبَيْنِ؛ فَالظَّاهِرُ جَوَازُهُ، ثُمَّ عَلَيْهِ بَيَانُ ذَلِكَ فِي فَتْوَاهُ 3 كَمَا سَبَق 4.
فَصْلٌ
لَيْسَ لِمَنِ انْتَسَبَ إِلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ فِي مَسْأَلةٍ ذَاتِ قَوْلَيْنِ أَوْ وَجْهَيْنِ؛ أَنْ يَتَخَيَّرَ فَيَعْمَلَ أَوْ يُفْتِيَ بَأَيِّهمَا شَاءَ.
[بَلْ] 1 إِنْ عَلِمَ تَارِيخَ الْقَوْلَيْنِ، عَمِلَ بِالْمُتَأَخِّرِ، إِنْ صَرَّحَ قَائِلُهُمَا بِرُجُوعِهِ عَنِ الْأوّلِ، وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
وَكَذَا: إِنْ أَطْلَقَ الْقَوْلَ.
وَقِيلَ: "يَجُوزُ الْعَمَلُ بِأَحَدِهِمَا إِذَا تَرَجَّحَ عَلَى أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِقَائِلِهِمَا -كَمَا يَأْتِي-؛ لِأَنَّ كَلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَالهُ بِدَلِيلٍ".
وَإِنْ ذَكَرَهُمَا [قَائِلُهُمَا] 2 مَعًا، وَرَجَّحَ أَحَدَهُمَا؛ تَعَيَّنَ.
وَإِنْ لَمْ يُرَجِّحْ أَحَدَهُمَا، أَوْ جَهِلَ الْحَال، هَلْ قَالهُمَا مَعًا أَمْ لَا؟ عَمِلَ بِالأرْجَحِ -عَلَى 3 الأْصَحِّ- الأْشْبَهِ بِقَوَاعِدِ الإْمَامِ وَأُصُولِهِ كَمَا يَأْتِي.
هَذَا إِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِهِ أَهْلًا لِلتَّرْجِيحِ.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلًا؛ فَلْيَأْخُذْهُ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ، تَوَقَّفَ.
وَلَابُدَّ فِي الْوَجْهَيْنِ مِنْ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا، وَمَعْرِفَةِ أَصَحِّهِمَا عِنْدَ الْفَتْوَى وَالْعَمَلِ بِمِثْلِ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورِ، وَلَا عِبْرَةَ بِالتَّقَدُّمِ وَالتَّاخّرِ، وَسَوَاءٌ وَقَعَا مَعًا أَوْ لَا، مِنْ إِمَامٍ أَوْ إِمَامَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا نُسِبَا إِلَى الْمَذْهَبِ نِسْبَةً وَاحِدَةً، وَتَقَدُّمُ أَحَدِهِمَا لَا يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ تَقَدُّمِ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ مِنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ.
وَلَيْسَ 1 ذَلكَ [أَيْضًا] 2 مِنْ قَبيل اخْتِلَافِ الْمُفْتِينَ عَلَى الْمُسْتَفْتِى، بَلْ كُلُّ ذَلِكَ اخْتِلَافٌ رَاجعٌ إِلَى شَخصٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ؟ فَلْيَلْتَحِقُ 3 بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي أنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِأَصَحِّهِمَا عَنْهُ وَأَصْرَحِهِمَا وَأَوْضَحِهِمَا.
وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الرَّأْيَيْنِ 4 مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَالآخَرُ مُخَرَّجًا؛ فَالظَّاهرُ أَنَّ الَّذي نَصَّ عَلَيْه منْهُمَا يُقَدَّمُ، كَمَا يُقَدَّمُ مَا يُرَجِّحُهُ منَ الْقَوْلَيْن الْمَنْصُوصَيْنِ عَلَى الْآخَرِ؛ لأَنَّهُ أَقْوَى نِسْبَةً إِلَيْهِ مِنْهُ، إِلَّا إِذَا كَانَ الْقَوْلُ الْمُخَرَّجُ مُخَرَّجًا مِنْ نَصٍّ آخَرَ؛ لِتَعَذُّرِ الْفَارِقِ.
وَمَنْ يَكْتَفِي بأَنْ يَكُونَ فِي فُتْيَاهُ 5 أَوْ عَمَلِهِ مُوَافِقًا لِقَوْلٍ أَوْ وَجْهٍ فِي المَسْألةِ، وَيَعْمَل بِمَا شاءُ مِنَ الأقوَالِ أوِ 6 الأوْجُهِ، مِنْ غيْرِ نَظيرٍ فِي التَّرْجِيحِ وَلَا تَقَيُّدٍ بِهِ؛ فَقَدْ جَهِلَ وَخَرَقَ الإِجْمَاعَ.
وَقَدْ حُكِيَ [عَنْ] 1 بَعْضِ الْفُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ، أنَّهُ قَال: "الَّذِي عَلَيَّ لِصَدِيقِي إِذَا وَقَعَتْ لَهَ حُكُومَةٌ، أَنْ أُفْتِيَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تُوَافِقُهُ".
وَوَقَعَتْ لِرَجُلٍ وَاقِعَةٌ فَأَفْتَى 2 فِيهَا جَمَاعَةٌ بِمَا يَضُرُّهُ، فَلَمَّا عَادَ وَسَأَلهُمْ قَالوا: "مَا عَلِمْنَا أَنها لَكَ! " وَأَفْتَوْه بالرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تُوَافِقُهُ 3.
وَذَلِكَ يَفْعَلُونَهُ لِقِلَّةِ خَيْرِهِمْ، وَكثْرَةِ نِفَاقِهِمْ، وَلا خِلافَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.
وَقَدْ قَال مَالِكٌ: "لَيْسَ كَلُّ مَا فِيهِ [تَوْسِعَةٌ] 4 قُلْتُ: لَا تَوْسِعَةَ فِيهِ" 5.
يَعْني أَنَّ اخْتِلَافَهُمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلِاجْتِهَادِ مَجَالًا فِيمَا بَيْنَ أَقْوَالِهِمْ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ يُقْطَعُ فِيهِ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ مُتَعَيِّنٍ، لَا مَجَال لِلِاجْتِهَادِ فِي خِلَافِهِ.
وَقَال فِي اخْتِلافِ الصَّحَابَةِ: "مِنْهُمْ مُخْطِئٌ وَمُصِيبٌ، فَعَلَيْكَ بِالاِجْتِهَادِ" 6.
قُلْتُ 7: "وَيتَعَيَّنُ الْعَمَلُ بِالأْرْجَحِ مِنْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ فِي كُلِّ مَسْأَلةٍ اخْتَلَفُوا
فِيهَا، وَمَا فِيهَا قَوْلٌ [وَاحِدٌ] 1 لَأِحَدِهِمْ وَلَمْ يَشْتَهِرْ بَيْنَهُمْ؛ أَخَذَ بِهِ مَنْ يَرَى تَقْلِيدَهُمْ.
وَإِنْ اشْتَهَرَ فَلَمْ 2 يُنْكَرْ؛ فَبِطَرِيقِ الأْوْلَى، وَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا إِجْمَاعٌ سُكُوتِيٌّ، وَفِيهِ لِبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ خِلَافٌ 3 مَشْهُورٌ 4.
فَصْلٌ إِذَا اعْتَدَلَ عِنْدَ الْمُفْتِي قَوْلَانِ، وَقُلْنَا: "يَجُوزُ ذَلِكَ":
- فَقَدْ قَال الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: "لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِأَيَّهِمَا شَاءَ، كَمَا يجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ الْمُفْتِي بِأَيِّ الْقَوْلَيْنِ شَاءَ" 1.
- وَقِيلَ: "إِنَّهُ يُخَيِّرُ الْمُسْتَفْتِيَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُفْتِيهِ 2 بِمَا يَرَاهُ، وَالَّذِي يَرَاهُ [هُوَ] 3 التَّخْيِيرُ، عَلَى قَوْلِ مَنْ قَال بِالتَّخْيِيرِ".
- وَإِنْ قُلْنَا: "يَمْتَنِعُ 4 تَعَارُضُ الأْمَارَاتِ 5 وَتَعَادُلُهَا"، تَعَيَّنَ الأحْوَطُ مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
- وَإِنْ أَفْتَاهُ بِقَوْلٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ، لَمْ يُخَيِّرْه فِي الْقَبُولِ مِنْهُ.
- وَإِنْ كَانَ فِيهِ خِلَافٌ، خَيَّرَهُ بَيْنَ الْقَبُولِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَبْلَ الْعَمَلِ.
-[أَمَّا إِنْ قُلْنَا: "كَلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"؛ فَظَاهِرٌ. - وَ] 6 أَمَّا إِنْ قُلْنَا: "الْمُصِيبُ وَاحِدٌ" فَلَأِنَّهُ غَيْرُ مُتعَيِّنٌ 7 مِنْهُمَا؛
كَتَخْيِيرِ الإِمَامِ أَحْمَدَ -رضي الله عنه- 1 مَنْ أَفْتَاهُ بِالطَّلَاقِ بَيْنَ قَوْلِهِ لَهُ وَبَيْنَ قَوْلِ مَنْ يُفْتِيهِ بِخِلَافِهِ؛ فَلا 2 يَلْزَمُهُ أَنْ يُخَيَّرَهُ صَرِيحًا بِذَلِكَ 3.
فَصْلٌ
إِذَا وَجَدَ مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلتَّخْرِيجِ وَالتَّرْجِيحِ بالدَّلِيلِ، اخْتِلَافًا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ فِي الْأصَحِّ مِنَ القَوْلَيْنِ أوِ الوَجْهَيْنِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَرْجِعَ فِي التّرْجِيحِ إِلَى صِفَاتِهِمُ الْمُوجِبَةِ لِزِيَادَةِ الثِّقَةِ بِآرَائِهِمْ، فَيَعْمَلَ بَقَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَالْأَعْلَمِ، وَالْأَوْرَعِ.
فَإِذَا اخْتَصَّ [وَاحِدٌ مِنْهُمْ] 1 بِصِفَةٍ مِنْهَا، وَالآخَرُ بِصِفَةٍ أُخْرَى؛ قَدَّمَ الَّذِي هُوَ أَحْرَى مِنْهُمَا بِالْإِصَابَةِ 2، فَالأعْلَمُ الْوَرعُ 3 مُقَدَّمٌ عَلَى الأوْرَعِ الْعَالِمِ، كَمَا قُلْنَا فِي التَّرْجِيحِ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَخْبَارِ فِي صِفَاتِ الرُّوَاةِ.
وَكَذَلِكَ: إِذَا وَجَدَ قَوْلَيْنِ أوْ وَجْهَيْنِ، لَمْ يَبْلُغْهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّتِهِ بَيَانُ الْأَصَحِّ مِنْهُمَا؛ اعْتَبَرَ أَوْصَافَ نَاقِلِيهِمَا وَقَائِلِيهِمَا، وَيُرَجِّحُ مَا وَافَقَ مِنْهُمَا أَئِمَّةَ أَكْثَرِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ، أَوْ أَكْثَرَ الْعُلَماءِ.
وَقَدْ قَال الْقَاضِي حُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّد الشَّافِعِيُّ: إِذَا اخْتَلَفَ قَوْلَا الشَّافِعِيِّ -مَثَلًا- فِي مَسْأَلَةٍ، وَأَحَدُ الْقَوْلَيْنِ مُوَافِقٌ مَذْهَبَ 4 أبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ أَحَدُهُمَا ظَاهِرًا بِشَيْءٍ، فَأَيُّهُمَا أَوْلَى بِالْفَتْوَى؟
فَقِيلَ 1: "الْمُخَالِفُ؛ لَأِنَّهُ إِنَّمَا خَالفَهُ لِمَعْنًى خَفِيَ عَلَيْنَا".
وَقِيلَ 2: "بَلِ الْمُوَافِقُ؛ لِلتَّعَاضُدِ وَالْمُوَافَقَةِ فِي الاِجْتِهَادِ وَدَلِيلِهِ".
وَقِيلَ 3: "الأْوْلَى التَّرْجِيحُ بِالْمَعْنَى لَا بِمُوَافَمة وَلَا بِمُخَالفَةٍ" 4.
وَهَذ التَّرَاجَيحُ مُعْتبرةٌ بِالنِّسْبِةِ 5 إِلَى أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ.
وَمَا رَجَّحَهُ الدَّلِيلُ مُقَدَّمٌ عِنْدَهُمْ 6. وَهُوَ أَوْلَى.
فَصْلٌ
كُلُّ مَسْأَلةٍ [فِيهَا لِإمَامٍ رِوَايَتَانِ] 1 أَوْ قَوْلَانِ، جَدِيدٌ وَقَدِيمٌ؛ فَالْفَتْوَى مِنْ أَتْبَاعِهِ عَلَى الْجَدِيدِ الْمُتَأَخِّرِ -عَلَى الأصَحِّ-.
إِلَّا فِي عِشْرِينَ مَسْأَلةً لِلشَّافِعِيِّ، فَإِنَّ الْفَتْوَى فِيهَا عَلَى الْقَدِيمِ 2، مِنْهَا: مَسْأَلةُ التَّثْوِيبِ فِي أَذَانِ الْفَجْرِ، [وَمَسْأَلةُ التَّبَاعُدِ عَنِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ] 3، وَأنَّه لَا يُسْتَحَبُّ قِرَاة السُّورَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ 4؛ فَيَكُونُ اخْتِيَارُهُمْ لِلْقَدِيمِ كَاخْتِيَارِهِمْ لِمَذْهَبِ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ إِذَا أَدَّاهُمْ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُمْ؛ إِذِ الْقَدِيمُ لَمْ يَبْقَ مَذْهَبًا لَهُ لِرُجُوعِهِ عَنْهُ لِمَا سَبَقَ، وَبَلْ أَوْلَى؛ لِكَوْنِ الْقَدِيمِ قَدْ كَانَ قَوْلًا مَنْصُوصًا.
وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ: مَا إِذَا اخْتَارَ أَحَدُهُمُ الْقَوْلَ الْمُخَرَّجَ عَلَى الْقَوْلِ الْمَنْصُوصِ، أَوِ اخْتَارَ مِنَ الْقَوْلَيْنِ اللَّذَيْنِ 5 رَجَّحَ الشَّافِعِيُّ أَحَدَهُمَا عَلَى غَيْرِ مَا رَجَّحَهُ، وَبَلْ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ، ثُمَّ حَكَمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ 6 أَهْلًا
لِلتَّخْرِيجِ مِنَ الْمُتَّبِعِينَ لِمَذْهَب الشَّافِعِيِّ -مَثَلًا-؛ أَلا تتَّبعَ شَيْئًا مِنَ اخْتِيَارَاتِهِمْ هَذِه الْمَذْكُورةِ؛ لِأنَّهُمْ مُقَلِّدُونَ لِلشَّافِعِيِّ دُونَ مَنْ خَالفَهُ 1. وَكَذَا الْكَلَامُ بَيْنَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ [وَبَيْنَ] 2 أَصْحَابِهِ، إِنْ قُلْنَا: "أَوَّلُ قَوْلَيْهِ فِي مَسْألةٍ لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ"، وَإِلَّا فَلَا.
فصل
إِذَا اقْتَصَرَ الْمُفْتِي فِي جَوَابِهِ عَلَى ذكْرِ الْخِلَافِ، وَقَال 1: "فِيهَا قول المفتى فيها قولان أو روايتان رِوَايَتَانِ" أَوْ: "قَوْلانِ" أَوْ: "وَجْهَانِ" أَوْ نَحْوَ ذلِكَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبَيِّنَ الْأَرْجَحَ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُفْتِ فِيهَا بِشَيْءٍ.
وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ خِلَافًا؛ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، إِذا حَصَلَ غَرَضُ السَّائِلِ مِنَ الْجَوَابِ بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ.
وَإِنْ سَأَلهُ عَنِ الْخِلَافِ؛ ذَكرَهُ، فَرُبَّمَا أَرَادَ [أَنْ] 2 يَعْلَمَ أَنهُ [لَا إِجْمَاعَ] 3 فِي ذَلِكَ؛ لِيُمْكِنَ تَقْلِيدُ غَيْرِ إِمَامِهِ 4.
فصلٌ
لَيسَ لَهُ أَنْ يفْتِيَ فِي شَيءٍ مِنْ مَسَائِلِ الْكَلامِ مُفَصِّلًا، بَلْ يَمْنَعُ السَّائِلَ وَسَائِرَ الْعَامَّةِ مِنَ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ أَصْلًا، وَيَأْمُرُهُمْ بِأَنْ 1 يَقْتَصِرُوا فِيهَا عَلَى الْإِيمَانِ الْمُجْمَلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ 2.
وَأَنْ يَقُولُوا فِيهَا وَفِيمَا وَرَدَ مِنَ الآيَاتِ وَالأخْبَارِ الْمُتَشَابِهَةِ: "إِنَّ الثَّابِتَ فِيهَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ كُلُّ مَا هُوَ [اللَّائِقُ فِيهَا بِاللهِ -تَعَالى-، وَبِكَمَالِهِ] 3، وَعَظَمَتِهِ، وَجَلَالِهِ، وَتَقْدِيسِهِ، مِنْ غَيْرِ تَشْبِيهٍ، وَلَا تَجْسِيمٍ، وَلَا تكْيِيفٍ، وَلَا تَأْوِيل، وَلَا تَفْسِيرٍ، وَلَا تَعْطِيل، وَلَيْسَ عَلَيْنَا تَفْصِيلُ الْمُرَادِ وَتَعْيِينُهُ، وَلَيْسَ الْبَحْث عَنْهُ مِنْ شَأْنِنَا -فِي الأكثَرِ [وَالْأَشْهَرِ] 4 -، بَلْ نَكِلُ عِلْمَ تَفْصِيلِهِ إِلَى اللهِ -تَعَالى-، وَنَصْرِفُ عَنِ الْخَوْضِ فِيهِ قُلُوبَنَا وَألْسِنَتَنَا".
فَهَذَا وَنَحْوُهُ [هُوَ] 5 الصَّوَابُ عِنْدَ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى، وَهُوَ سَبِيلُ 6 السَّلَفِ الصَّالِحِ، وَأَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمُعْتبرةِ، وَأَكَابِرِ [الْفُقَهَاءِ وَ] 7 الْعُلَمَاءِ، مِنَّا وَمنْ غَيْرِنَا.
وَهُوَ أَصْوَبُ وَأَسلَمُ لِلعَامَّةِ وَأَشبَاهِهِمْ، مِمَّنْ يُدْغِلُ قَلْبَهُ بِالْخَوضِ فِي ذَلِكَ، وَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ قَدِ اعْتَقَدَ اعْتِقَادًا بَاطِلًا مُفَصَّلًا، فَفِي إِلْزَامِهِ بِهَذَا الطَّرِيقِ؛ صَرْفٌ لَهُ عَنْ ذَلِكَ الاِعْتِقَادِ [الْبَاطِلِ] 1 بِمَا هُوَ أَهْوَنُ وَأَيْسَرُ وَأَسلَمُ.
وَإِذَا عَزَّرَ وَلِيُّ الْأَمْرِ مَنْ حَادَ مِنْهُمْ عَنْ هَذِهِ الطَّريقَةِ؛ فَقَدْ تَأَسَّى بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -رضي الله عنه- فِي تَعْزِيرِ [صَبِيغَ بْنَ عِسْلٍ] 2 الَّذِي كَانَ يَسْأل عَنِ الْمُتَشَابِهَاتِ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْمُتكَلِّمُونَ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ مُعْتَرِفُونَ بِصَحَّةِ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ، وَأَنهَا أَسْلَمُ لِمَنْ سَلِمَتْ لَهُ 3.
حَتَّى الْغَزَالِيُّ -أَخِيرًا- فَإِنَّهُ قَال: "كُلُّ مَنْ يَدْعُو الْعَوَامَّ إِلَى الْخَوضِ فِي هَذَا؛ فَلَيْسَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ، بَلْ مِنَ الْمُضِلِّينَ، وَهُوَ كَمَنْ يَدْعُو صَبِيًّا يَجْهَلُ السِّبَاحَةَ إِلَى خَوْضِ الْبَحْرِ" 4.
وَقَال: "الصَّوَابُ لِلخَلْقِ إِلَّا النَّادِرَ سُلُوكُ مَسْلَكِ السَّلَفِ 5 فِي الإْيمَانِ الْمُرْسَلِ، وَالتَّصْدِيقِ الْمُجْمَلِ، وَمَا قَالهُ اللهُ [- تَعَالى-] 6 أَوْ 7 رَسُولُهُ [-صلى الله عليه وسلم] 8
بِلَا بَحْثٍ وَتَفْتِيشٍ" 1.
قَال: "وَفِي الاشْتِغَالِ [بِالتَّقْوَى] 2 شُغُلٌ شَاغِلٌ" 3.
وَقَال فِي "التَّفْرِقَةِ" 4 فِي حَقِّ عَوَامِّ الْخَلْقِ: "إِنَّ الْحَقَّ فِيهِ الاتِّبَاعُ، وَالْكَفُّ عَنْ تَغْيِيرِ [الظَّوَاهِرِ] 5 رَأْسًا، [وَالْحَذَرُ] 6 عَنْ إِبْدَاعِ 7 تَأْوِيلَاتٍ لَمْ تُصَرِّحْ 8 بِهَا الصَّحَابَةُ، وَحَسْمُ بَابِ السُّؤَالِ رَأْسًا، وَالزَّجْرُ عَنِ الْخَوْضِ فِي الْكَلَامِ وَالْبَحْثِ، وَاتِّبَاعِ مَا تَشَابَهَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ.
[الثَّانِي: ] 9 بَيْنَ النُّظَّارِ الَّذِينَ 10 اضْطَرَبَتْ عَقَائِدُهُمُ الْمَأْثُورَةُ الْمَشْهُورَةُ الْمَوْرُوثَةُ، وينْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَحْثُهُمْ بِقَدْرِ الضَّرُورَةِ، وَتَرْكُهُمُ الظَّاهِرَ 11 لِضَرُورَةِ الْبرهَانِ الْقَاطِعِ" 12.
وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "مِنَ النَّاسِ مَنْ يُبَادِرُ إِلَى التَّأوِيلِ ظَنًّا لَا قَطْعًا، فَإِنْ كَانَ فَتْحُ
هَذَا الْبَابِ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ يُؤَدِّي إِلَى تَشْوِيشِ قُلُوبِ الْعَوَامِّ؛ بُدِّعَ بِهِ صَاحِبُهُ، وَكَلُّ مَا لمْ يُؤْثَرْ عَنِ السَّلَفِ ذِكْرُهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ بِأُصُولِ الْعَقَائِدِ الْمُهِمَّةِ؛ فَيَجِبُ تَكْفِيرُ مَنْ يُغَيِّرُ الظَّاهِرَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ قَاطِعٍ" 1.
وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "كَلُّ مَا [لَا] 2 يَحْتَمِلُ التَّأوِيلَ فِي نَفْسِهِ، وَتَوَاتَرَ نَقْلُهُ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ أَنْ يَقُومَ عَلَى خِلَافِهِ بُرْهَانٌ؛ فَمُخَالفَتُهُ تَكْذِيبٌ مَحْضٌ، وَمَا 3 تَطرَّقَ إِلَيْهِ احْتِمَال تَأْوِيل وَلَوْ بِمَجَازٍ 4 بَعِيدٍ، فَإِنْ كَانَ بُرْهَانهُ قَاطِعًا؛ وَجَبَ الْقَول بِهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ فِي إِظْهَارِهِ مَعَ الْعَوَامِّ ضَرَرٌ لِقُصُورِ أَفْهَامِهِمْ؛ فَإِظْهَارُهُ بِدْعَةٌ، وَإِنْ كَانَ البرهَانُ يُفيدُ ظَنًّا غَالِبًا وَلَا يَعْظُمُ ضَرَرُهُ فِي الدِّينِ؛ فَهُوَ بِدْعَةٌ، وَإِنْ عَظُمَ ضَرَرُهُ؛ فَهُوَ كفْرٌ" 5. وَفِيهِ اِحْتِمَالٌ.
قَال: "وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ 6 السَّلَفِ بِالدَّعْوَةِ بِهَذِه الْمُجَادَلَاتِ، بَلْ شَدَّدُوا الْقَوْلَ عَلَى مَنْ يَخُوضُ فِي الْكَلَامِ، ويشْتَغِلُ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ" 7.
وَقَال فِيهَا أَيْضًا: "الْإِيمَانُ الْمُسْتَفَادُ مِنَ الْكَلَامِ ضَعِيفٌ، وَالْإِيمَانُ الرَّاسِخُ إِيمَانُ الْعَوَامِّ الْحَاصِلُ فِي قُلُوبِهِمْ فِي 8 الصِّبَا بِتَوَاتُرِ السَّمَاعِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ بِقَرَائِنَ يَتَعَذَّرُ 9