بَابُ بَقِيَّةِ أَحْكَامِ الْمُفْتِي، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعلَّقُ بِهِ
التَّعْبِيرُ عَنْهَا، ويؤَكِّدُهُ مُلَازَمَةُ الْعِبَادَةِ وَالذِّكْرِ، فَإِنَّ كَلَامَ الْمُتكلِّمِينَ يُشْعِرُ السَّامِعُ أَنَّ فِيهِ صَنْعَة 1 يَعْجِزُ عَنْهَا الْعَامِّيُّ، [لَا أنَّهُ] 2 حَقٌّ، وَرُبَّمَا كَانَ ذَلِكَ سَبَبُ عِنَادِهِ" 3. وَقَال شَيْخُةُ 4 أَبو الْمَعَالِي: "يَحْرِصُ الإْمَامُ مَا أَمْكَنَهُ عَلَى جَمْعِ عَامَّةِ الْخَلْقِ عَلَى سُلُوكِ سَبِيلِ السَّلَفِ فِي ذَلِكَ" 5. وَقَال الصَّيْمَرِيُّ: "أَجْمَعَ أَهْلُ الْفَتْوَى عَلَى أَنَّ مَنْ عُرِفَ بِهَا؛ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَضَعَ خَطَّهُ بفَتْوَى فِي مَسْأَلةِ كَلَامٍ، كَالْقَضَاءِ وَالْقَدْرِ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ لَا يَسْتَتِمُّ قِرَاءَةَ مِثْلِ هَذِهِ الرُّقْعَةِ" 6. وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الامْتِنَاعَ مِنَ الْكَلَامِ فِي ذَلِكَ عَنِ الْفُقَهَاءِ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا، مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى وَالْحَدِيثِ، قَال: "وَإِنَّمَا خَالفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الْبِدَعِ" 7. وَقِيلَ 8: "إِنْ كَانَتِ الْمَسْأَلةُ مِمَّا يُؤْمَنُ فِي تَفْصِيلِ جَوَابِهَا مِنْ ضَرَرِ الْخَوْضِ الْمَذْكُورِ؛ جَازَ الْجَوَابُ مُفْصَّلا 9، بِأَنْ يَكُونَ جَوَابُهَا مُخْتَصَرًا مَفْهُومًا، فِيمَا لَيْسَ لَهُ أَطْرَافٌ يَتَجَاذَبُهَا [إِلَيْهَا] 10 الْمُتَنَازِعُونَ، وَالسُّؤال عَنْهُ صَادِرٌ مِنْ مُسْتَرْشِدٍ خَاصٍّ
مُنْقَادٍ، أَوْ مِنْ عَامَّةٍ قَلِيلَةِ التّنَازُعِ وَالْمُمَارَاةِ، وَالْمُفتِي مِمَّنْ يَنْقَادُونَ لِفُتْيَاهُ، وَنَحْوُ هَذَا".
وَعَلَى هَذَا وَنَحْوِهِ يُخَرَّجُ مَا جَاءَ عَنْ [بَعْضِ] 1 السَّلَفِ مِنَ الْفَتْوَى 2 فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ الْكَلامِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْهُمْ قَلِيلٌ نَادِرٌ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَمِّ الْكَلَامِ عَنِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ شَيءٌ كَثِيرٌ مَشْهُورٌ، حَتَّى إِنَّ شَيْخَ الإسْلَامِ الأنْصَارِيَّ جَمَعَ مِنْ 3 ذَلِكَ مُجلَّدًا 4.
وَقَدْ قَال أَحْمَدُ: "لَسْتُ بِصَاحِبِ كَلَامٍ، وَلَا أَرَى الْكَلَامَ فِي شَيْءٍ، إِلَّا مَا كَانَ فِي كِتَابِ اللهِ [-تَعَالى-] 5 أَوْ سُنَّةِ رَسُولِهِ [-صلى الله عليه وسلم-] 6 " 7.
وَقَال: "كُنَّا نَأْمُرُ بِالسُّكُوتِ، فَلَمَّا دُعِينَا إِلَى الْكَلَامِ تَكَلَّمْنَا" 8.
يَعْني زَمَنَ الْمِحْنَةِ؛ لِلضَّرُورَةِ فِي دَفْعِ شُبَهِهِمْ، لَمَّا ألجِئَ إِلَى ذَلِكَ.
وَقَال: "لَا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ حَتَّى يَدَعَ الْجِدَال، وَإِنْ أَرَادَ بِهِ السُّنَّةَ" 9.
وَقَال: "مَنِ ارْتَدَى بِالْكَلَامِ لَمْ يُفْلحْ" 1. وَقَال: "لَا تُجَالِسُوا أَهْلَ الْكَلَامِ وَإِنْ ذَبُّوا عَنِ السُّنَّةِ" 2. وَقَال مَالِكٌ: "لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُجَادِلَ عَنِ السُّنَّةِ، بَلِ السُّنَّةُ أَنْ تُخْبِرَ بِهَا، فَإِنْ سُمِعَتْ مِنْكَ، وَإِلَّا سَكَتَّ" 3. وَإِذَا كانَ هَذَا حَال مُتكلِّمِي 4 الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فكَيْفَ نَحْنُ وَمَنْ يَتِّبعُ الآثَارَ؟ وَقَال بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: "النَّاسُ يَكْتبونَ أحْسَنَ مَا يَسْمَعُونَ، وَيَحْفَظُونَ أَحْسَنَ مَا يَكْتبونَ، وَيَتَحَدَّثُونَ بِأَحْسَنِ مَا يَحْفَظُونَ" 5. وَقَال النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: "كَفَى بِالْمَرْءِ كَذِبًا -أَوْ إِثْمًا- أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ" 6.
فَمَا كَانَ يَعْلَمُهُ الإِنْسَانُ يَنْبَغِي أَلَّا يُعْلِمَ بِهِ [مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهُ] 1، وَلَا يَأْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ ضَرَرٍ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ بِسَبَبِهِ.
وَأَكثر أَهْلِ السُّنَّةِ يَعْرِفُونَ الْيَسِيرَ مِنْهُ، وَلا يَنتمُونَ إِلَيْهِ، وَلا يُدِلُّونَ النَّاسَ عَلَيْهِ، وَلا يَدْعُونَهُمْ إلَيْهِ.
وَقَدْ قَال الشَّافِعِيُّ: "حُكْمِي فِي أَصْحَابِ الْكَلَامِ أَنْ يُضْرَبُوا بِالْجَرِيدِ، ويُطَافَ بِهِمْ فِي الْعَشَائِرِ، ويقَال: هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ وَاشْتَغَلَ بِالْكَلَامِ" 2 أَوْ مَعْنَى ذَلِكَ.
وَقَال: "لَقَدِ اطَّلَعْتُ مِنْ أَهْل 3 الْكَلَامِ عَلَى شَيءٍ؛ لَأَنْ يُبْتَلَى الْمَرْءُ بِكُلِّ شَيءٍ نُهِيَ عَنْهُ -غَيْرَ الْكُفْرِ- أَهْوَن مِنْ أَنْ يُبْتَلَى بِهِ" 4 أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ.
وَعِلْمُ الْكَلامِ الْمَذْمُومِ: هُوَ أُصُولُ الدِّينِ إِذَا تُكُلِّمَ فِيهِ بِالْمَعْقُولِ الْمَحْضِ، أَوِ الْمُخَالِفِ لِلْمَنْقُولِ الصَّرِيحِ [الصَّحِيحِ] 5.
فَإِنْ تُكُلِّمَ فِيهِ بِالنَّقْلِ فَقَطْ، أَوْ بِالنَّقْلِ وَالْعَقْلِ الْمُوَافِقِ لَهُ؛ فَهُوَ أُصُولُ
الدِّينِ، وَطَرِيقَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ، [وَعَلَمُ السّنَّةِ] 1 وَأَهْلِهَا.
وَاجْتِنَابُ الْجَوَابِ فِي جَمِيعِ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ لِغَيْرِ [الْمُتَمَيِّزِ] 2 الْمُسْتَرْشِدِ أَوْلَى وَأَسْلَمُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى-؛ لِأَنَّ الْخَطَأَ فِي أُصُولِ الدِّينِ إِمَّا كُفْرٌ أَوْ فِسْقٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ هَيِّنًا.
وَقَدْ قَال الْغَزَالِيُّ -أَخِيرًا-: "الْخَوْضُ فِي الْكَلَامِ حَرَامٌ؛ لِكَثْرَةِ الْآفَةِ فِيهِ، إِلَّا لِرَجُل وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ لَيْسَتْ تزولُ بِكَلَامٍ أقَرِيبٍ، 3 وَعْظِي، وَلَا بِحَدِيثٍ نَقْلِيٍّ؛ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَول الْمُرَتَّبُ الْكَلامِيُّ رَافِعًا شُبْهَتَهُ، وَدَوَاءً لَهُ مِنْ مَرَضِهِ، فَيُسْتَعْمَلَ مَعَهُ، ويحْرَسَ عَنْهُ 4 سَمْعُ الصَّحِيحِ الَّذِي لَيْسَ كَذَلِكَ، أَوْ لِرَجُلٍ كَامِل الْعَقْلِ، رَاسِخِ الْقَدَمِ فِي الدِّينِ، ثَابِتِ الإيمَانِ بِأَنْوَارِ 5 الْيقِينِ، يُرِيدُ أَنْ يُحَصِّلَ هَذَا الْعِلْمَ؛ لِيُدَاوِيَ بِهِ مَرِيضًا إِذَا وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ، ويفْحِمَ بِهِ مُبْتَدِعًا إِذَا نبَغَ، وَلِيَحْرُسَ بِهِ مُعْتَقَدَهُ إِذَا قَصَدَ مُبْتَدِعٌ أَنْ يُغْوِيَهُ، فتعَلُّمُ ذَلِكَ لِهَذَا الْغَرَضِ؛ فيرْضُ كفَايَةٍ، وَتَعَلُّمُ قَدْرِ مَا يُزِيلُ بِهِ الشَّكَّ وَالشُّبْهَةَ فِي حَقِّ الْمُتَشَكِّكِ؛ فرْضُ عَيْنٍ، إِذَا لَمْ يُمْكِنْ إِعَادَةُ اعْتِقَادِهِ الْمَجْزُومِ بِطَرِيقٍ آخَرَ سِوَاهُ، فَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ شُبْهَةٌ؛ جَازَ جَوَابُهُ، إِذَا أُمِنَ عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِه مِنَ التَّشْوِيشِ" 6.
فصلٌ
لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الْجَزْمُ، وَلَا إِثْبَاتُهُ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِمَا 1.
فَلا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي مَعْرِفَةِ اللهِ [- سُبْحَانَهُ وَ] 2 تَعَالى-، وَتَوْحِيدِهِ، وَصِفَاتِهِ، وَلَا فِي نُبُوَّةِ رُسُلِهِ وَتَصْدِيقهِمْ فِيمَا أَتوْا بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَرِكُ فِي وُجُوبِ مَعْرِفَتِهِ كُلُّ مُكَلَّفٍ قَبْلَ النَّظَرِ فِي الْمُعْجِزَةِ وَثُبُوتِ النُّبُوَّةِ بِهَا.
قَالهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى 3 وَأَصْحَابهُ كلُّهُمْ -كأَبِي الْخَطَّابِ 4 وَابْنِ عَقِيلٍ 5 وَغَيْرِهِمَا 6 - وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَسَائِرُ الْمُتَمَيِّزِينَ، مِنَّا وَمنْ غَيْرِنَا.
وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُورُ 7 عِنْدَ الأصْحَابِ وَغَيْرهمْ؛ لأنَّهُ قَدْ لَا يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ إِلَّا بِالْعَقْلِ الَّذِي يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُكَلَّفُونَ، فَيَصِيرَ كُلُّ مُكَلِّفٍ مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ؛ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي الْعَقْلِ الَّذِي تُعْرَفُ بِهِ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَغَيْرُهَا؛ فَلَمْ يَجُزْ لِبَعْضِهِمْ تَقْلِيدُ بَعْضٍ، [كَالْعُلَمَاءِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ لِبَعْضِهِمْ تَقْلِيدُ بَعْضٍ] 8؛
لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي آلَةِ الاجْتِهَادِ.
وَالتَّقْلِيدُ هُوَ: "الْأَخْذُ بِقَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- حُجَّةٌ؛ فَلَيْسَ الْأَخْذُ بِهِ تَقْلِيدًا".
قَالهُ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ [الْمَقْدِسِيُّ رَحَمَهُ آللَّهُ] 1 وَغَيْرُهُ 2.
وَإِذَا ثَبَتَتِ النُّبُوَّةُ بِالْمُعْجِزَةِ؛ وَجَبَ [اتِّتَاعُ الرَّسُولِ] 3 وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا جَاءَ بِهِ؛ لِقِيَامِ الدَّلِيِلِ عَلَى [وُجُوبِ] 4 ذَلِكَ.
وَاللهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ قَال أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ: "إِنَّ الْمُعْلُومَ 5 إِمَّا أَنْ يُعْلَمَ بِالشَّرْعِ أَوْ بِالْعَقْلِ 6 أَوْ بِهِمَا، فَمَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ؛ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الشَّرْعِ، بَلْ يُعْلَمُ بِدُونِهِ".
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ وَتَحْرِيرُهُ وَتَقْرِيرُهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالدِّينِ 7.
فصلٌ وَأَدِلَّةُ مَنْعِ التَّقْلِيدِ بِوُجُوبِ النَّظَرِ فِي الْكِتَابِ كثِيرَةٌ: وَقَدْ قَال ابْنُ مَسْعُودٍ: "أَلَا لَا يُقَلِّدَنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ" 1. وَقَال: "أَلَا لَا يُوَطِّنَنَّ أَحَدُكُمْ نَفْسَهُ إِنْ كَفَرَ النَّاسُ أَنْ يَكْفُرَ" 2. وَقَال: "لَا يَكُنْ 3 أَحَدُكُمْ إِمَّعَةً؛ يَقُولُ: إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ مِنَ النَّاسِ، إِنْ ضَلُّوا ضَلَلْتُ، وَإِنِ اهْتَدَوْا اهْتَدَيْتُ!، [أَلَا لَا يُوَطِّنَنَّ نَفْسَهُ إِنْ كَفَرَ النَّاسُ أَنْ يَكْفُرَ] 4 " 5. وَقَال أَحْمَدُ: "مِنْ ضِيقِ عِلْمِ الرَّجُلِ أَنْ يُقَلِّدَ فِي اعْتِقَادِهِ" 6.
وَقَال لِرَجُلٍ: "لَا تُقَلِّدْ دِينَكَ أَحَدًا، وَعَلَيْكَ بِالْأَثَرِ" 1.
وَقَال [لِلْفَضْلِ] 2 بْنِ زِيَادٍ: "لَا تُقَلِّدَ دِينَكَ الرِّجَال، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَسْلَمُوا أَنْ يَغْلَطُوا" 3.
وَلِأَنَّ الْأُمَّةَ أَجْمَعَتْ عَلَى [أَنَّ الْمُكَلَّفَ] 4 لَا بُدَّ لَهُ مِنَ اعْتِقَادٍ جَازِمٍ، وَالتَّقْلِيدُ لَا يُفيدُهُ كَمَا سَبَقَ.
وَقَدِ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ [وَغَيْرِه] 5 فِي "الْمُرْتَضَى" وَغَيْرِه.
فَصْلٌ
وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيمَا يُطْلَبُ فِيهِ الظَّنُّ مِنَ الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِثْبَاتِهَا بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ.
وَكُلُّ حُكْمٍ يَثْبُتُ بِدَلِيل ظَنِّيٍّ فَهُوَ اجْتِهَادِيٌّ، إِذْ [لَا] 1 اجْتِهَادَ مَعَ الْقَطْعِ، فَإِنَّ الاجْتِهَادَ: بَذْلُ الْوُسْعِ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِهِ 2.
وَقِيلَ: "يَجِبُ التَّقْلِيدُ فِي الأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالدَّلِيلِ، إِذَا لَمْ يُعْلَمْ بِالضَّرُورَةِ أَنهَا مِنَ الدِّينِ، وَمَا عَلِمْنَا بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ مِنَ الدِّينِ؛ فَلَا تَقْلِيدَ فِيهِ -كَمَا سَبَقَ- وَإِنْ كَانَ مِنَ الْفُرُوعِ".
وَدَلِيلُ وُجُوبِ التَّقْلِيدِ فِيهَا:
- قَوْلُهُ -تَعَالى-: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ 3.
- وَقَول النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِي حَدِيثِ جَابِرٍ -فِي الَّذِي أَصَابَتْهُ الشَّجَّةُ وَهُوَ جُنُبٌ، فَسَأَل أَصْحَابَهُ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً؟ فَقَالوا: لَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ.
فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ 4 - "قَتَلُوهُ
قَاتَلَهُمُ الله -أَوْ "قَتَلَهُمُ اللهُ "-أَلا سَأَلوا إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا، إِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَال" 1 رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْر.
- إِذْ لَوْ مُنِعَ 2 كُلُّ النَّاسِ مِنَ التَّقْلِيدِ، وَكُلِّفُوا مَعْرِفَةَ الأْحْكَامِ بِدِلِيلٍ؛ تَعَيَّنَ فَرْضُ الْعِلْمِ عَلَى الْكَافَّةِ، وَتَعَطَّلَتِ الْمَعَايِشُ، وَفَسَدَ النِّظَامُ، وَالْجِهَادُ، وَكَثِير مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا.
وَقَدْ دَلَّ عَلَى أنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ: - قَوْلُهُ -تَعَالى-: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ 3.
- وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ عُسْرًا وَحَرَجًا يَنتفِيَانِ بِقَوْلِهِ -تَعَالى-: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 4، وَقَوْلِهِ [-تَعَالى-] 5: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر 6، وَقَوْلِهِ: {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ 7.
- وَقَوْلِهِ -صلى الله عليه وسلم- 1: "لا ضَرَرَ وَلا إِضْرَارَ فِي الإْسْلامِ" 2 رَوَاه مَالِكٌ وَغَيْرُه.
- وَلَوْ جَازَ لِلْكُلِّ 3 التَّقْلِيدُ؛ بَطَلَ 4 الاجْتِهَادُ، وَسَقَطَ فَرْضُ التَّعَلُمِ وَالتَّعْلِيمِ، وَانْدَرَسَ الْعِلْمُ.
وَإِنَّمَا طَلَبُ الْعِلْمِ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ لِيَكُونَ الْبَاقُونَ تَبَعًا وَمُقَلِّدِينَ لَهُ، وَالآيَةُ الْمَذْكُورَةُ لَمْ تُسْقِطِ الاجْتِهَادَ عَنِ الْكُلِّ، وَلَا أَوْجَبَتْهُ 5 عَلَى الْكُلِّ، بَلْ عَلَى الْبَعْضِ، [وَهَذَا] 6 هُوَ الْمُدَّعَى.
فَصْلٌ
يَجِبُ اتِّبَاعُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فِيمَا شَرَعَهُ، وَأَمَرَ بِهِ، وَنَهَى عَنْهُ، وَتَصْدِيقُهُ فِيمَا أَخْبرَ بِهِ؛ لِثبوتِ عِصْمَتِهِ وَصِدْقِهِ، وَلزوم طَاعَتِهِ، وَاتِّبَاعِهِ فِيمَا 1 عُرِفَ فِي أَمَاكِنِهِ مِنَ الأْصُولِ وَغَيْرِهَا.
وَقَال الشَّيْخُ أَبو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: "لَيْسَ الْأَخْذُ بِقَوْلِهِ عليه السلام 2 تَقْلِيدًا؛ لَأِنَّ قَوْلَهُ [-صلى الله عليه وسلم-] 3 حُجَّةٌ"؛ لِمَا سَبَقَ وَعُرِفَ فِي مَوَاضِعِهِ.
وَالتَّقْلِيدُ: "أَخْذُ السَّائِلِ بِقَوْلِ مَنْ قَلَّدَهُ، بِلَا حُجَّةٍ مُلْزِمَةٍ [لَهُ] 4 يَعْرِفُهَا" كَمَا سَبَقَ.
وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الإِجْمَاعِ فِيهِ، بَلْ يَجبُ 5.
ويُمْكِنُ أَنْ يُقَال: "الْأَخْذُ بِهِ لَيْسَ تَقْلِيدًا"؛ لأَنَّهُ حُجَّةٌ، كَمَا قُلْنَا 6 فِي قَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-.
وَأَمَّا أَقْوَال الصَّحَابَةِ وَمَذَاهِبُهُمْ 7:
فَفِيهَا 1 مَذْهَبَانِ:
أَصَحُّهُمَا: أَنَّهَا 2 حُجَّةٌ يَجُوزُ اتِّبَاعُهُمْ فِيهَا.
وَقِيلَ: "وَإِنْ 3 خَالفَتِ الْقِيَاسَ".
- وَهَلْ [يَكُونُ تَقْلِيدًا -عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْكَلَامِ-؟
وَالظَّاهِرُ: أَنهُ] 4 تَقْلِيدٌ مِمَّنْ دُونَهُمْ.
إِنْ قُلْنَا: "لَيْسَا بِحُجَّةٍ"؛ فَلا 5 يُقَلِّدُونَ.
وَهُوَ بَعِيدٌ. - وَللْجَاهِلِ تَقْلِيدُهُمْ بِشَرْطِهِ، كَبَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ.
وَلَا اعْتِبَارَ بِقَوْلِ الْغَزَالِيِّ فِي "الْمَنْخُولِ" 6: "يَجِبُ تَقْلِيدُ الشَّافِعِيِّ، وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَبِي بَكْرٍ وَعَمَرَ [-رضي الله عنه-] 7 ". لِقَوْلِهِ عليه السلام: ["اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ" 8.
وَقَوْلهِ] 1 [-صلى الله عليه وسلم-] 2: "عَلَيكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي، عَضُّوا عَلَيْهَا بالنَّوَاجِذِ" الْحَدِيثِ 3.
وَقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم- 4: "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" 5.
وَيَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِي الأخْبَارِ لِمَنْ 6 هُوَ [مِنْ] 7 أَهْلِ الرِّوَايَةِ وَالثِّقَةِ 8 وَالْخِبْرَةِ.
وَلَا تَكْفِي 9 عَدَالتُهُ وَلَا عَدَالةُ الْمُفْتِي، بَلْ لَابُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ أَهْلِيَّتهِمَا لِذَلِكَ.
وَقِيلَ: "يَجِبُ التَّقْلِيدُ فِي الْأَخْبَارِ لِلصَّدُوقِ 10 مِنْ أَهْلِ الرِّوَايَةِ [وَالْخِبْرَةِ] 11
لِدَعْوَى 1 الْحَاجَةِ إلَيْهِ فِيمَا غَابَ عَنَّا؛ لِعَدَمِ الدَّلَالةِ [عَلَيْهِ] 2، إِذْ عَدَالةُ الْمُخْبِرِ [لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ، كَمَا أَنَّ عَدَالةَ الْعَالِمِ] 3 لَيْسَتْ دَلِيلًا عَلَى صِحَّةِ فُتْيَاهُ".
وَإِنَّمَا الدَّلِيلُ: [مَا] 4 اخْتَصَّ بِالْقَوْلِ الْمَنْقُولِ مِنْ حُكْمٍ أَوْ خَبَرٍ، لَا مَا اخْتَصَّ بِالْقَائِلِ مِنْ عَدَالةٍ وَصِدْقٍ.
وَيَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْفَاضِلِ وَإِمْكَانِ سُؤَالِهِ 5.
وَقِيلَ: "لَا يَجُوزُ".
فَلَوِ اسْتَفْتَى فَقِيهًا، فَلَمْ تَسْكُنْ نَفْسُهُ إِلَيْهِ؛ سَأَل ثَانِيًا وَثَالِثًا حَتَّى تَسْكُنَ نَفْسُهُ.
وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِي الْأَوَّلُ.
وَالأوْلَى: الوُقُوفُ مَعَ سُكُونِ النَّفْسِ؛ لِقَوْلهِ -صلى الله عليه وسلم- 6: "اسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَإِنْ أَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ وَأَفْتَوْكَ" 7.
وَقَوْلِهِ: "دع مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لا يَرِيبُكَ" 8.
[وَقَوْلِهِ: "الإِثْمُ مَا حَاكَ فِي النَّفْسِ" 1] 2.
وَقَوْلِهِ: "الإِثْمُ حَوَّازُ الْقُلُوبِ" 3.
فَإِنْ حَصَلَ السُّكُونُ وَالطُّمَأْنِينَةُ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ، وَإِلَّا زَادَ لِيَحْصُلَ ذَلِكَ.
[وَاللهُ أَعْلَمُ] 4.