بَابُ وَقْتِ إبَاحَةِ الْفُتْيَا، وَاسْتِحْبَابِهَا، وَإِيجَابِهَا، وَكَرَاهَتِهَا، وَتَحْرِيمِهَا
فَصْلٌ
الفُتْيا فَرْضُ عَيْنٍ: إِذا كَانَ فِي الْبَلَدِ مُفْتٍ وَاحِدٌ.
[وَفَرْضُ] (1) كفَايَةٍ: إِذَا كَانَ فِيهِ (2) مُفْتِيَانِ فَأَكْثَرُ، سَوَاءٌ حَضَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ هُمَا، وَسُئِلَا مَعًا أَوْ لا (3).
والْوَرَعُ إِذًا: "التَّرْكُ لِلْخَطَرِ، وَالْخَوْفِ مَنِ التَّقْصِيرِ وَالْقُصُورِ".
و
َتَحرُمُ الْفَتْوَى عَلَى الْجَاهِلِ بِصَوَابِ الْجَوَابِ:
لِقَوْلهِ - تَعَالى -: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ 4 الآيَةَ.
وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ أُفْتيَ بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبْتٍ؛ [فَإِنَّمَا إِثْمُهُ] 5 الَّذِي أَفْتَا" 6. رَوَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.123
وَفِي لَفْظٍ: "مَنْ أُفْتِيَ بفُتْيَا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ [كَانَ إِثْمُ ذَلِكَ عَلَى الَّذِي أَفْتَاهُ" 1. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
وَقَوْلُهُ: "مَنْ أَفْتَى النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ ] 2 [لَعَنَتْهُ مَلَائِكَةُ السَّمَاءِ، وَمَلَائِكَةُ الأَرْضِ] 3 " 4. ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "تَعْظِيمِ الْفَتْوَى" 5.
وَلِقَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم - 6: "إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا؛ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا، فَسُئِلُوا، فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" 7. حَدِيثٌ حَسَنٌ 8، [رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ] 9.
وَقَال الْبَرَاءُ 1: "لَقَدْ رَأَيْتُ ثَلَاثَمِائَةٍ مِنْ [أَصْحَابِ] 2 بَدْرٍ، مَا فِيهِمْ مِنْ أحَدٍ إِلَّا وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَكْفِيَهُ صَاحِبُهُ الفُتْيَا" 3. وَقَال ابْنُ أَبِي لَيْلَى: "أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الْأَنْصَارِ، مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُسْأَلُ أحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ، فَتردُّهَا هَذَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا، حَتَّى تَرْجِعَ 4 إِلَى الأْوَّلِ" 5. وَفِي رِوَايَةٍ: "مَا مِنْهُمْ أَحَدٌ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ، أَوْ يُسْأَلُ عَنْهُ - وَفِي رِوَايَةٍ: "عَنْ 6 شَيءٍ" - إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ [إِيَّاهُ، وَلَا يُسْتَفْتَى فِي شَيءٍ إِلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ] 7 الفُتْيَا" 8.
وقَال ابْنُ مَسْعُودٍ [-رضي الله عنه-] 1: "مَنْ أَفْتَى النَّاسَ فِي كُلِّ مَا يَسْأَلُونَهُ [عَنْهُ].
2 فَهُوَ مَجْنُونٌ" 3.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [-رضي الله عنهما-] 4 نَحْوُهُ 5.
وَقَال أَبُو حَصِينٍ 6 الأَسَدِيُّ: "إِنَّ أَحَدَكُم لَيُفْتِي فِي الْمَسْأَلَةِ، لَوْ وَرَدَتْ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، لَجَمَعَ لَهَا أَهْلَ بَدْرٍ" 7.
وَنَحْوُهُ عَنِ الْحَسَنِ 8 وَالشَّعْبِيِّ 9.
وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ: "إِذَا أَغْفَلَ 1 الْعَالِمُ [قَوْلَ] 2: "لَا أَدْرِي" 3، [فَقَدْ] 4 أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ 5 " 6. وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ [-رضي الله عنه-] 7. 8
وَسُئِلَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ -رضي الله عنهم -] 1 عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: "لَا أُحْسِنُهُ" فَقَال السَّائِلُ: إِنِّي جِئْتُ إِلَيْكَ لَا أَعْرِفُ غَيْرَكَ! فَقَال الْقَاسمُ: "لَا تَنْظُرْ إِلَى طُولِ لِحْيَتِي، وَكَثْرَةِ النَّاسِ حَوْلِي، وَاللهِ مَا أُحْسِنُهُ" فَقَال شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ - جَالِسٌ إِلَى جَنْبِهِ -: يَابْنَ أَخِي، الْزَمْهَا، فَوَاللهِ مَا رَأْيتُكَ فِي مَجْلِسٍ أَنْبَلَ مِنْكَ الْيَوْمَ.
فَقَال الْقَاسِمُ: "وَاللهِ لَأَنْ يُقْطَعَ لِسَانِي أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَنْ أتَكَلَّمَ بِمَا لَا عِلْمَ لِي [بِهِ] 2 " 3.
وَقَال سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَسُحْنُونُ بْنُ سَعِيدٍ - صَاحِبُ "الْمُدَوَّنَةِ" -: "أَجْسَرُ النَّاسِ عَلَى الفُتْيَا 4 أقَلُّهُمْ عِلْمًا" 5.
وَسَأَل رَجُلٌ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ عَنْ شَيْءٍ أَيَّامًا، فَقَال: "إِنِّي إِنَّمَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا [أَحْتَسِبُ فِيهِ الْخَيْرَ، وَلَسْتُ] 6 أُحْسِنُ مَسْأَلتَكَ هَذِهِ" 7.
وَقَال الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ: "شَهِدْتُ مَالِكًا سُئِلَ 1 عَنْ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً، فَقَال فِي ثِنتيْنِ 2 وَثَلَاثِينَ مِنْهَا: لَا أَدْرِي" 3.
وَقِيلَ: "رُبَّمَا كَانَ يُسْأَلُ عَنْ خَمْسِينَ مَسْأَلَةً، فَلَا يُجِيبُ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا" 4.
وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ أَجَابَ فِي مَسْأَلَةٍ، فَيَنْبَغِي [مِنْ] 5 قَبْلِ أَنْ يُجِيبَ فِيهَا؛ أَنْ يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ خَلَاصُهُ فِي الآخِرَةِ، ثُمَّ يُجِيبَ فِيهَا" 6.
وَسُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَال: "لَا أَدْرِي".
فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهَا مَسْألَة خَفِيفَةٌ سَهْلَةٌ! فَغَضِبَ وَقَال: "لَيْسَ فِي العِلْمِ [شَيْءٌ] 7 خَفِيفٌ، أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللهِ - تَعَالى -: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ 8، فَالعِلْمُ كُلُّهُ ثَقِيلٌ، وَخَاصَّةً 9 مَا يُسأَلُ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ" 10.
وَقَال: "مَا أَفْتَيْتُ حَتَّى شَهِدَ لِي سَبْعُونَ أَنِّي أَهْلٌ لِذَلِكَ" 1. وَقَال أَيْضًا: "لَا يَنْبَغِي لِرَجُلٍ أَنْ يَرَى نَفْسَهُ أَهْلًا لِشَيءٍ حَتَّى يَسْأَلَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ، وَمَا أَفْتَيْتُ حَتَّى سَأَلْتُ رَبِيعَةَ 2 وَيَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ فَأَمَرَانِي بِذَلِكَ، وَلَوْ نَهَيَانِي انْتَهَيْتُ" 3. وَقَال: "إِذَا كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَصْعُبُ عَلَيْهِمُ الْمَسَائِلُ، وَلَا يُجِيبُ 4 [أَحَدٌ مِنْهُمْ] 5 فِي مَسْأَلَةٍ حَتَّى يَأْخُذَ رَأْيَ صَاحِبِهِ، مَعَ مَا رُزِقُوا مِنَ السَّدَادِ وَالتَّوْفِيقِ مَعَ الطَّهَارَةِ، فكَيْفَ بِنَا الَّذِينَ غَطَّتِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبُ قُلُوبَنَا! " 6. وَقِيلَ: "كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلَةٍ كَأَنَّهُ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ" 7. وَقَال عَطَاءٌ 8: "أَدْرَكْتُ أقْوَامًا إِنْ كَانَ أَحَدُهُم لَيُسْأَلُ عَنِ الشَّيءِ، فَيَتَكَلَّمُ
وَإِنَّهُ لَيَرْعُدُ" 1.
وَسُئِلَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: أَيُّ الْبِلَادِ شَرٌّ؟ فَقَال: "لا أدْرِي"، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ [فَقَال: ] 2 " لا أَدْرِي"، فَسَأَلَ رَبَّهُ [-عَزَّ وَجَلَّ-] 3 فَقَال: أَسْوَاقُهَا" 4.
ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي "تَعْظِيمِ الْفُتْيَا" 5.
وَسُئِلَ الشَّعْبِيُّ عَنْ شَيْءٍ، فَقَال: "لَا أَدْرِي".
فَقِيلَ: أَلَا تَسْتَحِي مِنْ قَوْلِكَ "لَا أَدْرِي"، وَأَنْتَ فَقِيهُ أَهْلِ الْعِرَاقِ" فَقَال: "لَكِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَسْتَحِ حِينَ قَالتْ: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ 6 " 7.
وَقَال أَبُو نُعَيْمٍ 8: "مَا رَأَيْتُ عَالِمًا أَكْثَرَ قَوْلًا "لَا أَدْرِي" مِنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ" 9.
وَقَال أَبُو 1 الذَّيَّالِ 2: "تَعَلَّمْ "لَا أَدْرِي"، فَإِنَّكَ إِنْ قُلْتَ "لَا أَدْرِي"؛ عَلَّمُوكَ حَتَّى تَدْرِيَ، وَإِنْ قُلْتَ "أَدْرِي"؛ سَأَلُوكَ حَتَّى لَا تَدْرِيَ" 3.
وَسُئِلَ الشَّافِعِيُّ [رَحَمَهُ اللهُ] 4 عَنْ مَسْأَلَةٍ، فَسَكَتَ.
فَقِيلَ: ألا تُجِيبُ؟ فَقَال: "حَتَّى أَدْرِيَ الفَضْلَ فِي سُكُوتِي، أَوْ فِي الْجَوَابِ" 5.
وقَال الأَثْرَمُ: "سَمِعْتُ [الْإمَامَ] 6 أَحْمَدَ يُسْتَفْتَى، فَيُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: "لا أَدْرِي"، وَذَلِكَ فِيمَا [قَدْ] 7 عَرَفَ فِيهِ الأْقَاوِيلَ 8 " 9.
وَقَالَ: "مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْفُتْيَا فَقَدْ عَرَّضَهَا لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ تُلْجِئُ الضَّرُورَةُ" 10.
وَقِيلَ لَهُ: أَيُّمَا أَفْضَلُ؛ الْكَلَامُ أَوِ الْإِمْسَاكُ؟ فَقَال: "الْإِمْسَاكُ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلَا لِضَرُورَةٍ" 1.
وَقَال عُقْبَةُ 2 بْنُ مُسْلِمٍ: "صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ أَرْبَعَةً 3 وَثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يُسْأَلُ؛ فَيَقُوُل: "لَا أَدْرِي" 4.
وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ لَا يَكَادُ يُفْتِي فُتْيَا، وَلَا يَقُولُ شَيْئًا إِلَّا قَال: "اللَّهُمَّ سَلِّمْنِي، وَسَلِّمْ مِنِّي" 5.
وَقَال سُحْنُونٌ - صَاحِبُ "الْمُدَوَّنَةِ" -: "أَشْقَى النَّاسِ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ [بِدُنْيَاهُ، وَأَشْقَى مِنْهُ مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ] 6 بِدُنْيَا غَيْرِهِ، فَفَكَّرْتُ فِيمَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، فَوَجَدْتُهُ الْمُفْتِيَ، يَأْتِيهِ رَجُلٌ قَدْ حَنِثَ فِي امْرَأَتِهِ وَرَقِيقِهِ 7، فَيَقُولُ [لَهُ] 8: "لَا شَيءَ عَلَيْكَ".
فَيَذْهَبُ الْحَانِثُ فَيَتَمَتَّعُ بِامْرَأَتِهِ وَرَقِيقِهِ، وَقَدْ بَاعَ الْمُفْتِي دِينَهُ بِدُنْيَا هَذَا" 9.
وَسَألَهُ رَجُلٌ مَسْأَلَةً، فَترَدَّدَ إِلَيْهِ فِيهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَقَال: "وَمَا أَصْنَعُ لَكَ يَا خَلِيلِي! وَمَسْأَلتُكَ هَذِهِ مُعْضِلَةٌ، وَفِيهَا أَقَاوِيلُ، وَأَنَا مُتَحَيِّرٌ فِي ذَلِكَ" فَقَال لَهُ: وَأَنْتَ أَصْلَحَكَ اللهُ لِكُلِّ مُعْضِلَةٍ!، فَقَال لَهُ سُحْنُونٌ: "هَيْهَاتَ يَا ابْنَ أَخِي، لَيْسَ بِقَوْلِكَ هَذَا أَبْذُلُ لَكَ لَحْمِي وَدَمِي إِلَى النَّارِ" 1. كَانَ يُزْرِي عَلَى مَنْ يَعْجَلُ فِي الفَتْوَى، وَيَذْكُرُ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ عَنْ مُعَلِّمِيهِ القُدَمَاءِ 2. قَال: "إِنِّي لَأُسْأَلُ 3 عَنِ الْمَسْأَلةِ أَعْرِفُهَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنَ الْجَوَابِ إِلَّا كَرَاهَةُ 4 الْجُرْأَةِ بَعْدِي عَلَى الفَتْوَى 5 " 6. وَقِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تُسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُ أَصْحَابِكَ لَأَجَابَ 7، فَتَتَوَقَّفُ فِيهَا! فَقَال: "فِتْنَةُ الْجَوَابِ بِالصَّوَابِ أَشَدُّ مِنْ فِتْنَةِ الْمَالِ" 8. وَقَال الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُسأَلُ عَنِ الْمَسْأَلَةٍ وَيَعْجَلُ [فِي الْجَوَابِ] 9، فَيُصِيبُ فَأَذُمُّهُ، ويُسْأَلُ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَيَتَثَبَّتُ فِي الْجَوَابِ، فَيُخْطِئُ فَأَحْمَدُهُ" 10.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ وَالصَّيْمَرِيُّ 1: "قَلَّ مَنْ حَرَصَ عَلَى الفَتْوَى، وَسَابَقَ إِلَيْهَا، وَثَابَرَ عَلَيْهَا؛ إِلَّا قَلَّ تَوْفِيقُهُ، وَاضْطَرَبَ فِي أَمْرِهِ، وَإِذَا كَانَ كارِهًا لِذَلِكَ غَيْرَ مُخْتَارٍ [لَهُ] 2، مَا وَجَدَ مَنْدُوحَةً عَنْهُ، وَقَدَرَ أَنْ يُحِيلَ بِالأْمْرِ فِيهِ عَلَى غَيْرِهِ؛ كَانَتِ الْمَعُونَةُ لَهُ مِنَ اللهِ أَكْثَرَ، وَالْصَّلَاحُ فِي جَوَابِهِ وَفتاوِيهِ 3 أَغْلَبَ" 4. وَقَال بِشْرٌ الْحَافِي: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُسْأَلَ فَلَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسْأَل" 5. وَكَانَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ لَيْسَ 6 شَيءٌ أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنَ الْفَتْوَى 7. 8 وَقَال تَارَةً: "مَا ابْتُلِيَ أَحَدٌ بِمَا ابْتُلِيتُ بِهِ، أَفْتَيْتُ الْيَوْمَ فِي عَشْرِ مَسَائِلَ" 9. وَرَأَى رَجُلٌ رَبِيعَةَ بْنَ [أَبِي] 10 عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَبْكِي، فَقَال: مَا يُبْكِيكَ؟ فَقَال:
"اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ، وَظَهَرَ فِي الإِسْلَامِ أَمْر عَظِيمٌ" 1.
وَقَال: "وَلَبَعْضُ مَنْ يُفْتِي هَاهُنَا أَحَقُّ بِالسِّجْنِ مِنَ السُّرَّاقِ" 2.
قُلْتُ: "فكَيْفَ لَوْ رَأَى زَمَانَنَا، وَإِقْدَامَ مَنْ لا عِلْمَ عِنْدَهُ عَلَى الْفُتْيَا، مَعَ قِلَّةِ خِبْرَتِهِ، وَسُوءِ سِيرَتِهِ 3، وَشُؤْمِ سَرِيرَتِهِ! وَإِنَّمَا قَصْدُهُ السُّمْعَةُ وَالرِّيَاءُ، وَمُمَاثَلَةُ الْفُضَلاءِ وَالنُّبَلَاءِ، وَالْمَشْهُورِينَ الْمَسْتُورِينَ، وَالْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ، وَالْمُتبَحِّرِينَ السَّابِقِينَ، وَمَعَ هَذَا، فَهُمْ يُنْهَوْنَ فَلا 4 يَنْتَهُونَ، [وَيُنْبَّهُونَ فَلَا يَنْتَبِهُونَ] 5، قَدْ أُمْلِيَ لَهُمْ بِانْعِكَافِ الْجُهَّالِ عَلَيْهِمْ، وَترَكُوا مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَمَا عَلَيْهِمْ.
فَمَنْ أَقْدَمَ عَلَى مَا لَيْسَ لَهُ أَهْلًا مِنْ فُتْيَا، أَوْ قَضَاءٍ، أَوْ تَدْرِيسٍ؛ أَثِمَ.
فَإِنْ [كَانَ] 6 أَكْثَرَ مِنْهُ، وَأَصَرَّ 7 وَاسْتَمَرَّ؛ فَسَقَ، وَلَمْ يَحِلَّ قَبُولُ قَوْلِهِ، وَلا فُتْيَاهُ، وَلا قَضَاؤُهُ.
هَذَا حُكْمُ دِينِ الإِسْلَامِ، [وَالسَّلامِ] 8، وَلا اعْتِبَارَ بِمَنْ خَالفَ هَذَا الصَّوَابَ،
فإِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ".
وَقَدْ قَال ابْنُ دَاوُدَ 1 وَغَيْرُهُ: "إِنَّ الشَّافِعِيَّ شَرَطَ فِي الْمُفْتِي وَالْقَاضِي شُرُوطًا لَا تُوجَدُ إِلَّا فِي الأَنْبِيَاءِ" 2.
وَقَال بَعْضُ أَصْحَابِهِ: "شَرَطَ الشَّافِعِيُّ فِيهِمَا شُرُوطًا تَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ حَاكِمٌ" 3.
وَكَتَبَ سَلْمَانُ 4 إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ: "بَلَغَنِي أَنَّكَ قَعَدْتَ طَبِيبًا؛ فَاحْذَرْ أَنْ تَقْتُلَ مُسْلِمًا" 5.
وَتَحْرُمُ الْفَتْوَى 1 عَلَى الْجَاهِل بمَا يَسْأَلُ عَنْهُ؛ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْحَدِيثِ 2، وَإِنْ كَانَ عَارِفًا بِغَيْرِهِ.
وَقَال سُفْيَانُ 3: "أَدْرَكْتُ الْفُقَهَاءَ وَهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِي الْمَسَائِلِ وَالفُتْيَا، حَتَّى لَا يَجِدُوا بُدًّا مِنْ أَنْ يُفْتُوا" 4.
وَقَال: "أَدْرَكْتُ الْعُلَمَاءَ وَالْفُقَهَاءَ يَترادُّونَ الْمَسَائِلَ، يَكْرَهُونَ أَنْ يُجِيبُوا فِيهَا، فَإِذَا أُعْفُوا 5 مِنْهَا كَانَ أحَبَّ إِلَيْهِمْ" 6.
وَقَال: "أَعْلَمُ النَّاسِ بِالْفُتيَا أَسْكَتُهُمْ عَنْهَا، وَأَجْهَلُهُمْ بِهَا أَنْطَقُهُمْ فِيهَا" 7.
بَاب
ُ صِفَةِ الْمُفْتِي، وَشُرُوطِهِ،
وَأَحْكَامِهِ، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ
وَمنْ [صِفَتِهِ وَشُرُوطِهِ] 1: أَنْ يَكُونَ:
- مُسْلِمًا.
- مُكَلَّفًا.
- عَدْلًا 2.
- فَقِيهًا.
- مُجْتَهِدًا.
- يَقِظًا.
- صَحِيحَ الذِّهْنِ وَالفِكْرِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الْفِقْهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ 3. أَمَّا اشْتِرَاطُ إِسلامِهِ، وَتَكْلِيفِهِ، وَعَدَالتِهِ؛ فَبِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يُخْبِرُ عَنِ اللهِ - تَعَالى - بِحُكْمِهِ، فَاعْتُبِرَ إِسْلَامُهُ، وَتَكْلِيفُهُ، وَعَدَالتُهُ، لِتَحْصُلَ الثِّقَةُ بِقَوْلِهِ، وَيُبْنَى عَلَيْهِ، كَالرِّوَايَةِ وَالشَّهَادَةِ.
فَصْلٌ وَالْعَدْلُ:
- مَنِ اسْتَمَرَّ عَلَى فِعْلِ الْوَاجِبِ، وَالْمَنْدُوبِ، وَالصِّدْقِ.
- وَتَرْكِ الْحَرَامِ، وَالْمَكْرُوهِ، وَالْكَذِبِ.
- مَعَ حِفْظِ 1 مُرُوءَتِهِ.
- وَمُجَانبَةِ الرَّيْبِ وَالتُّهَمِ، بِجَلْبِ نَفْعٍ وَدَفْعِ ضَرَرٍ 2.
فَإِنْ كَانَ هَذَا وَصْفَهُ ظَاهِرًا، وَجُهِلَ بَاطِنُهُ؛ فَفِي كَوْنِهِ عَدْلًا خِلافٌ.
وَظَاهِرُ مَذْهَبِنَا: أَنهُ لَيْسَ عَدْلًا، كَمَا لَوْ عُلِمَ أَنَّ بَاطِنَهُ بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ.
وَعَلَى كِلَا الْقَوْلَيْنِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ مَنْ يَقُولُ 3 عَلَى اللهِ وَعَلَى 4 رَسُولِهِ، أَوْ غَيْرِهِمَا، أَوْ جَازَفَ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، مَعَ إِثْمِهِ بِذَلِكَ، وَإِسْقَاطِ 5 مُرُوءَتِهِ.
وَتَفْصِيلُ ذَلِكَ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ 6.
[وَبِالْجُمْلَةِ] 1:
كُلُّ مَا يَأْثَمُ بِفِعْلِهِ مَرَّةً: يَفْسُقُ بِفِعْلِهِ ثَلَاثًا.
وَإِنْ كَانَ كَبِيرَةً: فَمَرَّةً.
وَكُلُّ مَا أَسْقَطَ الْمُرُوءَةَ: أَسْقَطَ الْعَدَالةَ إِذَا كَثُرَ، وَإِنْ لَمْ يَأْثَمْ بِهِ.
فَصْلٌ
فَأَمَّا الْفَقِيهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَهُوَ: "مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةٌ تَامَّةٌ، يُمْكِنُهُ أَنْ يَعْرِفَ الْحُكْمَ بِهَا إِذَا شَاءَ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ جُمْلَةً كَثِيرَة عُرْفًا مِنْ أُمَّهَاتِ مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْفُرُوعِيَّةِ 1 الْعَمَلِيَّةِ، بِالاِجْتِهَادِ وَالتَّأَمُّلِ، وَحُضُورِهَا عِنْدَهُ".
فَكُلُّ 2 فَقِيهٍ حَقِيقَةً مُجْتَهِدٌ قَاضٍ 3؛ لِأَنَّ 4 الاجْتِهَادَ: بَذْلُ الْجَهْدِ وَالطَّاقَةِ فِي طَلَبِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِدَلِيلِهِ 5، وَكُلُّ مُجْتَهِدٍ أُصُوليٌّ 6؛ فَلِهَذَا 7 كَانَ عِلْمُ أُصُولِ الْفِقْهِ فَرْضًا عَلَى الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: "أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ" 8.
وَقَال الْعَالِمِيُّ الْحَنَفِيُّ 9: "إِنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى مَنْ أَرَادَ الاِجْتِهَادَ وَالْفَتْوَى
وَالْقَضَاءَ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى غَيْرِهِمْ" 1. وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللهُ - تَعَالى -.
وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، كَالْفِقْهِ 2.
قُلْتُ: "نَحْمِلُهُ عَلَى غَيْرِ الثَّلَاثَةِ 3 ".
وَلِأَنَّ بِهِ يُعْرَفُ الدَّلِيلُ، وَالتَّعْلِيلُ، وَالصَّحِيحُ، وَالْفَاسِدُ، وَالْعَلِيلُ 4، وَالنَّبِيلُ، وَالرَّذِيلُ، وَكَيْفِيَّةُ الاسْتِدْلَالِ، وَالاسْتِنْبَاطُ، وَالْإِلْحَاقُ، وَالاجْتِهَادُ، وَالْمُجْتَهِدُ، وَالْفَتْوَى، وَالْمُفْتِي، وَالْمُسْتَفْتِي، وَمَنْ يَجُوزُ لَهُ الاجْتِهَادُ وَالْفَتْوَى، أَوْ يَجِبَانِ عَلَيْهِ، أَوْ يَحْرُمَانِ، أَوْ يَنْدُبَانِ لَهُ، وَمَنْ يَلْزَمُهُ التَّقْلِيدُ، أَوْ يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ أَوْ يَمْتَنِعُ.
وَمَنْ جَهِلَهُ 5؛ كَانَ حَاكِيَ فِقْهٍ، وَفَرْضُهُ التَّقْلِيدُ.
وَقَدْ أوْجَبَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ تَقْدِيمَ مَعْرِفَتِهِ عَلَى الْفُرُوعِ 6.
وَلِهَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي 7، وَابنُ أَبِي مُوسَى 8، وَابْنُ البَنَّا 9، وَأَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ فِي أَوَائِلِ كُتُبِهِمْ الْفُرُوعِيَّةِ.
وَقَال أَبُو الْبَقَاءِ الْعُكْبَرِيُّ: "أَبْلَغُ مَا تُوصَلُ بِهِ إِلَى إِحْكَامِ الْأَحْكَامِ 1؛ إِتْقَانُ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَطَرَفٍ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ" 2. لَكِنَّ الْقَاضِيَ أَوْجَبَ تَقْدِيمَ الْفُرُوعِ؛ لِتَحْصُلَ 3 [الدُّرْبَةُ وَ] 4 الْمَلَكَةُ 5. وَهُوَ أَوْلَى إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-.
فَصْلٌ
فَأَمَّا الْمُجْتَهِدُ مُطْلَقًا فَهُوَ: "مَنْ حَفِظَ وَفَهِمَ 1 أَكْثَرَ الْفِقْهِ، وَأُصوُلَهُ، وَأَدَلَّتَهُ فِي مَسَائِلِهِ، [فَهُوَ مُجْتَهِدٌ] 2 إِذَا كَانَتْ 3 لَهُ أَهْلِيَّةٌ تَامَّةٌ يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الشَّرْعِ فِيهَا بِالدَّلِيلِ، وَسَائِرِ الْوَقَائِعِ إِذَا شَاءَ".
فَإِنْ كَثُرَتْ إِصَابَتُهُ؛ صَلَحَ -مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ- أَنْ يُفْتِيَ وَيَقْضِيَ، وَإِلَّا فَلَا.
فَصْلٌ وَالْمُجْتَهِدُ أَرْبَعَةُ أقْسَامٍ:
- مُجْتَهِدٌ مُطْلَقٌ.
- وَمُجْتَهِدٌ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، أَوْ فِي مَذْهَبِ إِمَامِ غَيْرِهِ.
- وَمُجْتَهِدٌ فِي نَوْعٍ مِنَ الْعِلْمِ.
- وَمُجْتَهِدٌ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْهُ، أَوْ مَسَائِلَ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ المُجْتهِد المُطْلَقُ
وَهُوَ: "الَّذِي -ذَكَرْنَاهُ آنِفًا 1 - إِذَا اسْتَقَلَّ بِإدْرَاكِ الأْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الأْدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ، وَأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ مِنْهَا، مَعَ حِفْظِهِ لِأَكْثَرِ الْفِقْهِ، وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ".
وَقِيلَ 2: "لَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهُ لِفُرُوعِ الْفِقْهِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ الاِجْتِهَادِ".
وَفِيهِ بُعْدٌ.
وقِيلَ 3: "يُشْتَرَطُ فِيمَنْ يَتَأَدَّى بِفَتْوَاهُ فَرْضُ الْكِفَايَةِ".
وَمِنْ شَرْطِهِ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَحْكَامِ، وَحَقِيقَةَ ذَلِكَ وَمَجَازَهُ، وَأَمْرَهُ وَنَهْيَهُ، وَمُجْمَلَهُ وَمُبَيِّنَهُ، وَمُحْكَمَهُ وَمُتَشَابِهَهُ، وَخَاصَّهُ وَعَامَّهُ، وَمُطْلَقَهُ وَمُقَيَّدَهُ، وَنَاسِخَهُ وَمَنْسُوخَهُ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَصَحِيحَ السُّنَّةِ مِنْ ذَلِكَ وَسَقِيمَهَا، وَمُتَوَاتِرَهَا 4 وَاحَادَهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُسْنَدَهَا، وَمُتَّصِلَهَا وَمُنْقَطِعَهَا، وَيَعْرِفَ الْوِفَاقَ وَالْخِلَافَ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَالْأَدِلَّةَ وَالشُّبَهَ 5 وَالْفَرْقَ بَيْنَهُمَا، وَالْقِيَاسَ وَشُرُوطَهُ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ، وَالْعَرَبِيَّةَ
الْمُتَداوَلَةَ بالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالشَّامِ وَالْعِراقِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْعَرَبِ 1.
وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِبَعْضِ ذَلِكَ؛ لِشُبْهَةٍ أَوْ إِشْكَالٍ، لَكِنْ يَكْفِيهِ مَعْرِفَةُ وُجُوهِ دَلَالةِ الْأَدِلَّةِ، وَكَيْفِيَّةِ 2 أَخْذِ الأْحْكَامِ مِنْ لَفْظِهَا وَمَعْنَاهَا.
وَهَلْ يُشْترطُ مَعْرِفَةُ الْحِسَابِ وَنَحْوِهِ فِي الْمَسَائِلِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَيْهِ؟ فِيهِ خِلَافٌ 3.
وَمِنْ زَمَنٍ طَوِيلٍ عُدِمَ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ، مَعَ أَنَّهُ الْآنَ أَيْسَرُ مِنْهُ فِي الزَّمَنِ الأوَّلِ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ وَالْفِقْهَ قَدْ دُوِّنَا، وَكَذَا مَا تتَعلَّقُ بِالاِجْتِهَادِ مِنَ الْآيَاتِ، وَالْآثَارِ، وَأُصُولِ الْفِقْهِ، وَالْعَرَبِيَّةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لَكِنَّ 4 الْهِمَمَ قَاصِرَةٌ، وَالرَّغَبَاتِ فاتِرَةٌ، وَنَارَ الْجَدِّ وَالْحَذَرِ خَامِدَةٌ، [وَعَيْنَ الْخَشْيَةِ وَالْخَوْفِ جَامِدَةٌ] 5؛ اكتِفاءً بِالتَّقْلِيدِ، وَاسْتِعْفَاءً مِنَ التَّعَبِ الْوَكِيدِ، وَهَرَبًا مِنَ الْأَثْقَالِ، وَأَرَبًا فِي تَمْشِيةِ الْحَالِ، وَبُلُوغِ الْآمَالِ، وَلَوْ بِأَقَلِّ الْأعْمَالِ.
وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، قَدْ أهْمَلُوهُ وَمَلُّوهُ، وَلَمْ يَعْقِلُوهُ لِيَفْعَلُوهُ.
وَقِيلَ 1: "الْمُفْتِي هُوَ: مَنْ تَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ عَلَى يُسْرٍ 2 مِنْ غَيْرِ تَعَلُّمٍ آخَرَ" 3.
الْقِسْمُ الثّانِي مُجْتَهِدٌ فِي مَذهَبِ إِمَامِهِ، أَوْ إِمَامِ غَيْرِهِ
وَأَحْوَالهُ أرْبَعَةٌ:
الْحَالةُ الْأُولَى:
أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُقَلِّدٍ لِإِمَامِهِ فِي الْحُكْمِ وَالدَّلِيلِ، لَكِنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ فِي الاِجْتِهَادِ وَالفَتْوَى، وَدَعَا إِلَى مَذْهَبِهِ، وَقَرَأَ كَثِيرًا مِنْهُ عَلَى أَهْلِهِ؛ فَوَجَدَهُ صَوَابًا، وَأوْلَى مِنْ غَيْرِهِ، وَأَشَدَّ مُوَافَقَةً فِيهِ وَفِي طَرِيقِهِ.
وَقَدِ ادَّعَى هَذَا مِنَّا [الْقَاضِي أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ] 1 فِي "شَرْحِ الإِرْشادِ" 2 الَّذِي لَهُ، وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى، وَغَيْرُهُمَا.
وَمِنَ 3 الشَّافِعِيَّةِ خَلْقٌ كَثِيرٌ 4.
وَاخْتَلَفَتِ 5 الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ فِي أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْمُزَنِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ؛ هَلْ كَانُوا مُجْتَهِدِينَ مُسْتَقِلِّينَ أَوْ فِي مَذْهَبِ الْإِمَامَيْنِ؟ 6
وَفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ الْمَذْكُورِ؛ كَفَتْوَى الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، فِي الْعَمَلِ بِهَا، وَالاِعْتِدَادِ بِهَا فِي الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ 1.
فَصْلٌ
وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: "إِذَا كَانَ رَجُلٌ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامٍ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَقِلًّا بِالْفَتْوَى [فِيهِ] 1 عَنْ نَفْسِهِ، فَهَلْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ بِقَوْلِ ذَلِكَ الْإِمَامِ؟
عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، وَيَكُونُ مُتَّبِعُهُ مُقَلَّدًا لِلْمَيِّتِ لَا لَهُ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ؛ لِأَنَّهُ مُقَلِّدٌ لَهُ، لَا لِلْمَيِّتِ، وَالسَّائِلُ إِنَّما أَرَادَ الاسْتِفْتَاءَ عَلَى قَوْلِ الْمَيِّتِ" 2.
وَالأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ مُسْتَفْتِيَهُ عَمِلَ بِقَوْلِ الْمَيِّتِ الَّذِي عَرَفَ الْمُفْتِي صِحَّتَهُ بِالدَّلِيلِ، فَقَدْ وَافَقَهُ [فِيهِ] 3؛ فَصَحَّتْ فُتْيَاهُ.
وَإِنْ مَنَعْنَا تَقْلِيدَ الْمَيِّتِ - فِي وَجْهٍ لَنَا بَعِيدٍ وَمَذْهَبٍ لِغَيْرِنَا ضَعِيفٍ-؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا، وَجَدَّدَ النَّظَرَ عِنْدَ حُدُوثِ الْمَسْأَلةِ حِينَ الْفَتْوَى -وَفِي وُجُوبِهِ 4 مَذْهَبَانِ، سَنَذْكُرُهُمَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالى-[؛ فَلَا يُفْتِي السَّائِلَ.
وَفِيهِ ضَعْفٌ.
وَعَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْفَتْوَى أَدْرَكْنَا الْأَئِمَّةَ الَّذِينَ يُرْجَعُ إِلَيْهِمْ فِي الفُتْيَا] 5.
الْحَالةُ الثَّانِيةُ:
أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ، مُسْتَقِلًّا بِتَقْرِيرِهِ بِالدَّلِيلِ، لَكِنْ لَا يَتَعَدَّى أُصُولَهُ وَقَوَاعِدَهُ، مَعَ إِتْقَانِهِ لِلفِقْهِ وَأُصُولِهِ، وَأَدِلَّةِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ، عَارِفًا 1 بِالقِيَاسِ وَنحْوِهِ، تَامَّ الرِّيَاضَةِ، قَادِرًا عَلَى التَّخْرِيجِ وَالاسْتِنْبَاطِ، وَإِلْحَاقِ الفُرُوعِ بِالْأُصُولِ وَالقَواعِدِ الَّتِي لإمَامِهِ.
وَقِيلَ 2: "وَلَيْسَ مِنْ [شَرْطِهِ: مَعْرِفَةُ هَذَا] 3 عِلْمَ الْحَدِيثِ، وَاللُّغَةَ، وَالْعَرَبِيَّةَ؛ لِكَوْنِهِ يَتَّخِذُ نُصُوصَ 4 إِمَامِهِ أُصُولًا يَسْتَنْبِطُ مِنْهَا الأْحْكَامَ؛ كَنُصُوصِ الشَّارِعِ، وَقَدْ يَرَى حُكْمًا ذَكَرَهُ إِمَامُهُ بِدَليلٍ، فَيَكْتَفِي بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَحْيثٍ عَنْ مُعَارِضٍ أَوْ غَيْرِهِ".
وَهُوَ بَعِيدٌ.
وَهَذَا شَأْنُ أَهْلِ الْأَوْجُهِ وَالطُّرُقِ فِي الْمَذَاهِبِ، وَهُوَ حَال أَكْثَرِ عُلَمَاءِ الطَّوَائِفِ الْآنَ.
فَمَنْ عَمِلَ بِفُتْيَا هَذَا؛ فَقَدْ قَلَّدَ إِمَامَهُ دُونَهُ؛ لِأَنَّ مُعَوَّلَهُ عَلَى صِحَّةِ إِضَافَةِ مَا يَقُولُ إِلَى إِمَامِهِ؛ لِعَدَمِ اسْتِقْلَالِهِ بِتَصْحِيحِ نِسْبَتِهِ إِلَى الشَّارعِ بِلَا وَاسِطَةِ إِمَامِهِ.
وَالظَّاهِرُ: مَعْرِفتهُ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثٍ وَلُغَةٍ وَنَحْوٍ.
وَقِيلَ 5: "إِنَّ فَرْضَ الْكِفَايةِ لَا يَتَأَدَّى بِهِ؛ لَأَنَّ تَقْلِيدَهُ نَقْصٌ وَخَلَلٌ فِي الْمَقْصُودِ".
وَقِيلَ 1: "يَتَأَدَّى بِهِ فِي الفَتْوَى، لَا فِي إِحْيَاءِ الْعُلُومِ الَّتِي تُسْتَمَدُّ مِنْها الفَتْوَى؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَامَ فِي فَتْوَاهُ مَقَامَ إِمَامٍ مُطْلَقٍ، فَهُوَ يُؤَدِّي عَنْهُ مَا كَانَ يَتَأَدَّى بِهِ الْفَرْضُ حِينَ كَانَ حَيًّا قَائِمًا بِالفَرْضِ مِنْهَا".
وَهَذَا عَلَى الصَّحِيحِ فِي جَوَازِ تَقْلِيدِ الْمَيِّتِ.
ثُمَّ قَدْ يُوجَدُ مِنَ الْمُجْتَهِدِ الْمُقَيَّدِ اسْتِقْلالٌ بِالاِجْتِهَادِ وَالفَتْوَى فِي مَسْألَةٍ خَاصَّةٍ أَوْ بَابٍ خَاصٍّ.
وَيَجُوزُ 2 لَهُ أَنْ يُفْتِيَ فِيمَا لَمْ يَجِدْهُ مِنْ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ عَنْ إِمَامِهِ لِمَا 3 يُخْرِّجُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
وَعَلَى هَذَا الْعَمَلُ، وَهُوَ أَصَحُّ.
فَالْمُجْتَهِدُ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ -مَثَلًا- إِذَا أَحَاطَ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ، وَتَدَرَّبَ فِي مَقَايِيسِهِ وَتَصَرُّفَاتِهِ؛ تَنَزَّلَ مِنَ الْإِلْحَاقِ بمَنْصُوصَاتِهِ وَقَوَاعِدِ مَذْهَبِهِ مَنْزِلَةَ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ فِي إِلْحَاقِهِ مَا لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الشَّارِعُ بِمَا نَصَّ عَلَيْهِ.
وَهَذَا أَقْدَرُ عَلَى ذَا مِنْ ذَاكَ [عَلَى ذَاكَ] 4، فَإِنَّهُ يَجِدُ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ قَوَاعِدَ مُمَهَّدَةً، وَضَوَابِطَ مُهَذَّبَةً، مَا لَا يَجِدُهُ 5 الْمُسْتَقِلُّ 6 فِي أُصُولِ الشَّرْعِ 7 وَنُصُوصِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ [الإِمَامُ] 1 أَحْمَدُ -رضي الله عنه- عَمَّنْ يُفْتِي بِالْحَدِيثِ، هَلْ لَهُ ذَلِكَ 2 إِذَا حَفِظَ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ؟
فَقَال: "أَرْجُو".
فَقِيلَ لِأَبِي إِسْحَاقَ ابْنِ شَاقْلَا: فَأَنْتَ تُفْتِي، وَلَسْتَ تَحْفَظُ هَذَا القَدْرَ؟
فَقَال: "لَكِنِّي أُفْتِي بِقَوْلِ مَنْ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ" يَعْنِي الإِمَامَ أَحْمَدَ 3.
ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَفْتِيَ -فِيمَا يُفْتِيهِ بِهِ مِنْ تَخْرِيجِهِ هَذَا- مُقَلِّدٌ لِإمَامِهِ لَا لَهُ.
وَقِيلَ: "مَا يُخَرِّجُهُ أَصْحَابُ الْإِمَامِ عَلَى مَذْهَبِهِ، هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُنْسَبَ 4 إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ مَذْهَبُهُ؟ "
فِيهِ لَنَا وَلِغَيرِنَا خِلَافٌ وَتَفْصِيلٌ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ فِي مَذْهَبِ إِمَامِهِ هُوَ: "الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى أَقْوَالِهِ، كَمَا يَتَمَكَّنُ الْمُجْتَهِدُ الْمُطْلَقُ مِنَ التَّفْرِيعِ عَلَى [كُلِّ] 5 مَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَدَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَوِ 6 السُّنَّةُ أَوِ الاسْتِنْبَاطُ".
ولَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يُفْتِيَ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيمَا يُفْتِي بِهِ، بِحَيْثُ يَحْكُمُ فِيمَا يَدْرِي، وَيَدْرِي أَنَّهُ يَدْرِي، بَلْ قَدْ يَجْتَهِدُ الْمُجْتَهِدُ فِي الْقِبْلَةِ، وَيَجْتَهِدُ العَامِّيُّ فِيمَنْ يُقَلِّدُهُ وَيَتَّبِعُهُ.
ثُمَّ تَخْرِيجُهُ تَارَةً يَكُونُ مِنْ نَصٍّ مُعَيَّنٍ لِإِمَامِهِ فِي مَسْأَلَةٍ مُعَيِّنَةٍ، وَتَارَةً لَا يَجِدُ لِإِمَامِهِ نَصًّا مُعَيَّنًا [يُخَرِّجُ مِنْهُ] 1؛ فَيُخَرِّجُ عَلَى وَفْقِ أُصُولِهِ وَقَوَاعِدِهِ، بِأَنْ يَجِدَ 2 دَلِيلًا مِنْ جِنْسِ مَا يَحْتَجُّ بِهِ إِمَامُهُ، وَعَلَى شَرْطِهِ، فَيُفْتِيَ بِمُوجَبِهِ.
وَجَعْلُ هَذَا مَذْهَبًا لِإِمَامِهِ بَعِيدٌ.
ثمَّ إِنْ وَقَعَ النَّوْعُ الْأَوَّلُ مِنَ التَّخْرِيجِ فِي صُورَةٍ فِيهَا نَصٌّ رمَامِهِ مُخَرَّجًا 3 -هُوَ فِيهَا بِخِلَافِ نَصِّهِ فِيهَا- مِنْ نَصٍّ آخَرَ فِي 4 صُورَةٍ أُخْرَى، سُمِّيَ 5: "قَوْلًا مُخَرَّجًا 6 "؛ كَنَصِّهِ عَلَى حُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ 7 فِي وَقْتَيْنِ، فَيُخَرِّجُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ فِي الْأُخْرَى، فَيَكُونُ لَهُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ قَوْلَانِ: قَوْلٌ مَنْصُوصٌ، وَقَوْلٌ مُخَرَّجٌ.
وَإِنْ قُلْنَا: "الْأَوَّلُ مِنْ قَوْلَيْهِ [فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ] 8 لَيْسَ مَذْهَبًا لَهُ"؛ لَمْ يَجُزِ
النَّقْلُ وَالتَّخْرِيجُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الْمُتَأَخِّرَةِ.
[وَيَجُوزُ عَكْسُهُ.
هَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ وَأَصْحَابِنَا.
وَفِي جَوَازر خِلافٌ وَتَفْصِيلٌ نَذْكُرُهُ آنِفًا.
وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ يُطْلِقُونَ النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَيَلْزَمُ التَّخْرِيجُ مِنَ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ إِلَى الْمُتَأَخِّرَةِ] 1؛ فَيَكُونُ الْقَدِيمُ مَذْهَبًا، وَالْجَدِيدُ لَيْسَ مَذْهَبًا.
وَإِذَا وَقَعَ النَّوْعُ الثَّانِي فِي صُورَةٍ قَدْ قَال فِيهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ غَيْرَ ذَلِكَ، سُمِّيَ [ذَلِكَ] 2: "وَجْهًا" لِمَنْ خَرَّجَهُ، وَيُقَال: "فِيهَا وَجْهَانِ".
وَقَدْ يُخَرِّجُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ خِلَافَ نَصِّ الْإِمَامِ فِيهَا، عَلَى مَا يَرَاهُ دَلِيلًا مِنْ جِنْسِ أَدِلَّةِ الْإِمَامِ.
وَذَلِكَ بَيْنَ أَصْحَابِنَا كَثِيرٌ، وَالْخِلَافُ هُنَا اصْطِلَاحٌ لَفْظِيٌّ.
وَشَرْطُ التَّخْرِيجِ الْمَذْكُورِ أَوَّلًا عِنْدَ اخْتِلافِ النَّصَّيْنِ: أَلَّا يُوجَدَ بَيْنَ الْمَسْأَلتَيْنِ فَرْقٌ مُؤَثِّرٌ 3، وَلَا يَكُونَ الْإِمَامُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا، أَوْ كَانَ زَمَنُ الْقَوْلَيْنِ قَرِيبًا.
وَلَا حَاجَةَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إِلَى عِلَّةٍ جَامِعَةٍ، وَهُوَ كَإِلْحَاقِ الْأَمَةِ بِالْعَبْدِ فِي الْعِتْقِ.
وَمَتَى أَمْكَنَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْأَلتَيْنِ؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ -عَلَى الأصَحِّ- التَّخَريجُ، وَلَزِمَهُ تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا لِلْفَارِقِ الْمُؤَثِّرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَوْلِ بِالتَّخْرِيجِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي إِمْكَانِ الفَرْقِ 1 وَتَمَامُ ذَلِكَ يَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-.
الْحَالةُ الثَّالِثَةُ:
أَلَّا يَبْلُغَ بِهِ رُتْبَةَ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ 1، أَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ، غَيْرَ أَنّهُ فَقِيهُ النَّفْسِ، حَافِظٌ لِمَذْهَبِ إِمَامِهِ، عَارِفٌ بِأَدِلَّتِهِ، قَائِمٌ بِتَقْرِيرِهِ وَنُصْرَتِهِ، يُصَوِّرُ، [ويُحَرِّرُ] 2، ويُمَهِّدُ، ويقَرِّرُ، ويزَيِّفُ، ويرَجِّحُ.
لَكِنَّهُ قَصَّرَ عَنْ دَرَجَةِ أُولِئَكَ:
- إِمَّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْ فِي حِفْظِ الْمَذْهَبِ مَبْلَغَهُمْ.
- وَإِمَّا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُتبَحِّرٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَنحْوِهِ، عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو مِثْلُهُ فِي ضِمْنِ مَا يَحْفَظُهُ مِنَ الْفِقْهِ، وَيَعْرِفُهُ مِنْ أَدِلِّتِهِ، عَنْ أَطْرَافٍ مِنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ وَنَحْوِهِ.
- وَإِمَّا لِكَوْنِهِ مُقَصِّرًا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي هِيَ أَدَوَاتُ الاجْتِهَادِ الْحَاصِلِ لِأَصْحَابِ الْوُجُوهِ وَالطُّرُقِ 3.
وَهَذِهِ صِفَةُ كَثِيرٍ مِنَ الْمُتَأخِّرِينَ الَّذِينَ رَتَّبُوا الْمَذَاهِبَ وَحَرَّرُوهَا، وَصَنَّفُوا فِيهَا تَصَانِيفَ بِهَا يَشْتَغِلُ النَّاسُ الْيَومَ غَالِبًا، وَلَمْ يَلْحَقُوا مَنْ يُخَرِّجُ الوُجُوهَ ويمَهِّدُ الطُّرُقَ فِي الْمَذَاهِبِ.
وَأَمَّا [فِي] 4 فَتَاوِيهِمْ: فَقَدْ كَانُوا يَتبَسَّطُونَ 5 فِيهَا كَتبَسُّطِ 6 أُولَئِكَ أَوْ نَحْوِهِ،
وَيَقِيسُونَ غَيْرَ الْمَنْقُولِ وَالْمَسْطُورِ [عَلَى الْمَنْقُولِ وَالْمَسْطُورِ فِي الْمَذْهَبِ، غَيْرُ مُقْتَصِرِينَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْقِيَاسِ الْجَلِيِّ وَقِيَاسِ لَا فَارِقَ] 1، نَحْوُ: قِيَاسُ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ فِي رُجُوعِ الْبَائِعِ إِلَى عَيْنِ مَالِهِ عِنْدَ تَعَذُّرِ الثَّمَنِ.
وَلَا تَبْلُغُ فَتَاوِيهِمْ فَتَاوَى أَصْحَابِ الْوُجُوهِ.
وَرُبَّمَا تَطَرَّقَ بَعْضُهُمْ إِلَى تَخْرِيجِ قَوْلٍ، وَاسْتِنْبَاطِ وَجْهٍ وَاحْتِمَالٍ 2.
وَفَتَاوِيهِمْ مَقْبُولَةٌ أَيْضًا 3.