بَابُ كَيْفِيَّةِ الاسْتِفْتَاءِ، وَالْفَتْوَى، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا
فَصْلٌ وَنَحْنُ نُمَهِّدُ [لَهُ] 1 طَرِيقًا سَهْلًا، فَنَقُوُل:
- لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ فِي ذَلِكَ مُجَرَّدَ التَّشَهِّي وَالْمَيْلِ إِلَى مَا وَجَدَ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَأَهْلَهُ، قَبْلَ تَأَمُّلِهِ وَالنَّظَرِ فِي صَوَابِهِ 2.
- وَلَيْسَ لَهُ التَّمَذْهُبُ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ وَحْدَهُ، أَوْ غَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانُوا أَعْلَمَ وَأَعْلَى دَرَجَةً مِمَّنْ بَعْدَهُمْ -مَعَ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابَةِ عِنْدَنَا حُجَّةٌ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ 3 -؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا [لِتَدْوِينِ] 4 الْعِلْمِ وَضَبْطِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ مَذْهَبٌ مُهذَّبٌ مُحَرَّرٌ مُقَرَّرٌ مُسْتَوْعِبٌ، وَإِنَّمَا قَامَ 5 بذَلِكَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ مِنَ الأَئِمَّةِ النَّاخِلِينَ لِمَذَاهِبِ 6 الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، الْقَائِمِينَ بِتَمْهِيدِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، النَّاهِضِينَ بِإِيضَاحِ أُصُولِهَا وَفُرُوعِهَا، وَمَعْرِفَةِ الْوِفَاقِ وَالْخِلَافِ، كَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحَمْدَ، وَأَمْثَالِهِمْ، فَإِنَّ اتِّفَاقَهُمْ نِعْمَةٌ تَامَّةٌ، وَاخْتِلَافَهُمْ رَحْمَةٌ عَامَّةٌ.
فَصْلٌ
وَلَمَّا كَانَ مِنَ اللَّازم الالْتزَامُ بِأَهْل الدِّين، وَعُلَمَاء الشَّريعَة الْمُبَرَّزينَ، وَأكَابِرِ الأئِمَّةِ المُتَّبِعِينَ الْمَتْبُوعِينَ، وَالْمَشْهُورِينَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ الْمُحِقِّينَ، [وَالْمُتَدَيِّنِينَ] 1 الْمُتَوَرِّعِينَ، وَالْمُوَفَّقِينَ الْمُسَدَّدِينَ الْمُرَشَّدِينَ.
وَكَانَ الْإِمَامُ الْعَالِمُ السَّالِكُ النَّاسِكُ الْكَامِلُ أَبُو عَبْدِ اللهِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ -رضي الله عنه- قَدْ تَأَخَّرَ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمَشْهُورَةِ 2، وَنَظَرَ فِي مَذَاهِبِهِمْ، وَمَذَاهِبِ مَنْ قَبْلَهُمْ، وَأَقَاوِيلِهِمْ، وَسَبَرَهَا [وخَبَرَهَا] 3 وَانتقَدَهَا، وَاخْتَارَ أَرْجَحَهَا وَأَصْلَحَهَا 4، وَوَجَدَ مَنْ قَبْلَهُ قَدْ كَفَاهُ مُؤْنَةَ التَّصْوِيرِ وَالتَّأصِيلِ وَالتَّفْصِيلِ، فتفَرَّغَ لِلِاخْتِيَارِ وَالتَّرْجِيحِ، وَالتَّنْقِيحِ وَالتَّكمِيلِ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى الصَّحِيحِ، مَعَ كَمَالِ آلَتِهِ، وَبَرَاعَتِهِ 5 فِي الْعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، وَتَرَجُّحِهِ عَلَى مَنْ سَبقَهُ، لِمَا يَأْتِي، ثُمَّ لَمْ يُوجَدْ بَعْدَهُ مَنْ بَلَغَ مَحَلَّهُ فِي ذَلِكَ؛ كانَ مَذْهَبُهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ بِالاِتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ.
وَهَذَا طَرِيقُ الإِنْصَافِ وَالسَّلامَةِ مِنَ الْقَدْحِ فِي بَعْضِ الأَئِمَّةِ.
وَقَدِ ادَّعَى الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَيْضًا، وَأنَّهُ أَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ 6.
وَنَحْنُ نَقُوُل: كَانَ [الْإِمَامُ] 1 أَحْمَدُ أَكْثَرَهُمْ عِلْمًا بالأْخْبَارِ، وَعَمَلًا بِالآثَارِ، وَاقْتِفَاءً لِلسَّلَفِ، وَاكْتِفَاءً بِهِمْ دُونَ الْخَلَفِ، وَهُوَ مِنْ أَجَلِّهِمْ قَدْرًا وَذِكْرًا، وَأَرْفَعِهِمْ مَنْزِلَةً وَشُكْرًا، وَأَسَدِّهِمْ طَرِيقَةً وَأَقْوَمِهِمْ سَطْرًا، [وَأَشْهَرِهِمْ] 2 دِيَانَةً وَصِيَانَةً وَأَمَانَةً وَأَمْرًا، وَأَعْلَمِهِمْ بَرًّا وَبَحْرًا، قَدِ اجْتَمَعَ لَهُ مِنَ الْعِلْمِ، وَالْعَمَلِ، وَالدِّين، وَالْوَرَعِ، وَالاتِّبَاعِ، وَالْجَمْعِ، وَالاطِّلَاع، وَالرِّحْلَةِ، وَالْحِفْظِ، وَالْمَعْرِفَةِ، وَالشُّهْرَةِ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَنَحْوِهِ، مَا لَمْ يَجْتَمِعْ مِثْلُهُ لِإنْسَانٍ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْأَمْصَارِ، وَأَهْلُ الْأَعْصَارِ وَإِلَى الْآنَ، وَاتَّفَقُوا عَلَى إِمَامَتِهِ، وَفَضِيلَتِهِ، وَاتِّبَاعِهِ لِمَنْ مَضَى بِإِحْسَانٍ، وَأنَّهُ إِمَامٌ فِي سَائِرِ عُلُومِ الدِّينِ، مَعَ الْإِكْثَارِ وَالْإِتْقَانِ، وإنَ أَوْلَى بِالاتِّبَاعِ، وَأَحْرَى بِالْبُعْدِ عَنِ الابْتِدَاعِ.
وَقَدْ صَنَّفَ النَّاسُ فِي فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ كُتُبًا كَثِيرَةً تَدُلُّ عَلَى إمَامَتِهِ وَرُجْحَانِهِ عَلَى غَيْرِهِ 3.
فَلِذَلِكَ وَنَحْوِهِ تَعَيَّنَ الْوُقُوفُ بِبَابِهِ، وَالانْتِمَاءُ إلَيْهِ، وَالاقْتِدَاءُ بِهِ، وَالاهْتِدَاءُ بِنُورِ صَوَابِهِ، وَالارْتِدَاءُ بِهَدْيِهِ فِي وُرُودِهِ وَإِيَابِهِ، وَالاقْتِفَاءُ لِمَطَالِبِهِ وَأَسْبَابِهِ، وَالاكْتِفَاءُ بِصُحْبَةِ أَصْحَابِهِ 4.
وَلِأَنَّ مَذْهَبَهُ مِنْ أَصَحِّ الْمَذَاهِبِ وَأَكْمَلِ، وَأَوْضَحِ الْمَنَاهِجِ وَأَجْمَلِ؛
لِكَثْرَةِ 1 أَخْذِهِ لَهُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مَعَ مَعْرِفَتِهِ بهمَا وَبِأَقْوَالِ 2 الأئِمَّةِ، وَأَحْوَالِ سَلَفِ الْأُمَّةِ، وَتَطَلُّعِهِ عَلَى عُلُومِ الإِسْلَامِ، وَتَظَلُّعِهِ 3 مِنَ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالأَحْكَامِ، وَدِينِهِ التَّامِّ 4، وَعِلْمِهِ الْعَامِّ، وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ مِنْ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ، وَشَهَادَتِهِمْ لَهُ بِالْإِمَامَةِ وَالتَّقَدُّمِ عَلَى أَكْثَرِ الْقُدَمَاءِ، وَإِطْنَابِهِمْ فِي مَدْحِهِ وَشُكْرِهِ، وَإِسْهَابِهِمْ 5 فِي نَشْرِ فَضْلِهِ وَذِكْرِهِ، وَلَمْ يَشُكُّوا فِي صِحَّةِ اعْتِقَادِهِ وَانْتِقَادِهِ، وَأَنَّ الثِّقَةَ 6 تَحْصُلُ بِإِخْبَارِهِ، وَالنَّفْرَةَ بِإِنْكَارِهِ، وَالْعِبْرَةَ بِاعْتِبَارِهِ، [وَالْخِبْرَةَ بِاخْتِبَارِهِ] 7، وَالْخِيرَةَ لِاخْتِيَارِهِ 8، بَلْ يَرْجِعُونَ فِي دِينِهِمْ إِلَيْهِ، وَيُعَوِّلُونَ عَلَيْهِ، وَيَرْضَوْنَ [بمَا يُنْسَبُ] 9 إِلَيْهِ، وَلَوْ كُذِبَ عَلَيْهِ.
فَلِلَّهِ الْحَمْدُ إِذْ 10 وَفَّقَنَا لِاتِّبَاعِ مَذْهَبِهِ 11، وَالابْتِدَاءِ بتَحْصِيلِهِ وَطَلَبهِ، وَالانْتِهَاءِ إِلَى الرِّضَا [بِهِ؛ لِصِحَّةِ] 12 مَطْلَبِهِ.
وَهَذَا وَأَمْثَالهُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ، وَنُقْطَةٌ مِنْ بَحْرٍ غَزِيرٍ.
وَالْغَرَضُ: الْحَثُّ عَلَى اتِّبَاعِهِ، وَمَعْرِفَةِ ارْتفَاعِهِ 1 فِي الْعُلُومِ، وَاتِّسَاعِ بَاعِهِ.
فَرَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ، وَجَعَلَنَا مِنْ تُبْاعِهِ 2، وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَةِ أَتْبَاعِهِ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةً مِنْ مَنَاقِبِهِ 3، وَكَلَامِ الْعُلَمَاءِ فِي مَدْحِهِ وَإِمَامَتِهِ فِي كُتُبٍ أُخَرَ 4.
وَلَوْ لَمْ يَقُلْ فِيهِ النَّاسُ سِوَى مَا نَذْكُرُهُ الْآنَ؛ لَكَانَ فِيهِ أَبْلَغَ غَايَةٍ، وَأَنْهَى نِهَايَةٍ، وَفِي بَعْضِهِ كِفَايَةٌ.
قَال الشَّافِعِيُّ [-رضي الله عنه-] 5: "أَحْمَدُ إمَامٌ فِي ثَمَانِ خِصَالٍ: إِمَامٌ فِي الْحَدِيثِ، إِمَامٌ فِي الْفِقْهِ، إِمَامٌ فِي الْقُرْآنِ، إِمَامٌ فِي اللُّغَةِ، إِمَامٌ فِي السُّنَّةِ، إِمَامٌ فِي الزُّهْدِ، إِمَامٌ فِي الْوَرَعِ، إِمَامٌ فِي الْفَقْرِ" 6.
وَقَال [أَيْضًا] 7: "خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ، وَمَا خَلَّفْتُ بِهَا أَوْرَعَ، وَلَا أَتْقَى،
وَلَا أَفْقَهَ، وَلَا أَعْلَمَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ" 1. وَقَال لأحْمَدَ: "أَنْتُمْ أَعْلَمُ مِنَّا بِالْحَدِيثِ، فَإِذَا كَانَ الْحَدِيثُ كُوفِيًّا أَوْ شَامِيًّا، فَأَعْلِمُونِي [بِهِ] 2 حَتَّى أَذْهَبَ إلَيْهِ" 3. وَقَال: "كُلُّ مَا فِي كُتُبِي "حَدَّثَنِي الثِّقَةُ" 4 فَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، [وَكُلُّ مَا فِي كُتُبِي "وَهَذَا مِمَّا يُثْبِتُهُ"، أَوْ "لَا يُثْبِتُهُ أَهْلُ الْعِلْمِ" فَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ] 5 " 6. وَقَال يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: " [وَاللهِ] 7 مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَفْقَهُ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، لَيْسَ فِي شَرْقٍ وَلَا غَرْبٍ مِثْلُهُ" 8. وقَال إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: "رَأَيْتُ أَحْمَدَ كَأَنَّ [اللهَ] 9 قَدْ جَمَعَ لَهُ عِلْمَ الأْوَّلِينَ
وَالْآخِرِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ، يَقُولُ مَا يَشَاءُ 1، [وَيَدَعُ مَا يَشَاءُ] 2. وَعَدَّ الأئِمَّةَ" 3. وَقَال: "كَانَ أَحْمَدُ أَفْقَهَ الْقَوْمِ" 4. وَقَال [أَبُو الْقَاسِمِ الْخُتَّلِيُّ] 5: "كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا سُئِلَ عَنِ الْمَسْأَلةِ 6 كَأَنَّ عِلْمَ الدُّنْيَا بَيْنَ عَيْنيهِ" 7. وَقَال الْخَلَّال: "كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إِذَا تَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ تَكَلَّمَ بِكَلَامِ رَجُلٍ قَدِ انْتَقَدَ الْعِلْمَ، فتكَلَّمَ عَلَى مَعْرِفَةٍ" 8. وَقَال أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ: "مَا رَأَيْتُ أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَحْفَظَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَلَا أَعْلَمَ بِفِقْهِهِ وَمَعَانِيهِ مِنْ أَحْمَدَ" 9.
وَقَال عَبْدُ الرَّزَّاقِ: "مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَل، وَلَا أَوْرَعَ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ، وَمَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِثْلُهُ" 1. قَال [أَبُو] 2 يَعْقُوبَ: " [وَمَا] 3 رُحِلَ إِلَى أَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَا رُحِلَ إِلَى عَبْدِ الرَّزَّاقِ" 4. وَقَال أَبُو عُبَيْدٍ 5: "انْتَهَى الْعِلْمُ إِلَى أَرْبَعَةٍ: عَلَيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ مَعِيْنٍ، وَأَبِي 6 بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، وَكَانَ أَحْمَدُ أَفْقَهَهُمْ [فِيهِ] 7 " 8. وَقَال قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ: "لَوْ أَدْرَكَ أَحْمَدُ عَصْرَ 9 الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالأْوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَنُظَرَائِهِمْ؛ لَكَانَ هُوَ الْمُقَدَّمُ" 10.
[قِيلَ: تَقِيسُ أَحْمَدَ إِلَى التَّابِعِينَ؟ فَقَال: "إِلَى كِبَارِ التَّابِعِينَ، كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ] 1 " 2. وَقَال: "أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إِمَامَا الدُّنْيَا" 3. وَقَال أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُدَ: "لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ أَحْمَدَ مِثْلُهُ" 4. وَقَال عَبْدُ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقُ: "كَانَ أَحْمَدُ أَعْلَمَ أَهْلِ زَمَانِهِ، وَهُوَ مِنَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ" 5. قَال: "وَقَدْ أَجَابَ عَنْ سِتِّينَ أَلْفَ مَسْأَلةٍ بِـ (أَخْبَرَنَا وَحَدَّثَنَا) " 6. وَقَال أَبُو ثَوْرٍ 7: "أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ" 8.
وَقَال: "كُنْتَ إِذَا رَأَيْتَهُ خُيِّلَ إِلَيْكَ أَنَّ الشَّرِيعَةَ لَوْحٌ بَيْنَ عَيْنيهِ" 1.
وَقَال إِسْحَاقُ 2: "أَنَا أَقِيسُ أَحْمَدَ [بْنَ حَنْبَلٍ] 3 إِلَى كِبَارِ التَّابِعِينَ؛ كَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَهُوَ حُجَّة بَيْنَ اللِه وَبَيْنَ عَبِيدِهِ 4 فِي أَرْضِهِ، وَلَا يُدْرَكُ فَضْلُهُ" 5.
وَقَال ابْنُ مَهْدِيٍّ: "لَقَدْ كَادَ هَذَا الْغُلَامُ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ" 6.
وَقَال أَبُو زُرْعَةَ: "كَانَ أَحْمَدُ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ".
قِيلَ: وَمَا يُدْرِيكَ؟ قَال: "ذَاكَرْتُهُ، فَأَخَذْتُ عَلَيْهِ الْأَبْوَابَ" 7.
وَقَال: "حَزَرْنَا اسْتِشْهَادَاتِ أَحْمَدَ فِي الْعُلُومِ فَوَجَدْنَاهُ يَحْفَظُ سَبْعَمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ فِيمَا 8 يَتَعَلَّقُ بِالأحْكَامِ" 9.
وَقَال: "مَا أَعْلَمُ فِي أَصْحَابِنَا أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَفْقَهَ مِنْهُ، وَمَا رَأَيْتُ أَكْمَلَ مِنْهُ، اجْتَمَعَ فِيهِ فِقْهٌ وَزُهْدٌ وَأَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالزُّهْدِ وَالْمَعْرِفَةِ وَكُلِّ خَيْرٍ، وَهُوَ أَحْفَظُ مِنِّي، وَمَا رَأَيْتُ مِنَ الْمَشَايخِ 1 الْمُحَدِّثِينَ أَحْفَظَ مِنْهُ" 2.
وَقَال عَبْدُ اللهِ بْنُ أَحْمَدَ: "كَانَ [أَبِي] 3 يُذَاكِرُ بِأَلْفَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ".
وَقَال مُهَنَّا: "مَا رَأَيْتُ أَجْمَعَ لِكُلِّ خَيْرٍ مِنْ أَحْمَدَ [بْنِ حَنْبَلٍ] 4، وَمَا رَأَيْتُ مِثْلَهُ فِي عِلْمِهِ وَفِقْهِهِ وَزُهْدِهِ ووَرَعِهِ" 5.
وَقَال الْهَيْثَمُ بْنُ جَمِيلٍ: "إِنْ عَاشَ هَذَا الْفَتَى سَيَكُونُ حُجَّةً عَلَى أَهْلِ زَمَانِهِ" 6.
وَقَال أَحْمَدُ: "رَحَلْتُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَالسُّنَّةِ إِلَى الثُّغُورِ، وَالشَّامَاتِ، وَالسَّوَاحِلِ، وَالْمَغْرِبِ، وَالْجَزَائِرِ 7، وَمَكَّةَ، وَالْمَدِينَةِ، وَالْحِجَازِ، وَالْيَمَنِ، وَالْعِرَاقَيْنِ جَمِيعًا،
وَفَارِسَ، وَخُرَاسَانَ، وَالْجِبَالِ، وَالْأَطْرَافِ، ثُمَّ عُدْتُ إِلَى بَغْدَادَ" 1.
وقَال: "اسْتَفَادَ مِنَّا الشَّافِعِيُّ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَفَدْنَا مِنْهُ" 2.
وَقَال أَبُو الْوَفَاءِ عَلِيُّ بْنُ عَقِيلٍ: "قَدْ خَرَجَ عَنْ أَحْمَدَ اخْتِيَارَاتٌ، بَنَاهَا عَلَى الْأَحَادِيثِ بِنَاءً لَا يَعْرِفُهُ أَكْثرهُمْ، وَخَرَجَ عَنْهُ 3 مِنْ دَقِيقِ الْفِقْهِ مَا لَيْسَ نرَاهُ 4 لِأحَدٍ مِنْهُمْ، وَانْفَرَدَ بِمَا سَلَّمُوهُ لَهُ مِنَ الْحِفْظِ، وَشَارَكَهُمْ، وَرُبَّمَا زَادَ عَلَى كِبَارِهِمْ" 5.
ولَهُ التَّصانِيفُ الْكَثِيرَةُ:
مِنْهَا: الْمُسْنَدُ.
وَهُوَ بِزِيَادَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللهِ أَرْبَعُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ إِلَّا أَرْبَعِينَ حَدِيثًا.
وَمِنْهَا: التَّفْسِيرُ.
وَهُوَ مِائَةُ أَلْفٍ وَعِشْرُونَ ألْفًا.
وَقِيلَ: بَلْ [مِائَةُ أَلْفٍ] 6 وَخَمْسُونَ أَلْفًا.
وَمِنْهَا: الزُّهْدُ.
وَهُوَ نَحْوُ مِائَةِ جُزْءٍ.
وَمِنْهَا: النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ.
وَمنْهَا: الْمُقَدَّمُ وَالْمُؤَخَّرُ فِي الْقُرْآنِ، وَجَوَابَاتُ أَسْوِلَةٍ 7. وَمِنْهَا: الْمَنْسَكُ الْكَبِيرُ، وَالْمَنْسَكُ الصَّغِيرُ، وَالصِّيَامُ، وَالْفَرَائِضُ، وَحَدِيثُ شُعْبَةَ، وَفَضَائِلُ الصَّحَابَةِ، وَفَضَائِلُ أَبِي بَكْرٍ، وَفَضَائِلُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، وَالتَّارِيخُ، وَالْأَسْمَاءُ وَالْكُنَى، وَالرِّسَالةُ فِي
الصَّلَاةِ، وَرَسَائِلُ فِي السُّنَّةِ، وَالْأَشْرِبَةِ، وَطَاعَةِ الرَّسُولِ [- صلى الله عليه وسلم -] 1، وَالرَّدُّ عَلَى الزَّنَادِقَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَأَهْلِ الْأَهْوَاءِ فِي مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كَثِيرٌ.
وَمَشَايِخُهُ أَعْيَانُ السَّلَفِ، وَأَئِمَّةُ الْخَلَفِ.
وَأَصْحَابُهُ خَلْقٌ كَثِيرٌ.
قَال الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيُّ: "لَا يُحْصِيهُمْ عَدَدٌ، وَلَا يَحْوِيهُمْ 2 بَلَدٌ، وَلَعَلَّهُمْ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ" 3.
وَرَوَى الْفِقْهَ عَنْهُ 4 أَكْثر مِنْ مِائَتَي نَفْسٍ، أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ أَصْحَابُ تَصَانِيفَ 5. 6
وَرَوَى عَنْهُ الْحَدِيثَ أَكَابِرُ مَشَايِخِهِ؛ كَعَبْدِ الرَّزَّاقِ، وَابْنِ عُلَيَّةَ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ، وَوَكِيعْ، وَقُتَيْبَةَ، وَمَعْرُوفٍ الْكَرْخِيِّ، وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَخَلْقٍ غَيْرِهِمْ 7.
وَمَا مِنْ مَسْأَلةٍ فِي الْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ إِلَّا لَهُ فِيهَا قَولٌ أَوْ أَكْثَرُ، نَصًّا أَوْ 8 إِيمَاءً.
وَهُوَ مِنْ وَلَدِ شَيْبَانَ بْنِ ذُهْلِ [بْنِ ثَعْلَبَةَ] 9، لَا مِنْ وَلَدِ ذُهْلِ بْنِ شَيْبَانَ،
يَلْتَقِي نَسَبُهُ بِنَسَبِ [رَسُولِ اللهِ] 1 - صلى الله عليه وسلم - 2.
فَصْلٌ
إِذَا اخْتَلَفَ عَلَى الْمُسْتَفْتِي فُتْيَا مُفْتِيَيْنِ فَأَكْثَرَ
فَفِيهِ مَذَاهِبُ:
الأوَّلُ: أَنهُ يَأْخُذُ بِأَشَدِّهَا وَأَغْلَظِهِا 3، فَيَأْخُذُ بِالْحَظرِ دُونَ الإْبَاحَةِ وَغَيْرِهَا؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ، وَلِأَنَّ الْحَقَّ ثَقِيلٌ مَرِيٌّ، وَالْبَاطِلَ خَفِيفٌ وَبِيٌّ.
وَالثَّانِي: يَأْخُذُ بِأَخَفِّهَا 4؛ لِقَوْلِهِ -تَعَالى-: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ 5، وَقَوْلِهِ [-تَعَالى-] 6: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ 7، وَقَوْلِهِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ﴾ 8.
وَلِأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَال: "بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ السَّهْلَةِ" 9.
وَقَال أَيْضًا: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ كمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ" 1.
وَالثَّالِثُ: يَجْتَهِدُ فِي الْأَوْثَقِ، فَيَأْخُذُ بِفَتْوَى الْأَعْلَمِ الْأَوْرَعِ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ، وَالآخَرُ أَوْرَعَ؛ فَمَذْهَبَانِ، كَمَا سَبَقَ.
وَالرَّابعُ: يَسْأل مُفْتِيًا آخَرَ فَيَعْمَلُ بِفَتْوَى مَنْ يُوَافِقُهُ؛ لِلتَّعَاضُدِ، كَتَعَدُّدِ 2 الأْدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ؛ لِزِيَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ.
وَالْخَامِسُ: يَتَخَيَّرُ، فَيَأْخُذُ بِقَوْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ 3: "إِذَا تَسَاوَى الْمُفْتِيَانِ عِنْدَهُ.
وإِنْ تَرَجَّحَ أَحَدُهُمَا؛ تَعَيَّنَ قَوْلُهُ".
وَقِيلَ 4: "عَلَيْهِ 5 أَنْ يَجْتَهِدَ وَيَبْحَثَ عَنْ أَرْجَحِ الْقَوْلَيْنِ -وَإِنْ كَانَ قَائِلُهُ مَرْجُوحًا- فَإِنَّهُ حُكْمُ التَّعَارُضِ، وَقَدْ وَقَعَ، وَلَيْسَ كَالتَّرْجِيحِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ عِنْدَ الاسْتِفْتَاءِ؛ فَلْيَبْحَثْ إِذَنْ عَنِ الأوْثَقِ مِنَ الْمُفْتَينِ فَيَعْمَلَ بِفُتْيَاهُ" 6.
فَإِنْ لَمْ يَتَرجَّحْ أَحَدُهُمَا عِنْدَهُ؛ اسْتَفْتَى الآخَرَ 1، وَعَمِلَ بِفَتْوَى مَنْ وَافَقَهُ الآخَرُ، كَمَا سَبَقَ.
فَإِنْ تَعَذَّرَ ذَلِكَ، وَكَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ، وَقَبْلَ 2 الْعَمَلِ؛ اخْتَارَ جَانِبَ الْحَظْرِ وَالتَّرْكِ، فَإِنَّهُ أَحْوَطُ.
وَإِنْ تَسَاوَيَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ 3؛ تَخَيَّرَ بَيْنَهُمَا كَمَا سَبَقَ -وَإِنْ مَنَعْنَاهُ 4 التَّخْيِيرَ فِي غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ ضَرُورَةٌ، وَفِي صُورَةٍ نَادِرَةٍ، ثُمَّ إِنَّمَا نُخَاطِبُ 5 بِمَا ذَكَرْنَاهُ الْمُفْتَينِ وَالْمُقَلِّدِينَ لَهُمَا- أَوْ يَسْأَلُ مُفْتِيًا آخَرَ 6.
وَقَدْ أَرْشَدَنَا الْمُفْتِي إِلَى مَا يُجِيبُهُ بِهِ فِي ذَلِكَ.
وَهَذَا يَجْمَعُ مَحَاسِنَ الْوُجُوهِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ التَّحْقِيقِ 7.
فَصْلٌ
إذَا سَمِعَ الْمُسْتَفْتِي جَوَابَ الْمُفْتي؛ لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَمَلُ بهِ إلَّا بِالْتزَامه.
وَيَجُوزُ أَنْ يُقَال: "إِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِذَا أَخَذَ فِي الْعَمَلِ بِهِ 1 ".
وَقِيلَ: "يَلْزَمُهُ إِذَا وَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِحَّتُهُ، وَأنَّهُ حَقٌّ".
وَهَذَا أَوْلَى الأوْجُهِ 2.
وَإِنْ أَفْتَاهُ بِمَا هُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ؛ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ [الإِمَامُ] 3 أَحْمَدُ [-رضي الله عنه-] 4 عَنْ مَسْألةٍ فِي الطَّلاقِ، فَقَال: "إِذَا فَعَلَهُ يَحْنَثُ".
فَقَال [لَهُ] 5 السَّائِلُ: إِنْ أَفْتَانِي أَحَدٌ بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، [يَعْنِي] 6 يَصِحُّ؟ فَقَال: "نَعَمْ"، وَدَلَّهُ عَلَى مَنْ يُفْتِيهِ بِذَلِكَ 7.
وَالأقْرَبُ: أَنهُ يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ فِي أَعْيَانِ الْمُفْتِينَ، وَيَلْزَمُهُ الْأَخْذُ بِفُتْيَا مَنِ اخْتَارَهُ 1 وَرَجَّحَهُ بِاجْتِهَادِهِ، وَلَا يَجِبُ تَخْيِيرُهُ.
وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ الْقَوَاعِدُ أَنْ نَقُولَ -إِذَا أَفْتَاهُ المُفْتِي-:
- فَإِنْ لَمْ يَجدْ مُفْتِيًا آخَرَ؛ لَزِمَهُ الأخْذُ بِفُتْيَاهُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى الْتِزَامِهِ، [وَلَا] 2 [بِالأخْذِ فِي الْعَمَلِ بِهِ] 3، وَلَا بِغَيْرِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ أَيْضًا عَلَى سُكُونِ نَفْسِهِ إِلَى صِحَّتِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ؛ فَإِنَّ فَرَضَهُ التَّقْلِيدُ كَمَا عُرِفَ.
- وَإِنْ وَجَدَ مُفْتِيًا آخَرَ:
- فَإِنِ اسْتبَانَ أَنَّ الَّذِي أَفْتَاهُ هُوَ الْأَعْلَمُ الْأَوْثَقُ؛ لَزِمَهُ مَا أَفْتَاهُ بِهِ، بِنَاءً عَلَى الأَصَحِّ فِي تَعَيُّنِهِ 4 كَمَا سَبَقَ.
- وَإِنْ لَمْ يَسْتَبِنْ ذَلِكَ لَهُ؛ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَفْتَاهُ بِهِ بِمُجَرَّدِ إِفْتَائِهِ، إِذْ يَجُوزُ لَهُ اسْتِفْتَاءُ غَيْرِهِ وَتَقْلِيدُهُ، وَلَا يَعْلَمُ اتِّفَاقَهُمَا فِي الْفَتْوَى 5.
- فَإِنْ وَجَدَ الاتِّفَاقَ، أَوْ حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِ حَاكِمٌ؛ لَزِمَهُ حِينَئِذٍ 6.
فَصْلٌ
وَإِذَا اسْتَفْتَى فَأُفْتَيَ، ثُمَّ حَدَثَتْ [لَهُ تِلْكَ الْحَادِثَةُ] 1 مَرَّةً أُخْرَى، فَهَلْ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ؟
فِيهِ مَذْهَبَانِ، وَلنَا وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُ، [لِجَوَازِ تَغَيُّرِ] 2 رَأْيِ الْمُفْتِي.
وَالثَّانِي: لَا يَلْزمُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ عَرَفَ الْحُكْمَ، وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُ الْمُفْتِي عَلَيْهِ.
وَقِيلَ 3: "الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا قَلَّدَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ خَبَرًا عَنْ مَيِّتٍ، لَمْ يَلْزَمْهُ" 4.
وَفِيهِ ضَعْفٌ، لِأَنَّ الْمُفْتِيَ عَلَى مَذْهَبِ الْمَيِّتِ قَدْ يَتَغَيَّرُ جَوَابُهُ عَلَى مَذْهَبِهِ.
فَصْلٌ
وَلَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ بِنَفْسِهِ.
وَأَنْ يُنْفِذَ ثِقَةً يَقْبَلُ خَبَرُهُ فَيَسْتَفْتِيَ لَهُ.
وَيَجُوزُ لَهُ الاعْتِمَادُ عَلَى خَطِّ الْمُفْتِي، إِذَا أَخْبَرَهُ مَنْ يَثِقُ بِقَوْلِهِ أنَّهُ خَطُّهُ، أَوْ كَانَ يَعْرِفُ خَطَّهُ، وَلَمْ 1 يَتَشَكَّكْ فِي كَوْنِ ذَلِكَ الْجَوَابِ بِخَطِّهِ 2.
فَصْلٌ
يَنْبَغِي لِلمُسْتَفْتِي التَّأَدُّبُ 1 مَعَ الْمُفْتِي.
وَأَنْ يُجِلَّهُ فِي خِطَابِهِ، وَسُؤَالِهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلا 2 يُومِئْ بِيَدِهِ فِي وَجْهِهِ.
وَلا يَقُلْ لَهُ: "مَا تَحْفَظُ فِي كَذَا وَكَذَا؟ " أَوْ: "مَا مَذْهَبُ إِمَامِكَ فِيهِ؟ ".
وَلا يَقُلْ إِذَا أَجَابَهُ: "هَكَذَا 3 قُلْتُ أَنَا" أَوْ 4: "كَذَا وَقَعَ لِي".
وَلا يَقُلْ [لَهُ] 5: "أَفْتَانِي فُلَانٌ" أَوْ: "أَفْتَانِي غَيْرُكَ بِكَذَا وَكَذَا".
وَلا يَقُلْ إِذَا اسْتَفْتَى فِي رُقْعَةٍ: "إِنْ كَانَ جَوَابُكَ مُوافِقًا لِمَنْ أَجَابَ فِيهَا فَاكْتُبْهُ 6، وَإِلَّا فَلَا تَكْتُبْ 7 ".
وَلَا يَسْأَلْهُ وَهُوَ قَائِمٌ، أَوْ مُسْتَوْفِزٌ، أَوْ عَلَى حَالةِ ضَجَرٍ، أَوْ هَمٍّ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْغَلُ الْقَلْبَ.
وَيَبْدَأُ بِالأَسَنِّ الْأَعْلَمِ مِنَ الْمُفْتِينَ، وَبِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، عَلَى مَا سَبَقَ بَيَانُهُ.
وَقِيلَ 1: "إِذَا أَرَادَ جَمْعَ الْجَوَابَاتِ فِي رُقْعَةٍ؛ قَدَّمَ الأْسَنَّ وَالأْعْلَمَ، وَإِذَا 2 أَرَادَ إِفْرَادَ الْجَوَابَاتِ فِي رِقَاعٍ؛ فَلا يُبَالِي بِأيِّهِمْ بَدَأَ" 3.
فَصْلٌ
يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ رُقْعَةُ 1 الاسْتِفْتَاءِ وَاسِعَةً؛ لِيَتَمَكَّنَ الْمُفْتِي مِنَ اسْتِيفَاءِ 2 الْجَوَابِ، فَإِنَّهُ 3 إِذَا ضَاقَ الْبَيَاضُ اخْتَصَرَ، فَأَضَرَّ ذَلِكَ بِالسَّائِلِ.
وَلَا يَدَعِ الدُّعَاءَ فِيهَا 4 لِمَنْ يُفْتِي، إِمَّا خَاصًّا إِنْ خَصَّ وَاحِدًا بِاسْتِفْتَائِهِ، وَإِمَّا عَامًّا إِنِ اسْتَفْتَى الْفُقَهَاءَ مُطْلَقًا.
وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ 5: "أَنْ يَدْفَعَ الرُّقْعَةَ إِلَى الْمُفْتِي مَنْشُورَةً، وَلَا يُحْوِجَهُ إِلَى نَشْرِهَا، وَيَأْخُذَهَا مِنْ يَدِهِ إِذَا أَفْتَى، وَلَا يُحْوِجَهُ إِلَى طَيِّهَا".
وَيَكُونَ كَاتِبُ الاِسْتِفْتَاءِ:
- يُحْسِنُ الْجَوَابَ.
- وَيَضَعَهُ عَلَى الغَرَضِ 6. -[مَعَ] 7 إِبَانَةِ الْخَطِّ وَاللَّفْظِ 8 وَصِيَانَتِهِمَا عَمَّا يَتَعَرَّضُ لِلتَّصْحِيفِ.
- وَيَكُونَ كَاتِبُهَا عَالِمًا.
وَكَانَ بَعْضُ [الْفُقَهَاءِ] 1 الرُّؤَسَاءِ لَا يُفْتِي إِلَّا فِي رُقْعَةٍ كَتبَهَا رَجُلٌ بِعَيْنِهِ مِنْ عُلَمَاءِ بَلَدِهِ 2.
فَصْلٌ
لَا يَنْبَغِي لِلعَامِّيِّ (1) أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالْحُجَّةِ فِيمَا أَفْتَاهُ [بِهِ]
2.
وَلا يَقُولَ [لَهُ] 3: "لِمَ؟ "، وَلا: "كَيفَ؟ ".
فإِنْ أَحَبَّ أَنْ تَسْكُنَ 4 نَفْسُهُ بِسَمَاعِ الْحُجَّةِ [فِي ذَلِكَ] 5، سَأَلَ عَنْهَا فِي مَجْلسٍ آخَرَ، أَوْ 6 فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ بَعْدَ قَبُولِ الْفَتْوَى مُجرَّدَةً عَنِ الْحُجَّةِ.
وَقِيلَ 7: "لَهُ أَنْ يُطَالِبَ الْمُفْتِيَ بِالدَّلِيلِ؛ لَأِجْلِ احْتِيَاطِهِ لِنَفْسِهِ.
وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَذْكُرَ [لَهُ] 8 الدَّلِيلَ إِنْ كَانَ قَطْعِيًّا.
وَلَا يَلْزَمُهُ [ذَلِكَ] 9 إِنْ كَانَ ظَنِّيًا؛ لافْتِقَارِهِ إِلَى اجْتِهَادٍ يَقْصُرُ عَنْهُ الْعَامِّيُّ" 10.1
بَابُ مَعْرفَةِ أَلْفَاظِ إمَامنَا أَحْمَدَ [-رضي الله عنه-] 1 وَسَائَرِ أَقْوَالِهِ، وَأَفْعَالِهِ، وَاجْتِهَادَاتِهِ، وَأَحْوَالِهِ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ يَحْمِلُهَا الْأَصْحَابُ، لِمَا عُلِمَ مِنْ دِينِهِ وَتَحَرِّيهِ فِي ذَلِكَ.
إِذْ رُبَّمَا حَمَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ عَلَى غَيْرِ مُرَادِهِ، فَإِذَا ذَكرْنَا الْغَرَضَ تَسَاوَى فِي مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْهُ كُلُّ مَنْ يَنْظُرُ فِيهِ، إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى-.
وَلِأَنَّ مَذْهَبَهُ غَالِبًا إِنَّمَا أُخِذَ مِنْ فَتَاوِيهِ وَأَجْوِبَتِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، لَا مِنْ تَصْنِيفٍ قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ.
وَبِالْكَلامِ فِي ذَلِكَ يُعْرَفُ مُرَادُ أَكْثَرِ الْأَئِمَّةِ بِأَقْوَالِهِمْ [وَأَفْعَالِهِمْ] 2 وَسَائِرِ أَحْوَالِهِمْ 3.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى التَّأَلِيفِ وَنَحْوِهِ فِي بَابٍ آخَرَ، إِنْ شَاءَ اللهُ -تَعَالى- 4.
فَصْلٌ وَأَلْفَاظُ الْإِمَامِ (1) أَحْمَدَ -رضي الله عنه- عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ:
صَرِيحٌ لا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا، وَلا مُعَارِضَ لَهُ؛
فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
فَإِنْ رَجَعَ عَنْهُ صَرِيحًا 2، كَقَوْلِهِ: "كنْتُ أَقُولُ: الأْقْرَاءُ الأْطْهَارُ 3. وَأَنَّ الْمُتيَمِّمَ لَا يَخْرُجُ إِذَا رَأَى الْمَاءَ فِي الصَّلَاةِ 4. وَأَنَّ زَوْجَةَ الْمَفْقُودِ تَتَرَبَّصُ أَرْبَعَ سِنِينَ 5 " وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ قَالهُ عَنْهُ قُدَمَاءُ 6 أَصْحَابِهِ 7 الَّذِينَ يَخْبُرونَ 8 أَقْوَالهُ، وَأَفْعَالهُ، وَأَحْوَالهُ 9؛ فَلَا [يَكُونُ مَذْهَبًا لَهُ] 10.1
وَقِيلَ: "بَلَى 1، وَيَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ الْمُقَلِّدُ حَيْثُ كَانَ الْإِمَامُ قَالهُ بِدَلِيلٍ".
لَاسِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "لَا يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ تَجْدِيدُ الاجْتِهَادِ بِتَجَدُّدِ الْحَادِثَةِ لَهُ ثَانِيًا، وَلَا أَنْ يُعْلِمَ مَنْ قَلَّدَهُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ، وَلَا رُجُوعُ الْمُقَلِّدِ إِلَى اجْتِهَادِهِ الثَّانِي قَبْلَ عَمَلِهِ 2 بِالأوَّلِ، وَلَا تَجْدِيدُ السُّؤَالِ بِتَجَدُّدِ 3 حَادِثَتِهِ لَهُ ثَانِيًا".
فَصْلٌ
فَإِنْ نُقِلَ [عَنْهُ] (1) فِي مَسْأَلَةٍ [وَاحِدَةٍ] (2) قَوْلَانِ مُخْتَلِفَانِ، وَلَمْ يُصَرِّحْ هُوَ وَلا غَيْرُهُ بِرُجُوعِهِ عَنْهُ:
- فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، بِحَمْلِهِمَا عَلَى اخْتِلَافِ حَاليْنِ، أَوْ مَحَلَّيْنِ، أَوْ بِحَمْلِ عَامِّهِمَا عَلَى خَاصِّهِمَا، وَمُطْلَقِهِمَا 3 عَلَى مُقَيَّدِهِمَا عَلَى الْأَصَحِّ فِيهِمَا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَذْهَبُهُ 4.
وَقَدْ نُقِلَ عَنْهُ فِي "التَّيَمُّمِ بِالرَّمْلِ" رِوَايَتَانِ 5، حَمَلَ الْقَاضِي 6 الْجَوَازَ عَلَى رَمْلٍ لَهُ غُبَارٌ، وَالْمَنْع عَلَى رَمْلٍ لَا غُبَارَ لَهُ.
وَنُقِلَ عَنْهُ: الْقَطْعُ 7 فِيمَا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ 8، [وَأَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِي الطَّائِرِ.
يُرِيدُ إِنْ نَقَصَ عَنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ] 9.12
- وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَعُلِمَ التَّارِيخُ 1؛ فَالثَّانِي [مَذْهَبُهُ] 2. اخْتَارَهُ الْخَلَّال وَصَاحِبُهُ 3.
وَقِيلَ: " [وَالْأَوَّلُ] 4 أَيْضًا، لَا عَلَى التَّخْيِيرِ، وَلَا التَّعَاقُبِ، وَلَا [عَلَى] 5 الْجَمْعِ فِي حَقِّ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فِي وَاقِعَةٍ وَاحِدَةٍ، مِنْ مُفْتٍ وَاحِدٍ، فِي حَمالةٍ وَاحِدَةٍ".
اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَغَيْرُهُ؛ لِمَا سَبَقَ.
كَمَنْ صَلَّى صَلَاتَيْنِ بِاجْتِهَادَيْنِ إِلَى جِهَتَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ، وَلَمْ يَبِنْ لَهُ الْخَطَأُ جَزْمًا 6، وَفِي أَيِّهِمَا تَبِعَهُ مَنْ قَلَّدَهُ؛ لَمْ يَكُنْ خَارِجًا عَمَّا ذَهَبَ إِلَيْهِ تَارَةً بِدَلِيلٍ لَمْ يَقْطَعْ بِخِلَافِهِ.
وَلمَنْ قَلَّدَهُ [أَيْضًا] 7 أَنْ يَسْتَمِرَّ [إِذًا] 8 عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ الَّذِي عَمِلَ بِهِ، وَلَا يَتَغَيَّرَ عَنْهُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِ مَنْ قَلَّدَهُ فِيهِ -فِي الْأَقْيَسِ-.
وَيَجُوزُ التَّخْرِيجُ مِنْهُ، وَالتَّفْرِيعُ [عَلَيْهِ] 9، وَالْقِيَاسُ؛ إِنْ قُلْنَا: "مَا قِيسَ عَلَى كَلَامِهِ مَذْهَبٌ لَهُ"، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ قُلْنَا: "يَلْزَمُ الْمُجْتَهِدَ تَجْدِيدُ اجْتِهَادِهِ فِيمَا [أَفْتَى بِهِ، لِتَجَدُّدِ الْحَادِثَةِ ثَانِيًا.
وَإِعْلَامُ الْمُقَلِّدِ لَهُ بِتَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ فِيمَا] 1 أَفْتَاهُ بِهِ؛ لِيَرْجعَ عَنْهُ.
وَأَنَّ مَنْ قَلَّدَهُ يَلْزَمُهُ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ بِتَجَدُّدِ الْحَادِثَةِ لَهُ ثَانِيًا.
وَأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْعَمَلُ بِالاجْتِهَادِ الثَّانِي"؛ لَمْ يَكُنِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَذْهَبًا لَهُ، وَلا 2 يَعْمَلُ بِهِ مَنْ قَلَّدَهُ، وَإِنْ كَانَ عَمَلَ بِهِ؛ لَمْ يَسْتَمِرَّ عَلَيْهِ إِذًا.
فَلَوْ كَانَ الْمُفْتِي فِي صَلَاةٍ فَدَارَ لِتَغَيُّرَ اجْتِهَادِهِ فِي الْقِبْلَةِ؛ تَبِعَهُ إِذًا مَنْ قَلَّدَهُ فِي الْأَوَّلِ، وَإِلَّا فَلَا.
وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ 3: فَمَذْهَبُهُ أقْرَبُهُمَا مِنْ كِتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ أَثَرٍ، أَوْ قَوَاعِدِ الْإِمَامِ، أَوْ عَوَائِدِهِ، وَمَقَاصِدِهِ، وَأُصُولِهِ، وَتَصَرُّفَاتِهِ؛ كَمَذْهَبِهِ 4 فِيمَا [اخْتُلِفَ] 5 مِنْ أَقْوَالِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ [وَالنَّسْخُ، أَوْ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ أَوْ أَحَدِهِمْ إِذَا تَعَذَّرَ الْجَمْعُ] 6؛ فَإِنَّهُ يَعْمَلُ بِالأْشْبَهِ مِنْهَا بِالْكِتَابِ، أَوِ 7 السُّنَّةِ، أَوِ اتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، أَوْ أَقْوَالِ الأْئِمَّةِ.
وَقَدْ أَشَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وَغَيْرُهُ إِلَى ذَلِكَ وَنَحْوِهِ.
[وَقُلْتُ] 1: "إِنْ جَعَلْنَا أَوَّلَ قَوْلَيْهِ فِي مَسْأَلةٍ وَاحِدَةٍ مَذْهَبًا لَهُ مَعَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، فَمَعَ الْجَهْلِ بِهِ أَوْلَى؛ لِجَوَازِ تَأْخِيرِ الرَّاجِحِ مِنْهُمَا، فَيَكُونُ كَآخِرِ قَوْلَيْهِ فِيمَا ذَكَرْنَا.
وَإِنْ لَمْ نَجْعَلْ 2 أَوَّلَهُمَا ثَمَّ مَذْهَبًا لَهُ؛ احْتَمَلَ هُنَا 3 الْوَقْفَ؛ لِاحْتِمَالِ تَقَدُّمِ أَرْجَحِهِمَا 4.
وَإِنْ تَسَاوَيَا؛ فَالْوَقْفُ أَوْلَى".
قُلْتُ: "وَيَحْتَمِلُ التَّخْيِيرَ وَالتَّسَاقُطَ".
وَإِنِ اتَّحَدَ حُكْمُ الْقَوْلَيْنِ دُونَ الْفِعْلِ؛ كَإِخْرَاجِ الْحِقَاقِ أَوْ بَنَاتِ اللَّبُونِ عَنْ مِائَتَي بَعِيرٍ، وَكُلِّ وَاجِبٍ مُوَسَّعٍ أَوْ مُخَيَّرٍ؛ خُيِّرَ الْمُجْتَهِدُ بَيْنَهُمَا، وَلَهُ أَنْ يُخَيِّرَ الْمُقَلِّدَ لَهُ، إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا.
وَإِنْ مَنَعْنَا تَعَادُلَ الْأَمَارَاتِ -وَهُوَ الظَّاهِرُ عَنِ [الْإِمَامِ] 5 أَحْمَدَ-؛ فَلَا وَقْفَ، وَلا تَخْيِيرَ، وَلا تَساقُطَ.
وَإِنْ جُهِلَ تَارِيخُ أَحَدِهِمَا؛ [فَهُوَ كَمَا] 6 لَوْ جُهِلَ تَارِيخُهُمَا.
وَيَحْتَمِلُ: الْوَقْفَ.
فَصْلٌ وَمَا قِيسَ عَلَى كَلَامِهِ 1:
- فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
اخْتَارَهُ الأَثْرَمُ، وَالْخِرَقِيُّ، وَابْنُ حَامِدٍ. - وَقِيلَ: "لَا".
اخْتَارَهُ الْخَلَّال، وَصَاحِبُهُ. - وَقِيلَ 2: "إِنْ جَازَ تَخْصِيصُ الْعِلَّةِ، وَإِلَّا فَلَا" 3.
وَقُلْتُ: "إِنْ نَصَّ الْإِمَامُ عَلَى عِلَّتِهِ أَوْ أَوْمَأَ إِلَيْهَا؛ كَانَ مَذْهَبًا لَهُ، وَإِلَّا فَلَا.
إِلَّا أَنْ تَشْهَدَ أَقْوَالهُ، أَوْ 4 أَفْعَالهُ، أَوْ أَحْوَالهُ [لِلعِلَّةِ] 5 الْمُسْتَنْبَطَةِ بِالصِّحَّةِ وَالتَّعْيِينِ".
فَصْلٌ وَإِذَا قُلْنَا: "مَا قِيسَ عَلَى كَلَامِهِ [فَهُوَ] 1 مَذْهَبُهُ"، فَأَفْتَى فِي مَسْأَلَتَيْنِ مُتَشَابِهَتَيْنِ، بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فِي وَقْتَيْنِ 2، كَقَوْلهِ فِي الْيَمِينِ بِالْعِتْقِ 3: "أَنَّهَا تَنْحَلُّ بِزَوَالِ الْمِلْكِ"، وَقَوْلهِ فِي الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ 4: "لَا تَنْحَلُّ بِزَوَالِ الْمِلْكِ":
- جَازَ نَقْلُ الْحُكْمِ وَتَخْرِيجُهُ مِنْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى -فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ-؛ لِاتِّحَادِ مَعْنَاهُمَا أَوْ تَقَارُبِهِ.
- وَالثَّانِي: الْمَنْعُ 5. اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ 6، وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْمَقْدِسِيُّ 7، لِأَنَّ الْجَمْعَ عِنْدَ الإِمَامِ مَظْنُونٌ، فَهُوَ كَمَا لَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا صَرِيحًا، أَوْ مَنَعَ النَّقْلَ وَالتَّخْرِيجَ،
أَوْ قَرُبَ الزَّمَنُ بِحَيْثُ يَظُنُّ أَنَّهُ ذَاكَرَ حُكْمَ الْأَوَّلَةِ حِينَ أَفْتَى بِالثَّانِيةِ؛ فَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْحُكْمِ وَلا تَخْرِيجُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْلَا ظُهُورُ دَلِيلِ الْحُكْمِ الثَّانِي لَهُ، وَبَيَانُ الْفَارِقِ فِي الْمَسْأَلةِ الثَّانِيَةِ، مَعَ ذِكْرِهِ نَظِيرَتِهَا وَدَلِيلِهَا؛ لَمَا أَفْتَى بِهِ، [بَلْ سَوَّى] 1 بَيْنَهُمَا، وَلَعَلَّهُ ظَهَرَ لَنَا مَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، وَظَهَرَ لَهُ وَحْدَهُ فَرْقٌ؛ وَلِأَنَّ نَصَّهُ فِي كُلِّ مَسْأَلةٍ يَمْنَعُ الْأَخْذَ بِغَيْرِهِ فِيهَا.
وَإِنْ كَانَ بَعِيدَ الْعَهْدِ بِالْمَسْأَلةِ الأُولَى وَدَلِيلِهَا، وَمَا قَالهُ فِيهَا؛ احْتَمَلَ التَّسْوِيَةَ عِنْدَهُ، [فَنَنْقُلُ نَحْنُ] 2 حُكْمَ الثَّانِيَةِ إِلَى الأُولَى -فِي الْأَقْيَسِ-، وَلَا نَنْقُلُ 3 حُكْمَ الْأُولَى إِلَى الثَّانِيَةِ، إِلَّا أَنْ نَجْعَلَ 4 أَوَّلَ قَوْلَيْهِ فِي مَسْأَلةٍ وَاحِدَةٍ مَذْهَبًا لَهُ، مَعَ 5 مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ.
وَإِنْ جُهِلَ التَّارِيخُ؛ جَازَ نَقْلُ حُكْمِ أَقْرَبِهِمَا مِنْ كتَابٍ، أَوْ سُنَّةٍ، أَوْ أَثَرٍ، أَوْ إِجْمَاعٍ، أَوْ قَوَاعِدِ الْإِمَامِ وَأُصُولِهِ إِلَى الْأُخْرَى -فِي الأَقْيَسِ-، وَلَا عَكْسَ، إِلَّا أَنْ نَجْعَلَ 6 أَوَّلَ قَوْلَيْهِ فِي مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ مَذْهَبًا [لَهُ] 7 مَعَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ، فَنَنْقُلَ 8 حُكْمَ الْمَرْجُوحَةِ مِنَ الرَّاجِحَةِ، وَأَوْلَى؛ لِجَوَازِ كَوْنِهَا الْأَخِيرَةَ دُونَ الرَّاجِحَةِ.
فَأَمَّا مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلنَّظَرِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَيْرُ مُقَلِّدٍ فِيهَا، فَلَهُ التَّخْرِيجُ وَالنَّقْلُ بِحَسْبِ مَا يَظْهَرُ لَهُ.
وَإِذَا أَفْضَى النَّقْلُ وَالتَّخْرِيجُ إِلَى خَرْقِ إِجْمَاعٍ، أَوْ رَفْعِ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْجَمُّ الْغَفِيرُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، أَوْ عَارَضَهُ نَصُّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ، لَمْ يَجُزْ.
الْقِسْمُ الثَّانِي:
ظَاهِرٌ يَجُوزُ تَأْوِيلُهُ بِدَلِيلٍ أَقْوَى مِنْهُ
(1). فَإِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى مِنْهُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَانِعٌ شَرْعِيٌّ، أَوْ لُغَوِيٌّ، أَوْ عُرْفِيٌّ؛ فَهُوَ مَذْهَبُهُ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ:
الْمُجْمَلُ الْمُحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ
(2).
الْقِسْمُ الرَّابِعُ:
مَا دَلَّ سِيَاقُ (3) كَلَامِهِ عَلَيْهِ، وَقُوَّتُهُ، وَإِيمَاؤُهُ، وَتَنْبِيهُهُ.
123
فَصْلٌ
فَإِنْ قَال: "هَذَا لا يَنْبَغِي"، أَوْ: "لَا يَصْلُحُ" 1:
فَهُوَ لِلتَّحْرِيمِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- لَبِسَ فَرُّوجًا مِنْ حَرِيرٍ -أَي قَبَاءً-، ثُمَّ نَزَعَهُ نَزْعًا كَرِيهًا، وَقَال: "إِنَّ هَذَا لا يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِينَ" 2.
وَلِأَنَّهُ أَحْوَطُ؛ فَتَعَيَّنَ، وَلَعَلَّهُ [عَلَيهَ السَّلَامُ] 3 قَال بَعْدَ ذَلِكَ: "هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لإِنَاثِهَا" 4، فَكَانَ تَوْكِيدًا لِتَحْرِيمِهِ السَّابِقِ، إِذْ لَوْ كَانَ تَحْرِيمُهُ سَابِقًا؛ لَمْ يَلْبَسْهُ، وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا؛ لَمْ يَنْزِعْهُ نَزْعًا كَرِيهًا، وَيَقُولُ مَا قَالهُ.
وَلِأَنَّهُ -صلى الله عليه وسلم- 5 قَال: "إِنَّ صَلَاتَنَا هَذِهِ لا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هِيَ التَّكْبِيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَقِرَاءَةُ الْقُرآنِ" 6.
وَلهَذَا قَال: "إِنَّ اللهَ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا شَاءَ، وَإِنَّ مِمَّا أَحْدَثَ أَلا 1 تَكَلَّمُوا فِي الصَّلاةِ" 2.