بَابُ كَيْفِيَّةِ الاسْتِفْتَاءِ، وَالْفَتْوَى، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِمَا
1
إِذَا لَزِمَ الْمُفْتِيَ الْجَوَابُ؛ لَزِمَهُ بَيَانهُ، إِمَّا شَفَاهًا أَوْ كِتَابَةً.
فَإِنْ جَهِلَ لِسَانَ السَّائِلِ؛ أَجْزَأَتْهُ تَرْجَمَةُ وَاحِدٍ ثِقَةٍ؛ لِأنهَا خَبَرٌ.
وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ السُّؤَال بِخَطِّهِ، لَا بِإِمْلَائِهِ وَتَهْذِيبِهِ.
وَفِيهِمْ مَنْ كَانَ يَكْتُبُ السُّؤَال عَلَى وَرَقَةٍ مِنْ عِنْدِهِ، ثُمَّ يَكْتُبُ الْجَوَابَ.
[فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْأَلةِ تَفْصِيلٌ؛ لَمْ يُطْلِقِ الْجَوَابَ] 1.
وَلَهُ أَنْ يَسْتَفْصِلَ السَّائِلَ -إِنْ حَضرَ-، وَيُقَيِّدَ السُّؤَال فِي رُقْعَةِ 2 الاسْتِفْتَاءِ، ثُمَّ يُجِيبَ عَنْهُ.
وَهُوَ أَوْلَى وَأَسْلَمُ.
[وَلَهُ] 3 أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى جَوَابِ أَحَدِ الأْقْسَامِ؛ [إِذَا عَلِمَ] 4 أَنَّهُ الْوَاقِعُ لِلسَّائِلِ، وَلَكِنْ يَقُولُ: "هَذَا إِذَا كَانَ كَذَا وَكَذَا".
وَلَهُ أَنْ يُفَصِّلَ الْأَقْسَامَ فِي جَوَابِهِ، ويُذْكُرَ حُكْمَ كُلِّ قِسْمٍ.
وَقِيلَ 5: "هَذَا ذَرِيعَةٌ إِلَى تَعْلِيمِ النَّاسِ الْفُجُورَ، وَفَتْحِ بَابِ التَّمَحُّلِ وَالتَّحَيُّلِ الْبَاطِلِ؛ وَلِأَنَّ ازْدِحَامَ الْأَقْسَامِ بِأَحْكَامِهَا عَلَى [فَهْمِ] 6 الْعَامِّيِّ يَكَادُ يُضَيِّعُهُ".
وَإِذَا لَمْ يَجِدِ الْمُفْتِي مَنْ يَسْتَفْسِرُهُ فِي ذَلِكَ؛ احْتَاجَ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَلْيَتَثبَّتْ وَلْيَجْتَهِدْ فِي اسْتِيفَاءِ الْأَقْسَامِ وَأَحْكَامِهَا وَتَحْرِيرِهَا 1.
فَصْلٌ
فَإنْ كَانَ الْمُسْتَفْتِي بَعِيدَ الْفَهْم؛ فَلْيَرْفُقْ بهِ الْمُفْتِي فِي التَّفَهُّم مِنْهُ، وَالتَّفْهِيم لَهُ.
وَيَسْتُرْ عَلَيْهِ.
وَيَحْسُنُ الْإِقْبَال نَحْوَهُ.
وَيَتَأَمَّلُ وَرَقَةَ الاسْتِفْتَاءِ مِرَارًا، لَاسِيَّمَا آخِرَهَا.
وَيَسْألُ الْمُسْتَفْتِي 1 عَنِ الْمُشْتبَهِ، وينْقُطُهُ وَيَشْكُلُهُ؛ لِمَصْلَحَتِهِ وَمَصلَحَةِ مَنْ يُفْتِي بَعْدَهُ.
وَإِنْ رَأَى لَحْنًا فَاحِشًا، أَوْ خَطَأً يُحِيلُ مَعْنًى 2؛ أَصْلَحَهُ؛ لَأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي ذَلِكَ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْوَرَقَةِ إِنَّمَا قَدَّمَهَا إِلَيْهِ لِيَكْتُبَ فِيهَا مَا يَرَى 3، وَهَذَا مِنْهُ.
وَكَذَا: إِنْ رَأَى بَيَاضًا فِي [أثنَاءِ بَعْضِ الْأَسْطُرِ] 4 أَوْ فِي آخِرِهَا؛ خَطَّ عَلَيْهِ وَشَغَلَهُ، كَمَا يَفْعَلُ الشَّاهِدُ فِي كُتُبِ 5 الْوَثَائِقِ وَنَحْوِهَا 6؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا [قَصَدَ أَحَدٌ
الْمُفْتِيَ بِسُوءٍ] 1، فكَتَبَ فِي ذَلِكَ الْبَيَاضِ [بَعْدَ فَتْوَاهُ] 2 مَا يُفْسدُهَا 3.
فَصْلٌ
يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ مَا فِي الْوَرَقَةِ عَلَى الْفُقَهَاءِ الْحَاضِرِينَ الصَّالِحِينَ لِذَلِكَ، ويُشَاوِرَهُمْ فِي الْجَوَابِ [ويُبَاحِثَهُمْ فِيهِ] 1 [وَإِنْ] 2 كَانُوا دُونَهُ وَتَلَامِذَتَهُ 3؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَالسَّلَفِ الصَّالِحِ.
إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهَا مَا [لَا] 4 يَحْسُنُ إِبْدَاؤُهُ، أَوْ مَا لَعَلَّ السَّائِلَ يُؤثِرُ سَتْرَهُ، أَوْ مَا فِي إِشَاعَتِهِ مَفْسَدَةٌ لِبَعْضِ النَّاسِ؛ فَيَنْفَرِدَ هُوَ بِقِرَاءَتِهَا وَجَوَابِهَا 5.
فَصْلٌ يَنبغِي أَنْ يَكتُبَ الْجَوَابَ:
- بِخَطٍّ وَاضِحٍ وَسَطٍ.
- وَلَفْظٍ وَاضِحٍ حَسَنٍ.
- تَفْهَمُهُ الْعَامَّةُ، وَلَا تَسْتَقْبِحُهُ 1 الْخَاصَّةُ.
-ويقَارِبُ سُطُورَهُ وَأَقْلَامَهُ وَخَطَّهُ، لِئَلا 2 يُزَوِّرَ أَحَدٌ عَلَيْهِ. - ثُمَّ يَنْظُرَ [فِي] 3 الْجَوَابِ بَعْدَ سَطْرِهِ 4.
فَصْلٌ وإذَا 1 ابْتَدَأَ بالإفْتَاء:
- كَتَبَ فِي جَانِبِهَا الْأَيْسَرِ [-إِنْ شَاءَ-] 2؛ لَأِنَّهُ أَمْكَنُ.
- وَإِنْ كَتَبَ فِي الْأَيْمَنِ أَوْ أَسْفَلَ؛ جَازَ.
- وَإِنْ تَرَفَّعَ فِيهَا؛ كُرِهَ، لَاسِيَّمَا فَوقَ البَسْمَلَةِ.
- وَأَكْثَرُ مَنْ يُفْتِي يَقُوُل: "الْجَوَابُ، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ"، وَحَذَفَ ذَلِكَ آخَرُونَ.
وَالأوْلَى: أَنْ يُكْتَبَ فِيمَا طَال مِنَ الْمَسَائِلِ، ويحْذَفَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ. - وَيَخْتِمُ الْجَوَابَ بِقَوْيهِ: "وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ"، أَوْ: "وَاللهُ الْمُوَفِّقُ"، أَوْ: "وَاللهُ أَعْلَمُ".
- وَكانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُوُل إِذَا أَفْتَى: "إِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأً فَمِنِّي".
[وَقَدْ قَال أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -رضي الله عنه- فِي الْكَلالةِ: "أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِيِ، فإِنْ كَانَ صَوَابًا فَمِنَ اللهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَأ فَمِنِّي] 3 وَمِنَ الشَّيْطَانِ، وَاللهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ مِنْهُ".
4 الْكَلالةُ: مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَا وَالِدَ 5.
وَ [هَذَا] 1 يُكْرَهُ فِي هَذَا الزَّمَانِ؛ لَأِنَّهُ يُضْعِفُ نَفْسَ السَّائِلِ، وَيَدْخُلُ قَلْبَهُ الشَّكُّ فِي الْجَوَابِ.
- وَلَيْسَ [يَقْبُحُ] 2 مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: "الْجَوَابُ عِنْدَنَا"، أَوْ: "الَّذِي عِنْدَنَا"، أَوْ يَقُولَ: " [وَ] 3 الَّذِي نَرَاهُ 4 كَذَا وَكَذَا"؛ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَصْحَابهِ، وَأَرْبَابِ مَقَالَتِهِ.
- وَكَانَ مَالِكٌ وَمَكْحُولٌ لَا يُفْتِيَانِ حَتَّى يَقُولَا: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ" 5.
- وقِيلَ: "يَقُولُ الْمُفْتي أَيْضًا 6: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ﴿قَالوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ 7. ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ 8 الآيَةَ.
﴿قَال رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ 1.
لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ [العَلِيِّ الْعَظِيمِ] 2. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَائِرِ النَّبِيِّينَ وَالصَّالِحِينَ وَسَلِّمْ.
اللَّهُمَّ [وَفِّقْنِي وَاهْدِنِي] 3 وَسَدِّدْنِي، وَاجْمَعْ لِي بَيْنَ الصَّوَابِ وَالثَّوَابِ، وَأَعِذْنِي مِنَ الْخَطَأِ وَالْحِرْمَانِ.
آمِينَ".
- وَإِنْ لَمْ يَأْتِ بِذَلِكَ عِنْدَ كُلِّ فَتْوَى؛ فَلْيَأْتِ بِهَا عِنَد أَوَّلِ 4 فُتْيَا 5 يُفْتِيهَا فِي يَوْمِهِ، لِمَا يُفْتِيهِ فِي سَائِرِ يَوْمِهِ 6، مُضِيفًا إِلَيْهَا قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ، وَآيَةَ الْكُرْسِيِّ وَمَا تَيَسَّرَ.
فَإِنَّ مَنْ ثَابَرَ عَلَى ذَلِكَ؛ كَانَ حَقِيقًا بِأَنْ يَكُونَ مُوَفَّقًا فِي فَتَاوِيهِ. - وإنْ تَرَكَهُ؛ جَازَ 7. [وَقَدْ] 8 قِيلَ للإمَامِ أَحْمَدَ -رضي الله عنه- 9: رُبَّمَا اشْتَدَّ عَلَيْنَا الأمْرُ
[مِنْ جِهَتِكَ] 1، فَلِمَنْ نَسْأل بَعْدَكَ؟ فَقَال: "سَلُوا عَبْدَ الْوَهَّابِ الْوَرَّاقَ، فَإِنَّهُ أَهْلٌ أَنْ يُوفَّقَ لِلصَّوَابِ" 2.
فَصْلٌ
وَعَلَى الْمُفْتِي أَنْ يَخْتَصِرَ جَوَابَهُ، فَيَكْتَفِيَ فِيهِ بأنَّهُ: "يَجُوزُ أَوْ لَا يَجُوزُ" أَوْ: "حَقٌّ أَوْ بَاطِلٌ".
وَلَا يَعْدِلُ إِلَى الْإِطَالةِ وَالاحْتِجَاجِ؛ لَيُفَرِّقَ بَيْنَ الْفُتْيَا 1 وَالتَّصْنِيفِ، وَلَوْ سَاغَ التَّجَاوُزُ إِلَى قَلِيلٍ لَسَاغَ إِلَى كَثِيرٍ، وَلَصَارَ 2 الْمُفْتِي مُدَرِّسًا، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.
وَقَدْ قِيلَ لِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ 3: أَيَجُوزُ كَذَا؟ كتَبَ: "لَا".
وقيل 4: "الْجَوَابُ بـ (نَعَمْ أَوْ لَا) لَا يَليقُ بغَيْر العَامَّة".
وَإِنَّمَا يَحْسُنُ مِنْهُ الاقْتِصَارُ الَّذِي لَا يُخِلُّ بِالْبَيَانِ الْمُشْترَطِ عَلَيْهِ، دُونَ مَا يُخِلُّ بِهِ، فَلَا يَدَعُ إِطَالةً لَا يَحْسُنُ الْبَيَانُ بِدُونِهَا 5.
فَإذَا كَانَتْ فُتْيَاهُ 6 فِيمَا يُوجِبُ الْقَوَدَ أَوِ الرَّجْمَ -مَثَلًا-؛ فَلْيَذْكُرْ الشُّرُوطَ الَّتِي يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا الْقَوَدُ وَالرَّجْمُ.
وَإِذَا اسْتُفْتِيَ فِيمَنْ قَال قَوْلًا يَكْفُرُ بِهِ، بأَنْ قَال: "الصَّلَاةُ لَعِبٌ"، أَوْ:
"الحَجُّ عَبَثٌ"، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ فَلَا يُبَادِرُ بِأَنْ يَقُولَ: "هَذَا حَلَال الدَّمِ"، أَوْ: "يُقْتَلُ".
بَلْ يَقُولُ: "إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالْإِقْرَارِ؛ اسْتَتَابَهُ السُّلْطَانُ، فَإِنْ تَابَ؛ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ، وَإِنْ أَصَرَّ وَلَمْ يَتُبْ؛ قُتِلَ وَفُعِلَ بِهِ كَذَا وَكَذَا"، وَبَالغَ فِي تَغْلِيظِ أَمْرِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْكَلَامُ الَّذِي قَالهُ يَحْتَمِلُ أُمُورًا لَا يَكْفُرُ بِبَعْضِهَا؛ فَلَا يُطْلِقُ جَوَابَهُ.
وَلَهُ أَنْ يَقُولَ: "لِيُسْأَلْ عَمَّا أَرَادَ بِقَوْلِهِ، فَإِنْ أَرَادَ كَذَا، فَالْجَوَابُ [فِيهِ] 1 كَذَا، [وَإِنْ أَرَادَ كَذَا؛ فَالْحُكْمُ كَذَا] 2 ".
وَقَدْ سَبَقَ الْكَلَامُ فِيمَا شَأْنُهُ التَّفْصِيلُ 3.
وَإِذَا اسْتُفْتِيَ عَمَّا يُوجِبُ التَّعْزِيرَ؛ فَلْيَذْكُرْ قَدْرَ مَا يُعَزِّرُهُ بِهِ السُّلْطَانُ.
فَيَقُولُ: "يُضْرَبُ مَا بَيْنَ كَذَا إِلَى كَذَا، وَلَا يُزَادُ عَلَى كَذَا"؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُضْرَبَ بِفَتْوَاهُ -إِذَا أَطْلَقَ الْقَوْلَ- مَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُهُ.
وَإِذَا قَال: "عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ بِشَرْطِهِ" أَوْ "الْقَوَدُ بِشَرْطِهِ"؛ فَلَيْسَ بِإِطْلَاقٍ، وَتَقْيِيدُهُ بِشَرْطِهِ؛ يَحُثُّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الشَّرْطَ مِنَ الْوُلَاةِ عَلَى السُّؤَالِ عَنْ شَرْطِهِ.
وَالْبَيَانُ أَوْلَى 4.
(فَصْلٌ)
إِذَا سُئِلَ عَنْ مَسْأَلةِ مِيرَاثٍ فِيهَا إِخْوَةٌ وَأَخَوَاتٌ، أَوْ أَعْمَامٌ أَوْ 1 وَبَنُوهُمْ؛ سَأَلَ: مِنْ أَبَوَيْنِ هُمْ؟ أَوْ مِنْ أَبٍ؟ أَوْ مِنْ أُمٍّ؟
وإِنْ سُئِلَ عَنْ مَسْأَلةٍ عَائِلَةٍ؛ بَيَّنَ سَهْمَ [كُلِّ شَخْصٍ] 2، مِمَّا عَالتْ إلَيْهِ [الْمَسْأَلةُ] 3.
فَمَنْ خَلَّفَ زَوْجَةً وَأَبَوَيْنِ وَابْنَتَيْنِ:
قَال: "لِلزَّوْجَةِ ثُمُنُ عَائِلٍ"، وَهُوَ ثَلَاثَةٌ مِنْ سَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ.
أَوْ يَقُوُل: "صَارَ ثُمُنها تُسْعًا"، كَمَا قَالهُ فِيهَا عَلِيٌّ -رضي الله عنه- عَلَى الْمِنْبَرِ 4.
أَوْ يَقُولُ: "لَهَا كَذَا وَكَذَا سَهْمًا مِنْ أَصْلِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا".
وَإِنْ كَانَ فِي الْمَذْكُورِينَ مَنْ لَا يَرِثُ، أَوْ يَسْقُطُ تَارَةً؛ بَيَّنَهُ.
وَإِنْ سُئِلَ عَنْ ذُكُورٍ وَإِنَاثٍ، بِمَنْ تَرِثُ الْأَنْثَى مَعَ أَخِيهَا غَيْرِ وَلَدِ الْأُمِّ؟ قَال: "لِلذَّكَرِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا، مِنْ أَصْلِ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا، وَلِلْأُنْثَى نِصْفُهُ، وَهُوَ كَذَا وَكَذَا [سَهْمًا] 5 مِنَ الأْصْلِ الْمَذْكُورِ"، أَوْ 6 نَحْوَ ذَلِكَ.
وَلا يَقُلْ: لِلذَكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ.
وَيتَحرَّزُ وَيَتَحَفَّظُ فِي جوَابِ مَسَائِلِ الْمُنَاسَخَاتِ، وَلْيَقُلْ 1: "لِفُلَانٍ كَذَا وَكَذَا، مِنْ ذَلِكَ كَذَا [وَكَذَا] 2 بِإِرْثِهِ مِنْ فُلَانٍ، [وَكَذَا بِإِرْثِهِ مِنْ فُلَانٍ] 3 ".
وَيحْسُنُ أَنْ يَقُولَ فِي قِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ: "تُقَسَّمُ التَّرِكَةُ بَعْدَ إِخْرَاجِ مَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ مِنْ دَيْنٍ وَنَحْوِهِ أَوْ وَصِيَّةٍ، إِنْ كَانَا" 4.
فَصْلٌ
لَيْسَ لِلْمُفْتِي أَنْ يُبَيِّنَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ جَوَابِهِ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ مِنْ صُورَةِ الْوَاقِعَةِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا؛ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الرُّقْعَةِ تَعَرُّضٌ لَهُ.
وَكَذَا: إِذَا زَادَ السَّائِلُ شَفَاهًا مَا لَيْسَ فِي الرُّقْعَةِ 1، [وَلَا لَهُ بِهِ تَعَلُّقٌ.
وَلَيْسَ لِلمُفْتِي أَنْ يَكْتُبَ جَوَابَهُ فِي الرُّقْعَةِ] 2.
وَلَا بَأْسَ بِأَنْ 3 يُضِيفَهُ إِلَى السُّؤَالِ بِخَطِّهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الأْدَبِ كَوْنُ السُّؤَالِ جَمِيعِهِ بِخَطِّ الْمُفْتِي.
وَلَا بَأْسَ لَوْ كَتَبَ بَعْدَ جَوَابِهِ عَمَّا فِي الرُّقْعَةِ: "زَادَ السَّائِلُ مِنْ لَفْظِهِ كَذَا وَكَذَا، وَالْجَوَابُ عَنْهُ كَذَا وَكَذَا".
وَإِذَا 4 كَانَ الْمَكْتُوبُ [فِي الرُّقْعَةِ] 5 عَلَى خِلَافِ الصُّورَةِ الْوَاقِعَةِ، وَعَلِمَ الْمُفْتِي بِذَلِكَ؛ فَلْيُفْتِ عَلَى مَا وَجَدَهُ فِي الرُّقْعَةِ، وَلْيَقُلْ: "هَذَا إِنْ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَ 6، وَإِنْ كَانَ كَيْتَ وَكَيْتَ -وَيَذْكُرُ مَا عَلِمَهُ مِنَ الصُّورَةِ-؛ فَالْحُكْمُ كَذَا وَكَذَا".
وَإِنْ زَادَ الْمُفْتِي عَلَى جَوَابِ الْمَذْكُورِ فِي السُؤَالِ، بِمَا لَهُ [بِهِ] 1 تَعَلُّقٌ، وَيُحْتَاجُ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ 2؛ فَحَسَنٌ 3.
فَصْلٌ
لَا يَنْبَغِي إِذَا ضَاقَ مَوْضِعُ الْفَتْوَى عَنْهَا أَنْ يَكْتُبَ الْجَوَابَ فِي رُقْعَةٍ أُخْرَى؛ خَوْفًا مِنَ الْحِيلَةِ عَلَيْهِ.
وَلِهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُهُ مَوْصُولًا بِآخِرِ سَطْرٍ فِي الرُّقْعَةِ.
وَلا 1 يَدَعُ بَيْنَهُمَا فُرْجَةً؛ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُثْبِتَ 2 السَّائِلُ فِيهَا غَرَضًا لَهُ ضَارًّا.
وَكَذَا 3: إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِ الْجَوَابِ وَرَقَةٌ مُلْتَزِقَةٌ؛ كتَبَ عَلَى مَوْضِعِ الالْتِزَاقِ وَشَغَلَهُ بِشَيْء.
وَإِذَا أَجَابَ عَلَى ظَهْرِ الرُّقْعَةِ: فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي أَعْلَاهَا لَا فِي ذَيْلِهَا، إِلَّا أَنْ يَبْتَدِئَ الْجَوَابَ فِي أسْفَلِهَا مُتَّصِلًا بِالاسْتِفْتَاءِ، فَيَضِيقَ عَلَيْهِ الْمَوْضِعُ، فَيُتِمَّهُ وَرَاءَهَا ممَّا يَلِي أَسْفَلَهَا؛ لِيَتَّصِلَ [بِهِ] 4 جَوَابُهُ.
وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ: أَنْ يَكْتُبَ عَلَى ظَهْرِهَا، وَلَا يَكْتُبَ عَلَى حَاشِيتِهَا بِطُولِهَا.
وَحَاشِيَتُهَا أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْ ظَهْرِهَا.
وَالأمْرُ فِي ذَلِكَ قَرِيبٌ 5.
فَصْلٌ
إِذَا سَبَقَ بِالْجَوَابِ (1) مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلفَتْوَى
2؛ لَمْ يُفْتِ مَعَهُ، لِأنَّهُ تَقْرِيرٌ 3 لِمُنْكَرٍ، بَلْ يَضْرِبُ عَلَى ذَلِكَ بِإِذْنِ صَاحِبِ الرُّقْعَةِ.
وَلَو لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ 4 فِي هَذَا الْقَدْرِ؛ جَازَ.
لَكِنْ لَيْسَ لَهُ احْتِبَاسُ الرُّقْعَةِ إِلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِهَا.
ولَهُ انْتِهَارُ السَّائِلِ وَزَجْرُهُ، وَتَعْرِيفُهُ قُبْحَ مَا أَتَاهُ، وَأنَهُ قَدْ كَانَ وَاجِبًا 5 عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْ أَهْلِ الْفَتْوَى 6، وَطَلَبُ فُتْيَا مَنْ يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ.
وَإِنْ رَأَى فِيهَا اسْمَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ؛ سَأَلَ عَنْهُ.
فَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ؛ فَوَاسِعٌ لَهُ 7 أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ الْفَتْوَى مَعَهُ؛ خَوْفًا مِمَّا قُلْنَاهُ.
وَكَانَ بَعْضُهُمْ فِي مِثْلِ هَذَا يَكْتُبُ عَلَى ظَهْرِهَا 8.
وَالأوْلَى فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِهَا بِإِبْدَالِهَا، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ؛ أَجَابَهُ شَفَاهًا.1
وَإِنْ خَافَ فِتَنةً [مِنَ الضَّرْبِ] 1 عَلَى فُتْيَا مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لَهَا، وَلَمْ تَكُنْ خَطَأً؛ امْتَنَعَ مِنَ الفُتْيَا مَعَهُ.
فَإِنْ غَلَبَتْ فتاوِيهِ؛ لِتَغَلُّبِهِ عَلَى مَنْصِبِهَا بِجَاهٍ أَوْ تَلْبِيسٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، بحَيْثُ صَارَ امْتِنَاعُ الْأَهْلِ مِنَ 2 الْفُتْيَا مَعَهُ ضَارًّا بِالْمُسْتَفْتِينَ 3؛ فَلْيُفْتِ مَعَهُ، وَلْيَتَلَطَّف مَعَ ذَلِكَ فِي إِظْهَارِ قُصُورِهِ لِمَنْ يَجْهَلُهُ 4.
فَصْلٌ
وَإذا ظَهَرَ لَهُ [أَنَّ] 1 الْجَوَابَ عَلَى خِلَافِ غَرَض الْمُسْتَفْتِي، وَأنَّهُ لَا يَرْضَى بِأن يُكتَبَ فِي وَرَقَتِهِ؛ فَليَقْتَصِرْ عَلَى مُشَافَهَتِهِ بِالْجَوَابِ، وَلَا يَكْتُبُ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ.
فَإِنَّهُ إِذَا وَافَقَ الْجَوَابُ غَرَضَ الْمُسْتَفْتِي؛ [دَعَا] 2 لِلْمُفْتِي.
وَإِنْ خَالفَهُ، سَكَتَ، أَوْ تَكَرَّهَ 3.
فَصْلٌ
وَإنْ رَأَى في وَرَقَة الاسْتفْتَاء فُتْيَا غَيْره، وَهيَ خَطَأٌ قَطْعًا، إِمَّا خَطَأٌ مُطْلَقًا [لِمُخَالفَتِهَا الدَّلِيلَ الْقَاطِعَ] 1، وَإِمَّا عَلَى مَذْهَب مَنْ يُفْتِي ذَلِكَ الْغَيْرَ عَلَى مَذْهَبِهِ قَطْعًا؛ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإِمْتِنَاعُ مِنَ الإِفْتَاءِ، تَارِكًا لِلتَّنْبِيهِ عَلَى خَطَئِهَا، إِذَا لَمْ يَكْفِهِ ذَلِكَ غَيْرُهُ، بَلْ عَلَيْهِ الضَّرْبُ عَلَيْهَا عِنْدَ تَيَسُّرِهِ، أَوِ الإِبْدَال وَتَقْطِيعُ الرُّقْعَةِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَإِذَا تَعَذَّرَ ذَلِكَ وَمَا 2 يَقُومُ مَقَامَهُ؛ كَتَبَ صَوَابَ جَوَابِهِ عِنْدَ ذَلِكَ الْخَطَأِ.
ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُخْطِئُ أَهْلًا لِلفَتْوَى 3؛ فَحَسَن أَنْ تُعَادَ إِلَيهِ بِإِذْنِ صَاحِبِهَا.
وَإِنْ وَجَدَ فِيهَا فُتْيَا 4 مَنْ [هُوَ] 5 أَهْلٌ لِلْفَتْوَى 6، [وَهِيَ] 7 عَلَى خِلَافِ مَا يَرَاهُ هُوَ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ بِخَطَئِهَا؛ فَلْيَقْتَصِرْ [عَلَى] 8 أَنْ يَكْتُبَ جَوَابَ نَفْسِهُ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لِفُتْيَا غَيْرِهِ بِتَخْطِئَةٍ وَلَا اعْتِرَاضٍ.
وَلَا يَسُوغُ لِمُفْتٍ 1 إِذَا اسْتُفْتِيَ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِجَوَابِ غَيْرِهِ بِرَدٍّ وَلَا تَخْطِئَةٍ، بَلْ يُجِيبُ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ وِفَاقٍ أَوْ خِلَافٍ.
فَقَدْ يُفْتِي أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِمَا يُخَالِفُهُمْ فِيهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَا يَرُدُّ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ فِي مَسَائِلِ [الاجْتِهَادِ] 2 الَّتِي لَيْسَ فِيهَا نَصٌّ وَلَا إِجْمَاعٌ 3.
فَصْلٌ
إِذَا لَمْ يَفْهَمِ الْمُفْتِي السُّؤَال أَصْلًا، وَلَمْ يَحْضُرْ صَاحِبُ الْوَاقِعَةِ؛ كتَبَ: "يُزَادُ فِي الشَّرْحِ [لِنُجِيبَ] 1 عَنْهُ" أَوْ: "لَمْ أَفْهَمْ مَا فِيهَا فَأُجِيبَ 2 عَنْهُ".
وَقَال بَعْضُهُمْ: "لَا يَكْتُبُ شَيْئًا أَصْلًا" 3.
أَوْ: يَحْضُرُ السَّائِلُ لِيُشَافِهَهُ.
وَإِذَا اشْتَمَلَتِ الرُّقْعَةُ عَلَى مَسَائِلَ، فَهِمَ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ، أَوْ فَهِمَهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُرِدِ الْجَوَابَ عَنْ بَعْضِهَا، أَوِ احْتَاجَ فِي بَعْضِهَا إِلَى مُطَالعَةِ رَأْيِهِ، أَوْ كُتُبٍ هُوَ فِيهَا؛ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ وَأَجَابَ عَنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ، أَوْ يَقُوُل: "فَأَمَّا 4 بَاقِي الْمَسَائِلِ [فَلَنَا فِيْهِ] 5 نَظَرٌ" أَوْ يَقُوُل: "مُطَالعَةٌ" أَوْ يَقُوُل: "زِيَادَةُ تأَمُّلٍ".
وَإِذَا فَهِمَ مِنَ السُّؤَالِ صُورَةً، وَهُوَ يَحْتَمِلُ غَيْرَهَا؛ فَلْيَنُصَّ عَلَيْهَا فِي
أَوَّلِ جَوَابِهِ، فَيَقُولُ: "إِنْ كَانَ قَدْ قَال كَذَا وَكَذَا، أَوْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا -أَوْ 1 مَا أَشْبَهَ هَذَا-؛ فَالْحُكْمُ كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَكَذَا [وَكَذَا] 2 " 3.
فَصْلٌ
يَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ الْحُجَّةَ،
إِذَا كَانَتْ نَصًّا وَاضِحًا مُخْتَصرًا.
وَأَمَّا الْأَقْيِسَةُ وَشَبَهُهَا: فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَذْكُرَ شَيْئًا مِنْهَا.
وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُفْتِي طَرِيقَ الاجْتِهَادِ، وَلَا وَجْهَ الْقِيَاسِ وَالاسْتِدْلَالِ.
إِلَّا أَنْ تَكُونَ الْفَتْوَى 1 تتعَلَّقُ بِنَظَرِ قَاضٍ؛ فَيُومِئَ فِيهَا إِلَى طَرِيقِ الاجْتِهَادِ، وَيُلَوِّحَ بِالنُّكتَةِ الَّتِي عَلَيْهَا بَنَى الْجَوَابَ.
- أَوْ يَكُونَ غَيْرُهُ قَدْ أَفْتَى فِيهَا بِفَتْوَى [غَلِطَ فِيهَا عِنْدَهُ] 2؛ فَيُلَوِّحَ بِالنُّكتَةِ الَّتِي أَوْجَبَتْ خِلَافَهُ؛ لِيُقِيمَ عُذْرَهُ فِي مُخَالفَتِهِ.
- وَكَذَا: لَوْ كَانَ فِيمَا يُفْتِي 3 بِهِ غُمُوضٌ؛ فَحَسَن أَنْ يُلَوِّحَ بِحُجَّتِهِ.
وَهَذَا التَّفْصِيلُ أَوْلَى مِمَّا سَبَقَ مِنْ إِطْلاقِ الْمَنْعِ مِنْ تَعَرُّضِهِ لِلِاحْتِجَاجِ.
وَقَدْ يَحْتَاجُ الْمُفْتِي فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ إِلَى أَنْ يُشَدِّدَ وَيُبَالِغَ، فَيَقُولَ: "وَهَذَا 4 إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ"، أَوْ: "لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا"، أَوْ: "فَمَنْ خَالفَ
هَذَا فَقَدْ خَالفَ الْوَاجِبَ، وَعَدَلَ عَنِ الصَّوَابِ"، أَوْ: "تَرَكَ الْإِجْمَاعَ"، أَوْ: "فَقَدْ أَثِمَ وَفَسَقَ"، أَوْ: "وَعَلَى 1 وَلِيِّ الأْمْرِ أَنْ يَأخُذَ بِهَذَا وَلَا 2 يُهْمِلَ الأمْرَ".
وَمَا أَشْبَهَ هَذ الْألفَاظَ، عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ الْمَصْلَحَةُ وَيُوجِبُهُ الْحَال 3.
فَصْلٌ يَجِبُ عَلَيْهِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ الرِّقَاعِ عِنْدَهُ أَنْ يُقَدِّمَ الأسْبَقَ، فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ الْفُتْيَا.
- وَعِنْدَ التَّسَاوِي أَوِ الْجَهْلِ؛ يُقَدِّمُ السَّابِقَ بِقُرْعَةٍ 1.
- وَقِيلَ 2: "لَهُ تَقْدِيمُ الْمَرْأَةِ وَالْمُسَافِرِ الَّذِي شَدَّ رَحْلَهُ، وَفِي تَأْخِيرهِ بِتَخَلُّفِهِ 3 عَنْ رِفْقَتِهِ ضَرَرٌ 4 عَلَى مَنْ سَبَقَهُمَا.
- إِلَّا إِذَا كَثُرَ الْمُسَافِرُونَ وَالنِّسَاءُ، بِحَيْثُ يَلْحَقُ غَيْرَهُمْ مِنْ تَقْدِيمِهِمْ ضَرَرٌ كَثِيرٌ؛ فَيَعُودَ إِلَى التَّقْدِيمِ بِالسَّبْقِ أَوْ 5 الْقُرْعَةِ.
- ثُمَّ لَا يُقَدِّمُ مَنْ يُقْدِّمُهُ إِلَّا فِي فُتْيَا وَاحِدَةٍ" 6.
فَصْلٌ
وَلْيَحْذَرْ أَنْ يَمِيلَ فِي فُتْيَاهُ مَعَ الْمُسْتَفْتِي أَوْ مَعَ خَصْمِهِ؛ بِأَنْ يَكْتُبَ فِي جَوَابِهِ مَا 1 هُوَ [لَهُ، وَ] 2 يَسْكُتَ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْتَدِئَ فِي مَسائِلِ الدَّعَاوِي وَالبَيِّنَاتِ بِذِكْرِ 3 وُجُوهِ الْمَخَالِصِ مِنْهَا.
- وَإِذَا سَأَلهُ أَحَدُهُمْ 4: بِأَيِّ شَيءٍ تَنْدَفِعُ دَعْوَى كَذَا وَكَذَا، أَوْ 5 بَيِّنَةُ كَذَا وَكَذَا؟ لَمْ يَجِبْهُ؛ لِئَلَّا يَتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى إِبْطَالِ حَقٍّ.
- وَلَهُ أَنْ يَسْأَلهُ عَنْ حَالِهِ فِيمَا [إِذَا] 6 ادُّعِيَ عَلَيْهِ، فَإِذَا شَرَحَهُ لَهُ عَرَّفَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ دَافِعٍ وَغَيْرِ 7 دَافِعٍ 8.
بَاب
ُ صِفَةِ الْمُسْتَفْتِي،
وَأَحْكَامِهِ، وَآدَابِهِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ
أَمَّا صِفَتُهُ: فَهُوَ كُلُّ مَنْ لَا يَصْلُحُ لِلْفُتْيَا مِنْ جِهَةِ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا 1.
وَالتَّقْلِيدُ: "قَبُولُ قَوْلِ مَنْ 2 يَجُوزُ عَلَيْهِ الإصْرَارُ عَلَى الْخَطَأِ، بِغَيْرِ حُجَّةٍ، [عَلَى نَفْسِ مَا قُبِلَ قَولُهُ فِيهِ".
وَقِيلَ: "هُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ] 3 مُلْزِمَةٍ" كَمَا سَبَقَ.
أَخْذًا مِنَ الْقِلَادَةِ فِي الْعُنُقِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ يَتَقَلَّدُ قَوْلَ الْمُفْتِي كَالْقِلَادَةِ فِي عُنُقِهِ، أَوْ أنَّهُ قَلَّدَ ذَلِكَ الْمُفْتِيَ، وَتَقَلَّدَ الْمُفْتِي فِي عُنُقِهِ حُكْمَ مَسْأَلةِ الْمُسْتَفْتِي 4.
وَيَجِبُ الاسْتِفْتَاءُ فِي كُلُّ حَادِثَةٍ لَهُ يَلْزَمُهُ 5 تَعَلُّمُ حُكْمِهَا.
وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْبَحْثُ حَتَّى يَعْرِفَ صَلَاحِيَّةَ مَنْ يَسْتَفْتِيهِ لِلْفُتْيَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ عَرَفَهُ.
وَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ التَّرْجِيحُ لِمُفْتٍ يُفْتِيهِ عَلَى غَيْرِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ 6.
وَلَا يَكْتَفِي بِكَوْنِهِ عَالِمًا أَوْ مُنْتَسِبًا إِلَى الْعِلْمِ، وَإِنِ انْتَصَبَ فِي مَنْصِبِ التَّدْرِيسِ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ مَنَاصِبِ أَهْلِ العِلْمِ، فَلَا يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
وَيَجُوزُ 1 لَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ تَوَاتَرَ بَيْنَ النَّاسِ خَبَرُهُ 2، وَاسْتِفْتَاءُ مَنْ فَهِمَ أَنَّهُ [أَهْلٌ لِلْفَتْوَى] 3.
وَقِيلَ 4: "إِنَّمَا يُعْتَمَدُ [عَلَى] 5 قَوْلِهِ 6: "أَنَا مُفْتٍ" لَا شُهْرَتِهِ بِذَلِكَ وَلَا التَّوَاتُرِ؛ لِأنَّهُ لَا يُفيدُ عِلْمًا إِذَا 7 لَمْ يَسْتَنِدْ إِلَى مَعْلُومٍ مُحَسٍّ 8، وَالشُّهْرَةُ بَيْنَ الْعَامَّةِ لَا يُوثَقُ بِهَا 9، وَقَدْ يَكُونُ أَصْلُهَا التَّلْبِيسَ".
وَلَهُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ أَخْبَرَ الْمَشْهُورُ الْمَذْكُورُ عَنْ أَهْلِيَّتِهِ.
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْفَى فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ بمُجَرَّدِ 10 تَصَدِّيهِ لِلْفَتْوَى 11 وَاشْتِهَارِهِ بِمُبَاشَرِتِهَا، إِلَّا بِأَهْلِيَّتِهِ لَهَا.
وَقَدْ قِيلَ 12: "يُقْبَلُ فِيهَا خَبَرُ الْعَدْلِ الْوَاحِدِ".
ويَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الْعَدْلِ مِنَ الْعِلْمِ وَالبَصَرِ مَا يُمَيِّزُ بِهِ الْمُلْبِسَ مِنْ غَيْرِهِ.
وَلَا يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى خَبَرِ آحَادِ الْعَامَّةِ؛ لِكَثْرَةِ مَا يَتَطرَّقُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْتَّلَبُّسِ 1 فِي ذَلِكَ 2.
فَصْلٌ
فإِنِ اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ أَكْثَرُ مِمَّنْ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الاجْتِهَادُ وَالْبَحْثُ عَنِ الأعْلَمِ وَالأوْرَعِ [وَالأوْثَقِ] 1 لِيُقَلِّدَهُ دُونَ غَيْرِهِ؟
فِيهِ وَجْهَانِ لنَا، وَلبَقِيَّةِ الْعُلَمَاءِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ، بَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ؛ لِأَهْلِيَّتِهِمْ، وَقَدْ سَقَطَ الاجْتِهَادُ عَنْهُ، لَاسِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"، لِقَوْلِ 2 النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - "أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" 3.
وَالثَّانِي: يَجِبُ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ هَذَا الْقَدْرُ مِنَ الاجْتِهَادِ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ وَشَوَاهِدِ الْأَحْوَالِ، فَلَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ كَالْأَدِلَّةِ 4.
وَالأوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ ظَاهِرُ حَالِ السَّلَفِ لِمَا سَبَقَ.
وَمَتَى اطّلَعَ عَلَى الْأَوْثَقِ مِنْهُمَا، فَالأَظْهَرُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُهُ دُونَ الْآخَرَ، كَمَا وَجَبَ تَقْدِيمُ أَرْجَحِ الدَّلِيلَيْنِ، وَأَوْثَقِ الرِّوَايَتَيْنِ.
فَعَلَى هَذَا: يَلْزَمُهُ تَقْلِيدُ الْأَوْرَعِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَالْأَعْلَمِ مِنَ الْوَرِعِينَ.
فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَعْلَمَ وَالآخَرُ أَوْرَعَ؛ قَلَّدَ الأعْلَمَ -عَلَى الْأَصَحِّ-، لِأَنَّهُ أَرْجَحُ، وَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَاجِبٌ كَالْأَدِلَّةِ.
وَقِيلَ: "بَلْ الْأَوْرَعَ".
[لِقَوْلِ اللهِ] 1 -تَعَالى-: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ 2.
وَلِقَوْلِهِ عَلَيهِ السلام: "إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ، فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَهُ" 3.
فَصْلٌ
يُجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَيِّتِ -فِي أَصَحِّ الْمَذْهَبَيْنِ وَأَشْهَرِهِمَا-؛ لِأَنَّ الْمَذَاهِبَ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَصْحَابِهَا، وَلِهَذَا يُعتَدُّ بِهَا بَعْدَهُمْ 1 فِي الإجْمَاعِ وَالْخِلَافِ.
ويُؤَكِّدَهُ 2: أَنْ مَوْتَ الشَّاهِدِ قَبْلَ الْحُكْمِ وَبَعْدَ الأدَاءِ لَا يَمْنَعُ مِنَ الْحُكْمِ بِشِهَادتِهِ، بِخِلَافِ الْفِسْقِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ أَهْلِيّتَهُ زَالتْ بِمَوْتِهِ، فَهُوَ كَمَا لَو فَسَقَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عَاشَ لَوَجَبَ عَلَيْهِ تَجْدِيدُ الاجْتِهَادِ فِيهَا -فِي أَحَدِ الْمَذَاهِب- فَرُبَّمَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَرَأْيُهُ فِيهَا 3.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ احْتِمَالًا؛ لِاحْتِمَالِ تَغَيُّرِ اجْتِهَادِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا.
وَقُلْتُ 4: "هَذَا إِنْ لَزِمَ السَّائِلَ تَجْدِيدُ السُّؤَالِ بِتَجَدُّدِ 5 الْحَادِثَةِ لَهُ ثَانِيًا" 6.
وَمَنْ نَصَرَ الأوَّلَ قَال: "الْأَصْلُ بَقَاءُ الاجْتِهَادِ وَالْحُكْمِ".
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: "إِنْ مَاتَ الْمُفْتِي قَبْلَ عَمَلِ الْمُسْتَفْتِي [بِفُتْيَاهُ] 1، فَلَهُ الْعَمَلُ بِهَا".
قَال: "وَقِيلَ: لَا.
لِمَا سَبَقَ" 2.
وَإِنْ كَانَ قَدْ عَمِلَ بِهَا، لَمْ يَجُزْ [لَهُ] 3 تَرْكُهُ إِلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ.
فَصْلٌ
هَلْ لِلْعَامِّيِّ أَنْ يَتَخَيَّرَ وَيُقَلِّدَ أَيَّ مَذْهَبٍ شَاءَ أَمْ لا؟
- فَإِنْ كانَ مُنْتَسِبًا إِلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؛ بَنيْنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ لَهُ مَذْهَبٌ أَمْ لَا؟
وَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا مَذْهَبَ لَهُ؛ لِأَنَّ 1 [الْمَذْهَبَ إِنَّمَا يَكُونُ] 2 لِمَنْ يَعْرِفُ الْأَدِلَّةَ.
فَعَلَى هَذَا: لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ مَنْ [شَاءَ مِنْ] 3 شَافِعِيٍّ وَحَنَفِيٍّ وَمَالِكِيٍّ وَحَنْبَلِيٍّ، لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ"؛ لِقَوْلهِ - صلى الله عليه وسلم - 4: "أَصْحَابي كَالنُّجُوم؛ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ" 5. وَالثَّانِي: أَنَّ لَهُ مَذْهَبًا؛ لِأَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّ الْمَذْهَبَ الَّذِي انْتَسَبَ إلَيْهِ هُوَ الْحَقُّ، فَعَلَيهِ الْوَفَاءُ بِمُوجَبِ اعْتِقَادِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ حَنْبَلِيًّا أَوْ مَالِكِيًّا أَوْ شَافِعِيًّا؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ حَنَفَيًّا، وَلا 6 يُخَالِفَ إِمَامَهُ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْمُفْتِي الْمُنْتَسِبِ إِلَى مَذْهَبِ [إِمَامِهِ] 1 مَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُخَالِفَ إِمَامَهُ فِيهِ.
- وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدِ انْتَسَبَ إِلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ؛ انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْعَامِّيَّ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَتَمَذْهَبَ بِمَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، يَأْخُذُ بِرُخَصِهِ وَعَزَائِمِهِ؟
وَفِيهِ مَذْهَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، كَمَا لَمْ يَلْزَمْ فِي عَصْرِ أَوَائِلِ الْأُمَّةِ أَنْ يَخُصَّ الْعَامِّيُّ عَالِمًا مُعَيَّنًا بِتَقْلِيدٍ 2 لَا سِيَّمَا إِنْ قُلْنَا: "كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ".
فَعَلَى هَذَا: هَلْ لَهُ أَنْ يَسْتَفْتِيَ عَلَى أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ، أَوْ يَلْزَمَهُ أَنْ يَبْحَثَ حَتَّى يَعْلَمَ عِلْمَ مِثْلِهِ أَسَدَّ الْمَذَاهِبِ وَأَصَحَّهَا أَصْلًا، فَيَسْتَفْتِيَ أَهْلَهُ 3؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ؛ كَالْمَذْهَبَيْنِ اللَّذَيْنِ 4 سَبَقَا فِي إِلْزَامِهِ بِالْبَحْثِ عَنِ الأْعْلَمِ وَالأْفْقَهِ مِنَ الْمُفْتِينَ.
وَالثَّانِي: يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَهُوَ جَارٍ فِي كُلِّ مَنْ لَمْ يبْلُغْ رُتْبَةَ 5 الاجْتِهَادِ مِنَ الفُقَهَاءِ وَأَرْبَابِ سَائِرِ الْعُلُومِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ اتِّبَاعُ أَيِّ مَذْهَبٍ شَاءَ لَأَفْضَى إِلَى أَنْ يَلْتَقِطَ رُخَصَ الْمَذَاهِبِ مُتَّبِعًا هَوَاهُ، [وَمُتَخَيِّرًا] 6 بَيْنَ التَّحْرِيمِ وَالتَّجْوِيزِ، وَفِيهِ انْحِلالٌ
عَنِ التَّكلِيفِ، بِخِلَافِ الْعَصْرِ الْأوّلِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَكُنِ الْمَذَاهِبُ الْوَافِيَةُ بِأَحْكَامِ الْحَوَادِثِ حِينَئِذٍ قَدْ مُهِّدَتْ وَعُرِفَتْ.
فَعَلَى هَذَا: يَلْزَمُهُ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي اخْتِيَارِ مَذْهَبٍ يُقَلِّدُهُ 1 عَلَى التَّعْيِينِ.
وَهَذَا أوْلَى بِإِيجَابِ 2 الاجْتِهَادِ فِيهِ عَلَى الْعَامِّيِّ، مِمِّا سَبَقَ فِي الاسْتِفْتَاءِ 3.