المبحث الأول: مناقشة الخوارج
# 1 - الرّدّ على الخوارج: وقد ردّ النّسفي بردود يستمدّها من نصّ الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى الله تَوْبَةً نَصُوحاً﴾1، فالتوبة النصوح لا تكون إلا من الكبيرة، كما يستمدّ حججاً أخرى من أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أما تفسير الحديث: ((لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن))2، فقال النووي رحمه الله: ((القول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله، ومختاره كما يقال: لا علم إلا ما نفع، ولا مال إلا الإبل، ولا عيش إلا عيش الآخرة)).3
ومن أخطاء الخوارج عدم التفرقة بين الكبائر والصغائر من الأفعال بينما فرق الله تعالى بقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً﴾ (0.4 فالخوارج إذن، إن حاولوا حجة في تكفير الأمة لم يجدوا، وإن جعلوا الذنوب كلها كبائر، لم يجدوا إلى
الحجة سبيلاً من عقل ولا سمع.1
ولا بد أن يُفرّق بين الكبائر والصغائر: الكبائر: اختلف في حدّ الكبيرة على أقوال، أمثلها: أنها ما يترتب عليها حدّ في الدنيا، أو توعّد عليها بالنار، أو اللعنة، أو الغضب. الصغائر: قيل: الصغيرة، ما ليس فيها حدّ في الدنيا، ولا وعيد في الآخرة، والمراد بالوعيد: الخاص بالنار، أو اللعنة أو الغضب.2
ويردّ على الخوارج ومن وافقهم الذين يسلبون عن أهل الكبائر الإيمان من الكتاب قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾3، فلم يخرج تبارك وتعالى القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد أخوّة الدين بلا ريب. 2 - قال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ الله﴾.4
3 - وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾.5
ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدلّ على أن الزاني، والسارق،
والقاذف، لا يقتل، بل يُقام عليه الحدّ، فدلّ على أنه ليس بمرتدّ.1
أما الردّ على الخوارج ومن وافقهم في قولهم بتخليد أهل الكبائر في النار فهو كما قال الطحاوي رحمه الله: ((وأهل الكبائر... في النار لا يخلدون، إذا ماتوا وهم موحّدون، وإن لم يكونوا تائبين، بعد أن لقوا الله عارفين، وهم في مشيئته وحكمته، إن شاء غفر لهم وعفا عنهم، بفضله كما ذكره - عز وجل - في كتابه: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾2، وإن شاء عذبهم في النار بعدله، ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل طاعته، ثم يبعثهم إلى الجنة.3
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، قالوا وإن سرق وإن زنى؟ قال: وإن سرق وإن زنى))4، وقد تواترت بذلك الأحاديث.. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي)).5
وهذه الشفاعة تتكرر منه - صلى الله عليه وسلم - أربع مرات.
المرة الأولى: يخرج من النار بشفاعته - بعد إذن ربه له كما صرَّح بذلك
القرآن - من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان ((.. فأَُخرجْ منها من كان في قلبه مثقال حبة من بُرّة أو شعيرة من إيمان)). والمرة الثانية: يخرج من كان في قلبه مثقال حبة من خردلٍ من إيمان. والمرة الثالثة: يخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان. والمرة الرابعة: يخرج منها من قال لا إله إلا الله. فيقول الله - عز وجل -: ((وعزّتي وجلالي، وكبريائي، وعظمتي، لأُخرجَنَّ منها من قال: لا إله إلا الله)).1
اعتراض على عقيدة أهل السنة والجماعة ومناقشة هذا الاعتراض 1 - قد يقال: إنّ الشارع قد سَمَّى بعض الذنوب كفراً كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر)).2
2 - وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إذا قال الرجل لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما)).3
3 - وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها... فقد كفر بما أُنزل على محمد))4، ونظائر ذلك كثيرة، والجواب:
إن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة، لا يُكفَّر كفراً ينقل عن الملة بالكلّيّة كما قالت الخوارج، إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتدّاً يُقتل على كل حال، ولا يقبل عفو ولي القصاص، ولا تُجرى الحدود في الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، وهذا قول معلوم بطلانه، وفساده بالضرورة من دين الإسلام.
ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين؛ فإنَّ قولهم باطل أيضاً، إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾1، فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا، وجعله أخاً لولي القصاص، والمراد: أخوّة الدين لا ريب.2