بَابُ مَا جَاءَ فِي قَوْلِهِ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن نصر المروزي
- الكتاب
- مختصر [قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر]
- المؤلف
- أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج المَرْوَزِي (المتوفى: 294هـ)اختصرها: العلامة أحمد بن علي المقريزي
- الناشر
- حديث أكادمي، فيصل اباد - باكستان
- الطبعة
- الأولى، 1408 هـ - 1988 م
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة التخريج]
[السجدة: 16]
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، ثنا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، سَمِعْتُ عُرْوَةَ بْنَ النَّزَّالِ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمَّا رَأَيْتُهُ خَالِيًا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ.
قَالَ: «بَخٍ بَخٍ، لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَأَنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تُقِيمُ الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَلْقَى اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، أَوَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ بُرْهَانٌ، وَقِيَامُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يُكَفِّرُ الْخَطِيئَةَ»، وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16] " وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ مُدَّتِ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيمِ، وَزِيدَ فِي سَعَتِهَا كَذَا وَكَذَا، وَجُمِعَ الْخَلَائِقُ بِصَعِيدٍ وَاحِدٍ جِنُّهُمْ وَإِنْسُهُمْ وَيُنَادِي مُنَادٍ: سَتَعْلَمُونَ الْيَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ لِيَقُمِ الْحَمَّادُونَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَيَقُومُونَ فَيُسَرَّحُونَ إِلَى الْجَنَّةِ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ الثَّانِيَةَ سَتَعْلَمُونَ الْيَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ: لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ جُنُوبُهُمْ تَتَجَافَى عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا فَيَقُومُونَ وَيُسَرَّحُونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ الثَّالِثَةَ: سَتَعْلَمُونَ الْيَوْمَ مَنْ أَصْحَابُ الْكَرَمِ لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ ﴿لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 37] فَيَقُومُونَ فَيُسَرَّحُونَ إِلَى الْجَنَّةِ.
فَإِذَا أَخَذَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ خَرَجَ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ لَهُ عَيْنَانِ بَصِيرَتَانِ وَلِسَانٌ فَصِيحٌ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِثَلَاثَةٍ؛ بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ فَيَلْقُطُهُمْ مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيَحْشُرُ بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ.
ثُمَّ يَخْرُجُ الثَّانِيَةَ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِمَنْ آذَى اللَّهَ فَيَلْقُطُهُمْ مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ فَيُحْبَسُ بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ.
ثُمَّ يَخْرُجُ الثَّالِثَةَ فَيَقُولُ: إِنِّي وُكِّلْتُ بِأَصْحَابِ التَّصَاوِيرِ فَيَلْقُطُهُمْ مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيُحْشَرُ بِهِمْ فِي جَهَنَّمَ.
فَإِذَا أَخَذَ مِنْ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةً وَمِنْ هَؤُلَاءِ ثَلَاثَةً، نُشِرَتِ الصُّحُفُ وَوُضِعَتِ الْمَوَازِينُ وَدُعِيَ الْخَلَائِقُ لِلْحِسَابِ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَرَبِيعَةَ الْجُرَشِيِّ بِمَعْنَاهُ
حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا، ثنا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ، ثنا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا جَمَعَ اللَّهُ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ لِيَقُمِ الَّذِينَ كَانَتْ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ فَيَقُومُونَ وَهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ يُحَاسَبُ سَائِرُ النَّاسِ» وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: أَنَّهُ لَفِي التَّوْرَاةِ لَقَدْ أَعَدَّ اللَّهُ لِلَّذِينَ تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، وَمَا لَا يَعْلَمْهُ مَلَكٌ وَلَا مُرْسَلٌ قَالَ: وَنَحْنُ نَقْرَأُ ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَانَ عَرْشُ اللَّهِ عَلَى الْمَاءِ، فَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ جَنَّةً، ثُمَّ اتَّخَذَ أُخْرَى فَأَطْبَقَهَا بِلُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ.
ثُمَّ قَالَ: وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ لَا يَعْلَمُ الْخَلْقُ مَا فِيهِمَا.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] تَأْتِيهِمْ فِيهَا كُلَّ يَوْمٍ تُحْفَةٌ
ثنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، حَدَّثَنِي أَبُو صَخْرٍ، أَنَّ أَبَا حَازِمٍ، حَدَّثَهُ، قَالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ، يَقُولُ: شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسًا وَصَفَ فِيهِ الْجَنَّةَ حَتَّى انْتَهَى.
ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِ حَدِيثِهِ: «فِيهَا مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17] " قَالَ أَبُو صَخْرٍ فَأَخْبَرْتُهَا مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ الْقُرَظِيَّ فَقَالَ: أَبُو حَازِمٍ حَدَّثَكَ بِهَذَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ.
فَتَبَسَّمَ ثُمَّ قَالَ: إِنْ ثَمَّ لَكَيِّسًا كَثِيرًا، أَنَّهُمْ يَا هَذَا أَخْفَوُا اللَّهَ عَمَلًا وَأَخْفَى لَهُمْ ثَوَابًا، فَلَوْ كَانُوا قَدِمُوا عَلَيْهِ قَدْ قَرَّتْ تِلْكَ الْأَعْيُنُ وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] هُوَ قِيَامُهُمْ مِنَ اللَّيْلِ قَالَ مُجَاهِدٌ: يَقُومُونَ يُصَلُّونَ مِنَ اللَّيْلِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ قَالَ: هُمْ قَوْمٌ لَا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِمَّا فِي الصَّلَاةِ وَإِمَّا قِيَامًا وَإِمَّا قُعُودًا، وَأَمَّا إِذَا اسْتَيْقَظُوا مِنْ مَنَامِهِمْ هُمْ قَوْمُ لَا يَزَالُونَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ التَّجَافِي عَنِ الْمَضَاجِعِ هِيَ الصَّلَاةُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] قَالَ: يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ، الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِيسَى: كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَنْصَارِ يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] وَعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي حَازِمٍ قَالَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] هِيَ صَلَاةُ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ، صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ
ذِكْرُ مَنْ قَالَ التَّجَافِي عَنِ الْمَضَاجِعِ هِيَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] قَالَتْ: عَنْ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: انْتِظَارُ الصَّلَاةِ الَّتِي تُدْعَى الْعَتَمَةَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وَالْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّ عَلَى خِلَافِ هَذِهِ
الْمَقَالَةِ قَوْلُهُ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17].
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] قَالَ: مَا أَقَلُّ لَيْلَةٍ تَمُرُّ بِهِمْ يَنَامُونَ فِيهَا حَتَّى يُصْبِحُوا لَا يُصَلُّونَ فِيهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: قَلِيلًا كَانُوا يَنَامُونَ وَعَنِ الْحَسَنِ وَابْنِ نَجِيحٍ: مَدُّوا الْعَقِبَ إِلَى آخِرِ اللَّيْلِ، وَكَانَ الِاسْتِغْفَارُ فِي السَّحَرِ.
قَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ: كَانُوا قَلِيلًا مَا يَنَامُونَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: كَانُوا لَا يَنَامُونَ كُلَّ اللَّيْلِ.
وَفِي لَفْظٍ: قَلِيلًا مَا يَرْقُدُونَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ لَا يَتَهَجَّدُونَ وَعَنِ الضَّحَّاكِ: كَانَ الْمُتَّقُونَ قَلِيلًا وَكَانُوا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَقُومُونَ وَمِنْهُ مَا يَنَامُونَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ اللَّهُ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعِيُونٍ آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ كَانُوا قَلِيلًا﴾ [الذاريات: 16] يَقُولُ: الْمُحْسِنُونَ ﴿كَانُوا قَلِيلًا﴾ [الذاريات: 17] هَذِهِ مَفْصُولَةٌ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ فَقَالَ: ﴿مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] الْهُجُوعُ النَّوْمُ ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 18].
قَالَ: يَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ.
يَقُولُ: كَانُوا يَقُومُونَ وَيَنَامُونَ، كَمَا قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾ [المزمل: 20] فَهَذَا نَوْمٌ وَهَذَا قِيَامٌ: ﴿وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ﴾ [المزمل: 20] كَذَلِكَ يَقُومُونَ ثُلُثًا وَنِصْفًا وَثُلُثَيْنِ.
يَقُولُ: يَنَامُونَ وَيَقُومُونَ وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] قَالَ: مَا يَنَامُونَ وَعَنْ مُطَرِّفٍ قَالَ: لَا يَأْتِي عَلَيْهِمْ لَيْلَةٌ إِلَّا قَامُوا فِيهَا.
وَفِي لَفْظٍ: إِلَّا صَلَّوْا فِيهَا وَعَنِ الْحَسَنِ: كَابَدُوا قِيَامَ اللَّيْلِ وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَلَّمَا يَأْتِي عَلَى الْمُؤْمِنِ لَيْلَةٌ لَا يَقُومُ فِيهَا وَعَنْ أَنَسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17].
قَالَ: كَانُوا يَتَيَقَّظُونَ يُصَلُّونَ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَعَنْ مُطَرِّفٍ: كَانَ لَهُمْ قَلِيلٌ مِنَ اللَّيْلِ لَا يَهْجَعُونَهُ، كَانُوا يُصَلُّونَ وَعَنِ الْحَسَنِ وَالزُّهْرِيِّ: كَانُوا يُصَلُّونَ كَثِيرًا مِنَ اللَّيْلِ وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ: كَانُوا لَا يَنَامُونَ عَنِ الْعِشَاءِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: كَانُوا لَا يَنَامُونَ حَتَّى يُصَلُّوا الْعَتَمَةَ وَعَنْ عَطَاءٍ: كَانَ ذَلِكَ إِذْ أُمِرُوا بِقِيَامِ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا وَعَنْ قَيْسِ بْنِ عَطَاءٍ: إِنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فَرِيضَةً قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ الصَّلَاةَ.
فَلَمَّا فُرِضَتِ الصَّلَاةُ نَسَخَتْهَا ﴿قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: 17] قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَاشِئَةُ اللَّيْلِ قِيَامُ اللَّيْلِ وَفِي رِوَايَةٍ ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: 6] قَالَ: هُوَ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ نَشَأَ قَامَ.
وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: اللَّيْلُ كُلُّهُ نَاشِئَةٌ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَا: إِذَا أَنْشَأْتَ اللَّيْلَ فَإِنَّمَا هُوَ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ، كُلُّهُ نَاشِئَةٌ وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: 6] قَالَ: أَيْ سَاعَةٌ تَهَجَّدَ فِيهَا مُتَهَجِّدٌ مِنَ اللَّيْلِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ: ﴿نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: 6] يَعْنِي اللَّيْلَ كُلَّهُ
وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ: قِيَامُ اللَّيْلِ وَعَنِ الْحَسَنِ وَالضَّحَّاكِ: نَاشِئَةَ اللَّيْلِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ مِثْلُهُ وَعَنْ ثَابِتٍ: كَانَ أَنَسٌ يُصَلِّي مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ.
فَقِيلَ لَهُ: مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ؟ قَالَ: أَمَا سَمِعْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ﴾ [المزمل: 6]؟ هَذِهِ نَاشِئَةُ اللَّيْلِ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ: نَاشِئَةَ اللَّيْلِ مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَعَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي حَازِمٍ: نَاشِئَةَ اللَّيْلِ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَصَلَاةِ الْعِشَاءِ قَوْلُهُ ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.
عَنِ الْأَعْمَشِ، قَرَأَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6]، «وَأَصْوَبُ قِيلًا»: فَقِيلَ لَهُ: يَا أَبَا حَمْزَةَ، إِنَّمَا هِيَ أَقُومُ قِيلًا.
قَالَ: أَلَيْسَ أَقُومُ وَأَصْوَبُ وَأَهْيَأُ وَاحِدٌ وَعَنِ الْحَسَنِ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾.
قَالَ: اثْبُتْ فِي الْقِرَاءَةِ وَأَقْوَى عَلَى الْقِرَاءَةِ وَعَنْ مُجَاهِدٍ: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾.
قَالَ: مُوَاطَأَةً لِلْقَوْلِ وَأَفْرَغَ لِلْقَلْبِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ بِاللَّيْلِ أَثْبَتُ مِنْهُ بِالنَّهَارِ وَأَشَدُّ مُوَاطَأَةً بِاللَّيْلِ مِنْهُ بِالنَّهَارِ وَعَنْ قَتَادَةَ: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ يَقُولُ: أَثْبَتُ فِي الْخَيْرِ، ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6] يَقُولُ: وَأَحْفَظُ لِلْخَيْرِ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ الْقُرْآنَ وَحْشٌ فَاسْتَخْلُوا بِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ: وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْعَرَبِيَّةِ أَنْ تَكُونَ النَّاشِئَةُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزخرف: 3].
وَقَالَ: بَلْ هِيَ بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَوْ مَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ﴾، وَمِنْ قَوْلِهِ ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾ [الواقعة: 35] أَيِ ابْتَدَأْنَاهُنَّ.
وَيُقَالُ: نَشَأَتْ تَنْشَأُ نَشْئًا أَيِ ابْتِدَأَتْ وَأَقْبَلَتْ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ وَأَنْشَأَهَا اللَّهُ فَنَشَأَتْ وَأَنْشَأَتْ فَكَأَنَّهُ قَالَ: إِنَّ سَاعَاتِ اللَّيْلِ النَّاشِئَةَ.
وَمِنْهُ قَوْلُهُ: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ [الواقعة: 62] يُرِيدُ: ابْتِدَاءَ خَلْقِهِمْ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا شَرِيكٌ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا رَأَى نَاشِئًا فِي السَّمَاءِ اسْتَقْبَلَهُ حَيْثُ كَانَ وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ
وَفِي رِوَايَةٍ: إِذَا رَأَى نَاشِئًا مِنْ أُفُقِ السَّمَاءِ تَرَكَ عَمَلَهُ وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ وَأَقْبَلَ يَدْعُو قَالَ وَأَمَّا قَوْلُهُ: ﴿هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا﴾ فَإِنَّ الْقُرَّاءَ اخْتَلَفُوا فِي قِرَاءَةِ هَذَا الْحَرْفِ.
فَقَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَشَيْبَةُ وَنَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَعَاصِمٌ وَالْأَعْمَشُ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ ﴿وَطْئًا﴾ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ مَقْصُورَةٌ.
وَكَانَ ابْنُ عَامِرٍ وَابْنُ مُحَيْصِنٍ وَأَبُو عَمْرٍو يَقْرَؤُهَا (وِطَاءً) مَكْسُورَةَ الْوَاوِ وَمَمْدُودَةَ الطَّاءِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَهَذِهِ أَحَبُّ إِلَيَّ لِأَنَّ التَّفْسِيرَ يُصَدِّقُهَا.
فَإِنَّمَا هِيَ مُوَاطَأَةُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ إِيَّاهُ إِذَا قَامَ يُصَلِّي فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ وَقَالَ غَيْرُ أَبِي عُبَيْدٍ مَنْ قَرَأَهَا ﴿وَطْئًا﴾ أَرَادَ شِدَّةَ الْوَطْءِ أَيْ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي سَاعَاتِ اللَّيْلِ أَشَدُّ وَأَثْقَلُ عَلَى الْمُصَلِّي مِنَ الصَّلَاةِ فِي سَاعَاتِ النَّهَارِ، وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمِ اشْتَدَّتْ عَلَى الْقَوْمِ وَطْأَةُ سُلْطَانِهِمْ إِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ مَا يُلْزِمُهُمْ وَيَأْخُذُهُمْ بِهِ.
فَأَعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الثَّوَابَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ عَلَى قَدْرِ شِدَّةِ الْوَطْأَةِ وَثِقَلِهَا.
وَمَنْ قَرَأَ (وِطَاءً) فَهُوَ مَصْدَرٌ لِوَاطَأْتُ فُلَانًا عَلَى كَذَا وَكَذَا مُوَاطَأَةً وَوِطَاءً ﴿وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: 6] أَيْ أَخْلُصُ لِلْقَوْلِ لِأَنَّ اللَّيْلَ تَهْدَأُ عَنْهُ الْأَصْوَاتُ وَيَنْقَطِعُ فِيهِ الْحَرَكَاتِ فَيُخْلَصُ الْقَوْلُ وَلَا يَكُونُ دُونَ تَسْمَعُهُ وَتَفْهَمُهُ حَائِلٌ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: 7].
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: النَّوْمُ وَالْفَرَاغُ وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَقَتَادَةُ: فَرَاغًا طَوِيلًا وَعَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: 8] قَالَ: أَخْلِصْ لَهُ الْمَسْأَلَةَ وَالدُّعَاءَ وَقَالَ مَرَّةً: أَخْلِصْ إِلَيْهِ إِخْلَاصًا، وَعَنِ الضَّحَّاكِ مِثْلُهُ.
وَعَنْ قَتَادَةَ: أَخْلِصْ لَهُ الدَّعْوَةَ وَالْعِبَادَةَ قَوْلُهُ: وَ ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: 113] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: آنَاءَ اللَّيْلِ: جَوْفُ اللَّيْلِ وَقَالَ الْحَسَنُ فِي قَوْلِهِ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: 9] قَالَ: سَاعَاتُ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا.
قَالَ: يُرِيحُ رَأْسَهُ بِقَدَمِهِ وَقَدَمَيْهِ بِرَأْسِهِ وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: 113]. قَالَ: مِنْ أَوَّلِهِ وَأَوْسَطِهِ وَآخِرِهِ، عَنْ قَتَادَةَ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: 113]. يَقُولُ: قَائِمَةٌ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ وَفَرَائِضِهِ وَحُدُودِهِ
يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: 113] قَالَ: لَا يَسْتَوِي أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَمَةُ مُحَمَّدٍ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ.
قَالَ: صَلَاةُ الْعَتَمَةِ، هُمْ يُصَلُّونَهَا، وَمَنْ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يُصَلِّيهَا وَقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران: 113]. قَالَ: أُمَّةٌ عَادِلَةٌ وَعَنْ مَنْصُورٍ ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ﴾ [آل عمران: 113] قَالَ: سَمِعْنَا مَا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ يَحْيَى، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَا: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ " وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَيَزِيدِ بْنِ الْأَخْنَسِ، وَلَفْظُهُ: «لَا تَنَافُسَ بَيْنَكُمْ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ»، فَذَكَرَ مِثْلَ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64] قَالَ الْحَسَنُ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63].
قَالَ: بِالْوَقَارِ وَالسَّكِينَةِ: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] يَقُولُ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونُ وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا، ذَلَّتْ وَاللَّهِ الْأَبْدَانُ وَالْأَبْصَارُ حَتَّى حَسِبَهُمُ الْجَاهِلُ مَرْضَى، وَاللَّهِ مَا بِالْقَوْمِ مَرَضٌ، وَأَنَّهُمْ لَأَصِحَّاءُ الْقُلُوبِ وَلَكِنْ دَخَلَهُمْ مِنَ الْخَوْفِ مَا لَمْ يَدْخُلْ غَيْرَهُمْ، وَمَنَعَ مِنْهُمُ الدُّنْيَا عِلْمُهُمْ بِالْآخِرَةِ.
هَذِهِ أَخْلَاقُهُمُ الَّتِي انْتَشَرُوا بِهَا فِي النَّاسِ وَهُمُ الَّذِينَ يَبِتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا.
أَسْهَرُوا وَاللَّهِ الْأَعْيُنَ وَهَضَمُوا فِي الْآخِرَةِ كُلَّ شَيْءٍ، وَاللَّهِ مَا تَعَاظَمَ فِي أَنْفُسِهِمْ شَيْءٌ طَلَبُوا بِهِ الْجَنَّةَ، وَقَالُوا حِينَ دَخَلُوا الْجَنَّةَ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ [فاطر: 34]، ثُمَّ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَقَدْ كَابَدُوا فِي الدُّنْيَا أَحْزَانًا شَدِيدَةً وَخَوْفًا شَدِيدًا، وَاللَّهِ مَا أَحْزَنَهُمْ مِنْ أَحْزَانِ النَّاسِ شَيْءٌ، أَبْكَاهُمُ الْخَوْفُ مِنَ النَّارِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَنْ يَجْمَعَ عَلَى الْمُؤْمِنِ خَوْفَ الدُّنْيَا وَخَوْفَ الْآخِرَةِ، فَعَجِّلُوا الْخَوْفَ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ.
وَكَانَ يَقُولُ: يَا ابْنَ آدَمَ عِفَّ عَنْ مَحَارِمِ اللَّهِ تَكُنْ عَابِدًا، وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ غَنِيًّا، وَأَحْسِنْ جِوَارَ مَنْ جَاوَرَكَ مِنَ النَّاسِ تَكُنْ مُسْلِمًا، وَصَاحِبِ النَّاسَ بِالَّذِي تُحِبُّ أَنْ يُصَاحِبُوكَ بِهِ تَكُنْ عَدْلًا.
وَإِيَّاكَ وَالضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ.
إِنَّهُ قَدْ كَانَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ أَقْوَامٌ يَجْمَعُونَ كَثِيرًا وَيَبْنُونَ شَدِيدًا وَيَأْمَلُونَ بَعِيدًا، فَأَيْنَ هُمْ؟ أَصْبَحَ جَمْعُهُمْ بُورًا، وَأَصْبَحَ أَمَلُهُمْ غُرُورًا، وَأَصْبَحَتْ مَسَاكِنُهُمْ قُبُورًا.
يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ مُرْتَهَنٌ بِعِلْمِكَ وَآتٍ عَلَى أَجَلِكَ وَمَعْرُوضٌ عَلَى رَبِّكَ، فَخُذْ مِمَّا فِي يَدَيْكَ لِمَا بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ الْمَوْتِ يَأْتِيكَ الْخَيْرُ.
يَا ابْنَ آدَمَ، طَإِ الْأَرْضَ بِقَدَمَيْكَ فَإِنَّهَا عَنْ قَلِيلٍ قَبْرُكَ.
يَا ابْنَ آدَمَ، إِنَّكَ لَمْ تَزَلْ فِي هَدْمِ عُمْرِكَ مُنْذُ سَقَطْتَ مِنْ بَطْنِ أُمِّكَ.
يَا ابْنَ آدَمَ، خَالِطِ النَّاسَ وَزَائِلْهُمْ خَالِطْهُمْ بِبَدَنِكَ وَزَائِلْهُمْ بِقَلْبِكَ وَعِلْمِكَ.
يَا ابْنَ آدَمَ، تُحِبُّ أَنْ تُذْكَرَ بِحَسَنَاتِكَ وَتَكْرَهُ أَنْ تُذْكَرَ بِسَيِّئَاتِكَ وَتُبْغِضُ عَلَى الظَّنِّ وَتَغْتَمُّ عَلَى الْيَقِينِ.
وَكَانَ يَقُولُ: إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا جَاءَتْهُمْ هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ اللَّهِ صَدَّقُوا بِهَا وَأَفْضَى يَقِينُهَا إِلَى قُلُوبِهِمْ خَشَعَتْ لِلَّهِ قُلُوبُهُمْ وَأَبْدَانُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ، كُنْتُ وَاللَّهِ إِذَا رَأَيْتُهُمْ رَأَيْتُ قَوْمًا كَأَنَّهُمْ رَأْيُ عَيْنٍ.
وَاللَّهِ مَا كَانُوا بِأَهْلِ جَدَلٍ وَلَا بَاطِلٍ وَلَكِنَّهُمْ جَاءَهُمْ أَمْرٌ عَنِ اللَّهِ فَصَدِّقُوا بِهِ فَنَعَتَهُمُ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ أَحْسَنَ نَعْتٍ قَالَ: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: 63].
قَالَ الْحَسَنُ: وَالْهَوْنُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اللِّينُ وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63] قَالَ: حُلَمَاءُ لَا يَجْهَلُونُ وَإِنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلُمُوا يُصَاحِبُونَ عِبَادَ اللَّهِ نَهَارَهُمْ بِمَا يَسْمَعُونَ.
قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ لَيْلَهُمْ خَيْرَ لَيْلٍ فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64] يَنْتَصِبُونَ لِلَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَيَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهُمْ سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ فَرَقًا مِنْ رَبِّهِمْ.
قَالَ الْحَسَنُ لِأَمْرٍ مَا سَهِرُوا لَيْلَهُمْ وَلِأَمْرٍ مَا خَشَعُوا نَهَارَهُمْ.
قَالَ: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: 65] قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ ثُمَّ يَزُولُ عَنْهُ فَلَيْسَ بِغَرَامٍ إِنَّمَا الْغَرَامُ اللَّازِمُ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ.
قَالَ: صَدَقَ الْقَوْمُ وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَعَمِلُوا وَأَنْتُمْ تَتَمَنَّوْنَ فَإِيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْأَمَانِيَّ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ عَبْدًا بِأُمْنِيَّتِهَ خَيْرًا فِي دُنْيَا وَلَا آخِرَةٍ.
وَكَانَ يَقُولُ: يَا لَهَا مِنْ مَوْعِظَةٍ لَوْ وَافَقَتْ مِنَ الْقُلُوبِ حَيَاةً.
قَالَ: لَقَدْ صَحِبْتُ أَقْوَامًا يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ فِي سَوَادِ هَذَا اللَّيْلِ سُجَّدًا وَقِيَامًا يَقُومُونَ هَذَا اللَّيْلَ عَلَى أَطْرَافِهِمْ تَسِيلُ دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ، فَمَرَّةً رُكَّعًا وَمَرَّةً سُجَّدًا يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فِكَاكِ رِقَابِهِمْ، لَمْ يَمِلُّوا طُولَ السَّهَرِ لِمَا خَالَطَ قُلُوبَهُمْ مِنْ حُسْنِ الرَّجَاءِ فِي يَوْمِ الْمَرْجِعِ، فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ بِمَا أَصَابُوا مِنَ النَّصَبِ لِلَّهِ فِي أَبْدَانِهِمْ فَرِحِينَ، وَبِمَا يَأْمَلُونَ مِنْ حُسْنِ ثَوَابِهِ مُسْتَبْشِرِينَ، فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً نَافَسَهُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ وَلَمْ يَرْضَ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ بِالتَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ وَالْيَسِيرِ مِنْ فِعْلِهِ فَإِنَّ الدُّنْيَا عَنْ أَهْلِهَا مُنْقَطِعَةٌ وَالْأَعْمَالَ عَلَى أَهْلِهَا مَرْدُودَةٌ.
ثُمَّ يَبْكِي حَتَّى تَبْتَلَّ لِحْيَتُهُ بِالدُّمُوعِ وَعَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا يَوْمًا فَعَرَضَتْ لَهُ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: 10].
فَانْتَبَهَ فَقَالَ: عَلَيَّ بِالْمُصْحَفِ، لِأَلْتَمِسَ ذِكْرِي الْيَوْمَ حَتَّى أَعْلَمَ مَعَ مَنْ أَنَا وَمَنْ أُشْبِهُ، فَنَشَرَ الْمُصْحَفَ فَمَرَّ بِقَوْمٍ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 18]، وَمَرَّ بِقَوْمٍ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة: 16].
وَمَرَّ بِقَوْمٍ: ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: 64].
وَمَرَّ بِقَوْمٍ: ﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 134]. وَمَرَّ بِقَوْمٍ: ﴿يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
وَمَرَّ بِقَوْمٍ: ﴿يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37]، ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [الشورى: 38].
قَالَ: فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ لَسْتُ أَعْرِفُ نَفْسِي هَهُنَا ثُمَّ أَخَذَ فِي السَّبِيلِ الْآخَرِ.
فَمَرَّ بِقَوْمٍ: ﴿إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُوا آلِهَتَنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصافات: 35].
وَمَرَّ بِقَوْمٍ: ﴿إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [الزمر: 45] وَمَرَّ بِقَوْمٍ يُقَالُ لَهُمْ ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرٍ قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ [المدثر: 42].
قَالَ فَوَقَفَ ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ هَؤُلَاءِ.
قَالَ: فَمَا زَالَ يُقَلِّبُ الْوَرَقَ وَيَلْتَمِسُ حَتَّى وَقَعَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: 102] فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ: لَمَّا رَأَى الْعَابِدُونَ اللَّيْلَ قَدْ هَجَمَ عَلَيْهِمْ وَنَظَرُوا إِلَى أَهْلِ الْغَفْلَةِ قَدْ سَكَنُوا إِلَى فُرُشِهِمْ وَرَجَعُوا إِلَى مَلَاذِهِمْ مِنَ النَّوْمِ، قَامُوا إِلَى اللَّهِ فَرِحِينَ مُسْتَبْشِرِينَ بِمَا قَدْ وَهَبَ لَهُمْ مِنْ حُسْنِ عَادَةِ السَّهَرِ وَطُولِ التَّهَجُّدِ، فَاسْتَقْبَلُوا اللَّيْلَ بِأَبْدَانِهِمْ وَبَاشَرُوا الْأَرْضَ بِصِفَاحِ وُجُوهِهِمْ فَانْتَقَى عَنْهُمُ اللَّيْلُ وَمَا انْقَضَتْ لَذَّتُهُمْ مِنَ التِّلَاوَةِ وَلَا مَلَّتْ أَبْدَانُهُمْ مِنْ طُولِ الْعِبَادَةِ، فَأَصْبَحَ الْفَرِيقَانِ وَلَّى عَنْهُمُ اللَّيْلُ بِرِبْحٍ وَغَبْنٍ، أَصْبَحَ هَؤُلَاءِ قَدْ مَلُّوا النَّوْمَ وَالرَّاحَةَ وَأَصْبَحَ هَؤُلَاءِ مُتَطَلِّعِينَ إِلَى مَجِيءِ اللَّيْلِ لِلْعَادَةِ، شَتَّانَ مَا بَيْنَ الْفَرِيقَيْنِ.
فَاعْمَلُوا أَنْفُسَكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ فِي هَذَا اللَّيْلِ وَسَوَادِهِ فَإِنَّ الْمَغْبُونَ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، وَالْمَحْرُومَ مَنْ حُرِمَ خَيْرَهُمَا، إِنَّمَا جُعِلَا سَبِيلًا لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى طَاعَةِ رَبِّهِمْ وَوَبَالًا عَلَى الْآخَرِينَ لِلْغَفْلَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَأَحْيُوا أَنْفُسَكُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ.
فَإِنَّمَا تَحْيَى الْقُلُوبُ بِذِكْرِ اللَّهِ.
كَمْ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدِ اغْتَبَطَ بِقِيَامِهِ فِي ظُلْمَةِ حُفْرَتِهِ.
وَكَمْ مِنْ نَائِمٍ فِي هَذَا اللَّيْلِ قَدْ نَدِمَ عَلَى طُولِ نَوْمِهِ عِنْدَمَا يَرَى مِنْ كَرَامَةِ اللَّهِ لِلْعَابِدِينَ غَدًا فَاغْتَنِمُوا مَمَرَّ السَّاعَاتِ وَاللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ رَحِمَكُمُ اللَّهُ
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، ثنا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ، أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، ثنا حُيَيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَعَافِرِيُّ، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحُبُلِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " الْقُرْآنُ وَالصِّيَامُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ، يَقُولُ الْقُرْآنُ: رَبِّ مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، وَيَقُولُ الصِّيَامُ: رَبِّ إِنِّي مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ، فَيُشَفَّعَانِ " وَعَنِ الْحَسَنِ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: قُرَّاءُ الْقُرْآنِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ اتَّخَذُوهُ بِضَاعَةً.
وَصِنْفٌ أَقَامُوا حُرُوفَهُ، وَضَيَّعُوا حُدُودَهُ، وَاسْتَطَالُوا بِهِ عَلَى أَهْلِ بِلَادِهِمْ، وَاسْتَدَرُّوا بِهِ الْوُلَاةَ، وَقَدْ كَثُرَ هَذَا الضَّرْبُ مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ لَا كَثَّرَهُمُ اللَّهُ.
وَصِنْفٌ عَمَدُوا إِلَى دَوَاءِ الْقُرْآنِ فَوَضَعُوهُ عَلَى دَاءِ قُلُوبِهِمْ فَاسْتَشْعَرُوا الْخَوْفَ وَرَكَدُوا فِي مَحَارِسِهِمْ وَخَبُّوا فِي بَرَانِسِهِمْ فَأُولَئِكَ اللَّهُ يَنْصُرُ بِهِمْ عَلَى الْأَعْدَاءِ وَيَسْقِي بِهِمُ الْغَيْثَ فَوَاللَّهِ لَهَذَا مِنْ حَمَلَةِ الْقُرْآنِ أَقَلُّ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ.
قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ أَقْوَامًا وَصَحِبْتُ طَوَائِفَ مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْرَحُونَ بِشَيْءٍ مِنَ الدُّنْيَا أَقْبَلَ وَلَا يَأْسَفُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا أَدْبَرَ.
وَلَهِيَ أَهْوَنُ فِي أَعْيُنِهِمْ مِنْ هَذَا التُّرَابِ.
كَانَ أَحَدُهُمْ يَعِيشُ خَمْسِينَ أَوْ سِتِّينَ سَنَةً لَمْ يُطْوَ لَهُ ثَوْبٌ، وَلَمْ يُنْصَبَ لَهُ قِدْرٌ وَلَا جَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ شَيْئًا
قَطُّ، وَلَا أَمَرَ فِي بَيْتِهِ بِصَنْعَةِ طَعَامٍ قَطُّ.
فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَقِيَامٌ عَلَى أَطْرَافِهِمْ يَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهُمْ تَجْرِي دُمُوعُهُمْ عَلَى خُدُودِهِمْ يُنَاجُونَ رَبَّهُمْ فِي فِكَاكِ رِقَابِهِمْ، كَانُوا إِذَا عَمِلُوا الْحَسَنَةَ ذَابُوا فِي شُكْرِهَا وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَقْبَلَهَا، وَإِذَا عَمِلُوا السَّيِّئَةَ أَحْزَنَتْهُمْ وَسَأَلُوا اللَّهَ أَنْ يَغْفِرَهَا.
فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ وَعَلَى ذَلِكَ، فَوَاللَّهِ مَا سَلِمُوا مِنَ الذُّنُوبِ وَلَا نَجَوْا إِلَّا بِالْمَغْفِرَةِ.
وَإِنَّكُمْ أَصْبَحْتُمْ فِي أَجَلٍ مَنْقُوصٍ وَعَمَلٍ مَحْفُوظٍ، وَالْمَوْتُ وَاللَّهِ فِي رِقَابِكُمْ وَالنَّارُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَتَوَقَّعُوا قَضَاءَ اللَّهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِلَالٍ الثَّقَفِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: لَا تَشْهَدُ عَلَيَّ شَمْسٌ بِأَكْلٍ أَبَدًا، وَلَا يَشْهَدُ عَلَيَّ لَيْلٌ بِنَوْمٍ أَبَدًا، فَأَقْسَمَ عَلَيْهِ عُمَرُ فِي الْأَضْحَى وَالْفِطْرِ أَنْ يُفْطِرَهُمَا، وَكَانَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ إِذَا دَخَلَ فِرَاشَهُ كَانَ فِي فِرَاشِهِ بِمَنْزِلَةِ الْقَمْحَةِ فِي الْمِقْلَاةِ عَلَى النَّارِ وَكَانَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنَّ النَّارَ مَنَعَتْ مِنِّي النَّوْمَ، فَيَقُومُ إِلَى الصَّلَاةِ فَيُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ، وَقَفَلَ أَبُو رَيْحَانَةَ مِنْ غَزْوٍ فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى أَهْلِهِ تَعَشَّى، ثُمَّ قَامَ إِلَى مَسْجِدِهِ، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا يُصَلِّي حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ.
فَلَمَّا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ شَدَّ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ لِيَغْدُو إِلَى الْمَسْجِدِ، فَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ، قَدْ مَكَثْتَ فِي غَزْوَتِكَ مَا مَكَثْتَ ثُمَّ انْصَرَفْتَ، أَمَا كَانَ لَنَا مِنْكَ حَظٌّ أَوْ نَصِيبٌ إِذْ قَدِمْتَ؟ فَقَالَ لَهَا: بَلَى، وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ لَكِ حَظٌّ، وَلَوْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَانْصَرَفْتُ إِلَيْكِ وَلَكِنْ لَمْ تَخْطُرِي لِي عَلَى بَالٍ.
فَقَالَتْ: مَا الَّذِي شَغَلَكَ عَنِّي؟ قَالَ: لَمْ يَزَلْ قَلْبِي فِيمَا وَصَفَ اللَّهُ فِي جَنَّتِهِ مِنْ نَعِيمِهَا وَأَرْوَاحِهَا وَكَرَامَاتِهَا فَلَوْ خَطَرْتِ لِي عَلَى بَالٍ لَانْصَرَفْتُ إِلَيْكِ وَلَوْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ، وَكَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِهْرَاسٌ فِيهِ مَاءٌ فَيُصَلِّي مَا قُدِّرَ لَهُ ثُمَّ يَصِيرُ إِلَى الْفِرَاشِ فَيَغْفَى إِغْفَاءَ الطَّيْرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَوَضَّأُ فَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى فِرَاشِهِ، فَيَغْفَى إِغْفَاءَ الطَّيْرِ ثُمَّ يَقُومُ فَيَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي، ثُمَّ يَرْجِعُ ثُمَّ يَثِبُ فَيَتَوَضَّأُ فَيُصَلِّي.
يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي اللَّيْلَةِ أَرْبَعَ مِرَارًا أَوْ خَمْسًا، وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا،
وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ لَا يَنَامُ بِاللَّيْلِ، وَكَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي لَيْلَةٍ، وَكَانَ يُحْيِي الدَّهْرَ أَجْمَعَ فَكَانَ يُحْيِي لَيْلَةً قَائِمًا حَتَّى يُصْبِحَ، وَلَيْلَةً يُحْيِيهَا رَاكِعًا حَتَّى الصَّبَاحِ، وَلَيْلَةً يُحْيِيهَا سَاجِدًا حَتَّى الصَّبَاحِ
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، ثنا أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَّادَانِيُّ، عَنْ زِيَادٍ الْجَصَّاصِ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اعْتَمَرَ أَيَّامَ ابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، فَقَالَ: لَا تَأْخُذُوا بِي عَلَيْهِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُرَاهُ مَصْلُوبًا.
فَقَالَ لَنَا سَالِمٌ: خُذُوا بِنَا عَلَيْهِ حَتَّى نَنْظُرَ مَا يَقُولُ، فَلَمَّا هَجَمْنَا عَلَيْهِ قَالَ: أَلَمْ أَنْهَكُمْ عَنْ هَذَا؟ ثُمَّ دَنَا مِنْهُ فَقَالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُكَ إِلَّا كُنْتَ صَوَّامًا قَوَّامًا بَرًّا بِوَالِدَيْكَ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَفْلَحَتْ أُمَّةٌ تَكُونُ أَنْتَ شَرَّهَا.
ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: إِنَّ أَبِي أَخْبَرَنِي أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُعَجِّلُ لِلْمُؤْمِنِ عُقُوبَةَ دِينِهِ فِي الدُّنْيَا» وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا يُعَذِّبَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ الزُّبَيْرِ بَعْدَهَا أَبَدًا «. قَالَهَا مَرَّتَيْنِ» وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ: مَا رَأَيْتُ مُصَلِّيًا أَحْسَنَ صَلَاةً مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ: قَالَتِ الْمَرْأَةُ الَّتِي نَزَلَ عَلَيْهَا عَامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: مَا لِلنَّاسِ يَنَامُونَ وَلَا تَنَامُ؟ قَالَ: إِنَّ جَهَنَّمَ لَا تَدَعُنِي أَنْ أَنَامَ.
وَكَانَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَقُولُ: أَبَتْ عَيْنَايَ أَنْ تَذُوقَ طَعْمَ النَّوْمِ مَعَ ذِكْرِ النَّارِ، وَقَالَتْ بِنْتُ الرَّبِيعِ لِأَبِيهَا: يَا أَبَتَاهُ مَا لِي أَرَى النَّاسَ يَنَامُونَ وَلَا أَرَاكَ تَنَامُ؟ قَالَ: يَا بُنَيَّتَاهُ إِنَّ أَبَاكِ يَخَافُ الْبَيَاتَ وَقَالَتْ أُمُّ عُمَرَ بْنِ الْمُنْكَدِرِ لِعُمَرَ: إِنِّي لَأَشْتَهِي أَنْ أَرَاكَ نَائِمًا.
فَقَالَ: يَا أُمِّي وَاللَّهِ إِنَّ اللَّيْلَ لِيَرُدَّ عَلَيَّ فَيُهَوِّلُنِي فَيَنْقَضِي عَنِّي وَمَا قَضَيْتُ مِنْهُ إِرَبِي
وَكَانَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ سِيرِينَ تُسْرِجُ سِرَاجَهَا مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ تَقُومُ فِي مُصَلَّاهَا فَرُبَّمَا طُفِيَ السِّرَاجُ فَيُضِيءُ لَهَا الْبَيْتَ حَتَّى تُصْبِحَ.
وَمَكَثَتْ فِي مُصَلَّاهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً لَا تَخْرُجُ إِلَّا لِحَاجَةٍ أَوْ قَائِلَةٍ وَكَانَتْ تَدْخُلُ مَسْجِدَهَا فَتُصَلِّي فِيهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالصُّبْحُ وَلَا تَزَالُ فِيهِ حَتَّى يَرْتَفِعَ النَّهَارُ فَتَرْكَعُ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَيَكُونُ عِنْدَ ذَلِكَ وُضُوءُهَا وَنَوْمُهَا حَتَّى إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ عَادَتْ إِلَى مَسْجِدِهَا إِلَى مِثْلِهَا.
وَكَانَتْ تَقُولُ: يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، خُذُوا مِنْ أَنْفُسِكُمْ وَأَنْتُمْ شَبَابٌ، فَإِنِّي وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ الْعَمَلَ إِلَّا فِي الشَّبَابِ.
وَقَرَأَتِ الْقُرْآنَ وَهِيَ بِنْتُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَاتَتْ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ.
وَكَانَ ابْنُ سِيرِينَ إِذَا أُشْكِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ قَالَ: اذْهَبُوا فَسَلُو حَفْصَةَ كَيْفَ تَقْرَأُهُ وَكَانَ الْهُذَيْلُ ابْنُهَا يَجْمَعُ الْحَطَبَ فِي الصَّيْفِ فَيُكْسِرُهُ وَيَأْخُذُ الْقَصَبَ فَيَفْلِقُهُ فَإِذَا وَجَدَتْ حَفْصَةُ أُمُّهُ بَرْدًا فِي الشِّتَاءِ جَاءَ بِالْكَانُونِ فَوَضَعَهُ خَلْفَهَا وَهِيَ فِي مُصَلَّاهَا ثُمَّ يَقْعُدُ فَيَقِدُ بِذَلِكَ الْحَطَبَ وَالْقَصَبَ وَقُودًا لَا يُؤْذِيهَا دُخَانُهُ وَيُدْفِئُهَا.
فَمَكَثَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ.
قَالَتْ حَفْصَةُ وَعِنْدَهُ مَنْ يَكْفِيهِ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ، قَالَتْ: فَرُبَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَرِفَ إِلَيْهِ فَأَقُولُ: يَا بُنَيَّ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ.
ثُمَّ أَذْكُرُ مَا يُرِيدُ فَأَدَعُهُ.
قَالَتْ: فَلَمَّا مَاتَ رَزَقَنِي اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الصَّبْرِ مَا شَاءَ أَنْ يَرْزُقَ، غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أَجِدُ عَضَّةً لَا تَذْهَبُ.
فَبَيْنَا أَنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ أَقْرَأُ سُورَةَ النَّحْلِ إِذْ أَتَيْتُ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ، وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 96] فَأَعَدْتُهَا فَأَذْهَبَ اللَّهُ عَنِّي مَا أَجِدُ.
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ: كُنَّا فِي غَزَاةٍ وَكَانَ عَطَاءٌ الْخُرَاسَانِيُّ يُحْيِي اللَّيْلَ صَلَاةً، فَإِذَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ أَقْبَلَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ فِي فَسَاطِيطِنَا، فَنَادَى: قُومُوا فَتَوَضَّئُوا وَصِلُوا صِيَامَ هَذَا النَّهَارِ بِقِيَامِ هَذَا اللَّيْلِ، فَهُوَ أَيْسَرُ مِنْ مُقَطَّعَاتِ الْحَدِيدِ وَشَرَابِ الصَّدِيدِ الْوَحَاءَ الْوَحَاءَ ثُمَّ النَّجَاءَ النَّجَاءَ ثُمَّ يُقْبِلُ عَلَى صَلَاتِهِ.
وَكَانَ أَبُو الصَّهْبَاءِ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى يَأْتِيَ الْفِرَاشَ حَبْوًا أَوْ زَحْفًا، وَعَنْ ثَابِتٍ كَانَ قَوْمٌ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قَدْ أَدْرَكْنَا بَعْضَهُمْ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لِيُصَلِّيَ حَتَّى مَا يَسْتَطِيعَ أَنْ يَأْتِيَ فِرَاشَهُ إِلَّا حَبْوًا.
وَكَانَ ابْنُ الرَّبِيعِ الْعَدَوِيُّ يُصَلِّي حَتَّى مَا يَأْتِيَ الْفِرَاشَ إِلَّا زَحْفًا أَوْ حَبْوًا وَمَا كَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنَ أَعْبَدِهِمْ.
وَعَنْ بِلَالِ بْنِ سَعْدٍ: رَأَيْتُهُمْ يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ وَيَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا , وَقَالَ مُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ: مِنْ يَدُلُّنِي عَلَى رَجُلٍ بَكَّاءٍ بِاللَّيْلِ بَسَّامٍ بِالنَّهَارِ.
وَعَنْ ثَابِتٍ: كَانَ رَجُلٌ مِنَ الْعُبَّادِ يَقُولُ: إِذَا أَنَا نِمْتُ فَاسْتَيْقَظْتُ ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَعُودَ إِلَى النَّوْمِ، فَلَا أَنَامَ اللَّهُ عَيْنِي إِذًا فَكُنَّا نَرَاهُ يَعْنِي نَفْسَهُ.
وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ: إِذَا أَنَا نِمْتُ فَاسْتَيْقَظْتُ ثُمَّ عُدْتُ فِي النَّوْمِ فَلَا أَنَامَ اللَّهُ عَيْنِي وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ مَعْبَدَ بْنَ خَالِدٍ نَعَسَ فِي صَلَاتِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اشْفِنِي مِنَ النَّوْمِ فَمَا رُئِيَ نَاعِسًا فِي صَلَاتِهِ وَكَانَ هَمَّامُ بْنُ الْحَارِثِ يَدْعُو: اللَّهُمَّ اشْفِنِي مِنَ النَّوْمِ وَارْزُقْنِي سَهَرًا فِي طَاعَتِكَ وَقِيلَ لِرَجُلٍ: أَلَا تَنَامُ؟ فَقَالَ: عَجَائِبُ الْقُرْآنِ أَذْهَبْنَ نَوْمِي وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ يَرْكَبُ فَرَسَهُ فِي جُنْحِ اللَّيْلِ وَيَأْتِي الْمَقَابِرَ فَيَقُولُ: يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ طُوِيَتِ الصُّحُفُ وَرُفِعَتِ الْأَقْلَامُ لَا تَسْتَعْتِبُونَ مِنْ سَيِّئَةٍ وَلَا تَسْتَزِيدُونَ مِنْ حَسَنَةٍ، ثُمَّ يَبْكِي وَيَنْزِلُ عَنْ فَرَسِهِ فَيَصِفَّ قَدَمَيْهِ وَيُصَلِّي حَتَّى يُصْبِحَ، فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ رَكِبَ فَرَسَهُ حَتَّى يَأْتِيَ الْمَسْجِدَ فَيُصَلِّي مَعَ الْقَوْمِ كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي شَيْءٍ مِمَّا كَانَ فِيهِ وَكَانَ صِلَةُ بْنُ أَشْيَمَ يَخْرُجُ إِلَى الْجِبَانِ يَتَعَبَّدُ، فَكَانَ يَمُرُّ عَلَى شَبَابٍ يَلْهُونَ وَيَلْعَبُونَ فَيَقُولُ لَهُمْ: أَخْبِرُونِي عَنْ قَوْمٍ أَرَادُوا سَفَرًا فَجَارُوا النَّهَارَ عَنِ الطَّرِيقِ وَنَامُوا اللَّيْلَ مَتَى يَقْطَعُونَ سَفَرًا؟ فَكَانَ كَذَلِكَ يَمُرُّ بِهِمْ فَيَقُولُ لَهُمْ، فَمَرَّ بِهِمْ ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةَ فَانْتَبَهَ شَبَابٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا قَوْمُ إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا يَعْنِي غَيْرَنَا نَحْنُ بِالنَّهَارِ نَلْهُوا وَبِاللَّيْلِ نَنَامُ، ثُمَّ اتَّبَعَ صِلَةَ فَلَمْ يَزَلْ يَخْتَلِفُ مَعَهُ إِلَى الْجِبَانِ فَيَتَعَبَّدُ مَعَهُ حَتَّى مَاتَ وَعَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيِّ قَالَ: كَانَتِ امْرَأَةٌ متعَبْدةٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، إِذَا أَمْسَتْ قَالَتْ: يَا نَفْسُ، اللَّيْلَةُ لَيْلَتُكَ لَا لَيْلَةَ لَكِ غَيْرُهَا، فَاجْتَهَدَتْ، وَإِذَا أَصْبَحَتْ قَالَتْ: يَا نَفْسُ، الْيَوْمُ يَوْمُكِ لَا يَوْمَ لَكِ غَيْرُهُ، فَاجْتَهَدَتْ
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: يَنْبَغِي لِحَامِلِ الْقُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذِ النَّاسُ نَائِمُونَ، وَبِنَهَارِهِ إِذِ النَّاسُ مُفْطِرُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذِ النَّاسُ يَفْرَحُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذِ النَّاسُ يَخْتَالُونَ، وَبِوَرَعِهِ إِذِ النَّاسُ يَخْلِطُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذِ النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذِ النَّاسُ يَضْحَكُونَ وَعَنْ جُنْدُبِ بْنِ الرَّبِيعِ: صَحِبتُ مُحَمَّدَ بْنَ النَّضْرِ الْحَارِثِيَّ فِي سَفِينَةٍ فَمَا رَايَتُهُ نَائِمًا فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ وَلَا رَأَيْتُهُ يَأْكُلُ حَتَّى خَرَجَ مِنْهَا قَوْلُهُ ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: 7] قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الْمَكْتُوبَةِ فَانْصَبْ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَقِيلَ: فَرَاغُكَ بِاللَّيْلِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ إِذَا فَرَغْتَ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَقُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ إِلَى رَبِّكِ وَارْغَبْ إِلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ [الشرح: 7] قَالَ: إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ فَانْصَبْ فِي حَاجَتِكَ إِلَى رَبِّكَ قَوْلُهُ: ﴿فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 8] إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَفِي أُخْرَى ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: 8] اجْعَلْ رَغْبَتَكَ وَنِيَّتَكَ لِرَبِّكَ وَفِي أُخْرَى: إِذَا فَرَغْتَ الصَّلَوَاتَ فَانْصَبْ إِلَى رَبِّكَ فِيهَا وَارْغَبْ إِلَيْهِ وَعَنِ الضَّحَّاكِ: إِذَا فَرَغْتَ مِنَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَسَلَّمْتَ فَانْصَبْ فِي الدُّعَاءِ وَعَنْ قَتَادَةَ: إِذَا فَرَغْتَ مِنْ صَلَاتِكَ فَانْصَبْ إِلَى رَبِّكَ فِي دُعَائِكَ وَفِي رِوَايَةٍ: أَمَرَهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَنْ يُبَالِغَ فِي دُعَائِهِ وَقَالَ الْحَسَنُ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَمَرَهُ إِذَا فَرَغَ مِنْ غَزْوَةٍ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْعِبَادَةِ قَوْلُهُ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] قَالَ الضَّحَّاكُ: هُوَ السُهُومُ إِذَا سَهِرَ الرَّجُلُ مِنَ اللَّيْلِ أَصْبَحَ مُصْفَرًّا.
وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ رِجَالٌ يُصَلُّونَ مِنَ اللَّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحُوا رُئِيَ سُهُومُ ذَلِكَ فِي وُجُوهِهِمْ.
وَفِي أُخْرَى: قَوْلُهُ ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: 29] يَعْنِي السِّيمَاءَ، هُوَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَلَيْسَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ.
ثُمَّ قَالَ اللَّهُ ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: 29] قَالَ: هَذَا مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ، يَعْنِي أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ قَلِيلًا ثُمَّ يَزْدَادُنَ وَيَكْثُرُونَ وَيَسْتَغْلِظُونَ وَعَنْ عِكْرِمَةَ: هُوَ السَّهَرُ يُرَى فِي وُجُوهِهِمْ وَعَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ قَالَ: مَوْضِعُ السُّجُودِ مِنْ وُجُوهِهِمْ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنْ وُجُوهِهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَيَاضٌ يَغْشَى وُجُوهَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي رِوَايَةٍ: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾ [الفتح: 29] السَّمْتُ الْحَسَنُ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هُوَ الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ وَفِي رِوَايَةٍ: لَيْسَ بِنَدَبِ التُّرَابِ فِي الْوَجْهِ، وَلَكِنَّهُ التَّخَشُّعُ وَالْوَقَارُ وَعَنْ طَاؤُسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ: هُوَ الْخُشُوعُ وَالتَّوَاضُعُ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: ثَرَى الْأَرْضِ وَنَدَى الطُّهُورِ وَعَنِ الْحَسَنِ: هُوَ بَيَاضٌ فِي وُجُوهِهِمْ وَعَنْ عِكْرِمَةَ: هُوَ التُّرَابُ الَّذِي فِي جِبَاهِهِمْ وَعَنْ خَالِدٍ الْحَنَفِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: يُعْرَفُ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ سُجُودِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَوْلُهُ: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ [المطففين: 24] وَعَنْ قَتَادَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ: عَلَامَتُهُمُ الصَّلَاةُ فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ، وَذَكَرَ مَثَلًا فِي الْإِنْجِيلِ ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: 29] وَعَنِ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَقَتَادَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَخْرَجَ شَطْأَهُ قَالَا: نَبَاتَهُ فَآزَرَهُ، قَالَا: فَتَلَاحَقَ ﴿يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: 29] يَقُولُ: لِيَغِيظَ اللَّهُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ الْكُفَّارَ وَعَنْ قَتَادَةَ ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29].
قَالَ: عَلَامَتُهُمُ الصَّلَاةُ ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ﴾ [الفتح: 29] أَيْ هَذَا الْمَثَلُ فِي التَّوْرَاةِ ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ [الفتح: 29] وَهَذَا نَعْتُ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْإِنْجِيلِ، قِيلَ أَنَّهُمْ يُنْبَتُونَ نَبَاتَ الزَّرْعِ يَخْرُجُ مِنْهُمْ قَوْمٌ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71]