مختصر مغني اللبيب عن كتاب الأعاريبصفحات 44-79

الباب الأول: في تفسير المفردات وذكر أحكامها

صفحات 44-79
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
مختصر مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
الناشر
مكتبة الرشد
الطبعة
الأولى 1427هـ
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

الفرق الثاني: أنها لا تعطف الجمل -على الصحيح- ليتحقق الشرط الثاني.
الفرق الثالث: أنها إذا عطفت على مجرور أعيد حرف الجر لئلا لا يتوهم أنها الجارة، فتقول: مررت بالقوم حتى بزيد، فإن أمن اللبس جاز عدم إعادته، فتقول: عجبت من القوم حتى بنيهم.
الوجه الثالث -من أوجه حتى-: أن تكون حرف ابتداء أي تستأنف الجمل بعده، فتدخل على الجمل الاسمية كقوله: 23 - فما زالت القتلى تمج دماءها ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل1 وعلى الفعلية التي فعلها مضارع، كقراءة نافع2:

﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ 1 أو ماض كقوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا﴾ 2 وقد يكون الموضع صالحا لكونها جارة أو عاطفة أو ابتدائية كقولك: أكلت السمكة حتى رأسها، فعلى الأول يكون رأس مجرورا وعلى الثاني منصوبا وعلى الثالث مرفوعا، والرأس في حالتي النصب والرفع مأكول وفي حالة الجر غير مأكول.
تنبيهان: الأول 3: تدخل حتى الجارة على المضارع فينصب بعدها بأن مضمرة، ولها ثلاثة معان: مرادفة إلى نحو: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ 4، ومرادفة كي التعليلية، نحو: أسلم حتى تدخل الجنة.
ويحتملها قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ 5. ومرادفة إلا الاستثنائية كقوله: 24 - ليس العطاء من الفضول سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل6

ولا ينتصب الفعل بعد حتى إلا إذا كان مستقبلا، ثم إن كان مستقبلا بالنسبة إلى زمن التكلم فالنصب واجب نحو: ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ وإن كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصة جاز الوجهان؛ الرفع باعتبار زمن الحكاية، والنصب باعتبار زمن ما بعدها بالنسبة لما قبلها لأنه مستقبل، كقوله: ﴿حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ﴾ . ولا يرتفع الفعل بعد حتى إلا بثلاثة شروط: أحدها: أن يكون حالا أو مؤولا به.
الثاني: أن يكون مسببا عما قبلها، مثل: سرت حتى أدخل البلد، إذا قلتها حال الدخول، بخلاف: ما سرت حتى أدخلها، أو سرت حتى تطلع الشمس، فيتعين النصب.
الثالث: أن يكون فضلة، فلا رفع في نحو: سيري حتى أدخل البلد لئلا يبقى المبتدأ بلا خبر.

التنبيه الثاني 1: العطف بحتى قليل، حتى أنكره الكوفيون وأولوا ما يمكن فيه العطف2.
حيث 3: وطيء تقول: حوث، وهي مثلثة الثاء بناء، ومن العرب من يعربها، وهي ظرف مكان، وقد تأتي للزمان والغالب أن تقع في محل نصب على الظرفية، أو خفض بمن، وقد تخفض بغيرها، وقد تقع مفعولا به، وتلزم الإضافة إلى الجمل وإلى الفعلية أكثر، ويندر إضافتها إلى المفرد.
قال أبو الفتح4: ومن أضافها إليه أعربها، ومن أمثلته: 25 - أما ترى حيث سهيل طالعا ... نجما يضيء كالشهاب لامعا5 ويروى: حيث سهيل بضم حيث ورفع سهيل.

حرف الخاء

: خلا 1: على وجهين: أحدهما: أن تكون حرف جر فقيل موضعها نصب عن تمام الكلام وهو الصواب، وقيل تتعلق بما قبلها من فعل أو شبهه.
الثاني: أن تكون فعلا ناصبا للمستثنى، ويتعين ذلك مع ما، وفاعلها كفاعل حاشا، ومحل الجملة نصب على الحال أو الظرف أو الاستثناء على خلاف.

حرف الراء

: رب 1: حرف جر خلافا لكوفيين في اسميته2، وترد للتكثير كثيرا وللتقليل قليلا، ويجب تصديرها وتنكير مجرورها ونعته إن كان ظاهرا

وإفراده وتذكيره وتمييزه بما يطابق المعنى إن كان ضميرا.
وتحذف كثيرا بعد الواو وأقل منه بعد الفاء وأقل منهما بعد بل وأقل منهن بدونهن.
وهي زائدة إعرابا3 لا معنى.
فإذا قلت: رب رجل صالح عندي، فمحل مجرورها رفع بالابتداء.
ورب رجل صالح لقيت نصب على المفعولية.
وتزاد بعدها ما فتكفها عن العمل غالبا وتهيئها للدخول على الجملة الفعلية.

حرف السين

: السين المفردة1: حرف يختص بالمضارع ويخلصه للاستقبال، ويقول المعربون: إنها حرف تنفيس وأوضح من عبارتهم قول الزمخشري وغيره:

حرف استقبال، وزعم الزمخشري أنها إذا دخلت على محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة2 فهي مؤكدة للوعد والوعيد.
سوف 3: حرف مرادف للسين وقيل بل هي أوسع منها وتخالفها بجواز دخول اللام عليها مثل: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ 4، وفصلها بالفعل الملغى كقوله: 26- وما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء5

سي 1: من لاسيما بمعنى مثل، وتثنيته سيان، وتشديد يائه ودخول لا والواو قبلها واجب عند ثعلب، وذكر غيره أنه قد يخفف وقد تحذف الواو كقوله: 27- فه بالعقود وبالأيمان لاسيما ... عقد وفاء به من أعظم القرب2 وسي اسم لا، ويجوز فيما بعدها ثلاثة أوجه: أحدها: الجر بالإضافة، وهو أرجحها فـ ما زائدة بين المضاف والمضاف إليه كزيادتها في قوله تعالى: ﴿أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ﴾ 3. الثاني: الرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف، فما موصولة أو نكرة موصوفة بالجملة، وعلى

هذين الوجهين ففتحة سي فتحة إعراب لأنه مضاف.
الثالث: النصب إن كان نكرة على أنه تمييز، وما كافة عن الإضافة، وعليه ففتحة سي فتحة بناء.
سواء 1: تأتي بمعنى مستو فيوصف بها المكان بمعنى أنه نصف بين مكانين، والأفصح حينئذ أن يقصر مع الضم، كقوله تعالى: ﴿مَكَاناً سُوَىً﴾ 2 وقد تمد مع الفتح، كقوله: رأيت رجلا سواء والعدم وعلى هذا المعنى يخبر بها عن الواحد فما فوقه بلفظ واحد كقوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾ 3. وتأتي بمعنى الوسط والتام، والأفصح المد مع الفتح، كقوله تعالى: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ 4، وقولهم: هذا درهم سواء.

وتأتي بمعنى القصد فتقصر مع الكسر وهو أغرب معانيها، كقوله: 28- فلأصرفن سوى حذيفة مدحتي ... لفتى العشي وفارس الأحزاب1 وتأتي بمعنى مكان أو غير فتمد مع الفتح وتقصر مع الضم ويجوز الوجهان مع الكسر وتقع هذه صفة واستثناء وهي عند الزجاج وابن مالك كغير في المعنى والإعراب2 وعند سيبويه والجمهور ظرف مكان ملازم للنصب لا تخرج عنه إلا في الضرورة3 وعند الكوفيين وجماعة للوجهين4.

حرف العين المهملة

: على 1: على وجهين: أحدهما: أن تكون حرفا، ولها معان.
أحدها: الاستعلاء إما على المجرور وهو الأكثر كقوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾ 2 أو على ما يقرب منه، كقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدىً﴾ 3 وقد يكون الاستعلاء معنويا كقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ 4. الثاني: المصاحبة، كقوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ 5. الثالث: المجاوزة كـ عن، كقوله: 29- إذا رضيت علي بنو قشير ... لعمر الله أعجبني رضاها6

ويحتمل أنه ضمن معنى رضي معنى عطف.
الرابع: التعليل كقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ 1. الخامس: الظرفية، كقوله تعالى: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ 2. السادس: معنى من، كقوله تعالى: ﴿اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ 3. السابع: معنى الباء، كقوله تعالى: ﴿حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ 4. الثامن: الاستدراك والإضراب، كقولك فلان سيء الصنيع على أنه لا ييأس من رحمة الله، وقول الشاعر: 30- بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد

على أن قرب الدار ليس بنافع ... إذا كان من تهواه ليس بذي ود1 الوجه الثاني لـ"علي": أن تكون اسما بمعنى فوق وذلك إذا دخلت عليها من، كقوله.
31- غدت من عليه بعدما تم ظمؤها ... تصل، وعن قيض بزيزاء مجهل2 عن 3: على ثلاثة أوجه:

أحدها: أن تكون حرف جر وله معان: أحدها: المجاوزة، كسافرت عن بلد الظلم.
الثاني: البدل، كـ "صومي عن أمك" 1. الثالث: الاستعلاء، ﴿فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ 2. الرابع: التعليل، ﴿إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ 3. الخامس: معنى بعد، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ﴾ 4. السادس: معنى من، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ 5.

السابع: معنى الباء، ومثل بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ 1 وفيه نظر.
الوجه الثاني لـ "عن" أن تكون حرف مصدر بدلا عن أن كما في لغة تميم، يقولون يعجبني عن تفعل.
الثالث: أن تكون اسما ويتعين في مواضع: أحدها: بعد من وهو كثير، مثل: 32- فلقد أراني للرماح دريئة ... من عن يميني تارة وأمامي2 الثاني: بعد على وهو نادر، كقوله: 33- على عن يميني مرت الطير سنحا ... وكيف سنوح واليمين قطيع؟ 3

عوض 1: ظرف لاستغراق المستقبل كـ أبدا لكنه مختص بالنفي، وهو معرب إن أضيف، مبني إن لم يضف على الضم أو الفتح أو الكسر.
عسى 2: فعل، وقال سيبويه حرف إن اتصل بالضمير المنصوب، كقوله: 34- تقول بنتي قد أنى أناكا ... يا أبتا علك أو عساكا3 ومعناه الترجي في المحبوب والإشفاق في المكروه، مثالهما قوله تعالى: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ

لَكُمْ} 1، وتستعمل على أوجه: أحدها: عسى زيد أن يقوم، وإعرابه عند الجمهور: أن زيدا اسمها وأن وما دخلت عليه في تأويل مصدر خبرها.
وحيث إنه مصدر والمخبر عنه اسم عين فإنه يقدر مضاف قبل الاسم أو قبل الخبر، فيقال تقديره: عسى أمر زيد القيام، أو عسى زيد صاحب قيام.
وذهب سيبويه2والمبرد3 إلى أن عسى فعل بمعنى قارب وزيد فاعل وتأويل المصدر إلى مفعول به.
الوجه الثاني: عسى أن يقوم زيد فتكون تامة وتأويل المصدر فاعل.
الثالث: عسى زيد يقوم أو سيقوم أو قائما، وعسى فيهن فعل ناقص بلا إشكال.
الرابع: عساي وعساك وعساه، وفيه ثلاثة مذاهب:

أحدها: أن عملها عمل لعل تنصب الاسم وترفع الخبر.
الثاني: أنها على عملها ولكن استعير ضمير النصب للرفع وهو مردود.
الثالث: أنها على عملها بجعل خبرها اسمها.
الخامس: عسى زيد قائم، ويتخرج على أنها ناقصة واسمها ضمير الشأن.
"عل" 1: بالتخفيف، اسم بمعنى فوق، ولا يستعمل إلا مجرورا بمن ومقطوعا عن الإضافة، ثم إن أريد به المعرفة كان مبنيا على الضم وإلا كان معربا.
"عند" 2: اسم لمكان الحضور، وقد تأتي لزمانه، ولا تستعمل إلا ظرفا، أو مجرورة بـ "من"، ويرادفها كلمتان: إحداهما: لدى: مطلقا لكن عند أمكن منها من وجهين:

أحدهما: أنها تجيء ظرفا للأعيان والمعاني، ولا تكون لدى ظرفا للمعاني، كذا قيل.
الثاني: أن عند تستعمل في الغائب فتقول: عندي مال، وإن كان غائبا، بخلاف لدى فتختص بالحاضر، وهناك وجه ثالث؛ وهو جواز جر عند بخلاف لدى.
الكلمة الثانية: لدن لكن تخالفها في أمور.
أحدها: أنها لا تقع إلا إذا كان المحل محل ابتداء غاية، كقوله: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ 1. الثاني: أنها لا تكون إلا فضلة، وعند تكون عمدة وفضلة.
الثالث: أن جرها بـ "من" أكثر من نصبها.
الرابع: أنها مبنية عند الأكثر.
الخامس: أنها قد تضاف للجملة.
السادس: أنها قد لا تضاف أصلا.

حرف الغين المعجمة

: غير 1: اسم ملازم للإضافة، إما لفظا وإما معنى إن فهم المعنى، وتقدمت عليها ليس كقولهم: قبضت عشرة ليس غير.
ويجوز في غير هنا الضم والفتح منونة، فإن كانت منونة فضمها على أنها اسم ليس والخبر محذوف وفتحها على أنها خبر ليس والاسم محذوف، وإن كانت غير منونة فقيل هي مبنية، فيحتمل أن تكون اسما أو خبرا، وقيل معربة فإن كانت مضمومة فهي الاسم، وإن كانت مفتوحة فهي الخبر، وأما المضافة لفظا فتقع على وجهين: أحدهما: -وهو الأصل- أن تكون صفة لنكرة ولم تتعرف بالإضافة لشدة إبهامها، أو لمعرفة قريبة من النكرة مثل: ﴿نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ 2، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ 3.

الثاني: أن تكون استثنائية فتعرب إعراب الاسم الواقع بعد إلا.
ويجوز بناؤها على الفتح إذا أضيفت إلى مبني، كقوله: 35 - لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت ... حمامة في غصون ذات أو قال1 وقوله: 36 - لذ بقيس حين يأبى غيره ... تلقه بحرا مفيضا خيره2 "تنبيه -من عندي-": قال المؤلف -ابن هشام-: وقولهم: لاغير لحن قال المحشي3: "والحق

أنه ليس بلحن فقد حكاه ابن الحاجب وأقره محققو كلامه، وأنشد ابن مالك1: 37 - جوابا به تنجو اعتمد فوربنا ... لعن عمل أسلفت لا غير تسأل2

حرف الفاء

: الفاء المفردة 1: ترد على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون عاطفة فتفيد الترتيب والتعقيب والسببية، والترتيب نوعان؛ معنوي، كقام زيد فعمرو، وذكري، وهو عطف مفصل على مجمل، نحو: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ﴾ الآية2.

والتعقيب في كل شيء بحسبه، كما يقال: تزوج فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وقيل تأتي بمعنى ثم وبمعنى الواو.
والسببية تكون غالبا في العاطفة جملة أو صفة، فالأول نحو: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ 3. والثاني: نحو: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ، فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ 4، وقد تأتي في هذين الموضعين لمجرد الترتيب، كقوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ﴾ 5 وقوله: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْراً، فَالتَّالِيَاتِ ذِكْراً﴾ 6. الوجه الثاني -من أوجه الفاء:- أن تكون رابطة للجواب في الشرط وشبهه، وذلك حيث لا يصلح أن يكون شرطا، وقد تحذف للضرورة وقد يأتي بدلها إذا الفجائية.

الوجه الثالث: أن تكون زائدة في الخبر، إما مطلقا مثل: أخوك فوجد.
وإما بشرط أن يكون أمرا أو نهيا، كقوله: 38- وقائلة خولان فانكح فتاتهم ... وأكرومة الحيين خلو كما هيا1 وقولك: زيد فلا تضربه، وأما قوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ﴾ 1 فقيل زائدة وفيه بعد، وقيل جواب لـ أما مقدرة وفيه إجحاف، وقيل عاطفة على محذوف والتقدير: تنبه فاعبد الله، وأما الفاء في قولك: خرجت فإذا الأسد، فقيل زائدة لازمة، وقيل عاطفة، وقيل: للسببيه كفاء الجواب، ومثلها قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ 2 إذ لا يصح عطف الإنشاء على الخبر.
1هذا بيت من الطويل، مجهول القائل، انظر: الكتاب 1/139، وأوضح المسالك 2/136، والأشموني 1/353 والدرر 2/36. الشاهد فيه: فانكح فإن الفاء زائدة لكون الخبر أمرا.

تنبيه: قيل الفاء تكون للاستئناف كقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾ 1، والتحقيق أنها للعطف.
"في" 1 حرف جر، وله عشرة معان: الأول: الظرفية، زمانا أو مكانا، حقيقة أو مجازا، ومن المكانية؛ أدخلت الخاتم في أصبعي لكنه على القلب.
الثاني: المصاحبة، نحو: ﴿ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ﴾ 2. الثالث: التعليل، نحو: ﴿الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ 3. الرابع: الاستعلاء: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ 4. الخامس: مرادفة الباء.
السادس: مرادفة إلى، ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ 5. 1سورة البقرة الآية: 117 وسورة آل عمران الآيتان: 47, 59. وسورة الأنعام الآية: 73.
وسورة النحل الآية: 40.
وسورة مريم الآية: 35.
وسورة يس: الآية: 82.
وسورة غافر الآية: 68.

السابع: مرادفة من.
الثامن: المقايسة، وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق نحو: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ 1. التاسع: التعويض.
العاشر: التوكيد، وأجازه بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا﴾ 2.

حرف القاف

: "قد" 1: على قسمين؛ حرفية واسمية.
والاسمية إما اسم بمعنى: حسب، وإما فعل، إما اسم فعل، فالتي بمعنى حسب تستعمل مبنية وهو الأكثر، مثل: قد زيد درهم.
ومعربة وهو قليل، مثل: قد زيد درهم.
والتي بمعنى اسم الفعل تكون بمعنى يكفي كقولك: قدزيدا درهم.

والحرفية تختص بالفعل الخبري المثبت المتصرف المجرد من جازم وناصب وحرف تنفيس، وهي معه كالجزء فلا يفصل بينهما اللهم إلا بالقسم، كقوله: 39 - أخالد قد والله أوطأت عشوة ... وما قائل المعروف فينا يعنف2 وقد يحذف الفعل بعدها لدليل كقوله: 40 - أزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد3

وللحرفية خمسة معان: الأول: التوقع، مثل: قد يقدم الغائب، ولا تدخل على ماض متوقع.
الثاني: تقريب الماضي من الحال، فإذا قلت: قام زيد، احتمل أن يكون قيامه قريبا أو بعيدا، فإذا قلت: قد قام زيد، اختص بالقريب، ولذلك إذا أجيب القسم بماض متصرف مثبت، فإن كان قريبا من الحال جيء باللام وقد وإن كان بعيدا جيء باللام وحدها، وإذا كان الماضي حالا وجب دخولها عليه، مثل: ﴿وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ 1. المعنى الثالث: التقليل، مثل: قد يجود البخيل، وقيل هنا للتحقيق، والقلة مفهومة من حال البخيل.

الرابع: التكثير.
الخامس: التحقيق.
"قط" 1: على ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون ظرف زمان لاستغراق ما مضى، فتفتح قافها وتضم الطاء مشددة، وقد تخفف مع ضمها أو إسكانها وتختص بالنفي مثل: ما فعلته قط.
الثاني: أن تكون بمعنى حسب فتفتح القاف وتسكن الطاء مبنية، تقول: قط زيد درهم.
قلت: وفي الحاشية2 عن حواشي التسهيل "أنها لم تسمع إلا مقرونة بالفاء وهي زائدة لازمة عندي، وكذا أقول في قولهم: فحسب إن الفاء زائدة، وفي المطول: كثيرا ما تصدر بالفاء تزيينا للفظ" ا. هـ. الثالث: أن تكون اسم فعل بمعنى: يكفي.

حرف الكاف

: الكاف المفردة 1: تأتي جارة وغير جارة، والجارة إما اسم وإما حرف، فللحرفية خمسة معان: الأول: التشبيه.
الثاني: والتعليل، نحو: ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ﴾ 2. الثالث: الاستعلاء، وجعل منه: كن كما أنت، أي عليه، وفيه أعاريب أخرى.
الرابع: المبادرة، مثل: صل كما يدخل الوقت، وهو غريب جدا.
الخامس: التوكيد، وهي الزائدة، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ 3، وقيل الزائد مثل، وقيل لا

زيادة فيهما وإن مثل بمعنى ذات أو بمعنى صفة وقيل الكاف اسم مؤكد بمثل.
والاسمية الجارة ترادف مثل قيل تختص بالضرورة كقوله: 41 - بيض ثلاث كنعاج جم ... يضحكن عن كالبرد المنهم1 وقيل: لا، فيجوز في زيد كالأسد، أن تكون الكاف اسما بمعنى مثل.
والكاف غير الجارة نوعان، ضمير منصوب أو مجرور، ﴿ما ودعك ربك﴾ 2، وحرف للدلالة على الخطاب وهي اللاحقة لاسم الإشارة كـ "ذلك" وللضمير المنفصل المنصوب كـ "إياك" ولبعض أسماء الأفعال كـ "رويدك" ولـ "أرأيت" كـ ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ 3.

"كي" 1: على ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون اسما مختصرا من كيف كقوله: 42- كي تجنحون إلى سلم وما ثئرت ... قتلاكم ولظى الهيجاء تضطرم2 فحذفت الفاء كما حذفت في قول بعضهم: "سو أفعل"، أي سوف أفعل.
الثاني: أن تكون مرادفة للام التعليل وهي الداخلة على ما الاستفهامية في قولهم في السؤال عن العلة: كيمة، بمعنى لمه.
الثالث: أن تكون مرادفة لـ "أن" المصدرية، كقوله: ﴿لِكَيْلا تَأْسَوْا﴾ 3، فإن لم تتقدمها اللام جاز أن تكون مصدرية وجارة والناصب أن ولا يجمع بينهما إلا في الضرورة كقوله:

43 - فقالت: أكل الناس أصبحت مانحا ... لسانك كيما أن تغر وتخدعا1 كم 1: على وجهين؛ استفهامية وخبرية، ويفترقان في خمسة أمور: الأول: أن الخبرية تحتمل الصدق والكذب، بخلاف الاستفهامية.
الثاني: أن المتكلم في الخبرية لا يستدعي من المخاطب جوابا بخلاف الاستفهامية.
الثالث: أن الاسم المبدل من الخبرية لا يقترن بالهمزة فتقول: كم عبيد لي خمسون بل ستون، بخلاف الاستفهامية، فتقول: كم مالك أعشرون أم ثلاثون.
الرابع: أن تمييز الخبرية يكون مفردا أو مجموعا، وتمييز الاستفهامية لا يكون إلا مفردا.
1هذا بيت من الطويل، لجميل بن معمر جميل بثينة انظر: الديوان ص79 وشرح التسهيل 4/16 وشرح الشذور ص310، والدرر 4/67. الشاهد فيه: كيما أن حيث جمع بين كيوأن وهذه ضرورة.

الخامس: أن تمييز الخبرية واجب الخفض، وتمييز الاستفهامية منصوب إلا أن تكون مجرورة بحرف فيجوز النصب وهو الكثير، والجر بمن مضمرة وجوبا، مثل: بكم درهم اشتريت هذا الكتاب؟.
"كأي" 1: في كأين لغات أشار إليها ابن مالك في الكافية2: وفي كأين قيل: كائن وكئن ... وهكذا كأين كئين فاستبن وهي: اسم مركب من كاف التشبيه وأي المنونة، ولذا يجوز الوقوف عليها بالنون، وتكون خبرية للتكثير وهو الغالب مثل: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ 3، واستفهامية ويكون مميزها مجرورا بمن غالبا، وأوجبه بعضهم، ومن غير المجرور بمن قوله:

44 - اطرد اليأس بالرجا فكأي ... آلما حم يسره بعد عسر1 ولا يدخل عليها حرف جر وأجاز بعضهم: بكأي تبيع هذا الثوب؟، ولا يكون خبرها مفردا.
"كذا": 2 ترد على ثلاثة أوجه: الأول: أن تكون اسم إشارة مجرورا بالكاف، وقد تدخل عليها ها التنبيه، كقوله: ﴿أَهَكَذَا عَرْشُكِ﴾ 3. الثاني: أن تكون كلمة واحدة مركبة، مكنيا بها عن غير عدد، كما في الحديث: "أتذكر يوم كذا وكذا فعلت فيه كذا وكذا" 4.

الثالث: أن تكون كلمة واحدة مركبة، مكنيا بها عن عدد، وتمييزها منصوب دائما، فلا يجوز جره بمن ولا بالإضافة، خلافا للكوفيين حيث أجازوا الجر بالإضافة في غير تكرار1، ولا تستعمل غالبا إلا معطوفا عليها.
"كلا" 2: حرف ردع وزجر، لا معنى لها سوى ذلك عند سيبويه وأكثر البصريين3، فيجيزون الوقوف عليها دائما والابتداء بما بعدها.
وزاد غيرهم معنى ثالثا واختلف فيه، فقيل معنى حقا وقيل معنى ألا الاستفتاحية وقيل معنى نعم، وعلى هذه الزيادة يصح الوقوف عليها وقبلها، وإذا صلحت للردع وغيره جاز الوقوف عليها وقبلها، والأرجح حملها على الردع لأنه الغالب.
"كأن" 4: حرف عند الأكثر، وعليه إشكالان يمكن الخلاص منها بالقول بأنها بسيطة، ولها معان:

جارٍ التحميل