كتاب المناسك
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الوهاب
- الكتاب
- مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
- المؤلف
- محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
- المحقق
- عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
- الناشر
- مطابع الرياض - الرياض
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
تجب العمرة على من يجب عليه الحج، وعنه: ليست بواجبة، وبه قال مالك، "لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عنها: أواجبة هي؟ قال: لا".
صححه الترمذي، وقال الشافعي: ضعيف، لا تقوم بمثله الحجة.
وليس فيها شيء ثابت بأنها تطوع، قال ابن عبد البر: روي ذلك بأسانيد لا تصح.
وليس على أهل مكة عمرة، نص عليه.
وقال: "كان ابن عباس يراها واجبة ويقول: يا أهل مكة ليس عليكم عمرة إنما عمرتكم طوافكم بالبيت"، ووجهه: أن ركنها الطواف، وهم يفعلونه.
ولو حج الصبي والعبد صح، ولم يجزهما عن حجة الإسلام، حكاه الترمذي إجماعاً، فإن بلغ الصبي وأعتق العبد بعرفة أو قبلها غير محرمين، فأحرما ووقفا وأتما المناسك، أجزأ بغير خلاف، وإن كان وهما محرمان أجزأ.
وقال مالك: لا يجزئ، اختاره ابن المنذر.
قال أحمد: قال ابن عباس: "إذا أعتق العبد بعرفة، أجزأت عنه حجته، فإن أعتق بجمع لم تجزئ عنه".
وهؤلاء يقولون: لا يجزئ، ومالك يقوله أيضاً؛ وكيف لا يجزئه؟ وهو لو أحرم تلك الساعة كان حجه تاماً، وما أعلم أحداً قال: لا يجزئه، إلا هؤلاء.
والصبي إن كان مميزاً أحرم بإذن وليه، وإن لم يكن مميزاً أحرم عنه، وبه قال مالك والشافعي، ومعناه: أن يعقد له الإحرام؛ فيصح للصبي دون الولي، كالنكاح.
فإن أحرمت عنه أمه صح، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولك أجر"، ولا يضاف إليها إلا لكونه
تبعاً لها.
وما عجز عنه، فعَله الولي عنه، لقول جابر: "فأحرمنا عن الصبيان"، وفي لفظ: "فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم".
قال ابن المنذر: كل من نحفظ عنه: يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر، "كان ابن عمر يفعله".
وأما الطواف، فإن أمكنه المشي وإلا طيف به محمولاً، وتعتبر النية من الطائف.
ويجرد كما يجرد الكبير، قال عطاء: يفعل به كما يفعل الكبير، ويشهد المناسك، إلا أنه لا يصلى عنه.
وليس للرجل منع امرأته من حج الفرض، ولا تحليلها إن أحرمت، بغير خلاف، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
و (الاستطاعة) : ملك الزاد والراحلة، قال ابن المنذر: العمل عليه عند أهل العلم.
وقال عكرمة: هي الصحة.
وقال الضحاك: إن كان شاباً فليؤجر نفسه بمأكله وعقبه.
وعن مالك: إن كان يمكنه المشي وعادته السؤال، لزمه الحج.
فإن تكلفه من لا يلزمه من غير ضرر يلحق بغيره، مثل من يمشي ويتكسب بصناعة ولا يسأل الناس، استحب له، لقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ ، 1 فقدم الرجال.
ويجب الحج على الفور، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: يجب الحج وجوباً موسعاً، وله تأخيره، "لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر، وتخلف هو وأكثر المسلمين".
فإن عجز عنه لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، لزمه أن يقيم من يحج عنه ويعتمر من بلده.
وقال مالك: لا حج عليه إلا أن يستطع بنفسه، ولا أرى له ذلك.
ويجوز أن تنوب المرأة عن الرجل، وكرهه الحسن بن صالح.
وقال ابن المنذر: هذه غفلة عن ظاهر السنة، فـ"إنه صلى الله عليه وسلم أمر المرأة أن تحج عن أبيها"، وعليه يعتمد من أجاز حج المرأة عن الرجل.
ولا يجوز الحج والعمرة عن الحي إلا بإذنه.
ومن مات وعليه حج، أخرج عنه من ماله ما يحج به عنه، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بها فهي من الثلث.
ويستحب أن يحج عن أبويه إذا كانا عاجزين أو ميتين، "لأمره به صلى الله عليه وسلم أبا رزين والمرأة".
ويشترط لوجوبه على المرأة وجود محرم، وهذا قول إسحاق وابن المنذر.
وقال مالك والشافعي: ليس المحرم شرطاً، قال ابن المنذر: تركوا القول بظاهر الحديث، واشترط كل واحد شرطاً لا حجة معه عليه، واحتجوا بحديث الزاد والراحلة، وبحديث عدي: "يوشك أن تخرج الظعينة تؤم البيت.
.. إلخ"؛ والأول محمول على الرجل بدليل أنهم شرطوا معها غيرها، فجعله المحرم الذي بينه صلى الله عليه وسلم في أحاديثنا أولى، وكذلك اشترطوا قضاء الدين ونفقة العيال وغير ذلك، وهو غير مذكور في الحديث، واشترط كل واحد شرطاً في محل النزاع من عند نفسه، لا من كتاب ولا من سنة.
وحديث عدي يدل على وجود السفر لا على جوازه، وكذلك لم يجز في غير الحج المفروض، ولم يذكر خروج غيرها معها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
الصحيح من المذهب: أن العمرة تجب، واختار الشيخ أنها سنة، وعنه: على الأفقي، قال الشيخ: عليها نصوص.
وتلزم طاعة الوالدين في غير معصية، قال الشيخ: هذا مما فيه نفع لهما ولا ضرر عليه، فإن شق عليه ولم يضره وجب عليه وإلا فلا.
قال ابن الجوزي: من أمكنه المشي والتكسب بالصنعة فعليه الحج، واختار الشيخ عبد الحليم ولد المجد ووالد الشيخ تقي الدين بالقدرة على التكسب، وقال: هذا ظاهر على أصلنا، فإن عندنا: يجبر المفلس
على الكسب لا على المسألة، ولو قيل بوجوب الحج عليه إذا كان قادراً على الكسب وإن بعدت المسافة، كان متوجهاً على أصلنا.
واختار الشيخ وجوب الكف عن طريق يستوي فيه احتمال السلامة والهلاك، وقال: فإن لم يكف، فيكون أعان على نفسه، فلا يكون شهيداً.
وقال: الخفارة تجوز عند الحاجة إليها في الدفع عن المخفر، ولا يجوز عند عدمها كما يأخذه السلطان من الرعايا.
واختار أن كل امرأة آمنة تحج مع عدم محرم، وقوله: بنسب أو سبب مباح.
واختار الشيخ يكون محرماً بوطء الشبهة، وذكره قول أكثر العلماء، قال أحمد: لا يعجبني أن يأخذ دراهم ويحج عن غيره.
باب المواقيت
للحج ميقاتان: ميقات زمان، وميقات مكان.
أما المكان فالخمسة المذكورة، وأجمعوا على أربعة منها، واتفق أهل النقل على صحة الحديث فيها.
وذات عرق ميقات أهل المشرق في قول الأكثر؛ قال ابن عبد البر أجمعوا على أن إحرام العراقي من ذات عرق إحرام من الميقات.
روي عن أنس: "أنه كان يحرم من العقيق"، واستحسنه الشافعي وابن المنذر.
وكان الحسن بن صالح يحرم من الربذة.
وعن ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وقّت لأهل المشرق العقيق".
1 حسنه الترمذي.
قال ابن عبد البر: هو أحوط من ذات عرق، وذات عرق ميقاتهم بالإجماع.
واختلفوا فيمن وقتها، ففي صحيح مسلم أنه صلى الله عليه وسلم وقّتها وكذا في السنن من حديث عائشة.
وقال آخرون: "إنما وقّتها عمر"، رواه البخاري.
ويجوز أن عمر لم يعلم بتوقيت النبي صلى الله عليه وسلم فوقّتها برأيه فأصاب.
ومن مر على ميقات بلد صار ميقاتاً له.
سئل أحمد: عن الشامي يمر بالمدينة؟ فقال: يهلّ من ذي الحليفة.
قيل: فإن بعض الناس يقول: يهلّ من ميقاته من الجحفة.
قال: سبحان الله.
أليس يروي ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم: "هن لهن ومن أتى عليهن من غير أهلهنَّ "؟ 2 فإن مر من غير طريق ذي الحليفة، فميقاته الجحفة، مدنياً كان أو شامياً، لحديث: "يهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة"، 3 والطريق الآخر من الجحفة.
رواه مسلم.
ومَن منزله دون الميقات، فمِن موضعه، هذا قول الأكثر.
وعن مجاهد: يهلّ من مكة، والصحيح الأول، فإن في حديث ابن عباس: "فمن كان دونهن، فمهلّه من أهله".
1 وكل ميقات فخذوه بمنزلته.
ثم إن كان منزله في الحل فإحرامه منه، وإن كان في الحرم فإحرامه للعمرة من الحل، ليجمع في النسك بين الحل والحرم.
وأما الحج فينبغي أن يجوز له الإحرام من أي الحرم كالمكي، لأن أفعال العمرة كلها في الحرم، بخلاف الحج؛ قال جابر: "أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحرم إذا توجهنا من الأبطح".
2 فلا فرق بين قاطني مكة وغيرهم.
ومن لم يكن طريقه على ميقات، فإذا جاء أقرب المواقيت إليه أحرم، لقول عمر: "انظروا حذوها من طريقكم، فوقت لهم ذات عرق".
فإن تجاوز الميقات وهو لا يريد الحرم، لم يلزمه الإحرام بغير خلاف.
فإن بدا له الإحرام أحرم من موضعه، وبه قال مالك والشافعي.
وحكى ابن المنذر عن أحمد: أنه يرجع إلى الميقات فيحرم، وبه قال إسحاق؛ والأول أصح، وكلام أحمد يحمل على من تجاوزه وهو يجب عليه الإحرام، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ممن كان يريد الحج والعمرة" 3.
فإن أراد أن يدخل مكة لقتال مباح، أو لحاجة كالحطاب وناقل الميرة، فلا إحرام عليهم، "لأنه صلى الله عليه وسلم دخل يوم الفتح وهو حلال، وعلى رأسه المغفر وكذلك أصحابه".
وقال أبو حنيفة: لا يجوز لأحد أن يدخل الحرم بغير إحرام، إلا من كان دون الميقات.
ومن لا يجب عليه الحج، كالعبد والصبي والكافر إذا أعتق أو بلغ أو أسلم، بعد تجاوز الميقات، فإنهم يحرمون من موضعهم، ولا دم عليهم؛ وبه قال مالك وإسحاق.
والمكلف الذي يدخل لغير قتال أو حاجة مكررة، لا يجوز له تجاوز الميقات غير محرم؛ وعنه: ما يدل على أنه لا يجب، لما روي "أن ابن عمر دخلها بغير
إحرام"، ولأن الوجوب من الشارع، ولم يرد به إيجاب.
ومن جاوز الميقات يريد النسك غير محرم، رجع إلى الميقات فأحرم منه، فإن أحرم من موضعه فعليه دم؛ وعن عطاء: لا شيء عليه.
ولنا: قوله: "من ترك نسكاً فعليه دم".
ويكره الإحرام قبل الميقات.
وقال أبو حنيفة: الأفضل الإحرام من بلده، وكان علقمة والأسود يحرمان من بيوتهما.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه أحرموا من الميقات ولا يفعلون إلا الأفضل".
قال البخاري: "كره عثمان أن يحرم من خراسان أو كرمان".
قال عطاء: انظروا إلى هذه المواقيت التي وُقِّتت لكم، فخذوا برخص الله فيها، فإنه عسى أن يصيب أحدكم ذنباً في إحرامه فيكون أعظم لوزره".
ويكره الإحرام بالحج قبل أشهره بغير خلاف علمناه.
فإن أحرم بالحج قبل ميقات المكان صح، بغير خلاف علمناه، وإن أحرم قبل أشهره، صح أيضاً.
وقال عطاء والشافعي: يجعله عمرة، لقوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ، 1 فقدر وقت الحج وأشهر الحج.
فإذا ثبت أنه وقته لم يصح تقديمه عليه.
وأشهر الحج: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، ويروى عن ابن عباس: "ذو الحجة كله منها".
وقال الشافعي: آخرها ليلة النحر، لقوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ ، 2 ولا يمكن فرضه بعد ليلة النحر.
ولنا: قوله: "يوم الحج الأكبر: يوم النحر"، 3 ولأن فيه ركن الحج وهو طواف الزيارة، وفيه: الرمي والحلق ويوم النحر والسعي والرجوع إلى منى.
باب الإحرام
يستحب الاغتسال له، وذكر ابن المنذر الإجماع على أنه غير واجب، لأنه لم يأمر به إلا حائضاً أو نفساء ولو وجب لأمر به غيرهما.
ويستحب للمرأة كالرجل ولو كانت حائضاً أو نفساء، لـ"أمره أسماء بنت عميس بذلك".
ويستحب التنظف بإزلة الشعر وقطع الرائحة، لأنه أمر يسن له الاغتسال، فسن له هذا كالجمعة.
ويستحب له التطيب في بدنه خاصة، سواء بقي عليه كالمسك أو أثره كالعود.
وكان عطاء يكرهه، وهو قول مالك، واستدل بحديث صاحب الجبة.
ولنا: حديث عائشة، وحديث صاحب الجبة في بعض ألفاظه: "عليه جبة بها أثر الخلوق".
رواه مسلم، وفي بعضها: "ردع من زعفران"، وهو منهي عنه للرجال في غير الإحرام ففيه أولى، ولأنه في سنة ثمان، وحديثنا في سنة عشر.
قال ابن عبد البر: لا خلاف أن قصة صاحب الجبة كانت في عام حنين بالجعرانة، وحديث عائشة سنة عشر.
فإن طيب ثوبه فله استدامة لبسه ما لم ينزعه، فإن نزعه فلا يلبسه.
فأما إن عرق بالطيب وذاب بالشمس فسال إلى موضع آخر، فلا شيء عليه، لقول عائشة: "كنا نضمّد جباهنا بالمسك عند الإحرام، فإذا عرقت أجفاننا سال على وجوهنا، فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم ينهنا".
رواه أبو داود.
ويستحب أن يلبس ثوبين أبيضين نظيفين: إزاراً ورداءً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وليحرمْ أحدكم في إزار ورداء ونعلين"، 1 ولقوله: "خيار
ثيابكم البياض".
1 ويتجرد عن المخيط إن كان رجلاً.
ويصلي ركعتين ويحرم عقيبهما، وعنه: أنه عقيب الصلاة.
وإذا استوت به راحلته، وإذا بدأ بالسير سواء، لأن الجميع مروي من طرق صحيحة، والأول أولى، لحديث سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفيه زيادة علم وبيان.
وينوي الإحرام بنسك معيّن، وقال الشافعي في أحد قوليه: الإطلاق أولى، لقول طاووس: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة لا يسمي حجاً ينتظر القضاء، فنزل عليه القضاء بين الصفا والمروة".
ولنا: أنه أمر أصحابه بالإحرام بنسك معيّن، وأحرم بمعيّن، والذين معه في صحبته أعلم من طاووس.
ولا ينعقد إلا بالنية وتكفي، وقال أبو حنيفة: لا ينعقد بها حتى يضيف إليها التلبية أو سوق الهدي، لقوله صلى الله عليه وسلم: " جاءني جبريل فقال: مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية".
2 ولنا: أنها عبادة ليس في آخرها نطق واجب يكن في أولها كالصيام، والمراد بالخبر الاستحباب، فإن منطوقه رفع الصوت، ولا خلاف في عدم وجوبه؛ فعلى هذا، لو نطق بغير ما نواه، مثل أن ينوي العمرة فيسبق لسانه إلى الحج أو بالعكس، انعقد ما نواه، ذكره ابن المنذر إجماعاً.
والاشتراط مستحبٌّ، ويفيد شيئين:
أحدهما: إذا عاقه عذر أو عدو أو مرض أو ذهاب نفقة ونحوه، فله التحلل.
الثاني: أنه متى حل بذلك فلا شيء عليه، و"أنكر ابن عمر الاشتراط"، وبه قال مالك.
ولنا: قوله: "حجي واشترطي"، 3 ولا قول لأحد معه صلى الله عليه وسلم.
وإن نواه لم يتلفظ، احتمل أن لا يصح، لقوله في حديث ابن عباس: "قولي: محلّي من الأرض حيث تحبسني".
4
ولا خلاف في جواز الإحرام بأي الأنساك الثلاثة شاء، وقد دلَّ عليه قول عائشة: "فمنا من أهلَّ بعمرة ومنا من أهلَّ بحج ومنا من أهلَّ بهما".
وأفضلها: "التمتع"، روي ذلك عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما.
وعنه: "إن ساق الهدي فالقِران أفضل، لفعله صلى الله عليه وسلم".
وذهب الثوري إلى اختيار القِران، لقول أنس: "أهلَّ بهما جميعاً".
و"ذهب مالك إلى الإفراد"، روي عن عمر وعثمان، لما "صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه أفرد الحج".
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه لما طافوا أن يحلّوا ويجعلوها عمرة"، 1 فنقلهم من الإفراد والقِران إلى المتعة، ولم يختلف عنه: "أنه لما قدم مكة أمرهم أن يحلّوا، إلا من ساق هدياً وثبت على إحرامه، وقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت، لما سقت الهدي، ولجعلتها عمرة"، 2 ولأن التمتع في القران دون سائر الأنساك.
وأما حجتهم بفعله صلى الله عليه وسلم، فعنها أجوبة: أحدها: منع أن يكون محرماً بغير التمتع، لأن رواة حديثهم رووا أنه تمتع، ومرة اختلفوا؛ والقضية واحدة.
وأحاديثهم في القران أصحها: حديث أنس، و"قد أنكره ابن عمر".
وأكثر الروايات أنه كان متمتعاً، وإنما منعه من الحل الهدي.
وقول أبي ذر إنها خاصة بالصحابة يخالف الكتاب والسّنة والإجماع.
قال أحمد لما ذكر له: أفيقول بهذا أحد؟ المتعة في كتاب الله.
فإن قيل: "نهى عنها عمر وعثمان ومعاوية"، قلنا: قد أنكر عليهم علماء الصحابة وخالفوهم، قال سعد: "فعلناها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا يومئذ كافر بالعُرُش"، والعرش بيوت مكة.
وقال عمر: "والله إني لأنهاكم عنها، وإنها لفي كتاب الله، وقد صنعها رسول الله"، ولا خلاف أن من خالف الكتاب والسنة حقيق بأن لا يقبل نهيه.
قيل لابن عباس: إن فلاناً
نهى عن المتعة، فقال: "انظروا في كتاب الله، فإن وجدتموها فقد كذب على الله ورسوله، وإن لم تجدوها فيه فقد صدق".
وصفة التمتع: أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ويحرم بالحج من مكة أو قريباً منها في عامه.
والإفراد: أن يحرم بالحج مفرداً.
والقِران أن يحرم بهما جميعا، ً أو يحرم بالعمرة ثم يدخل عليها الحج.
وإذا أدخل الحج على العمرة قبل طوافها من غير خوف الفوات جاز، وكان قارناً بغير خلاف، وأما بعد الطواف فلا يصير قارناً.
وقال مالك: يصير قارناً.
ولنا: أنه قد شرع في التحلل منها، فلم يجز كما بعد السعي، إلا أن يكون معه الهدي فله ذلك، لأنه لا يتحلل حتى ينحر، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ، 1 فلا يتحلل بطوافه.
ويتعين إدخال الحج على العمرة لئلا يفوته الحج، فأما إدخال العمرة على الحج فلا يجوز، فإن فعل لم يصر قارناً.
وقال أبو حنيفة: يصح ويصير قارناً.
ولنا: أنه قول علي، رواه الأثرم، ولأن إدخالها لا يفيده إلا ما أفاده العقد الأول فلم يصح.
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من أهلَّ بعمرة من أهل الآفاق في أشهر الحج من الميقات، وقدم مكة ففرغ منها وأقام بها، فحج من عامه، أنه متمتع وعليه الهدي إن وجد، وإلا فالصيام.
والدم الواجب: شاة أو سُبُع بدنة أو بقرة؛ فإن نحر بدنة أو ذبح بقرة فقد زاد خيراً.
وقال: لا يجزئ إلا بدنة، "لأنه صلى الله عليه وسلم لما تمتع ساق بدنة"، وهذا ترك لظاهر القرآن وإطراح للآثار الثابتة ولا حجة فيها، لأن
إهداء البدنة لا يمنع إجزاء ما دونها، فـ"إنه صلى الله عليه وسلم ساق مائة بدنة"، ولا خلاف أنه ليس بواجب.
وهم يقولون إنه كان مفرداً، فكيف يكون سوق البدنة دليلاً لهم في التمتع.
ولا نعلم خلافاً أن من اعتمر في غير أشهر الحج وفرغ منها قبل أشهره، أنه لا يكون متمتعاً، إلا قولين شاذّين: أحدهما عن طاووس: إذا اعتمرت في غير أشهر الحج ثم أقمت حتى تحج، فأنت متمتع.
والآخر عن الحسن أنه قال: "من اعتمر بعد النحر فهي متعة".
قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً قال بواحد من هذين.
فـ"أما إن أحرم بها في غير أشهره ثم حل منها في أشهره، فإنه لا يكون متمتعاً"؛ نقل ذلك عن جابر، وبه قال إسحاق.
وقال طاووس: عمرته في الشهر الذي يدخل فيه الحرم.
وقال الثوري: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه.
وقال مالك: عمرته في الشهر الذي يحل فيه.
وإن اعتمر في أشهره ثم لم يحج ذلك العام، فليس بمتمتع، لا نعلم فيه خلافاً، إلا قولاً شاذاً عن الحسن: من اعتمر في أشهر الحج فهو متمتع، حج أو لم يحج.
والجمهور على خلاف هذا، لقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ، 1 وهذا يقتضي الموالاة بينهما.
وإن سافر بين الحج والعمرة سفراً يقصر فيه الصلاة، فليس بمتمتع، وقال الشافعي: إن رجع إلى الميقات فلا دم عليه.
وقال مالك: إن رجع إلى مصره أو أبعد منه، بطلت متعته، وإلا فلا.
وقال الحسن: هو متمتع وإن رجع إلى بلده، واختاره ابن المنذر، لعموم قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ 2. ولنا: ما روي عن عمر أنه قال: "إذا اعتمر في أشهر الحج ثم أقام، فهو متمتع.
فإن خرج ورجع، فليس بمتمتع"، ولأنه إذا رجع إلى الميقات أو ما دونه لزم الإحرام منه،
فإذا كان بعيدا فقد أنشأ سفراً بعيداً لحجه فلم يترفه بترك أحد السفرين، فلم يلزمه دم.
والآية تناولت المتمتع، وهذا ليس بمتمتع بدليل قول عمر.
فإن لم يحل من إحرام العمرة حتى أدخل عليها الحج، فإنه يصير قارناً ولا يلزمه دم المتعة، لكن عليه دم القِران.
فأما قول عروة: "لم يكن في ذلك هدي"، فإنه يحتمل أنه أراد هدي المتعة، "لأنه صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه بقرة"؛ ولا خلاف أن دم المتعة لا يجب على حاضري الحرم، لقوله تعالى ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ، 1 والمعنى أن ميقاتهم مكة، فلا يحصل لهم الترفه بترك أحد السفرين، ولأنه أحرم من ميقات أشبه المفرد، وهم أهل الحرم ومن بينه وبينه مسافة القصر، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: هم أهل مكة.
وقال مجاهد: هم أهل الحرم.
فإن دخل الآفاقي مكة متمتعاً ناوياً الإقامة بها بعد تمتعه، فعليه دم المتعة.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
ومتعة المكي صحيحة، إلا أنه لا دم عليه، وعنه: ليس على أهل مكة، متعة ومعناه: ليس عليهم دم المتعة.
وإن أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج، ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم في أشهر الحج، وحج من عامه، فهو متمتع، نص عليه.
وذكره القاضي شرطاً سادساً لوجوب الدم، وهو: أن ينوي في ابتداء العمرة أو أثناءها المتعة؛ والإجماع الذي سبق عن ابن المنذر مخالف لهذا، لأنه قد حصل له الترفه بأحد السفرين.
ويجب الهدي إذا أحرم بالحج، وهو قول الشافعي لقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ، 2 ولأنه جعل غاية فوجد أوله لقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ . 3 وعنه: إذا وقف بعرفة، وهو قول
مالك، لأن التمتع لا يحصل إلا به، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفة".
1 وأما وقت ذبحه: فيوم النحر، وبه قال مالك، وعنه: إن دخل مكة قبل العشر نحره، لا يضيع أو يموت أو يرق، كذا قال عطاء.
ومن قدم في العشر لا ينحر إلا بمنى، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه كذا فعلوا.
ويجب الدم على القارن، لا نعلم فيه خلافاً، إلا عن داود.
ولنا: "أن علياً لما سمع عثمان ينهى عن المتعة، أهل بهما ليعلم الناس أنه ليس بمنهي عنه".
وقال ابن عمر: "إنما القِران لأهل الآفاق" وتلا الآية، ولأنه ترفه بسقوط أحد السفرين، إلا أن يكون من حاضري المسجد الحرام في قول الجمهور.
وقال ابن الماجشون: عليه دم لأنه ليس بمتمتع.
ومن كان مفرداً أو قارناً أحببنا له الفسخ إلى العمرة، إلا أن يكون معه هدي، فليس له أن يحل بغير خلاف.
و"كان ابن عباس يرى أن من طاف وسعى فقد حل، وإن لم ينو ذلك".
وبهذا الذي ذكرناه قال الحسن ومجاهد وداود، وذهب أكثر أهل العلم إلى أنه لا يجوز.
ولو ساق المتمتع الهدي لم يكن له أن يحل، للآية، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "من كان معه هدي فلا يحل ... إلخ" 2. وقال مالك: له التحلل.
وينحر هديه عند المروة.
وعنه: إن قدم قبل العشر نحر، وهو يدل على أنه إذا قدم قبل العشر حلَّ وإن كان معه هدي.
وقال: "من لبد أو ضفر فهو بمنزلة من ساق الهدي"، لحديث حفصة؛ والرواية الأولى أولى، لما ذكرنا من الحديث الصحيح، وهو أولى بالاتباع.
فأما المعتمر غير المتمتع، فإنه يحل في أشهر الحج وغيرها، معه هدي أو لا، "لأنه صلى الله عليه وسلم اعتمر ثلاثاً فكان يحل".
فإن كان معه هدي نحره عند المروة، وحيث نحره من الحرم جاز، لقوله: "كل فجاج مكة طريق ومنحر".
3 رواه أبو داود وابن ماجة.
والمرأة إذا دخلت متمتعة فحاضت وخشيت فوات الحج، أحرمت به وصارت قارنة.
وقال أبو حنيفة: قد رفضت العمرة وصار حجاً، وما قال هذا أحدٌ غيره؛ وحجته قول عروة في حديث عائشة: "أهلّي بالحج ودَعي العمرة "، 1 وهذا اللفظ انفرد به عروة، وخالف فيه كل من روى عن عائشة.
وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال لها: "قد حللت من حجك وعمرتك".
2
ومن أحرم مطلقاً يصرفه إلى ما شاء، والأولى صرفه إلى العمرة، "لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أبا موسى حين أحرم بما أهلَّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وإن أحرم بمثل ما أحرم به فلان، انعقد إحرامه بمثله.
وإذا استوى على راحلته لبى تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لبيك اللهم لبيك.
لبيك لا شريك لك لبيك.
إن الحمد والنعمة لك والملك.
لا شريك لك ". 3 ولا يستحب الزيادة عليها ولا يكره، "لأنه صلى الله عليه وسلم لزم تلبيته ولم ينكر الزيادة عليها".
ويستحب رفع الصوت بها، والإكثار منها.
وعن الثوري: أن التلبية من شرط الإحرام، ولا يصح إلا بها كالتكبير للصلاة، لأن ابن عباس قال في قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ﴾ : 4 "الإهلال".
وعن عطاء وطاووس: هو التلبية.
ويستحب ذكر ما أحرم به في تلبيته، وقيل: "لا يستحب"، وبه قال الشافعي، ويروى عن ابن عمر، "لأن في حديث جابر ما سمّى في تلبيته حجة ولا عمرة".
ولنا: حديث أنس، وحديث ابن عباس: "قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهم يلبّون بالحج".
5 متفق عليه.
و"متى لبّى بهما بدأ بذكر العمرة"، لحديث أنس، قال أحمد: إذا حج عن رجل يقول أول ما يلبي: عن فلان، ثم لا يبالي أن لا يقول بعد ذلك، لقوله صلى الله
عليه وسلم للذي سمعه يلبِّي عن شبرمة: "لبِّ عن نفسك، ثم لبِّ عن شبرمة".
وهي مستحبة في جميع الأوقات، ويتأكد استحبابها إذا علا نشزاً وهبط وادياً، وفي دبر المكتوبة، وإقبال الليل والنهار، وإذا التقت الرفاق، وإذا فعل محظوراً ناسياً، وإذا سمع ملبياً.
وبه قال الشافعي.
وقد كان يقول مالك: لا يلبي عند اضطرام الرفاق، والحديث يدل عليه.
وكذلك قول النخعي: كانوا يستحبونها دبر المكتوبة، وإذا هبط وادياً، وإذا علا نشزاً، وإذا لقي راكباً، وإذا استوت به راحلته.
قيل لأحمد: العامة يلبون دبر كل صلاة ثلاثاً، فتبسم وقال: ما أدري من أين جاؤوا به.
قيل: أليس يجزئه مرة؟ قال: بلى.
وكذلك لأن المروي التلبية مطلقاً وكذلك يحصل بمرة.
و"لا بأس بالتلبية في طواف القدوم"، به قال ابن عباس والشافعي.
وقال ابن عيينة: ما رأينا أحداً يقتدى به يلبي حول البيت إلا عطاء بن السائب، وهو قول الشافعي، لأنه يشتغل بذكر يخصه، فكان أولى.
ولنا: أنه زمن تلبية، ويمكن الجمع بينها وبين الذكر.
ولا بأس أن يلبي الحلال، وكرهه مالك.
قال ابن عبد البر: أجمع العلماء على أن السنة في المرأة أن لا ترفع صوتها، وإنما عليها أن تسمع نفسها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
الإحرام نية النسك، وقيل: مع التلبية أو سوق الهدي، اختاره الشيخ.
ويصلي ركعتين.
واختار الشيخ أنه يستحب أن يحرم عقيب فرض إن كان وقته، وإلا فليس للإحرام صلاة تخصه.
واستحب الاشتراط للخائف فقط.
وعنه: إن ساق الهدي فالقِران أفضل، ثم التمتع، اختاره الشيخ.
واختار وجوب فسخ الحج على من اعتقد عدم مساغه.
وقال: لا يلبي بوقوفه بعرفة ومزدلفة، لعدم نقله.
قال في الفروع: كذا قال.
باب محظورات الإحرام
أجمعوا على أن المحرم لا يجوز له أخذ شيء من شعره إلا من عذر، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ الآية.
1 فإن كان له عذر من مرض أو قمل أو غيره مما يتضرر به، فله إزالته، للآية، ولحديث كعب بن عجرة.
وأجمعوا على أنه ممنوع من تقليم أظفاره إلا من عذر، وأجمعوا على أنه يزيل ظفره إذا انكسر.
وأجمعوا على وجوب الفدية على من حلق لغير علة؛ ولا فرق بين قطعه لعذر أو غيره، عامداً أو مخطئاً؟ وقال إسحاق وابن المنذر: لا فدية على الناسي.
ولنا: أن الآية دلت على وجوبها لمن حلق وهو معذور.
فمن حلق أو قلّم ثلاثة فعليه دم، وهو قول الشافعي.
وقال مالك: إذا حلق ما أماط به الأذى وجب الدم.
وقال أبو حنيفة: لا يجب بدون ربع الرأس.
وإن حلق أقل من ثلاث، ففي كل واحدة مد من طعام، وبه قال الشافعي.
وعنه: في كل شعرة قبضة من طعام، ونحوه قول مالك.
وعن مالك أيضاً فيمن أزال شعراً يسيراً: لا ضمان عليه، لأن النص إنما أوجبه في حلق الجميع.
وعليه الفدية بأخذ الأظفار في قول الأكثر، منهم الشافعي، وفيه رواية: لا فدية عليه، لعدم ورود الشرع به.
ولنا: أن عدم النص لا يمنع القياس، كشعر البدن مع شعر الرأس.
والحكم في فدية الأظفار كالحكم في
فدية الشعر، فيما دون الثلاث، وفيما يجب فيها؛ وهو قول الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا تجب الفدية إلا بتقليم يد كاملة.
وإن حلق رأس حلال أو قلم أظفاره، فلا فدية عليه.
وقال سعيد بن جبير في محرم قص شارب حلال: يتصدق بدرهم.
ولا فرق بين حلق الشعر وإزالته بغيره، لا نعلم فيه خلافاً.
وشعر الرأس والبدن واحد في وجوب الفدية، في قول الأكثر، خلافاً لداود.
وإن خرج في عينيه شعر فقلعه، أو نزل شعر فغطى عينه، أو انكسر ظفر فقصه، أو قلع جلدا عليه شعر، فلا فدية عليه.
فإن كان الأذى من غير الشعر، كالقمل والقروح، أزاله وفدى.
وقال ابن القاسم صاحب مالك: لا فدية عليه.
وأجمعوا على أنه ممنوع من تغطية رأسه، والأذنان منه يحرم تغطيتهما، وأباحه الشافعي.
ولنا: قوله: "الأذنان من الرأس"، 1 ويمنع من تغطية بعضه كأجمعه لأن الله حرم حلقه ولا يجوز حلق بعضه، وسواء غطاه بمعتاد أو غيره كعصابة، فإن فعل ففيه الدم.
وكره أحمد الاستظلال بالمحمل وما في معناه على البعير، ورخص فيه الشافعي، لحديث ستر أسامة أو بلال بالثوب.
واحتج أحمد بـ"نهي ابن عمر عن مثل ذلك".
والحديث الذي ذكروا ذهب إليه أحمد، فلم يكره الاستتار بالثوب، فإنه لا يقصد الاستدامة، فإن فعل فلا فدية عليه.
قال أحمد: أما الدم فلا، وعنه: يجب، وهو قول أهل المدينة.
وإن حمل على رأسه شيئاً فلا فدية عليه، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: يفدي.
وإن طلى رأسه بعسل أو صمغ ليجمع الشعر فلا يصيبه الشعث جاز، وهو التلبيد الذي في حديث ابن عمر: "رأيته يهلّ ملبّداً".
2 وإن طرح على شجرة ثوبا يستظل به فلا بأس إجماعاً، لقول جابر: "أمر بقبة فضربت له" 3.
وفي
تغطية الوجه روايتان: إحداهما: يباح؛ روي عن عثمان وزيد بن ثابت والشافعي.
والثانية: لا.
وهو مذهب مالك، لحديث صاحب الراحلة: "ولا تخمروا وجهه ولا رأسه".
1 ولنا: قول من ذكرنا من الصحابة، ولا يعرف لهم مخالف في عصرهم، وتخمير الوجه في الحديث قد طعن فيه في هذه اللفظة.
والرابع: لبس المخيط، أجمعوا على أنه ممنوع من لبس القميص والعمائم والسراويل والبرانس والخفاف؛ والأصل فيه: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يلبس القميص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف" 2 3 الحديث؛ نص على هذه الأشياء، وألحق بها أهل العلم ما في معناها مثل: الجبة والدراعة وأشباه ذلك ...
ولا يجوز له ستر بدنه بما عمل على قدره، ولا يستر عضوا من أعضائه بما عمل على قدره، كالقفازين لليدين، وليس في هذا اختلاف، إلا أن لا يجد إزاراً فيلبس السراويل، أو لا يجد نعلين فيلبس خفين وليقطعهما، لا نعلم فيه خلافاً، لحديث ابن عباس، ولا فدية في لبسهما.
وقال مالك: "على من لبس السراويل الفدية"، لحديث ابن عمر.
ولنا: أنه أمر به في حديث ابن عباس، ولم يذكر فدية، وحديث ابن عمر مخصوص به، لأنه يختص لبسه بعدم غيره كالخفين.
وإذا لبس الخفين مع عدم النعلين، لم يلزمه قطعهما في أشهر الروايتين، وفي الأخرى يقطعهما؛ فعليها، "إن لم يقطعهما افتدى"؛ وبه قال إسحاق وابن المنذر، لحديث ابن عمر، وهو يتضمن زيادة على حديث ابن عباس وجابر.
قال الخطابي: العجب من أحمد في هذا، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلغه، وقلّت سنة لم تبلغه! وقيل: إن قوله: لم يقطعهما، من كلام نافع، ويحتمل النسخ، لأن عمرو بن دينار رواهما قال: انظروا أيهما كان قبل.
قال الدارقطني: حديث ابن عباس بعرفات يدل على تأخيره.
وليس له أن يعقد عليه الرداء ولا غيره، إلا الإزار والهميان.
وليس له أن يجعل لذلك زراراً ولا يخله بشوكة ولا إبرة ولا خيطة، ولا يغرزه في إزاره.
فأما الإزار فيجوز عقده، لأنه يحتاج لستر العورة.
وإن شد وسطه بالمنديل ونحوه، جاز إذا لم يعقده.
والهميان مباح له، قال ابن عبد البر: أجازه جماعة فقهاء الأمصار.
قال إبراهيم: كانوا يرخصون في عقد الهميان للمحرم، ولا يرخصون في عقد غيره.
وسئل أحمد: عن المحرم يلبس المنطقة لوجع الظهر أو لحاجة إليها؟ قال: يفتدي.
قيل: أفلا تكون مثل الهميان؟ قال: لا.
وإن طرح على كتفيه قباء أو نحوه فدى، وإن لم يدخل يديه في كميه، هذا مذهب مالك والشافعي.
وقال الخرقي: لا فدية عليه إن لم يدخلهما، وبه قال عطاء وإبراهيم وأبو حنيفة.
وإذا احتاج إلى تقلد السيف فله ذلك، وبه قال مالك والشافعي، وكرهه الحسن.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية اشترط حمل السلاح في قرابه".
وأجمعوا على أنه ممنوع من الطيب، ودل عليه قوله صلى الله عليه وسلم في الميت: "لا تمسّوه بطيب"، 1 فالحي أولى.
ولا يجوز له لبس ثوب مطيب، لا نعلم فيه خلافاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يلبس من الثياب شيئاً مسّه الورس، ولا الزعفران".
2 ولا يجوز له الجلوس عليه ولا النوم عليه، فإن فعل افتدى.
وقال أبو حنيفة: إن كان رطباً يلي بدنه أو يابساً ينفض افتدى، وإلا فلا.
فإن غسله حتى ذهب جميع ما فيه، فلا بأس به عند جميع العلماء.
وليس له شم الأدهان المطيبة، كدهن الورد والبنفسج والزنبق ونحوها، وليس في تحريم ذلك خلاف في المذهب.
ومتى جعل شيئاً من الطيب في مأكول أو
مشروب فلم تذهب رائحته، لم يبح تناوله.
وكان مالك لا يرى بما مسته النار من الطعام بأساً، وإن بقيت رائحته وطعمه ولونه.
وإن مس ما لا يعلق بيده كالمسك والعنبر فلا فدية، إلا أن يشمه.
وإن علق بيده كالغالية وماء الورد والمسك المسحوق، افتدى.
ولو شم العود والفواكه كلها من الأترنج وغيره ونبات الصحراء كالشيح وغيره، فلا فدية فيه، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما روي عن ابن عمر: "أنه كره للمحرم أن يشم شيئاً من نبات الأرض"، ولا نعلم أحداً أوجب فيه شيئاً.
وما أنبته الآدميون للطيب ولا يتخذ منه طيب، كالريحان الفارسي والنرجس، ففيه روايتان: إحداهما: "يباح بغير فدية"، وبه قال عثمان وابن عباس.
والثانية: "يحرم، فإن فعله افتدى"؛ وبه قال جابر وابن عمر والشافعي، وكرهه مالك ولم يوجب فيه شيئاً.
وأما ما ينبت للطيب ويتخذ منه كالورد، ففيه الفدية، وعنه: لا شيء في شمه لأنه زهرٌ.
فأما الدهن الذي لا طيب فيه، فنقل ابن المنذر الإجماع على أن له أن يدهن بدنه بالشحم والزيت والسمن.
وعنه في الزيت الذي يؤكل: لا يدهن به رأس المحرم؛ فظاهره أنه لا يدهن رأسه بشيء من الأدهان، وبه قال مالك، والشافعي لأنه يزيل الشعث، فأما سائر البدن فلا نعلم عن أحمد فيه منعاً.
وقد أجمعوا على أن إباحته في اليدين، وفي إباحته في جميع البدن روايتان.
وإن قصد شم الطيب من غيره بفعل منه، مثل أن يجلس عند العطار لذلك، لم يجز، وأباحه الشافعي.
ولا خلاف في تحريم قتل صيد البر واصطياده على المحرم، وما ليس بوحش كالدجاج ونحوه، فلا بأس به، لا نعلم فيه خلافاً.
والاعتبار بالأصل لا بالحال، فلو استأنس الوحشي وجب فيه الجزاء كالحمام، ولو توحش الأهلي لم يجب فيه.
قال أحمد: إنما جعلت الكفارة في الصيد المحلل أكله، وهذا قول أكثر أهل العلم،
إلا أنهم أوجبوا الجزاء في المتولد بين المأكول وغيره؛ واختلفت الرواية في الثعلب والسنور الوحشي والأهلي والهدهد والصرد.
وأجمعوا على أن من أتلف صيداً وهو محرم، فعليه جزاؤه، إلا الحسن ومجاهد قالا: يجب في الخطإ والنسيان، ولا يجب في العمد؛ وهو خلاف النص.
ويضمن ما دل عليه، أو أشار إليه، أو أعان على ذبحه، أو كان له أثر في ذبحه، مثل أن يعيره سكيناً إلا أن يكون القاتل محرماً فالجزاء بينهما.
وقال مالك: لا شيء على الدالّ.
ولنا: حديث أبي قتادة.
وإن وجد من المحرم حديث عند رؤية الصيد، من ضحك أو استشراف ففطن له غيره، فلا شيء على المحرم، لحديث أبي قتادة.
ولا خلاف في تحريم الصيد إذا صاده أو ذبحه.
وإن صاده حلال وذبحه وكان من المحرم إعانة، لم يبح أيضاً.
وإن صيد من أجله حرم عليه أكله، وبه قال مالك والشافعي؛ وأباحه أبو حنيفة، لحديث أبي قتادة.
ولنا: قصة الصعب بن جثامة، وعن جابر رفعه: "صيد البر لكم حلال، ما لم تصيدوه أو يصاد لكم".
1 قال الترمذي: هو أحسن حديث في الباب.
وحكي: "عن علي وغيره التحريم على المحرم بكل حال"، لعموم قوله ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُماً﴾ الآية، 2 ولحديث الصعب.
ولنا: حديث أبي قتادة وجابر، فإنهما صريحان في الحكم، وفي ذلك جمع بين الأحاديث.
وهل يباح أكل ما صيد لمحرم على محرم آخر؟ "ظاهر حديث جابر إباحته"، وبه قال عثمان، وقيل: "يحرم"، وبه قال عليّ، لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي قتادة: "هل منكم أحد أمره أن يحمل عليه، أو أشار إليه؟ "، 3 والأول أولى.
وإن ذبح المحرم صيداً صار ميتة، وقال الثوري: لا بأس بأكله، وقال ابن المنذر: هو بمنزلة ذبيحة السارق.
وإذا أتلف بيض
صيد، ضمنه بقيمته، قال ابن عباس: "في بيض النعام قيمته".
وإن ملك صيداً في الحل فأدخله الحرم لزمه رفع يده عنه وإرساله، فإن تلف في يده ضمنه؛ قال عطاء: إن ذبحه فعليه الجزاء.
و"ممن كره إدخال الصيد الحرم: ابن عباس وابن عمر، ورخص فيه جابر".
قال هشام بن عروة: "كان ابن الزبير تسع سنين يراها في الأقفاص، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون به بأساً".
ورخص فيه مالك والشافعي.
وإن صال عليه صيد فلم يقدر على دفعه إلا بقتله، فله ذلك ولا ضمان عليه، وبه قال الشافعي، وقيل: عليه الجزاء.
فإن خلصه من سبُع أو شبكة فتلف بذلك، فلا ضمان عليه؛ وبه قال عطاء.
وقيل: يضمن، قاله قتادة، لعموم الآية.
ولا تأثير للحرم ولا للإحرام في تحريم حيوان إنسي، بلا خلاف، ولا في الخمس الفواسق التي أباح الشارع قتلها في الحل والحرم، وهي: الحدأة والغراب والفأرة والعقرب والكلب العقور، وفي بعض ألفاظ الحديث: والحية مكان العقرب، وهذا قول الأكثر.
وحكي عن النخعي أنه منع من قتل الفأرة، والحديث صريح في حل قتلها، ولا تعويل على من خالفه.
والمراد: الغراب الأبقع، وغراب البين؛ وقيل: لا يباح قتل غراب البين لأن في بعض ألفاظه قيل: الأبقع، ولا يمكن حمله على العموم، لأن المباح منها لا يقتل.
ولنا: أن المطلق أصح من المقيد، وغراب البين يعدو على أموال الناس، فلا وجه لإخراجه من العموم، وفارق ما أبيح أكله فإنه ليس في معنى ما أبيح قتله.
وأما ما كان طبعه الأذى وإن لم يوجد منه، مثل الفهد والذئب وما في معناهما، فيباح قتله ولا جزاء فيه.
وقال مالك: الكلب العقور ما عقر الناس وعدا عليهم، مثل الأسد والذئب والنمر؛ فعلى هذا، يباح قتل كل ما فيه أذى من سباع البهائم وجوارح الطير والحشرات المؤذية والزنبور
والبق والبعوض والبراغيث والذباب، وبه قال الشافعي.
وقال أصحاب الرأي: يقتل ما في الحديث، والذئب قياساً.
ولنا: أن الخبر نص من كل جنس على صورة من أدناه، تنبيهاً على ما هو أعلى منها: فنصه على الغراب والحدأة تنبيه على الصقر والباز ونحوه، وعلى الفأرة تنبيه على الحشرات، وعلى العقرب تنبيه على الحية، وعلى الكلب العقور تنبيه على السباع التي أعلى منه.
وأما ما لا يؤذي بطبعه كالرخم والديدان، فلا أثر للحرم ولا الإحرام فيه، ولا جزاء فيه؛ وبه قال الشافعي.
وقال مالك: يحرم قتلها، فإن قتلها فداها، وكذلك كل سبع لا يعدو على الناس.
فإذا وطئ الذباب أو النمل أو الذر وقتل الزنبور، تصدق بشيء من الطعام.
ولنا: أن الله سبحانه وتعالى إنما أوجب الجزاء في الصيد.
ولا بأس أن يقرد بعيره، وقال مالك: لا يجوز.
ولنا: أنه قول عمر وابن عباس.
وأما القمل، فعنه: إباحة قتله، لأنه من أكثر الهوام أذى.
وعنه: لا.
لأنه يترفه بإزالته، ولأنه لو أبيح لم يتركه كعب بن عجرة، ولا أمره صلى الله عليه وسلم بإزالته خاصة.
ويجوز له حك رأسه برفق لئلا يقطع شعراً أو يقتل قملاً، فإن تفلى المحرم فلا فدية، لأن كعباً أذهب قملاً كثيراً.
وحكي عن ابن عمر أنه قال: "هي أهون مقتول".
وعن ابن عباس فيمن ألقاها ثم طلبها فلم يجدها قال: "تلك ضالة لا تبتغى".
وعن أحمد فيمن قتل قملة: يطعم شيئاً، وهو قول مالك.
وقال إسحاق: تمرة فما فوقها.
والخلاف في المحرم، أما في الحرم فيباح قتله بغير خلاف.
ولا بأس بغسل رأسه وبدنه برفق، وكره مالك أن يغطس في الماء ويغيب فيه رأسه.
ويكره له غسل رأسه بالسدر ونحوه، لما فيه من إزالة الشعث، وكرهه مالك والشافعي وأهل الرأي؛ فإن فعل فلا فدية عليه.
وقال مالك: عليه فدية، ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم في المحرم: "اغسلوه بماء وسدر، ولا تخمروا رأسه" 1 الحديث.
ولا يحرم عليه صيد البحر بغير خلاف.
ولا فرق بين البحر الملح وبين العيون والأنهار؛ فإن كان مما لا يعيش إلا في الماء فلا خلاف فيه، وإن كان مما يعيش في البر فهو كالسمك لا جزاء فيه.
وقال عطاء: فيه الجزاء.
فأما طير الماء ففيه الجزاء في قول عامة أهل العلم، ولا نعلم فيه مخالفاًً، إلا ما روي عن عطاء أنه قال: حيث ما يكون أكثر، فهو من صيده.
ولا يباح صيد البحر في الحرم، فلا يصاد من آباره وعيونه، وكرهه جابر، لقوله صلى الله عليه وسلم: "ولا ينفّر صيده"، 1 وعنه: يباح، لأن الإحرام لا يحرمه.
وعنه في الجراد: هو من صيد البحر، لا جزاء فيه.
قال ابن المنذر: قال ابن عباس: "هو من صيد البحر"، وقال عروة: "هو من نثرة الحوت".
وعنه: أنه من صيد البر، وفيه الجزاء، وهو قول الأكثر.
وحديث أبي هريرة أنه من صيد البحر وهمٌ، قاله أبو داود.
ومن اضطر إلى أكل الصيد أبيح له، بغير خلاف، وعليه ضمانه.
وقال الأوزاعي: لا يضمنه.
ولنا: عموم الآية.
وكذلك إن احتاج إلى حلق، أو تغطية رأس، أو لبس مخيط، أو شيء من المحظورات، فعَله وفدى، لحديث كعب بن عجرة، وقسنا عليه سائر المحظورات.
ولا يجوز للمحرم أن يتزوج لنفسه، ولا يكون وليا في النكاح، ولا وكيلاً فيه، ولا يجوز تزوج المحرمة، وأجازه ابن عباس؛ وهو قول أبي حنيفة، "لأنه صلى الله عليه وسلم تزوَّج ميمونة وهو محرم".
2 ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يَنكح المحرم، ولا يُنكح، ولا يخطب".
3 رواه مسلم.
وأما حديث ميمونة فقال ابن المسيب: وهمَ ابن عباس، ما تزوجها إلا حلالاً.
وفي الرجعة روايتان: إحداهما: تباح، وهو قول أكثر أهل العلم.
ويباح شراء الإماء للتسري وغيره، لا نعلم فيه خلافاً،
ويكره له الخطبة وخطبة المحرمة، وأن يخطب للمحلين، للحديث.
ويكره أن يشهد في النكاح، فإن فعل لم يفسد النكاح، وقيل: بلى، لأن في بعض الألفاظ: "ولا يشهد".
ولنا: أن هذه زيادة غير معروفة، فلا يثبت بها حكم.
قال ابن المنذر: "أجمعوا على أن الحج لا يفسد بإتيان شيء في حال الإحرام، إلا الجماع؛ والأصل فيه ما روي عن ابن عمر وابن عباس"، ولم يعرف لهما مخالف.
قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلى شيء روي فيمن وطئ في حجه؛ فإن كان قبل التحلل الأول فسد الحج، قبل الوقوف أو بعده، وهو قول الأكثر.
وقال أصحاب الرأي: لا يفسد بعد الوقوف، لقوله: صلى الله عليه وسلم "الحج عرفة".
1 ولنا: قول الصحابة، وهو إطلاق فيمن جامع محرماً، وقوله: "الحج عرفة"، 2 أي: معظمه، أو أنه ركن متأكد، ولا يلزم من أمن الفوات أمن الفساد، بدليل العمرة، والعمد والنسيان سواء، وبه قال أبو حنيفة ومالك والشافعي في القديم.
وقال في الجديد: لا يفسد الحج مع النسيان، ولا يجب فيه شيء.
وحكاه ابن عقيل رواية، لقوله " عُفي لأمتي" الحديث.
ولنا: أن الصحابة لم يستفصلوا.
ويجب به بدنة، وبه قال مالك والشافعي.
وقال إسحاق: بدنة، فإن لم يجد فشاة.
وحكم المرأة حكم الرجل في فساد الحج، وحكم المكرهة والنائمة حكم المطاوعة، لا نعلم فيه خلافاً.
وعليهما المضي في فاسده، وقال مالك: يجعل الحج عمرة، ولا يقيم على حجة فاسدة.
وقال داود: يخرج بالإفساد من الحج العمرة، لقوله: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردّ ". 3 ولنا: قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ، 4 ولأنه قول من سمّينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف.
والخبر لا دليل فيه، لأن المضي فيه بأمر الله، ويلزمه
القضاء من قابل.
فإن كان الحج الذي أفسد واجباً أجزأ القضاء، وإن كان نفلاً وجب القضاء أيضاً كالمنذور؛ والقضاء على الفور، لا نعلم فيه خلافاً.
ويحرم بالقضاء من أبعد الموضعين، الميقات أو موضع إحرامه الأوَّل، نصَّ عليه، ويتفرقان في القضاء من الموضع الذي أصابها فيه إلى أن يحلا.
وهل هو واجب أو مستحب؟ على وجهين.
وعنه: "يتفرقان من حيث يحرمان"، رواه في الموطإ عن علي، ومعناه: أن لا ينزل معها في فسطاط ولا يركب معها في محمل.
وحكم العمرة حكم الحج، إلا أنه لا يجب بإفسادها إلا شاة، وقال الشافعي: عليه بدنة.
والوطء بعد التحلل الأول لا يفسد الحج، وقال الزهري والنخعي: يفسد.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "من شهد صلاتنا فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجّه"، 1 ولأنه قول ابن عباس، ولم يعرف لهم مخالف.
وإن فسد الإحرام بالوطء بعد جمرة العقبة، فيلزمه أن يحرم من الحل، وبه قال عكرمة.
وقال ابن عباس والشافعي: "لا يلزمه إحرام لأن إحرامه لم يفسد جميعه، فلم يفسد بعضه".
ولنا: الطواف ركن فيجب أن يأتي به في إحرام صحيح، لأن الإحرام يجمع فيه بين الحل والحرم.
ومتى وطئ بعد رمي الجمرة لم يفسد حجه، حلق أولاً.
فإن طاف للزيارة ولم يرم، ثم وطئ لم يفسد حجه، وعليه شاة في الوطء بعد التحلل الأول، وبه قال مالك، وعنه: بدنة؛ وبه قال الشافعي.
التاسع: المباشرة دون الفرج، فإن أنزل فعليه بدنة.
وقال الشافعي: شاة.
وفي فساد الحج روايتان: إحداهما: يفسد، وبه قال مالك.
والثانية: لا.
وبه قال الشافعي.
وإن لم ينزل لم يفسد، لا نعلم فيه خلافا.
والمرأة إحرامها في وجهها؛ فيحرم تغطيته، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما روي عن أسماء أنها تغطيه، فيحمل على السدل، فلا يكون فيه اختلاف.
فإن احتاجت لتغطيته لمرور الرجال قريباً منها، سدلت الثوب من فوق رأسها، لا نعلم فيه خلافاً.
قال أحمد: إنما لها أن تسدل النقاب من فوق، وليس لها أن ترفع الثوب من أسفل.
ولا بأس للمرأة أن تطوف متنقبة إذا لم تكن محرمة، وكرهه عطاء، ثم رجع لما بلغه أن عائشة تفعله.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أنها ممنوعة مما يمنع منه الرجل إلا بعض اللباس، وأن لها لبس القميص والدرع والسراويلات والخمر والخفاف.
ويستحب لها ما يستحب للرجل عند الإحرام من الغسل والطيب، لقول عائشة: "كنا نضمد جباهنا بالمسك".
ولا تلبس القفازين، وهو شيء يعمل لليدين يدخلان فيه، ورخص فيه علي، وبه قال أبو حنيفة.
ولنا: قوله: "لا تلبس القفازين".
1 رواه البخاري.
وروي عن عطاء أنه كره الحلي والحرير للمحرمة، و"رخص فيه ابن عمر وعائشة"، وهو الصحيح.
وقال ابن المنذر: لا يجوز المنع منه بغير حجة.
والكحل بالإثمد مكروه، ولا فدية فيه، لا نعلم فيه خلافاً.
وسألت عائشة امرأةٌ اشتكت عينها وهي محرمة فقالت: "تكحل بأي كحل شاءت غير الإثمد أما إنه ليس بحرام ولكنه زينة فنحن نكرهه".
ويجوز لبس المعصفر والكحل والخضاب بالحناء والنظر في المرآة، لهما جميعاً.
وكره المعصفر مالك إذا انتفض في جسده، ومنع منه الثوري وشبهه بالورس والمزعفر.
ولنا: قوله في المحرمة: "ولتلبس بعد ذلك ما أحبت
من ألوان الثياب، من معصفر أو خز أو حلي".
1 رواه أبو داود.
وعن عائشة وأزواجه صلى الله عليه وسلم: "أنهن كنّ يحرمن في المعصفرات"، ولأنه قول جابر وابن عمر، ولم يعرف لهم مخالف.
و"يستحب لها الاختضاب بالحناء عند الإحرام"، لما روي عن ابن عمر أنه قال: "من السنة أن تدلك المرأة بدنها في حناء، ولا بأس به في حال الإحرام".
وكان مالك يكرهه للمحرمة، ويلزمها الفدية.
ولنا: قول عكرمة: "كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يختضبن بالحناء وهن حرم".
قال أحمد: لا بأس أن ينظر في المرآة.
ولا يصلح شعثاً، ولا ينفض غباراً.
وروي نحوه عن عطاء، لأنه قد روي في حديث: "إن المحرم الأشعث الأغبر"، وفي حديث آخ ر: "انظروا إلى عبادي، قد أتوني شعثاً غبراً".
2 وله أن يحتجم إذا لم يقطع شعراً، وكان الحسن يرى فيها دماً.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم".
فإن احتاج إلى قطع شعر، فله قطعه ويفدي، للحديث: "أنه احتجم وسط رأسه"، وقال أبو يوسف ومحمد: يتصدق بشيء.
ولنا: قوله: ﴿فمن كان منكنم مريض أو به أذى من رأسه﴾ الآية 3.
ويجتنب ما نهي عنه من الرفث وهو: الجماع، وقيل: والتقبيل والغمز، وأن يعرض لها بالفحش من الكلام.
وقال أبو عبيد: الرفث لغا الكلام وأنشد: عن اللغا ورفث التكلم.
وكل ما فسر به الرفث، ينبغي للمحرم أن يجتنبه، إلا أنه في الجماع أظهر، لقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ﴾ الآية.
4
ويجتنب الفسوق وهو: السباب، لقوله: "سباب المسلم فسوق ". 1 وعن ابن عباس: "المعاصي كلها"، والجدال وهو: المراء، قال ابن عباس: "هو أن تماري صاحبك حتى تغضبه".
ويستحب له قلة الكلام إلا فيما ينفع، صيانة لنفسه عن اللغو والوقوع فيما لا يحل، فإن من كثر كلامه كثر سقطه.
قال أبو داود: أصول السنن أربعة أحاديث: أحدها: قوله: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه".
2 واحتج أحمد بـ"أن شريحا كان إذا أحرم كأنه حية صماء".
فإن تكلم بما لا إثم فيه، أو أنشد شعراً لا يقبح، فهو مباح؛ ولا يكثر، فقد روي عن ابن عمر: "أنه كان على ناقة له وهو محرم فجعل يقول:
كأن راكبها غصن بمروحة ... إذا تدلت به أو شارب ثمل
والله أكبر.
الله أكبر"، وهو يدل على الإباحة.
والفضيلة ما ذكرنا أولاً.
ويجوز أن يتجر ويصنع الصنائع، لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية 3.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: فمن حلق أو قلّم ثلاثة فعليه دم، ووجه في الفروع احتمالاً: لا يجب الدم إلا فيما يحاط به الأذى، وهو مذهب مالك.
وفي الفائق: المختار تعلق الدم بمقدار يترفه بإزالته.
وقال الشيخ: من احتاج إلى قطعه لحجامة أو غسل، لم يضره.
ولو لبس مقطوعاً دون الكعبين مع وجود نعل، فاختار الشيخ الجواز بلا فدية.
وقال: يجوز شد وسطه بحبل أو ونحوهما، وبرد لحاجة.
وفي الرعاية: لا يقتل البراغيث ولا البعوض ولا القراد، وقال الشيخ: إن قرصه ذلك قتله
مجاناً، وإلا فلا يقتله.
ونقل مهنا: يقتل النملة إذا عضته، والنحلة إذا آذته، واختار الشيخ: لا يجوز قتل النحل ولو يأخذ كل عسله.
وقال هو وغيره: إن لم يدفع نملاً إلا بقتله جاز.
ومن جامع قبل التحلل فسد نسكه، عامداً كان أو ساهياً.
وعنه: لا يفسد حج الناسي والجاهل والمكره ونحوه، اختاره الشيخ.
ويلزم المجامع بعد التحلل الأول، أن يحرم من الحل، وقال: سواء بعد أو لا.
والمنصوص عن أحمد: أنه يعتمر، فيحتمل أنه أراد هذا المعنى وسماها عمرة، لأنه أفعالها، ويحتمل أنه أراد عمرة حقيقة.
وقال الشيخ: يعتمر مطلقاً، وعليه نصوص أحمد.
والمرأة إحرامها في وجهها، وتسدل لحاجة.
وقال الشيخ: لو مس وجهها، فالصحيح جوازه، لأن وجهها كيد الرجل.، ويستحب لها الخضاب عند الإحرام، قال الشيخ: الخضاب بلا حاجة مختص بالنساء.
باب الفدية
هي على ثلاثة أضرب:
(أحدها) : ما هو على التخيير وهو نوعان:
أحدهما: يخير فيه بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة؛ وهي فدية الحلق والتقليم والتغطية واللبس والطيب، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية 1، ولحديث كعب، وقسنا عليه الباقي، لأنه حرم للترفه كالشعر.
ولا فرق في الحلق بين المعذور وغيره، والعامد والمخطئ.
وقاله مالك والشافعي.
وعن أحمد: إذا حلق لغير عذر فعليه دم من غير تخيير، وهو مذهب أبي حنيفة، لأن الله تعالى خيّر بشرط العذر.
ولنا: أن الحكم ثبت في غير المعذور بطريق التنبيه تبعاً، والتبع لا يخالف أصله.
وفي بعض ألفاظ حديث كعب: "صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين: لكل مسكين نصف صاع تمر"؛ 2 وبهذا قال مالك والشافعي.
وقال الحسن: الصيام عشرة أيام، والإطعام عشرة مساكين.
وعن الثوري: يجزئ من البر نصف صاع، ومن التمر والشعير صاع، واتباع السنة أولى، ويقاس على التمر والبُرّ والشعير والزبيب.
وعنه: يجزئ مدّ بُرّ لكل مسكين.
و" ومن أبيح له الحلق جاز له تقديم الكفارة، فعله علي".
الثاني: جزاء الصيد، فيخيّر فيه بين المثل وتقويمه بدراهم يشترى بها طعاماً،
فيطعم لكل مسكين مداً، ويصوم عن كل مد يوماً.
وإن كان لا مثل له خيِّر بين الإطعام والصيام.
وعنه: على الترتيب؛ فيجب المثل، فإن لم يجد أطعم، فإن لم يجد صام.
روي عن ابن عباس والثوري، لأن هدي المتعة على الترتيب، وهذا آكد.
وعنه: لا إطعام في كفارة الصيد، وإنما ذكر في الآية ليعدل به الصيام، لأن من قدر على الإطعام قدر على أن يذبح، وهذا قول الشافعي.
ولنا: الآية، وسمى الله الطعام كفارة، ولا يكون كفارة ما لا يجب إخراجه وجعله طعاماً للمساكين، وما لا يجوز صرفه إليهم لا يكون طعاماً لهم.
وإذا اختار المثل ذبحه لفقراء الحرم، ولا يجوز الصدقة به حياً، لأن الله سماه هدياً، والهدي يجب ذبحه؛ وله ذبحه أي وقت شاء.
وإن أراد الإطعام قوّم المثل بدراهم والدراهم بطعام، يتصدق به على المساكين.
وقال مالك: يقوّم الصيد.
وحكى ابن أبي موسى رواية: إن شاء تصدق بدراهم، والآية ذكر فيها التخيير بين الثلاثة، ولا ذكر للدراهم.
ويطعم كل مسكين مداً كالكفارة، ومن غيره نصف صاع.
ولا يجزئ إخراج الطعام إلا على مساكين الحرم، والصوم عن كل مد يوماً، وبه قال مالك والشافعي.
وعنه: عن كل نصف صاع يوماً، قاله ابن عباس وابن المنذر.
وعن أبي ثور أن كفارة الصيد مثل كفارة الآدمي، روي عن ابن عباس.
ولنا: أنه جزاء عن متلف، فاختلف باختلافه، ولأن الصحابة قضوا في الصيد مختلفاً، فإن بقي من الطعام ما لا يعدل يوماً صام عنه يوماً كاملاً، لا نعلم فيه خلافاً، لأن الصوم لا يتبعض.
ولا يجب التتابع في الصيام، وبه قال الشافعي، لأن الله أمر به مطلقاً.
ولا يجوز أن يطعم عن بعض الجزاء ويصوم عن بعض، وجوَّزه محمد بن الحسن إذا عجز عن بعض الإطعام.
فإن كان مما لا مثل له خُيّر بين الشراء بقيمته طعاماً للمساكين
وبين الصيام لتعذر المثل.
وهل يجوز إخراج القيمة؟ فعنه: لا يجوز، روي عن ابن عباس، وقيل: يجوز، لأن عمر قال لكعب: "ما جعلت على نفسك؟ قال: درهمين، قال: اجعل ما جعلت على نفسك".
(الضرب الثاني) : على الترتيب، وهو على ثلاثة أنواع:
(أحدها) : دم المتعة والقِران، فيجب الهدي، فإن لم يجد فالصيام للآية، والأفضل أن يكون آخر الثلاث يوم عرفة، روي ذلك عن عطاء وعلقمة وغيرهما.
وعن ابن عمر: "يصومها ما بين إهلاله بالحج ويوم عرفة".
فظاهره: أن آخرها يوم التروية، لأن صوم عرفة بها لا يستحب، وإنما أحببنا له صوم يوم عرفة للحاجة؛ وعلى هذا، يستحب له تقديم الإحرام بالحج قبل يوم التروية ليصومها وقت الحج، فإن صام منها شيئاً قبل إحرامه جاز، نص عليه.
وأما جواز صيامها، فإذا أحرم بالعمرة؛ وبه قال أبو حنيفة.
وعنه: إذا أحل منها.
وقال مالك والشافعي: "لا يجوز إلا بعد الإحرام بالحج"، روي عن ابن عمر؛ وبه قال إسحاق وابن المنذر، لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ . 1 ولنا: أن إحرام العمرة أحد أجزاء التمتع، والآية قيل: معناه في أشهر الحج، فإنه لا بد فيه من الإضمار إذ الحج أفعال لا يصام فيها، فهو كقوله: ﴿أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ . 2 فتقديم الصوم على إحرام العمرة، فلا نعلم قائلا بجوازه.
ووقت الاختيار في السبعة إذا رجع إلى أهله، وأما وقت الجواز فإذا مضت أيام التشريق.
قيل لأحمد: يصوم بالطريق أو بمكة؟ قال: حيث شاء، وبه قال مالك.
وعن عطاء ومجاهد: في الطريق، وبه قال إسحاق.
وقال
ابن المنذر: إذا رجع إلى أهله، وبه قال الشافعي.
ولنا: أن كل صوم لزمه وجاز في وطنه جاز قبل ذلك، وأما الآية فإنه سبحانه جوَّز له تأخير الصلاة تخفيفاً، كتأخير صوم رمضان في السفر، فإذا لم يصم الثلاثة في الحج صامها بعده؛ وبه قال مالك والشافعي.
وعن ابن عباس: "إذا فاته الصوم في العشر، لم يصم بعده واستقر الهدي في ذمته".
ولنا: أنه صوم واجب فلم يسقط بخروج وقته كرمضان، والآية تدل على وجوبه في الحج لا على سقوطه.
"ويصوم أيام منى"، قاله ابن عمر وعائشة ومالك والشافعي في القديم.
وعن أحمد: "لا يصومها"، روي عن علي، وهو قول ابن المنذر؛ فعليها، يصوم بعد ذلك عشرة أيام، وكذا إذا قلنا يصوم أيام منى فلم يصمها.
واختلفت الرواية في وجوب الدم عليه.
وإذا أخر الهدي الواجب لعذر، مثل ضياع نفقته، فليس عليه إلا القضاء.
وعنه: يلزمه هدي آخر، فإنه قال فيمن تمتع فلم يهد إلى قابل: "يهدي هديين"، كذلك قال ابن عباس.
ولا يجب التتابع في صيام التمتع، ومتى وجب عليه الصوم فشرع فيه، ثم قدر على الهدي، لم يجب عليه الانتقال إلا أن يشاء، وبه قال مالك والشافعي.
وقال الثوري: إن أيسر قبل كمال الثلاثة، فعليه الهدي.
وإن وجب فلم يشرع، فهل يلزم الانتقال؟ على روايتين: إحداهما: لا يلزمه.
والثانية: يلزمه.
سئل أحمد: إذا لم يصم المتمتع قبل يوم النحر؟ قال: عليه هديان، يبعث بهما إلى مكة.
ومن وجب عليه صوم المتعة فمات قبله لعذر منعه، فلا شيء عليه، وإن كان لغير عذر أطعم عنه كرمضان.
(النوع الثاني) : المحصر، ولا خلاف في وجوب الهدي عليه؛ فإن لم يجد صام عشرة أيام، ثم حل.
(النوع الثالث) : فدية الوطء، يجب به بدنة؛ فإن لم يجد صام عنه عشرة
أيام: ثلاثة في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله، كدم متعة، لقضاء الصحابة به، فيكون بدله مقيساً على بدل دم المتعة، لأنا إنما أوجبنا البدنة بقول الصحابة، فكذلك في بدلها.
والمرأة إن طاوعت فعليها بدنة.
وعنه: أرجو أن يجزئهما هدي واحد، وروي عن عطاء؛ وهو مذهب الشافعي، لأنه جماعٌ واحد.
فأما المكرهة فلا دم عليها، وعنه: عليه أن يهدي عنها؛ وبه قال مالك.
وقال أصحاب الرأي: الهدي عليها.
(الضرب الثالث) : الدماء الواجبة للفوات أو لترك واجب أو المباشرة في غير الفرج، فالهدي الواجب بغير النذر منصوص عليه ومقيس عليه.
فالأول: فدية الأذى وجزاء الصيد ودم الإحصار ودم المتعة والبدنة الواجبة بالوطء.
والثاني مقيس عليه، فالبدنة الواجبة بالمباشرة مقيسة على الواجبة بالوطء، والقِران على التمتع، وكذلك دم الفوات، إلا أن الصيام لا يمكن أن يكون منه ثلاثة قبل يوم النحر؛ ويقاس عليه أيضاً كل دم واجب لترك واجب، كالإحرام من الميقات والوقوف بعرفة إلى الغروب والمبيت بمزدلفة وطواف الوداع، فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد صام عشرة أيام.
ويقاس على فدية الأذى ما وجب بمحظور، كاللبس والطيب والتقليم.
وكل استمتاع من النساء يوجب شاة، كالوطء في العمرة وبعد التحلل الأول والمباشرة من غير إنزال، فإنه في معنى فدية الأذى.
قال ابن عباس، فيمن وقع على امرأته في العمرة قبل التقصير: "عليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك".
رواه الأثرم.
وإن أنزل بالمباشرة دون الفرج فعليه بدنة، وإن لم ينزل فعليه شاة.
وبه قال ابن المسيب ومالك والشافعي، وعنه: بدنة، روي عن الحسن.
ولنا: ما روى الأثرم أن عمر بن عبيد الله قبّل عائشة بنت طلحة فسأل، فأجمع له على أن يهريق دماً.
وسائر اللمس لشهوة كالقبلة.
ومن كرر محظوراً من جنس، مثل إن حلق ثم حلق قبل التكفير، فكفارة واحدة؛ وإن كفّر عن الأول فعليه للثاني كفارة.
وعن الشافعي كقولنا، وعنه: لا يتداخل.
وقال مالك: تتداخل كفّارة الوطء دون غيره.
وإن قتل صيداً بعد صيد فعليه جزاؤهما، وعنه: جزاء واحد؛ والصحيح الأول، لقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ . 1 وإن فعل محظوراً من أجناس، فدى لكل واحد، وهو مذهب الشافعي.
وعن أحمد: في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة، إذا كان في وقت واحد، وقاله إسحاق.
وقال عطاء: إذا حلق ثم احتاج إلى الطيب أو إلى القلنسوة أو إليهما، فلا عليه إلا فدية واحدة.
ولا فرق بين العمد والخطأ في الحلق والتقليم، ومن لا عذر له ومن له عذر، وقاله الشافعي.
وقيل: لا فدية على الناسي، وهو قول ابن المنذر.
وقتل الصيد يستوي عمده وسهوه، وبه قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي.
وقال الزهري: على المتعمد بالكتاب، وعلى المخطئ بالسنة.
وعنه: لا كفارة على المخطئ، وبه قال ابن عباس وابن المنذر، للآية، لقوله: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ ، ووجه الأولى قول جابر: "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضبع يصيده المحرم كبشاً".
رواه ابن ماجة.
وإن لبس أو تطيب أو غطى رأسه ناسياً فلا كفارة، فإن تعمد فدى، بلا خلاف.
ويستوي فيه القليل والكثير، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يجب الدم إلا بتطييب عضو كامل، وفي اللباس بلباس يوم وليلة، لأن ما دونه ليس لباساً معتاداً.
ويلزمه غسل الطيب وخلع اللباس، وإن وليه بنفسه فلا بأس، لقوله صلى الله عليه وسلم: "اغسل عنك الطيب".
ومذهب مالك
والليث: أن الناسي يفدي.
ولنا: حديث صاحب الجبة، "ولم يأمره بالفدية، مع سؤاله عما صنع"، فدل على أنه عذره لجهله، والناسي في معناه، والمكره كالناسي، لأنه مقرون به في الحديث الدال على العفو.
ومن رفض إحرامه ثم فعل محظوراً، فعليه فداؤه، لأنه لو نوى التحلل لم يحلّ.
وليس له لبس مطيب بعد إحرامه، بغير خلاف، فإن أحرم فيه فله استدامته، فإن خلعه لم يلبسه، فإن فعل فدى.
وإذا أحرم وعليه قميص أو سراويل خلعه ولم يشقه، ولا فدية عليه في قول الأكثر.
وقيل: يشقه لئلا يتغطى رأسه حين ينزع القميص.
ولنا: حديث صاحب الجبة.
والهدايا والضحايا مختصة بمساكين الحرم، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، 1 وكذلك جزاء محظور فعله في الحرم؛ وذكر القاضي رواية في قتل الصيد: يفديه حيث قتله، وهذا يخالف نص الكتاب.
وما وجب فعله في الحرم لترك نسك أو فوات، فهو لمساكين الحرم، لأنه هدي وجب لترك نسك، كدم القِران.
وما وجب نحره في الحرم وجب تفرقة لحمه به؛ وبه قال الشافعي.
وقال مالك إذا ذبحها في الحرم جاز تفرقتها في الحل.
ولنا: أنه أحد مقصودي النسك كالذبح، ولأن المقصود من ذبحه التوسعة على مساكينه.
قال عطاء: الهدي بمكة، وما كان من طعام وصيام فحيث شاء.
ولنا: قول ابن عباس: "الهدي والإطعام بمكة".
ومساكينه: من فيه من أهله وممن ورد عليه، وهم الذين يجوز لهم أخذ الزكاة.
فإن عجز عن إيصاله إليهم، جاز ذبحه وتفرقته في غيره.
وفدية الأذى إذا وجد سببها في الحل، فيجوز في الموضع الذي حلق فيه.
وقال الشافعي: لا يجوز إلا في الحرم، لقوله: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ . 1 ولنا: أنه أمر كعباً بالفدية بالحديبية، وهي من الحل.
ونحر علي بن الحسين بالسقيا، رواه الأثرم، والآية وردت في الهدي.
وحكم اللبس والطيب حكم الحلق إذا وجد في الحل قياساً.
ودم الإحصار حيث أحصر من حل أو حرم، فإن قدر على أطراف الحرم ففيه وجهان: أحدهما: يلزمه.
والثاني: لا، "لأنه صلى الله عليه وسلم نحر هديه في موضعه"، وعنه: لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم، و"يواطئ رجلاً على نحره في وقت التحلل"، يروى هذا عن ابن مسعود فيمن لدغ في الطريق، وروي عن الحسن وعطاء.
قال شيخنا: وهذا، والله أعلم، في الحصر الخاص، أما العام فلا ينبغي أن يقوله أحد، لأنه يفضي إلى تعذر الحل لتعذر وصول الهدي إلى محله، "ولأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا في الحديبية".
فإن قيل: قد قال تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ، 2 وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ ، 3 قلنا: هذا في غير المحصر.
وأيضاً قيل: إن ذبحه في حق المحصر في موضع حله، اقتداء به صلى الله عليه وسلم، وأما الصيام فيجزيه في كل مكان، لا نعلم فيه خلافاً.
وكل دم ذكرنا يجزئ فيه شاة أو سُبع بدنة، أو يجزئ عنها بقرة، لقول جابر (: "كنا ننحر البدنة عن سبعة، فقيل: والبقرة؟ فقال: وهل هي إلا من البدن".
4 رواه مسلم.
و"من وجبت عليه بدنة أجزأ عنها سبع من الغنم"، لحديث جابر، وعنه: لا يجزئ أقل من عشر شياه، لأنهم يعدلونها في الغنيمة بعشر.
و"من عليه سبع من الغنم أجزأ عنه بدنة أو بقرة"، لحديث جابر.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لا يجزئ الخبز، واختار الشيخ الإجزاء، ويكون رطلين عراقية، كرواية في الظهار؛ قال: وينبغي أن يكون بإدام.
وإن كان مما يؤكل من بُر أو شعير فهو أفضل.
وإن أخر الهدي عن أيام النحر، فهل يلزمه دم؟ أو يلزمه مع عدم العذر، ولا يلزمه مع العذر؟ فيه روايتان: إحداهما: لا يلزم دم بحال سوى الهدي.
قال أحمد: مكة ومنى واحد.
وقال مالك: لا ينحر في الحج إلا بمنى، ولا في العمرة إلا بمكة.