كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الوهاب
- الكتاب
- مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
- المؤلف
- محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
- المحقق
- عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
- الناشر
- مطابع الرياض - الرياض
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وقفوا قدامه لم يصح، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي.
وقال مالك وإسحاق: يصح.
ولنا: قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 1.
ومن صلى وحده خلف الإمام ركعة كاملة، لم تصح صلاته، لأمره من فعله بالإعادة، قال ابن المنذر: ثبت الحديث.
و"إن أمَّ امرأة، وقفت خلفه"، لحديث أنس، رواه مسلم.
و"السنة أن يتقدم في الصف الأول أولو الفضل والدين، ويلي الإمام أكملهم"، لحديث ابن مسعود وغيره.
و"الصف الأول للرجال، والنساء بالعكس"، للحديث، رواه أبو داود.
و"ميامن الصفوف أفضل"، لحديث عائشة.
و"يستحب توسط الصف للإمام"، للحديث، رواه أبو داود.
وإذا رأى المأمومون مَنْ وراء الإمام صحت صلاتهم إذا اتصلت الصفوف، وإن لم يروهم لم تصح، وعنه: تصح إذا كانوا في المسجد.
وإن كان بينهما حائل يمنع رؤية الإمام ومَن وراءه، ففيه روايتان.
وإن كان بينهما طريق أو نهر، فروايتان.
ولا يكون الإمام أعلى من المأموم، ولو أراد تعليمهم، وقال الشافعي: له ذلك إن أراد تعليمهم، لحديث سهل.
ولنا: "أن عماراً صلى بالمدائن فقام على دكان، والناس أسفل منه.
فأخذ حذيفة بيده، فاتبعه عمار حتى أنزله.
فلما فرغ قال: ألم تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أمّ رجل قوماً فلا يقومنّ في مقام أرفع من مقامهم؟ قال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذتَ بيدي".
رواه أبو داود، وحديث سهل الظاهر أنه صلى الله عليه وسلم على الدرجة السفلى، فيكون ارتفاعاً يسيراً لا بأس به، جمعاً بين الأخبار.
فإن كان المأموم أعلى فلا بأس، "لأن أبا هريرة صلى على سطح المسجد بصلاة الإمام".
و"يكره للإمام أن يدخل في الطاق، كرهه ابن مسعود وغيره"، لأنه ستر عن بعض المأمومين، وفعله سعيد بن جبير وأبو
عبد الرحمن السلمي.
ولا يكره لحاجة، كضيق المسجد.
و"يكره للإمام أن يتطوع في موضع المكتوبة"، قال أحمد: كذا قال علي.
ويكره للمأمومين الوقوف بين السواري إذا قطعت الصفوف، "كرهه ابن مسعود"، وأرخص فيه مالك وغيره.
وعند ابن ماجة حديث في النهي عنه.
ويكره للإمام إطالة القعود بعد الصلاة مستقبل القبلة، لأنهم لا ينصرفون قبله، فإذا أطال ذلك شق عليهم.
"فإن كان معه نساء، لبث قليلاً لينصرفن.
ولا يجلسن بعد الصلاة لئلا يختلطن بالرجال.
وينصرف الإمام حيث شاء"، لقول ابن مسعود، رواه مسلم.
واختلفت الرواية، هل يستحب للمرأة أن تصلي بالنساء جماعة، وكرهه مالك وغيره.
"وأذن صلى الله عليه وسلم لأم ورقة أن تؤم أهل دارها".
1 رواه أبو داود، وتقوم وسطهن، لا نعلم فيه خلافاً.
قال ابن المنذر: لا أعلم خلافاً أن للمريض ترك الجماعة، و"يعذر من يدافع أحد الأخبثين أو بحضرة طعام محتاج إليه"، لحديث عائشة، سواء خاف فوات الجماعة أو لا، والخائف من ضياع ماله، أو خاف ضرراً من سلطان، أو ملازمة غريم ولا شيء معه، لأن في أمره بالصلاة في الرحال لأجل الطين والمطر تنبيهاً على الجواز، وكذا إن خاف موت قريبه ولا يشهده، فهذا كله عذر في ترك الجمعة والجماعة، ولا نعلم فيه خلافاً، "لفعل ابن عمر لما مات سعيد بن زيد"، وكذا خوف فوات رفقته، أو غلبة النعاس، أو تأذٍّ بالمطر والوحل والريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، لأن الذي انفرد عن معاذ لما طوّل لم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وعنه: أن الجماعة شرط لصحة الصلاة، اختاره الشيخ، ولو صلّى منفرداً لعذر لم ينقص أجره.
وقال: خبر التفضيل في المعذور الذي يباح له الصلاة وحده، واختار أنه لا يدرك الجماعة إلا بركعة، وأن المأموم يقرأ إذا لم يسمع قراءة الإمام لبعده.
واختار كراهة الاستفتاح والاستعاذة للمأموم.
وقال: يلزم الإمام مراعاة المأموم إن تضرر بالصلاة أول الوقت أو آخره ونحوه، وقال: ليس له أن يزيد على القدر المشروع، ويفعل غالباً ما كان صلى الله عليه وسلم يفعله غالباً، ويزيد وينقص للمصلحة كفعله صلى الله عليه وسلم.
واختار صحة إمامة عاجز عن ركن أو شرط، وقال: الروايات عن أحمد في ترك الإمام ما يجوز عنده دون المأموم لا توجب اختلافاً، وإنما ظواهرها أن كل موضع يقطع فيه بخطإ الإمام يوجب الإعادة وإلا فلا، وهو الذي تدل عليه السنة والآثار والقياس.
وقال: لا بأس بقراءة اللحّان عجزاً.
وقال: الذي يؤم قوماً أكثرهم له كارهون أتى بواجب ومحرم مقاوم صلاته فلم تقبل، إذ الصلاة المقبولة ما يثاب عليها صاحبها.
وقال: إذا كان بينهم معاداة من جنس معاداة أهل الأهواء والمذاهب، لم ينبغ أن يؤمهم، لأن المقصود بالصلاة جماعة إنما يتم بالائتلاف.
واختار صحة ائتمام المفترض بالمتنفل، وصحة ائتمام من يصلي الظهر بمن يصلي العصر أو غيرها.
واختار صحة وقوف المأموم قدام الإمام في الجمعة والعيد والجنازة ونحوها لعذر.
وقال: تصح الفذ لعذر، وحيث صحت الصلاة عن يسار الإمام كُرهت إلا لعذر.
والمأموم إذا كان بينه وبين الإمام ما يمنع الرؤية والاستطراق صحت صلاته إذا كان لعذر، وهو قول في مذهب أحمد، بل نص أحمد وغيره.
باب صلاة أهل الأعذار
أجمع أهل العلم على أن من لا يطيق القيام، له أن يصلي جالساً.
وإن أمكنه القيام، إلا أنه يخشى زيادة مرض أو شق عليه مشقة شديدة، صلّى قاعداً أو نحوه، قال مالك وقال ميمون بن مهران: إذا لم يستطع أن يقوم لدنياه صلّى جالساً.
وروي عن أحمد نحوه.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، 1 "ولأنه صلى الله عليه وسلم صلّى جالساً لما جحش شقّه"، والظاهر أنه لم يعجز عن القيام بالكلية.
وإن قدر على القيام بأن يتكئ على عصا أو حائط، لزمه.
وإن قدَر عليه كهيئة الراكع، كمن هو في بيت قصير السقف لا يمكنه الخروج، أو خائف إذا رفع رأسه، فإن كان لحدب أو كِبرٍ لزمه القيام، وإن كان لغير ذلك احتمل أن يلزمه واحتمل أن لا يلزمه، لقوله: "فإن لم تستطعْ فقاعداً" 2.
ومن قدر على القيام وعجز عن الركوع والسجود، لم يسقط عنه القيام، فيومئ بالركوع، ثم يجلس فيومئ بالسجود، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يسقط القيام، كصلاة النافلة على الراحلة.
ولنا: قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ ، 3 وقوله: "صلِّ قائماً.
.. إلخ".
4 وإن قدر على القيام وحده لا مع الإمام، احتمل أن يلزمه ويصلي وحده لأنه ركن، واحتمل أنه مخير بين
الأمرين، لأنا أبحنا له ترك القيام المقدور عليه مع إمام الحي، ولأن الأجر يتضاعف بالجماعة أكثر من تضاعفه بالقيام؛ وهذا أحسن وهو مذهب الشافعي.
فإن عجز قاعداً، صلّى على جنبه مستقبل القبلة بوجهه، وهذا قول مالك والشافعي.
وقال أصحاب الرأي: يصلّي مستلقياً ورجلاه إلى القبلة.
ولنا: قوله: "فإن لم تستطعْ، فعلى جنب".
1 والمستحب أن يصلّي على جنبه الأيمن، فإن صلى على الأيسر جاز، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعيِّن جنباً.
وإن عجز صلى مستلقياً، للخبر.
وإن كان في عينيه مرض، فقال ثقات من الأطباء: إن صليتَ مستلقياً أمكن مداواتك، فقال القاضي: قياس المذهب جوازه، وهو قول الثوري.
وقال مالك: لا يجوز، لما روي عن ابن عباس: "أنه لما كفّ بصره أتاه رجل فقال: لو صبرت عليّ سبعة أيام لم تصلِّ إلا مستلقياً داويت عينك، ورجوت أن تبرأ.
فأرسل في ذلك إلى عائشة وأبي هريرة وغيرهما من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلّ قال له: إن متّ في هذه الأيام ما تصنع بالصلاة؟ فترك معالجة عينه".
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم صلّى جالسا لَمّا جحش شقّه" لأجل المشقة أو خوف ضرر، وأيهما قدر فهو حجة على الجواز ههنا.
ودلت الأخبار على جواز الصلاة على الراحلة خوفاً من ضرر الطين في ثيابه وبدنه، وجاز ترك الجمعة والجماعة صيانة لنفسه ولثيابه من البلل والتلوث بالطين.
وجاز ترك القيام اتباعاً لإمام الحي والصلاة على جنبه ومستلقياً في حال الخوف، وخبر ابن عباس إن صح فيحتمل أن المخبر لم يخبر عن يقين، وإنما قال: أرجو، ولكونه مجهول الحال بخلاف مَسْأَلتنا.
وإن عجز عن الركوع والسجود أومأ بهما، ويجعل السجود أخفض.
وإن عجز عن
السجود ركع وأومأ بالسجود.
وإن وضع بين يديه شيئاً عالياً جاز، إذا لم يمكنه أكثر من ذلك.
وحكى ابن المنذر عن أحمد قال: أختار السجود على المرفقة، وهو أحب إلي من الإيماء.
وكذلك قال إسحاق، وجوّزه الشافعي، ورخص فيه ابن عباس.
و"سجدت أم سلمة على المرفقة"، وكرهه ابن مسعود وقال: "يومئ إيماء، ولا يرفع إلى وجهه شيئاً".
وعن جابر وابن عمر وأنس مثله، وهو مذهب مالك.
وإن لم يقدر على الإيماء برأسه أومأ بطرفه ونوى بقلبه، ولا تسقط الصلاة ما دام عقله حاضراً.
وحكي عن أبي حنيفة أن الصلاة تسقط.
وذكر القاضي أنه ظاهر كلام أحمد في رواية محمد بن يزيد، لما روي عن أبي سعيد الخدري: "أنه قيل له في مرضه: الصلاة، فقال: قد كفاني.
إنما العمل في الصحة".
ولنا: [ما ذكر] 1 من حديث عمران.
ومتى قدر في أثنائها على ما كان عاجزاً عنه انتقل إليه، وبنى على ما مضى من صلاته.
والله أعلم.
ومذهب أحمد "أن القصر لا يجوز في أقل من ستة عشر فرسخاً، مسيرة يومين"، وهو قول ابن عباس وابن عمر.
وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال ابن المنذر: ثبت: "أن ابن عمر كان يقصر إلى أرض له هي ثلاثون ميلاً"، ونحوه عن ابن عباس، فإنه قال: "يقصر في اليوم، لا ما دونه"؛ وإليه ذهب الأوزاعي.
وقال ابن المنذر: عامة العلماء يقولون: مسيرة يوم تام، وبه نأخذ.
وروي عن جماعة من السلف ما يدل على جواز القصر في أقل من يوم.
قال الأوزاعي: "كان أنس يقصر فيما بينه وبين خمسة فراسخ".
وعن دحية: "أنه خرج من قرية من دمشق مرة إلى قدر ثلاثة أميال في رمضان، ثم إنه أفطر.
وأفطر معه أناس كثير، وكره آخرون أن يفطروا.
فلما رجع إلى
قريته قال: والله لقد رأيت اليوم أمراً ما كنت أظن أني أراه: إن قوماً رغبوا عن هدى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يقول ذلك للذين صاموا".
رواه أبو داود.
قال الموفق: ولا أرى لما صار إليه الأئمة حجة، لأن أقوال الصحابة مختلفة متعارضة، ولا حجة فيها مع الاختلاف، لأنه مخالف لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، ولأن ظاهر القرآن إباحة القصر لمن ضرب في أرض، لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ﴾ الآية، وليس له أصل يُرد إليه؛ والحجة مع من أباح القصْر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.
وليس لمن نوى السفر القصرُ حتى يخرج من بيوت قريته، وبهذا قال مالك والشافعي.
وحكي عن عطاء أنه أباح القصر في البلد لمن نوى السفر.
وعن الحارث بن ربيعة: "أنه أراد سفراً، فصلى بهم في منزله ركعتين، وفيهم الأسود بن يزيد وغير واحد من أصحاب عبد الله".
ولنا: قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾ الآية، 1 ولا يكون ضارباً حتى يخرج، ولحديث أنس: "صلينا مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالمدينة أربعاً وبذي الحليفة ركعتين".
2 متفق عليه.
إذا ثبت هذا، فإنه يجوز وإن كان قريباً من البيوت.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الذي يريد السفر له أن يقصر إذا خرج من بيوت القرية التي يخرج منها.
ولا تباح هذه الرخص في سفر المعصية، نص عليه, وقال الأوزاعي وأبو حنيفة: له ذلك.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا يقصر في صلاة المغرب والصبح.
والجمع بين الصلاتين جائز في قول الأكثر.
وقال الحسن وابن سيرين وأصحاب الرأي: لا يجوز إلا في يوم عرفة بعرفة، وليلة المزدلفة بها؛ وهو رواية
عن مالك، لأن المواقيت ثبتت بالتواتر، فلا يجوز تركها بخبر واحد.
ولنا: ما روى نافع عن ابن عمر: "أنه كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء، ويقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جدّ به السير جمع بينهما"، 1 ولحديث أنس، متفق عليهما.
وقولهم: لا نترك الأخبار المتواترة ... إلخ، قلنا: لا نتركها، وإنما نخصصها؛ وتخصيص المتواتر بالخبر الصحيح جائز بالإجماع.
وظاهر كلام الخرقي: إنما يجوز الجمع إذا كان سائراً في وقت الأولى، فيؤخر إلى وقت الثانية ثم يجمع بينهما.
وروي عن أحمد جواز تقديم الثانية، وهو الصحيح، إن شاء الله.
وإن أحب الجمع، جاز نازلاً وسائراً مقيماً في بلد إقامة لا تمنع القصر، وبه قال عطاء وجمهور علماء المدينة والشافعي وإسحاق، لحديث معاذ في غزوة تبوك، رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
وروى مالك في الموطإ عن معاذ: "أنهم خرجوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، فكان يجمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء.
قال: فأخر الصلاة يوماً ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل ثم خرج فصلى المغرب والعشاء جميعاً".
2 قال ابن عبد البر: حديث صحيح.
وفي هذا الحديث أوضح الدلائل وأقوى الحجج في الرد على من قال: لا يجمع بين الصلاتين إلا إذا جدّ به السير، "لأنه عليه السلام يجمع وهو نازل غير سائر، ماكث في خبائه، يخرج فيصلي الصلاتين جميعاً، ثم ينصرف إلى خبائه".
رواه مسلم؛ والأخذ بهذا الحديث متعين لثبوته.
والله أعلم.
والمرض الذي يلحقه بترك الجمع، فيه مشقة وضعف، نص أحمد على جواز الجمع للمريض.
ويجوز الجمع للمستحاضة، ومن به سلس البول، وما في معناهما، لما في الحديث، والمطر الذي يبل الثياب، إلا أن جمع المطر يختص
بالعِشاءين.
فأما الجمع لأجل المطر بين الظهر والعصر، فالصحيح أنه لا يجوز؛ قيل لأحمد: الجمع بين الظهر والعصر في المطر؟ قال: لا.
ما سمعته.
والمطر المبيح للجمع هو: ما يبل الثياب وتلحق المشقة بالخروج فيه.
والثلج والبرد في ذلك كالمطر.
فأما الوحل، فقال القاضي: هو عذر، لأن المشقة تلحق به في النعال والثياب كالمطر، وهو قول مال؛.
وقيل: لا يبيح، وهو مذهب الشافعي، والأول أصح لأنه يساوي المطر في ترك الجمعة والجماعة.
فأما الريح الشديدة في الليلة المظلمة الباردة، فقيل: تبيح الجمع، وهو قول عمر بن عبد العزيز.
وقيل: لا، لأن المشقة فيه دون المشقة في المطر.
وهل يجوز الجمع للمنفرد، أو من كان طريقه إلى المسجد في ظلال يمنع المطر، أو من كان مقامه في المسجد؟ على وجهين: أحدهما: الجواز، لأن العذر إذا وجد استوى فيه حال المشقة وعدمها، كالسفر، ولأن الحاجة العامة إذا وجدت ثبت الحكم فيمن ليس له حاجة، كالسلم وإباحة اقتناء الكلب للصيد والماشية لمن لا يحتاج إليهما، ولأنه روي: "أنه صلى الله عليه وسلم جمع في مطر"، وليس بين حجرته والمسجد شيء.
والثاني: المنع، لأن الجمع لأجل المشقة.
ويجوز الجمع لمرض، وهو قول عطاء ومالك.
وقال الشافعي: لا يجوز، لأن أخبار التوقيت لا تترك بأمر محتمل.
ولنا: قوله: "جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، من غير خوف ولا مطر"، 1 وفي رواية: "مِن غير خوف ولا سفر".
2 رواه مسلم.
وقد أجمعنا على أن الجمع لا يجوز لغير عذر، فثبت أنه كان لمرض.
وروي عن أحمد في حديث ابن عباس هذا، قال: فيه رخصة عندي للمريض والمرضع، وقد "أمر سهلة وحمنة بالجمع لأجل الاستحاضة"، وأخبار المواقيت مخصوصة بالصور التي أجمعنا عليها.
وسئل أحمد عن الجمع بين الصلاتين في المطر،
قال: "يجمع بينهما إذا اختلط الظلام قبل أن يغيب الشفق، كذا صنع ابن عمر".
وقال الأثرم: حدثنا أبو أسامة حدثنا عبيد الله عن نافع قال: "كان أمراؤنا إذا كانت الليلة المطيرة أبطؤوا بالمغرب، وعجلوا العشاء قبل أن يغيب الشفق، فكان ابن عمر يصلي معهم".
قال عبيد الله: ورأيت القاسم وسالماً يصليان معهم.
قيل لأحمد: فكأن سنة الجمع في المطر عندك قبل أن يغيب الشفق، وفي السفر نؤخر حتى يغيب الشفق؟ قال: نعم.
ولا يجوز الجمع لغير ما ذكرنا، وقال ابن شبرمة: "يجوز إذا كان حاجة أو شيء، ما لم يتخذ عادة، لحديث ابن عباس، وفيه: أراد أن لا يحرج أمته".
وإذا سافر بعد دخول وقت الصلاة، قال ابن عقيل: فيه روايتان: إحداهما: له.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن له قصرها، وإذا دخل مع مقيم أتم.
قال الأثرم: سألت أحمد عن المسافر يدخل في تشهده المقيم؟ قال: "يصلي أربعاً"، روي ذلك عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال الشافعي.
وقال إسحاق: له القصر.
وقال مالك: إن أدرك ركعة من الصلاة أتم، وإن أدرك دونها قصر، لقوله: "من أدرك ركعة من الصلاة، فقد أدركها".
1 ولنا: ما روي عن ابن عباس: "قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتمَّ بمقيم؟ قال: تلك السنة".
رواه أحمد.
"وكان ابن عمر إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً".
رواه مسلم، ولقوله: "إنما جُعل الإمام ليؤتم به؛ فلا تختلفوا عليه" 2.
وأجمع أهل العلم على أن المقيم إذا ائتمَّ بمسافر، وسلم المسافر من ركعتين، أنّ على المقيم الإتمام.
وإذا أمّ المسافر المقيمين فأتم، فصلاتهم صحيحة، وبه قال الشافعي.
وقال الثوري: تفسد صلاة المقيمين، لأن الآخرتين نفل من الإمام.
والمشهور عن أحمد أن المدة التي يلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها
هي: ما كان أكثر من إحدى وعشرين صلاة.
وعنه: إن نوى إقامة أكثر من أربعة أيام أتم، وهو قول مالك والشافعي، لأن الثلاث حد القلة، ولقوله: "يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً".
1 وقال الثوري: "إن أقام خمسة عشر يوماً مع اليوم الذي يخرج فيه، أتم".
روي ذلك عن ابن عمر وسعيد بن جبير والليث.
وعن ابن عباس: "أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره تسعة عشر يصلي ركعتين، فنحن إذا أقمناها نصلي ركعتين، وإن زدنا أتممنا".
2 رواه البخاري.
وقال الحسن: "صل ركعتين، إلا أن تقدم مصراً".
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم أقام بمكة عشراً يقصر".
متفق عليه.
وذكر أحمد حديث جابر وابن عباس: "أنه صلى الله عليه وسلم قدم لصبح رابعة، فأقام الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، وكان يقصر في هذه الأيام".
وقد أجمع على إقامتها.
فإذا أجمع أن يقيم كما أقام صلى الله عليه وسلم قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم.
قال: وحديث أنس كلام ليس يفقهه كل أحد: قوله: "أقام عشراً يقصر، قدم لصبح رابعة وخامسة وسادسة وسابعة.
ثم قال: وثامنة يوم التروية وتاسعة وعاشرة"، فإنما وجه حديث أنس أنه حسب مقامه بمنى ومكة.
وإن مرَّ في طريقه على بلد له فيه أهل أو مال، فقال أحمد في موضع: يتم، وقال في موضع: يتم، إلا أن يكون ماراً.
وقال الشافعي وابن المنذر: يقصر ما لم يجمع على إقامة أربع.
ومن لم يجمع الإقامة مدة تزيد على ما ذكرنا، فله القصر، ولو أقام سنين، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
ولا بأس بالتطوع، نازلاً وسائراً على الراحلة، ويصلي ركعتي الفجر والوتر، وأما سائر السنن والتطوعات، فقال أحمد: أرجو أن لا يكون بالتطوع في السفر بأس.
وعن الحسن: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون،
فيتطوعون قبل المكتوبة وبعدها"، وهو قول مالك والشافعي.
"وكان ابن عمر لا يتطوع إلا من جوف الليل"، ونقل عن ابن المسيب وسعيد بن جبير وعلي بن الحسين.
والخوف لا يؤثر في عدد الركعات للإمام والمأموم جميعاً، فإذا كان في سفر يبيح القصر صلى بهم ركعتين، بكل طائفة ركعة، وتتم لأنفسها أخرى، ويطيل التشهد حتى يتموا التشهد، ويسلم بهم.
قال القاضي: من شرطها: كون العدو في غير جهة القبلة، ونص أحمد على خلاف ذلك.
قال الأثرم: قلت: حديث سهل نستعمله مستقبلين القبلة أو مستدبرين؟ قال: نعم.
هو إنكاء، لأن العدو قد يكون في جهة القبلة على وجه لا يمكن أن يصلي بهم صلاة عُسفان، لانتشارهم أو خوف كمين.
ويقرأ ويتشهد ويطيل حال الانتظار، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يقرأ حال الانتظار، بل يؤخر القراءة ليقرأ بالطائفة الثانية، ليسوي بين الطائفتين.
ولنا: أن الصلاة ليس فيها محل سكوت، والقيام محل القراءة كالتشهد إذا انتظرهم فله يتشهد ولا يسكت، وإذا جلس للتشهد قاموا فصلّوا ركعة أخرى، وأطال حتى يدركوه ويسلّم بهم.
وقال مالك: يتشهدون معه، فإذا سلم قاموا فقضوا؛ وما ذكرناه أولى، لقوله: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ ، وهو يدل على أن صلاتهم كلها معه.
وفي حديث سهل: "أنه صلى الله عليه وسلم قعد حتى صلى الذين خلفه ركعة، ثم سلّم".
1 رواه أبو داود.
وروي: "أنه سلّم بالطائفة الثانية"، وبه قال مالك والشافعي، إلا فيما ذكرنا.
وقال أبو حنيفة: يصلي كما روى ابن
عمر قال: "صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة وسجدتين، والطائفة الأخرى مواجهة العدو.
ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم مقبلين على العدوّ، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم ركعة، ثم سلّم.
ثم قضى هؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة".
1 متفق عليه.
وقال أبو حنيفة: يصلي بإحدى الطائفتين ركعة، والأخرى مواجهة العدوّ.
ثم تنصرف التي صلت معه إلى وجه العدو وهي في صلاتها، ثم تجيء الأخرى فتصلي معه الركعة الثانية.
ثم يسلم الإمام، وترجع إلى وجه العدو وهى في الصلاة.
ثم تأتي الطائفة الأولى إلى موضع صلاتها فتصلي ركعة منفردة لا تقرأ فيها، لأنها في حكم الائتمام.
ثم تنصرف إلى وجه العدو.
ثم تأتي الأخرى فتفعل كذلك، إلا أنها تقرأ لأنها فارقت الإمام.
ولنا: ما روى صالح بن خوات عمن صلّى مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صفّت معه وطائفة وجاه العدوّ، فصلى بالتي معه ركعة، ثم ثبت قائماً، وأتموا لأنفسهم ثم انصرفوا، وصفّوا وجاه العدو.
وجاءت الطائفة الأخرى، فصلى بهم الركعة التي بقيت من صلاته، ثم ثبت جالساً، وأتموا لأنفسهم.
ثم سلم بهم".
2 رواه مسلم.
وروى سهل بن أبي حثمة مثله.
وهذا أشبه بكتاب الله، فإن قوله تعالى: ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ 3 يقتضي أن جميع صلاتها معه.
وعنده: تصلي ركعة معه فقط، وعندنا: جميع صلاتها معه: إحدى الركعتين توافقه في أفعاله، والثانية تأتي بها قبل سلامه ثم تسلم معه.
ومن مفهوم قوله: ﴿لَمْ يُصَلُّوا﴾ أن الأولى قد صلّت جميع صلاتها، وعلى قولهم لم تصلّ إلا بعضها.
وإن خاف وهو مقيم، صلى بكل طائفة ركعتين.
وصلاة الخوف جائزة في الحضر، وبه قال الشافعي.
وعن
مالك: لا تجوز في الحضر، لأن الآية إنما دلت على ركعتين، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يفعلها في الحضر.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ ، 1 وهو عام في كل حال، وتركه صلى الله عليه وسلم لفعلها في الحضر لغنائه عنها.
قولهم: إنما دلت على ركعتين، قلنا: قد يكون في الحضر الصبح والجمعة، وإذا صلى بهم الرباعية صلى بكل طائفة ركعتين، فهل تفارقه الأولى في التشهد أو حين يقوم إلى الثالثة؟ الثاني: قول مالك، لأنه يحتاج إلى التطويل من أجل الانتظار، والتشهد الأول يستحب تخفيفه.
وإن كانت الصلاة مغرباً صلى بالطائفة الأولى ركعتين وأتمت لأنفسها ركعة، وبالأخرى ركعة وأتمت لأنفسها ركعتين، وبه قال مالك والشافعي في أحد قوليه.
وفي الآخر: يصلي بالأولى ركعة وبالثانية ركعتين، لأنه روي عن علي: "أنه صلى ليلة الهرير هكذا".
ويستحب أن يحمل السلاح فيها، لقوله تعالى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ ، 2 ولأنهم لا يأمنون أن يفجأهم العدو فيميلون عليه ميلة واحدة كما في الآية.
ولا يجب حمله في قول أكثر أهل العلم، ويحتمل الوجوب، وبه قال داود والشافعي في أحد قوليه؛ والحجة معهم لأن ظاهر الأمر الوجوب.
وقد اقترن به قوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً﴾ الآية 3. فإن كان بهم لم يجب بغير خلاف، لتصريح النص به.
ويجوز أن يصلي على كل صفة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، قال أحمد: كل حديث يروى في أبواب صلاة الخوف فالعمل به جائز.
وقال: ستة وجوه أو سبعة تروى فيها، كلها جائزة.
قال الأثرم قلت له: تقول
بالأحاديث، كل حديث في موضعه، أو تختار واحداً منها؟ قال: من ذهب إليها كلها فحسن، وأنا أختار حديث سهل.
وقد ذكرنا منها وجهين: حديث سهل وحديث ابن عمر.
والثالث: صلاة عُسفان: "قام رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة والمشركون أمامه، فصف خلفه صف، وصف خلف ذلك الصف صف.
فركع رسول الله، وركعوا جميعاً.
ثم سجد، وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخر يحرس.
فلما صلى بهؤلاء السجدتين وقاموا، سجد الذين خلفهم.
ثم تأخر الصف الأول إلى مقام الآخرين، وتقدم الصف الآخر إلى مقام الصف الأول.
ثم ركع وركعوا جميعاً.
ثم سجد وسجد الصف الذي يليه، وقام الآخرون يحرسون.
فلما جلس والذي يليه، سجد الآخرون.
ثم جلسوا جميعاً، فسلّم عليهم.
فصلاها بعسفان، وصلاها يوم بني سليم".
رواه أبو داود.
و"روى جابر عنه صلى الله عليه وسلم نحوه"، أخرجه مسلم.
الوجه الرابع: أن يصلي بكل طائفة صلاة منفردة، ويسلّم بها، كما رواه أبو بكرة، أخرجه أبو داود؛ وهذه حسنة قليلة الكلفة، وهي مذهب الحسن؛ ليس فيها أكثر من أن الإمام في الثانية متنفل يؤم مفترضين.
الوجه الخامس: أن يصلي بالطائفة الأولى ركعتين ولا يسلم، ثم تسلم الطائفة وتنصرف ولا تقضي شيئاً.
وتأتي الأخرى فيصلي بها ركعتين ويسلم بها، ولا تقضي شيئا.
و"هذا مثل الذي قبله، إلا أن الإمام لا يسلِّم في الأوليين"، لحديث جابر في ذات الرقاع، متفق عليه.
وتأوله القاضي على أنه صلى بهم كصلاة الحضر، وأن كل طائفة قضت ركعتين؛ وهذا ظاهر الفساد لأنه صفة الرواية وقول أحمد.
والوجه السادس: أن يصلي بكل طائفة ركعة ولا تقضي شيئاً، لحديث ابن عباس يوم ذي قرد، رواه الأثرم.
ولأبي داود نحوه من حديث حذيفة، وروي مثله عن زيد بن ثابت وأبي هريرة.
قال أبو داود في السنن: هو مذهب ابن عباس وجابر.
قال جابر: "إنما القصر ركعة عند القتال".
وقال طاووس والحسن ومجاهد وقتادة: ركعة في شدة الخوف يومئ إيماء.
وقال إسحاق: يجزيك عند الشدة ركعة تومئ إيماء، فإن لم تقدر فسجدة واحدة، فإن لم تقدر فتكبيرة.
وهذه الصلاة يقتضي عموم كلام أحمد جوازها، لأنه ذكر ستة أوجه، ولا أعلم وجهاً سادساً سواها، وأصحابنا ينكرون ذلك، قال القاضي: لا تأثير للخوف في عدد الركعات، وهذا قول أكثر أهل العلم، والذي قال: ركعة، إنما جعلها عند شدة القتال.
وإذا كان الخوف شديداً وهم في حال المسايفة، صلوا رجالاً وركباناً، إلى القبلة وإلى غيرها، يؤمئون إيماء، ويكرّون ويفرُّون، ولا يؤخرون الصلاة؛ وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا يصلي مع المسايفة ولا مع المشي، "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّ يوم الخندق، وأخّرها".
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً﴾ ، 1 قال ابن عمر: "فإن كان خوفاً أشد من ذلك، صلّوا رجالاً قياماً على أقدامهم، وركباناً، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها".
متفق عليه، "ولأنه صلى الله عليه وسلم أمرهم بالمشي إلى وجاه العدو، ثم يعودون لما بقي"؛ وهذا مشي كثير وعمل طويل واستدبار القبلة.
ومن العجب أن أبا حنيفة اختار هذا الوجه دون سائر الوجوه التي لا تشتمل على العمل وسوَّغه، مع إمكان الصلاة بدونه، ثم منعه في حال لا يقدر إلا عليه! وكان
العكس أولى، لا سيما مع نص الله سبحانه على الرخصة في هذه الحال.
وأما تأخيره يوم الخندق، فروى أبو سعيد: أنه قبل نزول صلاة الخوف.
ويحتمل أنه نسي الصلاة، فقد نقل عنه ما يدل على ذلك.
وإن هرب من عدو هرباً مباحاً، أو سيل أو سبع لا يمكنه التخلص بدون الهرب، صلى صلاة شدة الخوف، سواء خاف على نفسه أو أهله أو ماله، نص عليه أحمد في الأسير.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: ولو عجز المريض عن الإيماء برأسه، سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرفه.
واختار جواز القصر في سفر المعصية، وجوز القصر في مسافة فرسخ، وقال: إن حد فتحديده ببريد أجود، قال: ولا حجة للتحديد، بل الحجة مع من أباح القصر لكل مسافر، إلا أن ينعقد الإجماع على خلافه.
واختار كراهة الإتمام للمسافر.
وقال: يسن ترك التطوع بغير الوتر وسنة الفجر، ونقل ابن هاني: يتطوع أفضل، واختاره الشيخ في غير الرواتب.
واختار أن الجمع والقصر لا يحتاج إلى نية.
وقال في البلغة: إقامة الجيش للغزو لا تمنع الترخص وإن طالت، لفعله صلى الله عليه وسلم.
واختار الشيخ أن المسافر له القصر والفطر ما لم يجمع على إقامة ويستوطن، وقال: الجمع بين الصلاتين في السفر يختص بمحل الحاجة، لأنه من رخص السفر المطلقة، كالقصر.
واختار الشيخ جواز الجمع للطباخ والخباز ونحوهما، ممن يخشى فساد ماله أو مال غيره بترك الجمع.
قال أحمد: الجمع في الحضر إذا كان من ضرورة،
مثل مرض أو شغل، واختار الشيخ أن الجمع بين الظهر والعصر يجوز للمطر.
واختار جواز الجمع لتحصيل الجماعة، والصلاة في حمام مع جوازها فيه، خوف فوات الوقت، ولخوف يخرج في تركه أي مشقة، وأن الأفضل: فعل الأرفق به من تقديم وتأخير.
واختار في جمع التقديم عدم اشتراط الموالاة.
ويجوز للخائف فوات وقت الوقوف بعرفة صلاة 1 الخوف.
[اختاره الشيخ 2] .
باب صلاة الجمعة
المستحب إقامتها بعد الزوال، لفعله صلى الله عليه وسلم.
ويصعد للخطبة على المنبر ليسمع الناس، وليس بواجب، "لأنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم على الأرض قبل أن يصنع المنبر".
ويستحب إذا خرج أن يسلّم على الناس، ثم إذا صعد المنبر فاستقبلهم سلّم عليهم.
ويجلس إلى فراغ المؤذن، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: لا يسلّم عقيب الاستقبال، لأنه سلّم حال خروجه.
وأما مشروعية الأذان عقيب صعود الإمام، فلا خلاف فيه؛ وهو الذي يمنع البيع، ويلزم السعي، لأنه الذي كان على عهده صلى الله عليه وسلم، فتعلق الحكم به.
وتحريم البيع مختص بالمخاطبين، وحكي في غيرهم روايتان؛ والصحيح ما ذكرنا، فإن الله نهى من أمره بالسعي.
وكلما بكر من أول النهار فهو أفضل، وهذا مذهب الشافعي.
وقال مالك: لا يستحب قبل الزوال.
ولنا: حديث أبي هريرة في الساعات، وروى الترمذي وحسنه: " من غسل واغتسل، وبكّر وابتكر، كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة، صيامها وقيامها".
1 ورواه ابن ماجة وزاد: "ومشى ولم يركب، ودنا من الإمام، فاستمع ولم يلْغُ".
3 وقوله: بكّر: خرج في بكرة النهار، وابتكر: بالغ في التبكير، وقيل: معناه: ابتكر العبادة مع بكورها.
وقيل: ابتكر الخطبة، أي حضرها، من باكورة الثمرة أي: أولها.
وغير هذا أجود، لأن من جاء أول النهار لزم أن يحضر أول الخطبة.
قال أحمد: "من غسّل" مشددة يريد: من غسل أهله.
وكان غير واحد من التابعين يستحبه ليكون2
أسكن لنفسه.
وقيل: غسل رأسه، واغتسل في بدنه، حكي عن ابن المبارك.
وقوله: غسل الجنابة على هذا، أي: كغسل الجنابة.
والمستحب: أن يمشي، لقوله: "ومشى ولم يركب".
وتجب ولو كان من يقيمها مبتدعاً، نص عليه.
ولا تعاد، والظاهر من حال الصحابة أنهم لم يكونوا يعيدونها.
والخطبة شرط، لا تصح بدونها، ولا نعلم فيه مخالفاًً إلا الحسن، قال: تجزيهم جمعتهم، خطب أو لم يخطب.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ، 1 والذكر: الخطبة.
وسئل أحمد عن الخطبة قاعداً، فلم تعجبه، قال: قال الله تعالى: ﴿وَتَرَكُوكَ قَائِماً﴾ . 2 ويستحب لهم أن يستقبلوه إذا خطب، قال ابن المنذر: هذا كالإجماع.
وعن الحسن: أنه استقبل القبلة ولم ينحرف إلى الإمام.
ويشترط للجمعة خطبتان، وهو مذهب الشافعي.
وقال مالك: يجزئه خطبة واحدة.
ويشترط لكل واحدة منهما حمد الله، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ويحتمل أن لا تجب الصلاة عليه، لأنها لم تذكر في خطبته.
وأما القراءة، فقال القاضي: يحتمل أن تشترط.
قال أصحابنا: ولا يكفي أقل من آية، وظاهر كلام أحمد: لا يشترط ذلك، لأنه قال: القراءة في الخطبة ليس فيها شيء مؤقت.
وقال: إن خطب وهو جنب، ثم اغتسل وصلى بهم، أجزأه؛ والجنب ممنوع من قراءة آية.
ويحتمل أن لا يجب سوى حمد الله والموعظة، لأنه يسمى خطبة، وما عداهما ليس على اشتراطه دليل، ولكن "يستحب أن يقرأ آيات لما ذكرنا عن النبي صلى الله عليه وسلم".
ويستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسة خفيفة، وقال الشافعي: "هي واجبة لأنه صلى الله
عليه وسلم يجلسها".
ولنا: "أنه سرد الخطبة جماعة من الصحابة، منهم المغيرة وأبيّ بن كعب"، قاله أحمد.
والسنة: أن يخطب متطهراً، وعنه: أنه من شرائطها.
ويسن أن يتولى الصلاة من يتولى الخطبة، وإن خطب رجل وصلى آخر جاز، لكن قال أحمد: لا يعجبني لغير عذر.
وهل يشترط أن يكون المصلي ممن حضر الخطبة؟ فيه روايتان.
من السنة أن يقصد تلقاء وجهه، لأنه لو التفت لأعرض عن الجانب الآخر.
ويستحب أن يرفع صوته، لقول جابر: "كان إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه، حتى كأنه منذر جيش يقول: صبّحكم ومسّاكم " 1.
ويستحب تقصيرها، لحديث عمار وغيره، وأن يعتمد على عصا أو قوس أو سيف، لحديث الحكم، وفيه: "فقام متوكئاً على عصا أو قوس".
2 رواه أبو داود.
وسئل أحمد: عمن قرأ سورة الحج على المنبر؟ قال: لا.
لم يزل الناس يخطبون بالثناء على الله، والصلاة على رسوله.
و"إن قرأ السجدة في أثناء الخطبة، فإن شاء نزل فسجد، وإن شاء ترك؛ فعل عمر وترك"، وبه قال الشافعي.
"ونزل عثمان وأبو موسى وغيرهما"، وبه قال أصحاب الرأي، لأن السجود عندهم واجب.
وقال مالك: لا ينزل، لأنها تطوع فلا يشتغل بها في أثناء الخطبة.
ولنا: فعل عمر وتركه، وفعل مَن سمّينا من الصحابة.
ويستحب أن يدعو للمؤمنين والمؤمنات ولنفسه وللحاضرين، وإن دعا لسلطان المسلمين بالصلاح فحسنٌ.
وروى ضبة بن محصن: "أن أبا موسى إذا خطب فحمد الله وصلى على النبي، يدعو لعمر، فأنكر عليه ضبة البدأة بعمر قبل الدعاء لأبي بكر، فرفع إلى عمر.
فقال لضبة: أنت أوفق منه وأرشد".
وقال عطاء: هو محدث.
وصلاة الجمعة ركعتان، يقرأ في كل ركعة بـ"الحمد" وسورة، ويجهرُ بالقراءة، لا خلاف في ذلك كله.
و"يستحبُّ أن يقرأ فيهما بـ"الجمعة" و"المنافقين"، لحديث أبي هريرة"، رواه مسلم، "أو "سبح" و"الغاشية""، لحديث النعمان بن بشير، رواه مسلم.
وأكثر أهل العلم يرون أن من أدرك مع الإمام ركعة من الجمعة، فهو مدرك لها؛ يضيف إليها أخرى وتجزئه.
وقال عطاء وغيره: "من لم يدرك الخطبة صلى أربعاً".
ولنا: حديث أبي هريرة، ولأنه قول ابن مسعود وأنس وابن عمر؛ ولا مخالف لهم في عصرهم.
ومن أدرك أقل بنى عليها ظهراً، إذا دخل بنية الظهر؛ وهو قول جميع من ذكرنا في التي قبلها.
وقال حماد والحكم: يدرك بأي قدر أدركه.
ولنا: حديث أبي هريرة المتقدم، ولأنه قول مّن سمّينا من الصحابة والتابعين، ولا مخالف لهم في عصرهم؛ فيكون إجماعاً.
ومن أحرم مع الإمام، ثم زحم فلم يقدر على السجود والركوع حتى سلّم الإمام، فعنه: يكون مدركاً، ويصلي ركعتين؛ وهو قول الحسن والأوزاعي.
وعنه: يصلي أربعاً، وهو قول الشافعي وابن المنذر.
فإن قدر على السجود على ظهر إنسان أو قدميه، لزمه وأجزأه، وبه قال الشافعي وابن المنذر.
وقال مالك: لا يفعل، وتبطل به الصلاة، لقوله: "مكّن جبهتك من الأرض".
ولنا: قول عمر: "إذا اشتد الزحام، فليسجد على ظهر أخيه".
رواه سعيد.
قاله بمحضر من الصحابة في يوم جمعة.
و"من دخل والإمام يخطب، لم يجلس حتى يركع ركعتين يوجز فيهما"، وبه قال الشافعي، لحديث جابر، رواه مسلم.
وقال مالك: يجلس ولا يركع، لقوله: "اجلس! فقد آذيت"، 1 وهي قضية عين، الظاهر أنه أمره ليكفّ أذاه عن الناس.
ويجب الإنصات من حين يأخذ في الخطبة، وكره الكلام حينئذ عامة أهل العلم،
وعنه: لا يحرم الكلام.
"وكان سعيد بن جبير والنخعي والشعبي يتكلمون والحجاج يخطب"، وقال بعضهم: "إنا لا نؤمر أن ننصت لهذا".
واحتج من أجازه بحديث أنس: "أن رجلاً قال لرسول الله وهو يخطب: هلك الكراع، هلك الشاء؛ فادع الله! ". 1 الحديث متفق عليه.
ولنا: قوله: "إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة والإمام يخطب: أنصت! فقد لغوت".
2 متفق عليه، وما احتجوا به يحتمل أنه مختص بمن كلّم الإمام.
ولا يحرم الكلام على الخطيب، ولا على من سأله الخطيب، "لأنه صلى الله عليه وسلم سأل سليكا: أصلّيتَ؟ قال: لا".
3 "وعمر سأل عثمان".
وإذا سمع متكلماً لم ينهه بالكلام، لحديث أبي هريرة، ولكن بالإشارة.
نص عليه.
وكره طاووس الإشارة.
وسئل أحمد: عن رد السلام، وتشميت العاطس، والإمام يخطب؟ فقال: نعم.
قد فعله غير واحد.
وعنه: إن كان يسمع الخطبة فلا.
وللبعيد أن يذكر الله ولا يرفع صوته، ورخص له في الذكر والقراءة عطاء وغيره.
ولا يكره الكلام قبل الخطبة ولا بعدها، وبه قال عطاء وغيره، وقال ابن عبد البر: "ابن عمر وابن عباس يكرهان الكلام بعد خروج الإمام"، ولا مخالف لهما في الصحابة.
وقد ذكرنا عن عمومهم خلاف هذا، وقوله: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب ... " 4 الحديث، وروى ثعلبة: "أنهم كانوا يتحدثون يوم الجمعة إذا جلس عمر على المنبر" الحديث.
فأما الكلام في الجلسة بينهما، فيحتمل جوازه، وهو قول الحسن، ويحتمل المنع، وهو قول مالك والشافعي.
وهل يسوغ الكلام إذا كان في دعاء؟ احتمالان.
ويكره العبث وهو يخطب، لقوله: "مَن مسّ الحصى فقد لغا ". 5 ويكره الشرب والإمام يخطب، وبه قال مالك، ورخص فيه الشافعي.
قال أحمد: لا يتصدق على السائل والإمام يخطب، و"إن حصبه كان أعجب إليّ، لفعل
ابن عمر".
ولا بأس بالاحتباء والإمام يخطب، روي عن جماعة من الصحابة، قال أبو داود: لم يبلغني أن أحداً كرهه، إلا عبادة بن نسي، لأن سهل بن معاذ روى: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الحبوة يوم الجمعة والإمام يخطب".
1 رواه أبو داود، وفي إسناده مقال.
قال ابن المنذر: الأوْلى تركه، لأجل الخبر وإن كان ضعيفاً.
وإنما تجب بشروط سبعة: القرية، والأربعين، والذكورية، والبلوغ، والعقل، والإسلام، والاستيطان.
وهذا قول أكثر أهل العلم.
فأما القرية فيعتبر أن تكون مبنية بما جرت العادة به، من طين أو قصب أو شجر ونحوه.
فأما أهل الخيام وبيوت الشعر، فلا جمعة عليهم ولا تصح منهم، لأن ذلك لا ينصب للاستيطان غالباً؛ ولذلك كان الذين حول المدينة لم يقيموا جمعة، ولا أمرهم بها صلى الله عليه وسلم.
ومتى كانت القرية لا تجب على أهلها الجمعة فسمعوا النداء من المصر أو من قرية تقام فيها، لزمهم السعي إليها، لعموم الآية.
والأربعون شرط لصحة الجمعة، وهو مذهب مالك والشافعي.
وعنه: تنعقد بثلاثة، وهو قول الأوزاعي وأبي ثور.
وقال ربيعة: تنعقد باثني عشر، لحديث جابر: "فلم يبق إلا اثنا عشر رجلاً".
2 رواه مسلم.
ولنا: حديث كعب بن مالك، وفيه: "كم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون".
3 فأما الثلاثة والأربعة فتحكم بالرأي فيما لا مدخل له فيه، فإن التقديرات بابها التوقيف.
وإذن الإمام ليس بشرط، وبه قال مالك والشافعي.
وعن الحسن وأبي حنيفة: لا يقيمُها إلا الأئمة في كل عصر، فكان إجماعاً.
ولنا: "أن علياً صلى الجمعة بالناس، وعثمان محصور، فلم ينكر.
وصوّبه عثمان، وأمر بالصلاة معه".
رواه البخاري عن عبيد الله بن عدي.
قال أحمد: وقعت الفتنة بالشام تسع سنين، فكانوا
يجمعون.
ولا يشترط لها المصر، وبه قال مالك والشافعي.
وعن أبي حنيفة: لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع.
ولنا: قول كعب بن مالك: "أول من جمع بنا: أسعد بن زرارة في هزم النبيت، من حرة بني بياضة، في نقيع يقال له: الخضمات".
رواه أبو داود.
قال ابن جريج: قلت لعطاء: أكان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم.
قال الخطابي: حرة بني بياضة: قرية على ميل من المدينة.
وحديث ابن عباس: "في جواثا".
ولا يشترط لها البنيان، فتجوز فيما قاربه من الصحراء.
وقال الشافعي: لا تجوز.
ولنا: "أن مصعبا جمع بهم في نقيع الخضمات"، والنقيع: بطن من الأرض يستنقع الماء فيه مدة، فإذا نضب نبت الكلأ.
وإذا كان البلد كبيرا يحتاج إلى جوامع، فصلاة الجمعة فيها جائزة، وأجازه أبو يوسف في بغداد دون غيرها، لأن الحدود تقام فيها في موضعين.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: "لا تجوز في بلد واحد إلا في موضع واحد، لأنه صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده لم يجمعوا إلا في واحد".
ولنا: "أن علياً كان يستخلف أبا مسعود (البدري) يوم العيد، يصلي بضعفة الناس".
ولما دعت الحاجة إلى ذلك في الأمصار، صُليت في أماكن فلم ينكر، فكان إجماعاً.
قال أحمد: يقام بالمدينة قدمها مصعب بن عمير وهم مختبئون في دار، فجمع بهم وهم أربعون.
فأما مع عدم الحاجة فلا يجوز، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن عطاء قيل له: إن أهل البصرة لا يسعهم المسجد الأكبر.
قال: لكل قوم مسجد يجمعون فيه.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن لا جمعة على النساء.
فأما المسافر فأكثر أهل العلم يرون أن لا جمعة عليه.
وحكي عن النخعي أنها تجب.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّها في سفر، ولا
خلفاؤه"، وكذلك غيرهم من الصحابة.
قال إبراهيم: "كانوا يقيمون بالري السنة وأكثر من ذلك، وبسجستان السنتين، لا يجمعون ولا يشرقون"، وأما العيد ففيه روايتان.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنهن إذا حضرن فصلين الجمعة، أن ذلك يجزئ عنهن.
ولا تنعقد الجمعة بمن لا تجب عليه ولا يصح أن يكون إماماً فيها، وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز أن يكون العبد والمسافر إماماً فيها، ووافقهم مالك في المسافر.
وإن ظن أنه لا يدرك الجمعة، انتظر حتى يصلي الإمام، ثم يصلي الظهر؛ وبه قال مالك والشافعي في الجديد.
وقال في القديم، وأبو حنيفة: يصلي ظهراً.
فأما من لا تجب عليه، فله أن يصلي قبل الإمام، في قول الأكثر.
و"لا يكره لمن فاتته الجمعة أو لم يكن من أهل فرضها، أن يصلي جماعة إذا أمن أن ينسب إلى مخالفة الإمام، فعله ابن مسعود وغيره"؛ وهو قول الشافعي.
وكرهه مالك.
ولنا: حديث فضل الجماعة.
"وفاتت الجمعة عبد الله، فصلى بعلقمة والأسود".
احتج به أحمدُ وقال: ما أعجب الناس! ينكرون هذا!
ويستحب لمن ظهر للجمعة أن يغتسل ويلبس ثوبين نظيفين ويتطيب، ولا خلاف في هذا كله؛ وفيه آثار صحيحة، وليس بواجب [في قول الأكثر.
قال ابن المنذر: أجمع المسلمون قديماً وحديثاً: ليس غسل الجمعة بفرض واجب 1] . وعنه: أنه واجب.
ولنا: قوله: "ومن اغتسل فالغسل أفضل"، 2 وقصة عمر عن عثمان.
ووقت الغسل بعد طلوع الفجر، وهو قول الشافعي.
وعن مالك: لا يجزيه إلا أن يتعقبه الرواح.
وإن أحدث بعده، أجزأه الغسل وكفاه الوضوء، وبه قال مالك والشافعي.
واستحب طاووس وغيره إعادة الغسل.
ومن لا يأتي الجمعة لا غسل فيه.
"وكان ابن عمر لا يغتسل".
وكان عطاء لا يغتسل، "وكان طلحة يغتسل".
وروي عن مجاهد وطاووس ولعلهم أخذوا بالعموم.
ولنا: قوله: "من أتى الجمعة فليغتسل".
1 ويستحب أن يلبس ثوبين نظيفين، لحديث عبد الله بن سلام، رواه مسلم.
والتطيب مندوب إليه والسواك، لما ورد.
ولا يتخطى رقاب الناس، ولا يفرّق بين اثنين، لما ورد، فإن رأى فرجة لا يصل إليها إلا بالتخطي، فروايتان.
قال الحسن: يتخطى رقاب الذين يجلسون على أبواب المساجد، فإنهم لا حرمة لهم.
وعنه: إن كان يتخطى الواحد والاثنين فلا بأس، وإن كثر كرهناه.
ولعل الرواية الأولى وكلام الحسن فيما إذا تركوا مكاناً واسعاً، والثاني فيمن لم يفرط.
وإذا جلس في مكان فبدت له حاجة، أو احتاج إلى الوضوء، فله الخروج، لحديث عقبة في قسمة التبر، وفيه: "قام مسرعاً يتخطى رقاب الناس".
2 رواه البخاري.
ثم إذا رجع، فهو أحق بمجلسه، لقوله: "من قام من مجلسه ثم رجع إليه، فهو أحق به".
3 رواه مسلم.
و"ليس له أن يقيم إنساناً ويجلس في موضعه"، لحديث ابن عمر.
فإن قدم رجلاً، حتى إذا جاء قام، جاز، لأنه يقوم باختياره.
وعن ابن سيرين: "أنه يرسل غلاماً له يوم الجمعة فيجلس مكانه، فإذا جاء محمد قام الغلام، وجلس فيه".
ويستحب له الدنو من الإمام، لقوله: "ودنا من الإمام"، ولحديث سمرة: "احضروا الذكر، وادنوا من الإمام؛ فإن الرجل لا يزال يتباعد حتى يؤخر في الجنة، وإن دخلها".
4 رواه أبو داود.
وتكره الصلاة في المقصورة التي تحمى، نص عليه، "ورخص فيه أنس وغيره".
وقال أحمد: ما أدري هل الصف الأول الذي يقطعه المنبر أو الذي يليه.
و"يستحب لمن نعس يوم الجمعة أن يتحول من
موضعه"، لحديث ابن عمر.
ويكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يوم الجمعة، لحديث أوس، وفيه: "أكثروا عليَّ من الصلاة فيه، فإن صلاتكم معروضة عليَّ".
1 رواه أبو داود.
ويستحب قراءة الكهف في يومها، والإكثار من الدعاء ليوافق ساعة الإجابة.
وإن صلوا الجمعة في الساعة السادسة قبل الزوال أجزأتهم، "روي عن ابن مسعود وغيره أنهم صلوها قبل الزوال".
وعنه: تجوز في وقت صلاة العيد، وقال أكثر أهل العلم: وقتها وقت الظهر، إلا أنه يستحب تعجيلها.
ولنا على جوازها في السادسة: قول جابر: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي - يعني: 2 الجمعة - ثم نذهب إلى جمالنا، فنريحها حين تزول الشمس".
رواه مسلم.
وعن سهل قال: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم".
متفق عليه.
قال ابن قتيبة: لا يسمى غداء ولا قائلة إلا بعد الزوال، وأما في أول النهار فلا تجوز، كما ذكر أكثر أهل العلم؛ والأولى أن لا يصلي إلا بعد الزوال، كصلاته صلى الله عليه وسلم في غالب أوقاته.
فإن اتفق عيد ويوم الجمعة، سقط حضور الجمعة عمن صلى العيد، إلا الإمام، وهو قول النخعي والشعبي والأوزاعي.
وقال أكثر الفقهاء: تجب الجمعة لعموم الأخبار، وعموم الآية.
ولنا: حديث زيد بن أرقم، وما احتجوا به مخصوص بما روينا، وأما الإمام فلا تسقط عنه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "وإنا مجمعون".
وإن قدم الجمعة فصلاها في وقت العيد، فعنه: يجزئه، ولا يلزمه شيء إلى العصر، لفعل ابن الزبير.
قال الخطابي: هذا لا يحمل إلا على قول من يجوز تقديم الجمعة قبل الزوال.
وتجب على من بينه وبين الجامع فرسخ، في غير أهل المصر.
قال أحمد: أما أهل المصر فلا بد لهم من شهودها، سمعوا النداء أو لم يسمعوا؛ وهذا قول مالك.
وعن عبد الله بن عمر: "الجمعة على من سمع النداء"، وهو قول الشافعي.
وعن ابن عمر وغيره: "الجمعة على من أواه الليل إلى أهله".
وقال أصحاب الرأي: لا جمعة على من كان خارج المصر، "لأن عثمان صلى العيد يوم الجمعة، وأرخص لأهل العوالي".
ولنا: الآية، وإرخاص عثمان لاجتماع العيدين، كما قررناه.
ومن تجب عليه الجمعة لا يجوز له السفر بعد دخول وقتها، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: يجوز، لقول عمر: "الجمعة لا تحبس عن سفر".
و"روي عن ابنه وعائشة ما يدل على الكراهة"، فيعارض قوله.
وإن سافر قبل الوقت، فعنه: يجوز، وهو قول أكثر أهل العلم.
وذكر أبو الخطاب أن الوقت الذي يمنع ويختلف فيما قبل زوال الشمس.
قال أحمد: إن شاء صلى بعد الجمعة ركعتين، وإن شاء صلى أربعاً، وفي رواية: "إن شاء ستاً"، لحديث أبي هريرة في الأربع، رواه مسلم، وحديث ابن عمر في الركعتين، متفق عليه.
وقال أحمد: "لو صلى مع الإمام ثم لم يصل شيئاً حتى العصر جاز"، قد فعله عمران بن حصين.
و"يستحب لمن أراد الركوع يوم الجمعة، أن يفصل بينها وبينه بكلام أو قيام من مكانه"، لحديث معاوية، رواه مسلم.
قال أحمد: إذا قرؤوا الكتاب يوم الجمعة على الناس بعد الصلاة أعجب إلي أن يسمع، إذا كان فتحاً من فتوح المسلمين، أو فيه شيء من أمور المسلمين.
وإن كان إنما فيه ذكرهم فلا يستمع.
وقال: الذين يصلون في الطرقات إذا لم يكن بينهم باب مغلق، فلا بأس.
وسئل أحمد: عن الرجل يصلي خارج المسجد يوم الجمعة وأبواب المسجد مغلقة؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأس.
و"يستحب أن يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة بـ"الم السجدة" و"هل أتى [على الإنسان] ""، لحديث أبي هريرة وابن عباس، رواهما مسلم.
قال أحمد:
ولا أحب أن يداوم عليها، لئلا يظن أنها مفضلة بسجدة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: مستوطناً ببناء، واختار الشيخ وجوبها على المستوطنين بعمود أو خيام، لكن اشترط في موضع آخر أن يكونوا يزرعون كما يزرع أهل القرية.
ولا تجب على مسافر، وقال الشيخ: يحتمل أن تلزمه تبعاً للمقيمين.
واختار انعقادها بثلاثة، وأن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم واجبة لا شرط؛ وأوجبها مع الدعاء الواجب، وتقديمها عليه لوجوب تقديمها على النفس.
واختار وجوب الشهادتين في الخطبة، وأن الخطبة لا يكفي فيها ذم الدنيا وذكر الموت، لأنه لا بد من اسم الخطبة عرفاً.
يقرأ في فجرها بـ" (الم) السجدة"، و"هل أتى"، قال الشيخ: لتضمنهما ابتداء خلق السموات والأرض وابتداء خلق الإنسان، إلى أن يدخل الجنة أو النار، قال: ويكره تحريه قراءة سجدة غيرها.
قال: والصلاة قبل الجمعة حسنة وليست سنة راتب، فمن فعل أو ترك لم ينكر عليه، وهذا أعدل الأقوال، وحينئذ فقد يكون الترك أفضل، إذا اعتقد الجهلة أنها سنة راتبة.
وأوجب الغسل للجمعة على من به عرَق أو ريح يتأذى به الناسُ.
واختار تحريم التخطي إذا لم يجد فرجة، قال: وليس لأحد أن يتخطى رقاب الناس ليدخل في الصف إذا لم يكن بين يديه فرجة، لا يوم الجمعة ولا غيره.
قال أحمد: أكثر الأحاديث أن ساعة الإجابة بعد العصر، وإن وجد مصلى مفروشاً، فقال الشيخ: له رفعه، في أظهر قولي العلماء، قال: وليس له فرشه.
باب صلاة العيدين
الأصل فيها: الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فصل لربك وانحر﴾ ، 1 المشهور: أن المراد: صلاة العيد، وهي فرض كفاية، وقيل: فرض عين.
وقال مالك: سنّة مؤكدة، لقوله في الخمس: "هل عليَّ غيرها؟ قال: لا".
2 ولنا على وجوبها في الجملة: مداومته صلى الله عليه وسلم، ولأنها من الأعلام الظاهرة، والحديث لا حجة لهم فيه، لأن الأعراب لا جمعة عليهم، فالعيد أولى، وأيضاً وجوب الخمس وتكررها لا ينفي وجوب غيرها نادراً، كصلاة الجنازة والمنذورة.
ويستحب إظهار التكبير في ليلتي العيد في المساجد والمنازل والطرق، للمقيم والمسافر، قال أحمد: "كان ابن عمر يكبّر في العيدين جميعاً"، وأوجبه داود في الفطر، لظاهر الآية، وليس فيها أمر، وإنما أخبر عن إرادته تعالى.
ويستحب التكبير في أيام العشر كلها، قال البخاري: "كان ابن عمر وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر، يكبّران، ويكبّر الناس بتكبيرهما".
ويستحب الاجتهاد في عمل الخير، لحديث ابن عباس.
ولا خلاف أن التكبير مشروع في عيد النحر، واختلفوا في مدته.
فذهب أحمد إلى "أنه من صلاة الفجر يوم عرفة إلى العصر من آخر أيام التشريق"، لحديث جابر.
وقيل
لأحمد: بأي حديث تذهب إلى ذلك؟ قال: بإجماع عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود، والمشروع التكبير عقيب الفرائض في الجماعات.
قيل لأحمد: تذهب إلى فعل ابن عمر "أنه لا يكبر إذا صلى وحده"؟ قال: نعم.
وقال مالك: لا يكبر عقيب النوافل، ويكبر عقيب الفرائض كلها.
وقال الشافعي: يكبر عقيب الفريضة والنافلة، والمسافر كالمقيم، وكذا النساء يكبرن خلف أبان بن عثمان وعمر بن عبد العزيز.
والمسبوق يكبر إذا فرغ، في قول الأكثر، وقال الحسن: يكبر ثم يقضي.
ويستحب أن يغتسل للعيد، وبه قال مالك والشافعي وابن المنذر، ويتنظف ويتطيب ويلبس أحسن ما يجد.
قال مالك: أهل العلم يستحبون الطيب والزينة في كل عيد.
وقال أحمد: طاووس يأمر بزينة الثياب، وعطاء قال: هو يوم تخشع واستحسِنُهما جميعاً.
ويستحب للمعتكف الخروج في ثياب اعتكافه، والسنة أن يأكل في الفطر قبل الصلاة، ولا يأكل في الأضحى حتى يصلي، لا نعلم فيه خلافاً.
"ويفطر على التمر ويأكلهن وتراً"، لحديث أنس، رواه البخاري.
قال أحمد: والأضحى لا يأكل فيه حتى يرجع إذا كان له ذبح، وإذا لم يكن له ذبح لم يبال أن يأكل.
ويصلي العيد في المصلى، وحكي عن الشافعي إذا كان المسجد واسعاً فهو أولى لأنه خير البقاع.
ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم لم يترك الأفضل مع قربه، ويتكلف الناقص مع بعده، ولا يشرع لأمته ترك الفضائل.
والنفل في البيت أفضل مع شرف المسجد.
و"يستخلف من يصلي بضعفة الناس كما فعل علي".
وإن كان عذر من مطر أو غيره يمنع الخروج، صلوا في المسجد، لحديث أبي هريرة، رواه أبو داود.
ويستحب التبكير بعد صلاة الصبح إلا الإمام، فيتأخر إلى وقت الصلاة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله، قال أبو سعيد: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج إلى المصلى، فأول شيء يبدأ به: الصلاة".
1 رواه مسلم.
ويخرج ماشياً وعليه السكينة والوقار، قال علي: "إن من السنة أن يأتي العيد ماشياً"، حسنه الترمذي.
وإن ركب لعذر فلا بأس.
ويكبّر في الطريق ويرفع صوته بالتكبير، قال أحمد: يكبّر جهراً إذا خرج من بيته حتى يأتي المصلى.
وقال أبو حنيفة: لا يكبّر مع الفطر، لأن "ابن عباس سمع التكبير يوم الفطر فقال: أمجانين الناس؟! ". ولنا: أنه فعله ناس من الصحابة، وأما ابن عباس فكان يقول: "يكبّرون مع الإمام ولا يكبرون وحدهم"، وهو خلاف مذهبه.
ولا بأس بخروج النساء إلى المصلى، وقال ابن حامد: يستحب.
"وكان ابن عمر يخرج من استطاع من أهله في العيدين".
قالت أم عطية: "كنا نؤمر أن نخرج يوم العيد، حتى تخرج البكر من خدرها، وحتى تخرج الحيض فيكنّ خلف الناس، فيكبرون بتكبيرهم ويدعون بدعائهم، يرجون بركة ذلك اليوم وطهرته".
رواه البخاري.
ويخرجن تفلات ولا يخالطن الرجال.
ووقتها: من ارتفاع الشمس إلى أن يقوم قائم الظهيرة، وقال أصحاب الشافعي: أول وقتها: إذا طلعت الشمس، لحديث ابن بسر، وفيه: "إنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه وذلك حين صلاة التسبيح".
رواه أبو داود.
ولنا: أنه وقت نهي عن الصلاة فيه، ولأنه صلى الله عليه وسلم ومن بعده لم يصلوا حتى ارتفعت، بدليل الإجماع على أنه أفضل، ولا يفعل إلا الأفضل.
ولو كان لها وقت قبل ذلك لكان تقييده بطلوع الشمس تحكماً، ولعل عبد الله بن بسر أنكر إبطاء الإمام عن وقتها المجمع عليه.
ويسن تقديم الأضحى ليتسع وقت التضحية، وتأخير الفطر ليتسع وقت إخراج صدقة الفطر، ولا أعلم فيه خلافاً.
بلا أذان ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافاً يعتدّ به.
وقال الشافعي: ينادي لها: "الصلاة جامعة"، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع.
ولا نعلم خلافاً أنه يقرأ "الفاتحة" وسورة في ركعة، وأنه يسن الجهر.
و"يستحب أن يقرأ في الأولى بـ"سبح" وفي الثانية بـ"الغاشية""، نص عليه، لحديث النعمان بن بشير، رواه مسلم.
وقال الشافعي: "بـ"ق" و"اقتربت""، لحديث أبي واقد، رواه مسلم.
ويكبر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً.
وقال الشافعي: "يكبر في الأولى سبعاً سوى تكبيرة الافتتاح"، لحديث عائشة.
وقال الثوري: "في الأولى والثانية ثلاثاً"، لحديث أبي موسى.
ولنا: حديث كثير وعبد الله بن عمر وعائشة.
قال ابن عبد البر: روي عنه صلى الله عليه وسلم من طرق كثيرة حسان: "أنه كبّر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً"، 1 ولم يرو عنه من وجه قوي خلافه.
وتكون القراءة بعد التكبير في الركعتين، نص عليه.
وقيل: يكبّر في الثانية بعد القراءة، لحديث أبي موسى: "كان رسول الله يكبر تكبيرة على الجنازة، ويوالي بين القراءتين"، رواه أبو داود.
قال الخطابي: ضعيف، وليس في رواية أبي داود أنه والى بين القراءتين، ثم يحمل على قراءة "الفاتحة" والسورة.
ويرفع يديه في حال تكبيره، وقال مالك: لا يرفعهما في ما عدا تكبيرة الإحرام.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم يرفع يديه مع التكبيرة".
2 قال أحمد: أما أنا، أرى أن الحديث يدخل فيه هذا كله.
ويستفتح في أولها، ويحمد الله ويثني عليه، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم بين كل تكبيرتين.
وعنه: أن الاستفتاح بعد التكبير، لئلا يفصل بينه وبين الاستعاذة.
وقال مالك: يكبر متوالياً، لأنه لو كان بينهما ذكر مشروع
لنقل.
ولنا: ما نقل عن عبد الله وأبي موسى وحذيفة، رواه الأثرم.
والتكبيرات وما بينها سنة، لا تبطل الصلاة بتركه، لا أعلم فيه خلافاً، فإن نسيه حتى شرع في القراءة لم يعد إليه، وقال مالك: يعود إليه.
والخطبة بعد الصلاة، لا نعلم فيه خلافاً، إلا عن بني أمية؛ ولا يعتد بخلافهم، لأنه أُنكر وعُدّ بدعة.
ويجلس عقيب صعوده المنبر، وقيل: لا، لأنها يوم الجمعة للأذان، ولا أذان هنا.
والخطبتان سنة، لا يجب حضورهما، لقوله: "من أحب أن يذهب، فليذهبْ".
1 قال أبو داود: مرسل.
وعن الحسن وابن سيرين أنهما كرها الكلام يوم العيد والإمام يخطب.
وقال إبراهيم: يخطب بقدر رجوع النساء إلى بيوتهن.
وهذا يدل على أنه لا يستحب لهن الجلوس، وموعظته صلى الله عليه وسلم لهن تدل على جلوسهن؛ والسنة أولى بالاتباع.
وتكره الصلاة قبلها وبعدها في موضعها، قال أحمد: أهل المدينة لا يتطوعون قبلها ولا بعدها.
وأهل البصرة يتطوعون قبلها وبعدها.
وأهل الكوفة لا يتطوعون قبلها ويتطوعون بعدها.
وقال الشافعي: يكره التطوع للإمام دون المأموم.
قال الأثرم: قلتُ لأحمد: قال سليمان بن حرب: إنما ترك النبي صلى الله عليه وسلم التطوع لأنه كان إماماً، قال أحمد: فالذين رووا عنه لم يتطوعوا.
ثم قال: ابن عمر وابن عباس روياه، وعملا به.
وإذا غدا من طريق رجع من غيره لفعله صلى الله عليه وسلم.
ومن فاتته، صلى أربعاً، قال أحمد: يقوي ذلك حديث علي: "أنه أمر رجلاً يصلي بضعفة الناس أربعاً ولا يخطب"، وإن شاء كصلاة العيد، لما روي عن أنس: "أنه إذا لم يشهدها مع الإمام بالبصرة جمع أهله ومواليه، ثم قام عبد الله بن أبي عتبة مولاه فصلى بهم ركعتين يكبر فيهما".
وإذا لم يعلم بالعيد إلا بعد
الزوال، خرج من الغد فصلى بهم.
وعن أبي حنيفة: لا يقضي.
وقال الشافعي إن علم بعد غروب الشمس خرج، فإن علم بعد الزوال لم يصل.
ولنا: حديث أبي عمير: "أن ركباً جاؤوا فشهدوا أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم أن يفطروا، فإذا أصبحوا أن يغدوا إلى مصلاهم".
رواه أبو داود، وقال الخطابي: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى، وحديث أبي عمير صحيح، فالمصير إليه واجب.
ويشترط الاستيطان "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يصلّها في سفر".
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
هي فرض كفاية، وعنه: فرض عين، اختاره الشيخ، وقال: قد يقال بوجوبها على النساء.
وقال: يسن التزين للإمام الأعظم، وإن خرج من المعتكف.
قال: ولا يستحب قضاؤها لمن فاتته.
واختار الشيخ افتتاح خطبة العيد بالحمد، واختار أن التكبير في الأضحى آكد، ونصره بأدلة كثيرة.
ولم ير التعريف لغير من بعرفة، وأنه لا نزاع فيه بين العلماء، وأنه منكر وفاعله ضال.
باب صلاة الكسوف
لا نعلم خلافاً في مشروعيتها لكسوف الشمس، والأكثر على مشروعيتها لكسوف القمر.
وقال مالك: ليس لكسوف القمر سنة.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "إن الشمس والقمر آيتان ... إلخ" 1.
وتسن جماعة وفرادى، وقال الثوري: إن صلى الإمام صلّوا معه، وإلا فلا.
ولنا: قوله: "فإذا رأيتموهما فصلّوا".
2 وتسن في الحضر والسفر، بإذن الإمام وبغير إذنه.
وقال أبو بكر: هي كالعيد، فيها روايتان.
ولنا: قوله: " فإذا رأيتموهما فصلّوا".
3 و"يسن أن ينادى لها: "الصلاة جامعة""، لحديث ابن عمر، متفق عليه.
وحكي عن مالك والشافعي أنهما قالا: لا يطيل السجود، وقالا: لا يجهر في كسوف الشمس.
ولنا: أن في حديث عائشة: "ثم سجد سجوداً طويلاً"، 4 وترك ذكره في الحديث لا يمنع مشروعيته إذا ثبت.
وعن عائشة: "أنه صلى الله عليه وسلم جهر في صلاة الخسوف".
متفق عليه.
وقال أبو حنيفة: يصلي ركعتين كصلاة التطوع.
وقال الشافعي: يخطب لها كخطبتي الجمعة، لما في حديث عائشة: "فخطب الناس".
باب صلاة الاستسقاء
قال أبو القاسم: إذا أجدبت الأرض واحتبس المطر، خرجوا مع الإمام، فكانوا في خروجهم كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه إذا خرج للاستسقاء خرج متبذلاً متخشعاً متذللاً متضرعاً".
ولا يستحب إخراج البهائم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعله.
ولا نعلم خلافاً في أنها ركعتان.
واختلفت الرواية هل يكبر بتكبير العيد أم لا؟ قال ابن المنذر: ثبت "أنه صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الاستسقاء وخطب"، وبه قال عوام أهل العلم، إلا أبا حنيفة، وخالفه صاحباه فوافقا سائر العلماء؛ والسنة يستغنى بها عن كل قول.
ويسن أن يجهر بالقراءة، لحديث عبد الله بن زيد، متفق عليه.
ولا يسن لها أذان ولا إقامة، لا نعلم فيه خلافاً.
ولا وقت لها، إلا أنها لا تفعل في وقت النهي بلا خلاف؛ والأولى وقت صلاة العيد، لقول عائشة: "خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بدا حاجب الشمس".
1 رواه أبو داود.
والمشهور من الروايات: أن لها خطبة كالعيد، والصحيح بعد الصلاة، وبه قال مالك والشافعي.
قال ابن عبد البر: عليه جماعة الفقهاء، لقول أبي هريرة: "صلى ركعتين ثم خطبنا".
والثانية: "يخطب قبلها"، روي عن ابن عمر وابن الزبير، وإليه ذهب الليث وابن المنذر، لحديث عبد الله بن زيد وفيه: "ثم صلى ركعتين".
والثالثة: مخير، لورود الأخبار بكلا الأمرين.
والرابعة: لا يخطب، بل يدعو ويتضرع، لقول ابن عباس: "لم يخطب كخطبتكم هذه لكنه لم يزل في الدعاء والتضرع
والتكبير".
والأوْلى: أن يخطب بعدها، فإن أغيثوا لم يحتاجوا إلى الصلاة في المطر، وقول ابن عباس نفي للصفة، لا لأصل الخطبة.
ويستحب للخطيب استقبال القبلة في أثناء الخطبة، لما روي عبد الله بن زيد: "أنه صلى الله عليه وسلم خرج يستسقي، فحوّل إلى الناس ظهره، واستقبل القبلة يدعو" 1.
ويستحب أن يحوّل رداءه في حال استقبال القبلة، للإمام والمأموم، في قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: لا يسن؛ والسنة أحق أن تتبع.
وحكي عن ابن المسيب أن تحويل الرداء مختص بالإمام؛ وصفته: أن يجعل ما على الأيمن على اليسرى وبالعكس.
وكان الشافعي يقول به، ثم رجع فقال: يجعل أعلاه أسفله، "لأنه صلى الله عليه وسلم أراد أن يفعله، فلما ثقل عليه جعل العطاف الذي على الأيسر على عاتقه الأيمن وعكسه".
ولنا: فعله صلى الله عليه وسلم، وتلك إن ثبتت فهي ظن من الراوي، لا يترك لها فعله.
و"يستحب رفع اليدين في دعاء الاستسقاء"، لحديث أنس، رواه البخاري، ويدعو ويدعون ويكثرون الاستغفار.
وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى ميمون بن مهران: قد كتبت إلى البلدان أن يخرجوا إلى الاستسقاء إلى موضع كذا، وأمرتهم بالصدقة والصلاة، قال الله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ ، 2 وأمرتهم أن يقولوا كما قال أبوهم آدم: ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا﴾ الآية.
3 ثم ذكر دعوة نوح ويونس وموسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ . 4 وهل من شرطها إذن الإمام؟ على روايتين: إحداهما:
لا يستحبُّ إلا بخروجه، أو رجل من قِبله.
قال أبو بكر: إذا خرجوا من غير إذنه دعوا وانصرفوا.
وعنه: يصلون لأنفسهم، ويخطب أحدهم.
ووجه الأولى: "أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بها"، وإنما فعلها على صفة فلا نتعداها.
فإن سقوا وإلا عادوا في اليوم الثاني والثالث، وبه قال مالك والشافعي.
وقال إسحاق: لا يخرجون إلا مرة، "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يخرج إلا مرة".
ولنا: أنه سبحانه يحب الملحين، وكونه لم يخرج ثانياً فلاستغنائه بالإجابة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وجعل الشيخ مسألة التوسل به صلى الله عليه وسلم كمسألة اليمين به، قال: والتوسل بالإيمان به وطاعته ومحبته وبدعائه وشفاعته ونحوه مما هو فعله أو أفعال العباد المأمور بها في حقه، مشروع إجماعاً؛ وهو من الوسيلة المأمور بها في قوله تعالى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ . 1 وقال الإمام أحمد وغيره من العلماء، في قوله: "أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق": 2 الاستعاذة لا تكون بمخلوق.
ويرفع يديه، بلا نزاع، وظهورهما نحو السماء، واختار الشيخ بطونهما وقال: صار كفهما نحو السماء لشدة الرفع لا قصداً منه، وإنما كان يوجه بطونهما مع القصد.
ويستقبل القبلة في أثناء الخطبة، وقيل: بعدها.