كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الوهاب
- الكتاب
- مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
- المؤلف
- محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
- المحقق
- عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
- الناشر
- مطابع الرياض - الرياض
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
يكتالها كلها.
قال الثوري: كان أصحابنا يكرهون هذا، وذلك لأن ما في العكوم يختلف، والجوز يختلف.
وإن باعه الأدهان في ظروفها جملة وقد شاهدها جاز، وكذلك العسل والدبس والمائعات التي لا تختلف.
وإن وجد في ظرف الدهن ربّا، فقال ابن المنذر: قال أحمد وإسحاق: إن كان سمّاناً عنده سمن، أعطاه بوزنه سمناً، وإلا أعطاه بقدر الربّ من الثمن؛ وألزمه شريح بقدر الربّ سمناً بكل حال.
وإن باعه بمائة درهم إلا ديناراً لم يصح، ذكره القاضي، ويجيء على قول الخرقي أنه يصح.
فصل في تفريق الصفقة
وله ثلاث صور:
إحداها: بيع معلوم ومجهول، كهذه الفرس وما في بطن الأخرى بكذا، فهو باطل بكل حال، لا أعلم فيه خلافاً، لأن المعلوم مجهول الثمن، ولا سبيل إلى معرفته، لأن المجهول لا يمكن تقويمه.
الثانية: باعه مشاعاً بينه وبين غيره بغير إذن شريكه، كعبد مشترك بينهما، صح في نصيبه بقسطه، ويفسد في نصيب الآخر.
والثاني: لا يصح فيهما.
وأصل الوجهين: أن أحمد نص فيمن تزوج حرة وأمة على روايتين: إحداهما: يفسد فيهما.
والثانية: يصح في الحرة.
والأول: قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي، وقال في الآخر: لا يصح كالجمع بين الأختين وبيع الدرهم بدرهمين.
ووجه الأولى: أن البيع سبب اقتضى الحكم في محلين، فامتنع حكمه في أحدهما لسهوه عن قبوله، فيصح في الآخر.
وأما الدرهمان والأختان فليس واحد منهما أولى بالفساد من الآخر، فكذلك فيهما؛ ومتى حكمنا بالصحة هنا، فلا خيار لمشتر علم بالحال، وإلا فله الخيار، ولا خيار للبائع.
ولو وقع العقد على شيئين يفتقر إلى القبض فيهما فتلف أحدهما قبل قبضه، فقال القاضي: للمشتري الخيار بين إمساك الباقي بحصته وبين الفسخ.
الثالثة: باع عبده وعبد غيره بغير إذنه، أو عبداً وحراً، ففيه روايتان:
إحداهما: يصح في أحدهما بقسطه.
والثانية: يبطل الجميع.
وللشافعي قولان.
وأبطل مالك العقد فيهما، إلا أن يبيعه ملكه وملك غيره، فيصح في ملكه ويقف في ملك غيره على الإجازة.
ونحوه قول أبي حنيفة، فإنه قال: إن كان أحدهما لا يصح بيعه بنص ولا إجماع، كالحرّ والخمر، لم يصح فيهما، وإن لم يثبت بذلك كملكه وملك غيره صح فيما يملكه.
ومتى قلنا بالصحة، فللمشتري الخيار إذا لم يكن عالماً به.
والحكم في الرهن والهبة وسائر العقود إذا جمعت ما يجوز وما لا يجوز كالحكم في البيع.
وإن باع عبده وعبد غيره بإذنه بثمن واحد، فهل يصح؟ على وجهين: أحدهما: يصح، ويتقسط الثمن على قدر قيمتهما، وهو قول مالك وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي.
وإن جمع بين بيع وإجارة، أو بيع وصرف، صح، ويتقسط العوض عليهما في أحد الوجهين.
ولا يحل البيع بعد نداء الجمعة قبل الصلاة، فإن باع لم يصح، للنهي عنه.. ولا يثبت الحكم في حق من لا تجب عليه، وذكر ابن أبي موسى روايتين لعموم النهي، وذكرالقاضي رواية: أن البيع يحرم بزوال الشمس.
ويصح النكاح وسائر العقود، لأن النهي مختص بالبيع وغيره ولا يساويه في الشغل لقلة وجوده.
ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمراً، ولا بيع السلاح في الفتنة أو لأهل الحرب.
وحكى ابن المنذر عن الحسن وغيره: أنه لا بأس ببيع التمر ممن يتخذه مسكراً، قال الثوري: بع الحلال ممن شئت.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ ، 1 فإن باعها لمن يتخذها خمراً، فالبيع باطل، ويحتمل أن يصح، وهو مذهب الشافعي، لأن المحرم في ذلك اعتقاده
بالعقد دونه، فلم يمنع الصحة كالتدليس.
ولنا: أنه عقد على عين المعصية، كإجارة الأمة للزنى.
وأما التدليس فهو المحرم دون العقد، ولأن التحريم هنا لحقّ الله، والتدليس لحق آدمي؛ وهكذا الحكم في كل ما قصد به الحرام، كبيع السلاح في الفتنة أو لقطاع الطريق، وبيع الأمة للغناء.
ونص أحمد على مسائل نبه بها على ذلك، فقال في القصاب والخباز: إذا علم أن من اشترى منه يدعو عليه من يشرب المسكر، لا يبيعه.
ومن يخرط الأقداح لا يبيعها لمن يشرب فيها.
ونهى عن بيع الديباج للرجال.
وقال في رجل مات وخلف جارية مغنية وولداً يتيماً تساوي ثلاثين ألف درهم، فإذا بيعت ساذجة تساوي عشرين ديناراً فقال: لا تباع إلا على أنها ساذجة.
وحكى ابن المنذر الإجماع أن بيع الخمر غير جائز.
وعن أبي حنيفة: يجوز للمسلم أن يوكل ذمياً في بيعها وشرائها، ومن وكلهم في بيعها وأكل ثمنها فقد أشبههم، والتوكيل فيه كالميتة والخنزير.
ولا يصح بيع العبد المسلم لكافر، إلا أن يكون ممن يعتق عليه، وقال أبو حنيفة: يصح ويجبر على إزالة ملكه.
وإن أسلم عبد لذمّي، أجبر على إزالة ملكه عنه، لأنه لا يجوز استدامة الملك للكافر على المسلم إجماعاً، وليس له كتابته لأنها لا تزيل الملك عنه.
ولا يجوز بيع الرجل على بيع أخيه، وهو أن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، ولا شراؤه على شرائه وهو أن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ.
فإن فعل فهل يصح؟ على وجهين.
وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يسم الرجل على سوم أخيه"، 1 ولا يخلو من أربعة أقسام:
أحدها: أن يوجد من البائع صريح الرضى بالبيع، فهذا يحرم السوم عليه.
الثاني: أن يظهر منه ما يدل على عدم الرضى، فلا يحرم، "لأنه صلى الله عليه وسلم باع فيمن يزيد"، حسنه الترمذي، وهذا إجماعاً، فإن المسلمين يتبايعون في أسواقهم بالمزايدة.
الثالث: أن لا يوجد منه ما يدل على الرضى ولا عدمه، فلا يحرم السوم أيضاً، استدلالا بحديث فاطمة بنت قيس حين ذكرت له "أن معاوية وأبا جهم خطباها، فأمرها أن تنكح أسامة؛ وقد نهى عن الخطبة على خطبة أخيه، كما نهى عن السوم على سومه".
الرابع: أن يظهر منه ما يدل على الرضى من غير تصريح، فقال القاضي: لا يحرم، وذكر أن أحمد نص عليه في الخطبة استدلالاً بحديث فاطمة، لأن الأصل إباحة السوم والخطبة، فخرج منه التصريح بالنص.
قال شيخنا: ولو قيل بالتحريم ههنا، لكان حسناً، فإن النهي عام خرجت منه الصورة المخصوصة بأدلتها، فتبقى هذه على العموم؛ وليس في حديث فاطمة ما يدل على الرضى، لأنها جاءت مستشيرة، فكيف ترضى وقد نهاها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "لا تفوتينا بنفسك" 1.
وبيع التلجئة باطل، لأنهما لم يقصداه، كالهازلين، وهو أن يخاف أن يأخذ السلطان أو غيره ماله، فيواطئ رجلاً على أن يظهر أنه اشتراه منه ليحتمي به، ولا يريدان بيعاً حقيقياً.
وفي بيع الحاضر للبادي روايتان: إحداهما: يصح.
والأخرى: لا يصح بخمسة شروط: أن يحضر البادي لبيع سلعته بسعر يومها، جاهلاً بسعرها،
ويقصده الحاضر، وبالناس حاجة إليها.
وظاهر كلام الخرقي: أنه يحرم بثلاثة شروط:
أحدها: أن يكون الحاضر قصد البادي ليتولى البيع، فإن كان هو القاصد للحاضر جاز، لأن التضييق حصل منه لا من الحاضر.
الثاني: أن يكون البادي جاهلاً بالسعر، قال أحمد: إذا كان البادي عارفاً بالسعر لم يحرم، لأن التوسعة لا تحصل بتركه بيعها.
الثالث: أن يكون جلبها للبيع، فإن جاء بها ليأكلها أو يخزنها فليس لبيع الحاضر له تضييق.
وذكر القاضي شرطين آخرين:
أحدهما: أن يكون مريداً لبيعها بسعر يومها، فإن كان في نفسه ألا يبيعها رخيصة، فليس في بيعه تضييق.
الثاني: أن يكون بالناس حاجة إليها وضرر في تأخير بيعها.
فأما شراؤه له فيصح، رواية واحدة؛ وكرهه طائفة أخرى، فروي عن أنس قال: "كان يقال: هي كلمة جامعة تقول: "لا تبيعنّ له شيئاً، ولا تبتاعنّ له شيئاً"".
وأما إن أشار الحاضر عليه من غير أن يباشر البيع، فقد رخص فيه طلحة بن عبيد الله وابن المنذر، وكرهه مالك والليث، وقول الصحابي أولى.
وليس للإمام أن يسعّر على الناس، بل يبيع الناس أموالهم على ما يختارون.
وكان مالك يقول: يقال لمن يريد أن يبيع أقل مما يبيع الناس: بع كما يبيع الناس وإلا فاخرج عنا، واحتج بقول عمر لحاطب.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطلبني بمظلمة في دم ولا مال"، 1 وأمّا حديث عمر فقد روي فيه: "أنه لما رجع حاسَب نفسه، ثم أتى حاطباً فقال:
إن الذي قلت لك ليس بعزيمة مني ولا قضاء، وإنما هو شيء أردت به الخير لأهل البلد؛ فبع كيف شئت".
و"من باع سلعة بنسيئة، لم يجز أن يشتريها بأقل مما باعها به، إلا إن تغيّرت صفتها"، روي ذلك عن ابن عباس والحسن وغيرهما، وأجازه الشافعي.
ولنا: حديث عائشة، وقال ابن عباس في مثل هذه: "أرى مائة بخمسين، بينهما حريرة"، يعني: خرقة جعلاها في بيعها.
والذرائع معتبرة، فإذا اشتراها بعرض أو كان بيعها الأول بعرض، فاشتراها بنقد، جاز بيعها لا نعلم فيه خلافاً، لأن التحريم لشبهة الربا؛ ولا ربا بين الأثمان والعروض.
فإن باعها بنقد، ثم اشتراها بنقد آخر، فقال أصحابنا: يجوز، لأنه لا يحرم التفاضل بينهما.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز، لأنهما كالشيء الواحد في معنى الثمنية، وقال شيخنا: وهذا أصح، إن شاء الله.
وهذه مسألة العِينة، روى أبو داود عن ابن عمر، مرفوعاً: "إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم"، 1 وهذا وعيد يدل على التحريم.
وروي عن أحمد أنه قال: العِينة: أن يكون عند الرجل المتاع فلا يبيعه إلا بنسيئة، فإن باع بنقد ونسيئة، فلا بأس.
وقال: أكره للرجل ألا يكون له تجارة غير العينة، لا يبيع بنقد.
قال ابن عقيل: إنما كره لمضارعته الربا.
فإن باع سلعة بنقد، ثم اشتراها بأكثر منه نسيئة، فقال أحمد: لا يجوز، إلا أن تتغير السلعة.
وإن باع ما يجري فيه الربا بنسيئة، ثم اشترى منه بثمنه قبل قبضه من جنسه، وما لا يجوز بيعه به نسيئة، لم يصح، روي ذلك عن ابن عمر وغيره.
وأجازه سعيد بن جبير وعلي بن الحسين والشافعي.
ووجه التحريم: أنه ذريعة إلى
بيع الطعام بالطعام نسيئة، قال شيخنا: والذي يقوى عندي جواز ذلك إذا لم يفعله حيلة، ولا قصده في ابتداء العقد، كما قال علي بن الحسين.
والاحتكار حرام بثلاثة شروط:
أحدها: أن يشتري، قال الأوزاعي: الجالب ليس بمحتكر، لقوله: "الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون" 1.
الثاني: أن يكون قوتا، فأما الإدام والعسل والزيتون وعلف البهائم فليس احتكاراً محرماً.
قال أحمد: إذا كان من قوت الناس، فهو الذي يكره.
وكان ابن المسيب يحتكر الزيت، وهو راوي الحديث.
الثالث: أن يضيق على الناس بشرائه، ولا يحصل إلا بأمرين:
أحدهما: أن يكون في بلد يضيق بأهلها الاحتكار، كالحرمين، قال أحمد: فظاهره أن البلد الواسعة كبغداد، لا يحرم فيها لأنه لا يؤثر غالباً.
الثاني: أن يكون في حال الضيق، فإن اشترى في حال الاتساع على وجه لا يضيق على أحد، لم يحرم.
ويستحب الإشهاد في البيع، لقوله تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ، 2 وأقل أحواله الندب.
ويختص بما له خطر، فأما حوائج العطار والبقال وشبهها فلا يستحب، لأنه مما يشق ويقبح الإشهاد وإقامة البينة عليها.
وقال قوم: "الإشهاد فرض"، روي عن ابن عباس وغيره، لظاهر الأمر، وقياساً على النكاح.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، 3 قال أبو سعيد: صار الأمر إلى الأمانة، وتلا هذه الآية، و"لأن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من رجل فرساً ولم ينقل أنه أشهد، حتى شهد له خزيمة".
وكان الصحابة يتبايعون في عصره بالأسواق، فلم يأمرهم بالإشهاد، ولا نقل
عنهم فعله.
والآية المراد بها الإرشاد إلى حفظ الأموال كما أمر بالرهن والكاتب، وليس بواجب.
ويكره البيع والشراء في المسجد، والبيع صحيح؛ وكراهته لا توجب الفساد كالغش والتصرية، وفي قوله: " قولوا: لا أربح الله تجارتك" 1 دليل على صحته.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
واختار الشيخ صحة البيع بكل ما عدّه الناس بيعاً، من متعاقب ومتراخ ومن قول أو فعل.
وقال أيضاً: تجهيز المرأة بجهاز إلى بيت زوجها تمليك.
و"لا بأس بذوق المبيع عند المشتري"، نص عليه، لقول ابن عباس.
ولو أكره على وزن مال فباع لذلك ملكه، كره الشراء وصح، وهو بيع المضطر.
ونقل حنبل تحريمه وكراهته، واختار الشيخ تقي الدين الصحة من غير كراهة، وقال: من استولى على ملك غيره ظلماً، فطلبه صاحبه فجحده أو منعه إياه حتى يبيعه على هذا الوجه، فهذا مكره بغير حق.
وسأله ابن الحكم عن رجل يقر بالعبودية حتى يباع، قال: يؤخذ البائع والمقر بالثمن؛ فإن مات أحدهما، أخد الآخر بالثمن.
واختاره الشيخ تقي الدين، قال في الفروع: ويتوجه هذا في كل غارّ.
وقال مهنا: سألت أبا عبد الله: عن السلم في البعر والسرجين؟ قال: لا بأس به.
وفي جواز الاستصباح بها أي: الأدهان النجسة، روايتان.
إحداهما: يجوز، وهو المذهب، اختاره الشيخ تقي الدين وغيره.
واختار أيضاً جواز الانتفاع بالنجاسات، وقال: سواء في ذلك شحم الميتة وغيره، أومأ إليه في رواية ابن منصور؛ وإنما حرم بيع رباع مكة وإجارتها، لأن الحرم حريم البيت والمسجد الحرام، وقد جعله الله للناس سواء العاكف فيه والباد، فلا يجوز لأحد التخصيص بملكه وتحجيره؛ لكن إن احتاج إلى ما في يده
منه سكنه، وإن استغنى عنه وجب بذل فاضله للمحتاج إليه، وهو مسلك ابن عقيل في نظرياته، وسلكه القاضي في خلافه، واختاره الشيخ تقي الدين، وتردد كلامه في جواز البيع، فأجازه مرة ومنعه أخرى.
ولا يجوز بيع كل ماء عدّ، ولا ما نبت في أرضه من الكلإ والشوك، وجوّز ذلك الشيخ في مقطوع محسوب عليه يريد تعطيل ما يستحقه من زرع وبيع الماء.
قال في الاختيارات: ويجوز بيع الكلإ ونحوه الموجود في أرضه، إذا قصد استنباته يعني: ترك الزرع لينبت الكلأ، وإذا لم ير المبيع فتارة يوصف له وتارة لا يوصف، فإن لم يوصف لم يصح، وعنه: يصح، واختاره الشيخ في موضع وضعفه في موضع آخر.
فعليها، له خيار الرؤية، وعنه: لا خيار إلا بعيب.
الثاني: بيع موصوف غير معيّن، مثل أن يقول: بعتك عبداً تركياً، ثم يستقصي صفات السلم، فمتى سلم إليه غير ما وصف فردّه فأبدله، لم يفسد العقد، وقيل: لا يصح البيع، وقيل: يصح إن كان في ملكه، وإلا فلا، اختاره الشيخ.
وذكر القاضي وأصحابه: أنه لا يصح استصناع سلعةن لأنه بيع ما ليس عنده على غير وجه السلم.
قال الشيخ: إن باعه لبناً موصوفاً في الذمة، واشترط كونه من شاة أو بقرة معينة، جاز.
قوله: ولا المسك في الفأر، ووجه صاحب الفروع تخريجاً بالجواز، واختار صاحب الهدي قوله: ولا الصوف على الظهر، وعنه: يجوز بشرط جزه في الحال.
واختار الشيخ صحة البيع وإن لم يسمّ الثمن، وله ثمن المثل، كالنكاح.
واختار صحة بيع السلعة برقمها، وبما ينقطع به السعر، وبما باع به فلان.
قوله: الثالثة: باع عبده وعبد غيره ... إلخ، متى صح البيع كان للمشتري
الخيار، ولا خيار للبائع.
وقال الشيخ: يثبت له الخيار أيضاً.
وقال: يجوز الجمع بين البيع والإجارة في أظهر قولهم.
ولا يصح بيع العصير لمن يتخذه خمراً إذا علم أنه يفعل ذلك، وقيل: أو ظنه، اختاره الشيخ.
وقال: يحرم الشراء على شراء أخيه، فإن فعل كان للمشتري الأول مطالبة البائع بالسلعة، وأخذ الزيادة أو عوضها.
قال: واستئجاره على استئجار أخيه، واقتراضه على اقتراضه، واتهابه على اتهابه، مثل شرائه على شرائه، أو شرائه على اتهابه، ونحو ذلك، بحيث تختلف جهة الملك.
قوله: وإن باع ما يجري فيه الربا نسيئة، ثم اشترى منه بثمن قبل قبضه من جنسه، أو ما لا يجوز بيعه به نسيئة، لم يجز؛ واختار المصنف الصحة مطلقاً إذا لم يكن حيلة، واختار الشيخ الصحة إذا كان ثم حاجة، وإلا فلا.
وكره أحمد البيع والشراء من مكان ألزم الناس بهما فيه، والشراء بلا حاجة من جالس على الطريق، ومن بائع مضطر ونحوه.
ويجبر المحتكر على بيعه كبيع الناس، فإن أبى وخيف التلف فرقه الإمام ونحوه، ويردون مثله، وكذا سلاح لحاجة، قاله الشيخ.
انتهى كلام الإنصاف.
باب الشروط في البيع
وهي ضربان: (صحيح) وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: شرط مقتضى البيع، كالتقابض، فهذا لا يؤثر إلا تأكيداً.
الثاني: شرط من مصلحة العقد، كتأجيل الثمن أو الرهن أو الضمين أو كون العبد كاتباً أو صانعاً، فهو صحيح يلزم الوفاء به، وإلا فللمشتري الفسخ، لقوله صلى الله عليه وسلم: "المؤمنون عند شروطهم".
ولا نعلم في صحة هذين القسمين خلافاً.
فإن شرطها ثيباً فبانت بكراً، فلا خيار له لأنه زاده خيراً.
وإن شرط الشاة لبوناً صح، وقال أبو حنيفة: لا يصح، لأنه لا يجوز بيع اللبن في الضرع.
ولنا: أنه أمر مقصود يأخذ جزءاً من الثمن، كالصناعة في الأمة؛ وإنما لم يجز بيعه منفرداً للجهالة، والجهالة فيما كان تبعاً لا تمنع الصحة؛ ولذلك يصح بيع أساسات الحيطان، والنوى في التمر، وإن لم يجز بيعهما مفردين.
وإن شرط أنها تحلب كل يوم قدراً معلوماً لم يصح، لأنه يتعذر الوفاء به.
وإن شرطها غزيرة اللبن صح.
وإن شرطها حاملاً صح.
وقال القاضي: قياس المذهب ألا يصح، لأن الحمل لا حكم له، ويحتمل أنه ريح.
ولنا: أنه صفة مقصودة يمكن الوفاء بها كالصناعة، وقوله: لا حكم له، لا يصح، فـ"إن النبي صلى الله عليه وسلم حكم في الدية بأربعين خلفة في بطونها أولادها، ومنع أخذ الحوامل في الزكاة، ومنع وطء الحبالى المسبيات، وأرخص للحامل في الفطر
في رمضان إذا خافت على ولدها، ومنع من إقامة الحدود عليها من أجل حملها".
الثالث: أن يشترط نفعاً معلوماً في المبيع، كسكنى الدار شهراً، أو يشترط المشتري نفع البائع في المبيع، كحمل الحطب أو تكسيره، وقال الشافعي: لا يصح لأنه يروى "أنه نهى عن بيع وشرط".
ولنا: ?"أن جابراً باع للنبي صلى الله عليه وسلم جملاً، واشترط ظهره إلى المدينة"، 1 و"لأنه نهى عن الثنيا إلا أن تعلم".
2 ولم يصح النهي عن بيع وشرط.
[قال أحمد: إنما النهي عن شرطين في بيع] . 3 وإن باع المشتري العين صح، وتكون في يد الثاني مستثناة أيضاً.
فإن كان عالماً بذلك فلا خيار له، وإلا فله خيار الفسخ.
وإن أتلف المشتري العين فعليه أجرة المثل، وإن تلفت بتفريطه فكفعله، نص عليه.
فأما إن تلفت بغير فعله وتفريطه لم يضمن، قال الأثرم: قلت: لأبي عبد الله: فعلى المشتري أن يحمله على غيره، لأنه كان له حملان؟ قال: لا.
إنما شرط عليه هذا بعينه.
ولا يجوز للبائع إجارتها أي: المنفعة، إلا لمثله في الانتفاع.
ويصح أن يشترط المشتري نفع البائع في المبيع، مثل أن يشتري ثوباً ويشترط خياطه، واحتج أحمد في جواز الشرط، بأن محمد بن مسلمة اشترى من نبطي حزمة حطب، وشارطه على حملها، قال أحمد: إنما النهي عن شرطين في بيع.
فإن تعذر العمل بتلف المبيع أو موت البائع، رجع بعوض ذلك.
وإن تعذر بمرض، أقيم مقامه من يعمل والأجرة عليه.
وإن أراد المشتري أخذ العوض وتراضيا، احتمل الجواز، ويحتمل أن لا يجوز.
وإذا اشترى زرعاً وجزة من الرطبة أو ثمرة، فالحصاد والجز والجذاذ على المشتري، بخلاف الكيل والوزن والعدد، فإنه على البائع، لأنها مؤنة تسليم المبيع، وهنا حصل التسليم بالتخلية، بدليل جواز
بيعها والتصرف فيها، وهذا مذهب الشافعي، ولا نعلم فيه خلافاً.
فإن شرطه على البائع، فقال ابن أبي موسى: لا يجوز، وقيل: يجوز.
وإن جمع بين شرطين لم يصح، قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط، فنفض يده وقال: الشرط الواحد لا بأس به، إنما "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شرطين في البيع".
1 واختلف في تفسير الشرطين المنهي عنهما: فروي عن أحمد: أنهما شرطان صحيحان ليسا من مصلحة العقد.
وروى الأثرم عن أحمد تفسير الشرطين: أن يشتريها على أن لا يبيعها من أحد، ولا يطأها، ففسره بشرطين فاسدين.
وروى عنه إسماعيل بن سعيد في الشرطين: أن يقول: إذا بعتها فأنا أحق بها بالثمن، وأن تخدمني سنة، فظاهره أن النهي عنهما ما كان من هذا النحو.
الثاني: (فاسد) ، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: أن يشترط على صاحبه عقداً آخر، فهذا يبطل البيع، لحديث: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع"، 2 قال الترمذي: حديث صحيح، ولأنه صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيعتين في بيعة"، 3 وهذا منه، قاله أحمد، وكذلك ما في معناه، كقوله: على أن تزوجني ابنتك، أو على أن أزوجك ابنتي، قال ابن مسعود: "صفقتان في صفقة ربا"، وهذا قول الجمهور، وجوزه مالك، وجعل العوض المذكور في الشرط فاسداً، وقال: لا ألتفت إلى اللفظ الفاسد إذا كان معلوماً حلالاً، فكأنه باع السلعة بالدراهم التي ذكر أنه يأخذها بالدنانير.
ولنا: الخبر، وقوله: لا ألتفت إلى اللفظ، لا يصح، لأن البيع هو اللفظ، فإذا كان فاسداً فكيف يكون صحيحاً.
ويحتمل أن يصح البيع ويبطل الشرط.
الثاني: شرط ما ينافي مقتضى البيع، نحو لا خسارة عليه، وأن لا يبيع ولا يهب ولا يعتق، أو إن أعتق فالولاء له، أو يشترط أن يفعل ذلك، فهذا باطل، لحديث بريرة.
وهل يبطل البيع؟ على روايتين.
قال القاضي: المنصوص عن أحمد: أن البيع صحيح؛ وإذا حكمنا بالصحة، فللبائع الرجوع بما نقصه الشرط من الثمن، وللمشتري الرجوع بزيادة الثمن إذا كان هو المشترط، ويحتمل أن يثبت له الخيار ولا يرجع بشيء، "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يحكم لأرباب بريرة بشيء إلا إذا اشترطوا العتق"، ففي صحته روايتان: إحداهما: يصح، وهو مذهب مالك، لأن أهل بريرة اشترطوا عتقها وولاءها، فـ"أنكر صلى الله عليه وسلم اشتراط الولاء دون العتق"، والثانية: فاسد، وهو مذهب أبي حنيفة، وليس في الحديث أنها شرطت لهم العتق، إنما أخبرتهم أنها تريد ذلك من غير شرط، فاشترطوا ولاءها.
فإن حكمنا بصحته فلم يعتق، ففيه وجهان: أحدهما: يجبر.
والثاني: لا يجبر، كما لو شرط الرهن والضمان، فللبائع خيار الفسخ، لأنه لم يسلم ما شرطه، أشبه ما لو شرط رهناً فلم يف به.
وعنه: فيمن باع جارية وشرط على المشتري أنه إن باعها فهو أحق بها بالثمن، أن البيع جائز، لما روي عن ابن مسعود قال: "ابتعت من امرأتي زينب جارية، وشرطت لها: إن بعتها فهي لها بالثمن الذي ابتعتها به.
فذكر ذلك لعمر فقال: لا تقربها ولأحد فيها شرط".
فقد اتفق عمر وابن مسعود على صحته، وروى عنه المروذي أنه قال: هو في معنى: لا شرطان في بيع، قال شيخنا: يحتمل أن يحمل كلامه على فساد الشرط، والأولى على جواز البيع؛ ومتى حكمنا بفساد العقد، لم يثبت به ملك، سواء اتصل به القبض أو لا، ولا ينفذ تصرف المشتري فيه.
وقال أبو حنيفة: يثبت الملك فيه إذا اتصل به القبض، وللبائع
الرجوع فيه، فيأخذه مع زيادته المتصلة، إلا أن يتصرف فيه المشتري تصرفاً يمنع الرجوع، فيأخذ قيمته، لحديث بريرة.
الثالث: أن يشترط شرطاً يعلق البيع، كقوله: بعتك إن جئتني بكذا، أو رضي فلان، فلا يصح، وكذلك إذا قال: إن جئتك بحقك في محله، وإلا فالرهن لك، فلا يصح، إلا بيع العربون، فقال أحمد: يصح، لأن عمر فعله، وممن روي عنه القول بفساد الشرط: ابن عمر وشريح ومالك، ولا نعلم أحداً خالفهم، لحديث: "لا يغلق الرهن".
1 وضعف أحمد حديث العربون في النهي عنه.
وإن قال: بعتك على أن تنقد لي الثمن إلى ثلاث، أو مدة معلومة، وإلا فلا بيع بيننا، صح، وقال به أبو ثور: إذا كان إلى ثلاث، وقال الشافعي وزفر: البيع فاسد.
وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب، لم يبرأ، وعنه: "يبرأ إلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه"، روي ذلك عن عثمان، ونحوه عن زيد بن ثابت؛ وهو قول مالك، وقول الشافعي في الحيوان خاصة؛ ويتخرج أن يبرأ من العيوب كلها بالبراءة بناء على جواز البراءة من المجهول، لما روت أم سلمة: "أن رجلين اختصما في مواريث درست، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استهما وتوخّيا، وليحلّل كل واحد منكما صاحبه "، وهذا يدل على أن البراءة من المجهول جائزة.
وإذا قلنا بفساد هذا الشرط، لم يفسد به البيع، لقصة ابن عمر فإنهم أجمعوا على صحتها.
وإن باعه داراً أو ثوباً على أنه عشرة أذرع، فبان أحد عشر، فالبيع باطل، لأنه لا يمكن إجبار البائع على تسليم الزيادة، ولا المشتري على أخذ البعض.
وعنه: أنه يصح، والزيادة للبائع.
وإن اشترى صبرة على أنها عشرة أقفزة، فبانت أحد عشر، رد الزيادة، ولا خيار له ههنا، لأنه لا ضرر في أخذ الزيادة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قوله: وإن جمع بين شرطين لم يصح، وعنه: يصح، اختاره الشيخ، ومحل الخلاف إذا لم يكونا من مصلحة العقد، فإن كانا منه صح على الصحيح من المذهب، وعنه: لا يصح، اختاره في المجرد.
قوله: شرط ما ينافي مقتضى العقد، نحو أن لا خسارة عليه، أو إن أعتق فالولاء له، فهذا باطل، ولا يبطل العقد على الصحيح من المذهب، وللذي فات غرضه الفسخ، أو أرش ما نقص من الثمن، بل إلغاؤه مطلقاً، وقيل: بل يختص ذلك بالجاهل بفساد الشرط، جزم به في الفائق.
وقيل: لا أرش له، بل يثبت له الخيار بين الفسخ والإمضاء، قال الشيخ: هذا ظاهر المذهب.
قال الشيخ: نقل علي بن سعيد فيمن باع شيئاً وشرط عليه أنه إن باعه فهو أحق به بالثمن، جواز البيع والشرط.
وسأله أبو طالب: عمن اشترى أمة بشرط أن يشتريها للخدمة؟ قال: لا بأس به.
وروي عنه أي: أحمد، نحو عشرين نصاً على صحة هذا الشرط.
قال: وهذا من أحمد يقتضي أنه إذا شرط على البائع فعلاً أو تركاً في البيع مما هو مقصود البائع أو للمبيع نفسه، صح البيع والشرط، كاشتراط العتق.
واختار الشيخ صحة العقد والشرط في كل عقد وكل شرط لم يخالف الشرع، لأن إطلاق الاسم يتناول المنجّز والمعلق والصريح والكناية، كالنذور، كما يتناوله بالعربية والعجمية.
ولو علق عتق عبده على بيعه، فباعه، عتق وانفسخ البيع، نص عليه.
وقال الشيخ: إن قصد اليمين دون التبرر، أجزأه كفارة يمين، لأنه إذا باعه خرج عن ملكه، فبقي كنذره أن يعتق عبد غيره.
وإن قصد التقرب صار عتقاً مستحقاً كالنذر، فلا يصح بيعه ويكون العتق معلقاً على صورة البيع.
قوله الثالث: اشترط شرطاً يعلق البيع، كقوله: بعتك إن جئتني
بكذا، قال في الفائق: نقل عن أحمد تعليقه فعلاً منه، قال الشيخ: هو الصحيح، وهو المختار.
انتهى.
قوله: أو يقول للمرتهن: إن جئتك بحقك وإلا فالرهن لك، فلا يصح، وهو معنى قوله: "لا يغلق الرهن".
1 وقال الشيخ: لا يبطل الثاني أي: الشرط، وإن لم يأته صار له، وفعله الإمام أحمد، قاله في الفائق.
وقال: قلت: فعليه غلق الرهن، استحقاق المرتهن له بوضع العقد لا بالشرط، كما لو باعه منه.
قوله: وإن باعه وشرط البراءة من كل عيب، لم يبرأ، وعنه: يبرأ، إلا أن يكون البائع علم العيب فكتمه، اختاره الشيخ.
باب الخيار
وهو سبعة أقسام:
(أحدها: خيار المجلس) ، والمرجع في التفرق إلى عرف الناس.
ولو ألحقا في العقد خياراً بعد لزومه، لم يلحقه، وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلحقه.
وروي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "البيعان بالخيار حتى يفترقا، إلا أن يكون صفقة خيار.
ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله".
1 رواه الترمذي وحسنه، وقوله: "إلا أن يكون صفقة خيار" 2 يحتمل أنه البيع المشروط فيه الخيار، فإنه لا يلزم بتفرقهما.
ويحتمل أنه الذي شرط أن لا يكون فيه خيار، فيلزم بمجرد العقد.
وظاهر الحديث: تحريم مفارقة أحدهما صاحبه خشية الفسخ.
قال أحمد لما ذكر له الحديث وفعل ابن عمر قال: هذا الآن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي عن أحمد أن الخيار لا يبطل بالتخاير ولا بالإسقاط، لأن أكثر الروايات: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" 3 من غير تقييد.
وعنه: أنه يبطل بالتخاير، وهو الصحيح، لقوله: "فإن خير أحدهما صاحبه فتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع"، 4 وفي لفظ: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يكون البيع كان عن خيار؛ فإن كان البيع عن خيار فقد وجب البيع".
5 متفق عليه.
والتخاير من ابتداء العقد وبعده في المجلس واحد.
وقال أصحاب الشافعي في التخاير في ابتداء العقد قولان: أحدهما: لا يقع لأنه إسقاط للحق قبل سببه.
ولنا: ما ذكرنا من حديث
ابن عمر، فإن قال أحدهما لصاحبه: اختر، فالساكت على خياره، وأما القائل فيحتمل أن يبطل خياره، لقوله: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر ". 1 رواه البخاري، ولأنه جعل لصاحبه ما ملكه؛ ويحتمل أن لا يبطل.
ويحتمل الحديث على أنه خيره فاختار، كما لو جعل لزوجته الخيار، فلم تختر شيئاً.
والأول أولى، لظاهر الحديث، ويفارق الزوجة لأنه ملكها ما لم تملك، فإذا لم تقبل سقط.
وهنا كل واحد منهما يملك الخيار، فلم يكن قوله تمليكاً، إنما هو إسقاط فسقط.
(الثاني: خيار الشرط) وإن طال، وأجازه مالك فيما زاد على الثلاث بقدر الحاجة، مثل قرية لا يصل إليها في أقل من أربعة أيام، وقال الشافعي: لا يجوز أكثر من ثلاث، لما روي عن عمر أنه قال: "لا أجد لكم أوسع مما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لحبان، جعل له الخيار ثلاثة أيام".
ولنا: أنه حق يعتمد الشرط، فرجع في تقديره إلى مشترطه كالأجل، ولم يثبت ما روي عن عمر؛ وقد "روي عن أنس خلافه".
وتقدير مالك بالحاجة لا يصح، فإنه لا يمكن ضبط الحكم بها لخفائها واختلافها.
وقولهم: إن الخيار ينافي مقتضى البيع، لا يصح، لأن مقتضاه نقل الملك، والخيار لا ينافيه وإن سلمنا ذلك، لكن متى خولف الأصل لمعنى في محل، وجب تعدية الحكم لتعدي ذلك المعنى.
ولا يجوز مجهولاً كنزول المطر، وعنه: يجوز، وهما على خيارهما، إلا أن يقطعاه، أو تنتهي مدته إن كان مشروطاً إلى مدة.
وقال مالك: يصح، ويضرب لهما مدة يختبر المبيع بمثلها في العادة، لأن ذلك مقدر في العادة؛ فإذا أطلقا حمل عليه.
وإذا قلنا: يفسد الشرط، فهل يفسد البيع؟ على روايتين: إحداهما: يفسد كنكاح الشغار.
والثانية: لا يفسد العقد، لحديث بريرة.
وإن شرطه إلى الحصاد والجذاذ، احتمل أن يصح، لأنه لا يكثر تفاوته ولا يثبت إلا في البيع، والصلح بمعناه.
والإجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد، فأما الإجارة المعينة التي تلي العقد فلا، لأن دخوله يقتضي فوات بعض المنافع المعقود عليها، واستيفاءها في مدة الخيار، وكلاهما لا يجوز.
وذكر القاضي مرة مثل هذا، ومرة قال: يثبت فيها خيار الشرط، قياساً على البيع.
وإن شرطاه إلى الغد، لم يدخل في المدة، وعنه: يدخل.
وإن شرطاه مدة، فابتداؤها من حين العقد؛ ويحتمل أن يكون من حين التفرق.
وإن شرط الخيار لغيره جاز، وكان توكيلاً له فيه.
وإن قال: بعتك على أن استأمر فلاناً، وحدَّ ذلك بوقت معلوم، فهو خيار صحيح، وله الفسخ قبل أن يستأمره، لأنّا جعلناه كناية عن الخيار.
وإن لم يضبطه بمدة، فهو مجهول، فيه من الخلاف ما ذكرنا.
وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه، صح، ولمن له الخيار الفسخ بغير حضور صاحبه، ولا رضاه.
وقال أبو حنيفة: ليس له الفسخ إلا بحضور صاحبه، كالوديعة.
وما ذكره ينتقض بالطلاق، والوديعة لا حق للمودع فيها، ويصح فسخها مع غيبته.
فإن قال أحدهما عند العقد: لا خلابة، فقال أحمد: ذلك جائز، وله الخيار إن خلبه، لحديث: "إذا بايعت، فقل: لا خلابة! "، 1 ويحتمل أن يكون الخبر خاصاً بحبان، لأنه روي "أنه عاش إلى زمن عثمان، فكان يبايع الناس ثم يخاصمهم، فيمر به بعض الصحابة فيقول لمن يخاصمه: إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل له الخيار ثلاثاً"، وهذا يدل على اختصاصه به.
وقال بعض الشافعية: إن كانا عالمين أن ذلك عبارة عن خيار لثلاث، ثبت، لأنه روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "أنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال".
2 ولنا: أن هذا اللفظ لا يقتضي الخيار مطلقاً، ولا تقييده بثلاث.
والخبر الذي احتجوا به إنما رواه ابن ماجة مرسلاً، ثم لم يقولوا به على وجه، إنما قالوا به في حق من يعلم أن مقتضاه ثبوت الخيار ثلاثاً، ولا يعلم ذلك أحد، لأن اللفظ لا يقتضيه.
وإذا شرط الخيار حيلة على الانتفاع بالقرض، ليأخذ غلة المبيع، فلا خيار فيه.
قيل لأبي عبد الله: فإن أراد رفقاً به، كأن يقرضه ما لا يخاف أن يذهب، فاشترى منه شيئاً وجعل له الخيار، ولم يُرد الحيلة؟ فقال: هذا جائز، إلا أنه إذا مات انقطع الخيار، ولم يكن لورثته؛ وقوله محمول على المبيع الذي لا ينتفع به إلا بإتلافه، أو على أن المشتري لا ينتفع به في مدة الخيار، لئلا يفضي إلى أن القرض جر منفعة.
وينتقل الملك إلى المشتري بنفس العقد، وعنه: لا ينتقل حتى ينقضي الخيار، وبه قال أبو حنيفة، إذا كان الخيار لهما أو للبائع، وإن كان للمشتري خرج عن ملك البائع ولم يدخل في ملك المشتري، لأنه عقد قاصر فلم ينقل الملك كالهبة قبل القبض.
وللشافعي قول ثالث: أن الملك موقوف، فإن أمضاه تبينا أن الملك للمشتري، وإلا تبينا أنه لم ينتقل عن البائع.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "من باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع".
1 متفق عليه، فجعله للمبتاع بمجرد اشتراطه، وهو عام في كل بيع.
وثبوت الخيار لا ينافي كما لو باع عرضاً بعوض، فوجد كل واحد منهما بما اشتراه عيباً.
وقولهم: إنه قاصر، غير صحيح، وجواز فسخه لا يوجب قصوره، ولا يمنع نقل الملك كبيع المعيب، وامتناع التصرف إنما كان لأجل حق الغير، فلا يمنع ثبوت الملك كالمرهون، فما حصل من كسب أو نماء منفصل فهو له، أمضيا العقد أو فسخاه.
قال أحمد فيمن اشترى عبداً ووهب له مال قبل التفرق، ثم اختار البائع العبد: فالمال للمشتري.
وقال الشافعي: إن أمضيا
العقد، وقلنا: الملك للمشتري أو موقوف، فالنماء له.
وإن فسخاه، وقلنا: الملك للبائع أو موقوف، فالنماء له، وإلا فهو للمشتري.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "الخراج بالضمان".
1 قال الترمذي: حديث صحيح.
وهذا من ضمان المشتري، فيجب أن يكون خراجه له.
وضمان المبيع على المشتري إذا قبضه، ولم يكن مكيلاً ولا موزوناً.
وإن اشترى حاملاً فولدت في مدة الخيار، ثم ردها، رد ولدها.
وليس لواحد منهما التصرف في مدة الخيار، إلا بما يحصل به تجربة المبيع، فإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو نحوهما، لم ينفذ تصرفهما، إلا أن يكون الخيار للمشتري وحده، فينفذ تصرفه ويبطل خياره كالمعيب.
وقال أحمد في رواية أبي طالب: إذا اشترى ثوباً بشرط، فباعه بربح قبل انقضاء الشرط، يرده إلى صاحبه إن طلبه، فإن لم يقدر على رده، فللبائع قيمة الثوب، لأنه استهلك ثوبه، أو يصالحه.
فقوله: يرده إن طلبه، يدل على أن وجوب رده مشروط بطلبه.
وفي البخاري عن ابن عمر: "أنه كان على بكر صعب لعمر، فقال صلى الله عليه وسلم لعمر: بِعْنيه.
فقال عمر: هو لك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هو لك يا عبد الله"، 2 فهذا يدل على التصرف قبل التفرق، والأول أصح.
والحديث ليس فيه تصريح بالبيع، فقوله: "هو لك" يحتمل أنه أراد هبة، فإنه لم يذكر ثمناً.
فإن تصرف المشتري بإذن البائع، أو البائع بوكالة المشتري، صح وانقطع خيارهما، لأنه يدل على تراضيهما بإمضاء البيع، كما لو تخايرا في أحد الوجهين، وفي الآخر: البيع والخيار بحالهما.
وإن تصرف المشتري في مدة الخيار مما يختص الملك، كإعتاق العبد ووطء الجارية، فهو تراض يبطل خياره؛ ولذلك يبطل خيار المعتقة بتمكينها من
نفسها، وقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن وطئك فلا خيار لك".
قال أحمد: إذا شرط الخيار فباعه قبل ذلك بربح، فالربح للمبتاع، لأنه وجب عليه حين عرضه.
وإن استخدم المبيع، ففيه روايتان، ومتى بطل خيار المشتري بتصرفه، فخيار البائع باق بحاله.
وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه، وبطل خيارهما.
وكذا إذا تلف المبيع.
وعنه: لا يبطل خيار البائع، وله الفسخ والرجوع بالقيمة، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا عتق فيما لا يملك ابن آدم" 1 يدل بمفهومه على أنه ينفذ في الملك، وملك البائع الفسخ، لا يمنع نفوذ العتق، كما لو وهب رجل ابنه عبداً فأعتقه، نفذ عتقه مع ملك الأب استرجاعه، ولا ينفذ عتق البائع.
وقال الشافعي ومالك: ينفذ، لأنه ملكه، وإن كان الملك انتقل، فإنه يسترجعه بالعتق.
وإذا قال لعبده: إذا بعتك فأنت حر، ثم باعه، صار حراً، نص عليه أحمد، سواء شرط الخيار أو لا.
وقال أبو حنيفة: لا ينفذ، لأنه إذا تم بيعه زال ملكه عنه.
ولنا: أن زمن انتقال الملك زمن الحرية، لأن البيع سبب لنقل الملك وشرط للحرية، فيجب تغليب الحرية، كقوله: إذا مت فأنت حر.
وإذا أعتق المشتري العبد، بطل خياره وخيار البائع، كما لو تلف.
وفيه رواية أخرى: أنه لا يبطل خيار البائع، فله الفسخ والرجوع بالقيمة يوم العتق.
وإن تلف المبيع في مدة الخيار، فإن كان قبل القبض وكان مكيلاً أو موزوناً انفسخ البيع، وكان من مال البائع، لا نعلم فيه خلافاً، إلا أن يتلفه المشتري، فيضمنه ويبطل خياره.
وفي خيار البائع روايتان.
فإن كان غير المكيل والموزون ولم يمنعه البائع من قبضه، فظاهر المذهب: أنه من ضمان المشتري كتلفه بعد القبض، وإن تلف بعد القبض، فهو من ضمان المشتري ويبطل خياره.
وفي خيار البائع روايتان: إحداهما: يبطل.
والثانية:
لا، ويطالب بقيمته أو مثله إن كان مثلياً، كما لو اشترى ثوباً بثوب فتلف أحدهما، ووجد بالآخر عيباً، فإنه يرده ويرجع بقيمته.
وحكم الوقف حكم البيع، في أحد الوجهين.
وفيه وجه آخر: أنه كالعتق.
وليس للمشتري وطء الجارية في مدة الخيار، إذا كان لهما أو للبائع وحده، لا نعلم فيه خلافاً.
فإن وطئها، فلا حد عليه، ولا مهر لها؛ فإن علقت منه فالولد حر، يلحقه نسبه وتصير أم ولد له.
فإن فسخ البائع رجع بقيمتها.
وإن قلنا: إن الملك لا ينتقل، فعليه المهر وقيمة الولد، وإن علم التحريم وأنّ ملكه غير ثابت، فولده رقيق.
ولا بأس بنقد الثمن وقبض المبيع في مدة الخيار، وهو قول الشافعي، وكرهه مالك، قال: لأنه في معنى بيع وسلف، إذا قبض الثمن ثم تفاسخا صار كأنه أقرضه؛ وما ذكره لا يصح، لأننا لا نجيز له التصرف فيه.
ومن مات منهما بطل خياره، إلا أن يكون قد طالب بالفسخ قبل موته، فيكون لورثته؛ ويتخرج ألا يبطل وينتقل إلى ورثته، وهذا قول مالك والشافعي.
ولنا: أنه حق فسخ لا يجوز الاعتياض عنه، فلم يورث كخيار الرجوع في الهبة.
(والثالث: خيار الغبن) ، ويثبت في ثلاث صور:
(إحداها) : إذا تلقى الركبان فباعهم أو اشترى منهم، فلهم الخيار إذا هبطوا السوق وعلموا أنهم قد غُبنوا غبناً يخرج عن العادة.
ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.
وروي عن أبي حنيفة: أنه لا يرى بذلك بأساً، وسنة رسول الله أحق أن تتبع.
إذا تقرر هذا، فللبائع الخيار إذا غُبن، وقال أصحاب الرأي: لا خيار له.
ولا قول لأحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وظاهر المذهب: أنه لا خيار إلا مع الغبن.
ويحتمل إطلاق الحديث، لجعله
الخيار له إذا هبط السوق، ولولا ذلك لكان الخيار له من حين البيع.
وظاهر كلام الخرقي: أن الخيار يثبت بمجرد الغبن، وإن قل، والأولى أن يقيد بما يخرج عن العادة.
وقال أصحاب مالك: إنما نهى عن تلقي الركبان، لما يفوت به من الرفق بأهل السوق، لئلا ينقطع عنهم ما له جلسوا من ابتغاء فضل الله.
قال ابن القاسم: فإن تلقاها متلقٍ فاشتراها، عرضت على أهل السوق فيشتركون فيها.
وقال الليث: تباع في السوق؛ وهذا مخالف لمدلول الحديث، فـ"إنه صلى الله عليه وسلم جعل الخيار للبائع إذا هبط السوق"، ولم يجعلوا له خياراً، وجعْله الخيار له يدل على أن النهي عن التلقي لحقه.
فإن تلقاهم فباعهم شيئاً فهو كمن اشترى منهم.
وهذا أحد الوجهين للشافعية.
وقالوا في الآخر: النهي عن الشراء دون البيع فلا يدخل.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: " لا تلقوا الركبان"، 1 والبائع داخل فيه.
فإن خرج لغير قصد التلقي، فقال القاضي: لا يجوز الابتياع منهم ولا الشراء، ويحتمل أن لا يحرم ذلك، وهو قول الليث، لأنه لم يتناوله النهي.
(الثانية) : النجش وهو: أن يزيد في السلعة من لا يريد شراءها، ليغر المشتري.
فإن اشترى معه، فالشراء صحيح في قول أكثر العلماء، وعنه: أنه باطل، وهو قول مالك للنهي.
ولنا: أن النهي عاد إلى الناجش، لا إلى العاقد، ولأن النهي لحق آدمي كبيع المدلس، وفارق ما كان لحق الله تعالى؛ فإن حق الآدمي يمكن جبره بالخيار وزيادة في الثمن.
لكن إن كان فيه غبن لم تجر العادة بمثله، فله الخيار.
وقال أصحاب الشافعي: إن لم يكن ذلك يعلم من البائع، فلا خيار.
واختلفوا فيما إذا كان بمواطأة منه، فقال بعضهم: لا خيار.
ولنا: أنه تغرير بالعاقد، فإذا غبن ثبت له الخيار، كما في تلقي الركبان.
ولو قال: أُعطيت بهذه السلعة ما لم يُعط، فصدقه ثم كان كاذباً، فله الخيار، لأنه في معنى النجش.
(الثالثة) : المسترسل إذا غبن الغبن المذكور، ثبت له الخيار، وبه قال مالك.
وقيل: لا فسخ له، وهو مذهب الشافعي.
ولنا: أنه غبن حصل لجهله، فأثبت له الخيار، كالغبن في تلقي الركبان.
وإذا وقع البيع على غير معيّن، كقفيز من صبرة، فظاهر قول الخرقي أنه يلزم بالتفرق.
وقال القاضي في موضع ما يدل على أنه لا يلزم إلا بالقبض، لأنه لا يملك بيعه ولا التصرف فيه، ولأنه لو تلف فهو من ضمان البائع.
ووجه اللزوم: قوله صلى الله عليه وسلم: "وإن تفرّقا بعد أن تبايعا، ولم يترك أحدهما البيع، فقد وجب البيع".
1 وما ذكرناه للقول الآخر ينتقض بالموصوف والسلم، فإنه لازم مع ما ذكرناه.
(الرابع: خيار التدليس) بما يزيد به الثمن، كتصرية اللبن في الضرع، وتحمير وجه الجارية، وتسويد شعرها، وذلك حرام، لقوله: "مَن غشنا فليس منا"، 2 وقوله: " لا تصرّوا الإبل".
3 فمن اشترى مصرّاة فله الخيار، في قول عامة أهل العلم.
وقال أبو حنيفة ومحمد: لا خيار له، لأنه ليس بعيب، كما لو علفها فانتفخ بطنها فظن المشتري أنها حامل؛ وهذا قياس يخالف النص، واتباع قول النبي صلى الله عليه وسلم أولى، ولأنه تدليس يختلف به الثمن، فوجب به الرد، كالشمطاء إذا سوّد شعرها؛ وبه يبطل قياسهم، فإن بياضه ليس بعيب كالكبر، وانتفاخ البطن قد يكون لغير الحمل.
وإن علم بالتصرية، فلا خيار.
وقال أصحاب الشافعي: يثبت له في وجه، للخبر، فإن حصل هذا من غير تدليس، مثل إن اجتمع اللبن من غير قصد، أو احمر وجهها لخجل أو تعب، فقال القاضي: له الرد أيضاً لدفع الضرر، أشبه العيب، ويحتمل أن'
لا يثبت الخيار لحمرة الوجه بخجل أو تعب.
وإن أراد إمساك المدلس مع الأرش، لم يكن له ذلك، "لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل له في المصراة أرشاً، بل خيّره بين الإمساك والرد مع صاع تمر".
وإن تصرف في المبيع بعد علمه بالتدليس، بطل رده كالمعيب.
ويرد مع المصراة عوض اللبن صاعاً من تمر، فإن لم يجده فقيمته في موضعه، سواء كان ناقة أو بقرة أو شاة.
وذهب مالك إلى أن الواجب صاع من قوت البلد، لأن في بعض الألفاظ: "رد معها صاعاً من طعام"، وفي بعضها: "رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحاً"، فجمع بين الأحاديث وجعل نصه على التمر، لأنه غالب قوت المدينة، وعلى القمح لأنه غالب قوت بلد آخر.
وقال أبو يوسف: يرد قيمة اللبن لأنه ضمان متلف.
ولنا: الحديث الصحيح، ولمسلم: "ردها وردّ صاعا من تمر، لا سمرا" 1 يعني: لا يرد قمحاً؛ والمراد بالطعام في الحديث التمر، لأنه مقيد في الآخر في قضية واحدة، والمطلق في مثل هذا يحمل على المقيد.
وحديث ابن عمر يعني: الذي فيه ذكر القمح في رواية جميع بن عمير، قال ابن حبان: كان يضع الحديث.
وقياس أبي يوسف مخالف للنص فلا يقبل.
ولا يبعد أن يقدر الشارع بدل هذا المتلف قطعاً للتنازع، كما قدّر دية الآدمي ودية أطرافه.
ولا فرق بين الناقة والبقرة والشاة.
وأبو داود لا يثبت بتصرية البقر، لأن الحديث: "لا تصرّوا الإبل والغنم"، 2 والقياس لا تثبت به الأحكام.
ولنا: عموم قوله: "من اشترى مصرّاة"، 3 "ومن ابتاع محفلة"، 4 والخبر فيه تنبيه على تصرية البقر، لأن لبنها أكثر وأنفع، فثبت بالتنبيه، وهو حجة عند الجميع.
وإذا اشترى مصراتين أو أكثر في عقد واحد، رد مع كل واحدة صاعاً، وقال بعض المالكية: في الجميع صاع، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"من اشترى غنماً مصرّاة فاحتلبها، فإن شاء أمسكها، وإن سخطها ففي حلبتها صاع".
1 ولنا: قوله: "من اشترى مصرّاة".
2 وأما الحديث فالضمير فيه يعود إلى الواحدة؛ فإن كان اللبن بحاله لم يتغير رده وأجزأه، ويحتمل أن لا يجزئه إلا التمر، لظاهر الخبر، ولأن الضرع أحفظ له.
ولو اشترى شاة غير مصراة فاحتلبها، ثم وجد بها عيباً، فله الرد.
فإن لم يكن في ضرعها شيء في حال العقد، فلا شيء عليه، لأن اللبن الحادث في ملكه.
وإن كان يسيراً لا يخلو الضرع من مثله، فلا شيء عليه.
وإن كان كثيراً وكان قائما بحاله، ابتنى رده على رد لبن المصراة للنص.
فإن قلنا يردّه، رد مثل اللبن، لأنه من المثليات، والأصل ضمانها بمثلها، لأنه خولف في المصراة.
وإذا علم بالتصرية قبل الحلب، فله ردها ولا شيء معها، لأن التمر بدل اللبن.
قال ابن عبد البر: وهذا مما لا خلاف فيه.
ومتى علم التصرية فله الرد، وقال القاضي: ليس له ردها إلا بعد ثلاث، ليس له الرد قبل مضيها ولا إمساكها بعدها، لقوله: "فهو بالخيار ثلاثة أيام".
3 رواه مسلم؛ قالوا: قدّرها الشارع لمعرفة التصرية، فإنها لا تعرف قبل مضيها.
وقال أبو الخطاب: متى ثبتت التصرية جاز له الرد قبل الثلاث وبعدها، لأنه تدليس.
فعلى هذا، فائدة التقدير بالثلاث، لأن الظاهر لا يحصل العلم إلا بها، فإن حصل بها أو لم يحصل، فالاعتبار به دونها.
وظاهر قول ابن أبي موسى أنه متى علم بالتصرية ثبت له الخيار في الأيام الثلاثة إلى تمامها، وهو قول ابن المنذر، وحكي عن الشافعي، لظاهر الحديث؛ فإنه يقتضي ثبوت الخيار في الأيام الثلاثة.
وقال القاضي: لا يثبت في شيء منها، وقول أبي الخطاب يسوي بينها وبين غيرها، والعمل بالخبر أولى.
ولا يحل للبائع تدليس سلعته ولا كتمان عيبها، فإن فعل فالبيع صحيح في قول الأكثر، منهم
مالك وأبو حنيفة والشافعي، بدليل حديث التصرية.
وقال أبو بكر: إن دلس فالبيع باطل، لأن النهي يقتضي الفساد، قيل له: ما تقول في التصرية؟ فلم يذكر جواباً.
(الخامس: خيار العيب) . والعيوب: النقائص الموجبة لنقص المالية في عادات التجار، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم في الجارية تشترى ولها زوج، أنه عيب.
والثيوبة ليست بعيب، لأنها الغالب على الجواري، فالإطلاق لا يقتضي خلافها.
والعسر ليس بعيب، وكان شريح يرد به.
فمن اشترى معيباً لا يعلم عيبه فله الخيار بين الرد، والإمساك مع الأرش.
ومن اشترى ما يعلم عيبه أو مدلساً أو مصراة وهو عالم، فلا خيار له، لا نعلم فيه خلافاً.
فإن اختار إمساك المعيب وأخذ الأرش فله ذلك.
وقال الشافعي: ليس إلا الإمساك، أو الرد، إلا أن يتعذر رد المبيع، روي ذلك عن أحمد، "لأنه صلى الله عليه وسلم جعل في المصراة الخيار من غير أرش"، ولنا: أنه ظهر على عيب لم يعلم به، فكان له الأرش، كما لو تعيب عنده.
وما كسب فهو للمشتري، وكذلك نماؤه المنفصل، وعنه: لا يرده إلا مع نمائه.
والزيادة المنفصلة نوعان:
أحدهما: أن يكون من غير المبيع كالكسب والأجرة.
وما يوهب له فهو للمشتري، في مقابلة ضمانه، لا نعلم فيه خلافاً.
الثاني: أن يكون منه كالولد والثمرة، فهو للمشتري أيضاً، وبه قال الشافعي، لأن الولد إن كان لآدمية لم يملك ردها دونه، وعنه: ليس له رده دون نمائه، قياساً على النماء المتصل.
وقال مالك: إن كان النماء ثمرة لم يردها، وإن كان ولداً رده معها.
وقال أبو حنيفة: النماء الحادث في يد المشتري يمنع الرد.
"ووطء الثيب لا يمنع الرد"، روي عن زيد بن ثابت، وبه قال مالك والشافعي.
وعنه: "يُمنع"،
روي ذلك عن علي، لأن الوطء كالجناية، لأنه لا يخلو في ملك الغير من عقوبة أو مال.
وقال شريح وابن المسيب: يردها ومعها أرش، واختلفوا فيه.
ولو اشتراها مزوّجة فوطئها الزوج، لم يمنع الرد، بغير خلاف نعلمه.
وإن وطئ البكر أو تعيبت عنده فله الأرش.
وعنه: أنه مخير بين الأرش وبين الرد، وأرش العيب الحادث عنده ويأخذ الثمن.
وكذلك كل مبيع كان معيباً، ثم حدث به عيب عند المشتري، قبل علمه بالأول، ففيه روايتان: إحداهما: ليس له الرد، وله أرش العيب القديم، روي عن ابن سيرين والزهري والشعبي.
والثانية: له الرد، ويرد أرش العيب الحادث عنده، ويأخذ الثمن.
وإن شاء أمسكه وله الأرش.
وقال الحكم: يرده ولم يذكر معه شيئاً.
ولنا: حديث المصراة، فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بردّها بعد حلبها، ورد عوض لبنها، ولأنه روي عن عثمان: "أنه قضى في الثوب إذا كان به عوار، يردّه وإن كان قد لبسه".
ولو اشترى أمة فحملت عنده، ثم أصاب بها عيباً، فالحمل عيب، لأنه يمنع الوطء.
فإن ولدت، فالولد للمشتري، وليس له ردها دون ولدها، لما فيه من التفريق.
وقال الشريف وأبو الخطاب: له ردها دون ولدها، لأنه موضع حاجة، أشبه ما لو ولدت حراً، فإنه يجوز بيعها دونه.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" 1، ولأنه أمكن رفع الضرر بأخذ الأرش، ويردّ ولدها معها، أما الحر فلا سبيل إلى بيعه بحال.
وإذا تعيّب المبيع في يد البائع بعد العقد، وكان المبيع من ضمانه، فهو كالعيب القديم.
وإن كان من ضمان المشتري، فهو كالحادث بعد القبض، فأما الحادث بعض القبض فهو من ضمان المشتري.
وقال مالك: عهدة الرقيق ثلاثة أيام، لأنه إجماع أهل المدينة، لحديث عقبة بن عامر مرفوعاً: "عهدة
الرقيق ثلاثة أيام".
1 ولنا: أنه عيب كسائر العيوب.
وحديثهم لا يثبت، قال أحمد: ليس في العهدة حديث صحيح.
قال ابن المنذر: لا يثبت في العهدة حديث.
مسألة التدليس حرام، فمتى فعله البائع فلم يعلم به المشتري حتى تعيب في يده، فله رده وأخذ ثمنه كاملاً ولا أرش عليه، سواء كان بفعل المشتري كوطء البكر وقطع الثوب، أو بفعل آدمي آخر مثل أن يجنى عليه، أو بفعل الله.
وسواء كان ناقصاً للمبيع أو مُذهبا لجملته، قال أحمد في رجل اشترى عبداً فأبق، وأقام بينة أن إباقه كان موجوداً في يد البائع: يرجع على البائع بجميع الثمن، لأنه غر المشتري، ويتبع البائع عبده حيث كان.
قال شيخنا: ويحتمل أن يلزمه عوض العين إذا تلفت، وأرش البكر إذا وطئها، لقوله عليه السلام: "الخراج بالضمان"، 2 وكما يلزم عوض لبن المصراة على المشتري، ولأن وجوب الضمان على البائع لا يثبت إلا بنص أو إجماع، ولا نعلم لهذا أصلاً، ولا يشبه التغرير، لأنه يرجع على من غره ههنا.
ولو كان التدليس من وكيل البائع، لم يرجع عليه بشيء، نص عليه.
وإذا زال ملك المشتري عن المبيع بعتق أو موت أو وقف، أو تعذر الرد قبل علمه بالعيب، فله الأرش، وبه قال مالك والشافعي، وكذا إن باعه غير عالم بعيبه، قال ابن المنذر: كان الحسن وشريح وعبد الله بن الحسن وابن أبي ليلى والثوري وإسحاق وأصحاب الرأي يقولون: إن اشترى سلعة فعرضها على البيع بعد علمه بالعيب، بطل خياره؛ وهذا قول الشافعي، ولا أعلم فيه خلافاً.
قيل لأحمد: هؤلاء يقولون: إذا اشترى عبداً فوجده معيباً فاستخدمه بأن يقول: ناولني هذا الثوب، بطل خياره، فأنكر ذلك وقال: من قال هذا؟ أو من أين أخذوا هذا؟
ليس هذا برضى حتى يكون الشيء بيِّن ويطول.
وإذا أعتق العبد، ثم علم به عيباً فأخذ أرشه فهو له، وعنه: يجعله في الرقا.
وكلامه في هذه الرواية يحمل على الاستحباب.
وإن صبغه أو نسجه فله الأرش ولا رد، وعنه: يرده ويأخذ زيادته بالصبغ.
وقال الشافعي: ليس له إلا رده.
ولنا: أنه لا يمكنه رده إلا بشيء من ماله، فلم يسقط حقه من الأرش بامتناعه من رده.
وإن اشترى ما مأكوله في جوفه، فكسره فوجده فاسداً، فإن لم يكن له مكسوراً قيمة كبيض دجاج، رجع بالثمن كله؛ وإن كان له قيمة كبيض نعام، خُيّر بين أخذ أرشه وبين رده.
وعنه: لا يرجع على البائع بشيء في هذا كله، وهو مذهب مالك، لأنه ليس من البائع تدليس ولا تفريط، فجرى مجرى البراءة.
ووجه الأولى: أن العقد اقتضى السلامة من عيب لم يطلع عليه المشتري، وكونه لم يفرط لا يقتضي إيجاب ثمن ما لم يسلمه كالعيب الذي لم يعلمه في العبد، ووجه رد الأرش أنه نقص لم يمنع الرد، فلزم رد أرشه كلبن المصراة والبكر إذا وطئها.
وهذا يبطل قول من قال: لا أرش عليه، لأنه حصل بطريق استلام والبائع سلطه عليه، بل هنا أولى لأنه تدليس، والتصرية تدليس.
وإن كسره كسراً لا يبقى معه قيمة، فله الأرش لا غير، لأنه أتلفه.
ومن علم العيب وأخر الرد، لم يبطل خياره، إلا أن يوجد منه ما يدل على الرضى، من التصرف ونحوه.
وعنه: أنه على الفور، ولا يفتقر الرد إلى رضى ولا حضور قبل القبض ولا بعده.
وقال أبو حنيفة: إن كان بعده افتقر إلى رضى صاحبه.
ولنا: أنه رفع عقد من مستحق له كالطلاق.
وإن اشترى اثنان شيئاً، وشرطا الخيار، أو وجداه معيباً فرضي أحدهما، ففيها روايتان: إحداهما: لمن لم يرض الفسخ، وبه قال الشافعي، وإحدى الروايتين
عن مالك.
والأخرى: لا يجوز له رده مشتركاً ناقصاً كما لو تعيب عنده.
ولنا: أنه إنما باع كل واحد نصفها، فخرجت من ملك البائع مشقصة، بخلاف العيب الحادث.
وإن ورثا خيار عيب فرضي أحدهما، سقط حق الآخر، لأنه لو رد وحده تشقصت السلعة.
وإن اشترى من اثنين شيئاً فوجده معيباً، رده عليهما، فإن غاب أحدهما، رد على الحاضر حصته وبقي نصيب الآخر في يده حتى يقدم.
وإن كان أحدهما باع العين بوكالة الآخر، فالحكم كذلك، نص أحمد على نحو من هذا.
وإن اشترى حلي فضة بوزنه دراهم فوجده معيبا، فله رده ولا أرش، لإفضائه إلى التفاضل.
فإن حدث به عيب عند المشتري فعلى إحدى الروايتين: يرده وأرش العيب الحادث، ويأخذ ثمنه.
وقال القاضي: لا رد، لإفضائه إلى التفاضل، ولا يصح لأن الرد فسخ العقد، والأرش عوض عن العيب الحادث، كما لو جنى عليه في ملك صاحبه.
وعلى الرواية الأخرى: يفسخ الحاكم البيع، ويرد البائع الثمن، ويطالب بقيمة الحلي، لأنه لا يمكن إهمال العيب ولا أخذ الأرش.
واختار شيخنا أن الحاكم إذا فسخ وجب رد الحلي وأرش نقصه، وليس فيه تفاضل، وإنما الأرش بمنزلة الجناية عليه.
وإن اشترى معيبين صفقة، فليس له إلا ردهما أو إمساكهما، ولا أرش، وعنه: له رد أحدهما بقسطه، لأن المانع من الرد تشقيص المبيع على البائع، وهو موجود فيما إذا كان أحدهما صحيحاً؛ فإن تلف فله رد الباقي بقسطه، وهذا قول الأوزاعي وإسحاق.
والثانية: ليس له إلا الأرش مع إمساك الباقي، وهو ظاهر قول الشافعي.
والقول في قيمة التالف قول المشتري مع يمينه، لأنه منكر لما يدعيه البائع من الزيادة، ولأنه بمنزلة الغارم، كالمستعير والغاصب.
وإن كان أحدهما معيباً فله رده بقسطه،
وعنه: ليس له إلا ردهما أو إمساكهما.
فإن كان مما ينقصه التفريق كمصراعي باب، أو من لا يجوز كجارية وولدها، فليس له رد أحدهما.
وإن اختلفا في حدوث العيب، فروايتان: إحداهما: قول المشتري، فيحلف أنه اشتراه وبه هذا، لأن الأصل عدم القبض في الجزء الفائت واستحقاق ما يقابله.
والثانية: قول البائع مع يمينه على البت، لأن الأيمان كلها على البت، إلا على النفي في فعل الغير؛ وعنه: أنها على نفي العلم.
والرواية الثانية: مذهب الشافعي، لأن الأصل سلامة المبيع وصحة العقد، ولأن المشتري يدعي استحقاق الفسخ والبائع ينكره.
وإذا باع الوكيل ثم ظهر على عيب، رده على الموكل، فإن أقر به الوكيل وأنكره الموكل، فقيل: يقبل إقراره على موكله لخيار الشرط، وقال أصحاب أبي حنيفة والشافعي: لا يقبل إقراره على الموكل، وهو أصح، لأنه إقرار على الغير، وفارق خيار الشرط من حيث أن الموكل يعلم صفة سلعته ولا يعلم صفة العقد؛ فعليها، لا يملك الوكيل رده على الموكل.
فإن ردت على الموكل بعيب، فأنكر البائع السلعة، فقوله مع يمينه، ونحوه قول الأوزاعي، فإنه قال فيمن صرف دراهم فقال الصيرفي: ليس هذا درهمي: يحلف الصيرفي بالله: لقد وفيتك، ويبرأ.
فإن رد بخيار فأنكرها البائع، فحكى ابن المنذر عن أحمد: أن القول قول المشتري، وهو قول الثوري وإسحاق، لأنهما اتفقا على استحقاق الفسخ.
وإن باع عبداً يلزمه عقوبة، وعلم المشتري، فلا شيء له.
وإن علم بعد البيع، فله الرد أو الأرش.
فإن لم يعلم حتى قتل، فله الأرش.
وقال الشافعي: يرجع بالثمن، لأن تلفه لمعنى استحق عند البائع، فجرى مجرى إتلافه.
وإن كانت الجناية موجبة للمال أو القود، فعفى عنه إلى مال، فعلى السيد.
وإن كان معسراً، ففي رقبة الجاني مقدماً على المشتري، وللمشتري الخيار إن لم يكن عالماً.
(السادس: خيار يثبت في التولية والشركة والمرابحة والمواضعة) ، ولا بد في جميعها من معرفة المشتري رأس المال، ولا يثبت فيها الخيار إذا أخبره بزيادة في الثمن أو نحو ذلك.
والتولية: الببع برأس المال، قال أحمد: لا بأس ببيع الرقم، والرقم: الثمن المكتوب عليه إذا كان معلوماً.
وكره طاووس بيع الرقم.
وإذا اشترى شيئاً فقال لغيره: أشركتك، انصرف إلى النصف.
فإن اشترى اثنان فقالا لثالث: أشركناك، احتمل أن يكون له النصف، ويحتمل أن يكون له الثلث، لأن الاشتراك يفيد التساوي.
وإن أشركه كل واحد منهما منفرداً كان له النصف، ولكل واحد منهما الربع.
وإن قال: أشركاني، فأشركه أحدهما، فعلى الوجه الأول: له نصف حصة الذي أشركه، وعلى الآخر له السدس، لأن طلب الشركة بينهما يقتضي طلب ثلث ما في يد كل واحد منهما.
وإن قال أحدهما: أشركناك، ابتنى على تصرف الفضولي.
والمرابحة: أن يبيعه بربح فيقول: بعتك بربح عشرة.
وإن قال: علي أن أربح في كل عشرة درهماً أوده يازده، فرويت كراهته عن ابن عمر وابن عباس.
وقال إسحاق: لا يجوز، لأن الثمن مجهول حال العقد، فلم يجز.
ورخص فيه ابن المسيب وغيره.
ووجه الكراهة أن ابن عمر وابن عباس كرهاه، ولأن فيه نوعاً من الجهالة؛ وهذا كراهة تنزيه، والجهالة يمكن إزالتها بالحساب، كبيع الصبرة كل قفيز بدرهم.
والمواضعة: أن يقول: بعتك بها، ووضيعة درهم من كل عشرة.
فإن باعه مرابحة، مثل أن يخبر أن ثمنها مائة ويربح عشرة، ثم علم ببينة أو إقرار أن ثمنها تسعون، فالبيع صحيح ويرجع بما زاد على الثمن، وهو عشرة وحظها من الربح وهو درهم؛ وبهذا قال الثوري وأحد قولي الشافعي.
وقال أبو حنيفة:
يخير بين الأخذ بكل الثمن، أو يترك قياسا على المبيع المعيب، والفرق بينهما أن المعيب لم يرض به إلا بالثمن المذكور، وهنا رضي برأس المال والربع المقرر.
والمنصوص عن أحمد: أن المشتري يخير بين الأخذ برأس المال وحصته، وبين الفسخ، لأنه ربما كان له غرض في الشراء بذلك الثمن، لكونه حالفاً أو وكيلاً أو غير ذلك.
وظاهر كلام الخرقي: أنه لا خيار له، وأما البائع فلا خيار له.
وإن قال: رأس مالي مائة وأربح عشرة، ثم قال: غلطت، رأس مالي مائة وعشرة، لم يقبل إلا ببينة تشهد أن رأس ماله ما قاله.
ثانياً: ذكره ابن المنذر عن أحمد وإسحاق، وروى أبو طالب عن أحمد: إذا كان البائع معروفاً بالصدق قبل قوله، فإن لم يكن صدوقاً جاز البيع.
وقال القاضي: ظاهر كلام الخرقي: أن القول قول البائع مع يمينه، لأنه أمين، والصحيح الأول؛ وكونه مؤتمناً لا يوجب قبول دعواه في الغلط، كالمضارب إذا أقر بربح ثم قال: غلطت.
وعنه: لا يقبل قوله ولو أقام بينة حتى يصدّقه المشتري، وهو قول الشافعي، لأنه أقر بالثمن، وإن أقام بينة لإقراره بكذبها.
ولنا: أنها بينة فتقبل كسائر البينات، وإقراره حال الإخبار لم يكن عليه حق لغيره، فلم يكن إقراراً.
ومتى اشتراه بثمن مؤجل، أو ممن لا تقبل شهادته له، أو بأكثر من ثمنه حيلة، أو باع بعض الصفقة بقسطها من الثمن، ولم يبين ذلك، فللمشتري الخيار.
وحكي عن أحمد: إن كان المبيع قائماً، خُير بين أخذه بالثمن مؤجلاً وبين الفسخ.
وإن كان قد استهلك، حبس الثمن بقدر الأجل، وهو قول شريح.
وإن اشترى شيئين صفقة واحدة، وأراد بيع أحدهما مرابحة، أو اشترى اثنان شيئاً فتقاسماه، وأراد أحدهما بيع نصيبه مرابحة، فإن كان من المتقومات التي لا ينقسم عليها الثمن بالأجزاء كالثياب، لم يجز حتى يبين الحال، وهذا مذهب الثوري وإسحاق.
وقال الشافعي: يجوز كما لو كان المبيع شقصاً وسيفاً، فإن الشفيع يأخذ الشقص بحصته.
ولنا: أن قسمة الثمن طريقه الظن، والخطأ فيه كثير، وبيع المرابحة أمانة، فلم يجز فيه؛ فهو كالخرص لا يباع به ما يجب التماثل فيه.
وأما الشفيع، فلنا فيه منع، وإن سلم فللحاجة، لأنه يتخذ طريقاً إلى إسقاط الشفعة.
فإن باع فللمشتري الخيار.
وإن كان من المتماثلات كالبر المتساوي، جاز ذلك، لا نعلم فيه خلافاً.
وإن أسلم في ثوبين بصفة واحدة، فأخذهما على الصفة، فله بيع أحدهما مرابحة بحصته.
وإن حصل في أحدهما زيادة على الصفة، جرت مجرى الحادث بعد البيع على ما نذكره.
وإن حط عنه بعض الثمن، أخبر به، لا نعلم فيه خلافاً.
وإن تغير سعرها، فإن غلت لم يلزمه الإخبار، وإن رخصت فكذلك، لأنه صادق، نص عليه.
ويحتمل أن يلزمه الإخبار وما يؤخذ أرشاً لعيب، فذكر القاضي أنه يخبر به.
وقال أبو الخطاب: يحط أرش العيب من الثمن، ويخبر بالباقي.
وإن اشترى ثوباً بعشرة، وقصره بعشرة، أخبر بذلك على وجهه، فإن قال يحصل بعشرين فهل يجوز؟ على وجهين.
وإن أخذ النماء المنفصل، أو استخدم الأمة، أو وطئ الثيب، أخبر برأس المال.
وروي عن أحمد أنه يبين ذلك كله.
وإن عمل فيها عملاً أخبر به، ولا يقول تحصل بكذا عليّ، وبه قال الحسن وابن سيرين وابن المسيب وغيرهم.
وفيه وجه: أنه يجوز أن يضم الأجرة إلى الثمن، ويقول تحصلت عليّ بكذا، لأنه صادق، وبه قال الشعبي والشافعي.
وإن اشتراه بعشرة، ثم باعه بخمسة عشر، ثم اشتراه بعشرة، أخبر به على وجه.
وإن قال: اشتريته بعشرة جاز.
وقال أصحابنا: يحط الربح من الثمن الثاني، ويخبر أنه اشتراه بخمسة عشر، روي عن ابن سيرين.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز إلا أن يبين أمره، أو يخبر أن رأس ماله عليه خمسة.
وإن ابتاع اثنان ثوباً بعشرين، ثم بذل لهما فيه اثنان وعشرون، فاشترى أحدهما نصيب صاحبه بذلك السعر، فإنه يخبر بأحد وعشرين، نص عليه؛ وهذا قول النخعي.
وقال الشعبي: يبيعه على اثنين وعشرين، لأن ذلك الدرهم الذي أعطيه قد أحرزه.
ثم رجع إلى قول النخعي بعد ذلك، ولا نعلم أحداً خالفه.
قال أحمد: المساومة عندي أسهل من بيع المرابحة، لأنه يعتريه أمانة واسترسال من المشتري.
(السابع: خيار يثبت لاختلاف المتبايعين) . فمتى اختلفا في قدر الثمن تحالفا، فيبدأ بيمين البائع فيحلف: ما بعت بكذا، وإنما بعته بكذا.
ثم يحلف المشتري: ما اشتريت بكذا، وإنما اشتريته بكذا؛ وبه قال شريح والشافعي ورواية عن مالك، وله رواية أخرى: القول قول المشتري مع يمينه، وبه قال أبو ثور، لأن البائع يدعي ما ينكر المشتري.
وقال الشعبي: القول قول البائع أو يترادّان البيع، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، لما روى ابن مسعود، مرفوعاً: "إذا اختلف البيّعان وليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع، أو يترادان البيع".
1 رواه ابن ماجة؛ والمشهور الأول.
ويحتمل أن معنى القولين واحد، وأن القول قول البائع مع يمينه.
فإذا حلف فرضي المشتري، أخذ به.
وإن أبى حلف أيضاً، وفسخ البيع، لأن في بعض ألفاظه: "إذا اختلف المتبايعان والسلعة قائمة، ولا بينة لأحدهما، تحالفا"، ولأن كل واحد منهما مدعٍ ومدعَى عليه، لأن المشتري يدعي عقداً بعشرة ينكره البائع، وهذا الجواب عما ذكروه.
وقال أبو حنيفة: يبدأ بيمين المشتري، لأنه منكر، ولأنه يقضي بنكوله.
ولنا: قوله: "فالقول ما قال البائع، أو يترادّان البيع"، 2 وفي لفظ: "فالقول قول البائع،
والمشتري بالخيار".
1 رواه أحمد، ومعناه: إن شاء أخذ وإن شاء حلف، ولأن البائع أقوى جنبه، لأنهما إذا تحالفا عاد المبيع إليه كصاحب اليد، والبائع إذا حلف فهو بمنزلة نكول المشتري، فهما سواء.
وإذا تحالفا فرضي أحدهما بقول صاحبه، أقرّ العقد، وإلا فلكل واحد منهما الفسخ.
ويحتمل أن يقف الفسخ على الحاكم، وهو ظاهر مذهب الشافعي، لأن أحدهما ظالم، ويتعذر إمضاء العقد في الحكم، كنكاح من زوّجها وليان وجهل السابق.
ولنا: قوله: "أو يترادان البيع"، وروي: "أن ابن مسعود باع الأشعث رقيقاً من رقيق الإمارة، فقال: بعتك بعشرين ألفاً، وقال الأشعث: شريت منك بعشرة.
فقال عبد الله: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة، والمبيع قائم بعينه، فالقول قول البائع، أو يترادان البيع.
قال: فإني أرد البيع".
2 رواه سعيد.
وروي أيضاً عن عبد الملك بن عبدة، مرفوعاً: "إذا اختلف المتبايعان، استحلف البائع، ثم كان للمشتري الخيار: إن شاء أخذ، وإن شاء ترك".
3 وهذا ظاهر أنه يفسخ من غير حاكم، ولا يشبه النكاح، لأن لكل واحد من الزوجين الاستقلال بالطلاق.
وإن كانت السلعة تالفة رجعا إلى قيمة مثلها.
وإن اختلفا في صفتها، فالقول قول المشتري مع يمينه.
وعنه: لا يتحالفان إذا كانت تالفة، والقول قول المشتري مع يمينه؛ وهو قول أبي حنيفة لمفهوم قوله: والسلعة قائمة، ولأنهما اتفقا في نقل السلعة إلى المشتري واستحقاق عشرة، واختلفا في عشرة؛ وتركنا هذا القياس حال قيامها للحديث.
ووجه الأولى: عموم قوله: "إذا اختلف المتبايعان، فالقول قول البائع، والمشتري بالخيار".
قال أحمد ولم يقل فيه: والمبيع قائم إلا يزيد بن هارون، قال أبو عبد الله: وقد أخطأ، رواه الخلق عن المسعودي ولم يقولوا هذه الكلمة.