كتاب الشركة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الوهاب
- الكتاب
- مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
- المؤلف
- محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
- المحقق
- عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
- الناشر
- مطابع الرياض - الرياض
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
باب الشفعة
الشفعة ثابتة بالسنة والإجماع؛ أما السنة، فحديث جابر متفق عليه.
وقال ابن المنذر: أجمعوا على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط.
والشفعة على خلاف الأصل، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاه، فأثبتها الشرع لمصلحة راجحة.
ولا تثبت إلا بشروط أربعة:
أحدها: أن يكون الملك مشاعاً.
"فأما الجار، فلا شفعة له"، وبه قال عثمان وابن المسيب ومالك والشافعي.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: الشفعة بالشركة، ثم بالشركة في الطريق، ثم بالجوار، لحديث: "الجار أحق بصقبه".
1 ولنا: قوله: "الشفعة فيما لم يقسم.. . إلخ" 2.
الثاني: أن يكون المبيع أرضاً لأنها تبقى، وأما غيرها فقسمان: أحدهما: فيه الشفعة، تبعاً للأرض، وهو البناء والغراس يباع مع الأرض، لا نعلم فيه خلافاً.
والثاني: ما لا شفعة فيه تبعاً ولا مفرداً، وهو الزرع والثمرة الظاهرة، فإنها لا تؤخذ مع الأصل، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: يؤخذ ذلك مع أصوله.
فإن كان فيه ثمرة غير ظاهرة كالطلع الذي لم يؤبر دخل، لأنه تبع.
وأما ما بيع مفرداً من الأرض، فلا شفعة فيه، سواء كان مما ينقل كالثياب والحجارة، أو لا كالبناء والغراس؛ وبه قال الشافعي.
واختلف
عن عطاء ومالك فقالا مرة: الشفعة في كل شيء حتى الثوب.
وعن أحمد: إنها واجبة فيما لا يقسم كالسيف.
وعنه: تجب في البناء والغراس وإن بيع مفرداً، وهو قول مالك للعموم.
الثالث: أن يكون المبيع مما يمكن قسمته، فأما ما لا يمكن ففيه روايتان.
الرابع: أن يكون الشقص منتقلاً بعوض، فأما المنتقل بغير عوض كالهبة والوصية والإرث فلا شفعة فيه، في قول عامة أهل العلم.
وحكي عن مالك في المنتقل بهبة أو صدقة: أن فيه الشفعة ويأخذه بقيمته.
فإن كان الشقص مَهراً أو عوض خلع فلا شفعة، اختاره ابن المنذر.
وقيل: تجب، وبه قال مالك والشافعي: قال مالك بالقيمة، وقال الشافعي بمهر المرأة 1.
وحق الشفعة على الفور، إن طالب بها ساعة يعلم بها، وإلا بطلت.
وعنه: أنها على التراخي ما لم يوجد منه ما يدل على الرضى، وهو قول مالك.
ولنا: قوله: "الشفعة كنشط العقال".
2 وإن قيدت ثبتت، وإن تركت فاللوّم على من تركها.
وإن ظهر أن الثمن أكثر مما وقع به العقد فترك الشفيع الشفعة، لم تسقط، وكذلك إن أظهر أن المبيع سهام قليلة فبانت كثيرة، أو أظهر أن الثمن دنانير فبان دراهم أو عكسه؛ وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن كان قيمتها سواء سقطت الشفعة، فإن أظهر أنه اشترى بثمن فبان أكثر، أو بثمن فبان أنه اشتري به بعضه، فإن أخبر بالبيع فلم يطالب سقطت، إلا إن كان ممن لا يعمل بقوله كالفاسق.
فإن قال للمشتري: بعني ما اشتريت، أو صالحني، بطلت.
وإن أسقطت قبل البيع لم تسقط، وعنه: بلى.
قيل له: ما معنى: "من كان بينه وبين أخيه ربعة فأراد بيعها، فليعرضها عليه" 3؟ قال: ما هو
ببعيد، إلا أن يكون له شفعة، وهذا قول الثوري وأبي عبيد.
قال ابن المنذر: احتجوا بقوله: "وإن شاء ترك "، ومحال إلا أن يكون لتركه معنى، ولأن مفهوم قوله: "فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به"، 1 أنه إذا آذنه لا حق له.
وإذا بيع في شركة الصغير شقص، فله الشفعة، في قول عامة الفقهاء.
فإذا كبر فله الأخذ، عفا عنها الولي أو لا، وسواء كان الحظ في الأخذ أو الترك.
وقال ابن حامد: إن تركها الولي لحظ الصبي، أو لكونه ليس له ما يأخذها به، سقطت؛ وهو ظاهر مذهب الشافعي.
وقال أبو حنيفة: تسقط بعفو الولي عنها في الحالين، يعني: سواء كان له الحظ أو لا.
وقال ابن أبي ليلى: لا شفعة للصبي، وروي عن النخعي.
[الرابع] : 2 أن يأخذ جميع المبيع، فإن طلب أخذ البعض سقطت.
وقال أبو يوسف: لا تسقط.
فإن كانا شفيعين فهي بينهما على قدر ملكيهما.
وعنه: على عدد الرؤوس.
فإن تركها بعضهم فليس للباقي إلا أخذ الجميع، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
وإن كان المشتري شريكاً فهي بينه وبين الآخر، وللآخر بقدر نصيبه، وبه قال الشافعي.
وحكي عن الحسن والشعبي: لا شفعة للآخر، لأنها لدفع ضرر الداخل.
وإذا اشترى اثنان حق واحد، فللشفيع أخذ حق أحدهما، وبه قال مالك والشافعي.
وإن تصرف المشتري في المبيع قبل الطلب بوقف أو هبة سقطت، نص عليه.
وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: للشفيع فسخ ذلك وأخذه بالثمن.
وإن مات بطلت شفعته، إلا أن يموت بعد طلبها فهي لورثته، قال أحمد: الموت يبطل به ثلاثة أشياء: الشفعة، والحد إذا مات المقذوف، والخيار إذا مات الذي اشترطه.
وقال مالك والشافعي: تورث، ويأخذه الشفيع بالثمن، لقوله في حديث جابر: "هو أحق به بالثمن".
3 رواه الجوزجاني.
ولا يأخذ
بها من لا يقدر عليه ولو أحضر رهناً أو ضميناً، لأن على المشتري ضرراً في تأخير الثمن، قال أحمد: ينتظر الشفيع يوماً أو يومين بقدر ما يرى الحاكم، فإن كان أكثر فلا؛ وهذا قول مالك.
وإن كان مؤجلاً أخذ بأجل إن كان ملياً، وإلا أقام كفيلاً ملياً، وبه قال مالك.
وقال الثوري: لا يأخذه إلا بالنقد حالاً.
فإن كان الثمن عرضاً أعطاه مثله كالحبوب والأدهان.
وإن كان مما لا مثل له كالثياب والحيوان، أخذ بقيمة العرض، في قول أكثر أهل العلم.
وحكي عن الحسن وسوار: لا شفعة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
اختار الشيخ أنها تجب بالشركة في مصالح عقار، قال الحارثي: هذا الذي يتعين المصير إليه.
ثم ذكر أدلته، قال: وفيه جمع بين الأخبار.
قوله: ولا شفعة فيما لا تجب قسمته، كالحمام الصغير والبئر، وما ليس بعقار كالشجر والحيوان، وعنه: في ذلك الشفعة، اختاره الشيخ.
واختار سقوطها إن أسقطها قبل البيع.
وإن ترك الولي شفعة للصبي فيها حظ، لم تسقط.
وإن تركها لعدم الحظ، سقطت؛ اختاره الشيخ.
ولا تسقط رهنه الشفعة، وإن سقطت بالوقف والهبة.
قال في الفائق: خص القاضي النص بالوقف ولم يجعل غيره مسقطاً، اختاره شيخنا.
باب الوديعة
الأصل فيها: الكتاب والسنة والإجماع، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ، 1 وقوله: ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ ، 2 وقوله صلى الله عليه وسلم: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك".
3 وأجمعوا على جواز الإيداع والاستيداع.
وقبولها مستحب لمن يعلم من نفسه الأمانة، لأن فيه قضاء حاجة أخيه.
وهي أمانة لا ضمان عليه إلا أن يتعدى، وعنه: إن ذهبت من بين ماله ضمنها، "لأن عمر ضمن أنسا وديعة ذهبت من بين ماله"، والأول أصح، وكلام عمر محمول على التفريط.
فإن شرط عليه الضمان لم يضمن، وكذلك كل ما كان أصله الأمانة كالمضاربة، ومال المشاركة، والرهن، والوكالة، وبه قال الثوري وإسحاق وابن المنذر.
ويلزمه حفظها في حرز مثلها.
فإن عيّن صاحبها حرزاً، فجعلها في دونه، ضمن.
وإن دفعها إلى زوجته أو عبده لم يضمن.
وإن دفعها إلى أجنبي أو حاكم ضمن.
وإن أخذ درهماً ثم رده فضاع الكل ضمن.
وقال مالك: لا ضمان عليه إذا رده أو مثله.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن المودع إذا أخذها، ثم ذكر أنها ضاعت، أن القول قوله.
وقال أكثرهم: مع يمينه.
وإن ادعى ردها فالقول قوله مع يمينه، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: إن دفعها إليه ببينة لم
يقبل قوله في الرد إلا ببينة.
وإن قال: دفعتها إلى فلان بأمرك، فالقول قوله.
وقال مالك: القول قول المالك، لأن الأصل عدم الإذن.
وإن جحدها ثم أقرّ أو ثبتت ببينة، ثم ادعى التلف، لم يقبل وعليه ضمانها؛ وبه قال مالك والشافعي، وإن قال: ما لك عندي شيء، قبل قوله في الرد والتلف.
وإن مات وثبت أن عنده وديعة لم توجد، فهي ديْن عليه، وبه قال مالك والشافعي وأبو حنيفة.
فإن كان عليه دين فهما سواء إن وفت، وإلا اقتسما بالحصص.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
إذا أنفق على الدابة بغير إذن ربها بنية الرجوع رجع، قاله في الفائق، قلت: وهو الصواب.
وإن دفعها إلى أجنبي بغير عذر ضمن، فإن كان الثاني عالماً بالحال ضمن، وإلا لم يضمن، وليس للمالك مطالبة الأجنبي، اختاره الشيخ.
باب احياء الموت
...
باب إحياء الموات
ما فيه آثار الملك ولا يعلم لها مالك، ففيه روايتان، وما ملك بشراء أو عطية لم يملك بالإحياء، بغير خلاف.
قال ابن عبد البر: جميعهم على أن ما عرف بملك مالك غير منقطع، أنه لا يجوز إحياؤه لأحد غير أربابه.
وإن ملك بالإحياء ثم ترك حتى عاد مواتاً، فلا يملك؛ وقال مالك: يملك، لعموم الحديث.
ولنا: أن في الرواية الأخرى: "من أحيا أرضاً ميتة ليست لأحد"، 1 وقوله في غير حق مسلم، ثم هو مخصوص بما ملك بشراء أو عطية، فيقاس هذا عليه.
وإن وجد فيه آثار ملك قديم جاهلي، كآثار الروم ومساكن ثمود، ملك بالإحياء.
وروى سعيد من مراسيل طاووس: "عاديّ الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم بعد".
قال أبو عبيد: عاديّ الأرض: التي بها ساكن في آباد الدهر فانقرضوا، نسبهم إلى عاد، لأنهم مع تقدمهم ذوو قوة وآثار كثيرة، فنسب كل أثر قديم إليهم.
والرواية الثانية: لا يملك، لأنه إما لمسلم أو ذمي أو لبيت مال.
وما جرى عليه الملك في الإسلام لمسلم أو ذمي غير معيّن، فعنه: لا يملك بالإحياء، وعنه: أنها تملك؛ وهو مذهب مالك، لعموم الأخبار.
ولا يفتقر إلى إذن الإمام، وبه قال الشافعي.
ولو أحيا مسلم مواتاً في أرض كفار صولحوا عليها، لم يملكه، ويحتمل أن يملكها، لعموم الخبر.
وروي عن أحمد: ليس في السواد موات، يعني: سواد العراق.
ويحتمل أنه قال: لكونه كله معموراً في زمن عمر، حتى بلغنا أن رجلاً من الكفار
سأل أن يعطى خربة فلم يجدوها، فقال: أردت أن أعلمكم كيف أخذتموها منا.
وإذا لم يكن فيها موات حين ملكها المسلمون لم يصر ما دثر من أملاك المسلمين مواتاً، على إحدى الروايتين.
وما قرب من العامر وتعلق بمصالحه، لم يملك بالإحياء، وإن لم يتعلق بمصالحه فعلى روايتين.
وقال الشافعي: يملك ولو تعلق بمصالحه.
وقال الليث: لا يملك ولو لم يتعلق بمصالحه.
ولا تملك المعادن الظاهرة، كالملح والكحل، بالإحياء؛ وليس للإمام إقطاعه، ولا نعلم فيه مخالفاًً.
وأما التي لا يوصل إليها إلا بالمؤنة، وهي المعادن الباطنة كالذهب والفضة والحديد، فإن كانت ظاهرة لم تملك بالإحياء، وإن حفرها إنسان وأظهرها لم تملك بذلك.
ويحتمل أن تملك، وهو قول الشافعي.
وليس للإمام إقطاعها.
والصحيح: جوازه، "لأنه صلى الله عليه وسلم أقطع بلال بن الحارث معادن القبيلة".
ويلزمه بذل ما فضل من مائه لبهائم غيره.
وهل يلزمه بذله لزرع غيره؟ على روايتين.
قال أحمد: الإحياء أن يحوط عليها حائطاً، أو يحفر فيها بئراً أو نهراً، لحديث سمرة: "من أحاط حائطاً على أرض، فهو له".
1 رواه أبو داود.
وإن حفر بئراً عادية، وهي القديمة، ملك حريمها خمسين ذراعاً، وإن لم تكن عادية فخمسة وعشرون ذراعاً، نص عليه.
ولا بد أن تكون البئر فيها ماء، فإن لم يصل إليه فهو كالمتحجر.
والبئر العادية: التي انطمست وذهب ماؤها، فجدد حفرها وانقطع ماؤها واستخرجه.
وأما البئر التي ينتفع بها المسلمون فليس لأحد احتجارها، لأنها بمنزلة المعادن الظاهرة.
وهكذا العيون النابعة، ليس لأحد أن يختص بها.
ولو حفر رجل بئراً للمسلمين أو ينتفع بها مدة إقامته ثم يتركها، لم يملكها وكان له الانتفاع بها.
فإذا تركها كانت للمسلمين كلهم، كالمعادن الظاهرة، وهو أحق
بها ما دام عندها.
وإذا كان لإنسان شجرة في موات، فله حريمها قدر ما تمتد إليه أغصانها حواليها.
و"في النخلة مدّ جريدها"، لحديث أبي سعيد.
وإن غرس شجرة في موات فهي له وحريمها.
وإن سبق إلى شجر فسقاه وأصلحه فهو له، لحديث: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به".
ومن كانت له بئر فحفر أخرى قريباً منها يتسرب إليها ماؤها، فليس له ذلك سواء حفر في ملكه أو في موات، ووافق الشافعي في الموات وقال: في ملكه له ذلك كتعلية داره.
وهكذا الخلاف في كل ما يحدثه الجار مما يضر بجاره، مثل أن يجعل داره مدبغة أو حماماً يضر بعقار جاره.
وقال الشافعي: له ذلك كله.
ولنا: قوله: "لا ضرر ولا ضرار".
1 ولو كان الذي حصل منه الضرر سابقاً لم يلزمه إزالة الضرر، بغير خلاف نعلمه، لأنه لم يحدث ضرراً.
ومن تحجر مواتاً لم يملكه وكان أحق به ووارثه بعده ومن ينتقل إليه، وليس له بيعه، وقيل: له ذلك، لحديث: "من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم، فهو أحق به".
فإن لم يُتم إحياءه قيل له: أحيه أو اتركه، فإن أحياه غيره ملكه بالإحياء، لعموم الحديث في الإحياء، وقيل: لا، لقوله: "في غير حق مسلم".
وروى سعيد أن عمر قال: "من كانت له أرض - يعني: من تحجر أرضاً - فعطلها ثلاث سنين فجاء قوم فعمروها فهم أحق بها".
وهذا يدل على أن من عمرها قبل ثلاث سنين لا يملكها.
وللإمام إقطاع موات لم يحيه ولا يملكه به، بل بمنزلة المتحجر، ولا يقطع إلا ما قدر على إحيائه، لأن إقطاعه أكثرَ ضرر على المسلمين.
فإن فعل فتبين عجزه عن إحيائه، استرجعه "كما استرجع عمر من بلال بن الحارث ما عجز عن عمارته مما أقطعه النبي صلى الله عليه وسلم".
وإن كان الماء في نهر غير مملوك، فإن كان عظيماً كالنيل والفرات الذي لا يستضر أحد بالسقي منه، فلكل أحد أن يسقي كيف شاء.
وإن كان صغيراً يزدحم الناس فيه ويتشاحون في مائه، أو سيلاً يتشاح فيه أهل الأرض، فيبدأ بمن في أوله فيسقي ويحبس الماء حتى يبلغ الكعب، ثم يرسل إلى الذي يليه فيصنع كذلك، إلى أن تنتهي الأرض، ولا نعلم فيه مخالفاًً، لحديث الزبير والأنصاري.
والنهر المملوك قسمان:
أحدهما: أن يكون الماء مباح الأصل، مثل أن يحفر إنسان نهراً صغيراً يتصل بنهر كبير مباح، فما لم يتصل الحفر لا يملكه وإنما هو تحجر، فإذا اتصل الحفر ملكه، لأن الملك بالإحياء أن تنتهي العمارة إلى قصدها، بحيث يتكرر الانتفاع بها على صورتها، سواء أجرى الماء أو لا.
فإن كان لجماعة فهو بينهم على حسب العمل والنفقة.
والثاني: أن يكون منبع الماء مملوكاً مثل أن يشترك جماعة في استنباط عين وإجرائها، فإنهم يملكونها، لأن ذلك إحياء لها.
وعلى كل حال، فلكل أحد أن يسقي من الماء الجاري لشربه ووضوئه وغسل ثيابه وأشباه ذلك، مما لا يؤثر فيه، من غير إذن إذا لم يدخل إلى محوط، ولا يحلّ لصاحبه المنع، لحديث: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم".
1 رواه البخاري.
وللإمام أن يحمي أرضاً من الموات لدواب المسلمين، ما لم يضيق عليهم، وقال الشافعي في أحد قوليه: ليس له ذلك، لقوله: "لا حمى إلا لله ولرسوله".
2 ولنا: "أن عمر وعثمان حميا"، واشتهر فلم ينكر، فكان إجماعاً.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
إذا كان الموات لم يجر عليه ملك لأحد، ولا فيه أثر عمارة، ملك بالإحياء بلا خلاف، وإن علم له مالك بشراء أو عطية والمالك موجود هو أو أحد من ورثته، لم يملك بالإحياء بلا خلاف.
وإن ملك بالإحياء ثم ترك حتى دثر وعاد مواتاً، فلا يملك به أيضاً.
وإن لم يعلم له مالك، فهو أربعة أقسام:
أحدها: ما أثر الملك فيه غير جاهلي، كالقرى الخربة التي درست آثارها، ففي ملكها بالإحياء روايتان.
وإذا لم يملك بالإحياء كان للإمام إقطاعه.
الثاني: ما أثر الملك فيه جاهلي قديم، كديار ثمود، فلم يذكر المصنف وغيره خلافاً في جواز إحيائه.
الثالث: ما لا أثر فيه جاهلي قريب، والصحيح أنه يملك بالإحياء.
الرابع: ما تردد في جريان الملك عليه، وفيه روايتان.
ولو ملكها من له حرمة ولم يعلم، لم تملك بالإحياء لأنها فيء، وعنه: تملك، قال في الفائق: في أظهر الروايات.
وموات أرض العنوة كغيره، وهو المذهب، وعنه: لا تملك بالإحياء، لكن تقر بيده بالخراج، وقيل: لا موات في أرض السواد.
ولو اختلفوا في الطريق وقت الإحياء، جعلت سبعة أذرع، للخبر؛ ولا تغير بعد وضعها وإن زادت على سبعة، لأنها للمسلمين، نص عليه.
وذكر ابن بطة أن الخبر ورد في أرباب ملك مشترك أرادوا قسمته، واختلفوا في قدر حاجتهم، خلاف ما ذكر الجوزجاني عن قول أحمد: لا بأس ببناء مسجد في طريق واسع إذا لم يضر بالطريق، قال: مراده: ما وقت النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الأذرع.
وقال الشيخ فيمن نزل عن وظيفة الإمامة: لا يتعين المنزول له، ويولِّي من له الولاية من يستحق التولية شرعاً.
ولو ترك دابته بفلاة ليأسه منها، ملكها آخذها، نص عليه؛ وهو من المفردات.
وما حماه النبي صلى الله عليه وسلم فليس لأحد نقضه، وما حماه غيره فعلى وجهين.
قال في الفروع: ويتوجه في نقض الإطلاقات الخلاف، ونقل حرب: القطائع جائز، وأنكر شديداً قول مالك: لا بأس بقطائع الأمراء، وقال: يزعم أنه لا بأس بقطائعهم، وقال: قطائع الشام والجزيرة من المكروهة كانت لبني أمية فأخذها هؤلاء، وقال: ما أدري ما هذه القطائع يخرجونها ممن شاؤوا؟ قال أبو بكر: لأنه لا يملكها من أقطعها، فكيف تخرج منه؟
باب الجعالة
وهي أن يبذل جعلاً على رد آبق أو ضالة أو بناء حائط أو خياطة ثوب، ولا نعلم فيها مخالفاًً، لقوله: ﴿ولمن جاء به حمل بعير﴾ ، 1 وحديث الرقية، لأن الحاجة تدعو إليه، لأن العمل قد يكون مجهولاً كردّ الضالة، فلا تجوز الإجارة عليه فدعت الحاجة إلى العوض مع جهالة العمل، وهي أن يقول: مَن ردّ عبدي أو بنى لي هذا الحائط فله كذا، فإذا قاله صح وكان لكل منهما الرجوع قبل العمل.
فمن فعله بعد أن بلغه الجعل استحقه، لما ذكرنا من الآية والحديث، وإن فعله جماعة فهو بينهم.
فإن قال: من ردّ عبدي من موضع كذا فله دينار، فرده إنسان من نصف الطريق استحق النصف.
وإذا التقط لقطة قبل بلوغ الجعل لم يستحق شيئاً ولو بعد الجعل.
ومن عمل لغيره عملاً بغير جعل، غير رد الآبق، فلا شيء له، لا نعلم فيه خلافا؛ "فأما رد الآبق فإنه يستحق الجعل بردّه وإن لم يشرطه"، روي عن عمر وعلي وابن مسعود.
وعن أحمد: لا أدري، قد تكلم الناس فيه.
لم يكن عندي فيه حديث صحيح.
وقال الشافعي: لا يستحق شيئاً.
ويجوز أخذ الآبق لمن وجده، لا نعلم فيه خلافاً، لأنه لا يؤمن لحوقه بدار الحرب.
باب اللقطة
وهي على ثلاثة أقسام:
أحدها: ما لا تتبعه الهمة، كالعصا والسوط، فيملك بلا تعريف، لحديث جابر.
ولا نعلم خلافاً بين أهل العلم في إباحة أخذ اليسير والانتفاع به، وقال مالك لا يجب تعريف ما لا يقطع بة السارق.
وروي عن علي: "أنه وجد ديناراً فتصرّف فيه"، وعن سلمى بنت كعب قالت: "وجدت خاتماً من ذهب في طريق مكة، فسألت عائشة فقالت: تمتعي به"، و"رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحبل" في حديث جابر، وقد تكون قيمته دراهم.
وليس عن أحمد تحديد اليسير.
وقال: ما كان مثل الثمرة والكسرة والخرقة وما لا خطر له، فلا بأس.
ولنا على إبطال التحديد: حديث زيد بن خالد في كل لقطة، وحديث عليّ ضعيف، قال أبو داود: طرقه مضطربة، ثم هو مخالف لمذهبهم، ولسائر المذاهب.
والذي رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في التقاطه لم يذكر فيه ضماناً، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة.
الثاني: الضوالّ التي تمتنع من صغار السباع، كالإبل والبقر والخيل والبغال، فلا يجوز التقاطه.
وقال مالك والليث في ضالة الإبل: من وجدها في القرى عرّفها، ولا يقربها في الصحراء.
وقال الزهري: "من وجد بدنة فليعرّفها، فإن لم يجد صاحبها فلينحرها قبل أن تنقضي الأيام الثلاثة.
والبقر كالإبل"،
نص عليه.
وحكي عن مالك: البقرة كالشاة.
ولنا: خبر جرير، فـ"إنه طرد البقرة".
فأما الحمر فجعلها أصحابنا من هذا، والأوْلى إلحاقها بالشاة، لقوله: "معها سقاؤها وحذاؤها"، 1 يريد شدة صبرها عن الماء لكثرة ما توعي في بطنها منه، وقوله في الغنم: "إنها معرضة للذئب".
فإن أخذ ما لا يجوز التقاطه ضمنه، فإن رده إلى موضعه لم يبرأ، وقال مالك: يبرأ "لأن عمر قال: أرسله في الموضع الذي أصبته فيه".
فإن دفعها إلى نائب الإمام زال عنه الضمان.
وللإمام أو نائبه أخذ الضالة ليحفظها لصاحبها، "لأن عمر حمى النقيع لخيل المجاهدين والضوال ".
ولا يلزمه تعريفها، "لأن عمر لم يكن يعرّفها".
وإن أخذها غير الإمام أو نائبه ليحفظها ضمنها.
ولأصحاب الشافعي وجه: أن له أخذها لحفظها.
فإن وجدها في موضع يخاف عليها به، كأرض مسبعة أو قريبة من دار الحرب أو في موضع يستحل أهله أكل أموال المسلمين، فالأولى جواز أخذها للحفظ؛ وإن رأى الإمام المصلحة في بيعها باعها.
ومن ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان ملكها، وقال مالك: هي لمالكها، ويغرم ما أنفق عليها.
وقال الشافعي هي لمالكها ولا يغرم.
الثالث: سائر الأموال، كالأثمان والمتاع والغنم، فيجوز التقاطها لمن يقصد تعريفها، ويملكها بعده.
وقال الليث: لا يقربها إلا أن يحرزها لصاحبها، لقوله: "لا يؤوي الضالة إلا ضال" 2 ولنا: قوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، 3 ولأنه يخشى عليه التلف، أشبه غير الحيوان، وحديثنا أخص من حديثهم، ولو قدر التعارض فهو أصح.
ولا فرق بين المصر والمهلكة.
وقال مالك في الشاة توجد في الصحراء: اذبحها وكلها، وفي المصر: ضمّها حتى يجدها
صاحبها، لقوله: "هي لك أو لأخيك أو للذئب"، 1 ولا يكون الذئب في المصر.
ولنا: أنه أمر بأخذها ولم يفرّق، وكونها للذئب في الصحراء لا يمنع كونها لغيره في المصر.
ومتى عرّفها حولاّ ملكها، وعنه: لا.
ولنا: قوله: "هي لك" إضافة إليه بلام التمليك، ولأن التقاطها مباح، فملكت بالتعريف؛ حكاه ابن المنذر إجماعاً.
ومن أمن نفسه وقوي على تعريفها فله أخذها، والأفضل تركها، قاله أحمد.
وقال الشافعي: إن وجدها بمضيعة وأمن نفسه، فالأفضل أخذها، وعنه: يجب، لقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ {أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ 2.
وقال مالك: إن كان شيئاً له بال، يأخذه أحب إليّ.
ولنا: قول ابن عمر وابن عباس، ولم يعرف لهما مخالف في الصحابة.
ومن وجد لقطة في دار الحرب وكان في جيش، فقال أحمد: يعرّفها سنة ثم يطرحها في المغنم، لأنه وصل إليها بقوة الجيش.
وملتقط الشاة ومثلها مما يباح أكله يخّير بين ثلاثة أشياء:
أحدها: أكلها في الحال، قال ابن عبد البر: أجمعوا على أن ضالة الغنم في الموضع المخوف عليها له أكلها، لأنه سوَّى بينه وبين الذئب.
فإن جاء صاحبها غرمها.
وقال مالك: كُلْها ولا غرم ولا تعريف، لقوله: "هي لك".
قال ابن عبد البر لم يوافق مالكاً أحد من العلماء على قوله، وقوله صلى الله عليه وسلم: "ردّ على أخيك ضالته" دليل على أنها على ملك صاحبها، وقوله: "هي لك" لا يمنع الغرم، فقد أذن في لقطة الذهب بعد التعريف في أكلها، وقال هي كسائر مالك، ثم أجمعنا على وجوب الغرم.
الثاني: تركها والإنفاق عليها من ماله، فإن كان بنيّة الرجوع رجع به، وقيل: لا يرجع.
الثالث: بيعها وحفظ ثمنها، ولم يذكر أصحابنا تعريفاً في هذه المواضع، وهو قول مالك.
ولنا: أنها لقطة لها خطر، فوجب تعريفها.
وما يخشى فساده، فإن كان مما لا يمكن تجفيفه كالفاكهة والخضروات فهو مخير بين أكله وبيعه وحفظ ثمنه؛ فإن أكلَه ثبتت القيمة في ذمته.
وفي التعريف فصول ستة: في وجوبه، وقدره، وزمانه، ومكانه، ومن يتولاه، وكيفيته.
أما وجوبه: فواجب على كل ملتقط، وقال الشافعي: لا يجب على من أراد حفظها لصاحبها.
ولنا: أنه أمر به ولم يفرّق.
وقدره: "سنة"، روي عن عمر وغيره، وعن عمر: "ثلاثة أشهر"، وعنه: "ثلاثة أعوام"، لحديث أبيّ.
وقال إسحاق: ما دون الدينار يعرّفه جمعة.
ولنا: حديث زيد بن خالد، فـ"إنه أمره بعام واحد"، وحديث أبيّ قال الراوي: "لا أدري ثلاثة أعوام أم عام واحد"، قال أبو داود: شك الراوي.
وزمانه: النهار دون الليل، في اليوم الذي وجدها والأسبوع، ولا يجب بعده متوالياً.
ومكانه: الأسواق وأبواب المساجد ومجامع الناس، و"أمر عمر واجدها بتعريفها على باب المسجد".
والكيفية: يذكر جنسها لا غير، فيقول: من ضاع له ذهب أو فضة أو دنانير أو ثياب، ولا يصفها.
ويعرّفها بنفسه أو يستنيب، فإن وجد متبرعاً وإلا استأجر، والأجرة عليه.
وقال مالك: إن أعطى منها شيئاً لمن عرّفها لا يغرم.
وإذا أخره عن الحول الأول أثم، لقوله: "لا تكتم ولا تغيب".
1 ويسقط بتأخيره عن الحول الأول، في المنصوص عن أحمد، لأن حكمة التعريف لا تحصل بعده.
فإن تركه في بعض الحول عرّف بقيته، لقوله:
"إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
1 "فإذا عرّفها حولاً فلم تعرف، ملَكها، غنياً كان أو فقيراً".
روي عن عمر وغيره، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: يتصدق بها، فإذا جاء صاحبها خيّر بين الأجر والغرم، لحديث أبي هريرة، ولقوله: في حديث عياض: "وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء"، 2 وما يضاف إلى الله إنما يتملك بالصدقة.
ونقل عن أحمد مثله، وأنكره الخلال.
ولنا: قوله: "فاستنفقها"، وقوله: "وإلا فهي كسائر مالك".
3 وحديثهم عن أبي هريرة لا يثبت، ولا نقل في كتاب يعتمد عليه، ودعواهم إنما يضاف إلى الله، ما قالوه لا دليل عليه.
ولا أعلم بين أكثر أهل العلم فرقاً بين الأثمان والعروض، وقال أكثر أصحابنا: لا تملك العروض بالتعريف، واختلفوا هل يعرّفها أبداً أو يتصدق بها.
ولنا: عموم الأحاديث في اللقطة.
وقولهم: روي ذلك عن ابن مسعود، قيل: إن صح فقد روي عن عمر وابنه خلافه.
والمشهور عن أحمد: "أن لقطة الحرم والحل سواء".
وروي عن ابن عمر وابن عباس، وبه قال مالك، وعن أحمد: أنها لا تلتقط للتملك بل للحفظ، ويعرّفها أبداً حتى يأتي صاحبها، وهو قول أبي عبيد.
وعن الشافعي كالمذهبين، لقوله: "لا تحلّ ساقطتها إلا لمنشد".
4 ووجه الأولى: عموم الأحاديث، ويحتمل أن قوله: "إلا لمنشد" أي: لمن عرّفها عاماً، وتخصيصها به لتأكيدها، كقوله: " ضالة المؤمن حرق النار"، 5 وضالة الذمي مقيسة عليها.
ويستحب أن يشهد عليها حين يجدها، لحديث عياض، ولا يجب، لأنه لم يأمر به زيد أو أبي بن كعب.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف ":
لو وجد لقطة في طريق غير مأتي، فهي لقطة، واختار الشيخ أنه كالركاز.