مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)صفحات 47-86
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطهارة

صفحات 47-86
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن عبد الوهاب
الكتاب
مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
المؤلف
محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
المحقق
عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
الناشر
مطابع الرياض - الرياض
الطبعة
الأولى
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة، لحديث صفوان إلا من جنابة، فأما الجبيرة فيجوز، لحديث صاحب الشجة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قال الشيخ: وفصل الخطاب: أن الأفضل في حق كل واحد ما هو الموافق لحال قدمه؛ فالأفضل لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما، ولا يتحرى لبس الخف ليمسح، كما "كان عليه أفضل الصلاة والسلام يغسل قدميه إن كانتا مكشوفتين، ويمسح إذا كان لابساً للخف".
ويلبس بعد كمال الطهارة.
وعنه: لا يشترط كمالها، اختاره الشيخ وصاحب الفائق، وقال: وعنه: لا تشترط الطهارة لمسح العمامة، ذكره ابن هبيرة.
وحكى أبو الفرج رواية بعدم اشتراط تقدم الطهارة رأساً؛ فلو لبس محدثاً ثم توضأ وغسل رجليه في الخف جاز له المسح.
قال الزركشي: وهو غريب بعيد.
قلت: اختاره الشيخ وقال: يتوجه أن العمامة لا يشترط لها ابتداء اللبس على الطهارة، ويكفي فيها الطهارة المستدامة لأن العادة أن من توضأ مسح رأسه ورفع العمامة ثم أعادها، ولا يبقى مكشوف الرأس إلى آخر الوضوء.
وقوله: ويمسح المقيم يوماً وليلة، والمسافر ثلاثة أيام، وقيل: يمسح كالجبيرة؛ اختاره الشيخ.
وفي الاختيارات: لا تتوقت مدة المسح في حق المسافر الذي يشق اشتغاله بالخلع واللبس، كالبريد المجهز في مصلحة المسلمين.
واختار الشيخ أيضاً جواز المسح على المخرق، إلا أن يتخرق أكثره، 1 ما دام اسمه باقياً،

والمشي فيه ممكن.
واختار أيضاً جواز المسح على الملبوس، ولو كان دون الكعبين.
قوله: أو شد لفائفاً لم يجز المسح عليه، وجعله أبو البركات إجماعاً، وفيه وجه يجوز، اختاره الشيخ.
واختار أيضاً جواز المسح على القدم ونعلها التي يشق نزعها إلا بيد أو رجل، كما جاءت به الآثار.
قال: والاكتفاء هنا بأكثر القدم نفسها أو الظاهر منها، غسلاً أو مسحاً، أولى من مسح بعض الخف، ولهذا لا يتوقت كمسح العمامة.
قال: ويجوز المسح على الخف المخرق، إلا أن يتخرق أكثره، فكالنعل.
ويجوز أيضاً على ملبوس دون النعل.
انتهى.
قوله: إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز، وهو مقتضى اختيار الشيخ، فإنه اختار جواز المسح على العمامة الصماء، فذات الذؤابة أوْلى، وقال في الصماء: هي كالقلانس.
قوله: ومتى ظهر قدم الماسح ... إلخ، واختار الشيخ أن الطهارة لا تبطل كإزالة الشعر الممسوح عليه، ولو زالت الجبيرة فهي كالخف.
واختار الشيخ بقاءها قبل البرء وبعده، كإزالة الشعر

باب نواقض الوضوء

(الأول) : الخارج من السبيلين إن كان معتاداً، كالمذي والودي والريح، نقض إجماعاً.
ودم الاستحاضة ينقض في قول عامة أهل العلم، إلا ربيعة.
وإن كان نادراً كالدم والدود فينقض أيضاً.
وقال مالك: ليس في الدود الذي يخرج من الدبر وضوء؛ وروي عن مالك أنه لم يوجب الوضوء من هذا الضرب، لأنه نادر.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم أمر المستحاضة بالوضوء لكل صلاة"، ودمها غير معتاد.
وسئل أحمد: عن رجل ربما ظهرت مقعدته، قال: إن علم أنه يظهر معها ندى توضأ، وإلا فلا شيء عليه.
قال شيخنا: يحتمل أنه أراد ندى ينفصل؛ فأما الرطوبة اللازمة، فلا تنقض، لأنها لا تنفك عن رطوبة.
والمذي ينقض إجماعاً، وهل يجب غسل الذكر والأنثيين منه؟ فيه روايتان: إحداهما: يجب، لما في حديث علي: "توضأْ، وانضح فرجك".
1 رواه مسلم.
ولأبي داود: يغسل ذكره وأنثييه ويتوضأ؛ فعلى هذا يجزئه غسلة واحدة لقوله: "انضح فرجك"، سواء غسله قبل الوضوء أو بعده.
والثانية: "لا يوجب إلا الاستنجاء والوضوء"، روي ذلك عن ابن عباس؛ وهو قول أكثر أهل العلم، لحديث سهل بن حنيف: "إنما يجزيك من ذلك الوضوء".
2 صححه الترمذي.
و"الغسل في حديث علي محمول على الاستحباب".
وقوله: "إنما يجزيك ... إلخ" صريح في حصول الإجزاء به.
(الثاني) : "الخارج النجس من غير السبيلين، غير البول والغائط، ينقض

كثيره"، روي عن ابن عباس وابن عمر.
وقال مالك والشافعي وابن المنذر: لا وضوء فيه، كالبصاق.
ولنا: حديث ثوبان؛ قيل لأحمد: ثبت عندك؟ قال: نعم.
ولأنه صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة: "إنه دم عِرق، فتوضئي لكل صلاة ". رواه الترمذي، علل بكونه دم عرق، وهذا كذلك؛ فأما القليل فلا ينقض، حكاه القاضي رواية واحدة.
وقيل: ينقض، وهو قول أبي حنيفة وسعيد بن جبير، فيما إذا سال الدم.
ووجه الأولى أنه قد روي عن جماعة من الصحابة.
قال أبو عبد الله: عدة من الصحابة تكلموا فيه.
"أبو هريرة كان يدخل أصابعه في أنفه.
وابن عمر عصر بثرة فخرج دم، فصلى ولم يتوضأ.
وابن أبي أوفى عصر دملاً.
وابن عباس قال: إذا كان فاحشاً فعليه الإعادة.
وجابر أدخل أصابعه في أنفه".
قيل لأحمد: ما الفاحش؟ قال: ما فحش في قلبك.
والقيح والصديد كالدم فيما ذكرنا.
قال أحمد: هما أخف حكماً من الدم.
(الثالث) : زوال العقل على ضربين: نوم وغيره.
فأما الجنون والإغماء والسكْر ونحوه، فينقض إجماعاً.
وأما النوم فينقض في الجملة في قول عامة أهل العلم، إلا ما حكي عن أبي موسى الأشعري وأبي مجلز.
وعن سعيد بن المسيب أنه كان ينام مراراً مضطجعاً ينتظر الصلاة، ثم يصلي ولا يعيد الوضوء.
ولعلهم ذهبوا إلى أنه ليس بحدث في نفسه، والحدث مشكوك فيه، فلا يزول اليقين بالشك.
ولنا: حديث صفوان بن عسال: "لكن من غائط وبول ونوم".
حديث صحيح.
ونوم المضطجع ينقض يسيره عند جميع القائلين بنقض الوضوء بالنوم.
ونوم القاعد إن كان يسيراً لم ينقض، وهذا قول مالك.
وقيل: متى خالط النوم القلب نقض بكل حال، وهذا قول إسحاق وأبي عبيد وابن المنذر،

لعموم الأحاديث.
ولنا: ما روى مسلم عن أنس قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون، ثم يصلون ولا يتوضؤون".
ولأبي داود: "ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم".
وقال الشافعي: "لا ينقض وإن كثر، إذا كان قاعداً متمكناً مفضياً بمحل الحدث إلى الأرض"، لحديثي أنس، وبهما يتخصص العموم.
ولنا: العموم وخصصناه بحديث أنس، وليس فيه بيان كثرة ولا قلة، فحملناه على اليقين.
وأما نوم القائم والراكع والساجد ففيه روايتان: إحداهما: ينقض، وهو قول الشافعي، لأنه ليس في معنى المنصوص عليه.
والثانية: حكمه حكم الجالس قياساً، وهذا قول سفيان وأصحاب الرأي، لحديث ابن عباس: "فجعلت إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني".
رواه مسلم.
واختلفت الرواية في المستنِد والمحتبي، واختلفت في حد اليسير.
قال شيخنا: الصحيح أنه لا حد له، لأن التحديد إنما يُعلم بالتوقيف.
(الرابع) مس الذكر: واختلفت الرواية فيه على ثلاث: إحداها: "لا ينقض"، روي عن علي وعمار وابن مسعود وأصحاب الرأي وابن المنذر، لحديث: "إنما هو بضعة منك".
1 رواه أبو داود والترمذي وأحمد.
والثانية: "ينقض بكل حال"، وهو مذهب ابن عمر وابن المسيب والشافعي، والمشهور عن مالك، لحديث بسرة، صححه الترمذي وأحمد.
فأمّا حديث قيس، فقال أبو زرعة وأبو حاتم: قيس مما لا تقوم بروايته حجة ووهّناه ولم يثبتاه.
والثالثة: لا ينقض إلا أن يقصد مسّه.
وقال الشافعي ومالك: لا ينقض مسّه بظاهر الكف.
ولا فرق بين ذكره وذكر غيره، خلافاً لداود.
قال الزهري والأوزاعي: لا ينقض مسّ ذكر الصغير لأنه يجوز مسه والنظر إليه.
ولنا: عموم الأحاديث.
وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان: إحداهما: ينقض لعموم قوله:

"مَن مسّ فرجه فليتوضأ".
1 رواه ابن ماجة عن أم حبيبة.
قال أحمد وأبو زرعة: حديث أم حبيبة صحيح.
(الخامس) أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة: وعنه: لا ينقض.
قال ابن مسعود: "القبلة من اللمس، وفيها الوضوء"، رواه الأثرم.
وعن أحمد: "لا ينقض بحال"، يروى عن ابن عباس، وقول عائشة: "فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي"، متفق عليه، و"الآية أريد بها الجماع"، قاله ابن عباس.
والرواية الثالثة: ينقض لشهوة، جمعاً بين الآية والأخبار؛ وهو مذهب مالك وإسحاق.
فإن لمسها من وراء حائل لم ينقض، في قول أكثر أهل العلم.
وقال مالك: ينقض إذا كان ثوباً رقيقاً، وكذا قال ربيعة: إذا غمزها من وراء ثوب رقيق لشهوة.
وسئل أحمد: عن المرأة إذا مست زوجها؟ قال: ما سمعت فيه شيئاً، ولكن هي شقيقة الرجل، يعجبني أن تتوضأ.
ولا ينقض لمس شعر المرأة، ويتخرج أن ينقض إذا كان لشهوة.
وفي نقض وضوء الملموس روايتان.
(السادس) غسل الميت: "لأن ابن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسله بالوضوء".
قال أبو هريرة: "أقل ما فيه الوضوء"، ولا نعلم لهم مخالفاًًً في الصحابة.
وقيل: لا ينقض، وهو قول أكثر العلماء.
قال شيخنا: وهو الصحيح لأنه لم يرد فيه نص، ولا هو في معنى المنصوص عليه.
وكلام أحمد يدل على أنه مستحب، فإنه قال: أحب إليّ أن يتوضأ، وعلل نفي الوجوب بكون الخبر موقوفا على أبي هريرة.
(السابع) أكل لحم الجزور: وقال مالك والشافعي وأصحاب الرأي: لا وضوء عليه.
ومن العجب أنهم أوجبوا الوضوء بأحاديث ضعيفة تخالف الأصول، فأبو حنيفة أوجبه بالقهقهة في الصلاة دون خارجها، بحديث مرسل

من مراسيل أبي العالية.
ومالك والشافعي أوجباه بمس الذكر، بحديث مختلف فيه معارض بمثله.
فإن شرب من لبنها فعلى روايتين: إحداهما ينقض، لحديث أسيد بن حضير، رواه أحمد.
وعن ابن عمر مثله.
والثانية: لا وضوء عليه، لأن حديث أسيد فيه الحجاج بن أرطاة، وحديث ابن عمر فيه عطاء بن السائب، وقد اختلط في آخر عمره.
وإن أكل من كبدها وطحالها، فعلى وجهين: أحدهما: لا ينقض.
والثانية: ينقض، لأن اللحم يعبر به عن جملة الحيوان، كلحم الخنزير.
(الثامن) الردة عن الإسلام: قال ابن المنذر: أجمع من نحفظ قوله على أن القذف وقول الزور لا ينقض.
وقد روينا عن غير واحد من الأوائل أنهم أمروا بالوضوء من الكلام الخبيث، وذلك استحباب.
وثبت أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من حلف باللات، فليقلْ: لا إله إلا الله"، 1 ولم يأمره بالوضوء.
ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة، بنى على اليقين؛ وبهذا قال عامة أهل العلم.
وقال مالك: إذا شك في الحدث، إن كان يلحقه كثيراً فهو على وضوئه، وإلا توضأ؛ ولا يدخل في الصلاة مع الشك.
ولنا: حديث أبي هريرة، وفيه: "فلا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً".
2 رواه مسلم.
ومن أحدث حرُم عليه مسّ المصحف، وأباحه داود، لأنه صلى الله عليه وسلم كتب إلى قيصر آية.
ولنا: قوله: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ﴾ . 3 وفي كتاب عمرو بن حزم: "أن لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر".
ويجوز تقليبه بعود ومسّه به وكتب المصحف بيده من غير أن يمسّه.
وذكر ابن عقيل في ذلك كله، وفي حمله بعلاقته روايتين، والصحيح

الجواز، لأن النهي إنما تناول مسه.
وفي مس الصبيان ألواحهم التي فيها القرآن وجهان.
و"لا تجوز المسافرة بالمصحف إلى دار الحرب"، لحديث ابن عمر.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قوله: (الثاني) خروج سائر النجاسات من سائر البدن، واختار الشيخ: لا ينقض الكثير مطلقاً، وعنه: لا ينقض نوم الجالس وإن كان كثيراً، واختاره الشيخ.
ونقل الميموني لا ينقض النوم بحال، واختاره الشيخ إن ظن بقاء طهره.
الرابع: مس الذكر: وعنه: لا ينقض، بل يستحب الوضوء منه؛ اختاره الشيخ.
الخامس: مس أنثى لشهوة: وعنه: لا ينقض مطلقاً، اختاره الشيخ.
وحيث قلنا: لا ينقض، استحب الوضوء مطلقاً.
وقال الشيخ: يستحب إن لمسها لشهوة، وإلا فلا.
السادس: غسل الميت: وعنه: لا ينقض؛ اختاره الشيخ.
السابع: أكل لحم الجزور: وعنه: لا ينقض؛ اختاره الشيخ.
وعنه: لا يعيد إن طالت المدة.
وقيل: لا يعيد متأول.
وعنه: إن علم النهي نقض.
فعليها عدم العلم بالنهي هو عدم العلم بالحديث، قاله الشيخ؛ فمن علم لا يعذر.
وعنه: بلى، مع التأويل.
وقال الشيخ: أما لحم الخبيث المباح للضرورة، كلحم السباع، فينبني الخلاف فيه على أن النقض بلحم الإبل تعبدي، فلا يتعدى، أو معقول المعنى، فيعطى حكمه، بل هو أبلغ منه.
والصحيح من المذهب: أنه تعبدي.
وقيل: معلل؛ فقد قيل: إنها من الشياطين كما جاء في الحديث الصحيح، رواه أبو داود؛ فإذا أكل منها أورث ذلك قوة شيطانية، فشرع الوضوء منها ليذهب سَورَة الشيطان.
وفي حديث آخر: "على ذروة كل بعير شيطان".
1 والطواف يشترط له الطهارة، وعنه: يجزئه بلا طهارة ويجبره بدم.
وعنه: وكذا الحائض؛ واختاره الشيخ، وقال: لا دم عليها لعذر.

باب الغسل

وموجباته سبعة: أحدها: خروج المني الدافق بلذة من الرجل والمرأة، في اليقظة والنوم: هذا قول عامة الفقهاء، حكاه الترمذي، ولا نعلم فيه خلافاً.
فإن خرج لمرض أو برودة من غير شهوة، لم يوجب.
وقال الشافعي: يجب، لقوله: "إذا رأت الماء".
ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم وصف المني الموجب بأنه غليظ أبيض، وقال لعلي: "إذا فضخت الماء فاغتسل".
1 رواه أبو داود.
والفضخ: خروجه على وجه الشدة.
وقال إبراهيم الحربي: بالعجلة.
وقوله: "إذا رأت الماء" في الاحتلام.
وهو إنما يخرج لشهوة، فإن رأى أنه احتلم ولم يجد بللاً، فلا غسل عليه؛ حكاه ابن المنذر إجماعاً.
وإن انتبه فرأى منياً ولم يذكر احتلاماً، اغتسل؛ لا نعلم فيه اختلافاً.
وإن انتبه فوجد بللاً لا يدري أمني أم غيره، فقد توقف أحمد فيها.
فإن رأى في ثوبه منياً وكان لا ينام فيه غيره، اغتسل، "لأن عمر وعثمان اغتسلا حين رأياه في ثوبيهما".
فإن أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج، فعلى روايتين.
فإن خرج بعد الغسل، وقلنا: لا يجب بالانتقال، لزمه الغسل.
الثاني: التقاء الختانين: وهو تغييب الحشفة في الفرج، ولو مس الختان الختان من غير إيلاج لم يجب الغسل إجماعاً.
وإذا كان الواطئ أو الموطوءة صغيراً، فقال أحمد: يجب عليهما الغسل، وحمله القاضي على الاستحباب؛ وهو قول أصحاب الرأي.
ولا يصح حمل كلامه على الاستحباب لتصريحه

بالوجوب، وذمه قول أصحاب الرأي بقوله: هو قول سوء.
وقولهم: الصغير ليس من أهل التكليف، فليس معنى الوجوب في حقه التأثيم بتركه، بل أنه شرط لصحة الصلاة والطواف والقراءة.
الثالث: إسلام الكافر: وهو قول مالك وابن المنذر.
وقال أبو حنيفة: لا يجب، لأنه لو أمر كل من أسلم بالغسل، لنقل نقلاً متواتراً.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم أمر قيس بن عاصم لما أسلم أن يغتسل بماء وسدر".
1 قال الترمذي: حديث حسن.
وقد روي أن مصعب بن عمير قال لسعد وأسيد لما سألاه: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قال: "نغتسل ونشهد شهادة الحق".
فإن أجنب الكافر ثم أسلم لم يلزمه غسل الجنابة، وهذا قول من أوجب غسل الإسلام، وقول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: عليه الغسل.
ويستحب أن يغتسل بماء وسدر، لما في حديث قيس.
ويستحب أن يلقي شعره، لقوله: "ألق عنك شعر الكفر واختتن".
2 رواه أبو داود.
الرابع: الموت.
الخامس: الحيض.
السادس: النفاس، وسيذكر في أبوابه.
ومن لزمه الغسل، حرم عليه قراءة آية فصاعدا، وفي بعض آية روايتان.
وقال الأوزاعي: لا يقرأ إلا آية الركوب والنزول: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ ، 3 ﴿وقل رب أمزلني منزلا مبارك﴾ . 4 وقال

ابن عباس: "يقرأ ورده".
وقال ابن المسيب: يقرأ القرآن؛ أليس هو في جوفه؟ وحكي عن مالك جواز القراءة للحائض دون الجنب.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يحجبه من قراءة القرآن شيء، ليس الجنابة".
1 قال الترمذي: حسن صحيح.
ويجوز له العبور في المسجد، ويحرم اللبث فيه إلا أن يتوضأ لقوله: ﴿وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ الآية، 2 ولقوله صلى الله عليه وسلم: "لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب".
3 رواه أبو داود.، فإن خاف أو لم يمكنه الخروج، تيمم وأقام فيه، لأنه روي عن علي وابن عباس في الآية: "يعني: مسافرين لا يجدون ماء فيتيممون".
وقال بعض أصحابنا: يلبث بغير تيمم، لأنه لا يرفع الحدث، وهو غير صحيح لمخالفته قول الصحابة.
وقال الثوري وإسحاق: لا يمر في المسجد إلا أن لا يجد بداً، فيتيمم؛ وهو قول أصحاب الرأي، لقوله: "لا أُحلّ المسجد لحائض ولا جنب".
4 ولنا: الآية، وقوله لعائشة: لما قال: "ناوليني الخمرة من المسجد.
قالت: إني حائض.
قال: حيضتك ليست في يدك".
5 وعن زيد بن أسلم قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشون في المسجد وهم جنب".
رواه ابن المنذر، وهذا إشارة إلى جميعهم، فيكون إجماعاً.
فإن توضأ، فله اللبث فيه، وهو قول إسحاق.
وقال الأكثرون: لا يجوز، للآية والخبر.
ووجه الأولى قول زيد بن أسلم: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحدثون في المسجد على غير وضوء، وكان الرجل يكون جنباً فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث معهم"، وهذا إشارة إلى جميعهم، فيخص عموم الحديث.
وعن عطاء بن يسار قال: "رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلسون في المسجد وهم مجنبون، إذا توضؤوا

وضوء الصلاة".
رواه سعيد والأثرم.
وحكم الحائض إذا انقطع حيضها حكم الجنب، وأما قبله فلا، لأن وضوءها لا يصح.
وأما المستحاضة ومن به سلس البول، فلهم اللبث فيه إذا أمنوا تلويثه، لأن بعض أزواجه صلى الله عليه وسلم اعتكفت معه وهي مستحاضة، رواه البخاري.
فإن خاف التلويث، حرم لأن المسجد يُصان عن هذا.
والأغسال المستحبة ثلاثة عشر: (أحدها) : للجمعة بغير خلاف، وفيه آثار كثيرة صحيحة، وليس بواجب؛ حكاه ابن عبد البر إجماعاً.
(الثاني) : للعيدين، لحديث ابن ماجة.
(الثالث) : الاستسقاء، لأنه عبادة يجتمع لها.
(الرابع) : الكسوف، لأنه كالاستسقاء.
(الخامس) : "من غسل الميت"، روي ذلك عن ابن عباس والشافعي وإسحاق وابن المنذر.
وروي عن علي وأبي هريرة أنهما قالا: "من غسل ميتا فليغتسل".
قال ابن المنذر: ليس فيه حديث يثبت، وكذلك لم يعمل به في وجوب الوضوء على حامله، لا نعلم به قائلاً.
وحديث علي، قال الجوزجاني: ليس فيه أن علياً غسل أبا طالب.
(السادس) : الغسل من الإغماء والجنون، "لأنه صلى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء"، متفق عليه.
ولا يجب، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
(السابع) : غسل المستحاضة.
(الثامن) : الغسل للإحرام.

(التاسع) : دخول مكة.
(العاشر) : الوقوف بعرفة.
(الحادي عشر) : المبيت بمزدلفة.
(الثاني عشر) : رمي الجمار.
(الثالث عشر) : الطواف.
وصفة الغسل الكامل: أن يأتي فيه بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثاً، وغسل ما به من أذى، وقد ذكرنا الدليل على ذلك، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثاً يروي بها أصول الشعر، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضع غسله فيغسل قدميه، ويخلل أصول شعر رأسه ولحيته بماء قبل إفاضته عليه، ووجهه: قول عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة غسل يديه ثلاثاً، وتوضأ وضوءه للصلاة.
ثم يخلل شعره بيديه، حتى إذا ظن أنه قد أروى بشرته، أفاض عليه الماء ثلاث مرات.
ثم غسل سائر جسده".
1 متفق عليه.
وحديث ميمونة متفق عليه.
ففي هذين الحديثين كثير من الخصال المسماة.
والبداءة بشقه الأيمن، لقول عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة دعا بشيء نحو الحلاب، فأخذ بكفيه فبدأ بشق رأسه الأيمن، ثم الأيسر.
ثم أخذ بكفيه فقال بهما على رأسه".
2 متفق عليه.
واختلف عن أحمد في غسل الرجلين، فقال في رواية: بعد الوضوء، على حديث ميمونة.
وقال في رواية: العمل على حديث عائشة.
وقال في موضع غسل رجليه: في موضعه وبعده وقبله سواء.
والمجزئ: أن يغسل ما به من أذى، وينوي

ويعمم بدنه بالغسل، لقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ ، 1 وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ . 2 ويستحب إمرار يده على بدنه، ولا يجب إذا تيقن وغلب على ظنه وصول الماء؛ وهذا قول الشافعي وأصحاب الرأي.
وقال مالك: إمرار يده إلى حيث تنال واجب، ونحوه قال أبو العالية.
قالوا: لأن الله تعالى قال: ﴿حتى تغتسلوا﴾ ، ولا يقال: اغتسل إلا لمن دلك، ولنا: قوله: "إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات، ثم تفيضين عليك الماء؛ فتطهرين".
3 رواه مسلم.
وما ذكروه ممنوع، فإنه يقال: غسل الإناء، وإن لم يدلكه.
ولا يجب الترتيب فيه لقوله: ﴿فاطهروا﴾ ، وقوله: ﴿حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ ، ولا نعلم في هذا خلافاً.
ولا يجب فيه موالاة، نص عليه؛ وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال ربيعة: من تعمَّده أعاد الغسل، وهو قول الليث.
وإذا بقيت لمعة لم يصبها الماء، فمسحها بيده أو شعره، فروي عن أحمد أنه سئل: عن حديث العلاء بن زياد: "أنه صلى الله عليه وسلم اغتسل فرأى لمعة لم يصبها الماء، فدلكها بشعره"، 4 فقال: نعم، أخذ به.
وروي عنه: يأخذ لها ماء جديداً، فيه حديث لا يثبت، يعصر شعره.
وذكر له حديث ابن عباس: "أنه صلى الله عليه وسلم عصر لمته على لمعة"، فضعّفه ولم يصححه.
ونص أحمد على أنها تنقض الشعر في غسل الحيض.
قيل له: كيف، وهي لا تنقضه من الجنابة؟ قال: حديث أسماء "عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تنقضه".
وهو قول طاووس والحسن وأكثر العلماء، لحديث عائشة.
وللبخاري فيه: "انقضي رأسك وامتشطي".
5 وقيل: "مستحب"، روي عن عائشة وأم سلمة؛ وهو قول مالك والشافعي وأصحاب

الرأي وأكثر العلماء، وهو الصحيح لأن في بعض ألفاظ حديث أم سلمة: "أفأنقضه للحيضة؟ قال: لا"، رواه مسلم.
وحديث عائشة ليس فيه حجة، لأنه ليس في غسل الحيض، إنما هو للإحرام في حال الحيض.
ولو ثبت الأمر حمل على الاستحباب، جمعاً بين الحديثين، ولأن فيه ما يدل على الاستحباب، وهو المشط والسدر.
وغسل الحيض كغسل الجنابة، إلا أنه يستحب أن تغتسل بماء وسدر، وتأخذ فرصة ممسكة فتتبع بها مجرى الدم والموضع الذي يصل إليه الماء من فرجها، ليزول عنها زفورة الدم، فإن لم تجد مسكاً فغيره من الطيب.
والفرصة القطعة من كل شيء.
ويتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع؛ فإن أسبغ بدونهما أجزأه، وهذا مذهب أكثر أهل العلم.
وقيل: لا يجزئ في الغسل والوضوء دون ذلك.
وحكي عن أبي حنيفة لقوله: يجزئ من الوضوء مدّ، ومن الجنابة صاع.
ولنا: أن الله تعالى أمر بالغسل وقد أتى به، وعن عائشة: "أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك".
1 فإن زاد على المد في الوضوء، وعلى الصاع في الغسل، جاز، فإن عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد في قدح يقال له: الفرق".
2 والفرق: ثلاثة آصع.
وقال أنس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد".
3 متفق عليه.
ويكره الإسراف في الماء، للآثار.
قال ابن عبد البر: المغتسل إذا عم بدنه ولم يتوضأ، فقد أدى ما عليه، لأن الله تعالى إنما افترض عليه الغسل؛ وهذا إجماع لا خلاف فيه، إلا أنهم أجمعوا على استحباب الوضوء فيه تأسياً به صلى الله عليه وسلم.
ويستحب له إذا أراد النوم أو الأكل أو الوطء ثانياً،

أن يغسل فرجه ويتوضأ.
"وكان ابن عمر يتوضأ إلا غسل قدميه".
وقال ابن المسيب: إذا أراد أن يأكل يغسل كفيه ويتمضمض، وحكي نحوه عن إمامنا وإسحاق.
وقال مجاهد: يغسل كفيه، لما روي عن عائشة: "أنه كان إذا أراد أن يأكل وهو جنب، غسل يديه"، 1 رواه أبو داود.
وقال ابن المسيب وأصحاب الرأي: "ينام ولا يمس ماء"، لحديث عائشة، رواه أبو داود.
ولنا: "أن عمر سأل النبي صلى الله عليه وسلم: أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم إذا توضأ فليرقد".
2 متفق عليه.
ولمسلم من حديث أبي سعيد: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود، فليتوضأ".
3 وعن عائشة: "كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ"، يعني: وهو جنب، رواه أبو داود.
فأما أحاديثهم فأحاديثنا أصح، ويمكن الجمع بحمل أحاديثنا على الاستحباب.
وإذا غمست الحائض أو الجنب أو الكافر أيديهم في الماء فهو طاهر.
قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن عرَق الجنب طاهر.
وسئل أحمد عن جنب أدخل يده في ماء ينظر حره من برده، قال: إن كان إصبعاً فأرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان اليد أجمع فكأنه كرهه.
وقال في الجنب والحائض يغمس يده في الإناء: إن كانتا نظيفتين، فلا بأس به.
وقال في موضع: كنت لا أرى به بأساً، ثم حدثت عن شعبة عن محارب بن دثار عن ابن عمر، وكأني تهيبته.
وبناء الحمّام وبيعه وشراؤه وكراؤه: مكروه عند أبي عبد الله، لما فيه من كشف العورات ودخول النساء.
قال أحمد: إن علمت أن كل من في الحمام عليه إزار فادخلْه، وإلا فلا تدخل.
فأما النساء فليس لهن دخوله إلا لعذر، ثم ذكر حديثين رواهما ابن ماجة في نهي النساء.
ومن اغتسل عرياناً بين الناس لم يجز، أو إن كان وحده جاز، لأن موسى

عليه السلام اغتسل عرياناً، وكذلك أيوب، رواهما البخاري.
وقال أحمد: لا يعجبني أن يدخل الماء إلا مستتراً، إن للماء سكاناً.
ولا بأس بذكر الله في الحمام، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله على كل أحيانه، رواه مسلم.
فأما قراءة القرآن فيه، فكرهها أبو وائل والشعبي، ولم يكرهها النخعي ومالك لأنه لا نعلم حجة توجب الكراهة.
فأما رد السلام، فقال أحمد: ما سمعت فيه شيئاً، والأولى جوازه من غير كراهة، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام بينكم"، 1 ولأنه لم يرد فيه نص؛ والأشياء على الإباحة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": يجب على الصبي الوضوء بموجباته، وجعله الشيخ مثل مسأله الغسل، إلزامه باستجمار ونحوه.
وأن الرواية الثانية: لا غسل على الكافر، يعني: إذا أسلم، إلا إن وجد سببه قبله.
ولو اغتسل في حال كفره أعاد.
وقال الشيخ: لا إعادة إن اعتقد وجوبه، بناء على أنه يثاب على الطاعة في حال كفره إذا أسلم، كمن تزوج مطلقته ثلاثاً معتقداً حلها.
وقيل: لا تمنع الحائض من قراءة القرآن مطلقاً، اختاره الشيخ.
وكره الشيخ الذكر للجنب، لا لها.
وأوجبه الشيخ على من له عرق أو ريح يتأذى به الناس، أي: غسل الجمعة.
واختار عدم استحباب الغسل للوقوف وطواف الوداع والمبيت والرمي، قال: ولو قلنا باستحباب الغسل لدخول مكة، كان الغسل للطواف بعده فيه نوع عبث لا معنى له.
واختار أنه لا يستحب لدخولها.
ويجوز أن يتيمم لما يستحب الغسل له للحاجة، نقله صالح في الإحرام.
ويستحب لما يستحب الوضوء له لعذر، وظاهر ما قدمه

في الرعاية: لا، قال في الفروع: وتيممه صلى الله عليه وسلم يحتمل عدم الماء.
قال: ويتوجه احتمال في رد السلام، لفعله صلى الله عليه وسلم لئلا يفوت المقصود، وهو الرد على الفور.
وجوز المجد وغيره التيمم لما يستحب الوضوء له مطلقاً، لأنها مستحبة، فخف أمرها.
ويحثي على رأسه ثلاثاً، يروي بها أصول الشعر، يحتمل أنه يروي بمجموع الغرفات، وأن يروي بكل مرة.
واستحب المصنف وغيره تخليل أصول شعر رأسه ولحيته قبل إفاضة الماء.
ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثاً، وقيل: مرة، اختاره الشيخ.
وقال الزركشي: هو ظاهر الأحاديث.
وإذا نوى الكبرى فقط، لا يجزي عن الصغرى.
وقال الشيخ: يرفع الأصغر أيضاً.
ويستحب للجنب إذا أراد النوم أن يغسل فرجه ويتوضأ.
وعنه: يستحب للرجل فقط.
قال ابن رجب في شرح البخاري: وهذا المنصوص عن أحمد.
وقال الشيخ: في كلام أحمد ما ظاهره وجوبه.
ولو أحدث بعد الوضوء لم يعده، وظاهر كلام الشيخ أنه يعيد حتى يبيت على إحدى الطهارتين، وقال: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه جنب".
1 رواه أبو داود.
ويكره بناء الحمّام وبيعه وإجارته، وحرّمه القاضي، وحمله الشيخ على غير البلاد الباردة.
وللمرأة دخوله لعذر، وقيل: يجوز لضرر يلحقها بتركه لنظافة بدنها، اختاره الشيخ.

باب التيمم يشترط له ثلاثة: أحدها: دخول الوقت، وهذا قول مالك والشافعي، لأنه مستغن عنه، أشبه التيمم عند وجود الماء.
وقال أبو حنيفة: يصح.
وروي عن أحمد أنه قال: القياس أن التيمم بمنزلة الطهارة، حتى يجد الماء أو يحدث، فعليها يجوز قبل دخول الوقت.
الثاني: العجز عن استعمال الماء لعدمه، لمن تيمم لعذر عدم الماء.
الثالث: طلب الماء، وفيه خلاف نذكره، إن شاء الله تعالى.
وعدم الماء يبيح التيمم في السفر الطويل والقصير؛ وهذا قول مالك والشافعي.
وقال قوم: لا يباح إلا في الطويل، قياساً على سائر رخص السفر، ولنا: قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية، 1 فدل على إباحته في كل سفر.
وقياسهم لا يصح، لأنه يباح في الحضر، ولأنه عزيمة.
فإن عدم الماء في الحضر تيمم، وهذا قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة في رواية: لا يصح، لأن الله شرط له السفر.
ولنا: قوله: "الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين".
2 صححه الترمذي.
وهذا عام.
ولعل ذكر السفر في الآية خرج مخرج الغالب، كذكر السفر وعدم الكاتب في الرهن.
وأبو حنيفة لا يقول بدليل الخطاب

على نفسه، تيمم ولا إعادة إجماعاً.
وإن خاف على رفيقه أو بهائمه، فكذلك.
وإن وجد عطشاناً يخاف تلفه، لزمه سقيه وتيمم.
وقال القاضي: لا يلزمه بذله، لأنه محتاج إليه.
ولنا: أن حرمة الآدمي تُقدم على الصلاة، إذا رأى حريقاً أو غريقاً عند ضيق الوقت، وقد غفر الله لبغيٍّ سقت كلباً، فالآدمي أولى.
وإن خاف على نفسه أو ماله في طلب الماء، كمن بينه وبينه لص أو عدو، فهو كالعادم.
ومن كان مريضاً لا يقدر على الحركة ولا على من يناوله، فكالعادم.
وإن وجد من يناوله قبل خروج الوقت، فكالواجد.
وقال الحسن: يتيمم ولا إعادة، لأنه عادم في الوقت.
وإن وجد الماء، إلا أنه إن اشتغل بتحصيله فات الوقت، لم يتيمم، في قول أكثر أهل العلم.
وعن الأوزاعي والثوري: يتيمم.
ولنا: قوله: ﴿فلم تجدوا ماء﴾ ، 1 وهذا واجد للماء، وقوله: "التراب كافيك ما لم تجد الماء".
وإن وجد الماء بثمن مثله، لزمه شراؤه لأنه قادر، وكذلك إن كان بزيادة يسيرة.
وقال الشافعي: لا يلزمه الشراء مع الزيادة، قليلة كانت أو كثيرة، لأن عليه ضرراً في الزياة، كخوف اللص.
ولنا: قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ، ولأن ضرر المال دون ضرر النفس، وقد قالوا في المريض: يلزمه الغسل ما لم يخف التلف، فتحمل الضرر اليسير في الماء أحرى.
والجريح والمريض إذا أمكنه غسل البعض، غسل ما أمكنه وتيمم للباقي؛ وهو قول الشافعي.
وقال مالك: إن كان أكثر بدنه صحيحاً غسله ولا يتيمم، وإن كان أكثره جريحاً تيمم ولا غسل عليه، لأن الجمع بين البدل والمبدل منه لا يجب، كالصيام والإطعام.
ولنا: حديث صاحب الشجة، ولأنه من شروط الصلاة، فالعجز عن بعضها لا يسقط جميعها، كالسترة، وما ذكره ينتقض 1سورة النساء آية: 43.

المسح على الحفين، وقياسهم جمع بين البدل والمبدل منه في محل واحد.
وكل ما لا يمكن غسله من الصحيح إلا بانتشار الماء إلى الجريح، حكمه حكم الجريح.
ولا يلزمه أن يمسح على الجرح بالماء إذا أمكنه، سواء كان معصوباً أو لا.
ونص أحمد في المجروح: إذا خاف مَسَحَ موضع الجرح، مسح وغسل ما حوله، لأن المسح بعض الغسل.
ووجه الأولى أنه محل واحد، فلا يجمع بين المسح والتيمم كالجبيرة.
وإذا قلنا: يجب المسح فهل يتيمم؟ على روايتين: إحداهما: لا يتيمم، كالجرح المعصوب عليه، والجبيرة على الكسر.
والثانية: يتيمم، لأن المسح بعض الغسل، فيتيمم للباقي.
والجبيرة الفرض انتقل فيها إلى الحائل فهو كالخفين.
وإذا كان الجريح جنباً، فإن شاء قدم التيمم، وإن شاء أخره، بخلاف المتيمم لعدم ما يكفيه، فإنه يلزمه الغسل أولاً، لأن التيمم للعدم، ولا يتحقق مع وجود الماء، ولأن الجريح يعلم أن التيمم بدل عن غسل الجرح، والعادم لا يعلم القدر الذي تيمم له إلا بعد الغسل.
وإن تيمم الجريح للحدث الأصغر، فذكر القاضي أنه يلزمه الترتيب.
وقال شيخنا: يحتمل أن لا يجب هذا الترتيب، لأن التيمم طهارة مفردة، كما لو كان الجريح جنباً، ولأن فيه حرجاً فيندفع بقوله: ﴿ما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ . 1 وحكى الماوردي عن مذهب الشافعي مثل هذا.
وإن وجد ما يكفي بعض بدنه، لزمه استعماله، وتيمم للباقي إن كان جنباً، نص عليه.
وفيمن وجد ما يكفيه لوضوئه وهو جنب، قال: يتوضأ ويتيمم؛ وهذا قول عطاء وأحد قولي الشافعي، وبه قال الحسن والزهري ومالك وابن المنذر.
والقول الثاني للشافعي: يتيمم ويتركه، لأنه لا يطهره كالمستعمل.
ولنا: قوله: ﴿فلم تجدو ماء﴾ ، 2 وخبر أبي ذرّ: "فإذا وجدته

فأمسّه بشرتك"، وقوله: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
1 فإن وجده المحدث الحدث الأصغر، فقيل: يلزمه لما ذكرنا في الجنب.
والثاني: لا يلزمه، لأن الموالاة شرط فيه؛ والصحيح أنه يلزمه.
والمشهور عن أحمد: اشتراط طلب الماء لصحة التيمم، وهو مذهب الشافعي.
وعنه: لا يشترط، وهو مذهب أبي حنيفة، لقوله: "التراب كافيك ما لم تجد الماء".
ووجه الأولى: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ ، ولا يقال: لم يجد إلا لمن طلب، فأما إن تيقن أن لا ماء فلا يجب الطلب، قولاً واحداً، قاله أبو العباس.
وإن أراق الماء قبل الوقت، تيمم من غير إعادة، وبه قال الشافعي.
وقال الأوزاعي: إن ظن أنه يدرك الماء في الوقت، كقولنا، وإلا تيمم وأعاد لأنه مفرط.
فأما إن إراقه في الوقت، أو مر به فلم يستعمله عمداً، مع أنه لا يرجو وجوده، فقد عصى بذلك، فيتيمم ويصلي.
وفي الإعادة وجهان.
وإن نسي الماء وتيمم، لم يجزئه، نص عليه، وقال: هذا واجد للماء.
وعنه: التوقف في هذه المسألة.
وقال أبو حنيفة وابن المنذر: يجزئه.
وعن مالك كالمذهبين.
وعنه: يعيد ما دام في الوقت.
ويجوز التيمم لجميع الأحداث، وللنجاسة على جرح يضره إزالتها.
و"كان ابن مسعود لا يرى التيمم للجنب".
وقال الثوري وأبو ثور: إذا عجز عن غسل النجاسة على بدنه، مسحها بالتراب وصلى.
وقال أكثر الفقهاء: لا يتيمم للنجاسة، لأن الشرع إنما ورد في الحدث.
ووجه الأولى: قوله: "الصعيد الطيب طهور المسلم"، 2 وقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
3 وإن اجتمع عليه نجاسة وحدث، ومعه ما يكفي أحدهما، قدم غسل النجاسة، نص عليه، ولا نعلم فيه خلافاً.
فإن عدم الماء والتراب، صلى على حسب حاله، وهو

قول الشافعي.
وروي عن أحمد: لا يصلي حتى يقدر على أحدهما، وهو قول أبي حنيفة والثوري.
وقال مالك: لا يصلي ولا يقضي، كالحائض.
قال ابن عبد البر: هذه رواية منكرة عنه.
ولنا: حديث القلادة وفيه: "فصلّوا بغير وضوء، فلم ينكرن ولا أمر بالإعادة".
1 وقياس أبي حنيفة على الحائض في تأخير الصيام لا يصح، لأن الصوم يدخله التأخير، لأن المسافر يؤخره، ولأن عدم الماء لو كان كالحيض لأسقط الصلاة، وقياس الصلاة على جنسها أولى من قياسها على الصوم.
وقياس مالك لا يصح، لمخالفته لقوله: "إذا أمرتكم بأمر، فأتوا منه ما استطعتم".
2 وقياس الطهارة على شرائط الصلاة أولى من قياسها على الحيض، والحيض معتاد، والعجز هنا نادر لأنه يشق إيجاب قضاء المعتاد.
ولا يتيمم إلا بطاهر له غبار يعلق باليد، للآية.
قال ابن عباس: "الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر"، وقال: " ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ ، 3 وما لا غبار له، لا يمسح بشيء منه"، وبه قال الشافعي.
وقال مالك وأبو حنيفة: يجوز بكل ما كان من جنس الأرض، كالنورة والزرنيخ والحجارة.
وقال الأوزاعي: الرمل من الصعيد.
وقال حماد: يتيمم بالرخام، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
ولنا: الأمر بالصعيد، وهو التراب، وقوله: ﴿مِنْهُ﴾ . فأما السبخة، فعنه: يجوز، وقاله الشافعي وابن المنذر، لقوله: "وجُعلت تربتها طهوراً ". وعنه: في النورة والحصى والرمل ونحوه، وعنه: يجوز ذلك مع الاضطرار خاصة، وإن ضرب بيده على لبد أو شعير ونحوه، فعلق به غبار، جاز، نص عليه "لأنه صلى الله عليه وسلم ضرب بيده على الحائط، فمسح بها وجهه ويديه".

وأجاز مالك التيمم بالثلج والحشيش وكل ما تصاعد على وجه الأرض، ومنع من التيمم بغبار اللبد والثوب، لأنه صلى الله عليه وسلم لما ضرب بيديه نفخهما.
ولنا: الآية والنفخ لا يزيل الغبار الملاصق.
وروى الأثرم عن ابن عمر أنه قال: "لا يتيمم بالثلج فإن لم يجد فصفحة فرسه أو معرفة دابته".
فأما التراب النجسن فلا يجوز، لا نعلم فيه خلافاً.
ويجوز أن يتيمم جماعة في موضع واحد بغير خلاف.
وإن كان في الطين، فحكي عن ابن عباس: "أنه يطلي به جسده، فإذا جف تيمم به".
ولا خلاف في وجوب مسح الوجه والكفين، للآية؛ وهذا قول الشافعي، يعني: أنه لا يجزي البعض.
وقال سليمان بن داود: يجزيه إذا لم يصب إلا بعض وجهه.
ولنا: قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾ ، 1 والباء للإلصاق.
والنية شرط للتيمم في قول أكثر أهل العلم، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما حكي عن الأوزاعي والحسن بن صالح.
وإن نوى نفلاً، لم يصلّ إلا نفلاً.
وقال أبو حنيفة: له أن يصلي بها ما يشاء.
ويبطل بخروج الوقت، ووجود الماء، ومبطلات الوضوء.
"روي بطلانه بخروج الوقت عن علي وابن عمر"، وهو قول مالك والشافعي.
وقيل: لا يبطل، وهو مذهب ابن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب الرأي.
ولنا: أنه روي عن علي وابن عمر أنه قال: "يتيمم لكل صلاة".
وأما وجود الماء فلا نعلم فيه خلافاً.
وإن وجده في الصلاة بطلت.
وعنه: لا تبطل، قاله مالك والشافعي وابن المنذر.
وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خلعه، بطل.
والصحيح ما اختاره شيخنا: أنه لا يبطل، وهو قول سائر الفقهاء.
ويجوز التيمم لكل ما يتطهر له.
وقال أبو مجلز: لا يتيمم

إلا لمكتوبة.
وكره الأوزاعي أن يمس المتيمم المصحف.
ولنا: حديث أبي ذر وقوله: "جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً".
1 وإن وجد الماء في الوقت، لم يعد، وهو قول مالك والشافعي.
وقال طاووس وابن سيرين والزهري: يعيد.
ولنا: ما روى أبو داود عن أبي سعيد: "أن رجلين خرجا في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً فصليا.
ثم وجد الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يُعد الآخر.
ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يُعد: أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك.
وقال للذي أعاد: لك أجرك مرتين" 2. واحتج أحمد بـ"أن ابن عمر تيمم وهو يرى بيوت المدينة، فصلى العصر.
ثم دخل المدينة والشمس مرتفعة، فلم يعد".
والمصلي على حسب حاله إذا وجد الماء أو تراباً، خرج منها بكل حال، ويحتمل أن لا يخرج كالمتيمم إذا وجد الماء في الصلاة.
و"يستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء"، وروي عن علي وعطاء والحسن وأصحاب الرأي.
وقال الشافعي في أحد قوليه: التقديم أفضل.
والمسنون عن أحمد: التيمم بضربة واحدة.
قال أحمد: من قال بضربتين إنما هو شيء زاده.
قال الترمذي: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيرهم.
وقال الشافعي: لا يجزئ إلا ضربتان للوجه واليدين إلى المرفقين.
ولنا: حديث عمار، ولأنه حكم علق على مطلق اليد، فلم يدخل فيه الذراع، كقطع يد السارق.
وقد احتج ابن عباس بهذا.
وأما أحاديثهم فضعيفة، لم يرو منها أهل السنن إلا حديث ابن عمر.
وقال أحمد: ليس بصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو عندهم حديث منكر.
وحديث ابن الصمة صحيح، لكن إنما جاء في المتفق عليه: "فمسح وجهه ويديه"، فهو حجة لنا.
ثم أحاديثهم

لا تعارض حديثنا، لأنها تدل على جوازه بضربتين، لا نفي جواز التيمم بضربة، كما أن وضوءه صلى الله عليه وسلم ثلاثاً لا ينفي الإجزاء بمرة.
فإن قيل: روي في حديث عمار: "إلى المرفقين"، قيل: لا يعوّل عليه، إنما رواه سلمة وشك فيه، ذكره النسائي، مع أنه أنكر عليه وخالفه فيه سائر الرواة الثقات.
ولا يختلف المذهب أنه يجزئ بضربة وبضربتين.
وإذا [كان] علا يديه غبار كثير، لم يكره نفخه، لحديث عمار.
وقيل: يُكره.
ولا يجوز لواجد الماء التيمم، خوفاً من فوات المكتوبة ولا الجنازة.
وعنه: يجوز للجنازة.
وعن الأوزاعي والثوري: له التيمم إذا خاف خروج الوقت، وإن خاف فوات العيد فكذلك.
وقال الأوزاعي والثوري: له التيمم.
ووجه الأولى: قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ . 1 و"التيمم لفوات الجنازة يروى عن ابن عمر وابن عباس"، وبه قال إسحاق وأصحاب الرأي.
وقال الشعبي: يصلي عليها من غير وضوء، أشبهت الدعاء في غير الصلاة.
ولنا: قوله: "لا يقبل الله صلاة بغير طهور".
2 ولا يكره للعادم جماع زوجته إذا لم يخف العنت، وفيه رواية: يكره.
قال إسحاق بن راهويه: هو سنة مسنونة عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي ذر وعمار وغيرهما.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": ولا يكره لعادم الماء وطء زوجته، اختاره الشيخ؛ وهو بدل لكل ما يفعله بالماء من الصلاة وغيرها، ولوطء حائض انقطع دمها، وقيل: يحرم الوطء

والحالة هذه، اختاره الشيخ.
وإذا وجد عطشاناً يخاف تلفه، لزمه سقيه وتيمم، جزم به الشيخ.
وقال: يلزمه قبول الماء قرضاً، وكذا ثمنه وله ما يوفيه.
وقال: ولو كان به جرح يخاف من غسله، فمسحه بالماء أولى من مسح الجبيرة.
انتهى.
ولو كان على الجرح عصابة أو لصوق، أجزأ المسح على الصحيح، وعنه: يتيمم معه.
ولو كان الجرح في بعض أعضاء الوضوء لزمه الترتيب.
قال الشيخ: ينبغي أن لا يرتب، وقال: لا يلزمه مراعاة الترتيب، وهو الصحيح من مذهب أحمد وغيره.
وقال: الفصل بين أعضاء الوضوء بتيمم بدعة.
ويجوز التيمم للنجاسة، وفي وجه: لا يجب التيمم لنجاسة البدن مطلقاً، نصره الشيخ.
ولو عدم الماء والتراب، صلى على حسب حاله، ولا يزيد على ما يجزئ.
وقال الشيخ: يتوجه له فعل ما شاء لأنه لا تحريم مع العجز، ولأن له أن يزيد على ما يجزئ في ظاهر قولهم، وقال: له فعل ذلك على أصح القولين.
ولا يتيمم إلا بتراب له غبار، وعنه: بالسبخة، وعنه: وبالرمل أيضاً، اختاره الشيخ.
واختار جواز التيمم بغير تراب من أجزاء الأرض، إذا لم يجد تراباً، وهي رواية عن أحمد.
وأعجب أحمد حمل التراب عند التيمم، وعند الشيخ لا يحمله.
ويبطل بخروج الوقت.
وهو مبيح لا رافع.
وعنه: أنه رافع؛ فيصلي به إلى حدثه، اختاره الشيخ.
وقال في الفتاوى المصرية: التيمم لوقت كل صلاة، إلى أن يدخل وقت الأخرى، أعدل الأقوال.
وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه، ثم خلعه، لم يبطل تيممه، اختاره الشيخ.
واختار فيمن استيقظ آخر الوقت وهو جنب، وخاف إن اغتسل خرج

الوقت، أو نسيها وذكرها آخر الوقت، أن يغتسل أو يتوضأ ويصلي خارج الوقت، كالمذهب.
وإن استيقظ أول الوقت، وخاف إن اشتغل بتحصيل الماء يفوت الوقت، أن يتيمم ولا يفوِّت الوقت.
وإن من أمكنه الذهاب إلى الحمام لكن بفوات الوقت، أن يتيمم ويصلي خارج الحمام، لأن الصلاة في الحمام وخارج الوقت منهي عنها، كمن انتقض وضوءه وهو في المسجد.
واختار أيضاً جواز التيمم من فوات الجمعة، فإنه أولى من الجنازة - إلى أن قال - وعنه: يجوز لجنازة، اختاره الشيخ.
ولو كان الماء لأحدهم لزمه استعماله، وذكر ابن القيم في الهدي: أنه لا يمتنع أن يؤثر بالماء، ويتيمم هو.

باب التيمم

... ولو كان حجة، فالمنطوق راجح عليه.
وهل يعيد إذا قدر على الماء على روايتين.
ومن خرج من المصر إلى أرض من أعماله كالحطاب، ممن لا يمكنه حمل الماء معه لوضوئه، ولا يمكنه الرجوع ليتوضأ إلا بتفويت حاجته، صلى بالتيمم ولا إعادة عليه.
وإن خاف البرد ولم يمكنه استعمال الماء على وجه يأمن الضرر، تيمم في قول أكثر أهل العلم.
وقال الحسن وعطاء: يغتسل وإن مات.
ووجه الأولى قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، 1 ولحديث عمرو بن العاص.
وهل يلزمه الإعادة فيه روايتان: إحداهما: لا تلزم "لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر عمرو بن العاص بالإعادة".
وقال أبو يوسف ومحمد: تجب، كنسيان الطهارة؛ والأول أصح، لأن الناسي لم يأت بما أمر به.
والجريح والمريض إذا خافا تيمما، هذا قول أكثر أهل العلم.
وقال عطاء والحسن: لا يجوز إلا عند عدم الماء.
ولنا: قوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ ، 2 وحديث صاحب الشجة.
واختلفوا في الخوف المبيح، فعن أحمد: لا يبيحه إلا خوف التلف؛ والصحيح الإباحة إذا خاف زيادة المرض أو تباطؤ البرء، لأنه يجوز إذا خاف ذهاب شيء من ماله أو لم يجد الماء إلا بزيادة كثيرة على ثمن المثل، ولأن ترك القيام في الصلاة وتأخير الصوم في المرض لا ينحصر في خوف التلف.
فإن لم يخف الضرر لم يجز.
وحكي عن مالك وداود: إباحته للمريض مطلقاً، لظاهر الآية.
ولنا: أنه قادر عليه من غير ضرر فأشبه الصحيح، والآية اشترط فيها عدم الماء، فلم يتناول محل النزاع على أنه لا بد فيها من إضمار الضرورة، ولا يكون إلا عند الضرورة.
وإن خاف العطش

باب إزالة النجاسة

لا تجوز بغير الماء، وبه قال مالك.
وروي عن أحمد ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر، مزيل للعين والأثر، كالخل وماء الورد؛ وقاله أبو حنيفة، لقوله: "إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم، فليغسلْه سبعاً".
6 ولنا: الأحاديث مثل قوله: "ثم لتنضحْه بماء"، ومثل أمره بذنوب من ماء تصب على البول.
فأما ما لا يزيل، كاللبن والدهن، فلا خلاف أن النجاسة لا تزال به.
ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعاً، إحداهن بالتراب، لا يختلف المذهب في نجاستهما وما توالد منهما، عينه وسؤره وعرقه وكل ما خرج منه؛ وبه قال الشافعي، وبه قال أبو حنيفة في السؤر.
وقال مالك: سؤرهما طاهر.
وقال الزهري: يتوضأ منه إذا لم يجد غيره.
قال مالك: يغسل الإناء تعبداً.
واحتج بعضهم على طهارته بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ ، 7 ولم يأمر بغسل أثر فمه.
ونجاسة الخنزير بالتنبيه لأنه شر منه.
وممن قال: "يغسل سبع مرات": ابن عباس والشافعي وابن المنذر.
وقال عطاء: قد سمعت ثلاثاً وخمساً وسبعاً، وعن أحمد ثمانياً، إحداهن بالتراب، لقوله: "إذا ولغ الكلب في الإناء، فاغسلوه سبعاً، وعفروه الثامنة بالتراب".
8 رواه مسلم.
وحديث أبي هريرة أصح، ويحتمل أنه عدّ التراب ثامنة، جمعاً بينهما.
وإن جعل مكان التراب أشناناً ونحوه، فقيل: لا يجزئ، للأمر بالتراب.
وقيل: بلى، لأنه أبلغ

من التراب.
ويستحب جعله في الأولى، لموافقته لفظ الخبر، وليأت الماء بعده فينظفه.
ومتى غسل به أجزأه، لقوله: "إحداهن بالتراب"، وفي لفظ آخر: "في الثامنة".
وفي سائر النجاسات، ثلاث روايات: إحداهن: يجب سبعاً.
والثانية: ثلاثاً.
والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد، كالنجاسات كلها، إذا كانت على الأرض، لقول ابن عمر: "أُمرنا أن نغسل الأنجاس سبعاً".
والثانية، لحديث القائم من نوم الليل.
والثالثة، قوله لأسماء: "اغسليه بالماء"، 1 ولم يذكر عدداً.
وإذا أصاب ثوب المرأة دم الحيض، استحب أن تحتّه بظفرها لتذهب خشونته، ثم تقرصه بريقها ليلين للغسل، ثم تغسله، لقوله لأسماء: "حتّيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء"، 2 وإن لم يزل لونه، وكانت إزالته تشق أو تضر بالثوب، لقوله: "ولا يضرك أثره".
3 رواه أبو داود.
وإن استعملت شيئاً يزيله كالملح وغيره، فحسن، لحديث الغفارية التي أردفها.
قال الخطابي: فيه من الفقه: جواز استعمال الملح وهو مطعوم في غسل الثوب من الدم.
فعلى هذا، يجوز غسل الثوب بالعسل إذا كان الصابون يفسده، وبالخل إذا أصابه الحبر، والتدلك بالنخالة وغسل الأيدي بها، وبالبطيخ ودقيق الباقلاء وغيرها، مما له قوة الجلاء.
ومتى تنجست الأرض بنجاسة مائعة، أيَّ نجاسة كانت، فطهورها: غمرُها بالماء حتى يذهب لون النجاسة وريحها.
فإن لم يزل إلا بمشقة، سقط ذلك كما قلنا في الثوب، لحديث الأعرابي، ولا نعلم في ذلك خلافاً.
وسئل أحمد عن ماء المطر يصيب الثوب، فلم ير بأساً، إلا أن يكون بيل فيه بعد المطر، وقال: كل ما نزل من السماء إلى الأرض فهو نظيف، داسته الدواب أو لم تدسه.
وقال في الميزاب: إذا كان في الموضع النظيف لا بأس بما قطر عليك من المطر إذا لم تعلم.
قيل: أفأسأل عنه؟ قال: لا.
واحتج في طهارة طين المطر بحديث

الأعرابي، وبـ"أن الصحابة والتابعين يخوضون المطر في الطرقات، فلا يغسلون أرجلهم"، روي عن ابن عمر وعلي.
قال ابن مسعود: "كنا لا نتوضأ من موطئ"، ونحوه عن ابن عباس؛ وهذا قول عوام أهل العلم.
ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا ريح، روي عن ابن المنذر والشافعي في أحد قوليه.
وقال أبو حنيفة ومحمد: تطهر إذا أذهب أثر النجاسة.
وقال أبو قلابة: جفاف الأرض طهورها، لأن ابن عمر روى: "أن الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد، فلم يكونوا يرشّون شيئاً من ذلك".
رواه أبو داود.
ولنا: حديث الأعرابي، وحديث ابن عمر رواه البخاري، ولم يذكر البول ... ولا تطهر الاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن أكل الجلالة وألبانها.
وإذا خفيت النجاسة، لزم غسل ما تيقن به من إزالتها؛ هذا قول مالك والشافعي وابن المنذر.
وقال ابن شبرمة: يتحرى مكان النجاسة فيغسله.
وقال عطاء: إذا خفيت في الثوب، نضحَه كله، لحديث سهل في المذي، فأمر بالتحري والنضح.
ولنا: أنه تيقن المانع من الصلاة، فلم تبح له الصلاة إلا بتيقن، والحديث مخصوص بالمذي لمشقة الاحتراز منه.
ويجزئ في بول الذي لم يأكل الطعام: النضح؛ وهو غمره بالماء وإن لم يزل عنه، ولا يحتاج إلى عصر.
وحكي عن الحسن أن بول الجارية ينضح ما لم تطعم، كالصبي.
وقال الثوري: "يغسلان"، ثم ذكر حديث أم قيس وحديث علي وقال: هذه نصوص صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فاتباعها أولى من القياس، وقوله صلى الله عليه وسلم مقدم على من خالفه.
وإذا تنجس أسفل الحذاء أو الخف، وجب غسله.
وعنه: يجزئ دلكه، وعنه: يغسل من البول والغائط، ويدلك من غيرهما.
والأولى: أن يجزئ الدلك مطلقاً، للأحاديث.
فـ"أما الدم والقيح،

فأكثر أهل العلم يرون العفو عن يسيره"، روي عن ابن عباس وأبي هريرة وغيرهما.
وروي عن الحسن وسليمان التيمي: لا يعفى عنه.
ولنا: قول عائشة: "يكون لإحدانا الدرع فيه تحيض، تم ترى فيه قطرة من الدم، فتقصعه بريقها"، 1 وفي رواية: "تبلّه بريقها، ثم تقصعه بظفرها".
رواه أبو داود.
وهذا يدل على العفو، لأن الريق لا يطهره، ويتنجس به ظفرها.
وهو إخبار عن دوام الفعل؛ ومثل هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم، ولأنه قول مَن سمينا من الصحابة، ولم يعرف لهم مخالف.
والقيح والصديد مثله، إلا أن أحمد قال: هو أسهل.
وقال أبو مجلز في الصديد: إنما ذكر الله الدم المسفوح.
وقال أُميّ بن ربيعة: رأيت طاووساً كان إزاره نطعاً، من قروح كانت برجليه، ونحوه عن مجاهد.
ودم ما لا نفس له سائلة، كالذباب ونحوه، طاهر، لأنه لو كان نجساً لنجس الماء اليسير إذا مات فيه، ولأن الله سبحانه إنما حرم الدم المسفوح.
والأجسام الصقيلة يعفى عن كثير النجاسة فيها بعد المسح.
وعنه: في المذي والقيء وريق البغل والحمار وسباع البهائم والطير، وعرَقها وبول الأخفاش، والنبيذ والمني، أنه كالدم.
وعنه: في المذي يجزئ فيه النضح.
وروى الخلال بإسناده قال: سئل ابن المسيب وعروة وأبو سلمة وسليمان بن يسار عن المذي، فكلهم قال: إنه بمنزلة القرحة، فما علمت منه فاغسله، وما غلبك منه فدعْه.
وعنه: في ريق البغل والحمار وعرَقهما: من يسلم من هذا ممن يركب الحمير؟ وقال الشعبي والحكم: لا بأس ببول الخفافيش، وكذلك الخطاف، لأنه يشق التحرز منه، فإنه كثير في المساجد.
وقال أبو حنيفة: يعفى عن يسير جميع النجاسات.
ولنا: قوله: "تنزّهوا من البول".
وما لا نفس له سائلة، لا ينجس بالموت، ولا ينجس الماء إذا مات فيه، قال ابن

المنذر: لا أعلم في ذلك خلافاً، إلا ما كان من الشافعي في أحد قوليه؛ فإن عنده في تنجيس الماء قولان، فأما الحيوان فهو نجس عنده قولاً واحداً.
ولنا: حديث الذباب والضفدع ينجس بالموت وينجس الماء القليل.
وقال مالك: لا يفسد الماء لأنه يعيش فيه كالسمك.
وسباع البهائم والطير والبغل والحمار نجسة، وعنه: أنها طاهرة.
وسؤر الهر وما دونه في الخلقة طاهر، في قول أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، إلا أبا حنيفة، فإنه كره الوضوء بسؤر الهر؛ فإن فعل أجزأه.
و"رويت كراهته عن ابن عمر ويحيى الأنصاري"، وقال ابن المسيب: يغسل مرة أو مرتين.
وقال طاووس: يغسل سبعاً كالكلب.
ولنا: حديث أبي قتادة، دل بلفظه على نفي الكراهة عن سؤر الهر، وبتعليله على نفي الكراهة عما دونهما مما يطوف علينا.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": لا تزول النجاسة بغير الماء، وعنه: ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر مزيل، اختاره الشيخ.
واختار طهارة شعر الكلب والخنزير.
وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: الثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد، اختاره الشيخ.
واختار إجزاء المسح في المتنجس الذي يضره الغسل، كثياب الحرير والورق، قال: وأصله الخلاف في إزالة النجاسة بغير الماء.
واختار أن الشمس تطهر، وكذا الريح والجفاف.
قال: وإحالة التراب ونحوه للنجاسة كالشمس، وقال: إذا أزالها التراب عن النعل فعن نفسه إذا خالطته أولى.
واختار أيضاً أن الاستحالة تطهر، وأن الجسم الصقيل يطهر بالمسح.
وإذا خفي موضع النجاسة غسل حتى يتيقن، وعند الشيخ: يكفي الظن في غسل المذي وغيره

من النجاسات.
واختار طهارة أسفل الخف والحذاء بالدلك، وأن ذيل المرأة بمروره على طهارة يزيلها، وأن الرِّجل كالخف والحذاء، وأن القيح والصديد طاهر ولم يقم دليل على نجاسته، وأن المذي يجزئ فيه النضح ويصير طاهراً به.
واختار أيضاً: العفو عن يسير جميع النجاسات مطلقاً، في الأطعمة وغيرها، حتى بعر الفأر، وأن تراب الشارع طاهر، ومال إلى طهارة سباع البهائم والطير والبغل والحمار.

باب الحيض

قال أحمد: الحيض يدور على ثلاثة أحاديث: حديث فاطمة، وأم حبيبة، وحمنة، وفي رواية: حديث أم سلمة مكان حديث أم حبيبة.
وهو يوجب البلوغ لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" 1. وحرم وطؤها قبل الغسل، قال ابن المنذر: هذا كالإجماع.
وقال أبو حنيفة: إن انقطع لأكثر الحيض حل وطؤها.
الاستمتاع بما فوق السرة وتحت الركبة جائز بالنص والإجماع، والوطء محرم بهما.
واختلف في الاستمتاع بما بينهما، فذهب إمامنا إلى جوازه، وهو قول عطاء والشعبي والثوري وإسحاق.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا يباح، لحديث: "كان يأمرني فأتّزر ... إلخ" 2. ولنا: قوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ . 3 فتخصيصه يدل على إباحة ما عداه.
ولما نزلت، قال صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا كل شيء غير النكاح".
4 رواه مسلم.
فإن وطئها فعليه نصف دينار كفارة، وعنه: ليس عليه إلا التوبة، لأنه سئل عن الحديث فقيل: في نفسك منه شي؟ قال: نعم.
وإذا استحيضت المعتادة، لم تخل من أربعة أقسام: أحدها: أن لا يكون لها تمييز لكون الدم على صفة واحدة، أو أن الذي يصلح للحيض ينقص عن أقله أو يزيد على أكثره، فهذه تجلس أيام عادتها، ثم تغتسل وتتوضأ لوقت كل صلاة

وتصلي؛ وهذا القول للشافعي.
وقال مالك: لا اعتبار بالعادة، بل بالتمييز؛ فإن لم يكن استظهرت بعد عادتها بثلاثة أيام إن لم تتجاوز خمسة عشر، ثم هي مستحاضة، واحتج بحديث فاطمة.
ولنا: حديث أم سلمة: "أن امرأة تهراق الدماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتنظر عدد الأيام والليالي التي كانت تحيضهن ... إلخ".
1 وروي في حديث فاطمة: "دَعِي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين".
2 متفق عليه.
وفي حديث أم حبيبة: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك".
رواه مسلم.
ولا حجة له في الحديث على ترك العادة في حق من لا تمييز لها.
وإن كان لها عادة وتمييز، فإن كان الدم الذي يصلح للحيض في زمن العادة، فقد اتفقت العادة والتمييز.
وإن كان أكثر من العادة أو أقل، ولم ينقص عن أقل الحيض ولا زاد على أكثره، ففيه روايتان: إحداهما: يقدم التمييز، وهو ظاهر مذهب الشافعي لما ذكرنا من الأدلة.
والثانية: تقدم العادة، وهو قول أكثر الأصحاب، لأنه صلى الله عليه وسلم رد أم حبيبة والتي استفتت لها أم سلمة إلى العادة، ولم يستفصل.
وحديث فاطمة روي فيه أنه ردها إلى العادة أيضاً، فتعارضت روايتاه، وبقيت أحاديثنا لا معارض لها، على أنها قضية في عين يحتمل أنها أخبرته أن لا عادة لها.
وإن نسيت العادة، عملت بالتمييز.
وقال أبو حنيفة: لا اعتبار بالتمييز، لحديث أم سلمة.
ولنا: حديث فاطمة، وحديث أم سلمة يدل على اعتبار العادة، وهذه لا عادة لها.
فإن لم يكن لها تمييز، جلست غالب الحيض من كل شهر، وعنه: أقله، لحديث حمنة: "تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام، ثم اغتسلي".
3 وقال الشافعي: لا حيض لها بيقين، وجميع زمنها مشكوك فيه، تغتسل لكل صلاة وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها.
وعن عائشة: "أن أم حبيبة استحيضت سبع سنين، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم

فقال: إنما ذلك عِرق، فاغتسلي ثم صلي".
1 فكانت تغتسل عند كل صلاة.
متفق عليه.
ولنا: حديث حمنة، وهو بظاهره يثبت الحكم في حق الناسية، لأنه لم يستفصل ولم يسألها عن التمييز، لأن في كلامها من تكثير الدم وصفته ما أغنى عن السؤال، ولم يسألها عن العادة لاستغنائه عن ذلك بعلمه إياه، إذ كان مشتهراً، وقد أمر أختها أم حبيبة، فلم يبق إلا أن تكون ناسية، وأم حبيبة لها عادة لما روى مسلم أنه قال لها: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي"، 2 فكانت تغتسل عند كل صلاة.
فدل على أنها تغتسل لكل صلاة في غير وقت الحيض.
وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها، جلستها من أول كل شهر، لقوله: "تحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله، ثم اغتسلي وصلي"، 3 فقدم حيضها على الطهر، ثم أمرها بالصلاة.
واختار ابن أبي موسى أنها تجلس بالتحري، لأنه ردها إلى اجتهادها في القدر، فكذلك في الوقت، وإن طهرت في أثناء عادتها، اغتسلت وصلّت.
وإن عاودها الدم في العادة، فهل تلتفت إليه؟ على روايتين؛ و"لم يفرق أصحابنا بين قليل الطهر وكثيره"، لقول ابن عباس.
أما من رأت الطهر ساعة فلتغتسل، فإن كان النقاء أقل من ساعة فالظاهر أنه ليس بطهر.
قالت عائشة: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء".
قال أحمد: القصة شيء يتبع الحيضة أبيض، لا يكون فيه صفرة ولا كدرة.
وقال الأزهري: القُصة بضم القاف: القطنة التي تحشوها المرأة، فإذا خرجت بيضاء لا تغير عليها، فهي القصة البيضاء.
وروي عن أحمد: أن النفساء إذا رأت النقاء دون يوم، لا يثبت لها أحكام

الطهارة، قال شيخنا: وهو الصحيح، إن شاء الله، لأن في إيجاب الغسل على من تطهر ساعة بعد ساعة حرج.
وقال أبو حنيفة: ليس النقاء بين الدمين طهراً، ولا يجب عليها فيه صلاة، ولا يأتيها زوجها؛ وهو أحد قولي الشافعي.
ولنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ ، 1 وقال ابن عباس: "إذا رأت الطهر ساعة، فلتغتسل"، وقالت عائشة: "لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء"، ولأنها صامت وهي طاهرة فلم يلزمها القضاء.
وقولهم: إن الدم يجري تارة وينقطع أخرى، قلنا: لا عبرة بالانقطاع اليسير، وإنما إذا وجد انقطاعٌ كثير يمكن فيه الصلاة والصيام.
وإن عاودها الدم في العادة ولم يتجاوزها، ففيه روايتان: إحداهما: أنه من حيضها، وهو مذهب الثوري وأصحاب الرأي.
والثانية: ليس بحيض، فإن تجاوز العادة وعبر أكثر الحيض فليس بحيض.
والصفرة والكدرة في أيام الحيض: حيض، وبعده لا تعتد به، نص عليه؛ وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال أبو يوسف وأبو ثور: لا يكون حيض إلا أن يتقدمه دم أسود، لقول أم عطية: "كنا لا نعدّ الصفرة بعد الغسل شيئاً".
رواه أبو داود.
ولنا: قوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً﴾ ، 2 وهذا يتناول الصفرة والكدرة، ولقول عائشة: "لا تعجلن ... إلخ".
وقول أم عطية إنما يتناولُ ما بعد الطهر والاغتسال، ونحن نقول به، ويدل عليه قول عائشة: "ما كنا نعد الصفرة والكدرة حيضاً"، مع قولها المتقدم.
وروى البخاري بإسناده عن فاطمة عن أسماء قالت: "كنا في حجرها مع بنات بنتها، فكانت إحدانا تطهر ثم تكسر بصفرة يسيرة، فنسألها فتقول: اعتزلن الصلاة حتى لا ترين إلا البياض".
قال القاضي: معناه لا تلتفت إليه قبل التكرار، وقول أسماء فيما إذا تكرر، جمع بين الأخبار.

والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه، وتتوضأ لوقت كل صلاة، وتصلي ما شاءت، وكذا من به سلس البول والمذي والريح، والجريح الذي لا يرقأ دمه، لحديث حمنة وأم سلمة.
ثم إن خرج لرخاوة الشد، أعادت الشد والوضوء، وإن كان لغلبة الخارج لم تبطل الطهارة، لقول عائشة: "اعتكفت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من أزواجه، فكانت ترى الدم والصفرة، والطست تحتها وهي تصلي".
1 رواه البخاري.
وفي لفظ: "وإن قطر الدم على الحصير".
"وصلى عمر وجرحه يثعب دماً".
وقال مالك: لا يجب الوضوء على المستحاضة.
واستحب مالك لمن به سلس البول أن يتوضأ لكل صلاة، إلا أن يؤذيه البرد.
واحتج أحمد بقوله لفاطمة: "فاغتسلي وصلّي"، ولم يأمرها بالوضوء.
ولنا: أن في حديث فاطمة: "وتوضئي لكل صلاة حتى يجيء ذلك الوقت".
2 صححه الترمذي، وفي حديث عدي بن ثابت في المستحاضة: "وتتوضأ عند كل صلاة".
3 رواه أبو داود.
قال أحمد: إنما أمرها أن تتوضأ لكل صلاة، وتصلي بذلك النافلة والصلاة الفائتة، حتى يدخل وقت الأخرى.
وقال الشافعي: لا تجمع بين فرضين بطهارة واحدة، لقوله: "توضئي لكل صلاة".
ولنا: أن في حديث فاطمة: "توضئي لوقت كل صلاة"، وحديثهم محمول على الوقت لقوله صلى الله عليه وسلم: "أينما أدركتك الصلاة فصلِّ"، 4 أي: وقتها، و"لأنه صلى الله عليه وسلم أمر حمنة بالجمع بين الصلاتين بغسل واحد"، وأمر به سهلة، ولم يأمرها بالوضوء.
قال أحمد بن القاسم: سألت أبا عبد الله قلت: إن هؤلاء يتكلمون بكلام كثير ويوقتون بوقت، يقولون: إذا توضأت وقد انقطع الدم ثم سال قبل أن تدخل في الصلاة، تعيد الوضوء.
وإذا تطهرت والدم سائل ثم انقطع قولاً آخر، قال: لست أنظر في انقطاعه حين توضأت، سال الدم

فصول الكتاب · 29 فصل · 783 صفحة
جارٍ التحميل