مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)صفحات 89-128
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الصلاة

صفحات 89-128
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن عبد الوهاب
الكتاب
مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
المؤلف
محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
المحقق
عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
الناشر
مطابع الرياض - الرياض
الطبعة
الأولى
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

كتاب الصلاة ... كتاب الصلاة لا نعلم خلافاً في وجوبها على النائم، بمعنى: أنه يقضيها، لقوله: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلِّها إذا ذكرها ". 1 رواه مسلم.
وكذلك السكران، لأنه إذا وجب بالنوم المباح فبالمحرم أولى.
وحكم المغمى عليه حكم النائم، يروى ذلك عن عمار وغيره.
وعن ابن عمر: "لا يقضي".
وقال مالك والشافعي: لا يقضي إلا أن يفيق في جزء من وقتها.
وقال أصحاب الرأي: إن أغمي عليه أكثر من خمس صلوات، لم يقض شيئاً، وإلا قضى الجميع.
ولنا: أن الإغماء لا يسقط فرض الصيام، ولا تطول مدته غالباً، أشبه النوم، وقياسه على الجنون لا يصح، لأنه تطول مدته ويسقط عنه الصوم، أما المجنون فلا قضاء عليه إلا أن يفيق في وقتها، لا نعلم فيه خلافاً.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": ويقضيها مسلم قبل بلوغ الشرع، وقيل: لا؛ اختاره الشيخ بناء على أن الشرائع لا تلزم إلا بعد العلم.
قال: والوجهان في كل من ترك واجباً قبل بلوغ الشرع، كمن لم يتيمم عند عدم الماء، ولم يزك أو أكل حتى يتبين له الخيط الأبيض من الخيط الأسود، لظنه ذلك، أو لم تصل مستحاضة، ونحوه.
قال: والأصح لا قضاء.
قال في الفروع: ومراده: ولم يقض وإلا أثم، وكذلك من عامل بربا أو نكاح فاسد ثم تبين التحريم.
وتجب على من زال عقله بمحرم، واختار الشيخ عدم الوجوب في ذلك كله، وقال في الفتاوى المصرية: تلزمه

بلا نزاع، وقال: اختار الأكثر أن الردة لا تبطل العمل إلا بالموت عليها.
وقال: شرط الصلاة تقدم الشهادة المسبوقة بالإسلام، فإذا تقرب بالصلاة يكون مسلماً بها وإن كان محدثاً، وعلى هذا عليه أن يعيدها.
انتهى.
وثوابُ صلاة المميز وعمله لنفسه، اختاره الشيخ، وقال بعض الأصحاب: ثوابه لوالديه، وإن بلغ في أثنائها أو بعدها في وقتها، لزمه إعادتها.
وقيل: لا، اختاره الشيخ.
والاشتغال بشرطها على قسمين: قسم لا يحصل إلا بعد زمن طويل، فهذه لا يجوز له تأخيرها.
وقسم يحصل بعد زمن قريب، فأكثر الأصحاب يجوّزونه.
قال الشيخ: وقول بعض الأصحاب: لا يجوز تأخيرها إلا لناوٍ جمعها، أو مشتغل بشرطها، فلم يقله أحد قبله من الأصحاب، بل ولا من سائر طوائف المسلمين، إلا أن يكون بعض أصحاب الشافعي، فهذا أشك فيه.
ولا ريب أنه ليس على عمومه، وإنما أرادوا صوراً معروفة، كما إذا أمكن الواصل إلى البئر أن يصنع حبلاً يستقي به، أو أمكن العريان أن يخيط ثوباً.
ويؤيد ما ذكرنا أن العريان لو أمكنه أن يذهب إلى قرية يشتري ثوباً ولا يصلي إلا بعد الوقت، لا يجوز له التأخير بلا نزاع.
وكذا العاجز عن تعلم التكبير والتشهد الأخير، إذا ضاق الوقت صلى على حسب حاله.
وكذا المستحاضة إذا كان دمها ينقطع بعد الوقت.
انتهى.
وقال الشيخ أيضاً: فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو: أن المقرّ بوجوب الصلاة ودعي إليها ثلاثاً فامتنع، مع تهديده بالقتل فقُتل، هل يموت كافراً أو فاسقاً؟ على قولين: وهذا الفرض باطل ممتنع، ولا يفعله أحد قط.
قلتُ: والعقل يشهد بما قال ويقطع به، وهو عين الصواب الذي لا شك فيه، وأنه لا يقتل إلا كافر.

باب الأذان والإقامة

أجمعت الأمة على أن الأذان والإقامة مشروعة للخمس، ولا يشرعان لغيرها، لأن المقصود منه: الإعلام بوقت المفروضة على الأعيان.
"وليس على النساء أذان ولا إقامة"، قاله ابن عمر وأنس وغيرهما، ولا نعلم من غيرهم خلافهم.
واختلفوا هل يسن لهن ذلك: فعن أحمد: إن فعلن لا بأس.
وعن جابر: أنها تقيم، وبه قال عطاء ومجاهد.
وقال الشافعي: إن أذّنّ وأقمن، فلا بأس، روي عن عائشة: "أنها كانت تؤذن وتقيم".
وعنه: لا يشرع لها.
قال ابن المنذر: الأذان والإقامة واجبان على كل جماعة في الحضر والسفر، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر به مالك بن الحويرث وصاحبه؛ والأمر يقتضي الوجوب، وداوم عليه وأصحابه، ولأنه من شعائر الإسلام الظاهرة.
وظاهر كلام الخرقي أنه غير واجب، وهو قول الشافعي.
وعلى كلا القولين، إن تركهما صحت صلاته، لما روي عن علقمة والأسود قالا: "صلى بنا عبد الله بلا أذان ولا إقامة".
قال شيخنا: لا أعلم أحداً خالف في ذلك، إلا عطاء قال: من نسي الإقامة يعيد، ونحوه عن الأوزاعي.
ومن أوجبه من أصحابنا فعلى أهل المصر، فأما المسافرون فلا يجب عليهم.
وقال مالك: إنما يجب النداء في مساجد الجماعة، ويكفي مؤذن المصر إذا كان يسمعهم، ويجزئ بقيتهم الإقامة.
قال أحمد في الذي يصلي في بيته: يجزيه أذان المصر.
وقال مالك: تكفيه الإقامة، لأنه صلى الله عليه وسلم قال للذي علّمه الصلاة: "إذا أردت

الصلاة فأحسن الوضوء، ثم استقبل القبلة وكبِّر"، 1 وفي لفظ للنسائي: "فأقم ثم كبِّر"، والأفضل لكل مصل أن يؤذن ويقيم.
وإن كان في الوقت في بادية أو نحوها، استحب له الجهر، لحديث أبي سعيد، رفعه: "إذا كنت في غنمك أو باديتك ... إلخ"، 2 "وكان ابن عمر يقيم لكل صلاة، إلا الصبح فإنه يؤذّن ويقيم، ويقول: إنما الأذان على الإمام والأمير الذي يجمع الناس"، وعنه: أنه لا يقيم في أرض تقام فيها الصلاة.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم يؤذّن له حضراً وسفراً، وأمر به مالك بن الحويرث وصاحبه"، وما نقل عن السلف، فالظاهر أنهم أرادوا وحده، كما قال إبراهيم، "والأذان مع ذلك أفضل"، لحديث أبي سعيد وأنس في صاحب المعز.
ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، في أظهر الروايتين، لقوله لعثمان بن أبي العاص: "واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرا"، 3 حسنه الترمذي.
ورخص فيه مالك، ولا نعلم خلافاً في جواز أخذ الرزق، لكن قال الشافعي: لا يرزق إلا من خمس الخمس، سهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وينبغي أن يكون المؤذن صيتاً، لقوله: "ألقه على بلال، فإنه أندى صوتاً منك".
4 والأذان خمس عشرة كلمة، لا ترجيع فيه؛ وبه قال الثوري وإسحاق وابن المنذر.
وقال مالك والشافعي: الأذان المسنون أذان أبي محذورة، وهو كأذان عبد الله بن زيد ويزيد ترجيعاً؛ وهو: أن يذكر الشهادتين مرتين مرتين، يخفض بذلك، ثم يعيدهما رافعاً بهما صوته، إلا أن مالكاً قال: التكبير في أوله مرتان حسبُ، فيكون عنده سبع عشرة، وعند الشافعي تسع عشرة.
واحتجوا بما روى أبو محذورة: "أنه صلى الله عليه وسلم علّمه الأذان، وفيه يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله.
أشهد أن محمداً رسول الله،

أشهد أن محمداً رسول الله.
تخفض بهما صوتك.
ثم ترفع صوتك بالشهادة: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله.
أشهد أن محمداً رسول الله، أشهد أن محمداً رسول الله".
1 ثم ذكر سائر الأذان.
أخرجه مسلم.
واحتج مالك قال: كان الأذان الذي يؤذن به أبو محذورة: "الله أكبر.
الله أكبر.
أشهد أن لا إله إلا الله".
2 رواه مسلم.
ولنا: حديث عبد الله بن زيد، وأقر صلى الله عليه وسلم بلالاً عليه، بعد أذان أبي محذورة.
والإقامة إحدى عشرة، فإن رجّع في الأذان أو ثنى في الإقامة، فلا بأس.
وقال الثوري: الإقامة مثل الأذان، ويزيد: "قد قامت الصلاة" مرتين، لما روى عبد الله بن زيد قال: "كان أذان النبي صلى الله عليه وسلم شفعاً شفعاً في الأذان والإقامة".
3 رواه الترمذي.
وعن أبي محذورة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم علّمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة".
4 قال الترمذي: حسن صحيح.
وقال مالك: الإقامة عشر كلمات، لقوله: "قد قامت الصلاة" مرة، لقول أنس: "أمر بلالاً أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة".
5 ولنا: قول ابن عمر: "إنما كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة، إلا أنه يقول: قد قامت الصلاة.
قد قامت الصلاة".
6 رواه أبو داود والنسائي.
وفي حديث عبد الله بن زيد أنه وصف الإقامة كما ذكرنا، وما احتجوا به من حديث عبد الله بن زيد، رواه عنه ابن أبي ليلى، وقال الترمذي: لم يسمع، وقال: الصحيح مثل ما روينا.
والذي احتج به مالك حجة لنا مجمل فسره ابن عمر، وخبر أبي محذورة متروك بالإجماع، لأن الشافعي لم يعمل به في الإقامة، وأبو حنيفة لم يعمل به في الأذان.
والتثويب في أذان الصبح مستحب، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: التثويب بين الأذان والإقامة: أن يقول: "حي على الصلاة" مرتين، "حيّ

على الفلاح" مرتين.
ولنا: ما روى أبو داود والنسائي عن أبي محذورة قال: "فإن كان في صلاة الصبح، قلت: الصلاة خير من النوم.
الصلاة خير من النوم.
الله أكبر.
الله أكبر.
لا إله إلا الله"، وما ذكروه قال ابن إسحاق: هذا أحدثه الناس، قال الترمذي: هذا التثويب الذي كرهه أهل العلم.
ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان إلا لعذر، قال الترمذي: وعلى هذا العمل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم، ألا يخرج أحد من المسجد بعد الأذان إلا من عذر، ثم ذكر حديث أبي هريرة: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم صلى الله عليه وسلم".
رواه مسلم.
ويستحب أن يترسل في الأذان ويحدر الإقامة.
الترسل: التأني، والحدر: ضده، وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن من السنة أن يؤذن قائماً، فإن أذّن قاعداً لعذر، فلا بأس.
قال الحسن العبدي: "رأيت أبا زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن قاعداً، وكان رجله قد أصيبت في سبيل الله".
رواه الأثرم.
ويجوز على الراحلة، قال ابن المنذر: ثبت "أن ابن عمر كان يؤذن على البعير، فينزل فيقيم"، وبه قال مالك والثوري والأوزاعي، إلا أن مالكاً قال: لا يقيم وهو راكب.
يستحبُّ أن يؤذن متطهراً، لقول أبي هريرة: "لا يؤذن إلا متوضئ"، فإن أذّن محدثاً جاز، لأنه لا يزيد على القراءة، وهو قول الشافعي وأبي حنيفة.
وقال مالك: يؤذّن على غير وضوء، ولا يقيم إلا على وضوء.
وإن أذّن جنباً فروايتان: الإجزاء في قول أكثر أهل العلم.
ويستحب أن يؤذن على موضع عال، لقول الأنصارية: "كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، فكان بلال يأتيني يؤذّن عليه ... إلخ"، لا نعلم خلافاً في استحبابه.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن من السنة أن يستقبل

القبلة بالأذان.
وسئل أحمد: عن الرجل يؤذن وهو يمشي؟ قال: نعم، أمر الأذان عندي سهل.
وسئل: عن المؤذن يمشي وهو يقيم؟ قال: يعجبني أن يفرغ ثم يمشي، فإذا بلغ الحيعلة التفت يميناً وشمالاً ولم يستدر.
وذكر عن أحمد فيمن أذن في المنارة روايتان: إحداهما: لا يدور، للخبر.
والثانية: لا يحصل بدونه، وتحصيل المقصود مع الإخلال بالأدب أولى من العكس، وهذا قول إسحاق.
ويجعل أصبعيه في أذنيه، هذا المشهور عن أحمد، وعليه العمل عند أهل العلم، وكذلك قال الترمذي، لفعل بلال، صححه الترمذي.
وعن أحمد: أحب إلي أن يجعل يديه على أذنيه، على حديث أبي محذورة.
والأول أصح، لصحة الحديث وشهرته، وعمل أهل العلم به.
ويتولاهما معاً، وهو قول الشافعي.
وقال مالك: لا فرق بينه وبين غيره، لأن في حديث عبد الله بن زيد: "لما أذّن بلال، قال لعبد الله: أقم أنت".
ولنا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أخا صدّاء قد أذّن، ومن أذّن فهو يقيم".
1 وما ذكر يدل على الجواز، وهذا على الاستحباب، فإن سبق المؤذن بالأذان فأراد المؤذن أن يقيم، فقال أحمد: له لو أعاد الأذان كما صنع أبو محذورة، فإن أقام بغير إعادة فلا بأس، لما ذكرنا في حديث عبد الله بن زيد.
ويستحب للمؤذن أن يقيم في موضع أذانه، لقول بلال: "لا تسبقني بآمين"، وقول ابن عمر: "كنا إذا سمعنا الإقامة توضأنا".
ولا يقيم إلا بإذن الإمام، لما في حديث الصدّائي: "فجعلت أقول له صلى الله عليه وسلم: أقيم؟ أقيم؟ ". وكره طائفة من أهل العلم: الكلام في أثناء الأذان، قال الأوزاعي: لا نعلم أحداً يقتدَى به فعَله.
ورخص فيه سليمان بن صرد وغيره.
قيل لأحمد: الرجل يتكلم في أذانه؟ قال: نعم، قيل: وفي الإقامة؟ قال: لا.
وعن الزهري: إذا تكلم في الإقامة أعادها، وأكثر أهل العلم على أنه يجزئه، قياساً

على الأذان.
ولا يصح إلا بعد دخول الوقت، إلا الفجر، أما غير الفجر فلا يجزئ بغير خلاف نعلمه.
وأما الفجر فيشرع قبل الوقت، وهو قول مالك والشافعي.
وقال الثوري: لا يجوز.
وقال طائفة من أهل الحديث: إذا كان له مؤذنان: يؤذّن أحدهما قبل طلوع الفجر، والآخر بعده، فلا بأس.
ولنا: حديث الصدائي: "أمره صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل طلوع الفجر".
ويستحب أن يفصل بين الأذان والإقامة بقدر الوضوء وصلاة ركعتين، لقوله لبلال: "اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله ... ". 1 ومن جمع بين صلاتين، أذّن للأولى وأقام للثانية.
وقال مالك: يؤذن ويقيم لكل منهما، وهو مخالف للأحاديث الصحيحة.
فـ"إن كثرت الفوائت، أذن وأقام للأولى، ثم أقام لكل صلاة"، لحديث ابن مسعود في قصة الخندق.
ومن دخل مسجداً قد صُلي فيه، فـ"إن شاء أذّن وأقام، كما فعل أنس"، وإن شاء تركها، وهو قول الحسن والشعبي.
وهل يصح أذان المميز للبالغين؟ على روايتين: إحداهما: "يصح"، وهو قول الشافعي وابن المنذر، لما روي عن عبد الله بن أبي بكر بن أنس.
والثانية: لا يصح، لأنه شرع للإعلام، وهو لا يقبل خبره.
ولا يؤذن قبل الراتب، إلا أن يتأخر، كما أذن زياد حين غاب بلال؛ فأما مع حضوره فلا، لأن مؤذني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن أحد يسبقهم بالأذان.
قال أحمد في الرجل يؤذن في الليل على غير وضوء، فيدخل المنزل ويدع المسجد: أرجو أن يكون موسعاً عليه.
ولكن إذا أذن وهو متوضئ في وقت الصلاة، فلا أرى له أن يخرج من المسجد حتى يصلي، إلا أن يكون لحاجة.
وروي عنه في الذي يؤذن في بيته وبينه وبين المسجد طريق يسمع الناس: أرجو أن لا يكون به بأس.
وقال في رواية الحربي،

فيمن يؤذن في بيته على سطح: معاذ الله، ما سمعنا أن أحداً يفعل هذا؛ فحمل الأول على القريب من المسجد والثاني على البعيد.
و"يستحب اتخاذ المساجد في الدور وتطييبها وتنظيفها"، لحديث عائشة.
و"يستحب تخليقه"، لحديث أنس في النخامة، و"تسريحه"، لحديث ميمونة في بيت المقدس.
"ويباح النوم فيه لفعل ابن عمر، ويباح للمريض، لقصة سعد بن معاذ، ودخول البعير لطوافه صلى الله عليه وسلم عليه".
ولا بأس بالاجتماع فيه والأكل والاستلقاء، لحديث أبي واقد، وفيه: "فأما أحدهما فرأى فرجة ... " الحديث، ولحديث عبد الله بن زيد في الاستلقاء.
ويجوز إنشاد الشعر واللعان فيه، لما روي في ذلك.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": وإذا اتفق أهل بلد على تركهما، قاتلهم الإمام.
وإذا قلنا: إنهما سنة، لم يقاتَلوا، وقيل: بلى؛ اختاره الشيخ.
ولا يجوز أخذ الأجرة عليهما، وقيل: يجوز مع الفقر لا مع الغنى، اختاره الشيخ، قال: وكذا كل قربة، ومال إلى عدم إجزاء أذان القاعد.
ومن جمع بين صلاتين أو قضاء فوائت، أذن للأولى وأقام، ثم أقام لكل صلاة.
وعنه: تجزئ الإقامة لكل صلاة من غير أذان، اختاره الشيخ.
وقال: أما صحة أذان المميز في الجملة وكونه جائزاً إذا أذن غيره فلا خلاف في جوازه، ومن الأصحاب من أطلق الخلاف، والأشبه أن الذي يسقط الفرض عن أهل القرية ويعتمد في وقت الصلاة والصيام، لا يجوز أن يباشره صبي، قولاً واحداً، ولا يسقط الفرض ولا يعتمد في مواقيت الصلاة، وأما الذي هو سنة مؤكدة في مثل المساجد التي في المصر ونحو ذلك، فهذا فيه الروايتان، والصحيح جوازه.
اهـ.

ويستحب إجابة مؤذن ثان وثالث، اختاره الشيخ، وقال: محله إذا كان الأذان مشروعاً، وقال: يجيبه المصلي والمتخلي.
قوله: "وابعثه المقام المحمود".
1 هكذا ورد في لفظ رواه النسائي وغيره، والصحيح التنكير.
ورد ابن القيم الأول من خمسة أوجه.
ولا يجوز الخروج من المسجد بعد الأذان ... إلخ.
قال الشيخ: إلا أن يكون للفجر قبل الوقت، فلا يكره الخروج، نص عليه.

باب شروط الصلاة

أولها: الوقت.
والظهر هي الأولى، ووقتها: من الزوال إلى أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل الزوال.
وقال عطاء: لا تفريط للظهر حتى تدخل الشمس صفرة.
وقال طاووس: وقت الظهر والعصر إلى الليل، وتعجيلها في غير الحر والغيم أفضل، بغير خلاف علمناه.
ويستحب تأخيرها في شدة الحر.
وقال القاضي: إنما يستحب الإبراد بثلاثة شروط: شدة الحر، وأن يكون في البلدان الحارة، ومساجد الجماعات؛ فأما من صلى في مسجد بفناء بيته، فالأفضل تعجيلها، وهذا مذهب الشافعي.
فأما الجمعة، فلم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أخرها، بل كان يعجلها.
ثم العصر، وهي الوسطى في قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.
وأول وقتها: من خروج وقت الظهر.
وقال إسحاق: آخر وقت الظهر أول وقت العصر، يشتركان في قدر الصلاة.
وحكى عن ابن المبارك لما في حديث ابن عباس: "وصلى في المرة الثانية الظهر لوقت العصر بالأمس".
وآخره اختلفت الرواية فيه، فعنه: إذا صار ظل كل شيء مثليه، وهو قول مالك والشافعي، لقوله: "الوقت ما بين هذين".
1 وعنه: "ما لم تصفرّ الشمس"، لحديث ابن عمر.
وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية، فقد صلاها في وقتها، وتعجيلها أفضل بكل حال.
و"روي عن أبي هريرة وابن مسعود أنهما كانا يؤخرانها"، وبه قال أصحاب الرأي.

ثم المغرب، ولا خلاف في دخول وقتها بالغروب.
وآخره: إذا غاب الشفق.
وقال مالك والشافعي في أحد قوليه: ليس لها إلا وقت واحد، "لأن جبرائيل صلاها بالنبي صلى الله عليه وسلم في اليومين لوقت واحد".
1 وعن عطاء: لا تفوت المغرب حتى النهار.
ولنا: حديث بريدة وأبي موسى، رواهما مسلم وقال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق".
2 رواه مسلم.
وهذه نصوص صحيحة لا يجوز مخالفتها بشيء محتمل.
وأحاديثهم محمولة على تأكيد فعلها في أول وقتها، ولو تعارضت وجب النسخ، لأنها في أول فرض الصلاة، وأحاديثنا بالمدينة.
"والشفق: الحمرة"، هذا قول ابن عمر وابن عباس ومالك والشافعي.
و"عن أنس ما يدل على أنه البياض"، اختاره ابن المنذر، لحديث ابن بشير أنه يصلي العشاء لسقوط القمر لثالثة.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "وقت المغرب ما لم يسقط فور الشفق".
3 رواه أبو داود.
وروي: " ثور الشفق"، وفوره: فورانه، وثوره: ثوران حمرته.
وما رووه ليس فيه أنه أول الوقت، ولا نعلم خلافاً في استحباب تعجيلها، إلا ما ذكرنا من اختلافهم في الغيم.
ثم العشاء، ولا خلاف في دخول وقتها بغيبوبة الشفق، وإنما اختلفوا في الشفق.
وآخره: ثلث الليل، لما في حديث جبرائيل وبريدة.
وعنه: نصف الليل، وهو قول المبارك وإسحاق، لما في حديث ابن عمر، رواه مسلم، وفي المتفق عليه من حديث أنس: "أخر صلى الله عليه وسلم العشاء إلى نصف الليل".
4 ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر.
وتأخيرها أفضل، ما لم يشق، اختاره أكثر أهل العلم.
وحكي عن الشافعي: أن الأفضل تقديمها، لقوله: "الأول رضوان الله، والآخر عفو الله".
وعن أم فروة، مرفوعاً: "سئل عن أفضل الأعمال؟ فقال:

الصلاة لأول وقتها".
1 رواه أبو داود.
ولنا: الأحاديث الصحيحة، وأحاديثهم ضعيفة.
أما خبر أول الوقت فيرويه العمري وهو ضعيف، وحديث أم فروة، قال الترمذي: لا يُروى إلا من حديث العمري.
ولو ثبت فهي عامة، وأحاديثنا خاصة.
قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: كم قدر تأخير العشاء؟ قال: يؤخرها بعد أن لا يشق على المأمومين.
وقد ترك النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بتأخيرها، كراهة المشقة.
وروي عنه: "من شق على أمتي، شق الله عليه".
ولا يستحب تسميتها: "العتمة".
"وكان ابن عمر إذا سمع من يقول: "العتمة"، صاح وغضب وقال: إنما هو العِشاء".
ثم الفجر، وتعجيلها أفضل.
وعنه: الاعتبار بحال المأمومي؛: فإن أسفروا فالإسفار أفضل، لفعله صلى الله عليه وسلم في العشاء.
وقال الثوري: الأفضل الإسفار، لقوله: "أسفروا بالفجر ... إلخ".
2 ولنا: الأحاديث الصحيحة، والإسفار في حديثهم: أن ينكشف ضوء الصبح ويتبين، من قولهم: أسفرت المرأة عن وجهها، إذا كشفته.
ومن أدرك ركعة من الصلاة قبل خروج الوقت، فقد أدرك الصلاة، سواء أخرها لعذر كحائض، أو لغيره.
وقال أصحاب الرأي فيمن طلعت الشمس وقد صلى ركعة: تفسد، لأنه قد صار في وقت نهي.
ولنا: المتفق عليه: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس، فقد أدرك الصبح".
3 وإنما نهي عن النافلة بدليل ما قبل الطلوع.
وهل يدرك بدون الركعة؟ فيه روايتان: إحداهما: لا، وهو مذهب مالك، لظاهر الخبر.
والثانية: يدرك بإدراك جزء منها، أي جزء، وهذا قول الشافعي، لقوله: "من أدرك سجدة ... إلخ".
ومتى شك في الوقت، لم يصلّ حتى يتيقن دخوله، أو يغلب على ظنه،

إلا صلاة العصر في الغيم، لحديث بريدة.
قال شيخنا: معناه - والله أعلم -: إذا حل فعلها ليقين أو غلبة ظن، لأن وقتها المختار في الشتاء ضيق.
وإذا سمع الأذان من ثقة عالم بالوقت، فله تقليده، لقوله: "المؤذن مؤتمن".
1 ولم يزل الناس يجتمعون في مساجدهم، ويبنون على قول المؤذن، من غير نكير.
ومن صلى قبل الوقت لم يجز، في قول أكثر أهل العلم.
وعن ابن عباس: "في مسافر صلى الظهر قبل الزوال، يجزئه"، ونحوه قول الحسن والشعبي وعن مالك كقولنا.
وعنه فيمن صلى العشاء قبل مغيب الشفق، جاهلاً أو ناسياً: يعيد في الوقت.
فإن ذهب الوقت قبل علْمه أو ذكره، فلا شيء عليه.
وإن بلغ صبي، أو أسلم كافر، أو طهرت حائض، قبل طلوع الشمس بقدر تكبيرة، لزمهم الصبح.
وإن كان قبل غروب الشمس، لزمهم الظهر والعصر.
و"إن كان قبل طلوع الفجر، لزمهم المغرب والعشاء؛ روي هذا في الحائض عن عبد الرحمن بن عوف وابن عباس".
قال أحمد: عامة التابعين، إلا الحسن وحده قال: لا يجب إلا الصلاة التي تطهرت في وقتها وحدها، وهو قول أصحاب الرأي.
وحكي عن مالك: إن أدركت قدر خمس ركعات من وقت الثانية، وجبت الأولى؛ والقدر الذي يتعلق به الوجوب: قدر تكبيرة الإحرام.
وقال الشافعي: "قدر ركعة، لأنه الذي روي عن عبد الرحمن وابن عباس في الحائض".
فإن أدرك من وقت الأولى من صلاتي الجمع قدراً تجب به، ثم طرأ عليه العذر، ثم زال بعد خروج وقتهما، وجبت الأولى.
وهل يجب قضاء الثانية؟ على روايتين.
ومن فاتته صلوات، لزمه قضاؤها على الفور مرتباً، قلّت أو كثرت.
و"روي عن ابن عمر ما يدل على وجوب الترتيب"، ونحوه عن الزهري ومالك.

وقال الشافعي: لا يجب.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم فاتته أربع صلوات، فقضاهن مرتباً، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي".
1 ولأحمد حديث أبي جمعة: "أنه صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ أخبروه أنه لم يصل العصر، فأمر المؤذن، فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب".
2 وقال مالك وأبو حنيفة: لا يجب الترتيب في أكثر من صلاة يوم وليلة، فإن ذكر أن عليه صلاة وهو في أخرى، والوقت متسع، أتمها وقضى الفائتة، ثم أعاد الصلاة التي كان فيها؛ وهذا قول مالك والليث وإسحق في المأموم.
وعن أحمد في المنفرد روايتان: إحداهما: يقطع الصلاة.
والثانية: يتم، فإن حضرت جماعة في صلاة الحاضرة، فقال أحمد في رواية أبي داود، فيمن عليه صلوات فأدركته الظهر: يصلي مع الإمام الظهر، ويحسبها من الفوائت، ويصلي الظهر في آخر الوقت.
وفيه رواية ثالثة، إذا كثرت الفوائت بحيث لا يتسع لها وقت الحاضرة: أنه يصلي الحاضرة في أول وقتها.
وذكر ابن عقيل فيمن عليه فائتة وخشي فوات الجماعة، روايتين.
ويجب القضاء على الفور، وإن كثرت، ما لم يلحقه مشقة.
ولا يصلي سننها، لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم يوم الخندق.
فإن كانت صلاة واحدة، فلا بأس بقضاء سنتها، "لأنه صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر، صلى سنتها قبلها".
وقال مالك: يبدأ بالمكتوبة.
والأول أولى لما ذكرنا من الحديث.
ومن أسلم في دار الحرب فترك صلاة أو صياماً لا يعلم وجوبه، لزمه قضاؤه.
وقال أبو حنيفة: لا يلزمه.
وإن صلى الحاضرة ناسياً للفائتة، ولم يذكرها حتى فرغ، فليس عليه إعادة.
وقال مالك: يجب الترتيب مع النسيان، لحديث أبي جمعة.
ولنا: قوله: "عُفي لأمتي الخطأ والنسيان".
وحديث أبي جمعة فيه ابن لهيعة.

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": وقال الشيخ: الأشهر عندنا: إنما يكره الإكثار حتى يغلب على الاسم، وإن مثلها في الخلاف تسمية المغرب بالعشاء، يعني: تسمية العشاء العتمة.
وقال: يعمل بقول المؤذن في دخول الوقت، مع إمكان العلم بدخول الوقت، وهو مذهب أحمد وسائر العلماء المعتبرين، كما شهدت به النصوص.
انتهى.
ومن أدرك قدر تكبيرة ... إلخ، وعنه: لا بد أن يمكنه الأداء، اختاره الشيخ.
واختار أنه لا تترتب الأحكام إلا أن يتضايق الوقت عن فعل الصلاة، ثم يوجد المانع، وذكر الخلاف فيما إذا طرأ مانع أو تكليف، هل يعتبر بتكبيرة أو ركعة، واختار بركعة في التكليف.
وقال ابن رجب في شرح البخاري: وقع في كلام طائفة من أصحابنا المتقدمين أنه لا يجزئ فعل الصلاة إذا تركها عمداً، منهم الجوزجاني وأبو محمد البربهاري وابن بطة.

باب ستر العورة

وعورة الرجل والأمة: ما بين السرة والركبة.
وعنه: أنها الفرجان، قال البخاري: حديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط.
وأما الأمة فعورتها: ما بين السرة والركبة، وهو مذهب الشافعي.
وقال الحسن في الأمة إذا تزوجت أو اتخذها الرجل لنفسه: يجب عليها الخمار.
ولنا: "أن عمر نهى الإماء عن التقنع"، واشتهر فلم ينكر.
وذكر أبو الخطاب رواية: أن عورتها: الفرجان، كما ذكر شيخنا في الكتاب المشروح.
والحرة كلها عورة، إلا الوجه.
وفي الكفين روايتان.
أما وجه الحرة فإنه يجوز كشفه في الصلاة، بغير خلاف نعلمه.
وعنه في الكفين: تكشفهما، وهو قول مالك والشافعي، لما روي عن ابن عباس وعائشة في قوله: ﴿إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ : 1 "الوجه والكفين".
وعنه: أنهما من العورة، لقوله صلى الله عليه وسلم: "المرأة عورة".
2 صححه الترمذي.
وقول ابن عباس وعائشة خالفه ابن مسعود فقال: "الثياب وما سوى الوجه والكفين، يجب ستره في الصلاة"، وهو قول مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: القدمان ليسا من العورة، ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ ، 3 وحديث أم سلمة، وفيه: "نعم، إذا كان سابغاً يغطي ظهور قدميها"، وما عدا ما ذكر، فعورة بالإجماع، لقوله: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار".
4

ويستحب أن يصلي في ثوبين، لقول عمر: "إذا وسّع الله عليكم فوسّعوا، صلّى رجل في إزار ورداء ... إلخ".
ولا يجزئ إلا ما ستر العورة عن غيره ونفسه، فلو كان القميص واسع الجيب، يرى عورته إذا ركع أو سجد، لم تصح، لقوله: "ازرره، ولو بشوكة".
ويجب عليه أن يضع على عاتقه شيئاً من اللباس مع القدرة، اختاره ابن المنذر، وأكثر أهل العلم على خلافه.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "لا يصلّ الرجل في الثوب الواحد، ليس على عاتقه منه شيء".
1 رواه مسلم.
وقال القاضي وأبو الخطاب: يجب ستر المنكبين، لقوله: "إذا صلى أحدكم في ثوب واحد، فليخالف بين طرفيه على عاتقيه".
2 صحيح.
و"يستحب للمرأة أن تصلي في درع وخمار وملحفة"، روي ذلك عن عمر وابنه وعائشة.
قال أحمد: اتفق عامتهم على درع وخمار، وما زاد فهو خير وأستر.
ويكره لها النقاب وهي تصلي، قال ابن عبد البر أجمعوا على أن على المرأة أن تكشف وجهها في الصلاة والإحرام.
وإذا انكشف من العورة يسير لا يفحش، لم تبطل.
وقال التميمي: إن بدت وقتاً واستترت وقتاً لم يعد، لحديث عمرو بن سلمة، فلم يشترط اليسير.
ومن لم يجد إلا ثوباً نجساً، صلى فيه، لأن ستر العورة آكد من إزالة النجاسة.
وقال الشافعي: يصلي عرياناً، فإن عدم صلى جالساً يومئ إيماء، وإن صلى قائماً جاز.
وعنه: يصلي قائماً ويسجد بالأرض، وقاله مالك والشافعي وابن المنذر، لقوله: "فإن لم تستطع فقاعداً".
3 ويصلي العراة جماعة، وإمامهم وسطهم، وقال مالك: يصلون أفراداً، ويتباعد بعضهم عن بعض، وإن كانوا في ظلمة صلوا جماعة ويقدمهم إمامهم.
ويكره في الصلاة السدل، وهو أن يطرح على كتفيه ثوباً ولا يرد طرفيه

على الكتف الأخرى، لقول أبي هريرة: "إنه صلى الله عليه وسلم نهى عن السدل في الصلاة".
1 رواه أبو داود.
فإن رد أحد طرفيه على الكتف الأخرى، أو ضم طرفيه بيديه، لم يكره.
وروي عن جابر وابن عمر: "الرخصة في السدل".
قال ابن المنذر: لا أعلم حديثاً يثبت، وحكاه الترمذي عن أحمد.
ويكره اشتمال الصماء، وهو أن يضطبع بثوب ليس عليه غيره.
وعنه: يكره، وإن كان عليه غيره.
و"يكره تغطية الأنف، قياساً على الفم"، روي عن ابن عمر.
وعنه: لا يكره لتخصيص النهي بالفم.
ويكره لف الكم، لقوله: "ولا أكف شعراً ولا ثوباً".
2 ويكره شد الوسط بما يشبه شد الزنار، فأما ما لا يشبه فلا يكره.
قال أحمد: لا بأس به، أليس قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يصلّ أحدكم إلا وهو محتزم".
3؟ وسئل عن: الرجل يصلي وعليه القميص، يأتزر بالمنديل فوقه؟ قال: نعم، "فعل ذلك ابن عمر".
ولا يجوز لبس ما فيه صورة حيوان، لقوله: "لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة".
4 وقيل: لا يحرم، لأن في آخر الخبر: "إلا رقماً في ثوب".
متفق عليه.
و"يكره التصليب في الثوب"، لحديث عائشة.
وإن لبس الحرير لمرض أو حكة، أو في الحرب، أو لبسه الصبي، فعلى روايتين.
و"لا بأس بلبس الخز"، روي عن عمران وأنس وأبي هريرة والحسن بن علي وابن عباس وغيرهم.
ويكره للرجل لبس المزعفر والمعصفر، "فأما الأحمر فقيل: يكره، وهو مذهب ابن عمر".
والصحيح: لا بأس به، لقوله: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء".
5 وحديث رافع في إسناده مجهول، ويحتمل أنها معصفرة، ولو قدر التعارض، فأحاديثنا أصح.

ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": ولا يلزم سترها بالطين، قال الشيخ: وهو الصواب المقطوع به.
وقال: لا يختلف المذهب أن ما بين السرة والركبة من الأمة عورة.
وحكى جماعة أصحابنا أنها السوأتان فقط، وهذا غلط قبيح فاحش، خصوصاً وعلى الشريعة عموماً.
قوله: إلا الوجه، قال الشيخ: التحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة، وهو عورة في باب النظر، إذ لم يجز.
وفي الكفين روايتان: الثانية: ليسا بعورة، اختاره الشيخ.
واختار أن القدمين ليسا بعورة.
ولا يصح نفل آبق، قال الشيخ: بطلان فرضه قوي، ولو غير هيئة مسجد فكغصب.
وإن منعه غيره أو زحمه وصلى مكانه، ففي الصحة وجهان، قال الشيخ: الأقوى البطلان.
وقال الشيخ: يحرم لبس شهرة، وهو ما قصد به الارتفاع، أو إظهار التواضع، لكراهة السلف لذلك.
وحرم أيضاً الإسراف في المباح.
واختار جواز لبس الحرير للكافر.
قال: وعلى قياسه: بيع آنية الذهب والفضة لهم، وإذا جاز بيعها لهم جاز صنعها لبيعها لهم، وعملها لهم بالأجرة، فإذا استوى وما نسج معه فعلى وجهين، قال الشيخ: الأشبه يحرم، لعموم الخبر.
انتهى.
وظاهر كلام المصنف: دخول الخز في الخلاف، والصحيح من المذهب: إباحة الخز، نص عليه.
وفرّق أحمد بأنه لبس الصحابة، وبأنه لا سرف فيه ولا خيلاء.
وقال أبو بكر: يباح العلَم وإن كان مذهّبا، وهو رواية اختارها الشيخ.
وقال: إطالة الذؤابة كثيراً من الإسبال.
وقال: الأفضل مع القميص السراويل، من غير حاجة إلى الإزار والرداء.

باب اجتناب النجاسات

... باب اجتناب النجاسة الطهارة في بدن المصلي وثوبه شرط للصلاة، في قول أكثر أهل العلم.
وروي عن ابن عباس: "ليس على ثوبٍ جنابة"، ونحوه عن أبي مجلز والنخعي.
وسئل سعيد بن جبير عن الرجل يرى في ثوبه الأذى وقد صلى فيه قال: "اقرأ عليَّ الآية التي فيها غسل الثياب".
ولنا: حديث القبرين، وحديث أسماء: "سئل عن ثوب الحائض إذا طهرت تصلي فيه؟ قال: تنظر، فإن رأت فيه دماً فلتقرصه بشيء من ماء، ولتنضح ما لم تره".
1 رواه أبو داود.
فإن حمل صبياً، لم تبطل لحمله أمامة، لأن ما فيه من النجاسة، كالذي في جوف المصلي.
وإنْ طيّن الأرض النجسة، أو بسط عليها شيئاً طاهراً، صحت صلاته مع الكراهة، وهو قول مالك والشافعي.
ولا بأس بالصلاة على الحصير والبسط من الصوف والشعر وسائر الطاهرات، في قول عوام أهل العلم.
وعن جابر: "أنه كره الصلاة على كل شيء من الحيوان، واستحب الصلاة على كل شيء من نبات الأرض"، ونحوه عن مالك، إلا أنه قال في بساط الصوف: إذا كان سجوده على الأرض لم أر بالقيام عليه بأساً.
ومتى وجد عليه نجاسة لا يعلم هل كانت في الصلاة أم لا، صحت.
وإن علم أنها كانت فيها، لكن جهلها أو نسيها، ففيه روايتان: إحداهما: "لا تفسد صلاته"، وهو قول ابن عمر وعطاء وابن المسيب وابن المنذر.
والثانية: يعيد،

وهو قول الشافعي.
وقال مالك: يعيد ما دام في الوقت.
ووجه الأولى: حديث النعلين؛ فإن علم بها في أثناء الصلاة وأمكنه إزالتها من غير عمل كثير، أزالها، وإلا بطلت.
ولا تصح الصلاة في المقبرة والحمام والحش وأعطان الإبل والمغصوب.
وعنه: تصح مع التحريم.
ومذهب الشافعي: الصحة، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً ... إلخ".
1 وأحاديث النهي خاصة تقدم على العموم.
قال أحمد: تُصلى الجمعة في موضع الغصب، يعني: إذا كان الجامع مغصوباً وصلى الإمام فيه، فامتنع الناس، فاتتهم الجمعة، ومن امتنع فاتته.
وقال بعض أصحابنا: "حكم المجزرة والمزبلة وقارعة الطريق وأسطحتها كذلك"، لحديث ابن عمر، رواه ابن ماجة.
والصحيح: جواز الصلاة فيها، وهو قول أكثر أهل العلم، لقوله: "جُعلت لي الأرض مسجداً"، استثنى منه المقبرة والحمام ومعاطن الإبل، بأحاديث صحيحة؛ فيبقى ما عداها على العموم.
فأما أسطحتها، فالصحيح قصر النهي على ما تناوله النص.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": ولو علم أنها كانت في الصلاة، لكن جهلها أو نسيها، فاختار الشيخ: لا يعيد.
ولا يضر قبر ولا قبران، وقيل: يضر، اختاره الشيخ.
وفي الهدي: لو وضع المسجد والقبر معاً، لم يجز ولم تصح الصلاة ولا الوقف.
واختار الشيخ أن الصلاة لا تصح إلى المقبرة والحش.
وعنه: يكره دخول بيعة وكنيسة مع الصور.
وظاهر كلام جماعة: يحرم دخوله معها، قال الشيخ: هي كالمسجد على القبر، قال: وليست ملكاً لأحد، وليس لهم منع من يعبد الله، لأنا صالحناهم عليه.

باب استقبال القبلة

الأصل فيها: قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ 1 أي: نحوه كما أنشدوا: ألا من مبلّغ عمراً رسولا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو أي: نحوه، وتقول العرب: لا تشاطروننا، إذا كانت بيوتهم تقابل بيوتهم.
ولا نعلم خلافاً في إباحة التطوع على الراحلة في السفر الطويل، وأما القصير فتباح فيه أيضاً، وهو مذهب الشافعي.
وقال مالك: لا تباح إلا في الطويل، ولنا: قوله تعالى: ﴿ولله المشرف والمغرب﴾ الآية.
2 قال ابن عمر: "نزلتْ في التطوع خاصة، حيث توجّه بك بعيرك".
ولا تباح للماشي في حال مشيه، قال أحمد: ما أعلم أحداً قال في الماشي يصلي، إلا عطاء.
وعنه: يصلي ماشياً فيفتتح الصلاة إلى القبلة، ثم ينحرف إلى جهة سيره، وهذا مذهب الشافعي، ويركع ويسجد بالأرض.
وإن أمكنه معاينة الكعبة، ففرضه الصلاة إلى عينها، لا نعلم فيه خلافاً.
قال أحمد: ما بين المشرق والمغرب قبلة، يعني: فمن بعد، فإن انحرف قليلاً لم يعدّ.
وقال الشافعي في أحد قوليه: فرضه إصابة العين.

باب النية

لا تنعقد الصلاة إلا بها لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ 1. والإخلاص عمل القلب، وهو أن يقصد بعمله الله تعالى وحده دون غيره، وينوي الأداء في الحاضرة والقضاء في الفائتة؛ وهل يجب ذلك؟ على وجهين.
ويأتي بالنية عند تكبيرة الإحرام، فإن تقدمت بزمن يسير جاز.
وقال الشافعي وابن المنذر: يشترط مقارنتها للتكبيرة، للآية المتقدمة، أي: مخلصين حال العبادة.
وإن أحرم منفرداً ثم نوى الائتمام، لم يصح في أصح الروايتين.
وإن نوى الإمامة صح في النفل ولم يصح في الفرض، ويحتمل أن يصح وهو أصح عندي، لأنه ثبت في النفل بحديث ابن عباس، والأصل المساواة.
ومما يقويه حديث جابر وجبار في الفرض.
وإن أحرم مأموماً ثم نوى الانفراد لعذر، جاز، لقصة معاذ.
و"إذا سبق الإمام الحدثُ، فله أن يستخلف من يتم بهم الصلاة"، روي ذلك عن عمر وعلي، وهو قول الشافعي.
فإن لم يستخلف وصلّوا وحداناً، جاز، لحديث معاوية.
قال الزهري في إمام ينوبه الدم أو يرعف: ينصرف، وليقلْ: أتموا صلاتكم.
فإن فعل ما يفسدها عامداً بطلت صلاتهم، وإن كان عن غير عمد لم تفسد صلاتهم.
وأما هو إذا سبقه الحدث فيستأنفها، لحديث

علي بن طلق: "إذا فسا أحدكم في صلاته، فلينصرف فليتوضأ، وليعِد صلاته".
1 رواه أبو داود.
وعنه: "يتوضأ ويبني"، روي عن ابن عمر وابن عباس.
وعنه: إن كان الحدث من السبيلين ابتدأ، وإن كان من غيرهما بنى، لأن الأثر إنما ورد في غيرهما.
وإن أحرم إمام لغيبة إمام الحي، ثم حضر الإمام في أثناء الصلاة فأحرم بهم وبنى على صلاة خليفته، وصار الإمام مأموماً، فهل يصح؟ على وجهين: روي عنه فيها ثلاث روايات: إحداهن: يصح، لحديث سهل، وما فعله صلى الله عليه وسلم جائز لأمته، ما لم يقم دليل الاختصاص.
وعنه: يجوز للخليفة دون بقية الأئمة.
وعنه: لا يصح لاحتمال الاختصاص، ولهذا قال أبو بكر: "ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم".
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": فإن تقدمت بالزمن اليسير، جاز، وقيل: وبطوله ما لم يفسخها، اختاره الشيخ.
وقال: يحرم خروجه لشكه في النية، للعلم بأنه ما دخل إلا بالنية.
وإذا أحرم منفرداً ثم نوى الإمامة صح في النفل، واختاره الشيخ في الفرض والنفل.
وإن عين إماماً فأخطأ لم يصح، وإن عين جنازة فأخطأ فوجهان.
وقال الشيخ: إن عين وقصده خلف من حضر وعلى من حضر صح وإلا فلا، ولو لم يستخلف الإمام وصلّوا وحداناً صح.
واحتج أحمد بأن معاوية 2 لما طعن صلّوا وحداناً.
قال المجد: لا تختلف الرواية عن أحمد: "أنه صلى الله عليه وسلم لما خرج في مرضه بعد دخول أبي بكر في الصلاة، أنه كان إماماً لأبي بكر، وأبو بكر كان إماماً للناس" 3.

باب صفة الصلاة

ومن هنا نقلته من المغني: ويستحب أن يقبل إليها بخوف وخشوع، وعليه السكينة والوقار.
وإن سمع الإقامة لم يسعَ إليها، قال أحمد: لا بأس إذا طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئاً ما لم تكن عجلة تقبح، هكذا جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ويستحب أن يقارب بين خطاه لتكثر حسناته، لحديث زيد بن ثابت.
ويكره أن يشبك بين أصابعه، لحديث كعب بن عجرة.
ويستحب أن يقول ما روى ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى الصلاة وهو يقول: اللهم اجعل في قلبي نوراً، وفي لساني نوراً.
واجعل في سمعي نوراً.
واجعل في بصري نوراً.
واجعل من خلفي نوراً، ومن أمامي نوراً.
واجعل من فوقي نوراً، ومن تحتي نوراً.
وأعطني نوراً" 1. رواه مسلم.
وإذا دخل المسجد قدّم رجله اليمنى، وقال ما رواه مسلم عن أبي حميد - أو أبي أسيد - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فليقلْ: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج قال: اللهم إني أسألك من فضلك".
2 ولا يجلس حتى يصلي ركعتين، لحديث أبي قتادة.
وإذا أقيمت الصلاة لم يشتغل بنافلة، سواء خشي فوات الركعة الأولى أو لم يخش، وبه قال الشافعي.
وعن ابن مسعود: "أنه دخل والإمام في صلاة

الصبح، فركع ركعتي الفجر"، وهذا مذهب الحسن ومجاهد.
وقال مالك: إن لم يخف فوات الركعة، ركعهما خارج المسجد.
وقال أبو حنيفة: يركعهما، إلا أن يخاف فوات الركعة الأخيرة.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة".
1 رواه مسلم.
قال ابن عبد البر في هذه المسألة: الحجة عند التنازع: السنة؛ فمن أدلى بها فقد أفلح، ومن استعملها فقد نجا.
انتهى.
وإن أقيمت وهو في النافلة ولم يخش فوات الجماعة، أتمها.
وقيل لأحمد: تقول قبل التكبير شيئاً؟ قال: لا.
يعني: ليس قبله دعاء مسنون.
ويستحب أن يقوم عند قوله: "قد قامت الصلاة"؛ وبه قال مالك.
وقال الشافعي: إذا فرغ من الإقامة.
وكان الزهري وغيره يقومون عند بدئه في الإقامة.
وقال أبو حنيفة: يقوم إذا قال: "حيّ على الصلاة"، فإذا قال: "قد قامت الصلاة"، كبّر.
وكان أصحاب عبد الله يكبّرون إذا قال المؤذن: "قد قامت الصلاة"، واحتجوا بقول بلال: "لا تسبقني بآمين"، فدل على أنه يكبّر قبل فراغه.
ولا يستحب عندنا أن يكبّر إلا بعد فراغه، وهو قول الشافعي وأبي يوسف، وعليه جمهور أئمة الأمصار.
وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم يكبر بعد فراغه، يدل على أنه كان يعدل الصفوف بعد الإقامة، كما في حديث أنس وغيره: "أُقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ... إلخ " 2. ويقول في الإقامة مثل قول المؤذن، لما روى أبو داود: "أن بلالاً لما قال: قد قامت الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: أقامها الله وأدامها "، 3 وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان.
فأما أحاديثهم فإن بلالاً كان يقيم في موضع أذانه، وإلا فليس في الفراغ منها ما يفوت آمين، وإنما

كانوا يقومون إذا كان الإمام في المسجد أو قريباً منه.
قال أحمد: أذهب إلى حديث أبي هريرة: "خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أقمنا الصفوف"، إسناده جيد: الزهري عن أبي سلمة عنه.
وفي لفظ:"ينبغي أن تقام الصفوف قبل أن يدخل الإمام"، فلا يحتاج أن يقف.
ويستحب للإمام تسوية الصفوف، فليلتفت عن يمينه فيقول: استووا رحمكم الله، وعن يساره كذلك.
ولا تنعقد إلا بقول: "الله أكبر"، وعليه عوام أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: تنعقد بكل اسم لله على وجه التعظيم، وهذا يخالف الأخبار.
وتكبيرة الإحرام ركن، لا تسقط عمداً ولا سهواً، وهذا قول مالك والشافعي.
وعن الحكم والأوزاعي: من نسيها، كفاه تكبيرة الركوع.
ويستحب للإمام الجهر بالتكبير ليسمع من خلفه، لحديث جابر: "فإذا كبّر رسول الله، كبّر أبو بكر ليسمعنا".
1 فإن مدّ ألف "الله" بحيث يجعله استفهاماً، أو باء "أكبر" بحيث يصير جمع كبر وهو الطبل، لم يجز.
ولا يجزيه التكبيرة بغير العربية، وقال أبو حنيفة: يجزيه، لقوله: ﴿وذكر اسم ربه فصلى﴾ . 2 وعليه أن يأتي بالتكبير قائماً، فإن انحنى بحيث يصير راكعاً لم تنعقد.
ولا يكبر حتى يفرغ إمامه من التكبير، وقال أبو حنيفة: يكبّر معه.
ولا نعلم خلافاً في استحباب رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، وهو مخير في رفعهما إلى فروع أذنيه أو حذو منكبيه؛ وميل أحمد إليه أكثر، لأن رواته أكثر وأقرب إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وجوّز الأول لأن صحة روايته تدل على أنه فعله.

ويمد أصابعه ويضم بعضها إلى بعض، لحديث: "رفع يديه مداً".
وقال الشافعي: يفرق أصابعه، لحديث: "كان ينشر أصابعه للتكبير".
ولنا: ما ذكرنا، وحديثهم: قال الترمذي: هذا خطأ، ولو صح فمعناه المد، قال أحمد: أهل العربية قالوا: هذا الضم، وضم أصابعه وهذا المد، ومد أصابعه وهذا التفريق، وفرق أصابعه.
وإن كانت يداه في ثوبه رفعهما بحيث يمكن، لحديث وائل ابن حجر.
وفي المرأة روايتان: فروى عن أم الدرداء وحفصة بنت سيرين أنهما يرفعان، قال أحمد: رفع دون رفع.
ومن سننها: وضع اليمنى على اليسرى في قول كثير من أهل العلم.
و"يستحب أن يضعها على كوعه وما يقاربه"، لحديث وائل، و"يضعهما تحت السرة"، لحديث علي، وعنه: فوق السرة، لحديث وائل، وفيه: "فوضع يديه على صدره".
والاستفتاح من سننها في قول أكثر أهل العلم.
وكان مالك لا يراه، لحديث أنس: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يستفتحون الصلاة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يستفتح"، وعمل به الصحابة.
و"كان عمر يجهر به ليعلمه الناس".
و"أنس أراد القراءة كما في قوله: قسمت الصلاة ... إلخ"، وقولُ عائشة: "كان يفتتح الصلاة بالتكبير والقراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ". 1 ويتعين هذا لأنه ثبت عن الذي روى عنهم أنس الاستفتاح.
وذهب أحمد إلى قوله: "سبحانك اللهم وبحمدك.
.. إلخ"، 2 وقال: إن استفتح بغيره مما روي عنه صلى الله عليه وسلم كان حسناً؛ وهذا قول أكثر أهل العلم.
وذهب الشافعي إلى حديث علي: "وجهت وجهي ... إلخ"، وبعض رواته يقول في صلاة الليل، ولا نعلم أحدًا يستفتح به كله.
وقراءة "الفاتحة" ركن لا تصح إلا بها لحديث عبادة.
ويبتدئها بالبسملة، في قول

أكثر أهل العلم.
وقال مالك: "لا يقرأها"، لحديث أنس وابن المغفل؛ وهما محمولان على ترك الجهر، جمعاً بين الأخبار.
والجهر بها غير مسنون، قال الترمذي: وعليه العمل عند أكثر أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم من التابعين.
وقال الشافعي: يجهر بها.
ولنا: حديث أنس وابن المغفل وعائشة وغيرهم، وأخبار الجهر ضعيفة، فإن رواتها هم رواة الإخفاء، وإسناد الإخفاء صحيح.
واختلفت الرواية عن أحمد، هل هي آية من "الفاتحة" تجب قراءتها أو لا؟ وعنه: أنها آية مفردة تنزل بين كل سورتين.
والمستحب أن يأتي بها مرتلة معربة، يقف عند كل آية، لقوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ ، 1 ولحديث أم سلمة وأنس.
قال أحمد: يعجبني من قراءة القرآن السهلة، [وقال:] 2 قوله: "زينوا القرآن بأصواتكم" قال: يحسّنه بصوته من غير تكلف.
وتجب قراءة "الفاتحة" في كل ركعة، وهو مذهب مالك والشافعي.
وعن أحمد أنها لا تجب إلا في ركعتين من الصلاة، ونحوه عن الثوري.
وعن الحسن: إن قرأ في ركعة واحدة أجزأه، لقوله: ﴿فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ . 3 ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الأوليين من الظهر بأم الكتاب وسورتين، ويطولّ الأولى ويقصر الثانية، ويسمع الآية أحياناً، وفي الركعتين الأخريين بأم الكتاب".
4 متفق عليه.
وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي".
5 فإن لم يحسن "الفاتحة"، وكان يحفظ غيرها من القرآن، قرأ منه بقدرها، لا يجزئه غير، لقوله في حديث رفاعة: "فإن كان معك قرآن فاقرأ به، وإلا فاحمد الله وهلِّله وكبره".
6

فإن لم يحسن شيئاً من القرآن ولا أمكنه التعلم قبل خروج الوقت، لزمه أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لحديث أبي داود؛ ويحتمل أن يجزئه الحمد والتهليل والتكبير، للحديث المتقدم.
والتأمين عند فراغ "الفاتحة" سنة للإمام والمأموم، وبه قال الشافعي.
وقال أصحاب مالك: لا يسن للإمام، لحديث: "إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا آمين ". 1 ولنا: قوله: " إذا أمّن الإمام فأمّنوا".
2 متفق عليه، وحديثهم لا حجة فيه، وإنما فيه تعريف موضع التأمين، وقوله: "إذا أمّن الإمام" أي: شرع في التأمين.
ويسن أن يجهر به الإمام والمأموم فيما يجهر فيه، وإخفاؤه فيما يخفى فيه.
وقال أبو حنيفة: يسن إخفاؤه لأنه دعاء.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم قال: "آمين"، ورفع بها صوته"، 3 ولأنه أمر بالتأمين عند تأمين الإمام، وما ذكره يبطل بآخر "الفاتحة" فإنه دعاء.
ويستحب أن يسكت الإمام عقيب "الفاتحة" سكتة يستريح فيها، وكرهه مالك، ولنا: حديث سمرة.
ولا نعلم خلافاً في أنه يسن قراءة سورة مع "الفاتحة" في الأوليين، ويفتتح السورة بالبسملة.
ووافق مالك على هذا، والخلاف هنا كالخلاف في البسملة في أول "الفاتحة".
ولا يكره قراءة أواخر السور وأواسطها، ونقل عنه: الرجل يقرأ من أواسط السور وآخرها؛ قال: أما آخرها فأرجو، وأما أوسطها فلا.
ولعله ذهب في آخر السور إلى ما روي عن عبد الله وأصحابه، ولم ينقل مثله في أوسطها.
فأما أوائل السور، فلا خلاف أنه غير مكروه؛ "فإنه صلى الله عليه وسلم قرأ من "المؤمنين" إلى ذكر موسى وهارون، ثم أخذته سعلة فركع، وقرأ سورة "الأعراف" في المغرب، فرقها مرتين".
4 رواه النسائي.

ولا بأس بالجمع بين السور في النافلة، وأما الفرض فالمستحب الاقتصار على سورة، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي هكذا.
وإن جمع بين سورتين ففيه روايتان.
وإن قرأ سورة ثم أعادها في الثانية، فلا بأس، لحديث الجهني رواه أبو داود.
والمستحب أن يقرأ في الثانية سورة بعد التي قبلها في النظم، لأنه هو المنقول عنه صلى الله عليه وسلم.
وروي عن ابن مسعود: "أنه سئل عمن يقرأ القرآن منكوساً، قال: ذاك منكوس القلب"، فسره أبو عبيد: بأن يقرأ سورة ثم يقرأ بعدها أخرى هي قبلها في النظم؛ فإن قرأ بخلاف ذلك فلا بأس، قال أحمد: أليس يعلّم الصبي على هذا؟ "وقرأ الأحنف بـ"الكهف" في الأولى، وفي الثانية بـ"يوسف"، وذكر أنه صلى مع عمر الصبح بهما"، استشهد به البخاري.
قال أحمد: إذا فرغ من القراءة ثبت قائماً حتى يرجع إليه نفسه، جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان له سكتتان سكتة عند افتتاح الصلاة وسكتة إذا فرغ من القراءة" 1. والركوع واجب بالإجماع، وأكثرهم يرون ابتداءه بالتكبير، وأن يكبر في كل رفع وخفض.
وروي عن سالم والقاسم وغيرهما أنهم لا يتمون التكبير، ولعلهم يحتجون أنه لم يعلمه المسيء في صلاته، أو لم تبلغهم السنة في ذلك.
ويرفع يديه كرفعه الأول، وبه قال الشافعي ومالك.
وقال الثوري وأبو حنيفة: لا يرفع يديه إلا في الافتتاح.
ويستحب للراكع أن يضع يديه على ركبتيه، وذهب قوم من السلف إلى التطبيق؛ وكان في أول الإسلام ثم نسخ.
قال أحمد: ينبغي إذا ركع أن يلقم راحتيه ركبتيه، ويفرق بين أصابعه، ويعتمد على ضبعيه وساعديه، ويسوي ظهره، ولا يرفع رأسه ولا ينكسه، جاء الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم:

"إذا ركع، لو كان قدح ماء على ظهره ما تحرك".
ويستحب أن يجافي عضديه عن جنبيه، لحديث أبي حميد.
ويجب أن يطمئن، وقال أبو حنيفة: الطمأنينة غير واجبة، لقوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ ، 1 وهي حجة لنا لأنه صلى الله عليه وسلم فسرها بفعله.
وقوله: [ويقول:] 2 "سبحان ربي العظيم".
ثلاثاً؛ وإن قالها مرة أجزأ.
وجملة ذلك أنه يشرع أن يقول في ركوعه: "سبحان ربي العظيم"، وبه قال الشافعي وأصحاب الرأي.
وقال مالك: ليس عندنا في الركوع والسجود شيء محدود، وقد سمعت أن التسبيح في الركوع والسجود.
ولنا: حديث عقبة بن عامر.
وتجزئ تسبيحة واحدة، لأمره به في حديث عقبة، ولم يذكر عدداً.
وإن قال: "سبحان ربي العظيم وبحمده" فلا بأس، قال أحمد: جاء هذا وهذا، وهو في بعض طرق حديث حذيفة.
والمشهور عن أحمد أن التكبير والتسبيح وقول: "سمع الله لمن حمده"، وقول: "ربنا ولك الحمد"، وقول: "رب اغفر لي"، والتشهد الأول، واجب.
وعنه: أنه غير واجب، وهو قول الأكثر.
ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم أمر به، وأمْره للوجوب، وفعله وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، 3 وأيضاً ما روى أبو داود عن علي بن يحيى بن خلاد عن عمه، مرفوعاً: "لا تتم الصلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ"، 4 إلى قوله: "ثم يكبر، ثم يركع حتى تطمئن مفاصله" 5 الحديث.
و"يكره أن يقرأ في الركوع والسجود"، لحديث علي.
ومن أدرك الإمام في الركوع أدرك الركعة، وعليه أن يأتي بالتكبير

منتصباً، ثم يأتي بتكبيرة أخرى للركوع، والمنصوص عن أحمد أنها تسقط هنا.
و"يجزئه تكبيرة واحدة، لأنه نقل عن زيد بن ثابت وابن عمر"، ولا يعرف لهما مخالف.
قال أحمد في رواية صالح فيمن جاء والإمام راكع: كبر تكبيرة واحدة، قيل: إن نوى بها الافتتاح؟ قال: نوى أو لم ينو، أليس قد جاء وهو يريد الصلاة؟ وقال أحمد: إن كبر تكبيرتين ليس فيه اختلاف.
ويستحب لمن أدرك الإمام في حال، متابعته فيه، وإن لم يعتدَّ له به، لحديث أبي هريرة، مرفوعاً: "إذا جئتم [إلى الصلاة] 1 ونحن سجود فاسجدوا، ولا تعتدّوها شيئاً".
رواه أبو داود؛ والعمل على هذا عند أهل العلم.
وقال بعضهم: لعله لا يرفع رأسه من السجود حتى يغفر له.
ثم يقول: "سمع الله لمن حمده" ويرفع يديه كرفعه الأول.
وفي موضع الرفع روايتان: إحداهما: بعد اعتداله، لأن في حديث ابن عمر: "إذا افتتح رفع يديه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه من الركوع".
2 والثانية: يبتدئه حين يبتدئ رفع رأسه، لظاهر حديث أبي حميد.
ولا تختلف الرواية أن المأموم يبتدئه عند رفع رأسه، لأنه ليس في حقه ذكر بعد الاعتدال والرفع، إنما جعل هيئة للذكر.
وهذا الرفع والاعتدال واجب، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة وبعض أصحاب مالك: لا يجب، لأن الله لم يأمر به.
ولنا: أنه أمر به المسيء، وداوم على فعله، وقد أمر الله بالقيام، وهذا قيام.
وشرع قول: "ربنا ولك الحمد" في حق كل مصلّ، وهو قول أكثر أهل العلم.
وعنه: لا يقوله المنفرد، لأن الخبر لم يرد به في حقه.
وقال مالك: لا يشرع للإمام ولا للمنفرد، لقوله: "إذا قال الإمام: "سمع الله لمن حمده"، فقولوا: "اللهم ربنا ولك الحمد"".
3 ولنا: أن أبا هريرة صرَّح بذكره في الرواية الأخرى، وحديثهم لو انفرد لم يكن فيه حجة، فكيف تترك الأحاديث الصحيحة؟

والصحيح أن المنفرد يقوله، وصح أنه صلى الله عليه وسلم يقوله، رواه أبو هريرة وغيره، ولم تفرق الرواة بين كونه إماماً ومنفرداً.
والسنة أن يقول: "ربنا ولك الحمد"، وعنه: "ربنا لك الحمد".
وقال الشافعي: هو السنة، لأنه ليس هنا شيء يعطف عليه.
ولنا: أن السنة: الاقتداء به صلى الله عليه وسلم، ولأن الواو تتضمن الحمد مقدراً ومظهراً، أي: ربنا حمدناك ولك الحمد؛ وكل ذلك حسن، لأن الكل قد وردت به السنة.
ولا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يشرع للمأموم التسميع.
وقال الشافعي: يقوله كالإمام.
ولنا: قوله: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده" الحديث.
وأما قوله: "ملء السماء ... إلخ"، فنص أحمد أنه لا يسن للمأموم، لأنه اقتصر على أمرهم بالتحميد.
وعنه: ما يدل على أنه سنّة، وهو مذهب الشافعي.
ونقل أبو الحارث: إن شاء قال: "أهل الثناء والمجد ... إلخ".
وعنه: أما أنا فأقول هذا إلى "ما شئت من شيء بعد"، فظاهره: لا يستحب في الفريضة، عملاً بأكثر الأحاديث الصحيحة.
ثم يكبر للسجود ولا يرفع يديه، وعنه: يرفع، لقوله: "في كل خفض"، والصحيح الأول، لقول ابن عمر: "ولا يفعل ذلك في السجود".
ويكون أول ما يقع ركبتاه، ثم يداه، ثم جبهته وأنفه.
وعنه: أنه يضع يديه قبل ركبتيه، وإليه ذهب مالك، لقوله: "فليضعْ يديه قبل ركبتيه ... إلخ" 1. ولنا: حديث وائل، قال الخطابي: هو أصح من حديث أبي هريرة.
وروى الأثرم حديث أبي هريرة: "ليبدأ بركبتيه قبل يديه، ولا يبرك بروك الفحل".
والسجود على هذه الأعضاء واجب إلا الأنف، وقال مالك: لا يجب السجود على غير الجبهة، لقوله: "سجد وجهي ... إلخ".
ولنا: قوله: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ... إلخ"، 2 وسجود الوجه لا ينفي سجود ما عداه.
وأما الأنف ففيه روايتان:

إحداهما: يجب، لأن في حديث الجبهة: "وأشار بيده إلى أنفه".
متفق عليه.
وفي لفظ للنسائي: "أُمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة والأنف ... " 1 الحديث.
والثانية: لا يجب، وهو قول الشافعي، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكره.
وعن أبي حنيفة إن سجد على أنفه دون جبهته أجزأ، قال ابن المنذر لا أعلم أحداً سبقه إلى هذا؛ وهذا يخالف الحديث والإجماع الذي قبله.
ولا يجب مباشرة المصلى بشيء منها، وهو مذهب مالك، وعنه: ما يحتمل المنع في الجبهة وهو مذهب الشافعي، لحديث: "شكونا إليه حر الرمضاء، فلم يشكنا".
2 ولنا: حديث أنس: "كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم، فيضع أحدنا طرف الثوب من شدة الحر في مكان السجود".
3 متفق عليه.
والحديث الأول الظاهر أنهم طلبوا تأخير الصلاة أو تسقيف المسجد أو نحو ذلك، لأن الفقراء لم يكن لهم يومئذ عمائم ولا أكمام يتقون بها حر الشمس.
ويستحب مباشرة المصلى بالجبهة واليدين، قال أحمد: لا يعجبني إلا في الحر والبرد.
"وكان ابن عمر يكره السجود على كور العمامة".
ويكون في السجود معتدلاً، قال الترمذي: أهل العلم يختارون الاعتدال في السجود.
وعن جابر، رفعه: "إذا سجد أحدكم فليعتدلْ، ولا يفترش ذراعيه افتراش الكلب".
4 والافتراش: أن يضع ذراعيه على الأرض كما تفعل السباع.
ومن السنة أن يجافي عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه، قال أحمد: جاء عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه كان إذا سجد لو مرت بهمة لنفذت"، وذلك لشدة مبالغته في رفع مرفقيه وعضديه.
قال أحمد: ويفتح أصابع رجليه لتكون أصابعها إلى القبلة.
ويسجد على صدور قدميه لقوله: "أمرت أن أسجد

على سبعة ... " 1 ذكر منها أطراف القدمين.
وللبخاري: "واستقبل بأصابع رجليه القبلة".
2 وللترمذي: "وفتح أصابع رجليه"، وهذا معناه.
ويستحب أن يضع راحتيه على الأرض مبسوطتين، مضمومتي الأصابع بعضها إلى بعض، مستقبلاً بهما القبلة، حذو منكبيه.
وروى الأثرم قال: رأيت أبا عبد الله يسجد ويداه بحذاء أذنيه، وذلك لحديث وائل؛ والجميع حسن.
ويستحب أن يفرق بين ركبتيه ورجليه، لحديث أبي حميد، وإذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه.
ثم يرفع رأسه مكبراً، وهذا الرفع والاعتدال واجب، وبه قال الشافعي.
وقال مالك وأبو حنيفة: ليس بواجب، بل يكفي عند أبي حنيفة أن يرفع رأسه مثل حد السيف، لأنها جلسة فصل بين متشاكلين فلم تكن واجبة.
ولنا: قوله للمسيء: "ثم ارفع حتى تطمئن جالساً"، 3 ولم ينقل أنه صلى الله عليه وسلم أخلّ به.
قال الأثرم: تفقدت أبا عبد الله، فرأيته يفتح أصابع رجله اليمنى فيستقبل بها القبلة.
وروى بإسناده عن عبد الرحمن بن زيد قال: "كنا نعلّم إذا جلسنا في الصلاة أن يفرش الرجل منا قدمه اليسرى، وينصب قدمه اليمنى على صدر قدمه، وإن كان إبهام أحدنا لتنثني فيدخل يده حتى يعدّلها".
ويكره الإقعاء، وهو: أن يفرش قدميه ويجلس على عقبيه، هكذا فسره الإمام أحمد، وقال: هذا قول أهل الحديث.
والإقعاء عند العرب: جلوس الرجل على إليته، ناصبا فخذيه، مثل إقعاء الكلب والسبع.
وأما الأول فكرهه علي وأبو هريرة ومالك والشافعي، و"فعله ابن عمر وقال: لا تقتدوا بي فإني قد كبرْت".
وعنه: لا أفعله ولا أعيب مَن فعَله.
وقال: العبادلة كانوا يفعلونه.
قال طاووس: قلنا لابن عباس في الإقعاء على القدمين، قال: "هي السنة.
قلنا: إنّا

لنراه جفاء بالرجل.
قال: هي سنة نبيك".
1 رواه مسلم.
ولنا: حديث أبي حميد وغيره، وهي أكثر وأصح.
والمستحب أن يكون شروع المأموم في أفعال الصلاة بعد فراغ الإمام، ويكره معه، في قول أكثر أهل العلم.
واستحب مالك أن يكون معه.
ولنا: حديث البراء وأبي موسى وغيرهما.
ولا يجوز أن يسبقه.
وعن ابن مسعود: "أنه نظر إلى من سبق الإمام فقال: لا وحدك صليت، ولا بإمامك اقتديت".
وعن ابن عمر نحوه، قال: "فأمره بالإعادة".
وإن سبق الإمام المأموم بركن كامل، مثل إن ركع ورفع قبل ركوع المأموم، لعذر من نعاس أو زحام، فعل ما سبق به وأدرك إمامه، ولا شيء عليه، نص عليه، ولا أعلم فيه خلافاً.
وإن سبقه بركعة كاملة أو أكثر، اتبعه وقضى ما سبق به، قال أحمد في رجل نعس خلف الإمام حتى صلى ركعتين قال: كأنه أدرك ركعتين.
وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة، ثم زال عذره، فنص أحمد أنه يتبع إمامه ولا يعتد بتلك الركعة.
وقال أصحابنا: من زحم عن السجود يوم الجمعة، انتظر زوال الزحام، ثم سجد وتبع إمامه، ما لم يخف فوات الركوع في الثانية مع الإمام؛ وهذا يقتضي أنه يفعل ما فاته وإن كان أكثر من ركن، وهو قول الشافعي، "لأنه صلى الله عليه وسلم فعله بأصحابه في صلاة عسفان حين أقامهم خلفه صفين، فسجد بالصف الأول، والصف الثاني قائم حتى قام إلى ثانية، فسجد الصف الثاني ثم تبعه".
وجاز للعذر، وهذا مثله.
وقال مالك: إن أدركهم المسبوق في أول سجودهم، سجد معهم واعتد بها، وإن علم أنه لا يقدر على الركوع وإدراكهم في السجود حتى يستووا قياماً، فليتبعهم فيما بقي، ثم يقضي ركعة.
والأولى في هذا، والله

أعلم، ما كان على قياس فعل النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الخوف، فإن ما لا نص فيه يرد إلى أقرب الأشياء به من المنصوص عليه، وإذا قضى سجدته الثانية نهض مكبراً.
واختلف عن أحمد هل يجلس للاستراحة؟ فعنه: لا، وبه قال مالك.
قال أحمد: أكثر الأحاديث على هذا، قال الترمذي: وعليه العمل عند أهل العلم.
وعنه: بلى، لحديث مالك بن الحويرث، وذكره أيضاً أبو حميد.
وقيل: إن كان ضعيفاً جلس، وإن كان قوياً لم يجلس، وحمل جلوسه صلى الله عليه وسلم أنه كان في آخر عمره، وهذا فيه جمع بين الأخبار.
وعلى كلا القولين، ينهض على صدور قدميه معتمداً على ركبتيه لا على يديه.
وقال مالك والشافعي: السنة أن يعتمد على يديه في النهوض، لأنه في حديث مالك بن الحويرث.
ولنا: حديث وائل، وفيه: "وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه".
1. رواه النسائي والأثرم.
وفي لفظ: "وإذا نهض نهض على ركبتيه، واعتمد على فخذيه"، 2 وعن ابن عمر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض في الصلاة".
3 رواهما أبو داود.
وروى الأثرم عن علي قال: "إن من السنّة في الصلاة المكتوبة إذا نهض الرجل في الركعتين الأوليين أن لا يعتمد بيديه على الأرض، إلا أن يكون شيخاً كبيراً لا يستطيع".
وقال أحمد: بذلك جاء الأثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديث مالك محمول على مشقة القيام عليه لكبره، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: " إني قد بدنت، فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ". 4 فأما الاستعاذة، فاختلفت الرواية فيها.
فعنه: يختص بالركعة الأولى، وهو قول الثوري، لحديث: "كان إذا نهض للثانية استفتح بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾

ولم يسكت"، 1 وعنه: في كل ركعة، وهو قول الشافعي، للآية؛ فيقتضي ذلك تكريرها عند تكرير القراءة.
وإذا صلى ركعتين، جلس للتشهد الأول، وهذا التشهد والجلوس له مشروعان واجبان، وهو مذهب الليث وإسحاق.
وعنه: لا، وهو قول مالك والشافعي لأنهما يسقطان بالسهو أشبها السنن.
ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم داوم عليه، وأمر به في حديث ابن عباس، فقال: "قولوا: "التحيات لله"، وسجد حين نسيه".
وإنما سقط بالسهو إلى بدل، كجبران الحج.
وصفة الجلوس له كالجلوس بين السجدتين، مفترشاً، وبه قال الثوري وإسحاق.
وقال مالك: يتورك على كل حال، لما روى ابن مسعود: "أنه صلى الله عليه وسلم يجلس في آخر الصلاة وفي وسطها متوركاً".
وقال الشافعي: إن كان متوسطاً كقولنا، وإن كان آخرها كقول مالك، ولنا: حديث أبي حميد وحديث وائل، وهما متأخران عن ابن مسعود، وإنما يؤخذ بالآخر؛ فالآخر من أمره صلى الله عليه وسلم، وقد بين أبو حميد الفرق بين التشهدين، والأخذ بالزيادة واجب.
ويستحب له وضع اليسرى على الفخذ اليسرى، مبسوطة مضمومة الأصابع، مستقبلاً بها القبلة، ويضع اليمنى على الفخذ اليمنى، يقبض الخنصر والبنصر ويحلق الإبهام مع الوسطى، ويشير بالسبابة، لحديث وائل.
وعنه: يجمع أصابعه الثلاث، ويعقد الإبهام كعقد الخمسين، لقول ابن عمر: "وضع صلى الله عليه وسلم يده اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثا وخمسين، وأشار بالسبابة".
2 رواه مسلم.
و"يشير بالسبابة عند ذكر الله، ولا يحركها"، لحديث ابن الزبير.
ويتشهد بتشهد ابن مسعود، وعليه أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم.
وقال مالك: الأفضل تشهد عمر: "التحيات لله.
الزاكيات لله.
الصلوات لله".
3 وسائر تشهده

فصول الكتاب · 29 فصل · 783 صفحة
جارٍ التحميل