كتاب الصلاة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الوهاب
- الكتاب
- مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
- المؤلف
- محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
- المحقق
- عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
- الناشر
- مطابع الرياض - الرياض
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
كتشهد ابن مسعود، لأنه قاله على المنبر فلم ينكر.
وقال الشافعي: الأفضل تشهد ابن عباس، وقد انفرد به واختلف عنه في بعض ألفاظه، ولا يستحب الزيادة عليه.
وعن ابن عمر: "أنه أباح الدعاء فيه بما بدا له".
وقال مالك: ذلك واسع.
"وسمع ابن عباس رجلاً يقول: بسم الله، فانتهره".
وبه قال الشافعي، وهو الصحيح، لحديث ابن مسعود: "أنه صلى الله عليه وسلم يجلس في الأوليين كأنه على الرضف".
1 ولم تصح التسمية ولا غيرها عند أهل الحديث مما وقع الخلاف فيه.
ثم "ينهض من التشهد كنهوضه من السجود، ولا يقدم إحدى رجليه"، كذلك قال ابن عباس، ورخص فيه مجاهد وإسحاق للشيخ.
ويتورك في التشهد الأخير، وإليه ذهب مالك والشافعي.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: يفترش كالأول، لحديث وائل وأبي حميد.
ولنا: بيان أبي حميد للفرق، وهو راوي حديثهم.
وهذا التشهد والجلوس له من الأركان، وبه قال الشافعي، ولم يوجبه مالك ولا أبو حنيفة، إلا أنه أوجب الجلوس بقدر التشهد، وتعلقاً بأنه صلى الله عليه وسلم لم يعلّمه المسيء في صلاته.
ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم أمر به وداوم عليه، وروي في حديث ابن مسعود: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله ... إلخ"، وهذا يدل على أنه فرض بعد أن لم يكن مفروضاً، وحديث الأعرابي يحتمل أنه قبل أن يفرض، وأن يكون تركه لأنه لم يسئ فيه.
ولا يتورك إلا في صلاة فيها تشهدان، في الأخير منهما.
وقال الشافعي: يتورك في كل تشهد يسلم فيه.
ولنا: حديث وائل وحديث عائشة: "كان يقول: في كل ركعتين التحيات، وكان يفرش اليسرى وينصب اليمنى".
2 رواه مسلم.
ولا يجوز أن يدعو في صلاته بما يقصد به ملاذ الدنيا، وقال الشافعي:
يدعو بما أحب، لقوله: "ثم ليتخيّر بعد من المسألة ما شاء، أو ما أحب" 1 ولنا: قوله: "إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ... إلخ " 2.
وهل يدعو لإنسان بعينه؟ على روايتين، وكرهه عطاء والنخعي.
ويستحب له إذا مرت به آية رحمة أن يسألها، أو آية عذاب أن يستعيذ منها، لحديث حذيفة.
ولا يستحبُّ في الفريضة، لأنه لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم، مع كثرة من وصف قراءته فيها.
وإذا فرغ، سلّم عن يمينه ويساره "السلام عليكم ورحمة الله"، وهذا واجب لا يقوم غيره مقامه؛ وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا يتعين للخروج، بل إذا خرج بما ينافيها من عمل أو حدث جاز.
والسلام سنة، لأنه لم يعلّمه المسيء.
ولنا: قوله: "تحليلها التسليم"، ولأنه صلى الله عليه وسلم لم يخلّ به.
ويشرع تسليمتان، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: يسلّم واحدة، لحديث عائشة: "كان يسلِّم واحدة تلقاء وجهه"، 3 وعن سلمة قال: "رأيته صلى الله عليه وسلم صّلى فسلّم مرّة".
4 رواهما ابن ماجة.
ولنا: حديث ابن مسعود وجابر بن سمرة، رواهما مسلم.
وحديث عائشة، أنكره أبو حاتم وغيره؛ وبين أحمد أن معناه يسمعهم التسليمة الواحدة.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة.
وقال القاضي: فيه رواية: أن الثانية واجبة، وليس عنه تصريح بالوجوب، وإنما قال: " التسليمتان أصح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"، حديث ابن مسعود وغيره أذهب إليه، ويجوز أن يذهب إليه في المشروعية دون الإيجاب، وقوله في حديث جابر: "إنما يكفي أحدكم ... " أي: في إصابة السنة، بدليل أنه قال: "يضع يده على فخذه، ثم يسلّم على أخيه عن يمينه وشماله".
5 وإن زاد: "وبركاته" فحسن،
والأول أحسن، لأن رواته أكثر وطرقه أصح.
وإن قال: "السلام عليكم" ولم يزد، فظاهر كلام أحمد: يجزئ، وهو قول الشافعي، لقوله: "تحليلها التسليم"، لأنه روي أنه يسلم عن يمينه وشماله: "السلام عليكم ورحمة الله، السلام عليكم ورحمة الله".
1 رواه أبو داود.
و"يستحب أن يلتفت عن يمينه في الأولى، وعن يساره في الثانية"، كما جاء في حديث ابن مسعود وجابر وغيرهما، ويكون التفاته في الثانية أكثر لحديث عمار.
وروي عن أحمد أن الأولى أرفع من الثانية، وحمل عليه حديث عائشة.
ويستحب حذف السلام، وهو أن لا يمده ويطول به صوته، لحديث: "حذف السلام سنة".
2 صححه الترمذي، وعليه أهل العلم.
وينوي به الخروج من الصلاة.
وإن نوى الرد على الملكين أو على من معه فلا بأس، نص عليه.
ومذهب الشافعي: أنه سنة، أي: السلام على من معه، لحديث جابر بن سمرة.
ويستحب الذكر عقيب الصلاة بما ورد به الأثر، مثل حديث المغيرة وثوبان وأبي هريرة وغيرهم.
وإذا كان مع الإمام رجال ونساء، فالمستحب أن يثبت الرجال بقدر انصرافهن.
فإن لم يقم الإمام، استحب أن ينصرف عن القبلة، لحديث جابر بن سمرة وغيره.
ويستحب لهم أن لا يقوموا قبل الإمام، لقوله: "لا تسبقوني بالسجود، ولا بالركوع، ولا بالانصراف".
3 رواه مسلم.
و"ينصرف حيث شاء عن يمينه وشماله"، لحديث ابن مسعود.
و"يكره أن يتطوع الإمام في موضع صلاته"، لحديث المغيرة، إلا أن أحمد قال: لا أعرف ذلك عن غير علي.
والمأموم إذا سمع قراءة الإمام، فلا يقرأ بالحمد ولا غيرها، وبه قال مالك وكثير من السلف.
وقال الشافعي: يقرأها، لقوله: "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب"، 1 ولحديث عبادة، رفعه: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب"، 2 رواه أبو داود، ولقول أبي هريرة: "إقرأ بها في نفسك".
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ الآية 3، قال أحمد: الناس على أن هذا في الصلاة، وفي لفظ: أجمع الناس، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "وإذا قرأ فأنصتوا"، 4 رواه مسلم، ولأنه إجماعٌ، قال أحمد: ما سمعت أن أحداً من أهل الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقراءة لا تجزئ صلاة من خلفه إذا لم يقرأ.
وقال: هذا النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون، وهذا مالك في أهل الحجاز، وهذا الثوري في أهل العراق، وهذا الأوزاعي في أهل الشام، وهذا الليث في أهل مصر، ما قالوا في رجل صلى خلف الإمام قرأ إمامه أو لم يقرأ: صلاته باطلة، وحديث عبادة في الصحيح محمول على غير المأموم، وكذلك حديث أبي هريرة، وقد جاء مصرحاً به عن جابر، مرفوعاً: "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم الكتاب فهي خداج، إلا وراء الإمام".
رواه الخلال.
وقوله: "اقرأ بها في نفسك" من قول أبي هريرة، والذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا قرأ فأنصتوا " 5 أولى، وقد خالفه تسعة من الصحابة، قال ابن مسعود: "وددت أن الذي يقرأ خلف الإمام مُلئ فوه تراباً"، وحديث عبادة الآخر لم يروه عنه إلا إسحاق ونافع بن محمود، وهو أدنى حالاً من ابن إسحاق.
والاستحباب: أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه؛ هذا قول كثير من أهل العلم.
وقالت طائفة: لا يقرأ في الجهر ولا في الإسرار.
قال إبراهيم: إنما أحدث الناس القراءة زمان المختار، لأنه كان يصلي بهم صلاة النهار ولا يصلي بهم صلاة الليل، فاتهموه فقرؤوا خلفه، وهذا قول الثوري وابن عيينة وأصحاب
الرأي لقوله: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة".
1 ولنا: قوله: فانتهى الناس أن يقرؤوا فيما يجهر فيه.
قيل لأحمد: رجل فاتته ركعة من المغرب أو العشاء مع الإمام، أيجهر أم يخافت؟ فقال: إن شاء جهر وإن شاء خافت.
ثم قال: إنما الجهر للجماعة.
قال الشافعي: يسن الجهر، لأنه غير مأمور بالإنصات.
ويستحب أن يطيل الأولى من كل صلاة ليلحقه القاصد، وقال الشافعي: تكون الأوليان سواء، لحديث أبي سعيد: "حزرنا قيامه في الأوليين من الظهر قدر ثلاثين آية".
2 ووافقنا أبو حنيفة في الصبح، ووافق الشافعي في الباقي.
ولنا: حديث أبي قتادة، وفيه: "يطوّل الأولى ويقصر الثانية"، وحديث أبي سعيد، رواه ابن ماجة.
وفي الركعة الأخرى قدر النصف من ذلك، وهذا أولى لموافقته الأحاديث الصحيحة، ولو قدر التعارض قدم حديث أبي قتادة، لأنه أصح، ويتضمن ضبط التفريق بين الركعتين.
وسئل أحمد عن الرجل يقرأ بسورة ثم يقرأ بها في الركعة الأخرى، قال: وما بأس بذلك.
وقيل له: الرجلُ يقرأ على التأليف في الصلاة، اليوم سورة وغداً التي تليها، قال: ليس في هذا شيء، إلا أنه روي عن عثمان أنه فعل ذلك في المفصّل.
وأكثر أهل العلم لا يرون الزيادة على "الفاتحة" في غير الأوليين.
وعن الشافعي: يقرأ، "لأن أبا بكر قرأ في [الثالثة] 3 من المغرب: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ 4" ولنا: حديث أبي قتادة، وفعل أبي بكر قصد في الدعاء.
وإذا حضرت الصلاة والعَشاء، بدأ بالعَشاء.
قال ابن عباس: "لا نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء".
وقال مالك: يبدأ بالصلاة، إلا أن يكون طعاماً خفيفاً.
ولنا: حديث أنس وعائشة
وابن عمر، رواهن مسلم.
ولا فرق بين أن يخشى فوات الجماعة أو لم يخش، فإن بدأ بالصلاة صحت.
قال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه لو صلى بحضرة الطعام فأكمل صلاته، أنها تجزيه.
وكذلك إذا صلى حاقناً.
قال الطحاوي: لا يختلفون أنه لو شغل قلبه بشيء من الدنيا، أنه لا يستحب له الإعادة، كذلك إذا شغله البول.
وإذا حضرت الجماعة وهو يحتاج إلى الخلاء، بدأ به ولو خاف فوات الجماعة، لا نعلم فيه خلافاً.
وعن ثوبان، رفعه: "لا يحل لامرئ أن ينظر في جوف بيت امرئ حتى يستأذن، ولا يقوم إلى الصلاة وهو حاقن ". 1 حسنه الترمذي.
فإن فعل صحت صلاته.
وقال مالك: أحب أن يعيد إذا شغله ذلك، وحديث ثوبان قال ابن عبد البر: لا تقوم به حجة عند أهل العلم.
والمشروع في الصلاة قسمان: واجب، ومسنون: والواجب نوعان:
أحدهما: لا يسقط عمداً ولا سهواً، وهو عشرة: تكبيرة الإحرام، والقيام، والفاتحة، والركوع حتى يطمئن، والاعتدال حتى يطمئن، والسجود حتي يطمئن، والاعتدال بين السجدتين حتى يطمئن، والتشهد الأخير، والجلوس له، والسلام، والترتيب.
وقد دل على وجوب أكثرها حديث المسيء، فإنها لو سقطت لسقطت عن الأعرابي لجهله، والجاهل كالناسي.
فإن ترك منها شيئاً سهواً ثم ذكره في الصلاة أتى به.
وإن لم يذكره حتى سلّم وطال الفصل بطلت.
وإن لم يطل بنى على ما مضى من صلاته، نص أحمد على هذا؛ وبه قال الشافعي.
وعن مكحول ومحمد بن أسلم الطوسي في المصلي ينسى سجدة أو ركعة: يصليها متى ذكرها، ويسجد سجدتي السهو.
النوع الثاني: من الواجبات ما يسقط سهواً وتبطل الصلاة بتركه عمداً،
وهي ثمانية: التكبير غير الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود، والتسميع، والتحميد، وقول: "رب اغفر لي"، والتشهد الأول، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير.
وعنه: أن هذه الثمانية ليست بواجبة، وهو قول أكثر الفقهاء.
والنوع الثاني من المشروع: (السنن) ، وهي قسمان: سنن الأقوال.
وسنن الأفعال.
فلا تبطل بتركها عمداً، ولا يشرع السجود لتركها سهواً.
ويستحب أن يجعل نظره إلى موضع سجوده، قال أحمد: الخشوع في الصلاة أن ينظر إلى موضع سجوده.
و"يستحب أن يفرج بين قدميه، ويراوح بينهما إذا طال قيامه"، لحديث ابن مسعود، ولا يكثر من ذلك، لقول عطاء: إني لأحب أن يقل التحريك.
ويكره أن يلتفت لغير حاجة، فإن كان لها لم يكره، لحديث سهل بن حنظلة.
قال ابن عبد البر: جمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيراً.
و"يكره النظر إلى ما يلهيه"، لحديث عائشة في خميصة أبي جهم وقوله: "أميطي عنا قرامك ... إلخ" 1.
و"يكره رفع البصر، لحديث أنس، وأن يصلي ويده على خاصرته، لحديث أبي هريرة، وأن يصلي وهو معقوص أو مكتوف"، لحديث ابن عباس.
و"يكره أن يكف شعره وثيابه، وأن يعتمد على يده في الجلوس"، لحديث ابن عمر، و"أن يمس الحصى"، لحديث أبي ذرّ ومعيقب.
ويكره العبث كله وما يشغله عن الصلاة، لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في كراهة هذا كله.
وكره أحمد الترويح، إلا من الغم الشديد.
ورخص فيه ابن سيرين وغيره.
ويكره أن يغمض عينيه، نص عليه، وقال: هو فعل اليهود.
ولا بأس بعدِّ الآي، وكرهه الشافعي.
ولنا: أنه إجماع التابعين.
ولا بأس بالإشارة بالعين واليد، لحديث جابر وغيره.
ولا بأس بقتل الحية والعقرب، "لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتلهما في الصلاة".
رواه أبو داود.
وكرهه إبراهيم.
و"يجوز قتل القمل، لأن عمر وأنساً والحسن فعلوه".
و"لا بأس بالعمل اليسير للحاجة، لحديث فتح الباب لعائشة".
وإذا بدره البصاق بصق في ثوبه وحك بعضه ببعض، وإن كان في غير المسجد فإن أحب فعل ذلك، وإن أحب بصق عن يساره أو تحت قدمه.
قال ابن المنذر أجمع أهل العلم على أن من تكلم في صلاته عامداً لا يريد إصلاح صلاته، أن صلاته فاسدة.
و"إن تكلم جاهلاً بتحريمه، فيحتمل أن لا تبطل"، لحديث ابن مسعود وزيد بن أرقم؛ وعليه يدل حديث معاوية بن الحكم، فإنه لم يأمره بالإعادة.
وهذا مذهب الشافعي.
وفي الناسي روايتان: إحداهما: لا تبطل، وهو قول مالك والشافعي، لحديث معاوية.
وإن ظن أن صلاته تمت فتكلم، فإن كان سلاماً لم تبطل، رواية واحدة، لأنه صلى الله عليه وسلم وأصحابه فعلوه وبنوا على صلاتهم.
وإن لم يكن سلاماً، فعنه: إن كان لمصلحتها لم تفسد.
و"ممن تكلم بعد أن سلم: الزبير، وابناه عبد الله وعروة، وصوّبه ابن عباس"، ولا نعلم عن غيرهم خلافهم.
وعنه: تفسد بكل حال، لعموم الأخبار في المنع من الكلام.
وعنه: لا تفسد بالكلام في تلك الحال، سواء كان من شأن الصلاة أو لم يكن، وهذا مذهب مالك والشافعي، لأنه نوع من النسيان، أشبه المتكلم جاهلاً.
وإن تكلم مغلوباً مثل أن يخرج الحروف بغير اختياره، مثل أن يتثاءب فيقول: هاه، أو يتنفس فيقول: آه، أو يسعل فينطق بحرفين، أو يغلط في القراءة، أو يجيئه البكاء ولا يقدر على رده، فلا تفسد، نص عليه في البكاء، وقال: "قد كان عمر يبكي حتى يسمع له نشيج".
وإن نام فتكلم، فقد توقف
أحمد.
وينبغي أن لا تبطل لرفع القلم عنه.
وإن تكلم بكلام واجب، مثل أن يخشى على ضرير أو صبي وقوعه في هلكة، أو يرى ناراً يخاف أن تشتعل في شيء، ونحو هذا، ولا يمكن التنبيه بالتسبيح، فقال أصحابنا: تبطل، ويحتمل أن لا تبطل؛ وهو ظاهر مذهب الشافعي.
وإن ضحك فبان حرفانن فسدت.
وكذلك إن قهقه ولم يبن حرفان، وبه قال جابر وعطاء والشافعي، ولا نعلم فيه مخالفاًً.
قال ابن المنذر: أجمعوا على أن الضحك يفسد الصلاة.
وأكثر أهل العلم على أن التبسم لا يفسدها.
فأما النفخ، فإن انتظم حرفان فسدت.
وعنه: أكرهه، ولا أقول يقطع الصلاة.
وروي عن ابن مسعود وغيره، لحديث الكسوف، وفيه: "ثم نفخ فقال: أف.
أف.". 1 رواه أبو داود.
وقال مهنا: رأيت أبا عبد الله يتنحنح في صلاته، قال أصحابنا: هذا محمول على أنه لم ينتظم حرفان.
وظاهر حال أحمد أنه لم يعتبر ذلك، لأن النحنحة لا تسمى كلاماً.
وإن أتى بذكر مشروع لينبه غيره، فهو ثلاثة أنواع:
الأول: مشروع له، مثل أن يسهو إمامه فيسبح به، أو يترك الإمام ذكراً فيرفع المأموم صوته ليذكره به، أو ينوبه شيء فيسبح ليعلمه أنه في صلاة، فهذا لا يؤثر في قول أكثر أهل العلم.
وحكي عن أبي حنيفة من أفهم غير إمامه بالتسبيح، فسدت صلاته، لأنه خطاب آدمي.
ولنا: قوله: "من نابه شيء في الصلاة، فليقل: "سبحان الله""، 2 وهو عام في كل ما ينوبه.
وفي معنى هذا: "الفتح على إمامه إذا أرتج عليه أو غلط"، روي ذلك عن عثمان وعلي، و"كرهه ابن مسعود".
وقال أبو حنيفة: تبطل الصلاة به، لحديث علي، مرفوعاً: "لا تفتح على الإمام".
3 ولنا: "قوله لأبيّ: أصليت معنا؟ قال: نعم.
قال: فما منعك؟ ". 4
رواه أبو داود، قال الخطابي: إسناده جيد.
وحديث علي يرويه الحارث.
وقد قال على نفسه: "إذا استطعمك الإمام فأطعمه".
الثاني: ما لا يتعلق به تنبيه، إلا أنه لسبب من غير الصلاة، مثل حمد العاطس والاسترجاع، فلا يبطل، نص عليه، وذكر حديث على حين أجاب الخارجي.
وقال أبو حنيفة: تفسد صلاته.
ولنا: ما روى عامر بن ربيعة قال: "عطس رجل من الأنصار خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الحمد لله حمداً كثيرا طيباً مباركاً فيه، حتى يرضى ربنا، وبعد ما يرضى من أمر الدنيا والآخرة.
فلما انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من القائل الكلمة؟ فإنه لم يقل بأساً.
فقال: يارسول الله، أنا قلتها، لم أرد بها إلا خيراً، ما تناهت دون العرش".
1 رواه أبو داود.
وقال الخلال: اتفق الجميع عن أبي عبد الله: أنه لا يرفع صوته، يعني: العاطس، وإن رفع فلا بأس، لحديث الأنصاري.
الثالث: أن يقرأ بقصد تنبيه آدمي، مثل أن يقول: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلامٍ آمِنِينَ﴾ ، 2 يريد الإذن، أو لرجل اسمه يحيى: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ، 3 فعنه: تبطل، وهو مذهب أبي حنيفة.
وعنه: ما يدل على الصحة، واحتج بحديث علي حين أجاب الخارجي.
ويكره أن يفتح المصلي على من هو في صلاة أخرى، وإن فعل لم تبطل.
ولا بأس أن يفتح على المصلي من ليس في صلاة.
وإذا سلم على المصلي، لم يرد بالكلام، فإن فعل بطلت؛ وبه قال مالك والشافعي.
وعن أبي هريرة أنه أمر
بذلك.
ولنا: حديث جابر، وفيه: "أنه لم يمنعني أن أرد عليك السلام إلا أني كنت أصلي"، وحديث ابن مسعود: "يا رسول الله، كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا.
قال: إن في الصلاة لشغلاً".
1 رواهما مسلم.
ويرد السلام بالإشارة، وهذا قول مالك والشافعي.
وإن رد بعد الصلاة فحسن، لحديث ابن مسعود، وفيه: "فرد عليه السلام".
وسئل أحمد: أيسلّم على المصلي؟ قال: نعم، وكرهه عطاء وغيره.
ومن ذهب إلى تجويزه احتج بقوله تعالى: ﴿فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم﴾ 2 أي: على أهل دينكم، و"لأنه صلى الله عليه وسلم حين سلموا عليه رد عليم إشارة ولم ينكر عليهم".
وقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن المصلي ممنوع عن الأكل والشرب.
وأجمع كل من نحفظ عنه: أن من أكل أو شرب في الفرض عامداً أن عليه الإعادة، فإن كان في التطوع أبطله في الصحيح من المذهب، وهو قول أكثر الفقهاء، وعنه: لا يبطلها.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
الصحيحك أن تسوية الصفوف سنّة، وظاهر كلام الشيخ وجوبه، وقال: مراد من حكاه إجماعاً استحبابه، لا نفي وجوبه.
والأخرس يكبر بقلبه ولا يحرك لسانه، قال الشيخ: ولو قيل ببطلان الصلاة بذلك لكان أقرب.
ويجب على المصلي أن يسمع نفسه، واختار الشيخ الاكتفاء بالإتيان بالحروف وإن لم يسمعها، ثم يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك ... إلخ"، واختار إجزاء الاستفتاح بخبر علي.
واختار الشيخ أنه يقول هذا تارة وهذا أخرى.
ولا يجهر بالبسملة، واختار الشيخ أنه يجهر بها وبالتعوذ والفاتحة في الجنازة ونحوها أحياناً، وقال: هو المنصوص، تعليماً للسنة.
قال: ويستحب ذلك للتأليف، كما استحب أحمد ترك القنوت في الوتر، تأليفاً للمأموم.
والمرأة لا ترفع صوتها أي: بالقراءة، قال الشيخ: تجهر إن صلت بنساء، ولا تجهر إن صلت وحدها.
وإن قرأ بخارج عن المصحف لم تصح، وعنه: تصح، إذا صح سنده لصلاة الصحابة بعضهم خلف بعض، اختارها الشيخ وقال: قول أئمة السلف وغيرهم: مصحف عثمان أحد الحروف السبعة.
وإن كان مأموماً لم يزد على: "ربنا ولك الحمد"، وعنه: يزيد "ملء السماء ... إلخ"، اختاره الشيخ، ثم يصلي الثانية كالأولى.
وفي الاستعاذة روايتان: الثانية: يتعوذ، اختارها الشيخ وقال: آله: أهل بيته، والمختار دخول أزواجه فيهم.
وتجوز الصلاة على غير الأنبياء منفرداً، وقيل: يحرم، اختاره الشيخ مع الشعار.
وإذا نهض من التشهد الأول لا يرفع يديه، وعنه: يرفعهما، اختاره الشيخ.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن صلاة من اقتصر على تسليمة واحدة جائزة.
قلت: هذا مبالغة، وليس بإجماع.
قال ابن القيم: وهذه عادته، إذا رأى قول أكثر أهل العلم حكاه إجماعاً.
باب سجود السهو
قال أحمد: يحفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم خمسة أشياء: سلّم من اثنتين فسجد، وسلّم من ثلاث فسجد، وفي الزيادة والنقصان، وقام من اثنتين ولم يتشهد، قال الخطابي: المعتمد عليه عند أهل العلم هذه الأحاديث الخمسة، يعني: حديث ابن مسعود وأبي سعيد وأبي هريرة وابن بحينة.
ومن سلّم قبل تمام صلاته ساهياً، ثم علم قبل طول الفصل، أتى بما بقي ثم يتشهد، ويسلم ثم يسجد.
فإن لم يذكر حتى قام جلس لينهض، فإن هذا القيام واجب للصلاة، ولا نعلم في جواز إتمام الصلاة، خلافاً في حق من نسي ركعة فما زاد؛ والأصل في هذا: حديث أبي هريرة قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إحدى صلاتي العشاء"، 1 قال ابن سيرين: سماها لنا أبو هريرة ... الحديث، وفي آخره: فسألوه عن التشهد فقال: لم أسمعه، وأَحب إليَّ أن يتشهد.
رواه أبو داود.
فإن طال الفصل، استأنف الصلاة، وكذا قال مالك والشافعي.
وقال الليث والأوزاعي: يبني ما لم ينتقض وضوؤه، فإن لم يذكر حتى شرع في أخرى فطال الفصل، بطلت الأولى، وإلا عاد إلى الأولى فأتمها، وبه قال الشافعي.
وقال الحسن: إن شرع في تطوع بطلت المكتوبة، وقال مالك: أحب إلي أن يبتدئها.
و"من كان إماماً فشك كم صلى، بنى على أكثر وهمه، ثم سجد بعد السلام"، كما روى ابن مسعود.
وعنه: يبني على ذلك ولو منفرداً، قال في رواية الأثرم:
بين التحري واليقين فرق.
أما حديث عبد الرحمن بن عوف: "إذا لم يدر ثلاثاً صلى أو اثنتين، جعلها اثنتين"، 1 فهذا عمل على اليقين، والذي يتحرى يكون قد صلى ثلاثاً فيدخل قلبه شك، إنما صلى اثنتين إلا أن أكثر ما في نفسه أنه صلى ثلاثاً، فـ"هذا يتحرى أصوب ذلك، ويسجد بعد السلام".
وروي هذا عن علي وابن مسعود، وقاله أصحاب الرأي.
إن تكرر ذلك عليه، وإن كان أول ما أصابه، أعاد الصلاة، لقوله: "لا غرار في صلاة، ولا تسليم".
2
والرواية الثانية: "يبني على اليقين، ويسجد قبل السلام، إماماً كان أو منفرداً".
وهو قول مالك والشافعي، لحديث أبي سعيد وعبد الرحمن.
والأولى هي المشهورة عن أحمد، لحديث ابن مسعود.
وإنما حملناه على الإمام لأن له من ينبهه، والمنفرد ليس كذلك؛ فيبني على اليقين ليحصل له تمام صلاته، ولا يكون مغرراً بها؛ وهو معنى قوله: "لا غرار في صلاة".
وعلى الرواية الثانية، يحمل حديث أبي سعيد وعبد الرحمن، على من لا ظن له، وقول أصحاب الرأي يخالف السنة الثابتة.
ومعنى: "لا غرار" أي: لا نقص من صلاته، ويحتمل أنه أراد: لا يخرج منها وهو شاك في تمامها.
ومن بنى على اليقين لم يشك، وكذا من بنى على غالب ظنه ووافقه المأمومون أو ردوا عليه.
وإذا سها الإمامُ لزم المأمومين تنبيهُهُ؛ فإن كانوا رجالاً سبحوا، وإن كانوا نساءً صفقن، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: التسبيح للكل لقوله: "من نابه شيء في صلاته فليقل: "سبحان الله"".
3 ولنا: حديث أبي هريرة: " التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء ". 4 وحديث مالك في حق الرجال، فإن حديثنا يفسره.
وإذا سبح به اثنان يثق بقولهما، لزمه قبوله، سواء غلب على ظنه صوابهما أو خلافه.
وقال الشافعي: إن غلب على ظنه خطؤهما، لم يعمل بقولهما.
وإن كان على يقين من
صوابه لم يتابعهم.
فإن لم يرجع حيث يلزمه الرجوع، بطلت صلاته وصلاة من تبعه عالماً.
وعنه: يتبعونه في القيام استحباباً.
وعنه: لا يتبعونه، لكن ينتظرونه ليسلم بهم.
وإن تابعوه جهلاً بالتحريم، فصلاتهم صحيحة، "لأن الصحابة تابعوه في التسليم وفي الخامسة" في حديث ابن مسعود.
فإن سبح به واحد لم يرجع، إلا أن يغلب على ظنه صدقه.
والسجود كله عند أحمد قبل السلام، إلا في الموضعين اللذيْن ورد النص بهما، وهما: إذا سلم من نقص، أو تحرى الإمام فبنى على غالب ظنه.
قال القاضي: لا يختلف قوله في هذين، واختلف قوله فيمن صلى خمساً هل يسجد قبل السلام أو بعده؟ وحكى أبو الخطاب رواية: "أن السجود كله قبل السلام"، وروي عن أبي هريرة؛ وهو مذهب الشافعي، لحديث ابن بحينة وأبي سعيد.
وقال الزهري: كان آخر الأمرين السجود قبل السلام.
وعنه: "ما كان من نقص فقبل السلام"، لحديث ابن بحينة، و "ما كان من زيادة سجد له بعد السلام"، لحديث ابن مسعود؛ وهو مذهب مالك.
وقال أصحاب الرأي: "السجود كله بعد السلام"، لحديث ذي اليدين وابن مسعود.
وروي عن أنس والحسن والنخعي، لحديث ثوبان رواه سعيد وحديث عبد الله بن جعفر، رواهما أبو داود.
ولنا: "أنه ثبت عنه صلى الله عليه وسلم قبل وبعد"، ففي ما ذكرنا عمل بالجميع، وحديث ثوبان وابن جعفر قال الأثرم: لا يثبت واحد منهما، وأكثر أهل العلم يرون أنه إذا قام في موضع جلوس أو جلس في موضع قيام، أنه يسجد.
وكان علقمة والأسود لا يسجدان لذلك.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا زاد الرجل أو نقص فليسجد سجدتين".
1 رواه مسلم عن ابن مسعود، وقوله عليه السلام: "لكل سهو سجدتان بعد التسليم".
2 رواه أبو داود.
وإن قام عن التشهد الأول، فذكر قبل اعتداله، رجع، وبه قال الشافعي وابن المنذر.
وقال مالك: إن فارقت إليتاه الأرض مضى.
ولنا: حديث المغيرة: "إذا قام أحدكم في الركعتين فلم يستتم قائماً، فليجلس".
1 الحديث رواه أبو داود.
وقال النخعي: يرجع ما لم يستفتح القراءة.
ولنا: حديث المغيرة.
وقال الحسن: يرجع ما لم يركع.
وإن قام من السجدة الأولى، ولم يجلس للفصل [بين السجدتين] ، 2 فقد ترك ركنين.
فإن ذكر قبل الشروع في القراءة، لزمه الرجوع، لا أعلم فيه خلافاً.
فإذا رجع، جلس ثم يسجد الثانية.
وإن قام عن التشهد الأخير إلى زائدة، جلس له متى ذكره.
والزيادات على ضربين: أقوال وأفعال.
فزيادة الأفعال: قسمان:
أحدهما: من جنس الصلاة، مثل قيامه في موضع جلوسه أو عكسه، فهذا تبطل بعمده، ويسجد لسهوه.
الثاني: من غير جنسها، كالحك والمشي، فهذا تبطل بكثيره عمداً كان أو سهواً.
والأقوال قسمان:
أحدهما: ما يبطل عمده الصلاة، كالسلام والكلام، فإذا أتى به سهواً، سجد.
الثاني: ما لا يبطل عمده، وهو نوعان: أحدهما: أن يأتي بذكر مشروع فيها في غير محله، كالقراءة في الركوع والتشهد في القيام، فهل يشرع له سجود إذا فعله؟ على روايتين: إحداهما:
لا يشرع، لأنها لا تبطل بعمده.
والثانية: يشرع، لقوله: " إذا نسى أحدكم، فليسجد سجدتين وهو جالس".
1 رواه مسلم.
فإن قلنا: يشرع، فهو مستحب.
قال أحمد: إنما السهو الذي يجب فيه السجود ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الثاني: أن يأتي بذكر أو دعاء لم يشرع، كقوله: "آمين رب العالمين" و"الله أكبر كبيراً"، فلا يشرع له سجود، "لأنه صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول: "الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى"، فلم يأمره بالسجود".
وإذا جلس للتشهد في غير موضعه قدر جلسة الاستراحة، فقال القاضي: يلزمه السجود، ويحتمل ألا يلزمه، لأنه لا يبطل عمده.
والجهر والإخفات في غير موضعه فيه روايتان: إحداهما: لا يشرع السجود لسهوه، وهو مذهب الشافعي.
"وجهر أنسٌ في الظهر والعصر، فلم يسجد".
والثانية: يشرع، وهو مذهب مالك في الإمام، لقوله: "إذا نسى أحدكم، فليسجد سجدتين".
2 فإن قلنا بها، فالسجود غير واجب، قال الأثرم: سمعت أبا عبد الله يُسْأَل عمن سها فجهر فيما يخافت فيه، هل عليه سجود؟ قال: أما عليه، فلا أقول عليه، ولكن إن شاء سجد، وذكر حديثاً عن عمر أو غيره أنه كان سمع منه نغمة في صلاة الظهر، قال: "وأنس جهر فلم يسجد وقال: إنما السهو الذي يجب فيه السجود ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم".
وإن قام إلى خامسة في رباعية، أو رابعة في المغرب، رجع متى ذكر، فإن كان قد تشهد عقيب الركعة التي تمت بها صلاته، سجد للسهو ثم سلّم، وإلا تشهد وسجد وسلّم.
فإن لم يذكر حتى فرغ، سجد وصحت صلاته، وبه قال مالك والشافعي.
وقال الأوزاعي، فيمن صلى المغرب أربعاً: يضيف إليها أخرى، فتكون الركعتان
تطوعاً، لقوله في حديث أبي سعيد: "فإن كان صلاته تامة، كانت الركعة نافلة والسجدتين"، 1 وفي رواية: "فإن كان صلى خمساً، شفعن له صلاته ". 2 ولنا: حديث ابن مسعود حين صلى خمساً، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم لم يجلس عقيب الرابعة، فلم تبطل صلاته، ولم يضف إلى الخامسة أخرى.
وقال أبو حنيفة: إن لم يكن جلس في الرابعة بطل فرضه، وحديث أبي سعيد حجة عليهم، فإنه جعل الزائدة نافلة من غير أن يفصل بينها وبين التي قبلها بجلوس، وجعل السجدتين يشفعها بها، ولم يضف إليها ركعة أخرى؛ وهذا كله خلاف ما قالوه، فخالفوا الخبرين، وقولنا يوافقهما جميعاً.
وإذا نسي السجود ثم ذكر بعد طول الفصل في المسجد، سجد سواء تكلم أو لا، وبه قال مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن تكلم بعد الصلاة سقط عنه سجود السهو.
وكان الحسن وابن سيرين يقولان: "إذا صرف وجهه عن القبلة، لم يبين ولم يسجد".
ولنا: حديث ابن مسعود: "أنه صلى الله عليه وسلم سجد بعد السلام والكلام"، 3 وحديثه الآخر، وفيه: "فلما انفتل توشوش القوم بينهم ... إلخ".
فإن خرج من المسجد لم يسجد، نص عليه.
وقال الشافعي: يُرجع في طول الفصل وقصره إلى العادة، "لأنه صلى الله عليه وسلم رجع إلى المسجد بعد خروجه منه" في حديث عمران بن حصين، وعنه رواية أخرى: يسجد وإن خرج وتباعد، وهو قول ثان للشافعي.
ويكبر للسجود والرفع منه، وإن كان بعد السلام، تشهد وسلّم وبه، قال الشافعي في التشهد والتسليم.
وقال أنس والحسن: "ليس فيهما تشهد ولا تسليم".
وقال ابن سيرين وابن المنذر: فيهما تسليم بغير تشهد.
قال ابن المنذر: التسليم فيهما ثابت من غير وجه، وأما التشهد ففي ثبوته نظر.
ولنا: على التكبير حديث ابن بحينة، وقول أبي هريرة: "ثم كبر وسجد"، والتسليم ذكره عمران بن حصين
عند مسلم، وفي حديث ابن مسعود: "ثم سجد سجدتين، ثم سلّم".
ولأبي داود في حديث عمران: "ثم تشهد ثم سلم".
قال الترمذي: حسن غريب.
ويحتمل أن لا يجب التشهد لأن ظاهر الحديثين الأولين أنه سلم من غير تشهد، وهما أصح من هذه الرواية.
وإذا نسيه حتى طال الفصل، لم تبطل الصلاة، وبه قال الشافعي.
وعن أحمد: إن خرج عن المسجد، أعاد الصلاة؛ وهو قول مالك فيما قبل السلام.
وسجود السهو لما يبطل عمده الصلاة واجب، وعنه: أنه غير واجب؛ وهذا قول الشافعي، لقوله: " كانت الركعة والسجدتان نافلة له".
1 ولنا: أنه أمر به وفعله، وقوله: "نافلة" أي: له ثواب، كما سمى الركعة نافلة، وهي واجبة على الشاك بلا خلاف.
فأما ما لا يبطل عمده فغير واجب، قال أحمد: إنما يجب السجود فيما روي عنه صلى الله عليه وسلم، يعني: وما في معناه؛ فنقيس على زيادة خامسة سائر زيادات الأفعال من جنسها، وعلى ترك التشهد [الأول] 2 ترك غيره من الواجبات، وعلى التسليم من نقصان زيادات الأقوال المبطلة عمداً، فإن ترك الواجب عمداً، فإن كان قبل السلام بطلت، وإن كان بعده لم تبطل، وعنه: ما يدل على البطلان، وعنه: التوقف.
إذا سها سهوين أو أكثر من جنس، كفاه سجدتان، لا نعلم أحداً خالف فيه.
وإن كان من جنسين فكذلك، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال الأوزاعي: يسجد سجودين، لقوله: "لكل سهو سجدتان".
3 ولنا: قوله: "إذا نسي أحدكم، فليسجد سجدتين"، 4 "ولأنه صلى الله عليه وسلم سها فسلّم وتكلم بعد سلامه، فسجد سجوداً واحداً"، وحديثهم في إسناده مقال، ثم المراد به كل سهو في
صلاة، والسهو وإن كثر فهو داخل في لفظ السهو لأنه اسم جنس، ولذلك قال: "لكل سهو سجدتان بعد السلام" 1 هكذا في رواية أبي داود، [ولا] 2 يلزمه بعد السلام سجودان، ومعنى الجنسين: أن يكون أحدهما قبل السلام والآخر بعده.
وليس على المأموم سجود سهو، إلا أن يسهو إمامه فيسجد، في قول عامة أهل العلم.
وعن مكحول أنه قام عن قعود إمامه فسجد.
ولنا: حديث معاوية بن الحكم.
وإذا سها الإمام، فعلى المأموم متابعته، حكاه ابن المنذر إجماعاً.
وإذا كان مسبوقاً فسها الإمام فيما لم يدركه فيه، فعليه متابعته.
وقال ابن سيرين وإسحاق: يقضي ثم يسجد.
وقال مالك والشافعي في السجود قبل السلام كقولنا، وبعده كقول ابن سيرين.
ولنا: قوله: " فإذا سجد فاسجدوا"، 3 وقوله: " فإن سها إمامه فعليه وعلى من خلفه ". إذا ثبت هذا، فمتى قضى ففي إعادة السجود روايتان: إحداهما: يعيده، لأنه مع إمامه متابعاً له.
والثانية: لا يلزمه السجود، لأن سجود إمامه قد كملت به الصلاة في حقهما.
فإن نسي الإمام السجود، سجد المسبوق في آخر صلاته، رواية واحدة.
إذا سها المأموم فيما ينفرد فيه بالقضاء، سجد، رواية واحدة.
وهكذا لو سها فسلّم مع إمامه، قام فأتم، ثم سجد بعد السلام.
فأما غير المسبوق إذا سها إمامه فلم يسجد، فهل يسجد؟ فيه روايتان: إحداهما: يسجد، وهو قول مالك والشافعي.
والثانية: لا يسجد، روي عن عطاء والحسن والقاسم وأصحاب الرأي.
وإذا قام المأموم لقضاء ما فاته، فسجد إمامه بعد السلام، فحكمه حكم القائم عن التشهد الأول، نص عليه.
وليس على المسبوق ببعض الصلاة سجود، في قول أكثر أهل
العلم.
ويروى عن ابن عمر وابن الزبير وإسحاق: "فيمن أدرك وتراً من صلاة إمامه، سجد للسهو، لأنه يجلس للتشهد في غير موضعه".
ولنا: قوله: "وما فاتكم فأتموا"، 1 ولم يأمر بالسجود، وقد "فاته صلى الله عليه وسلم بعض الصلاة مع عبد الرحمن بن عوف، فقضى"، ولم يكن لذلك سجود، والحديث رواه مسلم، وقد جلس في غير موضع تشهده.
ولا يشرع السجود لشيء تركه أو فعله عمداً.
وقال الشافعي: يسجد لترك التشهد والقنوت عمداً.
وحكم النافلة حكم الفرض، في قول عامة أهل العلم، إلا ابن سيرين، وهو يخالف عموم الأمر به.
ولو قام إلى ثالثة في صلاة الليل، كالقيام إلى ثالثة لفجر، نص عليه.
وقال مالك: يتمها أربعاً ويسجد.
وقال الأوزاعي في صلاة النهار كقوله، وفي صلاة الليل: إن ذكر قبل ركوعه في الثالثة جلس، وإلا أتمها أربعاً.
ولنا: قوله: "صلاة الليل مثنى مثنى" 2.
ولا يُشْرَع في صلاة جنازة وسجود تلاوة وسجود سهو، قال إسحاق: هو إجماع.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
ظاهر كلام الأصحاب: لا يرجع إلى فعل المأموم.
ونقل أبو طالب: إذا صلى بقوم تحرى ونظر إلى من خلفه، فإن قاموا تحرى وقام، وإن سبحوا به، تحرى وفعل ما يفعلون.
واختار المجد: لا تبطل بالعمل الكثير سهواً، لقصة ذي اليدين، فإنه مشى وتكلم ودخل منزله، وبنى على ما تقدم من صلاته.
وإن تكلم في صلبها بطلت، عمداً أو سهواً، وعنه: لا تبطل [في السهو] ، 3 اختاره الشيخ.
ولو نام فتكلم، أو سبق على لسانه حال قراءة، أو غلبة سعال أو
عطاس أو تثاؤب ونحوه، فبان حرفان، لم تبطل.
وإن لم يغلبه، بطلت، وقال الشيخ: هو كالنفخ وأولى.
وإن قهقه فبان حرفان فكالكلام، وعنه: كالكلام ولو لم يبن حرفان، اختاره الشيخ.
واختار أن النفخ ليس كالكلام، ولو بان حرفان فأكثر لا تبطل به.
ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين، وعنه: على غالب ظنه، اختاره الشيخ، [وقال:] 1 على هذا عامة أمور الشرع؛ وإن مثله يقال في طواف وسعي ورمي جمار وغير ذلك.
والسجود قبل السلام أو بعده، لا خلاف في جواز الأمرين، قاله القاضي.
وإنما الكلام في الأفضل.
وذكره بعض المالكية والشافعية إجماعاً، وقيل: محله وجوباً، اختاره الشيخ.
وقال: عليه يدل كلام أحمد، وإن نسيه قبل السلام قضاه ما لم يطل الفصل.
وعنه: يسجد وإن بعد، اختاره الشيخ.
وعنه: ما كان من زيادة فهو بعد السلام، وما كان من نقص كان قبله، فيسجد من أخذ باليقين قبل السلام، ومن أخذ بظنه بعده، اختاره الشيخ.
باب صلاة التطوع
التطوع قسمان: تطوع في ليل، فلا يجوز إلا مثنى، هذا قول أكثر أهل العلم.
وقال أبو حنيفة: إن شئت ركعتين، وإن شئت أربعاً [وإن شئت ستاً] . 1 ولنا: حديث عائشة، متفق عليه.
وتطوع النهار الأفضل فيه مثنى مثنى، لحديث علي البارقي: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى".
رواه أبو داود، ولأنه أشبه بتطوعاته صلى الله عليه وسلم.
وذهب مالك والشافعي إلى أن الليل والنهار مثنى مثنى، والصحيح: أنه "إن تطوع في النهار أربعاً فلا بأس، فعله ابن عمر".
وكان إسحاق يقول: صلاة النهار أربعاً، وإن صلى ركعتين جاز.
ومفهوم الحديث المتفق عليه يدل على جواز الأربع، لا تفضيلها.
وأما حديث البارقي، فتفرد بزيادة النهار، ورواه عن ابن عمر نحو من خمس عشرة نفساً، لم يقله أحد سواه.
"وكان ابن عمر يصلي أربعاً".
والتطوع قسمان:
أحدهما: ما تسن له الجماعة، كالكسوف والتراويح.
والثاني: ما يفعل على الانفراد، وهي قسمان: سنة معيّنة، ونافلة مطلقة.
فأما المعيّنة: فأنواع، منها الرواتب وهي عشر.
وقال الشافعي: "قبل الظهر أربع"، لحديث عائشة، رواه مسلم.
وآكدها: ركعتا الفجر، لما ورد، و"يستحب
تخفيفهما"، لحديث عائشة، و"يقرأ فيهما: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ 1 و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، 2" لحديث أبي هريرة، وحديث ابن عباس، في آيتي "البقرة" و"آل عمران"، رواه مسلم.
ويستحب الاضطجاع بعدها على جنبه الأيمن.
وعنه: "ليس بسنة، لأن ابن مسعود أنكره"، ولنا: حديث عائشة: "ويقرأ في الركعتين بعد المغرب بسورتي الإخلاص"، 3 لحديث ابن مسعود، رواه الترمذي.
ويستحب فعل السنن في البيت، قال أحمد: ليس ههنا آكد من الركعتين بعد المغرب، وذكر حديث ابن إسحاق: "صلوا هاتين الركعتين في بيوتكم"، 4 وقال: لم يبلغنا أنه صلى الله عليه وسلم قضى شيئاً من التطوع، إلا ركعتي الفجر، والركعتين بعد العصر؛ قال ابن حامد: وقسنا الباقي عليه.
وأما الركعتان بعد أذان المغرب، فظاهر كلام أحمد: أنهما جائزتان وليستا سنة، وقال: فيهما أحاديث جياد.
وأما الركعتان بعد الوتر، فقال: أرجو إن فعله إنسان ألا يضيق عليه، ولكن وهو جالس.
قيل له: تفعله أنت؟ قال: لا.
والصحيح أنهما ليستا بسنة، لأن أكثر من وصف تهجده صلى الله عليه وسلم لم يذكرهما، وأكثر الصحابة ومن بعدهم على تركهما.
وصلاة الضحى مستحبة، لحديث أبي هريرة وأبي الدرداء، رواهما مسلم.
وأقلهما: ركعتان، للخبر.
و [أفضل] 5 وقتها: إذا علت الشمس واشتد حرها، لقوله: "صلاة الأوابين حين ترمض الفصال".
6 رواه مسلم.
ويسن لمن دخل المسجد أن لا يجلس حتى يصلي ركعتين.
فأما النوافل المطلقة، فتشرع، إلا في أوقات النهي.
وتطوع الليل أفضل، قال أحمد ليس بعد المكتوبة عندي أفضل من
قيام الليل.
وعن أبي هريرة، رفعه: "أفضل الصلاة بعد الفريضة، صلاة الليل".
1 رواه مسلم.
و"أفضل التهجد جوف الليل الآخر"، لحديث عائشة وابن عباس، قال أحمد: إذا أغفى، يعني: بعد التهجد، فإنه لا يبين عليه أثر السهر، وإذا لم يغف يبين عليه.
ويستحب أن يتسوك، يعني: إذا قام من الليل، لحديث حذيفة، وأن يفتتح تهجده بركعتين خفيفتين، لحديث أبي هريرة.
و"يستحب أن يقرأ جزءاً من القرآن في تهجده، لأنه صلى الله عليه وسلم كان يفعله.
وهو مخير بين الجهر والإسرار"، لحديث عائشة.
ومن كان له تهجد ففاته، استحب له قضاؤه بين صلاة الفجر والظهر، للحديث.
و"يجوز التطوع جماعة وفرادى، لأنه صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين".
ولا نعلم خلافاً في إباحة التطوع جالساً، وأن القيام أفضل.
و"هو مخير في الركوع والسجود، إن شاء من قيام، وإن شاء من قعود، لأنه صلى الله عليه وسلم فعل الأمرين"، قال أحمد: العمل على كلا الحديثين.
والوتر ركعة، نص عليه، وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال هؤلاء: يصلي ركعتين ثم يسلم، ثم يوتر بركعة.
قال أحمد: أنا أذهب في الوتر إلى ركعة، ومن أوتر بثلاث أو أكثر فلا بأس.
والقنوت مسنون في جميع السنة، وعنه: في النصف الأخير من رمضان، وبه قال مالك والشافعي.
وعنه: لا يقنت في صلاة بحال، ويقنت بعد الركوع، نص عليه، وبه قال الشافعي.
وعنه: أنا أذهب إلى أنه بعد الركوع، وإن قنت قبله فلا بأس.
وقال مالك: قبل الركوع.
ولنا: حديث أبي هريرة وأنس وغير واحد، وحديث ابن مسعود يرويه أبان بن أبي عياش، وهو متروك، وحديث أُبيّ قد تُكُلِّم فيه، وقيل: ذكر القنوت فيه غير صحيح.
ويستحب
أن يقول في قنوت الوتر ما روى الحسن بن علي.
وعن عمر: "أنه قنت بسورتي أبي"، قال ابن قتيبة: نحفد: نبادر، والجد، أي: الحق لا اللعب، وملحِق، بكسر الحاء: لاحق؛ هكذا يروى.
يقال: لحقت القوم وألحقتهم بمعنى واحد.
ومن فتح الحاء، أراد: أن الله ملحقهم إياه، وهو معنى صحيح، غير أن الرواية هي الأولى.
ويؤمّن من خلف الإمام، لا نعلم فيه خلافاً، قاله إسحاق.
وقال الأثرم: كان أحمد يرفع يديه في القنوت إلى صدره، واحتج بأن "ابن مسعود رفع يديه إلى صدره في القنوت"، أنكره مالك.
وهل يمسح وجهه بيديه إذا فرغ؟ فيه روايتان: إحداهما: لا، قال أحمد: ما سمعت فيه بشيء.
ولا يسن القنوت قي الصبح ولا غيرها، سوى الوتر.
وعن مالك والشافعي: يقنت في الصبح، ولنا: حديث أنس وأبي هريرة، قال إبراهيم: "أول من قنت: عليّ في صلاة الغداة"، وذلك أنه كان محارباً يدعو على أعدائه، وقنوت عمر يحتمل أنه في النوازل، فإن أكثر الروايات عنه: أنه لم يكن يقنت.
قال أحمد: إذا نزل بالمسلمين أمر، قنت الإمام في الفجر، وأمّن من خلفه، ثم قال: مثل ما نزل بالمسلمين من هذا الكافر، يعني: بابك.
قال عبد الله عن أبيه: "كل شيء ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في القنوت، فإنما هو في الفجر، ولا يقنت إلا في الفجر إذا كان مستنصراً يدعو للمسلمين".
وقال أبو الخطاب: يقنت في الفجر والمغرب.
والذي اختار أحمد: أن تفصل ركعة الوتر مما قبلها، وقال: إن أوتر بثلاث لم يسلّم فيهن، لم يضيق عليه.
وحجة من لم يفصل: قول عائشة: "أنه كان يوتر بأربع وثلاث، وست وثلاث، وثمان وثلاث"، 1 وقولها: "كان يصلي أربعاً، فلا تسأل عن حسنهن وطولهن.
ثم يصلي أربعاً كذلك، ثم يصلي ثلاثاً".
2 وقالت: "كان يوتر بخمس، لا يجلس إلا في آخرهن".
3 رواه مسلم.
ولنا: قولها: "كان يسلّم بين كل ركعتين، ويوتر بواحدة"، 4 وقوله: "صلاة الليل
مثنى مثنى، فإذا خشيت الصبح فأوتر بواحدة"، 1 وقال: " الوتر ركعة من آخر الليل".
2 رواه مسلم.
وحديثها الذي ذكروه ليس فيه تصريح بأنها بتسليم واحد، وأما إذا أوتر بخمس فيأتي.
وقال أحمد فيمن يوتر فيسلّم من الثنتين، فيكرهونه أهل المسجد: فلو صار إلى ما يريدون.
يعني: لا تضر موافقتهم.
ويجوز أن يوتر بإحدى عشرة، وبتسع، وبسبع، وبخمس، وبثلاث، وبواحدة.
فإن أوتر بإحدى عشرة سلّم من ركعتين، وإن أوتر بثلاث سلّم من الثنتين وأوتر بواحدة، وإن أوتر بخمس لم يجلس إلا في آخرهنَّ، وإن أوتر بسبع جلس عقيب السادسة فتشهد ولم يسلّم، ثم يجلس بعد السابعة فيتشهد ويسلم.
وإن أوتر بتسع لم يجلس إلا عقيب الثامنة، فيتشهد [ثم يقوم ويأتي 3 بالتاسعة] ، ويسلم.
ونحوه قال إسحاق، ثم ذكر حديث زيد بن ثابت في الخمس، وكذلك حديث عائشة.
وأما التسع والسبع فذكر فيهن حديث سعيد بن هشام عن عائشة.
وقال القاضي في السبع: لا يجلس إلا في آخرهن كالخمس، ولعله يحتج بحديث ابن عباس: "صلى سبعاً أو خمساً، لم يجلس إلا في آخرهن".
وعن أم سلمة نحوه، رواه ابن ماجة، وكلا الحديثين فيه شك في السبع، وليس في واحد منهما أنه لا يجلس عقيب السادسة.
والوتر غير واجب، وبه قال مالك والشافعي، وأوجبه أبو حنيفة، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر به، ولحديث بريدة، مرفوعاً: "من لم يوتر فليس منا".
4 رواه أحمد.
ولنا: حديث عبادة، وفيه: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس صلوات كتبهن الله ... إلخ"، 5 وحديث ضمام، وأحاديثهم قد تكلم فيها.
ثم المراد بها تأكيد فضيلته، والأفضل فعله آخر الليل.
و"من كان له تهجد، جعله بعده، لفعله صلى الله عليه وسلم".
فإن خاف ألا يقوم من آخر الليل، استحب له أن يوتر أوله، لأنه صلى الله عليه وسلم أوصى أبا هريرة وغيره بالوتر قبل النوم وقال: "من خاف أن لا يقوم آخر الليل، فليوتر من أوله".
1 وكلها صحاح.
وأي وقت أوتر من الليل بعد العشاء أجزأ، لا نعلم فيه خلافاً.
[فأما] 2 من أوتر ثم قام للتهجد، فالأفضل أن يصلي مثنى مثنى، ولا ينقض وتره؛ وبه قال مالك.
قيل لأحمد: لا ترى نقض الوتر؟ قال: لا، ثم قال: وإن ذهب إليه رجل فأرجو، لأنه قد فعله جماعة، وهو قول إسحاق؛ ولعلهم ذهبوا إلى قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً".
3 ولنا: حديث طلق بن علي، رفعه: "لا وتران في ليلة".
4 حسنه الترمذي.
فإن صلى مع الإمام وأحب متابعته، لم يسلم وقام فصلى ركعة شفع بها صلاته، نص عليه، وقال: إن شاء قام على وتره وشفع إذا قام، وإن شاء صلى مثنى.
قال: ويشفع مع الإمام بركعة أحب إلي.
ويستحب أن يقرأ في ركعات الوتر الثلاث: في الأولى بـ"سبح"، وفي الثانية ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ ، 5 وفي الثالثة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ . 6 وقال الشافعي: "يقرأ في الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ، 7 والمعوذتين"، لحديث عائشة، رواه ابن ماجة.
ولنا: حديث أبيّ بن كعب، وحديث عائشة لا يثبت.
وقد أنكر أحمد ويحيى بن معين زيادة المعوذتين.
قال أحمد: الأحاديث التي جاءت: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بركعة كان قبلها صلاة متقدمة، قيل له: أيوتر في السفر بواحدة؟ قال: يصلي قبلها ركعتين".
قيل لأحمد: رجل قام يتطوع، ثم بدا له فجعل تلك الركعة وتراً، قال: لا.
وكيف يكون؟ هذا قد قلب نيته.
قيل له: أيبتدئ الوتر؟ قال: نعم.
انتهى من الشرح.
وقال: إذا قنت قبل الركوع، كبر ثم أخذ في القنوت.
وقد روي عن عمر: "أنه إذا فرغ من القراءة كبر، ثم قنت، ثم كبر حين يركع"، روي ذلك
عن علي وابن مسعود، ولا نعلم فيه مخالفاًً.
و"يستحب أن يقول بعد وتره: "سبحان الملك القدوس" ثلاثاً، ويمد صوته في الثالثة"، لحديث أبيّ بن كعب وابن أبزى.
و"صلاة التراويح سنّة مؤكدة سنّها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنسب إلى عمر، لأنه جمع الناس على أبيّ بن كعب".
والمختار عند أحمد: عشرون ركعة، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: ستة وثلاثون.
ولنا: "أنّ عمر لما جمع الناس على أبيّ، كان يصلي بهم عشرين ركعة".
وأما ما رواه صالح، فإن صالحاً ضعيف، ثم ما ندري مَنِ الناس الذين روى عنهم، وما كان عليه الصحابة أولى؟
والمختار عند أحمد: فعلها في الجماعة، وقال: إن كان رجل يقتدي به فصلاها في بيته، خفت أن يقتدى به.
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اقتدوا بالخلفاء".
وقال مالك والشافعي: هي لمن قوي في البيت أحب إلينا، لحديث زيد بن ثابت: "احتجز رسول الله صلى الله عليه وسلم حجيرة، فجاء رجال يصلّون بصلاته"، فيه: "فعليكم بالصلاة في بيوتكم، فإن خير صلاة المرء في بيته، إلا المكتوبة".
1 رواه مسلم.
ولنا: إجماع الصحابة، وجمع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأهله، وقال في حديث أبي ذر: "إن القوم إذا صلَّوا مع الإمام حتى ينصرف، كتب لهم قيام تلك الليلة"، 2 وهذا خاص في قيام رمضان، فيقدم على عموم ما احتجوا به.
وقال أحمد: يقرأ بالقوم في رمضان ما يخف على الناس، ولا يشق عليهم.
وقال: يعجبني أن يصلي مع الإمام ويوتر معه، لقوله: "إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، كتب له قيام ليلته".
3 وقيل له: تؤخر القيام في التراويح إلى آخر الليل؟ قال: لا، سنة المسلمين أحب إليّ.
وكره أحمد التطوع بين التراويح، وقال: فيه عن ثلاثة من الصحابة.
قيل: فيه رخصة عن بعض الصحابة؟ قال: هذا باطل، إنما فيه عن الحسن وسعيد بن جبير وعن أبي الدرداء: "أنه بصر من يصلي بين التراويح، فقال: أتصلي وإمامك بين يديك؟ ليس
منا من رغب عنا"، وقال: "من قلة فقه الرجل: أن يُرى أنه في المسجد وليس في صلاة".
وأما التعقيب وهو: أن يصلي بعد التراويح نافلة أخرى في جماعة، أو التراويح في جماعة أخرى، فعنه: لا بأس، لأن أنساً قال: "ما يرجعون إلاّ لخير يرجونه، أو لشر يحذرونه".
وسئل أحمد: عن ختم القرآن في الوتر أو التراويح، فقال: في التراويح حتى يكون لنا دعاءان.
وقال حنبل: سمعته يقول: إذا فرغت من قراءة ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ، 1 فارفع يديك في الدعاء قبل الركوع.
فقلت: إلى أي شيء تذهب؟ قال: رأيت أهل مكة يفعلونه، وابن عيينة يفعله معهم.
قال العباس بن عبد العظيم: وكذلك أدركت الناس بمكة والبصرة.
ويروي أهل المدينة في هذا أشياء.
وذكر عن عثمان بن عفان.
وسئل أحمد: إذا قرأ سورة "الناس"، هل يقرأ من "البقرة" شيئاً؟ قال: لا.
وقال: "كان أنس إذا ختم القرآن جمع أهله وولده".
واستحسن أحمد التكبير عند آخر كل سورة من "الضحى".
وسئل: عن الإمام في رمضان يدع الآيات من السورة، ينبغي لمن خلفه أن يقرأها؟ قال: نعم.
ينبغي له أن يفعل.
قد كانوا بمكة يوكلون رجلاً يكتب ما ترك الإمام من الحروف وغيرها، فإذا كان ليلة الختمة أعاده؛ وإنما استحب ذلك لتتم الختمة.
ولا بأس بالقراءة في الطريق، والإنسان مضطجع.
وعن إبراهيم التيمي قال: "كنت أقرأ على أبي موسى وهو يمشي في الطريق، فإذا قرأت سجدة قلت له: أسجد في الطريق؟ قال: نعم".
و"يستحب أن يختم في كل سبعة أيام"، لحديث عبد الله بن عمرو وحديث أوس بن حذيفة، رواه أبو داود.
وعنه: أنه غير مقدر على حسب النشاط والقوة، "لأن عثمان كان يختمه في ليلة"، والترتيل أفضل،
لقوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً﴾ . 1 وكره أحمد القراءة بالألحان، وقال: هي بدعة؛ وكلامه يحمل على الإفراط، وجعل الحركات حروفاً، فأما ما يحسن القراءة والترجيع فغير ما رواه، لحديث ابن المغفل وغيره في قراءة سورة "الفتح".
ويجوز قضاء الفرائض في أوقات النهي، روي ذلك عن غير واحد من الصحابة؛ وبه قال مالك والشافعي.
وقال أصحاب الرأي: لا تقضى في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة بن عامر، إلا عصر يومه يصليها قبل غروب الشمس، لعموم النهي، و "لأنه صلى الله عليه وسلم لما نام عن الفجر حتى طلعت الشمس، أخّرها حتى ابيضت".
2 ولنا: قوله: "من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلّها إذا ذكرها".
3 وفي حديث أبي قتادة: "فليصلّها حين ينتبه".
متفق عليهما، وخبر النهي مخصوص بالقضاء في الوقتين الآخرين وبعصر يومه، وحديث أبي قتادة يدل على جواز التأخير، لا على تحريم الفعل.
ويركع للطواف، وهذا مذهب الشافعي، وأنكره مالك لعموم النهي.
ولنا: حديث جبير بن مطعم: "يا بني عبد مناف" الحديث صححه الترمذي، وحديثهم مخصوص بالفوائت، وحديثنا لا تخصيص فيه.
وأما صلاة الجنازة بعد الصبح والعصر، فلا خلاف فيه، قاله ابن المنذر.
وأما في الأوقات الثلاثة، فلا يجوز، قال أحمد: لا يعجبني، ثم ذكر حديث عقبة بن عامر؛ قال الخطابي: هذا قول أكثر أهل العلم.
وعنه: تجوز في جميع أوقات النهي، وهو مذهب الشافعي.
ولنا: حديث عقبة بن عامر، وذكره للصلاة مقروناً بالدفن دليل على إرادة صلاة الجنازة.
ومن صلى فرضه، ثم أدرك تلك الصلاة في جماعة، استحب له إعادتها أي صلاة كانت، بشرط أن تقام وهو في المسجد، أو يدخل وهم يصلون، وهذا قول للشافعي.
فإن أقيمت وهو خارج المسجد،
لم يستحب له الدخول.
واشترط القاضي أن يكون مع إمام الحي، وكلام أحمد يدل على أن إمام الحي وغيره سواء.
قال الأثرم: سألته عمن صلى في جماعة ثم دخل المسجد وهم يصلون، يصلي معهم؟ قال: نعم.
وذكر حديث أبي هريرة: "أما هذا فقد عصى أبا القاسم".
إنما هي نافلة فلا يدخل، فإن دخل صلى، وإن كان قد صلى في جماعة.
قيل له: والمغرب؟ قال: نعم، إلا أنه في المغرب يشفع.
وقال مالك: إن صلى وحده، أعاد المغرب.
وإن صلى جماعة لم يعدها، لأن الحديث: "صلّينا في رحلنا".
وقال أبو حنيفة: لا تعاد الفجر والعصر، لأجل وقت النهي، ولا المغرب، لأن التطوع لا يكون بوتر.
ولنا: حديث يزيد بن الأسود، وحديث أبي ذرّ: "صل معهم، فإنها لك نافلة".
وهذه الأحاديث بعمومها تدل على محل النزاع، وحديث يزيد صريح في إعادة الفجر، والأحاديث بإطلاقها تدل على الإعادة مع إمام الحي أو غيره، أو صلى وحده أو في جماعة.
وإذا أعاد المغرب شفعها برابعة، وهذا مذهب الشافعي.
وعن حذيفة أنه قال لما أعاد المغرب: "ذهبت أقوم في الثالثة، فأجلسني"، وهذا يحتمل أنه أمره بالاقتصار على ركعتين، أو أمره بمثل صلاة الإمام.
ولا تجب الإعادة، وقيل: "تجب مع إمام الحي، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بها".
ولنا: أنها نافلة، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تصلى صلاة في يوم مرتين".
1 رواه أبو داود، ومعناه: واجبتان.
وإن لم يدرك إلا ركعتين، فقيل: يسلم معهم، لأنها نافلة، ويستحب أن يتمها.
ونص أحمد أنه يتمها أربعاً، لقوله: "وما فاتكم فأتموا ". 2 والأوقات الخمسة منهي عن الصلاة فيها، وهو قول الشافعي.
وقال ابن المنذر: المنهي عنه في الأوقات الثلاثة التي في حديث عقبة، وقول عائشة: "وهم عمر، إنما نهى أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها".
3 ولنا: الأحاديث الصحيحة االصريحة، والتخصيص في بعض لا يعارض العموم الموافق له، بل يدل على
تأكيد الحكم فيما خصه.
وقول عائشة غير مقبول لأن عمر مثبت، وقد رواه عمرو بن عبسة وأبو هريرة وابن عمر وغيرهم.
والنهي عن الصلاة بعد العصر متعلق بالصلاة، لا نعلم فيه خلافاً، وأما بعد الفجر فيتعلق بطلوع الفجر، وبه قال ابن المسيب وأصحاب الرأي.
قال النخعي: كانوا يكرهون ذلك، يعني: التطوع بعد طلوع الفجر.
وعنه: النهي متعلق بفعل الصلاة، روي عن الحسن والشافعي.
ولا أعلم خلافاً في المذهب أنه لا يجوز أن يبتدئ صلاة التطوع في هذه الأوقات، غير ذات سبب، وهو قول الشافعي.
وقال ابن المنذر: رخصت طائفة في الصلاة بعد العصر.
وحكي عن أحمد: لا نفعله ولا نعيب فاعله، لقول عائشة: "ما ترك ركعتين بعد العصر عندي قط"، 1 ولا الأحاديث الصحيحة الصريحة، وحديث عائشة روي عنها أنه خاص به صلى الله عليه وسلم.
وأما التطوع لسبب، فالمنصوص عن أحمد: أن الوتر يفعل قبل صلاة الفجر، وبه قال مالك والشافعي، وأنكره عطاء والنخعي، واحتجوا بعموم النهي.
ولنا: حديث أبي بصرة، مرفوعاً: " إن الله زادكم صلاة، فصلوها ما بين العشاء إلى صلاة الصبح ". 2 احتج به أحمد.
وأحاديث النهي الصحيحة ليست صريحة في النهي بعد الفجر.
وأما قضاء سنة الفجر بعدها فجائز، إلا أن أحمد اختار أن يقضيها من الضحى، وقال: إن صلاها بعد الفجر أجزأه.
وقال الشافعي: يقضيهما بعدها، لحديث قيس بن فهد، وسكوته صلى الله عليه وسلم يدل على الجواز.
وقال أصحاب الرأي: لا يجوز لعموم النهي.
وأما قضاء السنن الراتبة بعد العصر، فالصحيح جوازه، لفعله صلى الله عليه وسلم.
ومنعه أصحاب الرأي.
وأما قضاء السنن في سائر أوقات النهي، وفعل ما له سبب، كتحية المسجد وسجود التلاوة، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجوز، لعموم النهي.
والثانية: تجوز، لأن قوله في تحية المسجد والكسوف خاص في هذه الصلاة، فيقدم على النهي العام، ولا فرق بين مكة وغيرها.
وقال الشافعي: لا يمنع.
ولنا: عموم النهي، وحديث جبير أراد به الطواف، ولا فرق في وقت الزوال بين يوم الجمعة وغيره، ورخص فيه الحسن وطاووس والشافعي، لحديث أبي سعيد: "نهى عن الصلاة نصف النهار، إلا يوم الجمعة".
1 ولنا: عموم النهي، وذكر لأحمد الرخصة في نصف النهار يوم الجمعة، فقال: في حديث النبي صلى الله عليه وسلم من ثلاثة وجوه: حديث عمرو بن عبسة، وحديث عقبة بن عامر، وحديث الصنابحي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الشمس تطلع معها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها.
ثم إذا استوت قارنها، وإذا دنت للغروب قارنها.
فإذا غربت فارقها".
2 ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات، وحديثهم ضعيف.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وقال الشيخ لما ذكر تفضيل أحمد للجهاد، والشافعي للصلاة، ومالك للذكر: والتحقيق لا بد لكل من الآخرين، وقد يكون كل واحد أفضل في حال، وإن الطواف أفضل من الصلاة في المسجد الحرام، وذكره عن جمهور العلماء.
وعن ابن عباس: "الطواف لأهل العراق، والصلاة لأهل مكة"، وذكره أحمد عن عطاء والحسن ومجاهد.
وليس الوتر بواجب، واختار الشيخ وجوبه على من يتهجد بالليل، وأدنى الكمال: ثلاث بتسليمين، وخير الشيخ بين الفصل والوصل.
وفي دعاء القنوت بين فعله وتركه، وأنه إن صلى بهم قيام رمضان فقنت جميع الشهر أو نصفه أو لم يقنت، فقد أحسن.
قوله: إلا أن ينزل بالمسلمين نازلة، فلإمام خاصة القنوت، وعنه: ونائبه.
وعنه:
ويقنت إمام جماعة.
وعنه: وكل مصلّ، اختاره الشيخ.
وقوله: في صلاة الفجر، وعنه: في الفجر والمغرب فقط.
وعنه: يقنت في جميع المكتوبات، خلا الجمعة، اختاره الشيخ.
قوله: ركعتان قبل الظهر، وعند الشيخ: أربع قبلها، ويقضي الوتر.
وعنه: لا يقضي، اختاره الشيخ.
والتراويح: عشرون ركعة، قال أحمد: روي في ذلك ألوان، ولم يقض فيه بشيء، قال الشيخ: كل ذلك، أو إحدى عشرة، أو ثلاث عشرة، حسن، كما نص عليه أحمد، لعدم التوقيت؛ فيكون تقليل الركعات وتكثيرها بحسب طول القيام وقصره.
وقال: من صلاها قبل العشاء فقد سلك سبيل المبتدعة المخالفين للسنة.
وقال: لا يجوز التطوع مضجعها لغير عذر، وتجويزه قول شاذ لا أعرف له أصلاً في السلف.
وكثرة الركوع والسجود أفضل، وعنه: طول القيام أفضل، وعنه: التساوي، اختاره الشيخ.
وقال: التحقيق أن ذكر القيام وهو القرآن، أفضل من ذكر الركوع والسجود، وأما نفس الركوع والسجود فأفضل من نفس القيام، فاعتدلا؛ ولهذا كانت صلاته عليه الصلاة والسلام معتدلة: إذا أطال القيام أطال الركوع والسجود بحسب ذلك حتى يتقاربا.
ولا يداوم على صلاة الضحى، واختار الشيخ المداومة عليها لمن لم يقم الليل؛ وله قاعدة في ذلك وهي: ما ليس براتب لا يداوم عليه كالراتب.
واختار أن سجود التلاوة وسجود الشكر خارج الصلاة لا يفتقر إلى وضوء، وبالوضوء أفضل.
وسجود التلاوة سنة، وعنه: واجب في الصلاة، وعنه: واجب مطلقاً، اختاره الشيخ.
ولا يقوم ركوع ولا سجود عن سجدة التلاوة في الصلاة، وعنه: تقوم سجدة الصلاة عنه.
والأفضل أن يكون سجوده عن
قيام، واختاره الشيخ، وعنه: يسجد وهو قاعد.
قوله: وعند قيامها حتى تزول، وظاهر كلام الخرقي: أنه ليس بوقت نهي، واختاره الشيخ في يوم الجمعة خاص.
واختار فعل ركعتي الطواف، وإعادة الجماعة في الأوقات كلها، وصلاة الجنازة، وذوات الأسباب كلها، كالصلاة بعد الوضوء وصلاة الاستخارة، فيما يفوت.
باب صلاة الجماعة
هي: واجبة على الرجال المكلفين، وقال مالك والشافعي: لا تجب لحديث: "صلاة الجماعة تفضل ... إلخ".
1 ولنا: أنها لو لم تجب لأرخص فيها في حال الخوف، ولم يجز الإخلال بالواجبات من أجلها.
وليست شرطاً، وقيل: شرط.
ولا نعلم من أوجب الإعادة على من صلى وحده، إلا أنه روي عن جماعة من الصحابة منهم ابن مسعود: "من سمع النداء ثم لم يجب من غير عذر، فلا صلاة له".
وتنعقد باثنين بغير خلاف.
وله فعلها في بيته، وعنه: أن حضور المسجد واجب على القريب منه، والأفضل المسجد الذي لا تقام فيه إلا بحضوره، وكذا إن كان في قصد غيره كسر قلب إمامه أو جماعته، ثم ما كان أكثر جماعة، لحديث: "ما كان أكثر جماعة، فهو أحب إلى الله".
2 رواه أحمد.
والأبعد أفضل، لقوله: "أعظم الناس أجراً في الصلاة: أبعدهم فأبعدهم ممشى".
3 رواه البخاري.
ولا يؤم في مسجد قبل إمامه الراتب إلا بإذنه، إلا أن يتأخر، لفعل أبي بكر.
فإن صلى وأقيمت وهو في المسجد، استحب له إعادتها، إلا المغرب، وعنه: يعيدها ويشفعها بركعة، لحديث أبي ذر ويزيد بن الأسود.
ولا تجب الإعادة، وقيل: بلى، مع إمام الحي الظاهر الأمر.
ولا تكره الإعادة في غير المساجد الثلاثة.
وقال مالك والشافعي: لا تعاد في مسجد له إمام راتب في غير ممر الناس، لئلا يفضي إلى اختلاف القلوب والتهاون بها مع الإمام.
فأما الثلاثة، فروي عن أحمد الكراهة، لئلا يتوانى الناس عن
الراتب.
وإذا أقيمت الصلاة، فلا صلاة إلا المكتوبة.
وقال مالك: إن لم يخف فوات الركعة ركع، فإن أقيمت وهو في نافلة، أتمها خفيفة.
و"من أدرك الركوع أدرك الركعة"، لحديث أبي داود، و"أجزأته تكبيرة واحدة"، لأنه روي عن يزيد وابن عمر، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة.
وقال أحمد: إن كبر اثنتين ليس فيه اختلاف.
ويستحب لمن أدرك الإمام في حال متابعته وإن لم يعتدّ به، لحديث أبي هريرة، وما أدرك فهو آخر صلاته، وعنه: أولها.
قال شيخنا: لا أعلم خلافاً بين الأربعة في أنه يقرأ "الفاتحة" وسورة، وهذا مما يقوي الأول.
فإن لم يدرك إلا ركعة من المغرب أو الرباعية، ففي موضع تشهّده، روايتان: إحداهما: يستفتح، ويأتي بركعتين متواليتين، ثم يتشهد.
والثانية: "يقرأ "الحمد" وسورة، ثم يجلس، ثم يقوم فيأتي بأخرى يقرأ "الحمد" وحدها"، وبه قال ابن مسعود.
ولا تجب القراءة على المأموم في قول الأكثر، وأوجبها الشافعي، لقول أبي هريرة: "إقرأ بها في نفسك"، ولحديث عبادة عند أبي داود: "لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب".
1 ولنا: قوله: "من كان له إمام، فقراءة الإمام له قراءة"، 2 وقول أبي هريرة من رأيه، وخالفه غيره من الصحابة، وحديث عبادة لم يروه غير ابن إسحاق ونافع بن محمود، وهو أدنى حالاً منه.
و"يستحب أن يقرأ في سكتات الإمام، وفيما لا يجهر فيه، أو لا يسمعه لبعده"، روي عن ابن عمر وغيره.
ومن ركع أو سجد قبل إمامه، رجع فأتى به بعده، فإن لم يفعل عمداً بطلت، فإن ركع قبله عمداً فهل تبطل؟ على وجهين.
وإن كان جاهلاً أو ناسياً لم تبطل، للحديث، وهل تبطل الركعة؟ فيه روايتان.
فإن تخلف لعذر، من نعاس أو غفلة أو زحام أو عجلة إمام، فعل ما سبق به وأدرك إمامه،
ولا شيء عليه، قال شيخنا: لا أعلم فيه خلافاً.
وإن كان بركعة كاملة أو أكثر، تبع إمامه وقضى ما سبق به، وعنه: يعيد.
وإن سبقه بأكثر من ركن وأقل من ركعة، لم يعتدّ بتلك الركعة، قاله أحمد.
وقال الشافعي: يفعل ما فاته وإن كان أكثر من ركن، "لأنه صلى الله عليه وسلم فعله بعسفان في صلاة الخوف: سجد الصف الأول والثاني قيام" 1.
و"يستحب للإمام تخفيف الصلاة مع إتمامها، لفعله صلى الله عليه وسلم، وتطويل الأولى أكثر من الثانية"، لحديث أبي قتادة، متفق عليه.
ويستحب انتظار الداخل، إذا لم يشق على من خلفه، وكرهه الأوزاعي لأنه تشريك في العبادة.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم يطيل الأولى حتى لا يسمع وقع قدم.
وأطال السجود لما ركب الحسن على ظهره لئلا يعجله".
وإذا استأذنت المرأة في المسجد، كره منعها، وبيتها خير لها، للحديث.
والسنة أن يؤم القوم أقرؤهم، وقال الشافعي: يقدم الأفقه إن كان يقرأ ما يكفي، ولنا: قوله: "وإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة" 2. وإن أقيمت الجماعة في بيت، فصاحبه أحق إذا كان ممن تصلح إمامته، فإن كان فيه ذو سلطان قدِّم، لأن ولايته على البيت وصاحبه، وكذلك إمام المسجد الراتب أولى من غيره.
وإذا قدَّم المستحقُّ غيره جاز، لقوله: "إلا بإذنه".
وهل تصح إمامة الفاسق والأقلف؟ على روايتين.
وإذا أقيمت وهو في المسجد والإمام لا يصلح، فإن شاء صلى خلفه وأعاد، وإن نوى الانفراد ووافقه في أفعالها صح، وعنه: يعيد.
وفي إمامة أقطع اليدين روايتان.
وأما أقطع الرجلين، فلا تصح لعجزه عن القيام.
وإذا صلى خلف من يشك في إسلامه صح.
ولا تصح إمامة العاجز عن شيء من أركان الأفعال بالقادر عليه، وأجازه
الشافعي، إلا إمام الحي المرجو زوال علته، إذا عجز عن القيام، فإن صلوا خلفه قياماً صحت، وقيل: لا تصح، أومأ إليه أحمد.
فإن استخلف بعض الأئمة ثم حضر، فهل يفعل كفعله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر؟ فية ثلاث روايات: إحداهن: ليس له، لأنه خاص بالنبي.
والثانية: يجوز لأن ما فعله صلى الله عليه وسلم جائز لأمته، ما لم يقم دليل على الخصوصية.
والثالثة: يجوز للخليفة خاصة.
ولا تصح إمامة صبي لبالغ في فرض، وعنه: تصح، لقوله: "يؤم القوم أقرؤهم ... إلخ".
1 وحديث عمرو بن سلمة رواه البخاري، وهو ابن سبع أو ثمان سنين.
فـ"إن صلى الإمام محدثاً جاهلاً هو والمأمومين حتى سلموا، صحت صلاتهم دون الإمام"، يروى عن عمر وعثمان.
فإن علمه في الصلاة، استأنفوا الصلاة؛ وقال الشافعي: يبنون على ما مضى.
ولا تصح إمامة الأمي - وهو من لا يحسن "الفاتحة"، أو يحيل المعنى - إلا بمثله، وأجازه الشافعي.
و"يكره أن يؤم قوماً أكثرهم له كارهون"، لحديث أبي أمامة وابن عمر، رواه أبو داود؛ قال أحمد: إذا كرهه اثنان أو ثلاثة، فلا بأس، حتى يكرهه أكثرهم.
قال منصور: أما إنا سألنا عن ذلك فقيل: عني به الظلمة، فأما من أقام السنة، فالإثم على من كرهه.
ويصح ائتمام من يؤدي الصلاة بمن يقضيها، نص عليه، وكذا عكسه.
ويصح ائتمام المفترض بالمتنفل، ومن يصلي الظهر بمن يصلي العصر، في إحدى الروايتين.
والسنة أن يقف المأمومون خلف الإمام، "لأن أصحابه صلى الله عليه وسلم يقفون خلفه، وأخر جابراً وجباراً لما وقفا عن يمينه وشماله"، وحديث ابن مسعود يدل على جواز ذلك.
فإن كان أحدهما صبياً، فكذلك إن كانت تطوعاً، ويحتمل أن يصح في الفرض، وإن كان واحداً وقف عن يمينه.
فإن