مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)صفحات 500-515
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الجهاد

صفحات 500-515
عن هذه الطبعة
عَلَم
محمد بن عبد الوهاب
الكتاب
مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
المؤلف
محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
المحقق
عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
الناشر
مطابع الرياض - الرياض
الطبعة
الأولى
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]

فإن قلنا بهذا، لم يجعل في سلَم آخر، لأنه بيع ديْن بديْن.
ويجوز فيه ما يجوز في القرض وأثمان البياعات إذا فسخت، ويأخذ أحد النقدين عن الآخر، ويقبضه في مجلس الإقالة.
وإذا كان لرجل سلَم وعليه سلَم من جنسه، فقال لغريمه: اقبض سلَمي لنفسك ففعل، لم يصح، لأنه حوالة به ولا يجوز بالسلَم.
وهل يقع قبضه للآمر؟ على روايتين، وإن قال: أنا أقبضه لنفسي وخذه بالكيل الذي تشاهده جاز في إحدى الروايتين.
والثانية: لا يجوز، وهو مذهب الشافعي، "لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري".
1 وإن اكتاله وتركه في المكيال، وسلمه إلى غريمه، صح، لأنه لا معنى لابتداء الكيل هنا، لأنه لا يحصل به زيادة علم.
وقال الشافعي: لا يصح، للحديث الذي ذكرناه.
وهذا يمكن القول بموجبه لأن قبض المشتري له في المكيال جرى لصاعه فيه.
وإن دفع زيد إلى عمرو دراهم فقال: اشتر لك بها مثل الطعام الذي لك عليّ، ففعل، لم يصح.
وإن قال: اشتر لي بها طعاماً، ثم اقبضه لنفسك، ففعل، صح الشراء ولم يصح القبض لنفسه.
وإن قال: اقبضه لي، ثم اقبضه لنفسك، ففعل، صح؛ نص عليه.
وقال أصحاب الشافعي: لا يصح، لأنه لا يكون قابضاً من نفسه لنفسه.
وهل يجوز الرهن والكفيل بالمسلَم فيه، على روايتين: رويت الكراهة عن علي وابن عباس.
وروى حنبل جوازه، وهو قول عطاء ومجاهد ومالك والشافعي، لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ 2 - إلى قوله - ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . 3 وروي عن ابن عباس وابن عمر: " أن المراد به السلَم"، ولأن اللفظ عام فيدخل فيه السلَم.
ووجه الأولى: أن الراهن والضمين إن أخذ برأس

المال فقد أخذ بما ليس بواجب، ولا مآله إلى الوجوب، لأن المسلَم إليه قد ملكه.
وإن أخذ بالمسلَم فيه فالرهن إنما يجوز بشيء يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن، والمسلَم فيه لا يمكن استيفاؤه من ثمن الرهن ولا من ذمة الضامن، لقوله: "من أسلم في شيء، فلا يصرفه إلى غيره" 1. فإن أخذ رهناً أو ضميناً بالمسلَم فيه، ثم تقايلا أو فسخ العقد لتعذر المسلَم فيه، بطل الرهن وبرئ الضامن، وعلى المسلَم إليه رد رأس مال السلَم في الحال.
ولا يشترط قبضه في المجلس، لأنه ليس بعوض.
ولو أقرضه ألفاً وأخذ به رهناً، ثم صالحه من الألف على طعام في ذمته، صح وزال الرهن، وبقي الطعام في الذمة، ويشترط قبضه في المجلس لئلا يكون بيع ديْن بديْن.
فإن تفرقا قبل القبض، رجع الألف إلى ذمته برهنه، وكذا لو صالحه عن الدراهم بدنانير في ذمته، فالحكم على ما بيّنّا.
والذي يصح أخذ الرهن به: كل ديْن ثابت في الذمة يمكن استيفاؤه من الرهن، كالأجرة والمهر وعوض الخلع وأرش الجنايات.
ولا يجوز أخذ الرهن بما ليس بواجب، ولا مآله إلى الوجوب، كالدية على العاقلة قبل الحول، لأنها لم تجب بعد ولا يعلم إفضاؤها إلى الوجوب، لأنها قد تسقط بالجنون والفقر والموت.
ولا يجوز أخذ الرهن في الجعل في الجعالة قبل العمل.
ولا يجوز أخذ الرهن بمال الكتابة.
ولا يجوز أخذ الرهن بعوض غير ثابت في الذمة، كالثمن المعين، والأجرة المعينة في الإجارة، والمعقود عليه في الإجارة، إذا كان منافع معينة كإجارة الدار والدابة المعينة، لأنه تعلق بالعين لا بالذمة، ومنفعة العين لا يمكن استيفاؤها

من غيرها.
وأما الأعيان المضمونة كالغصوب والعواري والمقبوض على وجه السوم، ففيه وجهان.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": يجوز إسلام عرض في عرض على الصحيح، وعنه: لا يجوز إلا بعين أو ورق.
فإن أسلم حالاً أو إلى أجل قريب كاليوم، لم يصح.
وذكر في الانتصار رواية: يصح حالاً، اختاره الشيخ إذا كان في ملكه، وقال: وهو المراد بقوله عليه أفضل الصلاة والسلام: " لا تبع ما ليس عندك"، 1 أي: ما ليس في ملكك، فلو لم يجز السلَم حالاً لقال: لا تبعْ هذا سواء كان عندك أو لا.
ولا يجوز بيع الديْن المستقر لغير من هو في ذمته، وعنه: يصح، قاله الشيخ.
وقد شمل كلام المصنف مثله بيع الصكاك، وهو الديون الثابتة على الناس تكتب في صكاك وهو الورق ونحوه.
فإن كان نقداً وبيع بنقد لم يجز.
وإن بيع بعرض وقبضه في المجلس، ففيه روايتان: عدم الجواز، قال أحمد: هو غرر.
والجواز نص عليها في رواية حرب وغيره.

باب القرض

قال أحمد: ليس القرض من المسألة، يريد: أنه لا يكره.
وقال: ما أحب أن يقترض بجاهه لإخوانه.
وإن لم يذكر البدل، ولم توجد قرينة، فهو هبة؛ وإن اختلفا، فالقول قول الموهوب له، لأن الظاهر معه.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: أن اقتراض ما له مثلٌ من المكيل والموزون والأطعمة جائز.
وقال أبو حنيفة: لا يجوز قرض غير المكيل والموزون، لأنه لا مثل له، أشبه الجواهر.. ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً".
1 ولو اقترض دراهم أو دنانير غير معروفة الوزن، لم يجز، وكذلك لو اقترض مكيلاً أو موزوناً جزافاً.
فإن كانت الدراهم يتعامل بها عدداً جاز قرضها عدداً.
ولو أجّله لم يتأجل، وكل دين حلّ لم يصر مؤجّلا بتأجيله.
وقال مالك والليث: يتأجل الجميع بالتأجيل، لحديث: "المؤمنون عند شروطهم".
فإن ردّه المقترض عليه، لزمه قبوله ما لم يتعيب أو يكن فلوساً أو مكسرة فيحرمها السلطان، فيكون له القيمة وقت القرض، نص عليه في الدراهم المكسرة، قال يقوّمها كم تساوي يوم أخذها.
وأما رخص السعر فلا يمنع، سواء كان قليلاً أو كثيراً، أشبه الحنطة إذا رخصت أو غلت.
ويجب رد المثل في المكيل والموزون والقيمة في الجواهر ونحوها، إذا قلنا بجواز قرضها، وفي ما سوى ذلك وجهان: أحدهما: يرد القيمة.
والثاني: يرد مثله، "لأنه صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً فرد مثله".

ويجوز قرض الخبز، وإن أقرضه بالوزن ردّ مثله.
وإن استقرضه عدداً وردّ عدداً، فروايتان.
ولا يجوز شرط ما يجر نفعاً.
وقد روي عن أبيّ وابن مسعود وابن عباس: "أنهم نهوْا عن قرض جرّ منفعة"، فإن شرط أن يعطيه إياه في بلد آخر، فروي عن أحمد: أنه لا يجوز.
ورويت كراهته عن الحسن ومالك والشافعي.
وروي جوازه عن أحمد.
وإن فعل ذلك من غير شرط، أو قضاه خيراً منه، أو أهدى له هدية بعد الوفاء، جاز.
وروي عن أبيّ وابن عباس المنع من ذلك.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم استسلف بكراً، فردّ خيراً منه".
وإن فعله قبل الوفاء لم يجز، إلا أن تكون العادة جارية بينهما بذلك قبل القرض، إلا أن يكافئه أو يحسبه من ديْنه؛ قال أحمد: لو قال: اقترض لي من فلان مائة، ولك عشرة فلا بأس.
ولو قال: اكفل عني ولك ألف، لم يجز، لأن الكفيل يلزمه أداء الديْن، فيجب له على المكفول عنه، فصار كالقرض.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": قوله: يصح في كل عين ... إلخ، وقال الشيخ: يجوز قرض المنافع، مثل أن يحصد معه يوماً، أو يسكنه داره ليسكنه الآخر بدلها.
ولو أقرض من له عليه ديْن ليوفيه كل وقت شيئاً جاز، نقله مهنا، ونقل حنبل: يكره.
ولو أقرض فلاحه في شراء بقر أو بذر بلا شرط، حرم عند أحمد، وجوزه المصنف.
وإن أمره ببذره وأنه في ذمته كالمعتاد في فعل الناس ففاسد، له تسمية المثل، ولو تلف لم يضمنه لأنه أمانة، ذكره الشيخ.
ولو أقرض من عليه بر يشتريه به ويوفيه إياه، فقال أحمد: حرام، وقال في المغني: يجوز.

وأداء الديْن واجب على الفور عند المطالبة، وبدونها لا يجب على الفور، قال ابن رجب: محله إذا لم يكن عيّن له وقتاً للوفاء كيوم كذا، فإن عيّن فلا ينبغي أن يجوز تأخيره.
وقال في القواعد الأصولية: ينبغي أن يكون محل جواز التأخير إذا كان صاحب المال عالماً به، وإلا فيجب إعلامه

باب الرهن

يجوز الرهن في الحضر.
قال ابن المنذر: لا نعلم أحداً خالف فيه إلا مجاهد لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية.
1 ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي بالمدينة".
2 فأما ذكر السفر فإنه خرج مخرج الغالب، لكون الكاتب يعدم في السفر غالباً، ولهذا لم يشترط عدم الكاتب، وهو مذكور في الآية، وهو غير واجب، لا نعلم فيه مخالفاًً.
والأمر فيه إرشاد لا إيجاب، بدليل قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ الآية.
ويجوز عقده مع الحق وبعده.
ولا يجوز قبله، وهو مذهب الشافعي.
واختار أبو الخطاب: يصح قبله، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك.
ويجوز رهن ما يسرع الفساد إليه بديْن مؤجل، ويباع ويجعل ثمنه رهناً.
ويصح رهن المشاع، فإن رضي الشريك والمرتهن بكونه في يد أحدهما أو غيرهما، جاز، وإلا جعله الحاكم في يد أمين.
ويجوز رهن المبيع غير المكيل والموزون قبل قبضه، فأما رهنه على ثمنه قبل قبضه ففيه وجهان.
فأما المكيل والموزون فذكر القاضي أنه يصح، لأنه يمكن المشتري أن يقبضه ثم يقبضه، ويحتمل أن لا يصح، لأنه لا يصح بيعه، وما لا يصح بيعه لا يصح رهنه، إلا الثمرة قبل بدو صلاحها.
ولو قال للمرتهن:

زدني ما لا يكون الذي عندك به رهناً وبالديْن الأول، لم يجز.
وقال مالك وأبو يوسف وأبو ثور وابن المنذر: يجوز.
ولو رهن المبيع في مدة الخيار لم يصح، إلا أن يرهنه المشتري، والخيار له وحده، فيصح ويبطل خياره.
ولو أفلس المشتري فرهن البائع عين ماله التي له الرجوع فيها قبل الرجوع لم يصح، لأنه رهن ما لا يملكه، وكذلك رهن الأب العين التي له الرجوع فيها قبل رجوعه في الهبة، وفيه وجه لأصحاب الشافعي: أنه يصح.
ولو رهن الوارث تركة الميت أو باعها وعلى الميت دين صح، وفيه وجه: أنه لا يصح.
فإذا رهنه ثم قضى الحق من غيره، فالرهن بحاله، وإلا فللغرماء انتزاعه.
ولا يلزم الرهن إلا بالقبض، وأما قبله فيجوز للراهن فسخه، وبهذا قال الشافعي.
وقال بعض أصحابنا في غير المكيل والموزون رواية أخرى: أنه يلزم بمجرد العقد، نص عليه في رواية الميموني.
وقال مالك: يلزم الرهن بمجرد العقد، كالبيع.
ووجه الأولى: قوله تعالى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ . 1 واستدامة القبض شرط، فإن أخرجه المرتهن إلى الراهن باختياره، زال لزوم الرهن.
وقال الشافعي: استدامة القبض ليست شرطاً.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الرجل إذا استعار شيئاً يرهنه على دنانير معلومة، عند رجل قد سماه، إلى وقت معلوم، ففعل، أن ذلك جائز.
ومتى شرط شيئاً من ذلك، فخالف ورهن بغيره، لم يصح.
وهذا إجماع أيضاً، حكاه ابن المنذر.
وإن رهنه بأكثر، احتمل أن يبطل في الكل، قاله الشافعي.
واحتمل أن يصح في المأذون فيه، ويبطل في الزائد، كتفريق الصفقة.
فإن أطلق الإذن في الرهن، فقال القاضي: يصح.

وله رهنه بما شاء، وهو أحد قولي الشافعي، والآخر: لا يجوز حتى يبيّن القدر وصفته وحلوله وتأجيله.
فإن تلف فإن الراهن يضمنه، نص عليه، لأن العارية مضمونة.
وإن فك المعير الرهن بغير إذن الراهن، محتسبا بالرجوع، فهل يرجع؟ على روايتين بناء على ما إذا قضى دينه بغير إذنه.
وإذا رهنه المضمون على المرتهن كالمغصوب والعارية صح، وزال الضمان، وبه قال مالك وأبو حنيفة.
وقال الشافعي: لا يزول الضمان ويثبت حكم الرهن، لأنه لا تنافي بينهما، لأنه لو تعدى في الرهن ضمن.
ولنا: أنه مأذون له في إمساكه رهناً لم يتجدد فيه منه عدوان، وقوله: لا تنافي بينهما، ممنوع لأن يد الغاصب والمستعير ونحوهما يد ضامنة، ويد المرتهن يد أمانة، وهذان متنافيان، ولأن السبب المقتضي للضمان زال [فزال بزواله.
وإذا تعدى في الرهن، ضمن لعدوانه لا لكونه غاصباً أو مستعيراً، وهنا زال السبب.
ويجوز للمرتهن أن يوكّل في قبض الرهن] ، 1 ويقوم وكيله مقامه في القبض وسائر الأحكام.
وتصرف الراهن في الرهن لا يصح، إلا العتق، فإنه يصح، ويؤخذ منه قيمته فيجعل رهناً مكانه.
وعنه: لا ينفذ عتق المعسر، فإن أذن فيه المرتهن صح، وبطل الرهن.
وليس للراهن الانتفاع بالرهن باستخدام ولا غيره بغير رضى المرتهن، وقال مالك وغيره: للراهن إجارته وإعارته مدة لا يتأخر انقضاؤها عن حلول الديْن.
وهل له أن يسكن بنفسه؟ على اختلاف بينهم.
وليس له إجارة الثوب ولا ما ينقص بالانتفاع، وبنَوْه على أن المنافع للراهن لا تدخل في الرهن.
وذكر أبو بكر في الخلاف:

أن منافع الرهن تعطل مطلقاً.
ولا يؤجره، وهو قول الثوري وأصحاب الرأي.
وقالوا: إذا أجره بإذن المرتهن كان إخراجاً من الرهن.
ولنا: أن تعطيله تضييع للمال.
وقد نهي عن إضاعته.
ولا يمنع الراهن من إصلاح الرهن ودفع الفساد عنه، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن للمرتهن منع الراهن من وطء أَمته المرهونة، وإن أذن له المرتهن في بيع الرهن أو هبته أو نحو ذلك صح، وبطل الرهن، إلا أن يأذن له في بيعه بشرط أن يجعل ثمنه رهناً، أو يعجل ديْنه من ثمنه.
ونماء الرهن وغلاته تكون رهناً، وقال مالك: يتبع الولد في الرهن خاصة دون سائر النماء.
وقال الشافعي وابن المنذر: لا يدخل في الرهن شيء من النماء المنفصل ولا من الكسب، حتى قال الشافعي: لو رهنه ماشية مخاضاً فنتجت، فالنتاج لا يدخل في الرهن.
وخالفه أبو ثور وابن المنذر، واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم: "الرهن من راهنه، له غنمه وعليه غرمه"، والنماء غنم فيكون للراهن.
ولنا: أنه حكم ثبت في العين بعقد المالك فيدخل فيه النماء والمنافع.
وأما الحديث فنقول به، وأن غنمه وكسبه ونماءه للراهن، لكن يتعلق به حق المرتهن، ومؤنته على الراهن.
وقال أبو حنيفة: أجر المسكن والحافظ على المرتهن.
ولنا: قوله: "الرهن من راهنه" الحديث، قال الدارقطني: إسناده جيد متصل، وإن كان الرهن نخلاً فاحتاج إلى تأبير فهو على الراهن.
وكل زيادة تلزم الراهن فامتنع منها، أجبره الحاكم عليها، فإن لم يفعل اكترى الحاكم من ماله، وإن لم يكن له مال فمن الرهن؛ فإن بذلها المرتهن محتسباً بالرجوع، وقال الراهن: أنفقت متبرعاً، فقال: بل محتسباً، فالقول قول المرتهن، لأن الخلاف في نيته وهو أعلم بها، وعليه اليمين، لأن ما قال الراهن محتمل.

(فصل) : "وهو أمانة في يد المرتهن، إن تلف بغير تعدّ منه فلا شيء عليه".
روي عن علي، وبه قال عطاء والزهري والشافعي.
وروي عن شريح والنخعي والحسن: أن الراهن يضمنه بجميع الديْن وإن كان أكثر من قيمته، لأنه روي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الرهن بما فيه".
وقال مالك: إن كان تلفه بأمر ظاهر كالموت والحريق لم يضمن، وإن ادعى تلفه بأمر خفي ضمن.
وقال الثوري وأبو حنيفة: يضمنه بأقل الأمرين من قيمته أو قدر الديْن، لما روى عطاء: "أن رجلاً رهن فرساً فنفق عند المرتهن، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فقال: ذهب حقك".
ولنا: ما روى ابن أبي ذئب عن الزهري عن ابن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغلق الرهن، لصاحبه غُنمه، وعليه غُرمه".
1 فأما حديث عطاء فمرسل، وقوله يخالفه، قال الدارقطني: يرويه إسماعيل بن أمية وكان كذاباً.
والحديث الآخر إن صح فيحتمل أنه محبوس بما فيه.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: على أن من رهن شيئاً بمال فأدى بعضه، وأراد إخراج بعض الرهن، أن ذلك ليس له، حتى يوفيه آخر حقه أو يبرئه.
وإن رهن عند رجلين فوفى أحدهما انفك في نصيبه.
قال أحمد في رجلين رهنا داراً لهما عند رجل، فقضاه أحدهما: الدار رهن على ما بقي؛ وهذا محمول على أنه ليس للراهن مقاسمة المرتهن للضرر، لأن العين كلها تكون رهناً، لأنه إنما رهنه نصفها.
وإن جعلا الرهن في يد عدل وادعى دفع الثمن إلى المرتهن، فأنكر ولم يكن قضاه ببيّنة، ضمن.
وعنه: لا يضمن إلا أن يكون أمر بالإشهاد فلم يفعل؛ وهكذا الحكم في الوكيل.
ولو تعدى المرتهن في الرهن ثم زال التعدي، أو سافر به ثم رده، لم يزل عنه الضمان لأن استئمانه زال بذلك.
وإذا

استقرض ذمي من مسلم مالاً ورهنه خمراً، لم يصح.
فإن باعها الراهن أو نائبه الذمي وجاء المقرض بثمنها، لزمه قبوله، لأن أهل الذمة إذا تقابضوا في العقود الفاسدة جرت مجرى الصحة.
قال عمر في أهل الذمة معهم الخمر: "ولّوهم بيعها، وخذوا أثمانها".
وإن شرط أن يبيعه المرتهن أو العدل صح.
فإن عزله صح عزله، وقال مالك: لا ينعزل، لأن وكالته صارت من حقوق الرهن.
قال ابن أبي موسى: ويتوجه لنا مثل ذلك، فإن أحمد قد منع الحيلة في غير موضع، وهذا يفتح باب الحيلة للراهن.
فإن شرط أن لا يبيعه عند الحلول، أو إن جاءه بحقه في محله وإلا فالرهن له، لم يصح الشرط، وفي صحة الرهن روايتان.
وعن أحمد: إذا شرط في الرهن أنه ينتفع به المرتهن أنه يجوز في البيع، وقال مالك: لا بأس أن يشترط في البيع منفعة الرهن إلى أجل في الدور والأرضين، وكرهه في الحيوان والثياب، وكرهه في القرض.
وهل يفسد الرهن بالشروط الفاسدة، نصر أبو الخطاب صحته، لأنه صلى الله عليه وسلم قال: "لا يغلق الرهن"، 1 ولم يحكم بفساده.
قال أحمد: معناه لا يدفع رهناً إلى رجل يقول: إن جئتك بالدراهم إلى كذا، وإلا فالرهن لك.
قال ابن المنذر: هذا معنى قوله: "لا يغلق الرهن" عند مالك والثوري وأحمد، وفي حديث معاوية بن عبد الله بن جعفر: "أن رجلاً رهن داراً بالمدينة إلى أجل مسمى، فمضى الأجل فقال الذي ارتهن: منزلي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يغلق الرهن".
2 وإذا قال: رهنتك عبدي هذا على أن تزيدني في الأجل، كان باطلاً، لأنه يضاهي ربا الجاهلية.
وإذا كان له على رجل ألف، فقال: أقرضني ألفاً بشرط أن أرهنك عبدي هذا بألفين، فنقل حنبل عن أحمد:

أن القرض باطل، لأنه قرض يجر منفعة.
ونقل مهنا: أن القرض صحيح، ولعل أحمد حكم بصحة القرض مع فساد الشرط، كي لا يفضي إلى جر منفعة بالقرض، أو حكم بفساد الرهن في الألف الأول وحده.
وحكي عن مالك وأبي ثور: أنه يصح الرهن المجهول، ويلزمه أن يدفع إليه رهناً بقدر الديْن، قال أحمد: حبس المبيع ببقية الثمن فهو غاصب ولا يكون رهناً، إلا أن يكون شرط عليه في نفس البيع.
(فصل) : وإذا كان الرهن محلوباً أو مركوباً، فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر نفقته، متحرياً للعدل في ذلك، نص عليه.
وعنه رواية أخرى: لا يحتسب، وهو متطوع، ولا ينتفع من الرهن بشيء، وهذا قول أبي حنيفة ومالك والشافعي، لقوله: "الرهن من راهنه، له غُنمه، وعليه غُرمه".
ولنا: ما روى البخاري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الرهن يركب بنفقته إذا كان مرهوناً، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة"، 1 فجعل منفعته بنفقته، وهذا محل النزاع.
فإن قيل: المراد به أن الراهن ينفق وينتفع، قلنا: لا يصح لأن في بعض الألفاظ: " إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها، ولبن الدر يشرب، وعلى الذي يشرب نفقته ويركب"، 2 فجعل المنفق المرتهن، ولأن قوله: "بنفقته" يشير إلى أن الانتفاع عوض عن النفقة، والراهن إنفاقه وانتفاعه لا بطريق المعاوضة، ولأن النفقة واجبة وللمرتهن فيه حق، وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن، كما يجوز للمرأة أخذ مؤونتها من مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه.
والحديث نقول به، والنماء للراهن، ولكن للمرتهن فيه حق ولاية صرفه إلى نفقته لثبوت يده عليه.
وأما غير المحلوب والمركوب كالعبد

والأمة، فليس للمرتهن أن ينفق عليه ويستخدمه بقدر نفقته، نص عليه.
قال: الراهن لا ينتفع منه بشيء، إلا حديث أبي هريرة خاصة في الذي يركب ويحلب ويعلف.
قيل له: فإن كان الركوب واللبن أكثر؟ قال: لا، إلا بقدر.
ونقل حنبل أن له استخدام العبد أيضاً، وبه قال أبو ثور.
إذا امتنع المالك من الإنفاق عليه، قال أبو بكر: خالف حنبل الجماعة، والعمل على أنه لا ينتفع من الرهن بشيء إلا ما خصه الشرع، ففيما عداه يبقى على مقتضى القياس.
وما لا يحتاج إلى مؤنة، كالدار والمتاع، فلا يجوز للمرتهن الانتفاع به بغير إذن الراهن، لا نعلم فيه خلافاً.
فإن أذن الراهن في الانتفاع بغير عوض وكان الديْن من قرض، لم يجز لأنه جر منفعة.
قال أحمد: أكره قرض الدور، وهو الربا المحض، يعني: إذا كانت الدار في قرض رهناً ينتفع بها المرتهن، وإن كان الرهن بثمن مبيع أو أجر دار أو دين غير القرض فأذن له جاز؛ روي عن الحسن وابن سيرين، وهو قول إسحاق.
وإن كان الانتفاع بعوض مثل إن استأجر المرتهن الدار بأجرة مثلها من غير محاباة، جاز في القرض وغيره، وإن حاباه فهو كالانتفاع بغير عوض.
ومتى استأجرها أو استعارها المرتهن، فظاهر كلام أحمد: أنها تخرج عن كونها رهناً، فمتى انقضت الإجارة والعارية عاد الرهن بحاله.
قال في رواية ابن منصور: إذا ارتهن داراً ثم أكراها لصاحبها، خرجت من الرهن.
فإذا رجعت إليه عادت رهناً.
ومتى استعار المرتهن الرهن صار مضموناً، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: لا ضمان عليه.
وإن أنفق عليه بغير إذن الراهن مع إمكانه، فهو متبرع.
وإن عجز عن استئذانه ولم يستأذن الحاكم، فعلى روايتين، وقال شيخنا فيما إذا أنفق بغير

إذن الراهن بنية الرجوع مع إمكانه: أنه يخرج على روايتين بناء على ما إذا قضى ديْنه بغير إذنه، وهذا أقيس، إذ لا يعتبر في قضاء الديْن العجز عن استئذان الغريم.
وإن انهدمت الدار فعمرها بغير إذن الراهن، لم يرجع به، رواية واحدة.
وليس له أن ينتفع بها بقدر عمارتها، لأنها غير واجبة على الراهن، فليس لغيره أن ينوب عنه فيما لا يلزمه.
وإذا جنى العبد المرهون على إنسان أو على ماله، تعلقت الجناية برقبته، وقدمت على حق المرتهن، بغير خلاف علمناه.
فإن لم يستغرق الأرش قيمته بيع منه بقدره، وباقيه رهن.
وقيل: يباع جميعه، ويكون باقي ثمنه رهناً، لأن التشقيص عيب ينقص به الثمن، وقد قال عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار".
1 ولا يحل للمرتهن وطء الجارية المرهونة إجماعاً، ويجب عليه الحد والمهر، وولده رقيق.
وقال الشافعي: لا يجب المهر مع المطاوعة، "لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن مهر البغي".
ولنا: أن المهر يجب للسيد، والحديث مخصوص بالمكرهة على البغاء، فإن الله تعالى سماها بذلك مع كونها مكرهة، فقال تعالى ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ . 2 وإن وطئها بإذن الراهن وادعى الجهالة وكان مثله يجهل ذلك، فلا حد ولا مهر وولده حر.
قال عبد الله: سألت أبي: عن رجل عنده رهون كثيرة لا يعرف أصحابها، ولا من رهن عنده؟ قال: إذا أيست من معرفتهم ومعرفة ورثتهم، فأرى أن تباع ويتصدق بثمنها.، فإن عرف بعد أربابها خيّرهم بين الأجر أو يغرم لهم؛ هذا الذي أذهب إليه.
وقال أبو الحارث عن أحمد في الرهن يكون عنده السنين

الكثيرة يئس من صاحبه: يبيعه ويتصدق بالفضل.
فظاهره أنه يستوفي حقه.
ونقل أبو طالب: لا يستوفي حقه من ثمنه، ولكن إن جاء صاحبه بعد وطلبه، أعطاه إياه وطلب منه حقه.
وأما إن رفع أمره إلى الحاكم فباعه، ووفاه حقه منه، جاز.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف": لو أقرض غريمه ليرهنه على ما لَه عليه وعلى القرض، ففي صحته روايتان.
وأما المكيل والموزون وما يلحق بهما قبل قبضه، فاختار الشيخ جواز رهنه.
وجوز أحمد القراءة للمرتهن يعني: في المصحف، وعنه: يكره.
نقل عبد الله: لا يعجبني بلا إذنه، ويلزم ربه بذله لحاجة.
وقيل: يلزمه مطلقاً.
ولا يجوز رهن العبد المسلم لكافر.
والوجه الثاني: يصح إذا شرطه في يد عدل مسلم، اختاره الشيخ.
وقال: يجوز أن يرهن الإنسان مال نفسه على ديْن غيره كما يجوز أن يضمنه وأوْلى، وهو نظير إعارته للرهن.
انتهى.
وقيل: لا يصح عتق الموسر أيضاً، قال في الفائق: اختاره شيخنا.
قوله: فإن أذن له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد ... إلخ، وقيل: يبيع بما رأى أنه أحظّ، اختاره القاضي، قلت: وهو الصواب.
وإذا اختلفا في قدر الديْن فالقول قول الراهن، وقال الشيخ: القول قول المرتهن ما لم يدَّع أكثر من قيمة الرهن.
قوله: وإن انهدمت الدار فعمرها، لم يرجع ... إلخ، فعلى هذا، لا يرجع إلا بأعيان آلته.
وجزم القاضي في الخلاف الكبير: أنه يرجع بجميع ما عمر في الدار، لأنه من مصلحة الرهن.
وقال الشيخ فيمن عمر وقفاً بالمعروف ليأخذ عوضه فيأخذه من مغلّه.

فصول الكتاب · 29 فصل · 783 صفحة
جارٍ التحميل