كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الوهاب
- الكتاب
- مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
- المؤلف
- محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
- المحقق
- عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
- الناشر
- مطابع الرياض - الرياض
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
وقولهم: تركناه للحديث، قلنا: لم يثبت في الحديث: تحالفا.
قال ابن المنذر ليس في هذا الباب حديث يعتمد عليه، وإذا خولف الأصل لمعنى، وجب تعدية الحكم بتعدي المعنى؛ بل يثبت الحكم بالبينة بأن التحالف إذا ثبت مع قيام السلعة، مع أنه يمكن معرفة ثمنها للمعرفة بقيمتها، فمع تعذره أولى.
فإذا تحالفا، فإن رضي أحدهما بما قال الآخر لم يفسخ لعدم الحاجة، وإلا فلكل واحد منهما فسخه، ويرد المشتري قيمتها إلى البائع؛ وينبغي أن لا يشرع التحالف ولا الفسخ إذا كانت القيم متساوية الثمن، ويكون القول قول المشتري مع يمينه، لأنه لا فائدة فيه.
وإن كانت القيمة أقل، فلا فائدة للبائع في الفسخ؛ فيحتمل أن لا يشرع له اليمين ولا الفسخ، ويحتمل أن يشرع لتحصيل الفائدة للمشتري.
فإن اختلفا في الصفة، فالقول قول المشتري مع يمينه لأنه غارم، وإن تقايلا المبيع، أو رد بعيب بعد قبض الثمن، ثم اختلفا في قدره، فقول بائع لأنه منكر.
وإن اختلفا في صفة الثمن تحالفا، إلا أن يكون للبلد نقد معلوم فيرجع إليه.
وإن كان في البلد نقود رجع إلى أوسطها، نص عليه، وعلى مدعي ذلك اليمين.
وإن لم يكن في البلد إلا نقدان، تحالفا كما لو اختلفا في قدره.
وإن اختلفا في أجل أو شرط، فقول من ينفيه؛ وهو قول أبي حنيفة، لأن الأصل عدمه.
والرواية الثانية: يتحالفان، وهو قول الشافعي.
وإن اختلفا في ما يفسد العقد، فقول مدعي الصحة مع يمينه.
وإن قال: بعتك وأنا صبي، فالقول قول المشتري، نص عليه؛ وهو قول الثوري وإسحاق، لأنهما اتفقا على العقد واختلفا فيما يفسده.
وإن قال: بعتني هذين، فقال: أحدهما، فقول بائع.
وإن قال البائع: بعتك هذا العبد بألف، فقال: بل هو والعبد الآخر بألف، فقول بائع؛ وهو قول أبي حنيفة.
وقال الشافعي: يتحالفان كما لو اختلفا في الثمن، وهذا
أقيس.
وإن قال: بعتني هذا، فقال: بل هذا، حلف كل واحد منهما على ما أنكره، ولم يثبت بيع واحد منهما، لأن كل واحد منهما يدعي عقداً على عين ينكرها المدعى عليه.
فإذا حلف: ما بعتك هذه الجارية، أُقرت في يده، وإن كان المدعي قبضها رُدت.
وأما العبد فإن كان في يد البائع أُقر في يده، ولم يكن للمشتري طلبه، لأنه لا يدعيه، وعلى البائع رد الثمن.
وإن كان في يد المشتري ردَّه، لأنه يعترف أنه لم يشتره، وليس للبائع طلبه إذا بذل ثمنه، لاعترافه ببيعه، وإلا فله استرجاعه.
وإن أقام كل واحد منهما بينة بدعواه، ثبت العقدان لأنهما لا يتنافيان.
وإن قال البائع: لا أسلم المبيع حتى أقبض الثمن، وقال المشتري: حتى أقبض المبيع، وكان الثمن عيناً أو عرضاً، جعلا بينهما عدلاً يقبض ويسلّم إليهما.
وعن أحمد ما يدل على أن البائع يجبر على التسليم [أولاً، وقال أبو حنيفة ومالك: يجبر المشتري على تسليم الثمن] ، 1 لأن للبائع حبس المبيع عليه.
وإن كان ديْناً، أجبر البائع على التسليم، ثم المشتري على تسليم الثمن.
وقال مالك وأبو حنيفة: يجبر المشتري أولاً، كالتي قبلها.
وإذا سلمه البائع، وكان المشتري موسراً، أُجبر على تسليم الثمن إن كان حاضراً.
وإن كان الثمن غائباً في مسافة القصر، أو كان المشتري معسراً، فللبائع الفسخ، كالمفلس.
وإن كان غائباً قريباً، فللبائع الفسخ في أحد الوجهين.
والثاني: لا.
فإن هرب المشتري وهو معسر، فاللبائع الفسخ.
وإن كان موسراً، أثبت البائع ذلك عند الحاكم، ثم إن وجد له الحاكم مالاً قضاه، وإلا باع المبيع وقضى ثمنه منه.
وقال شيخنا: ويقوى عندي: أن للبائع الفسخ بكل حال، لأنا أبحنا له الفسخ مع حضوره إذا كان الثمن بعيداً.
وليس للبائع الامتناع من التسليم بعد قبض الثمن، لأجل الاستبراء، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وحكي عن مالك في القبيحة، وقال في الجميلة: يضعها على يدي عدل حتى تستبرأ.
(فصل) : ومن اشترى مكيلاً أو موزوناً، لم يجز بيعه حتى يقبضه.
وإن تلف قبله، فمن مال بائع، إلا أن يتلفه آدمي فيخير المشتري بين الفسخ ومطالبة المتلف، وسواء كان متعيّناً كالصبرة أو غير متعيّن كقفيز منها.
وروي عن عثمان وابن المسيب وغيرهما: "أن ما بيع على الكيل والوزن لا يجوز بيعه قبل قبضه، وما ليس بمكيل ولا موزون فيجوز بيعه قبل قبضه".
وقال القاضي وأصحابه: المراد بذلك: ما ليس بمتعيّن، ونقل عن أحمد نحو ذلك، فإنه قال في رجل اشترى طعاماً وطلب من يحمله، فرجع وقد احترق، فمن مال المشتري.
وذكر الجوزجاني فيمن اشترى ما في السفينة صبرة ولم يسم كيلاً، فلا بأس أن يشرك فيها ويبيع ما شاء، إلا أن يكون بينهما كيلاً ونحوه؛ قال مالك وأبو حنيفة: ووجه قول ابن عمر: "مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً، فهذا من مال المبتاع".
رواه البخاري.
ونقل عن أحمد: المطعوم لا يجوز بيعه قبل قبضه، سواء كان مكيلاً أو موزوناً أو لم يكن؛ فعليها، يختص ذلك بالمطعوم.
قال الترمذي: روي عنه: أنه أرخص في بيع ما لا يكال ولا يوزن مما لا يؤكل ولا يشرب، قبل قبضه.
قال الأثرم: سألته عن قوله: نهى عن ربح ما لم يضمن؟ قال: هذا في الطعام وما أشبهه من مأكول أو مشروب، فلا يبيعه حتى يقبضه.
قال ابن عبد البر: الأصح عن أحمد: أن الذي يمنع منه: الطعام، "لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعه قبل قبضه"، فمفهومه: إباحة بيع ما سواه.
وروى ابن عمر قال: "رأيت الذين يشترون الطعام مجازفة يُضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيعوه حتى يأووا إلى رحالهم"، 1 وهذا نص في بيع المعيّن، وعموم قولهم: من ابتاع طعاماً ... إلخ، متفق عليهما؛ وهذا يدل على تعميم المنع في كل طعام، مع نصه على البيع مجازفة بالمنع، وهو خلاف قول القاضي.
وكل ما لا يدخل في ضمان المشتري
إلا بقبضه، لا يجوز بيعه حتى يقبضه، لا نعلم فيه خلافاً، إلا ما حكي عن البتي: أنه لا بأس ببيع كل شيء قبل قبضه.
قال ابن عبد البر: وهذا مردود بالسنة والحجة المجمعة على الطعام، وأظنه لم يبلغه الحديث؛ ومثل هذا لا يلتفت إليه.
والبيع بصفة أو رؤية متقدمة من ضمان البائع حتى يقبضه المبتاع.
وإن تعيّب في يد البائع أو تلف بعضه بآفة سماوية، خُيّر المشتري بين أخذه ناقصاً وبين الفسخ.
وما عدا المكيل والموزون يجوز التصرف فيه قبل قبضه، في أظهر الروايتين، وقال الشافعي: لا يجوز بيع شيء قبل قبضه.
ولنا: على جواز التصرف فيه قبل قبضه ما روى ابن عمر قال: "كنا نبيع الإبل في البقيع بالدراهم، فنأخذ بدل الدراهم الدنانير، وبالدنانير فنأخذ بدلها الدراهم.
فسألنا النبي صلى الله عليه وسلم فقال: لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء"، وهذا تصرف في الثمن قبل قبضه.
وقال صلى الله عليه وسلم في البكر: " هو لك يا عبد الله بن عمر، فاصنع به ما شئت".
1
ولنا على أنه إذا تلف فمن مال المشتري: قوله: "الخراج بالضمان"، 2 وهذا نماؤه له.
وأما أحاديثهم، فقد قيل: لم يصح منها إلا حديث الطعام، وهو حجة لنا بمفهومه.
وكل عوض ملك بعقد، ينفسخ بهلاكه قبل القبض، لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه.
والأجرة وبدل الصلح عن دم العمد، إذا كان من المكيل والموزون أو المعدود، وما لا ينفسخ بهلاكه، يجوز التصرف فيه، كعوض الخلع والعتق على مال، لأن المقتضي للتصرف الملك وقد وجد.
لكن ما يتوهم فيه غرر لانفساخه بهلاك المعقود عليه، لم يجز لنا بناء عقد آخر عليه، تحرزاً من الغرر.
وما لا يتوهم فيه ذلك، جاز العقد عليه؛ وهذا قول أبي حنيفة، والمهر كذلك، لأنه لا ينفسخ بهلاكه.
وقال الشافعي: لا يجوز التصرف فيه قبل
قبضه، ووافقه أبو الخطاب في غير المتعيّن، لأنه يخشى رجوعه بانتقاض سببه، بالرد قبل الدخول، أو انفساخه بسبب من جهة المرأة، أو نصفه بالطلاق، أو سبب من غير جهتها.
وكذلك قال الشافعي في عوض الخلع، وهذا التعليل باطل بما بعد القبض؛ فإن قبضه لا يمنع الرجوع فيه قبل الدخول.
فإن اشترى اثنان طعاماً فقبضاه، ثم باع أحدهما الآخر نصيبه قبل أن يقسماه، فكرهه الحسن وابن سيرين، لأنه لم يقبض نصيبه مفرداً.
ويحتمل الجواز، لأنه مقبوض لهما، يجوز بيعه لأجنبي، فجاز لشريكه.
فإن تقاسماه وتفرقا، ثم باع أحدهما نصيبه بذلك الكيل، لم يجز، كما لو اشترى من رجل طعاماً فاكتاله وتفرقا، ثم باعه إياه بذلك الكيل.
وإن لم يتفرقا، خرج على الروايتين.
وكل ما يجوز بيعه قبل قبضه، لا يجوز الشركة فيه، ولا التولية، ولا الحوالة به؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز هذا كله في الطعام قبل قبضه، لأنه يختص بمثل الثمن الأول، فجاز كالإقالة.
ولنا: أن التولية والشركة من أنواع البيع، فيدخل في عموم النهي.
ويحصل القبض فيما بيع بكيل أو وزن، بكيله أو وزنه؛ روي عن أحمد: أن القبض في كل شيء بالتخلية مع التمييز.
ولنا: ما روى عثمان مرفوعاً: "إذا بعت فكِلْ، وإذا ابتعت فاكتل".
رواه البخاري.
وروى ابن ماجة: "أنه نهى عن بيع الطعام حتى يجرى فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري"، 1 وهذا فيما بيع كيلاً.
وفي الصبرة وما يُنقل، بالنقل، لحديث ابن عمر، وهو يبين أن الكيل وجب فيما بيع بالكيل، وقد دل على ذلك قوله: "إذا سميت الكيل، فكِل ". 2 وأجرة الكيال والوزان على البائع، كسقي الثمرة، وأما نقل المنقولات وما أشبهه فعلى المشتري، لأنه لا يتعلق به حق توفية.
والإقالة فسخ، تجوز قبل القبض، ولا يستحق بها شفعة، ولا تجوز إلا بمثل الثمن.
وفيه وجه آخر: أنها تجوز بمثل الثمن الأول وأقل منه.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لو ألحقنا بالعقد خياراً بعد لزومه لم يلحق، قال في الفائق: يتخرج إلحاقه، وهو المختار.
انتهى.
وهو رواية في الرعاية وغيرها.
ولا يجوز الخيار مجهولاً، وعنه: يجوز، وهما عليه إلا أن يقطعاه، أو تنتهي مدته.
ولو وليت الإجارة العقد، لم يثبت فيها، يعني: خيار الشرط.
وقيل: يثبت، قال في الفائق: اختاره شيخنا، وهو المختار.
وقال الشيخ: يثبت خيار الشرط في كل العقود، ولمن له الخيار الفسخ من غير حضور صاحبه.
ونقل أبو طالب: له الفسخ برد الثمن، وجزم به الشيخ كالشفيع.
وليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار.
وقال في القواعد: المنصوص عن أحمد: أن للمشتري التصرف فيه بالاستغلال، وظاهر قوله: ليس لواحد منهما التصرف في المبيع في مدة الخيار، أن للبائع التصرف في الثمن المعين وغيره إذا قبضه، وهو ظاهر كلامه في الشرح والفروع وغيره، لعدم ذكرهم للمسألة.
وأما تصرف المشتري ووطؤه وتقبيله، فهو إمضاء وإبطال لخياره.
وعنه: لا يبطل به.
وإن أعتقه المشتري نفذ عتقه، وبطل خيارهما.
وعنه: لا يبطل خيار البائع، وله الفسخ والرجوع بالقيمة يوم العتق.
قوله في التلقي: وعلموا أنهم قد غبنوا، وعنه: لهم الخيار وإن لم يغبنوا.
وثبت للمسترسل الخيار إذا غبن، وهو من المفردات، وعنه: لا يثبت.
ويحرم
تغرير مشتر، بأن يسومه كثيراً ليبذل قريباً منه، ذكره الشيخ.
وقال: وإن دلس مستأجر على مؤجر، وغره حتى استأجره بدون القيمة، فله أجرة المثل.
ويرد مع المصراة صاعاً من تمر، وقال الشيخ: يعتبر في كل بلد صاعاً من غالب قوته.
ولا يحل تدليس ولا كتمان عيب، قال الشيخ: وكذا لو أعلمه ولم يعلما قدره، وأنه يجوز عقابه بإتلافه، والتصدق به إذا دلسه.
قال: والجار السوء عيب، قال أحمد: من اشترى مصحفاً فوجده ينقص الآية والآيتين، ليس هذا عيباً، لأنه لا يخلو المصحف من هذا.
وقوله: فله الخيار، وعنه: ليس له أرش إلا إذا تعذر رده، اختاره الشيخ.
وكذلك يقال في نظائره، كالصفقة إذا تفرقت.
وعنه: لا رد ولا أرش لمشتر، وهبة بائع ثمناً أو براءة منه كمهر، وفي رواية: ولو أسقط المشتري الخيار بعوض بُذل له جاز، وليس من الأرش.
ونص أحمد على مثله في خيار المعتقة تحت عبد.
والنماء المتصل للبائع، وقال الشيرازي: للمشتري، اختاره الشيخ، ونص عليه أحمد في رواية ابن منصور.
فعلى هذا يقوم على البائع.
ووطء الثيب لا يمنع الرد، وعنه: يمنع، اختاره الشيخ.
وعنه: عهدة الحيوان ثلاثة أيام، والمذهب: لا عهدة.
قال أحمد: لا يصح فيه حديث.
وتقدم أن الشيخ قال: يجبر في خيار العيب على الرد أو الأرش، إن تضرر البائع أي: بالتأخير.
وقوله: لم يجز بيعه حتى يقبضه، وعنه: يجوز بيعه لبائعه، اختاره الشيخ.
وجوز التولية فيه والشركة، وخرجه من بيع دين، واختار أيضاً جواز التصرف فيه بغير بيع.
وذكر أبو الخطاب رواية: أن المطعوم كالمكيل والموزون، لا يجوز التصرف فيه مطلقاً ولو ضمنه، اختاره الشيخ وقال: عليها تدل أصول أحمد، كتصرف المشتري في الثمرة،
والمستأجر في العين، مع أنه لا يضمنها.
وعكسه كالصبرة المعينة، كما شرط قبضه لصحته، كسلم وصرف.
وما جاز له التصرف فيه فمن ضمانه، إذا لم يمنعه البائع.
وقال الشيخ: لا يكون من ضمانه إلا إذا تمكن من قبضه، وقال: ظاهر المذهب: الفرق بين ما تمكن من قبضه وغيره ليس هو الفرق بين المقبوض وغيره.
قال في الفروع: كذا قال.
ويحرم تعاطيهما عقداً فاسداً، فلا يملك به.
قال الشيخ: يترجح أنه يملك بعقد فاسد.
باب الربا والصرف
وهو نوعان: (ربا الفضل) و (ربا النسيئة) ، وأجمعت الأمة على تحريمهما.
وقد روي في ربا الفضل عن ابن عباس، ثم رجع؛ قاله الترمذي وغيره.
وقوله: "لا ربا إلا في النسيئة" 1 محمول على الجنسين.
فأما ربا الفضل فيحرم في كل مكيل أو موزون، وإن كان يسيراً كتمرة بتمرتين.
وعنه: لا يحرم إلا في الجنس الواحد من الذهب والفضة وكل مطعوم.
وعنه: لا يحرم إلا فيما إذا كان مكيلاً أو موزوناً.
والأعيان الستة ثبت الربا فيها بالنص والإجماع.
واختلف فيما سواها.
فعن طاووس وقتادة أنهما قصرا الربا عليهما، وبه قال داود ونفاة القياس.
واتفق القائلون به على أن الربا فيها لعلة، وأنه يثبت فيما وجدت فيه، ثم اتفقوا على أن ربا الفضل لا يجري إلا في الجنس الواحد، إلا سعيد بن جبير فإنه قال: "كل شيئين يتقارب الانتفاع بهما، لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلاً، كالحنطة والشعير، والتمر والزبيب، والذرة والدخن"، وهذا مخالف لقوله: "بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم، يداً بيد"، 2 فلا يُعوّل عليه.
واتفق المعللون على أن علة الذهب والفضة واحدة، وعلة الأعيان الأربعة واحدة.
ثم اختلفوا في علة كل واحدة منهما.
فعن أحمد ثلاث روايات: أشهرهن: أن علة الذهب والفضة: كونه موزون جنس، وعلة الأعيان الأربعة: كونه مكيل جنس؛ وبه قال النخعي والزهري والثوري.
فعليها، لا يجري في مطعوم لا يكال ولا يوزن كالمعدودات.
والثانية: أن العلة
في الأثمان: الثمنية، وما عداها: كونه مطعوم جنس؛ فيختص بالمطعومات ويخرج منه ما عداها.
ونحوه قال الشافعي، لما روى معمر بن عبد الله: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام بالطعام، إلا مثلاً بمثل"، رواه مسلم، ولأن الطعم وصف شرف إذ به قوام الأبدان، والثمنية وصف شرف إذ به قوام الأموال، ولأنه لو كانت العلة في الأثمان الوزن لم يجز إسلامهما في الموزونات.
والثالثة: العلة فيما عدا النقدين: كونه مطعوم جنس مكيل أو موزون، فلا يجرى في مطعوم لا يكال ولا يوزن، كالتفاح والرمان والبطيخ، ولا فيما ليس بمطعوم، كالزعفران والحديد؛ يروى ذلك عن سعيد بن المسيب، وهو قديم قولي الشافعي، لما روي عن سعيد بن المسيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ربا إلا فيما كِيل أو وُزن، مما يؤكل أو يشرب".
أخرجه الدارقطني وقال: الصحيح أنه من قوله، ومَن رفعه فقد وهم.
والأحاديث الواردة في هذا يجب الجمع بينها، فنهيه عن بيع الطعام إلا مثلاً بمثل يتقيد بما فيه معيار شرعي، ونهيه عن بيع الصاع بالصاعين يتقيد بالمطعوم المنهي عن التفاضل فيه، وهذا اختيار شيخنا.
وقال مالك: العلة: القوت أو ما يصلح به القوت من جنس واحد من المدّخرات.
وقال ابن سيرين: الجنس الواحد علة، وهذا لا يصح "لأنه صلى الله عليه وسلم ابتاع عبداً بعبدين".
1 قال الترمذي: حسن صحيح.
وقول مالك ينتقض بالحطب والإدام يستصلح به القوت، ولا ربا فيه عنده.
فالحاصل: أن ما اجتمع فيه الكيل والوزن والطعم من جنس واحد، ففيه الربا، رواية واحدة، كالأرز والدخن والذرة والدهن ونحوه؛ وهذا قول الأكثر.
قال ابن المنذر: هذا قول علماء الأمصار في القديم والحديث، وما انعدم فيه ذلك فلا ربا فيه، رواية واحدة، وهو قول أكثر أهل العلم،
كالنوى والقت.
وما وجد فيه الطعم وحده أو الكيل أو الوزن من جنس واحد، ففيه روايتان.
والأولى، إن شاء الله، حلُّه إذ ليس فيه دليل موثوق به، وهي مع ضعفها يعارض بعضها بعضاً، فوجب إطراحها والرجوع إلى أصل الحِلّ.
وقوله: في كل مكيل ... إلخ، أي: بأن كان جنسه ذلك، وإن لم يتأت فيه إما لقلته كالحبة والحفنة، وما دون الأرزة من الذهب والفضة، أو كثرته كالزبرة العظيمة.
ورخص أبو حنيفة في الحفنة بالحفنتين، وسائر المكيل الذي لا يتأتى كيله، ووافق في الموزون، واحتج بأن العلة: الكيل، ولم يوجد في اليسير.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "التمر بالتمر، مثلاً بمثل ... إلخ".
1 ولا يجوز بيع تمرة بتمرة ولا حفنة بحفنة.
قال أحمد: لا بأس بالثوب بالثوبين، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وقال: لا يباع الفلس بالفلسين، ولا السكين بالسكينين، ولا الإبرة بالإبرتين، أصله الوزن.
ونقل القاضي حكم إحدى المسألتين إلى الأخرى، فجعل في الجميع روايتين: إحداهما: لا يجري في الجميع، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأكثر أهل العلم، لأنه ليس بموزون ولا مكيل؛ وهذا هو الصحيح، إذ لا معنى لثبوت الحكم مع انتفاء العلة وعدم النص والإجماع فيه.
والثانية: يجري في الجميع، لأن أصله الوزن، فلا يخرج عنه بالصناعة.
ويجري الربا في لحم الطير، وعن أبي يوسف: لا يجري فيه، لأنه يباع بغير وزن.
ولنا: أنه لحم، وهو من جنس ما يوزن، أشبه ما يباع من الخبز عدداً، والجيد والرديء، والتبر والمضروب، والصحيح والمكسور، سواء.
وهذا قول الأكثر.
وحكي عن مالك: جواز بيع المضروب بقيمته من جنسه، وأنكره أصحابه.
وحكي عن أحمد: أنه لا يجوز بيع الصحاح بالمكسرة، لأن للصناعة قيمة، بدليل حالة الإتلاف.
ولنا: قوله: "الذهب بالذهب، مثلاً بمثل ... إلخ".
2 وكل ما حرم فيه ربا الفضل، حرم فيه النسأ بغير خلاف.
ويحرم التفرق قبل القبض، لقوله صلى الله عليه وسلم: "عينا بعين".
ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً، وقال مالك: يجوز بيع بعض الموزونات ببعض جزافاً.
ولنا: قوله: "الذهب بالذهب، وزناً بوزن ... إلخ".
1 ولو باع بعضه ببعض جزافاً، أو كان جزافاً من أحد الطرفين، لم يجز.
قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم أن ذلك لا يجوز، إذا كان من صنف واحد، لما روى مسلم عن جابر قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم كيلها، بالكيل المسمى من التمر" 2.
وفي قوله: "الذهب بالذهب ... إلخ" دليل على أنه لا يجوز إلا كذلك، قال ابن المنذر: أجمع أكثر أهل العلم على أن بيع الصبرة من الطعام بالصبرة لا يدري كم كيل هذه ولا كيل هذه من صنف واحد، غير جائز، ولا بأس به من صنفين، استدلالاً بقوله: "فإذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم".
وذهب بعض أصحابنا إلى منع بيع المكيل بالمكيل، والموزون بالموزون، جزافاً.
قال أحمد في رواية: أكره ذلك، وقاله القاضي والشريف، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيع الطعام بالطعام مجازفة".
ولنا: قوله: "فإذا اختلفت هذه الأصناف، فبيعوا كيف شئتم، يداً بيد".
3 وحديثهم أراد به الجنس الواحد، ولهذا جاء في بعض ألفاظه: "نهى أن تباع الصبرة لا يعلم مكيلها من التمر بالصبرة لا يعلم مكيلها من التمر".
4 واختلفت الرواية في البر والشعير، فظاهر المذهب أنهما جنسان، وعنه: جنس واحد، لقول معمر: "إني أخاف أن يضارع الربا"، أخرجه مسلم.
ولنا: قوله: "بيعوا البر بالشعير كيف شئتم.. . إلخ"، 5 وحديث معمر لا بد فيه من إضمار الجنس بدليل سائر أجناس الطعام.
ويحتمل أنه أراد المعهود، فإنه قال في الخبر: "وكان طعامنا يومئذ الشعير، وفعله معمر وقوله لا يعارض قول النبي صلى الله عليه وسلم".
وفروع الأجناس أجناس، كالأدقة والأخباز والأدهان.
وعن أحمد: أن خل التمر وخل العنب جنس واحد، لأن الاسم الخاص يجمعهما.
وهذا منقوض بسائر فروع الأصول التي ذكرنا، وقد يكون الجنس مشتملا على جنسين، كالتمر على النوى، واللبن على الزبد، فما داما متصلين فهما جنس، فإذا ميز أحدهما من الآخر صارا جنسين.
واللحم أجناس باختلاف أصوله، وعنه: جنس واحد، وعنه: أربعة أجناس: لحم الأنعام، ولحم الوحش، ولحم الطير، ولحم دواب الماء.
وفي اللبن روايتان.
واللحم والشحم والكبد أجناس، وقال القاضي: لا يجوز بيع اللحم بالشحم، وكرهه مالك إلا أن يتماثلا.
ولا يجوز بيع لحم الحيوان بحيوان من جنسه، وهو مذهب مالك والشافعي، وبغير جنسه وجهان.
وحكي عن مالك: لا يباع بحيوان معدّ للحم، ويجوز بغيره.
وقال أبو حنيفة: يجوز مطلقاً.
ولنا: "نهيه صلى الله عليه وسلم من بيع اللحم بالحيوان"، رواه مالك.
ولا يجوز بيع حب بدقيقه، وعنه: أنه جائز؛ فعليها يباع وزناً، لأن الدقيق يأخذ من المكيال كثيراً، وبهذا قال إسحاق.
فأما الخبز والهريسة والفالوذج وأشباهها، فلا يباع بالحنطة، وقال أبو حنيفة: يجوز، بناء على مسألة "مد عجوة".
ولا يجوز بيع أصل بعصيره، ولا خالصه بمشوبه، وقال أبو ثور: يجوز.
وقال أبو حنيفة: يجوز إذا علم أن ما في الأصل من الدهن والعصير أقل من المفرد.
وعن أحمد: يجوز بيع اللبن بالزبد، إذ الزبد المنفرد أكثر من الزبد الذي في اللبن.
ولا يجوز بيع الخالص بالمشوب، كحنطة فيها شعير بخالصه، ولبن مشوب بخالص، واللبن بالكشك الكامخ، ويتخرج الجواز إذا كان اللبن أكثر من الذي
في الكشك والكامخ، بناء على مسألة "مدّ عجوة".
[ولا يجوز بيع المشوب بالمشوب، بناء على مسألة "مد عجوة"] 1.
ويجوز بيع نوع بنوع آخر إذا لم يكن فيه منه، وممن أجاز بيع الزبد بالمخيض: الشافعي وإسحاق، لأن اللبن الذي في الزبد غير مقصود، كالملح في الشيرج.
ولا يجوز بيع الزبد بالسمن، لأن في الزبد لبناً يسيراً فيحيل التماثل، واختار القاضي جوازه، لأن اللبن غير مقصود، ولا يصح ذلك لأن التماثل شرط، كتمر منزوع النوى بما نواه فيه.
"ولا يجوز بيع رطب بيابس، كالرطب بالتمر، والعنب بالزبيب"، وبه قال سعد بن أبي وقاص وابن المسيب.
وقال أبو حنيفة: يجوز، لأنه إما أن يكون جنساً فيجوز متماثلاً، وجنسين فيجوز.
وعن سعد: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل: عن بيع الرطب بالتمر؟ (فقال: أينقص الرطب إذا يبس؟) قالوا: نعم.
فنهى عن ذلك".
2 رواه مالك.
ويجوز بيع دقيقه بدقيقه إذا استويا في النعومة، والمشهور عن الشافعي: المنع.
وذكر القاضي: يباع وزناً بوزن، ولا وجه له.
ولا يباع الدقيق بالسويق، وعنه: الجواز.
ويجوز بيع الخبز بالخبز وزناً، إذا تساويا في النشافة والرطوبة، وقال مالك: إذا تحرى المماثلة فلا بأس.
وعن أبي حنيفة: لا بأس قرصاً بقرصين.
وقال الشافعي: لا يباع بعضه ببعض، إلا أن ييبس ويدق ويباع كيلاً، ففيه قولان.
ويجوز بيع العصير بجنسه متماثلاً ومتفاضلاً بغير جنسه، وقال أصحاب الشافعي: لا يباع المطبوخ بجنسه، لأن النار تعقد أجزاءهما فتختلف.
وإن باع
عصير شيء من ذلك بتفله، فإن كان فيه بقية من المستخرج منه لم يجز، إلا على قولنا بجواز "مدّ عجوة".
ويجوز بيع الرطب بالرطب، والعنب بمثله، في قول الأكثرين؛ ومنع منه الشافعي فيما يبس، فأما ما لا ييبس كالخيار، فعلى قولين.
ولنا: أن نهيه عن بيع التمر بالتمر يدل على إباحة بيع كل واحد منهما بمثله.
ويجوز بيع الدبس والخل، كل نوع بعضه ببعض متساوياً، قال أحمد في خل الدقل: يجوز بيع بعضه ببعض متساوياً، لأن الماء في كل واحد منهما غير مقصود.
ولا يباع نوع بآخر، لأن في كل واحد منهما من غير جنسه يقلّ ويكثر، فيفضي إلى التفاضل.
ولا يباع خل العنب بخل الزبيب، لانفراد أحدهما بما ليس من جنسه.
ويجوز بيع خل الزبيب بعضه ببعض، كخل العنب وخل التمر.
ويجوز بيع اللحم باللحم رطباً، وقال الخرقي: لا يجوز إلا إذا تناهى جفافه؛ وهذا مذهب الشافعي.
وإذا جاز الرطب بالرطب، فهنا أولى، فأما رطبه بيابسه، ونيئه بمطبوخه، فلا يجوز.
وقال القاضي: لا يجوز بيع بعضه ببعض إلا بعد نزع العظام، كالعسل بمثله بعد التصفية.
ولا يجوز بيع المحاقلة، وهو: الحب المشتد في سنبله، بجنسه، قال جابر: المحاقلة: أن يبيع الزرع بمائة فرق من الحنطة، وفسره أبو سعيد باستكراء الأرض بالحنطة.
ولأنه بيع الحب بجنسه جزافاً من أحد الجانبين، فإن كان بدراهم أو دنانير جاز، وإن باعه بغير جنسه ففيه وجهان: أحدهما: يجوز، لقوله: "إذا اختلف الجنسان، فبيعوا كيف شئتم".
والثاني: لا يجوز، لعموم الحديث.
ولا بيع المزابنة، وهو: بيع الرطب في رؤوس النخل بالتمر، إلا في العرايا،
وقال أبو حنيفة: لا تحل، لعموم الحديث.
قال ابن المنذر: الذي نهى عن المزابنة هو الذي أرخص في العرايا، وحديثهم في سياقه: "إلا العرايا"، وإنما تجوز بشروط خمسة:
(أحدها) : أن تكون فيما دون خمسة أوسق، ولا خلاف أنه لا يجوز في زيادة عليها، وإنما تجوز فيما نقص عنها.
وأما الخمسة فظاهر المذهب أنه لا يجوز فيها، وبه قال ابن المنذر.
وقال مالك: يجوز، لأن في حديث زيد وسهل: "أنه رخص في العرايا مطلقاً، ثم استثنى ما زاد على الخمسة"، وشك الراوي في الخمسة، فبقي المشكوك فيه على الإباحة.
ولنا: النهي عن المزابنة، ثم رخص في العرية فيما دون خمسة، وشك فيها، فتبقى على العموم في التحريم.
وقولهم: أرخص فيها مطلقاً، فلم يثبت أن الرخصة المطلقة ثابتة سابقة على الرخصة المقيدة ولا متأخرة عنها؛ بل الرخصة واحدة، رواها بعضهم مطلقة وبعضهم مقيدة، فيصير القيد المذكور كأنه مذكور في الآخر، ولذلك تقيد فيما زاد على الخمسة، باتفاقنا.
ولا يشتري أكثر من خمسة فيما زاد على صفقة من واحد وجماعة، وقال الشافعي: يجوز للرجل بيع حائطه كله عرايا، من واحد أو رجال، في عقود متكررة، لعموم حديث زيد، ولأن كل عقد جاز مرة جاز أن يتكرر.
ولنا: عموم النهي عن المزابنة، استثنى منها ما ذكر؛ فما زاد يبقى على التحريم، ولأن ما لا يجوز العقد عليه مرة إذا كان نوعاً واحداً لا يجوز في عقدين، كالجمع بين الأختين.
ولا تعتبر حاجة البائع، فلو باع رجل عرية من رجلين فيهما أكثر من خمسة أوسق جاز.
وقال القاضي: لا يجوز، لما ذكرنا في المشتري.
ولنا: أن المغلب في التجويز حاجة المشتري.
(الثاني) : أن يكون مشتريها محتاجاً إلى أكلها رطباً، فلا يجوز لغني، وهو أحد قولي الشافعي.
وله قول: تباح مطلقاً، لأن كل ما بيع وقد جاز للمحتاج جاز للغني، كسائر البياعات، ولأن حديث أبي هريرة وسهل مطلقان.
ولنا: حديث زيد بن ثابت، وإذا خولف الأصل بشرط، لم تجز مخالفة بدونه، ولا يلزم من إباحته للحاجة إباحته مع عدمها، كالزكاة للمساكين.
ولو باعها لواهبها، تحرزاً من دخول صاحب العرية حائطه كمذهب مالك، أو لغيره، لم يجز.
وقال ابن عقيل: يباح، ويحتمله كلام أحمد، لأن الحاجة وجدت من الجانبين.
ولنا: حديث زيد: "شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الرطب يأتي، ولا نقد بأيديهم يبتاعون رطباً، وعندهم فضول من التمر، فرخص لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبتاعوا العرايا بخرصها من التمر".
والرخصة لمعنى خاص، فلا تجوز مع عدمه، ولأن في حديث زيد وسهل يأكلها أهلها رطباً، ولو جازت لتخليص المعرى لما شرط ذلك.
(الثالث) : ألا يكون للمشتري نقدٌ يشتري به، للخبر المذكور.
(الرابع) : أن يشتريها بخرصها من التمر، ويجب أن يكون التمر معلوماً بالكيل لا جزافاً، لا نعلم خلافاً في هذا عند من أباح بيع العرايا، لقوله: "تباع بخرصها كيلاً"، 1 ومعناه: أن ينظر الخارص إلى العرية كم تجيء من التمر، فللمشتري بمثله؛ وبها قال الشافعي.
ونقل حنبل: بخرصها رطباً ويعطى تمراً، وهذا يحتمل الأول، ويحتمل أن يشتريها بتمر مثل الرطب الذي عليها؛ قال القاضي: والأول أصح، لأنه يبتني على خرص الثمار في العشر، والصحيح: ثم خرصه تمراً، ولأن المماثلة معتبرة حالة الادخار، وبيع الرطب بمثله تمراً يفضي إلى فوات ذلك.
وإن اشتراها بخرصها رطباً، لم يجز، وهذا أحد الوجوه لأصحاب
الشافعي.
والثاني: يجوز.
والثالث: لا يجوز مع اتفاق النوع.
ووجه جوازه: ما روى الجوزجاني عن زيد، مرفوعاً: "أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو التمر".
1 ولنا: ما روى مسلم عنه: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم في العرايا، تؤخذ بمثل خرصها تمراً".
2 وحديثهم شك في الرطب أو التمر، فلا يجوز مع الشك.
(الخامس) : التقابض في المجلس، لا نعلم فيه مخالفاًً، ولا يشترط فيها أن تكون موهوبة لبائعها، وبه قال الشافعي.
وقال مالك: بيع العرايا الجائز: أن يعري الرجل النخلات من حائطه، ثم يكره صاحب الحائط دخوله حائطه، لأنه ربما كان مع أهله في الحائط، فيجوز أن يشتريها.
واحتجوا بأن العرية في اللغة هبة ثمرة النخل عاماً، قال أبو عبيد: الإعراء أن يجعل الرجل للرجل ثمرة نخلة عامها ذلك، فتعين صرف اللفظ إلى موضوعه في اللغة ما لم يوجد ما يصرفه.
ولنا: حديث زيد، وهو حجة على مالك، لتصريحه في جواز بيعها من غير الواهب، ولأنه لو كان لحاجة الواهب لما اختص بخمسة أوسق.
وفيه حجة على أن من اشترط كونها موهوبة لبائعها، لأن العلة حاجة المشتري، ولأن اشتراط ذلك مع حاجة المشتري إلى أكلها رطباً ولا ثمن معه يفضي إلى سقوط الرخصة، إذ لا يكاد يتفق ذلك، ولا يجوز في سائر الثمار في أحد الوجهين.
وقال القاضي: يجوز في سائر الثمار، وهو قول مالك والأوزاعي، ويحتمل أن يجوز في العنب دون غيره، وهو قول الشافعي.
ووجه الأولى: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن المزابنة، التمر بالتمر، إلا أصحاب العرايا فإنه أذن لهم، وعن بيع العنب بالزبيب، وعن كل ثمرة بخرصه"، 3 وهذا حديث حسن رواه الترمذي، وهو يدل على تخصيصها
بالتمر.
وعن زيد بن ثابت عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه أرخص بعد ذلك في بيع العرية بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غير ذلك".
(فصل) : ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض، ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما، كمد عجوة ودرهم، بمدين، أو بدرهمين، أو بمد ودرهم.
وعنه: يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، هذه تسمى "مدّ عجوة".
وظاهر المذهب: أنه لا يجوز، نص عليه أحمد في مواضع.
روي عن سالم والقاسم وبه قال الشافعي.
وقال حرب: قلت لأحمد: دفعت ديناراً كوفياً ودرهماً، وأخذت ديناراً شامياً، وزنهما سواء، قال: لا يجوز، إلا أن ينقص الدينار فيعطيه بحسابه فضة.
وقال أبو داود: سمعت أحمد سئل عن: الدراهم بعضها صفر وبعضها فضة بالدراهم؟ فقال: لا أقول فيه شيئاً.
وقال حماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة: يجوز بما ذكرنا من على الشرط، وقال الحسن: "لا بأس ببيع السيف المحلى بالفضة بالدراهم"، وبه قال الشعبي والنخعي، واحتجوا بأن العقد إذا أمكن حمله على الصحة لم يحمل على الفساد، وقد أمكن جعل الجنس في مقابلة غير الجنس، أو جعل غير الجنس في مقابلة الزائد على المثل.
ولنا: ما روى فضالة قال: "أتي النبي صلى الله عليه وسلم بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو بسبعة، فقال صلى الله عليه وسلم: لا، حتى تميز بينهما.
قال: فردّه حتى ميز بينهما".
1 رواه أبو داود.
ولمسلم: "أمر بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال: الذهب بالذهب، وزناً بوزن"، 2 ولأن العقد إذا جمع عوضين مختلفي الجنس، وجب أن ينقسم أحدهما على الآخر على قدر قيمة الآخر في نفسه، فإذا فعلنا ذلك فيمن باع
درهماً ومداً قيمته درهماً بمدين قيمتهما ثلاثة، حصل الدرهم في مقابلة ثلثي مد، والمد الذي مع الدرهم في مقابلة مد وثلث، هذا إذا تفاوتت القيم، ومع التساوي بجهل ذلك، لأن التقويم ظن، والجهل بالتساوي كالعلم بعدمه.
وإن باع نوعي جنس بنوع واحد منه، كدينار قراضة وصحيح بصحيحين، أو حنطة حمراء وسمراء ببيضاء، صح، أومأ إليه أحمد؛ وهو مذهب مالك والشافعي، لأن العقد يقتضي انقسام الثمن على عوضه على حسب اختلافه في قيمته، وروي عن أحمد منعه في النقد، لأن الأنواع في غير الأثمان يكثر اختلاطها، فعفي عنها.
ولنا: قوله: "الذهب بالذهب، مثلاً بمثل.
.. إلخ"، 1 وهذا يدل على الإباحة عند وجود المماثلة.
وإن باع جنساً فيه الربا بجنسه، ومع كل واحد من غير جنسه غير مقصود، فعلى أقسام:
أحدها: أن يكون غير المقصود يسيراً لا يؤثر في كيل ولا وزن، كالملح في الخبز، وحبات الشعير في الحنطة، فلا يمنع، لأنه لا يخل بالتماثل.
ولو باع ذلك بجنس غير مقصود الذي معه، كخبز بملح جاز.
الثاني: أن يكون غير المقصود كثيراً، إلا أنه لمصلحة المقصود، كالماء في الخل، فيجوز بيعه بمثله، ويستنزل خلطه منزلة رطوبته، كالرطب بالرطب.
ومنع الشافعي ذلك كله، إلا الشيرج بالشيرج، لكون الماء لا يظهر فيه.
الثالث: أن يكون غير المقصود كثيراً أو ليس من مصلحته، كاللبن المشوب بالماء بمثله، والأثمان المغشوشة بغيرها، فلا يجوز بيع بعضها ببعض، لأن خلطه ليس من مصلحته، وهو يخل بالتماثل.
وإن باعه بجنس غير مقصود كبيع الدينار المغشوش بالفضة بالدراهم، احتمل الجواز، لأنه يبيعه بجنس غير مقصود فيه، فأشبه بيع اللبن بشاة فيها لبن.
ويحتمل المنع بناء على الوجه
الآخر في الأصل.
ولو دفع درهماً وقال: أعطني بنصفه نصف درهم، وبنصفه الآخر فلوساً، جاز.
والمرجع في الكيل والوزن إلى عرف أهل الحجاز في زمنه صلى الله عليه وسلم، وقال أبو حنيفة: الاعتبار في كل بلد بعادته.
(فصل) : ومتى كان أحد العوضين ثمناً والآخر مثمناً، جاز النسأ فيهما بغير خلاف، وإلا فكل شيئين يجري فيهما الربا بعلة واحدة، يحرم بيع أحدهما بالآخر نسيئة، بغير خلاف نعلمه عند من يعلل به.
وإن تفرقا قبل التقابض بطل العقد، وقال أبو حنيفة: لا يشترط التقابض في غير النقدين، لأن ما عداهما ليس بأثمان، كبيعه بأحد النقدين.
ولنا: قوله: "يداً بيد".
وإن باع مكيلاً بموزون، كاللحم بالبرّ، جاز التفرق قبل القبض، وفي النسإ روايتان؛ هذا ذكره أبو الخطاب، وقال: هو رواية واحدة، لأن العلة مختلفة فجاز التفرق، كالثمن والمثمن.
ويحتمل كلام الخرقي وجوب التقابض، وفي النسإ روايتان: إحداهما: لا يجوز، لأنهما من أموال الربا كالمكيل بالمكيل.
والثانية: يجوز، وهو قول النخعي، لأنهما لم يجتمعا في أحد وصفي العلة؛ وعند من يعلل بالطعم: لا يجيزه هنا.
وما لا يدخله ربا الفضل، كالثياب والحيوان، فيه أربع روايات:
إحداهن: لا يحرم النسأ فيه، لما روى أبو داود عن عبد الله بن عمرو: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشاً، فكان يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة"، 1 فعليها تحريم النسإ للوصف الذي مع الجنس، أما الكيل أو الوزن أو الطعم عند من يعلل به، [فيختص تحريم النسإ بالمكيل والموزون] 2.
الثانية: يحرم النسأ في كل مال بيع بمال آخر، سواء كان من جنسه أو لا، لحديث سمرة: "نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة".
3 قال الترمذي: حديث صحيح، فتكون علة النسإ: المالية.
قال القاضي: فعليها، لو باع عرضاً بعرض ومع أحدهما دراهم، العروض نقد والدراهم نسيئة، جاز.
وإن كان بالعكس لم يجز، لأنه يفضي إلى النسيئة في العروض.
قال شيخنا: وهذه الرواية ضعيفة جداً، لأنه إثبات حكم يخالف الأصل بغير نص ولا إجماع ولا قياس صحيح، لأن في المحل المجمع عليه أو المنصوص عليه أوصافاً لها أمر في تحريم الفضل، فلا يجوز حذفها، وما هذا سبيله لا يجوز إثبات الحكم فيه، وإن لم يخالف أصلاً، فكيف مع مخالفة الأصل في حل البيع.
والحديث من رواية الحسن عن سمرة، وأبو عبد الله لا يصحح سماعه منه.
الثالثة: يحرم النسأ في كل مال بيع بجنسه، كالحيوان بالحيوان، ولا يحرم في غيره؛ وهذا مذهب أبي حنيفة.
ويروى كراهة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة عن ابن الحنفية وابن سيرين وغيرهما، لأن الجنس أحد وصفي العلة.
الرابعة: لا يحرم إلا فيما بيع بجنسه متفاضلاً، لما روى جابر، رفعه: " الحيوان اثنين بواحد لا يصلح نسأ، ولا بأس به يداً بيد"، 1 قال الترمذي: حديث حسن، ولأحمد عن ابن عمر: "أن رجلاً قال: يا رسول الله، أرأيت الرجل يبيع الفرس بالأفراس؟ " 2 الحديث، والرواية الأولى أصح لموافقتها الأصل، والأحاديث المخالفة لها فقد قال أحمد: ليس فيها حديث يعتمد عليه، ويعجبني أن يتوقاه.
وإن كان أحد المبيعين لا ربا فيه والآخر فيه ربا، كالمكيل بالمعدود، ففي تحريم النسإ فيهما روايتان.
ولا يجوز بيع الكالئ بالكالئ، وهو بيع الديْن بالديْن.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا، أن الصرف فاسد، ويجزئ القبض في المجلس وإن طال، ولو تماشيا مصطحبين؛ وبه قال الشافعي وأبو حنيفة.
وقال مالك:
لا خير في ذلك، لأنهما فارقا مجلسهما.
ولنا: أنهما لم يفترقا، وقد دل عليه حديث أبي برزة في اللذيْن مشيا إليه قال: "ما أراكما افترقتما".
وإن قبض البعض ثم افترقا، بطل في الجميع، وفيما لم يقبض، بناء على تفريق الصفقة.
وإن تقابضا ثم افترقا، فوجد أحدهما عيباً فردّه، بطل العقد؛ هذا إن كان فيه عيب من غير جنسه، وإن كان منه، فتذكره.
والرواية الأخرى: لا يبطل، لأن قبض عوضه في مجلس الرد يقوم مقام قبضه.
وإذا اشترى من رجل ديناراً صحيحاً بدراهم وتقابضا، ثم اشترى منه بالدراهم قراضة من غير مواطأة ولا حيلة، فلا بأس.
قال أحمد: بيعها من غيره أحب إلي.
قيل له: فإن لم يعلمه أنه يريد بيعها منه؟ قال: يبيعها من غيره، فهو أطيب لنفسه، وأحرى أن يستوفي الذهب منه، فإنه إذا ردها إليه لعله ألا يوفيه الذهب.
ولا يحكم الوزن ولا يستقصي، يقول: هي رجع إلي.
قيل له: فذهب ليشتري الدراهم بالذهب الذي أخذها منه من غيره، فلم يجدها فرجع إليه.
قال: إذا كان لا يبالي اشتراها منه أو من غيره، فنعم.
وقال مالك: إن فعل ذلك مرة جاز، وإن فعله أكثر من مرة لم يجز، لأنه يضارع الربا.
ولنا: حديث بلال، ولم يأمره أن يبيع من غير من يشتري منه، ولأن ما جاز من التبايعات مرة جاز على الإطلاق.
وإن تواطآ على ذلك لم يجز، وكان حيلة محرمة، وبه قال مالك.
وقال أبو حنيفة والشافعي: يجوز ما لم يكن مشروطاً في العقد.
و (الصرف) قسمان: أحدهما: عين بعين.
الثاني: أن يقع على موصوف نحو: بعتك ديناراً مصرياً بعشرة دراهم ناصرية، وقد يكون أحدهما معيناً، وكل ذلك جائز.
فإن تبايعا عيناً بعين، ثم تقابضا فوجد أحدهما عيباً، فإن كان غشاً من غير جنسه كالنحاس في الدراهم، فالصرف باطل.
وذكر أبو بكر
ثلات روايات: هذه إحداها.
والثانية: صحيح، وللمشتري الخيار والرد وأخذ البدل.
والثالثة: يلزمه العقد ولا رد ولا بدل.
ولنا: أنه باعه غير ما سمى فلم يصح، واللزوم لا يصح، لأنه اشترى معيباً لم يعلمه، فلا يلزمه بغير أرش.
وإن كان العيب من جنسه، كالسواد في الفضة، فيصح، ويخيّر بين الإمساك والرد.
وإن قلنا: إن النقد لا يتعين بالتعيين، فله أخذ البدل ولا يبطل العقد ولو أراد أخذ الأرش، والعوضان من جنس واحد لم يجز بحصول الزيادة، وإن كان بغير جنسه فله أخذه في المجلس.
وإن كان بعد التفرق لم يجز، إلا أن يجعلا الأرش من غير جنس الثمن، كأخذ أرش عيب الفضة حنطة فيجوز.
وكذلك الحكم في سائر أحوال الربا، لأنه لم يحصل التفرق قبل قبض ما شرط فيه القبض.
وإن تلف العوض في الصرف بعد القبض، ثم علم عيبه، فسخ ورد الموجود، ويبقى قيمة المعيب في ذمة من تلف في يده، سواء كان الصرف بجنسه أو غيره.
قال ابن عقيل: وروي عن أحمد جواز أخذ الأرش، والأول أولى، إلا أن يكونا في المجلس والعوضان من جنسين.
وإن تصارفا في الذمة صح، إذا تقابضا قبل الافتراق، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي.
وعنه: لا يجوز حتى يظهر أحد العينين وتعيّن، لقوله: "ولا تبيعوا غائباً بناجز"، 1 ولأنه بيع دين بدين.
ولنا: أنهما تقابضا في المجلس، فالحديث يراد به ألا يباع عاجل بآجل، أو مقبوض بغير مقبوض، بدليل ما لو عيّن أحدهما فإنه يصح.
وإن وجد أحدهما عيباً قبل التفرق، فله المطالبة بالبدل، سواء كان العيب من جنسه أو لا، لأن العقد وقع على مطلق لا عيب فيه.
وإن رضيه بعيبه وهو من جنسه جاز.
وإن اختار الأرش والعوضان من جنس جاز.
وإن افترقا والعيب من جنسه، فله إبداله، في إحدى الروايتين؛ روي عن الحسن
وقتادة.
والثانية: ليس له ذلك.
ومن نصر الأول قال: قبض الأول صح به العقد، والثاني بدل عن الأول.
ويشترط أخذ البدل في مجلس الرد، وإلا بطل العقد.
وإن وجد في البعض، فعلى الأولى له البدل، وعلى الثانية يبطل في المردود، وفيما لم يردّ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة.
وإن اختار الفسخ، فعلى قوله البدل: لا فسخ له إن أبدله، وعلى الأخرى: له الفسخ والإمساك في الجميع.
وإن اختار الأرش بعد التفرق، لم يكن له ذلك، ويجوز على الرواية الأخرى.
وإذا كان لرجل في ذمة آخر ذهب، وللآخر عليه دراهم، فاصطرفا، لم يصح؛ وبه قال الشافعي، لأنه بيع ديْن بديْن.
وحكى ابن المنذر الإجماع على أنه لا يجوز.
قال أحمد: إنما هو إجماع.
وحكى ابن عبد البر عن مالك وأبي حنيفة: جوازه، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة.
ولو كان لرجل على رجل دنانير، فقضاه دراهم شيئاً بعد شيء، فإن كان يعطيه كل يوم درهماً بحسابه من الدينار صح، نص عليه.
ويجوز اقتضاء أحد النقدين عن الآخر، ويكون صرفاً بعين وذمة، في قول الأكثرين.
ومنع منه ابن عباس وغيره.
ولنا: حديث ابن عمر، وفيه: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها، ما لم تتفرقا وبينكما شيء".
1 قال أحمد: إنما يقضيه إياها بالسعر، لم يختلفوا، إلا ما قال أصحاب الرأي: أنه يقضيه مكانها ذهباً على التراضي، لأنه بيع في الحال، فجاز ما تراضيا عليه إذا اختلف الجنس، كما لو كان العوض عرضاً.
ولنا: قوله: "بسعر يومها "، ولأنه جرى مجرى القضاء فتقيد بالمثل، والتماثل هنا بالقيمة لتعذره بالصورة.
قيل لأبي عبد الله: فإن أهل السوق يتغابنون بالدانق في الدينار وما أشبهه، فسهل فيه
ما لم يكن حيلة.
فإن كان الذي في الذمة مؤجلاً، فقد توقف أحمد فيه، ومنعه مالك، لأنه غير مستحق القبض، فكان القبض ناجزاً في أحدها والتأخير يأخذ قسطاً من الثمن.
والثاني: الجواز، وهو قول أبي حنيفة، لأن ما في الذمة بمنزلة المقبوض، فكأنه رضي بتعجيل المؤجل، وهذا الصحيح إذا قضى بسعر يومها ولم يجعل للمقتضي فضلاً لأجل تأجيل ما في الذمة، ولم يستفصل النبي صلى الله عليه وسلم ابن عمر حين سأله.
ولو كان له عند رجل دينار وديعة، فصارفه به، وهو معلوم بقاؤه أو مظنون، صح.
وإذا عرفا وزن العوضين، جاز أن يصطرفا بغير وزن.
وكذلك لو أخبر أحدهما الآخر بوزن ما معه فصدّقه، فإن وجد أحدهما نقصاً بطل.
والدراهم والدنانير تتعين بالتعيين، فلا يجوز إبدالها.
وإن خرجت مغصوبة، بطل العقد؛ وبه قال مالك والشافعي.
وعن أحمد: أنها لا تتعين، فيجوز إبدالها، وهذا مذهب أبي حنيفة.
فعلى الأول، إن وجدها معيبة، خُيّر بين الإمساك والرد.
وفي إنفاق المغشوش من النقود روايتان: أظهرهما: الجواز.
ورواية المنع محمولة على ما يخفى غشه ويقع اللبس به.
وقد أشار أحمد إلى هذا فقال في رجل اجتمعت عنده زيوف يسبكها، قيل: يبيعها بدينار؟ قال: لا.
قيل: يبيعها بفلوس؟ قال: أخاف أن يغرّ بها مسلماً.
فقد صرح بأنه إنما كرهه للتغرير، وعليه يحمل منع عمر بيع نفاية بيت المال.
فإن قيل فقد روي عن عمر: "من زافت دراهمُه فليخرج بها إلى البقيع، فيشتري بها سحق الثياب"، قلنا: قد قال أحمد: معنى: زافت أي: نفيت، ليس أنها زيوف؛ ويتعين حمله عليه، جمعاً بين الروايتين.
ولا يجوز بيع تراب الصاغة والمعدن بشيء من جنسه.
وإن كان بغير
جنسه، فقد حكى ابن المندر عن أحمد: كراهة بيع تراب المعادن، وهو قول عطاء والشعبي والشافعي، لأنه مجهول.
وقيل: يجوز، وهو قول مالك، روي ذلك عن الحسن والنخعي.
والحيل كلها محرمة، قال أيوب السختياني: إنهم ليخادعون الله كما يخادعون صبياً، لو أتوا الأمر على وجهه لكان أهون عليّ.
وقال أبو حنيفة والشافعي: هذا جائز إذا لم يشرط في العقد.
ولنا: أن الله عذب أمة بحيلة احتالوها، وجعل ذلك موعظة للمتقين ليتعظوا بهم.
وإن اشترى شيئا بمكسرة، لم يجز أن يعطيه صحيحا أقل منها، قال أحمد: هذا الربا المحض.
ويحرم الربا بين المسلم والحربي، وبين المسلمين في دار الحرب.
وقال أبو حنيفة: لا يحرم بين مسلم وحربي في دار الحرب، وعنه في مسلمين أسلما في دار الحرب: لا ربا بينهما، لما روى مكحول، رفعه: "لا ربا بين المسلمين وأهل الحرب في دار الحرب".
ولنا: قوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ ، والخبر مرسل لا نعرف صحته، ويحتمل أنه أراد النهي عن ذلك؛ ولا يجوز ترك ما ورد بتحريمه القرآن وتظاهرت به السنة بخبر مجهول.
وقولهم: إن مال أهل الحرب يباح، ينتقض بالحربي في دار الإسلام، فإن ماله يباح إلا ما حضره الأمان.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وجوز الشيخ بيع المصوغ المباح من النقدين بقيمته حالاً، وكذا جوزه نسأ، ما لم يقصد كونها ثمناً، قال: وإنما خرج عن القيمة بالصنعة، فليس بربوي،
وإلا فجنس بنفسه، فيباح خبز بهريسة.
وجوز أيضاً بيع موزون ربوي بالتحري للحاجة.
وعلى المذهب، يجوز التفاضل فيما لا يوزن لصناعة، كالمعمول من الذهب والفضة، والصفر والحديد، وكالمعمول من الموزونات كالخواتم والسكاكين ونحو ذلك، اختاره الشيخ.
وبيع فلس بفلسين فيه روايتان: إحداهما: لا يجوز، نص عليه في رواية جماعة.
والثانية: يجوز.
فعليها، لو كانت نافقة هل يجوز؟ على وجهين.
وجزم أبو الخطاب في خلافه الصغير: بأنها مع نفاقها لا تباع بمثلها إلا مماثلة، معللاً بأنها أثمان، ثم حكى الخلاف في معمول الحديد.
وعنه: يجوز بيع ثوب بثوبين يداً بيد، وأصله الوزن، ولم يراع أصله.
ولا يباع ما أصله الكيل بشيء من جنسه وزناً ... إلخ، وقال الشيخ: إن بيع المكيل بجنسه وزناً، ساغ.
وذكر في الفروع عنه: جواز بيع مكيل وزناً وموزون كيلاً.
ولا يصح بيع لحم حيوان ... إلخ، وقال الشيخ: يحرم إذا كان الحيوان مقصود اللحم، وإلا فلا.
ولا يجوز في غير التمر، يعني: العرايا، إلا أن الشيخ جوز ذلك في الزرع.
وخرج أيضاً جواز الخبز الطري باليابس في برية الحجاز ونحوها، وبيع الفضة الخالصة بالمغشوش نظراً للحاجة.
ولا يجوز بيع جنس فيه الربا بعضه ببعض ومع أحدهما أو معهما من غير جنسهما، وعنه: يجوز بشرط أن يكون المفرد أكثر من الذي معه غيره، أو يكون مع كل واحد منهما من غير جنسه، اختاره الشيخ في موضع من كلامه.
فعليها، يشترط ألا يكون حيلة، نص عليه في رواية حرب، وعنه
رواية ثالثة: يجوز إذا لم يكن الذي معه مقصوداً كالسيف المحلى، اختاره الشيخ.
فعلى المذهب: يكون من باب توزيع الأفراد على الجمل، وتوزيع الجمل على الجمل.
وعلى الثانية: يكون من باب توزيع الأفراد على الأفراد.
ولو صرف الفلوس النافقة بذهب أو فضة لم يجز النسأ، نص عليه.
ونقل ابن المنصور: الجواز، اختاره الشيخ.
وما لا يدخله ربا الفضل كالثياب يجوز النسأ، فيه سواء بيع بجنسه أو بغيره، متساوياً أو متفاضلاً.
وعنه: لا يجوز النسأ في كل مال بيع بآخر؛ فعليها، علة النسإ: المالية.
وعنه رواية ثالثة: لا يجوز في الجنس الواحد، كالحيوان بالحيوان.
وعنه رواية رابعة: يجوز النسأ إلا ما بيع بجنسه متفاضلاً، اختاره الشيخ.
ولو كان لكل واحد دْين على صاحبه من غير جنسه، وتصارفا ولم يحضرا شيئاً، فإنه لا يجوز سواء كانا حالين أو مؤجلين، واختار الشيخ الجواز.
باب بيع الأصو ول الأثمان
...
باب بيع الأصول والثمار
وإن ظهر في الأرض معدن لا يعلم به البائع، فله الخيار.
وروي: "أن ولد بلال بن الحارث باعوا عمر بن عبد العزيز أرضاً، فظهر فيها معدن، فقالوا: إنما بعنا الأرض ولم نبع المعدن.
وأتوا عمر بالكتاب الذي فيه قطيعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبيهم، فأخذه وقبله، وردّ عليهم المعدن".
وعن أحمد: إذا ظهر المعدن في ملكه، ملكه.
وظاهره أنه لم يجعله للبائع، ولا جعل له خياراً.
وإن كان في الأرض زرع لا يحصد إلا مرة كالبر، فهو للبائع يبقى إلى الحصاد، إلا أن يشترطه المبتاع.
ولا يضر جهله وعدم كماله، كما لو اشترى شجرة فاشترط ثمرتها بعد تأبيرها.
وإن أطلق البيع، فهو للبائع، لا أعلم فيه مخالفاًً.
ومتى حصد الزرع وبقيت له عروق تستضر بها الأرض، فعلى البائع إزالتها، وكذلك كل نقص دخل على ملك شخص لاستصلاح ملك آخر من غير إذن الأول، ولا فعل صدر عنه النقص وأسند إليه، كان الضمان على مُدخل النقص.
ومن باع نخلاً مؤبراً وهو ما تشقق طلعه، فالثمر للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع.
والإبار: التلقيح، إلا أنه لا يكون حتى يتشقق، فعبر به عن ظهور الثمرة، وهذا قول الأكثر.
وحكى ابن أبي موسى رواية عن أحمد: أنه إذا تشقق ولم يؤبر، أنه للمشتري، لظاهر الحديث.
فإن أُبر بعضه، فما أُبر للبائع وما لم يؤبَّر للمشتري، نص عليه.
وقال ابن حامد: الكل للبائع، وهو مذهب الشافعي
ولا يجوز بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها، ولا الزرع قبل اشتداد حبه، إلا بشرط القطع في الحال، لما روى مسلم: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة.
نهى البائع والمشتري".
1 قال ابن المنذر: لا أعلم أحداً يعدل عن القول به.
ولا يجوز بيع الرطبة والبقول إلا بشرط جزه، ولا القثاء ونحوه إلا لقطة لقطة إلا أن يبيع أصله.
ورخص مالك في شراء جزتين وثلاث.
وإن باع ثمرة شيء من هذه البقول كالقثاء والباذنجان، لم يجز إلا أن يبيع الموجود منها دون المعدوم.
وقال مالك: يجوز بيع الجميع، لأنه يشق تمييزه، فجعل ما لم يظهر تبعاً لما ظهر، كما أن ما لم يبد صلاحه تبع لما بدا.
ولا يجوز بيع ما المقصود منه مستور في الأرض كالبصل حتى يقلع، وأباحه مالك وإسحاق، لأن الحاجة تدعو إليه، أشبه ما لم يبد صلاحه.
ولنا: النهي عن بيع الغرر.
والحصاد واللقاط على المشتري، وكذلك الجذاذ، وفارق الكيل والوزن، لأنهما من مؤنة التسليم، وهنا حصل بالتخلية، ولا نعلم فيه مخالفاًً.
وبيع الثمرة قبل الصلاح مع الأصل جائز بالإجماع.
وإن باعها منفردة لمالك الأصل ففيه وجهان: أحدهما: يصح وهو المشهور عن مالك.
والثاني: لا يصح، لأنها تدخل في عموم النهي، بخلاف بيعهما معاً فإنه مستثنى بالخبر.
وإذا باع الزرع الأخضر مع الأرض جاز، وإن باعه لمالك الأرض منفرداً فوجهان.
وإذا اشترى قصيلا من شعير ونحوه، فقطعه ثم نبت، فهو لصاحب الأرض، لأن المشتري ترك الأصول على سبيل الرفض لها.
ولو سقط من الزرع حب ثم نبت من العام المقبل، فلصاحب الأرض، نص أحمد على المسألتين.
فإن باعها بشرط القطع، ثم تركه المشتري حتى بدا الصلاح، أو طالت الجزة، أو حدثت ثمرة أخرى فلم تميز، أو اشترى عرية ليأكلها رطباً فأتمرت، بطل البيع.
وعنه: لا يبطل، ويشتركان في الزيادة.
وعنه: يتصدقان بها.
ويجوز لمشتري الثمرة بيعها في شجرها، روي ذلك عن الزبير والحسن، و"كرهه ابن عباس لأنه بيع قبل القبض".
وإن تلفت بجائحة من السماء، رجع على البائع؛ وهو قول أكثر أهل المدينة.
وقال أبو حنيفة والشافعي في الجديد: هو من ضمان المشتري.
قال الشافعي: لم يثبت عندي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بوضع الجوائح، ولو ثبت لم أعده، ولو كنت قائلاً بوضعها لوضعتها في القليل والكثير.
قلنا: الحديث ثابت رواه مسلم وغيره، وحديثهم لا حجة لهم فيه، فإن فعل الواجب خير، فإذا تألى ألا يفعل الواجب فقد تألى ألا يفعل خيراً، وإنما لم يخّيره لأنه يخيّر لمجرد قول المدعي.
والجائحة: كل آفة لا صنع لآدمي فيها، وما كان بفعل آدمي فقال القاضي يخّير المشتري فيها بين الفسخ ومطالبة البائع، وبين البقاء ومطالبة الجاني.
فإن قيل: فقد نهي عن ربح ما لم يضمن، وإذا كانت القيمة أكثر من الثمن فقد ربح فيه، قلنا: النهي عن الربح بالبيع بدليل أن المكيل لو زادت قيمته قبل قبضه ثم قبضه جاز إجماعاً، وظاهر المذهب: أنه لا فرق بين القليل والكثير، إلا ما جرت العادة بتلف مثله.
قال أحمد: لا أدري ما الثلث، ولكن إذا كانت الجائحة تستغرق الثلث أو الربع أو الخمس توضع.
وعنه: ما دون الثلث من ضمان المشتري، وهو مذهب مالك، لأنه لا بد أن يأكل الطائر وتنثر الريح، فحد بالثلث لاعتبار الشارع له في الوصية، وعطية المريض.
قال أحمد: إنهم يستعملون الثلث في سبع عشرة مسألة.
وإن استأجر أرضاً فزرعها فتلف الزرع، فلا شيء على المؤجر، نص عليه، ولا نعلم فيه خلافاً، كدار استأجرها ليقصر الثياب فيها، فتلفت الثياب فيها.
وصلاح بعض الثمرة في الشجرة صلاح لجميعها، لا نعلم فيه خلافا، وهل يكون صلاحاً لسائر النوع الذي في البستان؟ على روايتين.
وقال محمد بن الحسن: ما كان متقارب الإدراك فبدو صلاح بعضه يجوز به بيع جميعه، وما تأخر تأخراً كثيراً، فلا يجوز في الباقي.
وبدو الصلاح في النخل أن يحمر أو يصفر، وفي العنب أن يتموّه، وفي سائر الثمرات أن يبدو فيه النضج ويطيب أكله.
ومن باع عبداً وله مال، فماله للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، رواه مسلم.
فإن كان قصده المال، اشترط علمه وسائر شروط البيع.
وإن لم يكن قصده المال لم يشترط علمه.
قال أحمد في رجل اشترى أمة معها قناع فاشترطه، وظهر على عيب وقد تلف القناع: غرم قيمته بحصته من الثمن.
وإن كان عليها ثياب، فقال أحمد: ما كان للجمال فهو للبائع، وأما للبس المعتاد فهو للمشتري.
وقال ابن عمر: "من باع وليدة زينها بثياب، فللذي اشتراها ما عليها، إلا أن يشترطه الذي باعها"، وبه قال الحسن والنخعي.
ولنا: الخبر المذكور.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
مرافق الأملاك، كالطرق والأفنية ومسيل الماء ونحوها، هل هي مملوكة أو يثبت فيها حق الاختصاص؟ فيه وجهان: أحدهما: ثبوت حق الاختصاص
من غير ملك، جزم به القاضي، ودل عليه نصوص أحمد.
ولو باع قرية لم تدخل مزارعها إلا بذكرها، قال المصنف وغيره: أو قرينة.
قلت: وهو الصواب.
قوله: ومن باع نخلاً مؤبراً، وهو ما تشقق ... إلخ، وعنه: أن الحكم منوط بالتأبير، لا بالتشقق، نصرها الشيخ واختارها.
وإذا باعه ولم يشترط القطع، لم يصح، وعنه: يصح إن قصد القطع، ويلزم به في الحال.
وقال الشيخ: يجوز بيع اللقطة الموجودة والمعدومة إلى أن تيبس المقثاة.
وقال: يجوز بيع المقاثي دون أصولها.
وعن أحمد: لا جائحة في غير النخل، واختار الشيخ ثبوت الجائحة في زرع مستأجر، وحانوت نقص نفعه عن العادة، وحكم به أبو الفضل بن حمزة في حمام.
وقال الشيخ: قياس نصوصه إذا عطل نفع الأرض بآفة، انفسخت فيما بقي، كانهدام الدار، وأنه لا جائحة فيما تلف من أجناسه، فيتبع الجوز التوت، والعلة: عدم اختلاف الأيدي على الثمرة، قال في الفروع: واختار شيخنا بقية الأجناس التي تباع عادة كالنوع.
باب السلم
قال ابن عباس: "أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى قد أحلّه الله في كتابه، وأذن فيه.
ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ الآية 1". رواه سعيد.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السّلَم جائز، ولا يصح إلا بشروط سبعة:
(أحدها) : أن يكون مما يمكن ضبط صفاته، كالمكيل والموزون والمزروع.
وأجمعوا على أن السّلَم في الطعام جائز؛ فأما المعدود كالحيوان ونحوه، فعنه: لا يصح.
قال عمر: "إن من الربا أبواباً لا تخفى، وإن منها السّلَم في السن"، ولأن الحيوان لا يمكن ضبطه.
وعن أحمد: جوازه.
قال ابن المنذر: وممن روينا عنه ذلك: ابن مسعود وابن عباس وابن عمر.
فأما حديث عمر فلم يذكره أصحاب الاختلاف.
ثم هو محمول على أنهم يشترطون من ضراب فحل بني فلان، قال الشعبي: "إنما كره ابن مسعود السلف في الحيوان"، لأنهم اشترطوا نتاج فحل معلوم، رواه سعيد.
قال أحمد: لا أرى السلَم إلا فيما يُكال ويوزن أو يوقف عليه بحد، فأما الرمان والبيض فلا أرى السلَم فيه.
ونقل ابن منصور جواز السلَم في الفواكه والخضروات، لأن كثيراً من ذلك يتقارب، وفي السلَم في الرؤوس من الخلاف ما ذكرناه، وكذلك الأطراف.
ويصح في اللحم، لقوله: " في كيل معلوم " ظاهره: إباحته في كل موزون، ولا يصح فيما لا ينضبط كالجواهر.
(الثاني) : أن يصفه بما يختلف به الثمن، فيذكر جنسه ونوعه وقدره وبلده وحداثته وقدمه وجودته ورداءته، وما لا يختلف به الثمن لا يحتاج إلى ذكر؛ وإن جاءه بجنس آخر لم يجز له أخذه، لقوله: "من أسلف في شيء، فلا يصرفه إلى غيره".
1 رواه أبو داود.
وذكر ابن أبي موسى رواية: أنه يجوز أن يأخذ مكان البر شعيراً مثله.
(الثالث) : أن يذكر قدره بالكيل في المكيل والوزن في الموزون والزرع في المزروع، ولا نعلم في اعتبار معرفة قدر السلَم فيه خلافاً.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلَم جائز في الثياب بزرع معلوم.
فإن أسلم في المكيل وزناً والموزون كيلاً، لم يصح.
ونقل المروذي عن أحمد: أن السلَم في اللبن يجوز إذا كان كيلاً أو وزناً، وهو قول الشافعي وابن المنذر.
وقال مالك: ذلك جائز إذا كان الناس يبايعون التمر وزناً، وهذا الصحيح؛ وهذا يدل على إباحة السلَم في المكيل وزناً وفي الموزون كيلاً، ولأن الغرض معرفة قدره.
ولا بد أن يكون المكيال معلوماً، فإن اشترط مكيالاً بعينه أو صنجة بعينها غير معلومة، لم يصح.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم على أن السلَم في الطعام لا يجوز بقفيز لا يعرف عياره، ولا في ثوب بذرع فلان، لأن المعيار لو تلف ومات فلان بطل السلم.
وما عدا المكيل والموزون والحيوان، فعلى ضربين: معدود، وغيره.
والمعدود نوعان: أحدهما: لا يتباين كثيراً، كالجوز والبيض فيسلم فيه عدداً، وقال الشافعي: لا يسلم فيهما عدداً.
ولنا: أن التفاوت يسير.
والثاني: ما يتفاوت، كالرمان
والسفرجل فحكمه حكم ما ليس بمعدود من البطيخ والبقول، وفيه وجهان: أحدهما: يسلم فيه عدداً ويضبط بالصغر والكبر.
والثاني: لا يسلم فيه إلا وزناً، وبه قال الشافعي.
(الرابع) : أن يشترط أجلاً معلوماً له وقع في الثمن كالشهر ونحوه، فإن أسلم حالاً أو إلى أجل قريب كاليوم ونحوه، لم يصح.
وقال الشافعي وابن المنذر: يجوز السلَم حالاً.
ولنا: قوله: "إلى أجل معلوم"، فأمر بالأجل.
فإن باعه ما يصح السلَم فيه حالاً في الذمة صح، ولكن يشترط أن يكون المبيع مملوكاً للبائع، فإن باعه ما ليس عنده لم يصح، إلا أن يسلم في شيء يأخذ منه كل يوم أجزاء معلومة فيصح.
فأما إن أسلم إلى الحصاد والجذاذ، فعلى روايتين، قال أحمد: أرجو أن لا يكون به بأس؛ وبه قال مالك.
وعن ابن عمر: "أنه كان يبتاع إلى العطاء".
وعن ابن عباس أنه قال: "لا تبايعوا إلى الحصاد والدياس، ولا تبايعوا إلا إلى شهر معلوم".
فإن قيل: قد روي عن عائشة: "أنه صلى الله عليه وسلم بعث إلي يهودي أن أبعث إليَّ بثوبين إلى الميسرة"، 1 قلنا: قال ابن المنذر: رواه حرمي بن عمارة، وقال أحمد: فيه غفلة، وهو صدوق.
قال ابن المنذر: فأخاف أن يكون من غفلاته إذ لم يتابع عليه.
ثم إنه لا خلاف أنه لو جعل الأجل إلى الميسرة لم يصح.
وإذا جاءه بالسلَم قبل محله ولا ضرر فيه، قبضه وإلا فلا.
وليس له إلا أقل ما يقع عليه الصفة.
وعليه أن يسلم في الحبوب نقية، وإن كان فيها تراب لا يؤثر في الكيل ولا يعيب، لزمه أخذه.
ولا يلزمه أخذ التمر إلا جافاً، ولا يلزمه أن يتناهى جفافه.
(الخامس) : أن يكون المسلَم فيه عام الوجود في محله، لا نعلم فيه خلافاً، لأنه إذا لم يكن كذلك لا يمكن تسليمه، فلا يصح، كبيع الآبق، بل أولى، لأن
السلَم إذا أسلم في ثمرة بستان احتمل فيه أنواع من الغرر للحاجة، فلا يحتمل فيه غرر آخر لئلا يكثر.
وقال ابن المنذر: إبطال السلَم إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه كالإجماع من أهل العلم.
ولا يشترط وجود السلَم فيه حال العقد، بل يجوز أن يسلم في الرطب في أوان الشتاء.
وقال الثوري وأصحاب الرأي: يشترط أن يكون جنسه موجوداً لأن كل زمان يجوز أن يكون محلاً لموت المسلَم إليه.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين ... إلخ"، 1 ولم يذكر الوجود، ولو كان شرطاً لذَكره ولنهاهم عن السلف سنين، لأنه يلزم منه انقطاع المسلَم فيه أوسط السنة.
ولا نسلّم أن الديْن يحل بالموت، وإن سلّمنا فلا يشترط ذلك، إذ لو لزم أفضى إلى أن تكون آجال السلَم مجهولة.
وإذا تعذر تسليم المسلَم فيه عند محله، إما لغيبة المسلَم إليه، أو عجز عن التسليم حتى عدم المسلَم فيه، أو لم تحمل الثمار تلك السنة، فالمسلم بالخيار بين الصبر وبين الفسخ، ويرجع بالثمن إن كان موجوداً أو بمثله إن كان مثلياً، وإلا فقيمته.
وفيه وجه آخر: أنه ينفسخ بنفس التعذر.
وإذا أسلم ذمي إلى ذمي في خمر، ثم أسلم أحدهما، فقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم: أن المسلم يأخذ دراهمه.
(السادس) : أن يقبض رأس مال السلَم في مجلس العقد، فإن تفرقا قبل ذلك بطل؛ وبه قال أبو حنيفة والشافعي.
وقال مالك: يجوز أن يتأخر قبضه يومين أو ثلاثة وأكثر ما لم يكن شرطاً.
وإن قبض بعضه، فهل يصح في المقبوض؟ على وجهين، بناء على تفريق الصفقة.
وإن قبض الثمن فوجده رديئاً فرده، والثمن معيّن، بطل بردّه.
فإن كان أحد النقدين، وقلنا يتعين بالتعيين، بطل.
وإن كان في الذمة، فله إبداله في المجلس.
وإن تفرقا ثم علم عيبه فردّه،
ففيه وجهان: أحدهما: يبطل.
والثاني: لا، وهو قول أبي يوسف ومحمد وأحد قولي الشافعي، ولكن يشترط أن يقبض البدل في مجلس الرد.
قال أحمد: إذا ظهرت الدراهم مسروقة، فليس بينهما بيع.
وإن كان له في ذمة رجل دينار، فجعله سلماً في طعام إلى أجل، لم يصح.
قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
وروي عن ابن عمر أنه قال: "لا يصح ذلك".
فإن اختلفا في المسلَم فيه، فقال أحدهما: في حنطة، وقال الآخر: في شعير، تحالفا وتفاسخا.
وإن أسلم ثمناً واحداً في جنسين، لم يجز حتى يبيّن ثمن كل جنس.
وقال مالك: يجوز.
وللشافعي قولان.
(السابع) : أن يسلم في الذمة، فإن أسلم في عين لم يصح، لأنه ربما تلف قبل تسليمه، ولأنه يمكن بيعه في الحال، فلا حاجة إلى السلَم فيه.
ولا يشترط مكان الإيفاء، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يذكره، إلا أن يكون موضع العقد لا يمكن الوفاء فيه، فيشترط ذكره.
ولا يجوز بيع المسلَم فيه قبل قبضه، بغير خلاف علمناه، "لأنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن"، 1 وكذلك التولية والشركة، في قول الأكثر.
وحكي جوازها عن مالك.
ولا يجوز هبته قياساً على البيع، ولا أخذ غيره مكانه؛ وبه قال الشافعي.
وذكر ابن أبي موسى رواية فيمن أسلم في بر فعدمه عند المحل، فرضي أن يأخذ شعيراً مثله، جاز.
وقال مالك: يجوز أن يأخذ غير المسلَم فيه يتعجله، ولا يتأجله إلى الطعام.
قال ابن المنذر: ثبت عن ابن عباس قال: "إذا أسلمت في شيء إلى أجل، فخُذ ما أسلفت فيه، وإلا فخذ عرضاً أنقص منه، ولا تربح مرتين".
رواه سعيد.
ويجوز بيع الديْن المستقر لمن هو في ذمته، بشرط أن يقبض عوضه في المجلس، ولا يجوز لغيره، لحديث ابن عمر: "كنا نبيع الإبل ... إلخ" فدل على جواز بيع ما في الذمة من أحد النقدين بالآخر، وغيره مقاس عليه.
ودل على اشتراط القبض في المجلس قوله: "إذا تفرقتما وليس بينكما شيء ". وإن أعطاه مما يشترط فيه التقابض، مثل إن أعطاه عوض الحنطة شعيراً جاز، ولم يجز التفرق قبل القبض.
وإن أعطاه مما لا يشترط فيه التقابض جاز التفرق قبل قبضه، كما لو قال: بعتك هذا الشعير بمائة درهم في ذمتك.
ويحتمل أن لا يجوز، لأنه في الذمة، فلم يجز التفرق قبل القبض، كالسلم.
وإن باع الديْن لغير من هو في ذمته لم يصح، قال أحمد: إذا كان لك على رجل طعام قرضاً، فبعْه من الذي هو عليه بنقد، ولا تبعْه من غيره بنقد ولا نسيئة.
وإذا أقرضت رجلاً دراهم أو دنانير، فلا تأخذ من غيره عوضاً بما لك عليه.
وقال الشافعي: إن كان على معسر أو مماطل لم يصح، وإن كان على مليء باذل، ففيه قولان: أحدهما: يصح، لأنها تباع بمال ثابت.
ويشترط أن يشتري بعين أو يتقابضا في المجلس، لئلا يكون بيع ديْن بديْن.
ولنا: أنه غير قادر على تسليمه، كبيع الآبق.
وقال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه: أن الإقالة في جميع ما أسلم فيه جائزة، وأما الإقالة في البعض فاختلفت الرواية فيها.
وإذا أقاله رد الثمن إن كان باقياً، وإلا مثله أو قيمته إن لم يكن مثلياً.
ويشترط رده في المجلس كما يشترط في السلَم.
وإن انفسخ العقد بإقالة أو غيرها، فقال الشريف: لا يجوز له صرف ذلك الثمن في عقد آخر، وبه قال أبو حنيفة، وقال القاضي: يجوز أخذ العوض عنه، وهو قول الشافعي.