كتاب الجهاد
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- محمد بن عبد الوهاب
- الكتاب
- مختصر الإنصاف والشرح الكبير (مطبوع ضمن مجموعة مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الجزء الثاني)
- المؤلف
- محمد بن عبد الوهاب بن سليمان التميمي النجدي (المتوفى: 1206هـ)
- المحقق
- عبد العزيز بن زيد الرومي، د. محمد بلتاجي، د. سيد حجاب
- الناشر
- مطابع الرياض - الرياض
- الطبعة
- الأولى
- عدد الأجزاء
- 1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع وهو مذيل بالحواشي]
الباقون فانتقض عهدهم.
وإن شرط فيها شرطاً فاسداً، كنقضها متى شاء، أو رد النساء إليهم، أو إدخالهم الحرم، لم يصح الشرط، وفي العقد وجهان.
وإن قال: هادنتكم ما شئنا أو شاء فلان، أو شرط ذلك لنفسه دونهم، لم يصح، لأنه ينافي مقتضى العقد، كما لو شرطه في البيع أو النكاح.
وقال القاضي: يصح، وهو قول الشافعي، لقوله لأهل خيبر: "نقرّكم ما أقرّكم الله".
1 ولنا: أنه عقد لازم، فلم يجز اشتراط نقضه.
وقصة أهل خيبر لم تكن هدنة، وإنما ساقاهم، وقد وافقوا الجماعة في أنه لو شرط في الهدنة: أقركم ما أقركم الله، لم يصح، فكيف يجتمعون مع الإجماع على عدم جوازه.
كذلك إن شرط إدخالهم الحرم فهو فاسد، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ الآية 2.
وإذا عقد الهدنة من غير شرط، فجاءنا منهم إنسان مسلماً أو بأمان، لم يجب ردّه ولم يجز.
ولا يجب رد مهر المرأة.
وقال بعض أصحاب الشافعي: إن خرج العبد إلينا قبل إسلامه، ثم أسلم، لم يرد إليهم؛ فإن أسلم قبل خروجه إلينا، لم يصر حراً، لأنه في أمان منا.
وقال الشافعي في قوله: إذا جاءت امرأة مسلمة رد مهرها، لقوله: ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ الآية.
3 ولنا: أنه من غير دار الإسلام خرج إلينا، فلم يجب رده ولا رد شيء عنه كالحر، كما لو أسلم بعد خروجه.
وقوله: إنه في أمان منا، قلنا: إنما أمناهم ممن هو في دار الإسلام الذين هم في قبضة الإمام، كما لو خرج قبل إسلامه، ولهذا "لما قتل أبو بصير الرجل، لم ينكر عليه ولم يضمنه.
فلما انفرد هو وأصحابه فقطعوا الطريق عليهم، لم ينكر ذلك عليهم ولم يأمرهم بردّ ما أخذوه.
وأما المرأة فلا يردّ مهرها لأنها لم تأخذ منهم شيئاً"، ولو أخذته كانت قد قاهرتهم عليه في دار القهر، ولو وجب لوجب مهر المثل دون المسمى.
وأما الآية، فقال قتادة: نسخ رد المهر، وقال عطاء والزهري: لا يعمل بها اليوم، على أنها في قصة الحديبية حين شرط رد من جاء مسلماً.
وكلامنا فيما إذا وقع الصلح من غير شرط.
وإذا شرط رد النساء لم يصح أيضاً.
وإن شرط رد من جاء مسلماً من الرجال جاز، وقال أصحاب الشافعي: لا يجوز شرط رده، إلا أن يكون له عشيرة تحميه.
ولنا: أنه صلى الله عليه وسلم لم يخص ذا العشيرة، ولأنه إذا كانت عشيرته هي التي تفتنه فهو كمن لا عشيرة له، لكن إنما يجوز هذا الشرط عند شدة الحاجة إليه.
وله أن يأمره سراً بالهرب منهم ومقاتلتهم، لقصة أبي بصير، ولقول عمر لأبي جندل: "دم أحدهم دم الكلب".
وإذا طلبت امرأة مسلمة الخروج من عندهم، جاز لكل مسلم إخراجها، لقصة بنت حمزة.
وعلى الإمام حماية من هادنه من المسلمين دون غيرهم.
وإن سباهم كفار آخرون، لم يجز لنا شراؤهم، وعن أبي حنيفة: يجوز.
وإن خاف نقض العهد منهم، نبذ إليهم عهدهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ الآية، 1 أي: تصير أنت وهم سواء في العلم بالنبذ.
ولا يجوز أن يبدأهم بقتال أو غارة قبل إعلامهم، للآية.
ومن أتلف منهم شيئاً على مسلم ضمنه، وإن قذفه جُلد، لأن الهدنة تقتضي أمان المسلمين بهم.
باب عقد الذمة
لا تجوز إلا من الإمام أو نائبه، لا نعلم فيه خلافاً، والأصل فيه وفي إخراج الجزية: الكتاب والسنة والإجماع، كقوله: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾ الآية، 1 وقول المغيرة يوم نهاوند: "أمرنا نبينا أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله، أو تؤدوا الجزية".
2 رواه البخاري.
وحديث بريدة، مرفوعاً: "ادعُهم إلى إحدى ثلاث خصال".
3 رواه مسلم.
وأجمعوا على جواز أخذ الجزية في الجملة.
ولا يجوز عقدها إلا لأهل الكتاب، ومن له شبهة كتاب؛ فأهل الكتاب: اليهود والنصارى ومن دان بدينهم، كالسامرة يدينون بشريعة موسى وإنما خالفوهم في فروع دينه، وفِرَق النصارى من اليعقوبية والنسطورية والملكية والإفرنج والروم والأرمن وغيرهم ممن انتسب إلى شريعة عيسى، وما عداهم ليس أهل كتاب لقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الآية 4.
فأما أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود، فلا تقبل منهم، لأنهم من غير الطائفتين، ولأن هذه الصحف ليس فيها شرائع، إنما هي مواعظ.
وأما الذين لهم شبهة كتاب، فهم المجوس، هذا قول الأكثر.
وعن أبي ثور: أنهم من أهل الكتاب، وتحل ذبائحهم ونساؤهم، وهو خلاف الإجماع.
وما روي عن عليّ: "أن لهم كتاباً ورُفع، وأنّ ملِكهم قال: إن آدم أنكح بنيه بناته، فأنا على دينه"، فقال أبو عبيد: لا أحسبه محفوظاً.
إذا ثبت هذا، فإن أخذها من أهل الكتاب والمجوس إذا لم يكونوا من العرب، ثابت بالإجماع؛ فإن الصحابة أجمعوا على ذلك.
فإن كانوا من العرب، فحكمهم حكم العجم.
وقال أبو يوسف: لا تؤخذ من العرب، لشرفهم بالنبي صلى الله عليه وسلم.
ولنا: عموم الآية، و"بعْثه خالداً إلى أكيدر دومة، فصالحه على الجزية؛ وهو من العرب.
وأخذَها من نصارى نجران؛ وهم من العرب"، ولأنه إجماع، فـ"إن عمر أخذها من بني تغلب"، فلم ينكر وكان إجماعاً.
فأما غيرهم فلا يقبل منهم إلا الإسلام.
وعنه: تقبل من جميع الكفار إلا عبدة الأوثان من العرب، لحديث بريدة، وعن مالك: تقبل من الجميع، إلا مشركي قريش.
وعن الأوزاعي: تقبل من جميعهم، لحديث بريدة.
ولنا: قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، 1وقوله: "أُمرت أن أقاتل الناس ... " 2 الحديث، وهذا عام خص منه ما ذكرنا.
ولا يجوز عقد الذمة المؤبدة إلا بشرطين: أحدهما: التزام إعطاء الجزية في كل حول.
الثاني: التزام أحكام الإسلام، وهو قبول ما يحكم به عليهم من أداء حق وترك محرم، لقوله تعالى: ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ . 3 والصابيء إذا انتسب إلى أحد الكتابين فهو من أهله، وإلا فلا.
ولا نعلم خلافاً أنها لا تجب على الصبي والمرأة، ولا زائل العقل.
باب أحكام الذمة
تقام عليهم الحدود فيما يعتقدون تحريمه، لحديث: "أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بيهوديين قد فجرا 1" الحديث.
ويقرون على ما يعتقدون حله، إلا أنهم يمنعون من إظهاره.
ويلزمهم التميز عن المسلمين في شعورهم، بحذف مقادم رؤوسهم، وترك الفرق.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
يصرف الفيء في المصالح، واختار الشيخ أنه لا حظ للرافضة فيه، وذكره في الهدي.
وعن مالك وأحمد: يبدأ بالمهاجرين، ثم الأقرب فالأقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويجوز المفاضلة بينهم لمعنى فيهم، اختاره الشيخ.
ويحرم الأخذ من بيت المال، إلا بإذن الإمام.
ولا يجوز الصدقة منه، وكذلك السرقة، ويسلمه للإمام، قال الشيخ: لو أتلفه ضمنه.
والرسول والمستأمن لا يقيم سنة فصاعدا إلا بجزية، اختاره الشيخ.
قوله: والأسير إذا أطلقه الكفار بشرط أن يقيم عندهم مدة، لزمه، قال الشيخ: لا ينبغي أن يدخل معهم في التزام الإقامة أبداً، لأن الهجرة واجبة عليه؛ ففيه التزام ترك الواجب، اللهم إلا أن يمنعوه من دينه، ففيه التزام ترك المستحب، وفيه نظر.
واختار في الرد على الرافضة أخذ الجزية [من كل فرق الكفار، وأنه لم يبق أحد من مشركي العرب بعد نزول الجزية] بل كانوا قد أسلموا،
وقال في الاعتصام بالكتاب والسنة: من أخذها من الجميع، أو سوَّى بين المجوس وأهل الكتاب، فقد خالف الكتاب والسنة.
وليس للإمام نقض عهدهم وتجديد الجزية عليهم، لأن عقد الذمة مؤبد، وقد عقده عمر معهم.
واختار ابن عقيل جواز ذلك لاختلاف المصلحة باختلاف الأزمنة.
وقد فعله عمر بن عبد العزيز، واختاره الشيخ.
ويكون العقد لازماً على الصحيح، يعني: عقد الهدنة، قال الشيخ: ويكون أيضاً جائزاً، فإن زاد على عشر سنين بطل في الزيادة.
وإن هادنهم مطلقاً لم يصح.
وقال الشيخ: يصح، وتكون جائزة ويعمل بالمصلحة، لأن الله أمر بنبذ العهود المطلقة وإتمام المؤقتة.
وإن قال: هادنتكم ما شئنا أو شاء فلان، لم يصح، وقيل: يصح.
ولو قال: نقرّكم ما أقرّكم الله، لم يصح، وقال الشيخ: يصح.
وإن منعناه في قوله: ما شئنا.
قوله: ويأمره سراً بقتالهم والفرار منهم، قال في الترغيب وغيره: يعرِّض له أن لا يرجع إليهم.
وإن سباهم كفار لم يجز لنا شراؤهم، وذكر الشيخ رواية منصوصة: يجوز شراؤهم من سابيهم.
وفي الهدي في غزوة الفتح: أن أهل العهد إذا حاربوا من في ذمة الإمام، صاروا بذلك أهل حرب، فله أن يبيّتهم، وإنما يعلمهم إذا خاف منهم الخيانة، وأنه ينتقض عهد الجميع إذا لم ينكروا عليهم.
ومتى مات الإمام أو عُزل لزم مَن بعده الوفاء بعقده، لأنه لا ينتقض باجتهاد غيره، وجوَّز ابن عقيل وغيره نقض ما عقد الخلفاء الأربعة، نحو صلح تغلب، لاختلاف المصالح باختلاف الأزمنة.
ولا جزية على راهب، وقيل: بلى.
ولا يبقي بيده مالاً إلا بُلْغته فقط، ويؤخذ ما بيده، قاله الشيخ.
وقال: يؤخذ منهم ما لنا كالرزق الذي للديور والمزارع إجماعاً.
[وقال: من له تجارة أو زراعة وهو مخالط لهم أو معاونهم
على دينهم، كمن يدعو إليه من راهب وغيره، فإنها تلزمه إجماعا] ، 1 وحكمه حكمهم بلا نزاع.
ولا يُبدؤون بالسلام، وفيه احتمال: يجوز للحاجة، ومثله: كيف أصبحت؟ كيف حالك؟ وجوّزه الشيخ.
وإذا سلّموا، ردّ عليهم، قال الشيخ: ترد تحيتهم، فقال: يجوز أن يقول له: أهلاً وسهلاً.
وفي تهنئتهم وتعزيتهم وعيادتهم روايتان: إحداهما: أنه يجوز لمصلحة راجحة، كرجاء إسلامه، اختاره الشيخ.
وكره أحمد الدعاء بالبقاء لأحد، اختاره الشيخ.
قوله: ويُمنعون من إحداث الكنائس والبِيع، قال الشيخ: إجماعاً.
وقال الشيخ: يُمنعون من إظهار الأكل والشرب في رمضان، قال: ولو أبى من الصغار انتقض عهده.
وقال في نصراني لعن مسلماً: تجب عقوبته بما يردعه وأمثاله عن ذلك.
وقال: قال أحمد فيمن زنى بمسلمة: يُقتل، قيل له: فإن أسلم؟ قال: وإن أسلم.
هذا قد وجب عليه.
قال الشيخ: من قهر قوماً من المسلمين، ونقلهم إلى دار الحرب، ظاهر المذهب: أنه يُقتل ولو بعد إسلامه، وأنه أشبه بالكتاب والسنة، كالمحارب.
والله أعلم.
كاب البيع
باب الضمان
...
باب الضمان
ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما في حال الحياة والموت، وحكي عن مالك في إحدى الروايتين عنه: أنه لا يطالب الضامن إلا إذا تعذر مطالبة المضمون عنه.
ولنا: قوله عليه السلام: "الزعيم غارم".
1 وعن أحمد رواية أن الميت يبرأ بمجرد الضمان، لما روى أبو سعيد قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في جنازة، فلما وضعت قال: هل على صاحبكم من دين، قالوا: نعم درهمان.
قال: صلّوا على صاحبكم.
فقال عليٌّ: هما عليَّ يا رسول الله.
[وأنا لهما ضامن] . 2 فصلى عليه صلى الله عليه وسلم ثم أقبل على عليٍّ فقال: جزاك الله عن الإسلام خيراً، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك.
فقيل: يا رسول الله، هذا لعليّ خاصة أم للناس عامة؟ فقال: بل للناس عامة".
رواه الدارقطني.
وروى أحمد عن جابر قال: "توفي صاحب لنا فأتينا به النبي صلى الله عليه وسلم ليصلّي عليه.
فخطا خطوة ثم قال: أعليه دين؟ قلنا: ديناران.
فانصرف.
فتحملهما أبو قتادة، فقال: الديناران عليَّ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وجب حق الغريم، وبرئ الميت منهما؟ قال: نعم.
فصلى عليه، ثم قال بعد ذلك: ما فعل الديناران؟ قال: إنما مات أمس، فعاد إليه من الغد، فقال قضيتهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الآن بردت جلده ". 3 وهذا صريح في براءة المضمون عنه،
لقوله: "وبرئ الميت منهما".
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم: "نفس المؤمن معلّقة بديْنه حتى يُقضى عنه"، 1 وقوله: "الآن بردت جلده"، حين أخبره أنه قضى دينه.
فأما صلاته على المضمون عنه، فلأنه صار له وفاء، وإنما كان يمتنع من الصلاة على من لم يخلف وفاء.
وأما قوله: " فكّ الله رهانك ... إلخ"، فإنه كان بحال لا يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ضمنه فكّه من ذلك أو ما في معناه.
وقوله: "برئ الميت منهما" أي: صرت أنت المطالب بهما، وهذا على وجه التأكيد وثبوت الحق في ذمته، ووجوب الأداء عنه، بدليل قوله: "الآن بردت عليه جلده".
ولا يعتبر رضى المضمون له ولا المضمون عنه [ولا معرفة الضامن لهما.
وقال أبو حنيفة: يعتبر رضى المضمون له.
ولنا: "أن أبا قتادة ضمن من غير رضى المضمون له ولا المضمون عنه"] . 2 وقال القاضي: يعتبر معرفتهما.
ولنا: حديث أبي قتادة وعلي، "فإنهما ضمنا لمن لم يعرفا وعن من لم يعرفا"، ولا يعتبر كون الحق معلوماً ولا واجباً إذا كان مآله إلى الوجوب، فمتى قال: أنا ضامن لك ما على فلان، أو ما تقوم به البينة، أو ما يقر به لك، صح؛ وبه قال أبو حنيفة ومالك.
وقال الشافعي وابن المنذر: لا يصح كالثمن.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ . 3 وهو غير معلوم، لأنه يختلف باختلافه.
وقوله عليه السلام: "الزعيم غارم".
ويصح ضمان ما لم يجب كقوله: ما أعطيت فلانا فهو عليَّ، والخلاف فيها كالتي قبلها، والدليل ما ذكرنا.
ويصح ضمان عهدة المبيع عن البائع للمشتري، وعن المشتري للبائع.
فعن
المشتري: أن يضمن الثمن الواجب بالبيع قبل تسليمه، أو إن ظهر فيه عيب، أو استحق، رجع على الضامن.
وعن البائع: أن يضمن الثمن متى خرج المبيع مستحقاً، أو رد بعيب أو أرش العيب.
والعهدة: الكتاب الذي يكتب فيه وثيقة البيع، ويذكر فيه الثمن، فعبر به عن الثمن الذي يضمنه.
وحكي عن أبي يوسف: إذا قال: ضمنت عهدته، لم يصح لأن العهدة الصك بالابتياع، كذا فسره أهل اللغة، وليس بصحيح، لأنها في العرف عبارة عن الدرك، والمطلق يحمل على الأسماء العرفية.
وممن أجاز ضمان العهدة في الجملة: أبو حنيفة ومالك والشافعي.
ولا يصح ضمان الأمانات، كالوديعة، والعين المؤجرة، والشركة، والمضاربة، والعين المدفوعة إلى الخياط، لأنها غير مضمونة على صاحب اليد.
وإن ضمن التعدي فيها، فظاهر كلام أحمد: صحة ضمانها.
فأما الأعيان المضمونة، كالغصوب، والعواري، والمقبوضة على وجه السوم، فيصح ضمانها.
ويصح ضمان الجعل في الجعالة، وفي المسابقة والمناضلة، وقال أصحاب الشافعي: لا يصح في أحد الوجهين، لأنه لا يؤول إلى اللزوم، أشبه مال الكتابة.
ولنا: قوله: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ﴾ 1.
وإن ضمن وقضى بغير أمره، ففيه روايتان: إحداهما: يرجع.
والثانية: لا يرجع، بدليل حديث علي وأبي قتادة، فإنهما لو استحقا الرجوع على الميت صار الدين لهما، وكانت ذمة الميت مشغولة.
ووجه الأولى: أنه قضاء مبرئ من ديْن واجب، كالحاكم إذا قضى عنه عند امتناعه.
فأما علي وأبو قتادة فإنهما تبرعا، فإنهما قضيا ديناً قصداً لتبرئة ذمته، مع علمهما أنه لم يترك وفاء؛ والمتبرع لا يرجع بشيء وإنما
الخلاف في المحتسب.
وإن اعترف المضمون له بالقضاء وأنكر المضمون عنه، لم يسمع إنكاره.
وفيه وجه: أنه لا يقبل، لأن الضامن مدّع بما يستحق الرجوع به، وقول المضمون له شهادة على فعل نفسه، فلا يقبل.
والأول أصح.
وشهادة الإنسان على فعل نفسه صحيحة، كشهادة المرضعة، وقد ثبت ذلك بخبر عقبة بن الحارث.
(فصل) : الكفالة التزام إحضار المكفول به، وجملة ذلك أن الكفالة بالنفس صحيحة، في قول أكثر أهل العلم.
وقال الشافعي في بعض أقواله: الكفالة بالبدن ضعيفة.
فمن أصحابه من قال: مراده: ضعيفة في القياس، وإلا فهي صحيحة، للإجماع والأثر.
ومنهم من حكى قولين.
ولنا: قوله تعالى: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلاَّ أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ . 1 وتصح ببدن كل من يلزمه الحضور في مجلس الحكم بديْن لازم، معلوم أو مجهول.
وتصح ببدن المحبوس والغائب.
وقال أبو حنيفة: لا تصح.
وتصح بالأعيان المضمونة، كالغصوب والعواري.
ولا تصح ببدن من عليه حد أو قصاص، وهو قول أكثر العلماء.
واختلف قولا الشافعي في حدود الآدميين كالقذف، فقال في موضع: لا كفالة في حد ولا لعان.
وقال في موضع: يجوز، قال: لأنه حق لآدمي.
ولنا: ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مرفوعاً: "لا كفالة في حد"، ولأن الكفالة استيثاق، والحدود مبناها على الدرء بالشبهات، ولأنه حق لا يجوز استيفاؤه من الكفيل إذا تعذر إحضار المكفول به كحد الزنى.
وإن قال: إن جئت
به في وقت كذا وإلا فأنا كفيل ببدن فلان، أو فأنا ضامن لك المال الذي عليه، أو إذا جاء زيد فأنا ضامن عليه، أو إذا قدم الحاج فأنا كفيل، فقال القاضي: لا يصح، وهو مذهب الشافعي.
وقال الشريف أبو جعفر: يصح، وهو قول أبي حنيفة.
ولا تصح إلا برضى الكفيل، وفي رضى المكفول به وجهان.
ومتى أحضره وسلمه برئ إلا أن يحضره قبل الأجل وفي قبضه ضرر.
وإن مات المكفول به، أو تلفت العين بفعل الله، أو سلم نفسه، برئ الكفيل؛ وبه قال الشافعي.
ويحتمل ألا يسقط بالموت، ويطالب بما عليه، وهو قول مالك.
ومتى تعذر إحضار المكفول به مع حياته، أو امتنع من إحضاره، لزمه ما عليه.
وقال أكثرهم: لا غرم عليه.
ولنا: قوله: "الزعيم غارم" 1.
وإذا كانت السفينة في البحر، وفيها متاع فخيف غرقها، فألقى بعض من فيها متاعه لتخف، لم يرجع به، سواء ألقاه محتسباً بالرجوع أو متبرعاً.
وإن قال له بعضهم: ألقه، فألقاه، فكذلك لأنه لم يكرهه.
وقال مهنا: سألت أحمد: عن رجل له على رجل ألف درهم، فأقام كفيلين بها كل منهما ضامن، فأحال رب المال عليه رجلاً بحقه، قال: يبرأ الكفيلان.
قلت: فإن مات الذي أحاله عليه بالحق ولم يترك شيئاً؟ قال: لا شيء له، ويذهب الألف.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
قال الشيخ: قياس المذهب: يصح الضمان بكل لفظ فُهم منه الضمان عرفاً مثل: بعهُ وأنا أعطيك الثمن، أو لا تطالبه وأنا أعطيك، ونحو ذلك.
واختار أيضاً صحة ضمان الحارس ونحوه، وتجار الحرب ما يذهب من
البلد أو البحر، وإن غايته ضمان ما لم يجب، وضمان المجهول، كضمان السوق، وهو أن يضمن ما يجب على التجار للناس من الديون، وهو جائز عند أكثر العلماء، كمالك وأبي حنيفة وأحمد.
وقال: لو تغيب مضمون عنه، أطلقه في موضع وقيده في آخر، بقادر على الوفاء فأمسك الضامن وغرم شيئاً بسبب ذلك، وأنفقه في حبس، رجع به على المضمون عنه.
قوله في الكفالة: ولا تصح ببدن من عليه حد أو قصاص، وقال الشيخ: تصح، اختاره في الفائق.
وقال الشيخ: إن كان المكفول في حبس الشرع فسلمه إليه فيه بريء ولا يلزمه إحضاره منه إليه عند أحد من الأئمة، ويمكنه الحاكم من الإخراج ليخاصم غريمه ثم يرده، هذا مذهب الأئمة كمالك وأحمد وغيرهما.
قوله: وإن مات المكفول به، أو تلفت العين بفعل الله، أو سلم نفسه، برئ الكفيل.
إذا مات المكفول به، برئ الكفيل سواء توانى الكفيل في تسليمه حتى مات أو لا، نص عليه.
وقيل: لا يبرأ مطلقاً، فيلزمه الديْن، اختاره الشيخ.
وقال: السجان كالكفيل، ولو ضمن معرفته أخذ به، نقله أبو طالب.
ولو خيف من غرق السفينة فألقى بعضهم متاعه، لم يرجع، وفي الرعاية: يحتمل أن يرجع إذا نوى، وما هو ببعيد.
انتهى.
ويجب الإلقاء إن خيف تلف الركاب.
ولو قال: طلق زوجتك وعليَّ ألف، أو مهرها، لزمه؛ قاله في الرعاية.
وقال: لو قال: بعْ عبدك من زيد بمائة، وعلي مائة أخرى، لم يلزمه، وفيه احتمال.
والله أعلم.
باب الحوالة
الحوالة ثابتة بالسنة والإجماع، لقوله عليه السلام: "مطْل الغني ظلم، وإذا أُتبع أحدكم على مليء، فليتبع".
1 متفق عليه، وفي لفظ: "ومن أُحيل بحقه على مليء، فليحتل".
2 وإذا صحت برئت ذمة المحيل، وانتقل الحق إلى ذمة المحال عليه، في قول عامة أهل العلم.
وعن الحسن: أنه كان لا يرى الحوالة براءة إلا أن يُبرئه.
وعن زفر: أنه أجراها مجرى الضمان.
ولنا: أنها مشتقة من تحويل الحق، فمتى رضي بها المحتال، ولم يشترط اليسار، لم يعد الحق أبداً؛ وبه قال الشافعي وأبو عبيد.
وقال شريح: متى أفلس أو مات رجع على صاحبه.
[وقال أبو يوسف: يرجع في حالين: إذا مات المحال عليه مفلساً، أو إذا جحده وحلف عليه عند الحاكم، وإذا حجر عليه لفلس،] لأنه روي عن عثمان أنه سئل عن: رجل أحيل بحقه، فمات المحال عليه مفلساً؟ فقال: يرجع بحقه، لأنه لا توى على مال امرئ مسلم.
ولنا: "أن حزناً جد ابن المسيب كان له على عليّ (ديْن فأحاله به، فمات المحال عليه، فأخبره، فقال: اخترت علينا، أبعدك الله! ". فأبعده بمجرد احتياله ولم يخبره أن له الرجوع.
وحديث عثمان لم يصح، يرويه معاوية بن قرة عن عثمان، ولم يصح سماعه منه، ولو صح لكان قول عليّ مخالفاًً له.
ولا تصح إلا بشروط ثلاثة:
(أحدها) : أن يحيل على ديْن مستقر، فإن أحال على مال الكتابة، أو السلَم، أو الصداق قبل الدخول، لم يصح.
(الثاني) : اتفاق الدينين في الجنس والصفة والحلول والتأجيل.
(الثالث) : أن يحيل برضاه، ولا خلاف في هذا.
ولا تصح فيما لا يصح السلَم فيه.
فأما ما يثبت في الذمة سلماً غير المثليات، كالمعدود والمذروع، ففي صحتها به وجهان.
ولا يعتبر رضى المحال عليه، ولا رضى المحتال، إن كان المحال عليه مليئاً، والمليء: القادر على الوفاء غير المماطل.
قال أحمد في تفسير المليء: أن يكون مليئاً بماله وقوله وبدنه.
وقال أبو حنيفة: يعتبر رضاهما.
وقال مالك: يعتبر رضى المحتال، وأما المحال عليه فقال مالك: لا يعتبر رضاه، إلا إن كان المحتال عدوه.
ولنا: الحديث المتقدم.
وإن شرط ملاءة المحال عليه فبان معسراً رجع.
وقال بعض الشافعية: لا يرجع، لأنها لا ترد بالإعسار.
ولنا: قوله عليه السلام: "المسلمون على شروطهم".
1 وإذا لم يرض المحتال، ثم بان المحال عليه مفلساً أو ميتاً، رجع بغير خلاف.
وإن رضي بالحوالة لم يرجع، ويحتمل أن يرجع لأن الفلس عيب.
وإن فسخ العقد بعيب أو إقالة، لم تبطل الحوالة.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
وظاهر ما قدمه في المحرر: صحة الحوالة على المهر قبل الدخول، وعلى الأجرة بالعقد، وقال الزركشي: لا يظهر لي منع الحوالة بالمسلَم فيه.
وقال عن تفسير أحمد: الذي يظهر لي أن المليء بالمال أن يقدر على الوفاء، والقول: ألا يكون مماطلاً، والبدن يمكن حضوره إلى مجلس الحكم.
وقال الشيخ: الحوالة على ماله في الديون إذن في الاستيفاء فقط، وللمحتال الرجوع ومطالبة محيله.
انتهى.
ونقل مهنا فيمن بعث رجلاً إلى رجل له عنده مال، فقال: خذ منه ديناراً، فأخذ منه أكثر، قال: الضمان على المرسل لتغريره، ويرجع هو على الرسول.
والله سبحانه أعلم.
باب الصلح
الصلح أنواع: بين المسلمين وأهل الحرب، وبين أهل العدل وأهل البغي، وبين الزوجين.
وعن أبي هريرة، مرفوعاً: "الصلح بين المسلمين جائز، إلا صلحاً حرّم حلالاً أو أحلّ حراماً".
1 صححه الترمذي.
وأجمعوا على جواز الصلح في هذه الأنواع، ولكل نوع منها باب يفرد له.
وهذا بين (المختلفين في الأموال) ، وهما قسمان:
القسم الأول: صلح على الإقرار، وهو نوعان:
أحدهما: صلح على جنس الحق، مثل أن يقرّ له بديْن فيضع عنه بعضه، أو عين فيهب له بعضها، فيصح إن لم يكن بشرط.
قال أحمد: إذا كان للرجل الديْن فوضع بعض حقه وأخذ الباقي، كان ذلك جائزاً لهما.
ولو فعل ذلك قاضٍ شافعي لم يكن عليه في ذلك إثم، إذا كان على وجه النظر لهما، "لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد كلّم غرماء جابر ليضعوا عنه، وفي الذي أصيب في حديقته وهو ملزوم، فأشار إلى غرمائه بالنصف".
ولا يصح ممن لا يملك التبرع كولي اليتيم، إلا في حال الإنكار وعدم البينة، لأن استيفاء البعض عند العجز أولى من تركه.
وإن صالح عن المؤجل ببعضه حالاًّ لم يصح، كرهه ابن عمر، وقال: "نهى عمر أن يباع العين بالديْن"، وكرهه ابن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو حنيفة.
وروي عن ابن عباس
وابن سيرين والنخعي: "أنه لا بأس به".
وعن الحسن وابن سيرين أنهما كانا لا يريان بأسا بالعروض أن يأخذها عن حقه قبل محله.
وإذا صالحه عن ألف حالّ بنصفه مؤجل اختياراً منه، صح الإسقاط، فلم يلزم التأجيل لأن الحال لا يتأجل.
ولو صالح عن المائة الثابتة بالإتلاف بمائة مؤجلة، لم تصر مؤجلة، وعنه: أنها تصير مؤجلة.
وإن صالح إنساناً ليقرّ له بالعبودية، أو امرأة لتقرّ له بالزوجية لم يصح، لأنه يحلّ حراماً، فإن إرقاق الحر نفسه لا يحل بعوض ولا غيره.
فإن دفعت المرأة عوضاً عن الدعوى، ففيه وجهان.
وإن دفع المدعى عليه العبودية إلى المدعي صلحاً صح، لأنه يجوز أن يعتق عبده بمال.
النوع الثاني: أن يصالحه عن الحق بغير جنسه، فهو معاوضة، مثل أن يقرّ له بمائة درهم، فيصالحه عنها بعشرة دنانير، فهذا يشترط له شروط الصرف، أو يعترف له بعروض فيصالحه على أثمان أو بالعكس، فهذا بيع يثبت فيه أحكامه، أو يصالحه على سكنى دار، أو يعمل له عملاً معلوماً، فتكون إجارة لها حكمها.
وإن صالحت المرأة بتزويج نفسها صح.
وإذا ادعى زرعاً في يد رجل فأقر له به، ثم صالحه على دراهم، جاز على الوجه الذي يجوز به بيع الزرع.
ويصح الصلح عن المجهول بمعلوم، سواء كان عيناً أو ديناً، إذا كان مما لا سبيل إلى معرفته.
وقال ابن أبي موسى: الصلح الجائز هو صلح الزوجة من صداقها الذي لا بيّنة لها به ولا علم لها ولا للورثة بمبلغه، وكذلك الرجلان يكون بينهما المعاملة لا علم لواحد منهما بما عليه لصاحبه، وكذلك من عليه حق لا علم له بقدره، وسواء كان صاحب الحق يعلم قدره ولا بيّنة له أو لا.
وقال الشافعي: لا يصح الصلح عن مجهول، لأنه فرع البيع.
ولنا: قوله صلى الله عليه وسلم للذيْن اختصما في مواريث درست: "استهما، وتوخّيا، وليحلل أحدكما صاحبه".
1 رواه أحمد.
فأما ما يمكنهما معرفته، أو يعلمه الذي هو عليه ويجهله صاحبه، فلا يصح الصلح عليه مع الجهل.
قال أحمد: إن صولحت امرأة من ثمنها لم يصح، واحتج بقول شريح: أيما امرأة صولحت من ثمنها، لم يتبيّن لها ما ترك زوجها، فهي الريبة كلها.
قال: وإن ورث قوم مالاً ودوراً أو غير ذلك، فقال بعضهم: نخرجك من الميراث بألف درهم، أكره ذلك.
ولا يشترى منها شيئاً وهي لا تعلم، لعلها تظن أنه قليل وهو يعلم أنه كثير.
إنما يصالح الرجل الرجل على الشيء لا يعرفه، أو يكون رجل يعلم ما لَه عند رجل، والآخر لا يعلمه، فيصالحه، فأما إذا علم، فَلِمَ يصالحه؟ إنما يريد أن يهضم حقه ويذهب به.
القسم الثاني: أن يدعي عليه عيناً أو ديْناً فينكره، ثم يصالحه على مال، فيصح ويكون بيعاً في حق المدعي، حتى إن وجد بما أخذه عيباً فله رده وفسخ الصلح.
والصلح على الإنكار صحيح، وبه قال مالك.
وقال الشافعي: لا يصح لأنه عاوض عما لا يثبث له.
ولنا: عموم قوله: "الصلح بين المسلمين جائز".
2 فإن قالوا: فقد قال: "إلا صلحاً أحلّ حراماً "، 3 وهذا داخل فيه، لأنه لم يكن له أن يأخذ من مال المدعى عليه، فحل بالصلح، قلنا: لا يصح حمل الحديث عليه، لأن هذا يوجد في الصلح بمعنى البيع، فإنه يحل لكل منهما ما كان محرماً عليه قبله، وكذلك الصلح بمعنى الهبة، ولأنه لو حل به المحرّم لكان صحيحاً، فإن الصلح الفاسد لا يحلّ الحرام، وإنما معناه: توصل به إلى تناول المحرّم مع بقائه على تحريمه، وهم يبيحون لمن له حق يجحده غريمه أن يأخذ من ماله بقدره أو دونه، فلأن يحل برضاه أو بذله أولى.
وقولهم:
إنه معاوضة، قلنا: في حقهما أم أحدهما؟ الأول: ممنوع.
والثاني: مسلّم.
والمدعي يأخذ عوض حقه لعلمه بثبوت، والمنكر يدفع المال لدفع الخصومة واليمين عنه، كشرائه عبداً شهد بحريته، فهو معاوضة في حق البائع واستنقاذ في حقه.
وإذا أخذ المدعي شقصاً في دار أو عقار ثبتت فيه الشفعة، فإن كان أحدهما عالماً بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه وما أخذه حرام عليه.
وإن صالح عن المنكر أجنبي بغير إذنه صح، ولم يرجع عليه.
وإن كان المدعى عيناً فقال أجنبي للمدعي: أنا أعلم أنك صادق، فصالحني عنها فإني قادر على استنقاذها، فقال: أصحابنا يصح، وهو مذهب الشافعي.
فإن قال للمدعي: أنا وكيل المدعى عليه، وهو مقر لك وإنما يجحدها في الظاهر، فقال القاضي: يصح الصلح، وهو مذهب الشافعي.
ويجوز الصلح عن كل ما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أو لا، فيصح عن دم العمد، وسكنى الدار، وعيب المبيع.
ومتى صالح عما يوجب القصاص بأكثر من ديته أو أقل جاز.
وإن صالح عن حق الشفعة لم يصح، لأنه حق شرع على خلاف الأصل لدفع ضرر الشركة، فإذا رضي بالتزام الضرر سقط الحق، ولم يجز أخذ العوض عنه، لأنه ليس بمال، فهو كحد القذف.
وإن صالحه على أن يجري على أرضه أو سطحه ماء معلوماً صح، وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره لغير ضرورة، لم يصح إلا بإذنه.
وإن كان لضرورة، مثل أن يكون له أرض لها ماء لا طريق له إلا أرض جاره، فهل له ذلك؟ على روايتين: إحداهما: لا يجوز.
والأخرى: يجوز، لما روي: "أن الضحاك بن خليفة ساق خليجاً، فأراد أن يمر به في أرض محمد بن مسلمة فأبى، فكلم فيه عمر.
فدعا محمداً وأمره أن يخلي سبيله.
فقال: لا والله.
فقال له عمر: لِمَ تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع؟ تسقي به أولاً وآخراً؟ فقال: لا والله.
فقال عمر: والله ليمرّنّ به ولو على بطنك.
فأمره عمر أن يمر به، ففعل".
رواه في الموطإ.
وإن صالحه على أن يسقي أرضه من نهره، وقدره بشيء يعلم به، لم يجز؛ ذكره القاضي، لأن الماء ليس بمملوك، ولا يجوز بيعه، ولأنه مجهول.
قال: وإن صالحه على سهم من النهر جاز، وكان بيعاً للقرار، والماء تابع له.
ويحتمل أن يجوز الصلح على السقي، لأن الحاجة تدعو إليه، والماء مما يجوز أخذ العوض عنه في الجملة.
وإن حصل في هوائه أغصان شجرة غيره، فطالبه بإزالتها، فله ذلك؛ فإن أبى، فله قطعها.
وإن صالحه عن ذلك بعوض، فقال أبو الخطاب: لا يصح.
وقال ابن حامد وابن عقيل: يجوز.
فإن اتفقا على أن الثمرة له أو بينهما، جاز ولم يلزم.
نقل عن مكحول أنه قال: أيما شجرة ظللت على قوم، فهم بالخيار بين قطع ما ظلل أو أكل ثمرها.
ويحتمل أن لا يصح، وهو قول الأكثر، لأن الثمرة مجهولة وجزؤها مجهول.
قال شيخنا: ويقوى عندي أن الصلح هنا يصح، فإن إلزام القطع ضرر كبير، وفي الترك من غير نفع يصل إلى صاحب الهواء ضرر عليه، ولأنه مجرد إباحة كقول كل واحد منهما: اسكن في داري وأسكن في دارك من غير تقدير مدة، أو أبيحك الأكل من بستاني وأبحني الأكل من بستانك.
وفيما ذكرنا نظر للفريقين.
وكذا الحكم فيما امتد من عروق شجر إنسان إلى أرض جاره، سواء أثرت ضرراً مثل تأثيرها في طي الآبار أو لم تؤثر، فالحكم في قطعه والصلح عنه كالغصن.
ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحاً أو ساباطاً أو دكاناً، سواء كان يضر بالمارة أو لاَ، أذن الإمام أو لم يأذن.
وقال ابن عقيل: إن لم يكن فيه ضرر
جاز بإذن الإمام.
وقال مالك والشافعي: يجوز إذا لم يضر بالمارة ولا يملك أحد منعه.
فأما الدكان فلا يجوز بناؤه في الطريق، بغير خلاف علمناه، سواء أذن فيه الإمام أو لا، لأنه بناء في ملك غيره بغير إذنه.
ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق الأعظم، ولا إلى درب نافذ، إلا بإذن أهله.
وقال مالك والشافعي: "يجوز إخراجه إلى الطريق الأعظم، لحديث عمر لما اجتاز على دار العباس"، ولأن الناس يعملون ذلك في جميع بلاد الإسلام من غير نكير.
ولا يجوز أن يفعل ذلك في ملك إنسان، ولا درب غير نافذ، إلا بإذن أهله، فإن صالح عن ذلك بعوض، جاز في أحد الوجهين.
ولا يجوز أن يحفر في الطريق النافذ بئراً لنفسه، وإن أراد حفرها للمسلمين أو لنفع الطريق، مثل أن ينزل فيها ماء المطر عن الطريق، نظرنا: فإن كان الطريق ضيقاً أو يخاف سقوط الدابة فيها لم يجز، لأن ضررها أكثر، وإلا جاز.
وإن فعله في درب غير نافذ، لم يجز إلا بإذن أهله.
وإذا كان ظهر داره في درب غير نافذ، ففتح فيه بابا لغير الاستطراق، جاز لأنه له رفع جميع حائطه فبعضه أولى.
قال ابن عقيل: يحتمل ألا يجوز، لأن شكل الباب مع تقادم العهد ربما استدل به على حق الاستطراق، فإن فتحه للاستطراق لم يجز بغير إذنهم، وفيه وجه: أنه يجوز.
وإن كان بابه في آخر الدرب، ملَك نقله إلى أوله، ولم يملك نقله إلى داخل منه، في أحد الوجهين.
(فصل) : وليس له أن يفتح في حائط جاره ولا الحائط المشترك روزنة ولا طاقاً بغير إذن، ولا يغرز وتداً، ولا يتصرف فيه بنوع تصرف، إلا بإذن.
فأما
الاستناد إليه وإسناد شيء لا يضره فلا بأس.
وليس له وضع خشبة عليه إلا عند الضرورة، بأن لا يمكن التسقيف إلا به.
أما وضع خشبة عليه، فإن كان يضر بالحائط فلا يجوز، بغير خلاف، لقوله: "لا ضرر ولا ضرار".
1 وإن كان لا يضرّ به إلا أن به غنى، فقال أكثر أصحابنا: لا يجوز.
وهو قول الشافعي، لأنه انتفاعٌ بملك غيره بغير إذنه من غير ضرورة.
واختار ابن عقيل جوازه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعنّ أحدكم جاره أن يضع خشبة على جداره".
2 متفق عليه.
ولا فرق فيما ذكرنا بين البالغ واليتيم والعاقل والمجنون.
واختلفت الرواية في وضع خشبة على جدار المسجد.
ولو أراد صاحب الحائط إعارة حائطه أو إجارته على وجه يمنع هذا المستحق من وضع خشبته، لم يملك ذلك.
وإذا وجد بناءه أو خشبته على حائط مشترك أو حائط جاره ولم يعلم سببه، فمتى زال فله إعادته، لأن الظاهر أن الوضع بحق من صلح أو غيره.
وكذلك لو وجد مسيل مائه في أرض غيره، ومجرى ماء سطحه على سطح غيره، وما أشبه هذا، فهو له لأن الظاهر أنه بحق فجرى مجرى اليد.
ومتى اختلفا: هل هو بحق أو عدوان، فالقول قول صاحب الخشب والبناء والسيل مع يمينه.
وإن كان بينهما حائط فانهدم، فطالب أحدهما صاحبه ببنائه، أُجبر.
وعنه: لا يُجبر.
وعليها، ليس له منعه من بنائه.
فإن بناه بآلته فهو بينهما، وإن بناه بآلة من عنده فهو له، وليس للآخر الانتفاع.
فإن طلب الانتفاع خُير الثاني بين أخذ نصف قيمته وأخذ آلته.
وإن لم يكن بين ملكيهما حائط، فطلب أحدهما البناء بين ملكيهما، لم يجبر الآخر، رواية واحدة، وليس له البناء إلا في ملكه.
فإن كان السفل لرجل والعلو لآخر، فطلب أحدهما المباناة من الآخر، فامتنع، فهل يجبر؟ على
روايتين.
فإن انهدمت حيطان السفل وطالبه صاحب العلو بإعادتها، ففيه روايتان.
وإن أراد صاحب العلو بناءه لم يمنع، فإن بناه بآلته فهو على ما كان، وإن بناه بآلة من عنده، فعن أحمد: لا ينتفع به صاحب السفل، يعني: حتى يؤدي القيمة، فيحتمل أنه لا يسكن، وهو قول أبي حنيفة، ويحتمل أنه أراد الانتفاع بالحيطان خاصة من طرح الخشب وسمر الوتد، وهو مذهب الشافعي.
فإن طالب صاحب السفل بالبناء، وأبى صاحب العلو، ففيه روايتان: إحداهما: لا يجبر، وهو قول الشافعي، لأنه ملك صاحب السفل.
والثانية: "يجبر على مساعدته والبناء معه"، وهو قول أبي الدرداء، لأنهما يشتركان في الانتفاع به.
وإن كان بينهما نهر أو بئر أو دولاب، فاحتاج إلى عمارة، ففي إجبار الممتنع روايتان، بناء على الحائط المشترك، والحكم في الرجوع بالنفقة، حكم الرجوع في النفقة على الحائط على ما مضى.
وليس للرجل التصرف في ملكه بما يتضرر به جاره، وعنه رواية أخرى: لا يمنع، وبه قال الشافعي.
ولنا: قوله عليه السلام: "لا ضرر ولا ضرار".
1 وأما دخان الخبز والطبخ، فإن ضرره يسير، ولا يمكن التحرز عنه، فتدخله المسامحة.
فإن كان سطح أحدهما أعلى من سطح الآخر، فليس لصاحب العلو الصعود على وجه يشرف على جاره، إلا أن يبني سترة تستره.
وقال الشافعي: لا يلزمه سترة.
ولنا: أنه إضرار بجاره فمنع منه، ودل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: " لو أن رجلاً اطّلع إليك فحذفته بحصاة ففقأت عينه، لم يكن عليك جناح" 2.
ومن هنا إلى آخر الباب: من "الإنصاف":
لو صالح عن المؤجل ببعضه حالاً لم يصح، وفي الإرشاد رواية: يصح،
اختاره الشيخ.
وذكر أيضاً رواية بتأجيل الحالّ في المعاوضة، لا التبرع.
وإن صالح عن الحق بأكثر منه من جنسه، مثل أن يصالح عن دية الخطإ أو قيمة متلف، لم يصح.
واختار الشيخ الصحة كعرض وكمثلى.
وذكر المصنف رواية بالصحة، فيما إذا صالح عن مائة ثابتة بالإتلاف بمائة مؤجلة.
وقال في صلح الإنكار: واقتصر صاحب المحرر على قول أحمد: إذا صالحه على بعض حقه بتأخير جاز، وعلى قول ابن أبي موسى: الصلح جائز بالنقد والنسيئة.
وإذا أراد أن يجري ماء في أرض غيره من غير ضرر، لم يجز إلا بإذن.
وعنه: يجوز ولو مع حفر، اختاره الشيخ.
ونقل أبو الصقر: إذا أساح عيناً تحت أرض، فانتهى حفره إلى أرض أو دار، فليس له منعه من ظهر الأرض ولا بطنها إذا لم يكن عليه مضرة.
وذكر الشيخ عن أكثر الفقهاء تغيير صفات الوقف لمصلحته.
و"قد زاد عمر وعثمان في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وغيّرا بناءه"، ثم عمر بن عبد العزيز، وزاد فيه أبواباً، ثم المهدي ثم المأمون.
وإذا حصل في ملكه أو هوائه أغصان شجرة، لزم المالك إزالته إن طالبه.
قال ابن رزين: ويضمن ما تلف به إذا أمر بإزالته فلم يفعل، وكذا قال في المغني والشرح وفي المبهج في الأطعمة: ثمرة غصن في هواء طريق عام للمسلمين.
ولا يجوز أن يشرع إلى طريق نافذ جناحاً ... إلخ.
وحكي عن أحمد جوازه بلا ضرر، واختاره الشيخ.
ولا يجوز إخراج الميازيب إلى الطريق ... إلخ.
وفي المغني والشرح: احتمال بالجواز مع انتفاء الضرر.
وحكي رواية عن أحمد، ذكره الشيخ، وقال: إخراج الميازيب إلى الدرب هو السنة، ولم يذكر أكثر الأصحاب مقدار طول الجدار الذي يشرع عليه الميزاب والساباط إذا قلنا
بالجواز، لكن حيث انتفى الضرر جاز.
وقدم في الرعاية: بحيث يمكن عبور محمل، واختاره الشيخ.
وليس له منعه من تعلية داره، ولو أفضى إلى سد الهواء عن جاره، قاله الشيخ.، قال في الفروع: ويتوجه من قول أحمد: لا ضرر ولا ضرار، منعه، قلت: وهو الصواب.
وقال الشيخ: ليس له منعه خوفاً من نقص أجرة ملكه بلا نزاع.
وقال: العين والمنفعة التي لا قيمة لها عادة لا يصح أن يرد عليها عقد بيع أو إجارة اتفاقاً.
ولو استهدم جدارهما أو خيف ضرره نقضاه، فإن أبى أحدهما أجبره الحاكم.
ولو أراد بناء حائط بين ملكيهما لم يجبر الممتنع منهما، رواية واحدة، قاله المصنف ومن تابعه.
قال في الفائق: ولم يفرق بعض الأصحاب، اختاره شيخنا يعني به الشيخ.
ولو اتفقا على بناء حائط بستان فبنى أحدهما، فما تلف من الثمرة بسبب إهمال الآخر يضمنه الذي أهمل، قاله الشيخ.
كتاب البيع
وله صورتان:
إحداهما: الإيجاب والقبول، فإن تقدم القبول جاز، وإن تقدم بلفظ الطلب فقال: بِعني بكذا، فقال: بعتك، ففيه روايتان.
وإن تقدم بلفظ الاستفهام: مثل أتبيعني؟ لم يصح.
وإن تراخى القبول صح، ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه.
الثانية: المعطاة، وقال مالك يقع البيع بما يعتقده الناس بيعاً.
وقال بعض الحنفية: يصح في خسائس الأشياء، لأن العرف إنما جرى به في اليسير.
ولنا: أن الله تعالى أحلّ البيع، ولم يبيِّن كيفيته، فيجب الرجوع فيه إلى العرف، والمسلمون في أسواقهم وبياعاتهم على ذلك، ولأن البيع كان موجوداً بينهم؛ وإنما علق الشرع عليه أحكاماً وأبقاه على ما كان، فلا يجوز تغييره بالرأي والتحكم.
ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه استعمال الإيجاب والقبول، ولو اشترط ذلك لبيّنه صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً.
وكذلك في الهبة والهدية والصدقة، فإنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه استعمال ذلك فيه.
ولا يصح إلا بشروط سبعة:
(أحدها) : التراضي به بينهما، لقوله تعالى: {إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ
تَرَاضٍ مِنْكُمْ} . 1 إلا أن يُكره بحق، كالذي يُكرهه الحاكم على بيع ماله لوفاء دينه.
(الثاني) : أن يكون العاقد جائز التصرف، فأما الصبي المميز والسفيه فيصح بإذن وليهما، في إحدى الروايتين.
والأخرى: لا يصح، وهو قول الشافعي، لأن العقل لا يمكن الوقوف منه على الحد الذي يصلح به للتصرف، فجعل له ضابط وهو البلوغ.
ولنا: قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ ، 2 معناه: اختبروهم لتعلموا رشدهم؛ فإن تصرف بغير إذن لم يصح إلا في اليسير، وكذلك غير المميز، لما روي: "أن أبا الدرداء اشترى من صبي عصفوراً فأرسله".
ويحتمل أن يصح، ويقف على إجازة الولي، وهو قول أبي حنيفة، وكذلك الحكم في تصرف السفيه بإذن وليه، فيه روايتان.
(الثالث) : أن يكون المبيع مالاً، وهو ما فيه منفعة مباحة لغير ضرورة، فيجوز بيع دود القز وبزره والنحل؛ وقوله: لغير ضرورة، احتراز من الميتة والمحرمات التي تباح في حال المخمصة.
وكل عين مملوكة يجوز اقتناؤها والانتفاع بها في غير حال الضرورة، يجوز بيعها، إلا ما استثناه الشرع كالكلب وأم الولد.
وقال أبو حنيفة: إن كان مع دود القز قز، جاز بيعه وإلا فلا، لأنه لا ينتفع بعينه؛ وقوله لا ينتفع بعينه، يبطل بالحيوانات التي لا يحصل منها سوى نفع النتاج.
وقال القاضي: لا يجوز بيع النحل في كواراته، لأنه لا يمكن مشاهدة جميعه.
وقال أبو الخطاب: يجوز كالصبرة.
وفي بيع العلق التي ينتفع بها، كالتي تمص الدم، والديدان التي يصاد بها السمك، وجهان: أحدهما:
الجواز.
ويجوز بيع الهر والفيل وسباع البهائم التي تصلح للصيد، إلا الكلب.
وعن أحمد: أنه كره ثمن الهر، لما في صحيح مسلم: "أنه صلى الله عليه وسلم زجر عنه".
ولنا: أنه حيوان يباح اقتناؤه، فجاز بيعه.
ويمكن حمل الحديث على غير المملوك منها، وعلى ما لا نفع فيه.
وقال ابن أبي موسى: لا يجوز بيع الفهد والصقر ونحوهما، لأنها نجسة كالكلب، وهذا يبطل بالبغل والحمار.
وأما الكلب، فإن الشرع توعّد على اقتنائه، إلا للحاجة، ولقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، 1 خرج منه ما استثناه الشرع.
قال أحمد: أكره بيع القرد، قال ابن عقيل: هذا محمول على بيعه للعب، فأما بيعه لحفظ المتاع ونحوه فيجوز، كالصقر؛ وهذا مذهب الشافعي.
فأما بيع لبن الآدميات، فرويت الكراهة فيه عن أحمد.
واختلف أصحابنا في جوازه.
وقال أحمد: لا أعلم في بيع المصاحف رخصة، ورخص في شرائها.
و"ممن كره بيعها: ابن عمر وابن عباس وأبو موسى".
ورخص فيه الحسن والشافعي.
ولنا: قول الصحابة، ولم نعلم لهم مخالفاًً في عصرهم.
ولا يجوز بيعه لكافر، وبه قال الشافعي، وقد "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المسافرة بالقرآن إلى أرض العدو، مخافة أن تناله أيديهم".
ولا يجوز بيع الميتة والخنزير والدم، قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على القول به.
ولا يجوز بيع الكلب، أي كلب كان، ورخص في ثمن كلب الصيد عطاء.
وأجاز أبو حنيفة بيع الكلاب كلها.
ولنا: ?"أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن".
2 متفق عليه.
فأما الحديث: "أنه نهى
عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد"، 1 فقال الترمذي: لا يصح إسناده، وقال الدارقطني: الصحيح أنه موقوف على جابر.
ولا يحل قتل الكلب المعلّم ولا غرم على قاتله.
فأما قتل ما لا يباح إمساكه منها، فإن كان أسود بهيماً، أبيح قتله، لأنه شيطان، وكذلك الكلب العقور، لحديث: "خمس فواسق ... إلخ".
وما لا مضرة فيه، لا يباح قتله، "لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الكلاب، ثم نهى عنه وقال: عليكم بالأسود البهيم، ذي النقتطين؛ فإنه شيطان".
2 رواه مسلم.
ويحرم اقتناء الكلاب، إلا كلب الماشية والصيد والحرث، لقوله صلى الله عليه وسلم: "من اتخذ كلباً، إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع، نقص من أجره كل يوم قيراط".
3 متفق عليه.
وإن اقتناه لحفظ البيوت لم يجز، للخبر؛ ويحتمل الإباحة، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، لأنه في معنى الثلاثة.
والأول أصح، لأن قياس غير الثلاثة عليها يبيح ما تناول الخبر تحريمه.
ويجوز تربية الجرو الصغير، لأجل الثلاثة، في أقوى الوجهين.
والثاني: لا يجوز، لأنه ليس من الثلاثة.
ولا يجوز بيع السرجين النجس، وقال أبو حنيفة: يجوز لأن أهل الأمصار يتبايعونه لزروعهم من غير نكير، فكان إجماعاً.
ولنا: أنه مجمع على نجاسته، فلم يجز بيعه كالميتة.
ولا يجوز بيع الحر ولا ما ليس بمملوك، كالمباحات قبل حيازتها، لا نعلم فيه خلافاً.
ولا يجوز بيع الأدهان النجسة في ظاهر كلام أحمد، وعنه: يجوز بيعه لكافر يعلم نجاستها.
وعن أبي موسى قال: "لتّوا به السويق وبيعوه، ولا تبيعوه من مسلم، وبيّنوه".
والصحيح الأول، لقوله: "إن الله إذا حرّم شيئاّ حرّم ثمنه".
4 وفي جواز الاستصباح
بها روايتان: روي عنه: أنه لا يجوز، لقوله: "وإن كان مائعاً، فلا تقربوه".
وعنه: "إباحته، لأنه يروى عن ابن عمر"، وهو قول الشافعي.
وكره أحمد أن يدهن منه الجلود، وقال: لا يجعل منه الأسقية.
ونقل عن ابن عمر: "أنه يدهن بها الجلود"، وعجب أحمد من هذا.
ولا يجوز بيع الترياق الذي فيه لحوم الحيات، لأن نفعه بالأكل، وهو محرم ولا يجوز التداوي به ولا بسمّ الأفاعي.
فأما سم النبات، فإن أمكن التداوي بيسيره، جاز بيعه.
(الرابع) : أن يكون مملوكاً له أو مأذوناً له في بيعه، فإن باع ملك غيره أو اشترى بعين ماله شيئاً بغير إذنه، لم يصح، وعنه: يصح، ويقف على إجازة المالك.
والأولى: مذهب الشافعي وابن المنذر.
والثانية: قول مالك وإسحاق، وبه قال أبو حنيفة في البيع، وأما الشراء فيقع عنده للمشتري بكل حال، لما روى عروة البارقي: "أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه ديناراً ليشتري به شاة، فاشترى به شاتين ثم باع إحداهما في الطريق بدينار، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بالدينار والشاة، فقال: بارك الله لك في صفقة يمينك ". 1 ووجه الأولى: قوله صلى الله عليه وسلم لحكيم: "لا تبع ما ليس عندك"، 2 ذكره جواباً له حين سأله أنه يبيع الشيء ويمضي ويشتريه ويسلّمه، وحديث عروة نحمله على أن وكالته مطلقة، لأنه سلّم وتسلّم، وليس ذلك لغير المالك أو وكيله باتفاقنا.
وإن اشترى في ذمته شيئاً لإنسان بغير إذنه صح، سواء نقد الثمن من مال الغير أم لا؛ فإن أجازه لزمه، وإلا لزم من اشتراه.
وإن باع سلعة وصاحبها ساكت، فحكمه حكم ما لو باعها بغير إذنه، في قول الأكثرين.
وقال ابن أبي ليلى: سكوته إقرار، لأنه يدل على الرضى، كسكوت البكر.
ولنا: أن السكوت محتمل، فلم يكن إذناً، كسكوت الثيب.
ولا يجوز بيع ما لا يملكه
ليمضي ويشتريه ويسلّمه، رواية واحدة، ولا نعلم له مخالفاًً، لحديث حكيم بن حزام.
ولا يجوز بيع ما فتح عنوة ولم يقسم، كأرض الشام والعراق، إلا المساكن، وأرضاً من العراق فتحت صلحاً، وهذا قول أكثر أهل العلم.
قال الأوزاعي: لم يزل أئمة المسلمين ينهون عن شراء أرض الجزية، ويكرهه علماؤهم.
وقال الثوري: إذا أقر الإمام أهل العنوة في أرضهم، توارثوها وتبايعوها؛ وروي نحوه عن ابن سيرين والقرظي، لما روي: "أن ابن مسعود اشترى من دهقان أرضاً، على أن يكفيه جزيتها".
وروي عن أحمد أنه قال: كان الشراء هو: أن يشتري الرجل ما يكفيه ويغنيه عن الناس، وهو رجل من المسلمين وكره البيع، قال شيخنا: وإنما رخص فيه لأن بعض الصحابة اشترى، ولم يسمع عنهم البيع.
ولنا: إجماع الصحابة، فإن قيل: خالف ابن مسعود، قلنا لا نسلم.
وقولهم: اشترى المراد: اكترى، كذا قال أبو عبيد، لأنه لا يكون مشترياً لها وجزيتها على غيره.
وروى عنه القاسم أنه قال: "من أقر بالطسق فقد أقر بالصغار والذل".
وإذا بيعت وحكم بصحته حاكم، صح كسائر المختلفات.
وإن باع الإمام شيئاً لمصلحة رآها، مثل أن يكون في الأرض ما يحتاج إلى عمارة ولا يعمره إلا من يشتريه، صح أيضاً.
ولا يجوز بيع رباع مكة، ولا إجارتها، وعنه: يجوز، وهو أظهر في الحجة؛ وما روي من الأحاديث في خلافه، فهو ضعيف.
ولا يجوز بيع كل ماء عدّ كمياه العيون ونقع البئر، ولا ما في المعادن الجارية، ولا ما ينبت في أرضه من الكلإ والشوك.
وأما نفس البئر وأرض العيون، فهو مملوك، والماء غير مملوك، والوجه الآخر: يملك، روي عن أحمد نحو ذلك.
فإنه قيل له: رجل له أرض ولآخر ماء، يشتركان في الزرع يكون بينهما؟ قال: لا بأس، وكذا الكلأ النابت في أرضه، فكله يخرج على الروايتين في الماء.
قال الأثرم: سئل أبو عبد الله: عن قوم بينهم نهر، فجاء يومي ولا أحتاج إليه، أكريه بدراهم؟ قال: ما أدري.
"أما النبي صلى الله عليه وسلم فنهى عن بيع الماء"، فقيل له: إنما أكريه، قال: إنما احتالوا بهذا ليحسنوه، فأي شيء هذا إلا البيع؟ وروى الأثرم أنه صلى الله عليه وسلم قال: "المسلمون شركاء في ثلاث: في النار، والكلإ، والماء"؛ 1 والخلاف فيه إنما هو قبل حيازته.
فأما ما يحوزه من الماء في إنائه، أو يأخذه من الكلإ في حبله، أو يأخذه من المعادن، فإنه يملكه بغير خلاف، فإنه صلى الله عليه وسلم قال: "لأن يأخذ أحدكم حبلاً فيأخذ حزمة من حطب، فيبيع فيكفّ بها وجهه، خير له من أن يسأل الناس أُعطي أو مُنع".
2 رواه البخاري.
وروى أبو عبيد: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الماء، إلا ما حمل منه".
وعلى هذا مضت العادة في الأمصار من غير نكير.
قال أحمد: إنما نهي عن بيع فضل ماء البئر والعيون في قراره، و"قد اشترى عثمان بئر رومة من يهودي، وسبّلها للمسلمين"، وروي: "أنه اشترى منه نصفها وقال: اختر إما أن تأخذ يوماً وآخذ يوماً، وإما أن تنصب دلواً وأنصب دلواً.
فاختار يوماً ويوماً.
فكان الناس يسقون منها يوم عثمان لليومين.
فقال اليهودي: أفسدت عليَّ بئري، فاشترِ باقيها.
فاشترى باقيها".
وفيه دليل على صحة بيعها، وملك ما يستقيه منها، وجواز قسمة مائها، وكون مالكها أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق وليس بمملوك.
وإذا اشترى ممن في ماله حلال وحرام، كالسلطان الظالم والمرابي، فإن علم أن المبيع من حلال فهو حلال، وإن علم أنه من الحرام فهو حرام، وإن لم يعلم من أيهما
هو كره ولم يبطل البيع.
وهذه هي الشبهة؛ وبقدر كثرة الحرام وقلّته تكثر الشبهة وتقل، لحديث النعمان بن بشير.
والمشكوك فيه على ثلاثة أضرب:
الأول: ما أصله الحظر، كالذبيحة في بلد فيها مجوس وعبدة أوثان يذبحون، فإنه لا يجوز شراؤها، وإن جاز أن تكون ذبيحة مسلم، لأن الأصل التحريم؛ والأصل فيه حديث عدي: "إذا أرسلت كلبك فخالط أكلباً لم يسمّ عليها، فلا تأكل؛ فإنك لا تدري أيهما قتله".
1 متفق عليه.
فإن كان ذلك في بلد الإسلام، فالظاهر إباحتها، لأن المسلمين لا يقرّون بيع ما لا يجوز بيعه ظاهراً.
الثاني: ما أصله الإباحة، كالماء يجده متغيراً لا يعلم بنجاسة تغير أو غيرها، فهو طاهر لأن الأصل الطهارة؛ والأصل فيه حديث عبد الله بن زيد قال: "شكي إلى النبي صلى الله عليه وسلم: الرجل يُخيّل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة؟ قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً".
2 متفق عليه.
والثالث: ما لا يعرف له أصل كرجل في ماله حلال وحرام، فهذا هو الشبهة.
وكان أحمد لا يقبل جوائز السلطان، وذلك على سبيل الورع، فإنه قال: جوائز السلطان أحب إلي من الصدقة.
وقال: ليس أحدٌ من المسلمين إلا له في هذه الدراهم نصيب، فكيف أقول: إنها سحت.
و"ممن كان يقبل جوائزهم: ابن عمر وابن عباس"، ورخص فيه الحسن ومكحول والزهري.
واحتج بعضهم بـ"أنه صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً، ومات ودرعه مرهونة عنده".
3 و"أجاب يهودياً دعاه، وأكل من طعامه".
وقد أخبر الله أنهم ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ . 4 قال أحمد فيمن معه ثلاثة دراهم فيها درهم حرام: يتصدق بالثلاثة.
وإن كان معه مائتا درهم فيها عشرة حرام، يتصدق بالعشرة،
لأن هذا كثير.
قيل له: قال سفيان: ما كان دون العشرة يتصدق به، وما كان أكثر يخرج.
قال: نعم.
لا يجحف به، ولأن تحريمه لم يكن لتحريم عينه، وإنما حرم لتعلق حق غيره به، فإذا أخرج عوضه زال التحريم.
(الخامس) : أن يكون مقدوراً على تسليمه، فلا يجوز بيع الآبق والشارد والطير في الهواء، وعن ابن عمر: "أنه اشترى من بعض ولده بعيراً شارداً"، وعن ابن سيرين: لا بأس ببيع الآبق إذا كان علمهما فيه واحداً.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر".
1 [ثبت في الصحيح: "أنه نهى عن بيع الغرر" يتناول كل ما فيه مخاطرة، كبيع الثمار قبل بدوّ صلاحها، وبيع الأجنّة في البطون، وغير ذلك] 2.
ولا يجوز بيع السمك في الآجام، روي عن ابن مسعود: "أنه نهى عنه وقال: إنه غرر"، وكرهه الحسن والنخعي، ولا نعلم لهم مخالفاًً.
وروي عن عمر بن عبد العزيز فيمن له أجمة يحبس السمك فيها: يجوز بيعه.
ولا يجوز بيع المغصوب، لعدم إمكان تسليمه؛ فإن باعه لغاصبه أو لقادر على أخذه جاز، وإن ظن أنه قادر صح البيع، فإن عجز فله الخيار بين الفسخ والإمضاء.
(السادس) : أن يكون معلوماً برؤية أو صفة، فإن اشترى ما لم يرهُ ولم يوصف له لم يصح، وعنه: يصح، وللمشتري خيار الرؤية، لعموم قوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ ، 3 ولما روي عن عثمان وطلحة: "أنهما تبايعا داريهما، إحداهما بالكوفة والأخرى بالمدينة.
فقيل لعثمان: إنك قد غبنت، فقال: ما أبالي، لأني بعت ما لم أره.
وقيل لطلحة، فقال: لي الخيار لأني اشتريت ما لم أره.
فتحاكما إلى جبير، فجعل الخيار لطلحة" ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى
عن بيع الغرر"، 1 وحديث عثمان وطلحة يحتمل أنهما تبايعا بالصفة، وإن قلنا بالصحة فباع ما لم يره فله الخيار عند الرؤية، وإن لم يره المشتري فلكل الخيار.
وقال أبو حنيفة: لا خيار للبائع، لحديث عثمان.
ولنا: أنه جاهل، فأشبه المشتري بصفة المعقود عليه.
وإن ذكر له من صفته ما يكفي في السلم، ورآه ثم عقدا بعد ذلك بزمن لا يتغير فيه ظاهراً، صح في إحدى الروايتين.
ثم إن وجده لم يتغير فلا خيار له.
وإن وجده متغيراً فله الفسخ.
والقول في ذلك قول المشتري مع يمينه، لأن الأصل براءة ذمته من الثمن.
ولا يجوز بيع الحمل في البطن، واللبن في الضرع، والمسك في الفأر، والنوى في التمر، قال ابن المنذر: أجمعوا على أن بيع الملاقيح والمضامين غير جائز.
قال أبو عبيد: الملاقيح: ما في البطن، والمضامين: ما في أصلاب الفحول.
"ونهى صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة"، 2 ومعناه: نتاج النتاج.
وعن ابن عمر "كان أهل الجاهلية يتبايعون لحم الجزور إلى حبل الحبلة، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم".
ولا يجوز بيع اللبن في الضرع، لما روى ابن عباس، مرفوعاً: "نهى عن أن يباع صوف على ظهر، أو لبن في ضرع".
[رواه ابن ماجة، وحكي عن مالك أنه يجوز أياماً معلومة إذا عرفا حلابها، كلبن الظئر] ، 3 وأجازه الحسن وغيره.
ولا يجوز بيع المسك في الفأر، وقال بعض الشافعية: يجوز لأن بقاءه في فأره مصلحة له، أشبه ما مأكوله في جوفه.
وأما الصوف على الظهر فالمشهور أنه لا يجوز، وعنه: يجوز بشرط جزّه في الحال.
فأما بيع الأعمى وشراؤه فإن أمكنه معرفة المبيع بالذوق أو الشم صح، وإلا جاز بيعه بالصفة، وله خيار الخلف في الصفة.
وقال أبو حنيفة: له الخيار إلى معرفة المبيع.
ولا يجوز بيع الملامسة، وهو أن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا، ولا بيع المنابذة، وهو أن يقول: أي ثوب نبذته إليَّ فهو عليّ بكذا، ولا بيع الحصاة وهو أن يقول: ارم هذه الحصاة فعلى أي ثوب وقعت فهو لك بكذا، أو بعتك من هذه الأرض قدر ما تبلغ هذه الحصاة إذا رميتها بكذا، لا نعلم فيه خلافاً.
وفي البخاري: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن المنابذة"، 1 وهو طرح الرجل ثوبه [بالبيع إلى الرجل، قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة: لمس الثوب لا ينظر إليه] 2.
ولا يجوز بيع عبد غير معيّن، ولا شجرة من بستان، ولا هذا القطيع إلا شاة غير معيّنة.
وإن استثنى معيّنا من ذلك جاز، وقال مالك: يصح أن يبيع مائة شاة إلا شاة يختارها، وبيع ثمرة بستان ويستثنى ثمرة نخلات يعدّها.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا، إلا أن تعلم".
3 قال الترمذي: حديث صحيح.
وإن استثنى معيّناً جاز، لا نعلم فيه خلافاً.
وإن باع قفيزاً من هذه الصبرة صح، لأنه معلوم.
وإن باعه الصبرة إلا قفيزاً، أو ثمرة شجرة إلا صاعاً، لم يصح؛ وعنه: يصح، لأنها ثنيا معلومة.
روي عن ابن عمر: "أنه باع ثمرة بأربعة آلاف، واستثنى طعام الفتيان".
وإن باع حيواناً واستثنى ثلثه جاز، وإن باعه أرضاً إلا جريباً، أو جريباً من أرض يعلمان جربانها، صح وكان مشاعاً فيها، وإلا لم يصح.
وإن باعه حيواناً مأكولاً إلا جلده أو رأسه أو أطرافه صح، نص عليه، وقال الشافعي: لا يجوز.
ولنا: "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الثنيا إلا أن تعلم"، 4 وهذه معلومة.
وروى أبو بكر في الشافي عن الشعبي قال: (قضى زيد بن ثابت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بقرة باعها رجل
واشترط رأسها، فقضى بالشروى يعني: أن يعطي رأساً مثل رأس (، فإن امتنع المشتري من ذبحها، لم يجبر ويلزمه قيمته، نص عليه، لما روي عن عليّ: (أنه قضى في رجل اشترى ناقة، واشترط ثنياها، وقال: اذهبوا إلى السوق، فإذا بلغت أقصى ثمنها، فأعطوه بحساب ثنياها من ثمنها (. فإن استثنى شحم الحيوان لم يصح، نص عليه أحمد.
وإن استثنى الحمل لم يصح، وعنه: صحته، وبه قال إسحاق، لما روى نافع: (أن ابن عمر باع جارية واستثنى ما في بطنها (، والصحيح من حديثه: (أنه أعتق جارية (، لأن الثقات الحفاظ قالوا: (أعتق جارية (والإسناد واحد.
وإن باع جارية حاملا بحرّ، فقال القاضي: لا يصح، والأولى صحته.
وقد يستثنى بالشرع ما لا يصح استثناؤه باللفظ، كما لو باع جارية مزوّجة.
ويجوز بيع ما مأكوله في جوفه، لا نعلم فيه خلافاً.
ويجوز بيع الطلع قبل تشققه مقطوعاً وفي شجره، وبيع الحب المشتد في سنبله.
ويجوز بيع الجوز واللوز والباقلاء في قشره مقطوعاً وفي شجره.
وقال الشافعي: لا يجوز حتى ينزع قشره الأعلى، لأنه مستور.
ولنا: "أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها".
1 والحيوان المذبوح يجوز بيعه في سلخه.
(السابع) : أن يكون الثمن معلوماً، فإن باعه بمائة ذهباً وفضة لم يصح، وقال أبو حنيفة: يصح، ويكون نصفين.
وإن قال: بعتك بعشرة صحاح، أو إحدى عشرة مكسرة، وبعشرة نقداً، أو عشرين نسيئة، لم يصح، لأنه صلى الله عليه وسلم "نهى عن بيعتين في بيعة".
2 وهذا هو كذلك فسّره مالك وغيره، وهذا قول أكثر أهل العلم.
وروي عن طاووس والحكم وحماد أنهم قالوا: لا بأس أن يقول: أبيعك بالنقد بكذا، وبالنسيئة بكذا، فيذهب إلى أحدهما.
وروي عن أحمد فيمن قال: إن خطته اليوم فلك درهم، وإن خطته غداً فلك نصف
درهم، أنه يصح، فيحتمل أن يلحق به البيع وأن يفرق بينهما.
وإن باعه الصبرة كل قفيز بدرهم صحَّ، وإن لم يعلما قدرها.
وقال أبو حنيفة: يصح في قفيز واحد، ويبطل فيما سواه، لأن جملة الثمن مجهولة.
وإن باعه من الصبرة كل قفيز بدرهم لم يصح، لأن العدد منها مجهول، ويحتمل أن يصح بناء على قوله، إذا أجر كل شهر بدرهم، قال ابن عقيل: هو الأشبه.
وإن قال: بعتك هذه الصبرة بعشرة على أن أزيدك قفيزاً أو أنقصك قفيزاً لم يصح، لأنه مجهول.
وإن قال: قفيزاً من هذه الصبرة الأخرى، أو وصفه بصفة يعلم بها، صح.
ويصح بيع الصبرة جزافاً مع جهلهما بقدرها، لا نعلم فيه خلافاً لقول ابن عمر: "كنا نشتري الطعام جزافاً ... إلخ".
ولا يضر عدم مشاهدة باطن الصبرة.
وكذلك لو قال: بعتك نصفها أو جزءاً منها معلوماً.
ولا فرق بين الأثمان والمثمنات في صحة بيعها جزافاً.
وقال مالك: لا يصح في الأثمان، لأن لها خطراً، ولا يشق وزنها ولا عددها.
وإن كان البائع يعلم قدر الصبرة، لم يجز بيعها جزافاً؛ وكرهه عطاء وابن سيرين ومجاهد، وبه قال مالك وإسحاق.
قال مالك: لم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك، ولم ير الشافعي بذلك بأساً، لأنه إذا جاز مع جهلهما فمع العلم من أحدهما أولى.
وروى الأوزاعي أنه صلى الله عليه وسلم قال: "من عرف مبلغ شيء، فلا يبعه جزافاً حتى يبيِّنه".
وقال القاضي وأصحابه: هذا بمنزلة التدليس، إن علم به المشتري فلا خيار له، وإن لم يعلم فله الخيار، وهذا قول مالك.
[وذهب بعض أصحابه إلى أن البيع فاسد، والنهي يقتضي الفساد] . 1 فإن أخبره بكيله ثم باعه بذلك صح، فإن قبضه باكتياله تم.
وإن قبضه بغير كيل كان بمنزلة قبضه جزافاً.
فإن كان المبيع باقياً كاله، فإن كان قدر حقه فقد استوفى، وإن زاد
رد الفضل، وإن كان ناقصاً أخذ نقصه.
وإن تلف فالقول قول القابض في قدره بيمينه.
وليس للمشتري التصرف في الجميع قبل كيله، لأن للبائع فيه علقة.
ولا يتصرف في أقل من حقه بغير كيل، لأن ذلك يمنع من معرفة كيله.
وإن تصرف فيما يتحقق أنه مستحق له، مثل أن يكون حقه قفيزاً فيتصرف في ذلك أو في أقل منه بالكيل، ففيه وجهان.
فأما إن أعلمه بكيله ثم باعه إياه مجازفة، على أنه له بذلك الثمن زاد أو نقص، لم يجز، لما روى الأثرم بإسناده عن الحكم قال: "قدم طعام لعثمان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اذهبوا بنا إلى عثمان لنعينه على طعامه.
فقام إلى جنبه، فقال عثمان: في هذه الغرارة كذا وكذا، وأبيعها بكذا وكذا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا سميت الكيل فكِل".
قال أحمد: إذا أخبره البائع أن في كل قارورة منّا، فأخذ بذلك ولا يكتاله، فلا يعجبني، لقوله لعثمان: "إذا سميت الكيل فكِلْ".
قيل له: إنهم يقولون: إذا فتح فسد، قال: فلِم لا يفتحون واحدة ويذرون الباقي.
ولو كال طعاماً وآخر يشاهده، فلمن يشاهده شراؤه بغير كيل ثان، وعنه: يحتاج إلى كيل، للخبر.
ولو كاله البائع للمشتري ثم اشتراه منه فكذلك، لما ذكرناه.
وإن اشترى اثنان طعاماً فاكتالاه، ثم اشترى أحدهما حصة شريكه قبل تفرقهما، فهو جائز؛ وإن لم يحضر المشتري الكيل لم يجز إلا بكيل.
وقال ابن أبي موسى: فيه رواية أخرى: لا بد من كيله.
وإن باعه الثاني في هذه المواضع على أنه صبرة جاز، ولم يحتج إلى كيل ثان، وقبضه بنقله كالصبرة.
قال أحمد، في رجل يشتري الجوز فيعد في مكيل ألف جوزة، ثم يأخذ الجوز كله على ذلك العيار: لا يجوز.
وقال في رجل ابتاع أعكاماً كيلاً، وقال للبائع: كل لي عكماً منها، وآخذ ما بقي على هذا الكيل: أكره هذا.