كشف المخدراتصفحات 764-803
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الطَّهَارَة

صفحات 764-803
عن هذه الطبعة
عَلَم
البعلي، عبد الرحمن بن عبد الله
الكتاب
كشف المخدرات والرياض المزهرات لشرح أخصر المختصرات
المؤلف
عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي الخلوتي الحنبلي (المتوفى: 1192هـ)
المحقق
قابله بأصله وثلاثة أصول أخرى: محمد بن ناصر العجمي
الناشر
دار البشائر الإسلامية - لبنان/ بيروت
الطبعة
الأولى، 1423هـ - 2002م
عدد الأجزاء
2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

مُخْتَارًا لِأَن الْمَكْر مَعْذُور، عَالما بمسروق وب [تَحْرِيمه] أَي الْمَسْرُوق عَلَيْهِ وَلَا قطع بِسَرِقَة منديل بطرفه نِصَاب مشدود لم يُعلمهُ وَلَا بجوهر يظنّ قِيمَته دون نِصَاب، وَلَا على جَاهِل تَحْرِيم سَرقَة، وَلَا تقبل دَعْوَى الْجَهْل مِمَّن نَشأ بَين الْمُسلمين كشرب.
وَالثَّالِث: كَون مَسْرُوق مَالا لِأَن غير المَال لَا يُسَاوِيه فَلَا يلْحق بِهِ، مُحْتَرما لِأَن غير الْمُحْتَرَم كَمَال الْحَرْبِيّ يجوز سَرقته، وَلَو كَانَ الْمَسْرُوق من غلَّة وقف وَلَيْسَ من مستحقيه، وَلَا يقطع بِسَرِقَة مكَاتب وَأم ولد وحر وَلَو صَغِيرا وَلَا بمصحف وَلَا بِمَا مَعَ الْحر والمصحف من حلي وَنَحْوه، لِأَنَّهُ تَابع لما لَا يقطع بسرقته وَلَا بكتب بدع وتصاوير وَلَا بِآلَة لَهو أَو صَلِيب أَو صنم وَلَا بآنية فِيهَا خمر أَو مَاء.
وَالرَّابِع: كَونه أَي الْمَسْرُوق نِصَابا، وَهُوَ أَي النّصاب ثَلَاثَة دَرَاهِم فضَّة خَالِصَة أَو تخلص من مغشوشة أَو ربع مِثْقَال ذَهَبا وَيَكْفِي الْوَزْن من الْفضة الْخَالِصَة أَو التبر الْخَالِص وَلَو لم يضربا، ويكمل أَحدهمَا بِالْآخرِ، فَلَو سرق درهما وَنصف دِرْهَم من خَالص الْفضة وَثمن دِينَار من خَالص الذَّهَب قطع لِأَنَّهُ سرق نِصَابا أَو مَا أَي مَتَاعا تبلغ قِيمَته أَي قيمَة الْمَتَاع أَحدهمَا أَي نِصَاب الذَّهَب وَالْفِضَّة من غَيرهمَا كَثوب وَنَحْوه يُسَاوِي ذَلِك، وَتعْتَبر الْقيمَة حَالَة الْإِخْرَاج من الْحِرْز، فَلَو نقصت بعد إِخْرَاجه قطع لَا إِن أتْلفه فِي الْحِرْز بِأَكْل أَو غَيره أَو نَقصه بِذبح أَو غَيره ثمَّ أخرجه.
وَالْخَامِس: إِخْرَاجه أَي النّصاب من حرز مثله فَلَو سرق من غير حرز بِأَن وجد بَابا مَفْتُوحًا فَأخذ مِنْهُ نِصَابا فَلَا قطع، وَمن أخرج بعض

ثوب قِيمَته نِصَاب قطع بِهِ إِن قطعه من الثَّوْب لتحَقّق إِخْرَاجه إِذن وَإِلَّا فَلَا قطع وحرز كل مَال مَا حفظ بِهِ ذَلِك المَال عَادَة لِأَن معنى الْحِرْز الْحِفْظ وَهُوَ مُخْتَلف باخْتلَاف جنس المَال وبلده وَعدل السُّلْطَان وقوته وضدهما، فحرز جَوْهَر وَنقد وقماش فِي الْعمرَان بدار ودكان وَرَاء غلق وثيق أَي قفل خشب أَو حَدِيد، وصندوق بسوق ثمَّ حارس حرز، وحرز بقل وقدور باقلاء وطبيخ وَثمّ حارس وَرَاء الشرائج، وحرز خشب وحطب الحظائر، وماشية الصير، وَفِي مرعى براع يَرَاهَا غَالِبا، وسفن فِي شط بربطها، وإبل باركة معقولة بحافظ حَتَّى نَائِم.
وحرز ثِيَاب فِي حمام وأعدال وغزل بسوق أَو خَان وَمَا كَانَ مُشْتَركا فِي دُخُول بحافظ كقعوده على مَتَاع، وَإِن فرط حَافظ فَنَامَ، أَو اشْتغل فَلَا قطع على السَّارِق وَضمن حَافظ معد للْحِفْظ وَإِن لم يستحفظه، وحرز بَاب تركيبه بِموضع وحلقة تركيبها فِيهِ، ونوم على رِدَاء أَو مجر فرس وَلم يزل عَنهُ ونعل بِرَجُل حرز.
وَالسَّادِس: انْتِفَاء الشُّبْهَة فَلَا قطع بِسَرِقَة من عمودي نسبه، وَأما سَائِر أَقَاربه إِذا سرق مِنْهُم قطع، أما سَرقته من مَال وَلَده فلحديث (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) وَأما سَرقته من مَال أَبِيه أَو جده أَو أمه أَو جدته وَإِن علوا

أمومة أَو من مَال ولد ابْنه أَو ولد بنته وَإِن سفلا، فلأنهم بَينهم قرَابَة تمنع من قبُول شَهَادَة بَعضهم لبَعض، وَلِأَن النَّفَقَة تجب لأَحَدهم على الآخر حفظا لَهُ فَلَا يجوز إِتْلَافه حفظا لِلْمَالِ.
وَلَا بِسَرِقَة من غنيمَة لأحد مِمَّن ذكرنَا فِيهَا حق وَلَا بِسَرِقَة مُسلم من بَيت المَال إِلَّا الْقِنّ نصا ذكره فِي الْمُحَرر وَغَيره بِمَعْنَاهُ وَمَشى عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَهى، قَالَ المنقح: وَالصَّحِيح لَا قطع.
انْتهى.
لِأَنَّهُ لَا يقطع بِسَرِقَة من مَال لَا يقطع بِهِ سَيّده، وسيده لَا يقطع بِالسَّرقَةِ من بَيت المَال فَكَذَا هُوَ، وَمَشى عَلَيْهِ فِي الْإِقْنَاع فَقَالَ: وَلَا يقطع مُسلم بسرقته من بَيت المَال وَلَو عبدا إِن كَانَ سَيّده مُسلما.
وَلَا سَرقَة زوج أَو زَوْجَة من مَال الآخر وَلَو أحرز عَنهُ.
وَالسَّابِع: ثُبُوتهَا أَي السّرقَة بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ لقَوْله تَعَالَى 19 ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم)) يصفانها أَي السّرقَة فِي شَهَادَتهمَا وَإِلَّا لم يقطع لِأَنَّهُ حد فيدرأ بِالشُّبْهَةِ كَالزِّنَا، وَلَا تسمع شَهَادَتهمَا قبل الدَّعْوَى من مَالك مَسْرُوق أَو من يقوم مقَامه أَو ثُبُوتهَا ب [إِقْرَار] السَّارِق مرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ يتَضَمَّن إتلافا فَاعْتبر تكْرَار الْإِقْرَار فِيهِ كَالزِّنَا، أَو يُقَال: الْإِقْرَار أحد حجتي الْقطع فَاعْتبر فِيهِ التّكْرَار، وَاحْتج الإِمَام 16 (أَحْمد 6 (فِي رِوَايَة مهنأ بِمَا حَكَاهُ عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن عَليّ: لَا تقطع يَد السَّارِق حَتَّى يشْهد على نَفسه مرَّتَيْنِ مَعَ وصفهَا أَي السّرقَة أَي يصفها فِي كل مرّة لاحْتِمَال ظَنّه وجوب الْقطع عَلَيْهِ مَعَ فقد بعض الشُّرُوط ودوام عَلَيْهِ أَي الْإِقْرَار بِأَن

لَا يرجع عَنهُ حَتَّى يقطع فَإِن رَجَعَ ترك، وَلَا بَأْس بتلقينه الْإِنْكَار ليرْجع عَن إِقْرَاره، وَلَا بالشفاعة إِذا لم يبلغ الإِمَام فَإِذا بلغه حرمت وَلزِمَ الْقطع.) )

16 - ( 16 - (وَالثَّامِن: مطابة مَسْرُوق مِنْهُ أَو مُطَالبَة وَكيله أَو مُطَالبَة وليه إِن كَانَ مَحْجُورا عَلَيْهِ لحظه كسفيه وَنَحْوه لِأَن المَال يُبَاح بالبذل وَالْإِبَاحَة فَيحْتَمل إِبَاحَة مَالك إِيَّاه أَو إِذْنه لَهُ فِي دُخُول حرزه وَنَحْوه مِمَّا يسْقط الْقطع فَإِن طَالب رب المَال زَالَ هَذَا الِاحْتِمَال وانتفت الشُّبْهَة، فَلَو أقرّ بِسَرِقَة من مَال غَائِب أَو قَامَت بهَا بَيِّنَة انْتظر حُضُوره ودعواه لتتكامل شُرُوط الْقطع فَيحْبس السَّارِق إِلَى قدومه وَطَلَبه أَو تَركه وتعاد شَهَادَة الْبَيِّنَة بِهِ بعد دَعْوَاهُ لِأَن تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ شَرط للاعتداد بهَا، وَإِن كذب مُدع نَفسه سقط الْقطع فَإِذا وَجب الْقطع لتوفر الشُّرُوط الْمُوجبَة لَهُ قطعت يَده أَي السَّارِق الْيُمْنَى لقِرَاءَة ابْن مَسْعُود فَاقْطَعُوا أيمانهما.
وَهُوَ إِمَّا قِرَاءَة أَو تَفْسِير سَمعه من رَسُول الله إِذْ لَا يظنّ بِمثلِهِ أَن يثبت فِي الْقِرَاءَة شَيْئا بِرَأْيهِ وَلِأَنَّهُ قَول أبي بكر وَعمر وَلَا مُخَالف لَهما من الصَّحَابَة، وَلِأَن السّرقَة جِنَايَة الْيُمْنَى غَالِبا فتقطع من مفصل كَفه لقَوْل أبي بكر: تقطع يَمِين السَّارِق من الْكُوع وحسمت وغمست وجوبا فِي زَيْت مغلي، وَالْحكمَة فِي الغمس أَن الْعُضْو إِذا قطع فَغمسَ فِي زَيْت مغلي استدت أَفْوَاه الْعُرُوق فَيَنْقَطِع الدَّم إِذْ لَو ترك بِلَا غمس لنزف الدَّم فَأدى إِلَى مَوته.
وَسن تَعْلِيقهَا ثَلَاثَة أَيَّام إِن رَآهُ الإِمَام فَإِن عَاد من قطعت يمناه إِلَى السّرقَة قطعت رجله الْيُسْرَى من

مفصل كَعبه بترك عقبَة نَص عَلَيْهِ، أما قطع الرجل فلحديث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي السَّارِق (إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله) وَلِأَنَّهُ قَول أبي بكر وَعمر وَلَا مُخَالف لَهما من الصَّحَابَة.
وَأما كَونهَا الْيُسْرَى فقياسا على الْمُحَاربَة وَلِأَنَّهُ أرْفق بِهِ لِأَن الْمَشْي على الرجل الْيُمْنَى أسهل وَأمكن لَهُ من الْيُسْرَى.
وَأما كَونه من مفصل كَعبه وَترك عقبه فَلَمَّا رُوِيَ عَن عَليّ أَنه كَانَ يقطع من شطر الْقدَم وَيتْرك عَقبهَا يمشي عَلَيْهِ وحسمت كَمَا تقدم فِي الْيَد، فَإِن عَاد فَسرق بعد قطع يَده وَرجله [حبس حَتَّى يَتُوب] وَيحرم أَو يقطع.
وَقَالَ فِي الْإِقْنَاع: وَإِن وَجب قطع يمناه فَقطع الْقَاطِع يسراه بَدَلا عَن يمناه أَجْزَأت وَلَا تقطع يمناه، وَأما الْقَاطِع فَإِن كَانَ قطعهَا من غير اخْتِيَار من السَّارِق أَو كَانَ أخرجهَا السَّارِق دهشة أَو ظنا مِنْهُ أَنَّهَا تُجزئه فَعَلَيهِ دِيَتهَا.
وَإِن كَانَ السَّارِق أخرجهَا اخْتِيَارا عَالما بالأمرين فَلَا شَيْء على الْقَاطِع وَلَا تقطع يمنى السَّارِق.
انْتهى.
وَجزم بِهِ فِي التَّصْحِيح وَالنّظم وَقدمه فِي الْمُنْتَهى.
وَالْوَجْه الثَّانِي: تقطع جزم بِهِ فِي الْوَجِيز والتنقيح وَهُوَ ظَاهر مَا قدمه فِي الْفُرُوع.

ويجتمع الْقطع وَالضَّمان فَيرد مَا سرق لمَالِكه، وَإِن تلف فَمثل مثلي وَقِيمَة غَيره ويعمر مَا خربه من الْحِرْز وَعَلِيهِ أُجْرَة قَاطع وَثمن زَيْت حسم وَمن سرق ثمرا أَو جمار نخل وَهُوَ الكثر قبل إِدْخَال الْحِرْز كأخذه من رُءُوس نخل وَشَجر من غير حرز غرم قِيمَته مرَّتَيْنِ وَلَا قطع،) )

16 - ( 16 - (أَو سرق مَاشِيَة من المرعى من غير حرز غرم قِيمَته مرَّتَيْنِ وَلَا قطع، وَمن لم يجد مَا يَشْتَرِيهِ من نَحْو قوت أَو لم يجد مَا يَشْتَرِي بِهِ الْقُوت زمن مجاعَة غلاء لم يقطع بِسَرِقَة مَا سَرقه نصا.
وَإِذا سرق الضَّيْف من مَال مضيفه من الْموضع الَّذِي أنزل فِيهِ أَو مَوضِع لم يحرزه عَنهُ لم يقطع، أَو مُحرز عَنهُ فَإِن كَانَ مَنعه قراه فَسرق بِقَدرِهِ لم يقطع وَإِلَّا قطع.

3 - (

فصل

) فِي حد الْمُحَاربين.
وهم قطاع الطَّرِيق المكلفون بالغين من الْمُسلمين وَأهل الذِّمَّة وينتقض بِهِ عَهدهم وَلَو أُنْثَى أَو رَقِيقا الَّذين يعترضون النَّاس بسلاح وَلَو عَصا أَو حجر فِي صحراء أَو بُنيان أَو بَحر فيغصبون مَالا مُحْتَرما مجاهرة، فَخرج الصَّغِير وَالْمَجْنُون وَالْحَرْبِيّ وَمن يعرض لنَحْو صيد أَو يعرض للنَّاس بِلَا سلَاح لأَنهم لَا يمْنَعُونَ من قصدهم، وَخرج أَيْضا من يغصب نَحْو كلب أَو سرجين نجس أَو مَال حَرْبِيّ وَنَحْوه وَمن يَأْخُذ خُفْيَة لِأَنَّهُ سَارِق، وَأما الْمُحَارب فيعتصم بِالْقِتَالِ دون الْخفية.
وهم [أَنْوَاع] أَرْبَعَة أَشَارَ للْأولِ بقوله: فَمن قدر عَلَيْهِ مِنْهُم وَقد قتل إنْسَانا فِي الْمُحَاربَة مكافئا لَهُ كَالْحرِّ الْمُسلم يقتل مثله أَو قتل غَيره أَي غير مكافيء لَهُ كَوَلَد يقْتله أَبوهُ وقن يقْتله حر وذمي يقْتله مُسلم وَكَانَ كل مَا ذكر بِقصد مَاله وَأخذ المَال عطف على قتل [قتل] حتما لوُجُوبه لحق الله تَعَالَى كالقطع فِي السّرقَة ثمَّ صلب قَاتل [مكافيء] دون غَيره وَهُوَ من يُقَاد بِهِ لَو قَتله فِي غير محاربة لقَوْله تَعَالَى: 19 ((أَن يقتلُوا أَو يصلبوا))

حَتَّى يشْتَهر ليرتدع غَيره ثمَّ ينزل وَيغسل ويكفن وَيصلى عَلَيْهِ ويدفن، ذكره فِي الْإِقْنَاع، وَلَا يقطع مَعَ ذَلِك.
وَلَو مَاتَ أَو قتل قبل قَتله للمحاربة لم يصلب، وَلَو قتل بَعضهم فَيثبت حكم الْقَتْل فِي حق جَمِيعهم.
فَإِن قدر عَلَيْهِم قبل أَن يتوبوا قتل من قتل وَمن لم يقتل من الْمُكَلّفين.
وَإِن قتل بعض وَأخذ المَال بعض تحتم قتل الْجَمِيع وصلبهم.
وَالثَّانِي: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَمن قتل فَقَط لقصد المَال وَلم يَأْخُذ المَال قتل حتما وَلَا صلب لِأَن جنايتهم بِالْقَتْلِ وَأخذ المَال تزيد على جنايتهم بِالْقَتْلِ وَحده فَوَجَبَ اخْتِلَاف العقوبتين.
الثَّالِث: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَمن أَخذ المَال أَي نِصَابا فَأكْثر لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ من بَين الْقَافِلَة لَا عَن مُنْفَرد عَنْهَا فَقَط أَي وَلم يقتل أحدا قطعت يَده أَي يَد كل من قطاع الطَّرِيق الْيُمْنَى ثمَّ رجله الْيُسْرَى لقَوْله تَعَالَى 19 ((من خلاف)) ورفقا بِهِ فِي إِمْكَان مَشْيه فِي مقَام وَاحِد حتما مُرَتبا وجوبا فَلَا ينظر بِقطع إِحْدَاهمَا اندمال الْأُخْرَى لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمر بقطعهما بِلَا تعرض لتأخير وَالْأَمر للفور فتقطع يمنى يَدَيْهِ وتحسم ثمَّ رجله الْيُسْرَى وتحسم وحسمتا وجوبا لحَدِيث 19 ((اقطعوه واحسموه)) وخلى عَنهُ لِاسْتِيفَاء مَا لزمَه كمدين يُوفي دينه: فَلَو كَانَت يَده الْيُسْرَى مفقودة أَو يَمِينه شلاء مَقْطُوعَة أَو مُسْتَحقَّة فِي قَود قطعت رجله الْيُسْرَى فَقَط.

الرَّابِع: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَإِن أَخَاف السَّبِيل فَقَط أَي لم يقتل أحدا وَلَا أَخذ مَا يبلغ نِصَابا مِمَّا لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ من حرزه نفي وشرد وَلَو قِنَا لقَوْله تَعَالَى (أَو ينفوا من الأَرْض) فَلَا يتْرك يأوي إِلَى بلد حَتَّى تظهر تَوْبَته وتنفي الْجَمَاعَة مُتَفَرِّقَة كل إِلَى جِهَة لِئَلَّا يجتمعوا على الْمُحَاربَة ثَانِيًا.
وَشرط لوُجُوب حد قطاع الطَّرِيق ثَلَاثَة شُرُوط: أَحدهَا ثُبُوت ذَلِك أَي قطع الطَّرِيق بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار مرَّتَيْنِ، وَالثَّانِي حرز بِأَن يَأْخُذهُ عَن يَد مُسْتَحقَّة وَهُوَ بالقافلة فَلَو وجده مطروحا أَو أَخذ من سارقه أَو غاصبه أَو مُنْفَرد عَن قافلة لم يكن مُحَاربًا، وَالثَّالِث نِصَاب يقطع بِهِ السَّارِق وَهُوَ ثَلَاثَة دَرَاهِم فضَّة أَو ربع دِينَار ذَهَبا وَمن تَابَ مِنْهُم أَي قطاع الطَّرِيق قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ سقط عَنهُ حق الله تَعَالَى من صلب وَقطع وَنفي وتحتم قتل لقَوْله تَعَالَى 19 ((إِلَّا الَّذين تَابُوا من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم فاعلموا أَن الله غَفُور رَحِيم)) ، وَكَذَا خارجي وباغ مُرْتَد تَابَ قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ.
وَأما من تَابَ مِنْهُم بعد الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَلَا يسْقط عَنهُ شَيْء مِمَّا وَجب عَلَيْهِ لمَفْهُوم قَوْله تَعَالَى 19 ((من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم)) وَلِأَن ظَاهر حَال من تَابَ قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ أَن تَوْبَته إخلاص وَأما بعدهمَا فَالظَّاهِر أَنَّهَا تَوْبَة تقية من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ، وَإِن فِي قبُول تَوْبَته قبل الْقُدْرَة ترغيبا لَهُ بِخِلَاف مَا بعْدهَا فَإِنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى ترغيبه فِيهَا،

وَأخذ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول عطف على سقط بِحَق آدَمِيّ إِن طلبه ربه من قصاص فِي نفس أَو دونهَا أَو غَرَامَة مَال أَو دِيَة لَا قصاص فِيهِ وحد قذف كَمَا قبل الْإِسْلَام وَقَوله تَعَالَى 19 ((قل للَّذين كفرُوا أَن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف)) وَحَدِيث (الْإِسْلَام يجب مَا قبله) فِي الْحَرْبِيين أَو فِي الْكفْر جمعا بَين الْأَدِلَّة، وَمن وَجب عَلَيْهِ حد للَّه تَعَالَى كشرب وسرقة فَتَابَ عَنهُ قبل ثُبُوته عِنْد حَاكم سقط عَنهُ بِمُجَرَّد تَوْبَته قبل صَلَاح عمل.
وَمن أُرِيد أَي قصد مَاله أَو أريدت نَفسه بقتل أَو بِفعل الْفَاحِشَة أَو أريدت حرمته كَأُمِّهِ وَأُخْته ونحوهن بزنا أَو قتل وَلَو لم يكافىء من أريدت نَفسه وَنَحْوهَا المريد فَلهُ دَفعه بأسهل مَا يظنّ أَن ينْدَفع بِهِ، فَإِن ظن أَنه ينْدَفع بِضَرْب عَصا لم يكن لَهُ ضربه بحديد، وَإِن ولى هَارِبا لم يكن لَهُ قَتله وَلَا اتِّبَاعه.
وَإِن ضربه فعطله لم يكن لَهُ أَن يثني عَلَيْهِ، وَإِن ضربه فَقطع يَمِينه فولى هَارِبا فَضَربهُ فَقطع رجله فالرجل مَضْمُونَة بقصاص أَو دِيَة، فَإِن مَاتَ بسراية القطعين فَعَلَيهِ نصف الدِّيَة، وَإِن لم ينْدَفع المريد الْأَذَى إِلَّا بِالْقَتْلِ أَو خَافَ ابْتِدَاء أَن يبدره بِالْقَتْلِ إِن لم يعاجل بِالدفع أُبِيح قَتله وَقطع طرفه حِينَئِذٍ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَإِن قتل المصول عَلَيْهِ فَهُوَ شَهِيد مَضْمُون.
وَيجب الدّفع عَن حرمته إِن أريدت نصا، وَحُرْمَة غَيره وَكَذَا عَن نفس وَنَفس غَيره فِي غير فتْنَة وَكَذَا

عَن مَال غَيره، قَالَ فِي الْمُنْتَهى وَشَرحه: مَعَ ظن سلامتهما أَي الدَّافِع والمدفوع وَإِلَّا حرم.
انْتهى.
وَهُوَ خلاف ظَاهر الْإِقْنَاع فَإِن قَالَ: وَلَا يلْزمه الدّفع عَن مَاله وَلَا حفظه عَن الضّيَاع والهلاك كَمَال غَيره.
انْتهى.
وَله بذله لمن أَرَادَهُ مِنْهُ ظلما.
ثمَّ أَخذ يتَكَلَّم على قتال الْبُغَاة والبغاة جمع بَاغ من الْبَغي أَي الْجور وَالظُّلم والعدول عَن الْحق وَالْبَغي بتَشْديد الْيَاء الزَّانِيَة ذَوُو أَصْحَاب شَوْكَة يخرجُون على الإِمَام لَو غير عدل بِتَأْوِيل سَائِغ لَو لم يكن فيهم مُطَاع، سموا بغاة لعدولهم عَن الْحق وَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّة الْمُسلمين، وَالْأَصْل فِي قِتَالهمْ قَوْله تَعَالَى 19 ((فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله)) وَمَتى اخْتَلَّ شَرط مِمَّا تقدم بِأَن كَانُوا جمعا يَسِيرا لَا شَوْكَة لَهُم كالعشرة أَو لم يخرجُوا على الإِمَام أَو خَرجُوا بِلَا تَأْوِيل أَو بِتَأْوِيل غير سَائِغ فهم قطاع طَرِيق.
وَنصب الإِمَام فرض كِفَايَة، وَيعْتَبر كَونه قرشيا مُكَلّفا سميعا بَصيرًا ناطقا عدلا حرا ذكرا عَالما ذَا بَصِيرَة كَافِيا ابْتِدَاء ودواما للحرب والسياسة وَإِقَامَة الْحُدُود، وَلَا تلْحقهُ رأفة فِي ذَلِك وَلَا فِي الذب عَن الْأمة، وَالْإِمَام يَنْعَزِل بِفِسْقِهِ بِخِلَاف القَاضِي.
فَيلْزمهُ الإِمَام مراسلتهم أَي الْبُغَاة لِأَنَّهَا طَرِيق إِلَى الصُّلْح ولرجوعهم إِلَى الْحق، وَيلْزمهُ [إِزَالَة مَا يَدعُونَهُ من شُبْهَة ومظلمة] لِأَنَّهَا وَسِيلَة إِلَى الصُّلْح الْمَأْمُور بِهِ بقوله تَعَالَى (فأصلحوا بَينهمَا) فَإِن فاءوا أَي رجعُوا عَن الْبَغي وَطلب

الْقِتَال تَركهم [وَإِلَّا] يفيئوا قَاتلهم إِمَام قَادر على قِتَالهمْ لُزُوما لقَوْله تَعَالَى (فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله) وعَلى رَعيته معونته، فَإِن قَالَ لَهُ الْبُغَاة: أنظرنا مُدَّة حَتَّى نرى رَأينَا، وَرَجا فيئهم أنظرهم وجوبا حفظا لدماء الْمُسلمين، وَإِن خَافَ مكيدة فَلَا وَلَو أَعْطوهُ مَالا ورهنا، وَإِن تركُوا الْقِتَال حرم قَتلهمْ وَقتل مدبرهم وجريحهم وَلَا يغنم مَا لَهُم وَلَا تسبى ذَرَارِيهمْ وَيجب رد ذَلِك إِلَيْهِم، وَلَا يضمنُون مَا أتلفوه حَالَة الْحَرْب كَمَا لَا يضمن أهل عدل مَا أتلفوه لبغاة حَالَته، ويضمنان مَا أتلفاه فِي غير حَرْب، وَمَا أَخَذُوهُ حَال امتناعهم من زَكَاة وخراج وجزية اعْتد بِهِ لمَالِكه وَتقبل بِلَا يَمِين دَعْوَى دفع زَكَاة إِلَيْهِم لَا جِزْيَة وَلَا خراج إِلَّا بِبَيِّنَة، وهم فِي شَهَادَتهم وإمضاء حكمهم كَأَهل عدل.
وَمن كفر أهل الْحق وَالصَّحَابَة واستحل دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ بِتَأْوِيل فهم خوارج بغاة فسقة ذكره فِي الْمُنْتَهى عَن الْفُرُوع قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: نصوصه صَرِيحَة على عدم كفر الْخَوَارِج والقدرية والمرجئة وَغَيرهم وَإِنَّمَا كفر الْجَهْمِية لَا أعيانهم، قَالَ: وَطَائِفَة تحكى عَنهُ رِوَايَتَيْنِ فِي تَكْفِير أهل الْبدع مُطلقًا حَتَّى المرجئة والشيعة المفضلة لعَلي رَضِي الله عَنهُ.
وَعنهُ: كفار، قَالَ المنقع: وَهُوَ أظهر.
انْتهى.
قَالَ فِي " الْإِنْصَاف " وَهُوَ الصَّوَاب وَالَّذِي ندين الله بِهِ، انْتهى من " الْمُنْتَهى " و " شَرحه ".

وَإِن اقْتتلَتْ طَائِفَتَانِ لعصبية أَو رياسة فهما ظالمتان تضمن كل طَائِفَة مَا تتلفه على الْأُخْرَى وضمنتا سَوَاء مَا جهل متلفه كَمَا لَو قتل دَاخل بَينهمَا يصلح وَجَهل قَاتله، وَإِن علم كَونه من طَائِفَة بِعَينهَا وَجَهل عينه ضمنته وَحدهَا بِخِلَاف الْمَقْتُول فِي زحمة جَامع أَو طواف لِأَنَّهُ لَيْسَ فيهمَا تعد بِخِلَاف الأول ذكره ابْن عقيل.

3 - (

فصل

) فِي بَيَان حكم الْمُرْتَد فَقَالَ رَحمَه الله: [وَالْمُرْتَدّ] لُغَة الرَّاجِع، يُقَال ارْتَدَّ فَهُوَ مُرْتَد إِذا رَجَعَ، قَالَ تَعَالَى 19 ((وَلَا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين)) وَشرعا من كفر طَوْعًا وَلَو كَانَ مُمَيّزا بعد إِسْلَامه، فَمَتَى ادّعى النُّبُوَّة أَو صدق من ادَّعَاهَا كفر، لِأَنَّهُ يكذب الله تَعَالَى فِي قَوْله 19 ((وَلَكِن رَسُول الله وَخَاتم النَّبِيين)) وَلِحَدِيث (لَا نَبِي بعدِي) وَفِي الْخَبَر 19 ((لَا تقوم السَّاعَة حَتَّى يخرج ثَلَاثُونَ دجالًا كلهم يزْعم أَنه رَسُول الله)) أَو سبّ الله تبَارك وَتَعَالَى أَو أشرك بِهِ أَو سبّ رَسُوله أَي رَسُولا من رسله، أَو سبّ ملكا كفر، لِأَنَّهُ لَا يسبه إِلَّا وَهُوَ جَاحد بِهِ

أَو جحد ربوبيته تَعَالَى أَو وحدانيته أَو جحد صفة ذاتية لَهُ تَعَالَى [من صِفَاته] الْعلية كَالْعلمِ والحياة، كفر أَو جحد كتابا لَهُ أَو جحد رَسُولا لَهُ مجمعا عَلَيْهِ أَو ثَبت تواترا لَا آحادا كخالد بن سِنَان أَو جحد ملكا لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مجمعا عَلَيْهِ كفر، لِأَنَّهُ مكذب لله وَرَسُوله فِي ذَلِك لِأَن جحد بعض من ذَلِك كجحد الْكل، أَو جحد الْبَعْث أَو جحد وجوب إِحْدَى الْعِبَادَات الْخمس الْمشَار إِلَيْهَا بِحَدِيث (بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَات أَلا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وإقام الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَصَوْم رَمَضَان وَحج الْبَيْت) وَمِنْهَا الطَّهَارَة فيكفر من جحد وُجُوبهَا وضُوءًا كَانَت أَو غسلا أَو تيمما أَو جحد حكما ظَاهرا بَين الْمُسلمين بِخِلَاف السُّدس لبِنْت الابْن مَعَ بنت الصلب مجمعا عَلَيْهِ إِجْمَاعًا قَطْعِيا لَا سكوتيا، لِأَنَّهُ فِيهِ شُبْهَة، كجحد تَحْرِيم الزِّنَا أَو لحم الْخِنْزِير، أَو جحد حل خبز وَنَحْوه كلحم مذكى أَو شكّ فِي تَحْرِيم الزِّنَا وَنَحْوه أَو فِي حل نَحْو خبز وَمثله لَا يجهله أَو كَانَ يجهله وَعرف وأصر أَو سجد لكوكب أَو نَحوه أَو أَتَى بقول أَو فعل صَرِيح فِي الِاسْتِهْزَاء بِالدّينِ أَو امتهن الْقُرْآن أَو ادّعى اختلافه أَو الْقُدْرَة على مثله أَو أسقط حرفا مِنْهُ كفر لقَوْله تَعَالَى

19 - ((أَفلا يتدبرون الْقُرْآن وَلَو كَانَ من عِنْد غير الله لوجدوا فِيهِ اخْتِلَافا كثيرا)) ، وَلَا يكفر من حكى كفرا سَمعه وَلَا يَعْتَقِدهُ.
وَإِن ترك عبَادَة من الْخمس تهاونا مَعَ إِقْرَاره بِوُجُوبِهَا لم يكفر إِلَّا بِالصَّلَاةِ أَو شَرط أَو ركن لَهَا مجمع عَلَيْهِ إِذا دَعَاهُ الإِمَام أَو نَائِبه إِلَى شَيْء من ذَلِك وَامْتنع من فعله حَتَّى تضايق وَقت الَّتِي بعْدهَا فَإِنَّهُ يكفر، ويستتاب كمرتد ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن أصر قتل كفرا بِخِلَاف الزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج فَإِنَّهُ يقتل فِيهِنَّ حدا.
فَمن ارْتَدَّ مُكَلّفا مُخْتَارًا [ف] إِنَّه يَدعِي إِلَى الْإِسْلَام ويستتاب ثَلَاثَة أَيَّام وجوبا وَيَنْبَغِي أَن يضيق عَلَيْهِ وَيحبس فَإِن تَابَ لم يُعَزّر وَلم يحبط عمله وَإِن أصر على ردته وَلم يتب قتل بِالسَّيْفِ وَلَا يحرق بالنَّار لحَدِيث (إِن الله كتب الْإِحْسَان على كل شَيْء فَإِذا قتلتم فَأحْسنُوا القتلة) وَحَدِيث (من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ وَلَا تعذبوه بِعَذَاب الله) يَعْنِي النَّار.
رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد، إِلَّا رَسُول كفار فَلَا يقتل وَلَو مُرْتَدا بِدَلِيل رَسُولي مُسَيْلمَة، وَلَا يقْتله إِلَّا الإِمَام أَو نَائِبه فَإِن قَتله غَيرهمَا أَسَاءَ وعزر لافتياته على أولى الْأَمر وَلَا ضَمَان وَلَو قبل استتابته إِلَّا إِذا لحق بدار الْحَرْب فَلِكُل أحد أَن يقْتله وَيَأْخُذ مَا مَعَه.
وَيصِح إِسْلَام مُمَيّز يعقله وَيَأْتِي آخر الْكتاب فِي الشَّرْح إِن شَاءَ الله تَعَالَى.

وَتَصِح ردته فَإِن أسلم حيل بَينه وَبَين كفار، فَلَو قَالَ بعد إِسْلَامه لم أرد مَا قلته فَكَمَا لَو أرتد، وَلَا يقتل هُوَ وسكران حَتَّى يستتابا بعد بُلُوغه وصحو ثَلَاثَة أَيَّام، وَإِن مَاتَ فِي سكر أَو قبل بُلُوغه مَاتَ كَافِرًا، وَلَا تقبل ظَاهرا أَي بِحَسب أَحْكَام الدُّنْيَا تَوْبَة مِمَّن سبّ الله تَعَالَى أَو سبّ رَسُوله أَي رَسُولا لَهُ أَو ملكا لَهُ أَو تنقص أحدا مِنْهُم أَو أَي وَلَا تقبل تَوْبَة مِمَّن تَكَرَّرت ردته لقَوْله تَعَالَى 19 ((إِن الَّذين آمنُوا ثمَّ كفرُوا ثمَّ آمنُوا ثمَّ كفرُوا ثمَّ ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لَهُم وَلَا ليهديهم سَبِيلا)) وَقَوله تَعَالَى 19 ((وَإِن الَّذين كفرُوا بعد إِيمَانهم ثمَّ ازدادوا كفرا لن تقبل تَوْبَتهمْ)) . وَلَا تقبل ظَاهرا تَوْبَة من مُنَافِق وَهُوَ الَّذِي يظْهر الْإِسْلَام ويخفي الْكفْر، وَلَا تقبل تَوْبَة سَاحر مكفر بِفَتْح الْفَاء الْمُشَدّدَة بسحره كَالَّذي يركب المكنسة فِي الْهَوَاء لحَدِيث جُنْدُب بن عبد الله مَرْفُوعا (حد السَّاحر ضربه بِالسَّيْفِ) ، وَمن أظهر الْخَيْر وأبطن الْفسق فَهُوَ فِي تَوْبَته من فسقه كزنديق فِي تَوْبَته من كفره فَلَا تقبل شَهَادَته وَنَحْوهَا.
وتوبة مُرْتَد وكل كَافِر إِتْيَانه بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَلَا يُغني قَوْله: مُحَمَّد رَسُول الله عَن كلمة التَّوْحِيد.
وَلَا بُد من إِقْرَار جَاحد بِفَرْض أَو تَحْلِيل أَو تَحْرِيم أَو كتاب أَو رِسَالَة مُحَمَّد إِلَى غير الْعَرَب بِمَا جَحده.
وَقَوله:

أَنا مُسلم تَوْبَة، وَإِن شهد إثنان على مُسلم أَنه كفر فَادّعى الْإِكْرَاه قبل مَعَ قرينَة فَقَط، وَلَو شهد عَلَيْهِ بِكَلِمَة كفر فَادّعى الْإِكْرَاه قبل مُطلقًا أَي بِقَرِينَة وَغَيرهَا.
وَإِن أكره ذمِّي على إِقْرَار بِإِسْلَام لم يَصح، وَقَول من شهد عَلَيْهِ بردة أَنا بَرِيء من كل دين يُخَالف دين الْإِسْلَام تَوْبَة، وَإِن كتب كَافِر الشَّهَادَتَيْنِ، أَو قَالَ: أسلمت أَو أَنا مُسلم أَو أَنا مُؤمن صَار مُسلما، فَلَو قَالَ: لم أعلم الْإِسْلَام أَو لم أعتقده صَار مُرْتَدا وأجبر على الْإِسْلَام، نَص عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو يعلي الصَّغِير فِي مفرداته: لَا خلاف أَن الْكَافِر لَو قَالَ أَنا مُسلم وَلَا أنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ لم يحكم بِإِسْلَامِهِ.
انْتهى.
وَمن قَالَ لكَافِر: أسلم وَخذ ألفا فَأسلم فَلم يُعْطه فَأبى الْإِسْلَام قتل، وَيَنْبَغِي أَن يَفِي بِمَا وعده.
وَمن أسلم على أقل من الصَّلَوَات الْخمس قبل مِنْهُ وطولب بالخمس.
وَمن ارْتَدَّ لم يزل ملكه عَن مَاله فَيملك التَّمَلُّك وَيمْنَع من التَّصَرُّف فِي مَاله وَيَقْضِي مِنْهُ دُيُونه وأروش جناياته وَينْفق مِنْهُ عَلَيْهِ وعَلى من تلْزمهُ نَفَقَته فَإِن أسلم فَمَاله لَهُ وَإِلَّا صَار فَيْئا من حِين مَوته مُرْتَدا، وَإِن لحق بدار حَرْب فَهُوَ وَمَا مَعَه كحربي.
وَيُؤْخَذ مُرْتَد بِحَدّ أَتَاهُ فِي ردته لَا بِقَضَاء مَا ترك فِيهَا من عبَادَة.
وَتجب التَّوْبَة فَوْرًا على كل مذنب فِي كل وَقت من كل ذَنْب كَبِير أَو صَغِير، وَهِي أَي التَّوْبَة إقلاع عَن الذَّنب وَنَدم على فعله وعزم على أَن لَا يعود لذنب فَهَذِهِ ثَلَاثَة شُرُوط للتَّوْبَة، وَقد تزيد شرطا رَابِعا مَعَ هَذِه الثَّلَاثَة، كَمَا إِذا كَانَت مظْلمَة فَلَا بُد من التَّوْبَة من رد مظْلمَة

لصَاحِبهَا لتبرأ ذمَّته مِنْهَا، لِأَن حُقُوق الْعباد مَبْنِيَّة على المشاحة، وَلَا يجب استحلال من نَحْو غيبَة وَقذف كشتم وَسَب، وَظَاهره بلغَة أَو لم يبلغهُ لِأَن فِيهِ زِيَادَة غم.
وَيحرم تعلم السحر وتعليمه وَفعله، وَهُوَ عقد ورقى وَكَلَام يتَكَلَّم بِهِ أَو يَكْتُبهُ أَو يعْمل شَيْئا يُؤثر فِي بدن المسحور أَو قلبه أَو عقله من غير مُبَاشرَة لَهُ، وَله حَقِيقَة فَمِنْهُ مَا يقتل وَمَا يمرض وَمَا يَأْخُذ الرجل عَن زَوجته فيمنعه من وَطئهَا أَو يعْقد المتزوج فَلَا يُطيق وَطأهَا، وَمَا كَانَ مثل فعل لبيد بن الأعصم حِين سحر النَّبِي فِي مشط ومشاطة، أَو يسحره حَتَّى يهيم بَين الوحوش، وَمِنْه مَا يفرق بَين الْمَرْء وَزَوجته وَمَا يبغض أَحدهمَا إِلَى الآخر أَو يحبب بَين اثْنَيْنِ.
وَيكفر السَّاحر بتعليمه وَفعله سَوَاء اعْتقد تَحْرِيمه أَو إِبَاحَته كَالَّذي يركب المكنسة وَغَيرهَا فتسير بِهِ فِي الْهَوَاء أَو يدعى أَن الْكَوَاكِب تخاطبه.
وَيقتل إِن كَانَ مُسلما، وَكَذَا من يعْتَقد حلّه من الْمُسلمين فَيقْتل كفرا وَلَا يقتل ساحرا ذمِّي إِلَّا أَن يقتل بِهِ وَيكون مِمَّا يقتل غَالِبا فيقتص مِنْهُ، فَأَما من يسحر بأدوية وتدخين وَسقي شَيْء يضر فَإِنَّهُ لَا يكفر وَلَا يقتل، وَيُعَزر بليغا دون الْقَتْل إِلَّا أَن يقتل غَالِبا فيقتص مِنْهُ وَإِلَّا فَالدِّيَة، وَأما الَّذِي يعزم على الْجِنّ وَيَزْعُم أَنه يجمعها وَتُطِيعهُ فَلَا يكفر وَلَا يقتل، وَيُعَزر بليغا دون الْقَتْل.
وَالله الْمُوفق إِلَى الْخَيْر.

3 - (

فصل

) فِي مَا يُبَاح من الْأَطْعِمَة وَمَا يحرم.
وكل طَعَام مُبْتَدأ وَهُوَ مَا يُؤْكَل وَيشْرب طَاهِر صفة لطعام خرج النَّجس والمتنجس لَا مضرَّة فِيهِ احْتِرَاز من السمُوم، وَذَلِكَ كالحبوب وَالثِّمَار وَغَيرهمَا من سَائِر المأكولات حَتَّى الْمسك والفاكهة المسوسة أَو المدودة حَلَال خبر واصله الْحل قَالَ الله تَعَالَى 19 ((هُوَ الَّذِي خلق لكم مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا)) وَحرم نجس صرح بِالْمَفْهُومِ.
وَلَو لم يكن فِيهِ مضرَّة كَدم وميتة لقَوْله تَعَالَى 19 ((حرمت عَلَيْكُم الْميتَة وَالدَّم)) وَلِأَن أكل الْميتَة أقبح من الإدهان بدهنها وَأَن يستصبح بِهِ وهما حرامان، فَلِأَن يحرم مَا هُوَ أقبح بِالطَّرِيقِ الأولى.
وَحرم أَيْضا لحم خِنْزِير بِلَا خلاف بَين الْمُسلمين لقَوْله تَعَالَى 19 ((وَلحم الْخِنْزِير)) وَكَذَا الْبَوْل والروث وَحرم مُضر كسم وَحرم من حَيَوَان بر حمر أَهْلِيَّة وفيلة وَمَا يفترس أَي ينهش بنابه كأسد ونمر وفهد وثعلب على الْأَصَح [وَابْن آوى] وَابْن عرس وذئب وكلب وقرد ودب ونمس وسنور أهليا كَانَ أَو وحشيا وسنجاب وفنك بِفَتْح الْفَاء وَالنُّون وسمور، وَلَا يحرم [ضبع] بِضَم الْبَاء وَيجوز إسكانها وَجمعه ضباع لوُرُود الرُّخْصَة فِيهِ،

وَحرم من طير مَا يصيد بمخلب كعقارب وصقر وباز وباشق وشاهين وحدأة وبوم وَحرم من طير مَا يَأْكُل الْجِيَف كنسر ورخم ولقلق طَائِر نَحْو [الأوزة] طَوِيل الْعُنُق يَأْكُل الْحَيَّات، وعقعق وَهُوَ القاق، وغراب الْبَين والأبقع وَحرم مَا تستخبثه الْعَرَب ذَوُو الْيَسَار وهم أهل الْحجاز من أهل الْأَمْصَار، لأَنهم أولو النهى وَعَلَيْهِم نزل الْكتاب وخوطبوا بِهِ وبالسنة فَرجع فِي مُطلق ألفاظها إِلَى عرفهم دون غَيرهم بِخِلَاف الجفاة من أهل الْبَوَادِي، لأَنهم للمجاعة يَأْكُلُون مَا وجدوه كوطواط وَيُسمى خفاشا وخشافا، قَالَ الإِمَام 16 (أَحْمد) : وَمن يَأْكُل الخشاف.
وقنفذ لحَدِيث أبي هُرَيْرَة قَالَ ذكر الْقُنْفُذ لرَسُول الله فَقَالَ: هُوَ خَبِيث من الْخَبَائِث.
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ونيص هُوَ عَظِيم القنافذ قدر السخلة على ظَهره شوك طَوِيل نَحْو ذِرَاع.
وحية وفار وزنبور وَنحل وذباب وهدهد وفراش وخطاف وحشرات وكل مَا أَمر الشَّارِع بقتْله أَو نهى عَنهُ، وَحرم مَا تولد من مَأْكُول وَغَيره كبغل متولد من خيل وحمر أهليه، وحمار متولد بَين حمَار أَهلِي وَوَحْشِي، وَسمع بِكَسْر السِّين وَسُكُون الْمِيم ولد الضبع من ذِئْب.
وَمَا تجهله الْعَرَب من الْحَيَوَان وَلَا ذكر لَهُ فِي الشَّرْع يرد إِلَى أقرب

الْأَشْيَاء شبها بِهِ بالحجاز فَإِن أشبه محرما أَو حَلَالا ألحق بِهِ وَإِن أشبه مُبَاحا ومحرما غلب التَّحْرِيم.
وَمَا تولد من مَأْكُول طَاهِر كذباب باقلاء ودود خل والجبن يُؤْكَل تبعا لَا مُنْفَردا.
وَيُبَاح مَا عدا هَذَا كبهيمة النعام والوحوش كزرافة وأرنب ووبر ويربوع نصا وبقر وَحش وحمره وضب وظباء وَبَاقِي الطير كنعام ودجاج وطاووس وببغاء وَهِي الدرة وزاغ وغراب زرع وَيُبَاح حَيَوَان بَحر كُله سوى ضفدع فَيحرم نصا وَاحْتج بِالنَّهْي عَن قَتله واستخباثها فَيدْخل فِي قَوْله تَعَالَى 19 ((وَيحرم عَلَيْهِم الْخَبَائِث)) وَسوى تمساح نصا لِأَن لَهُ نابا يفترس بِهِ وَسوى حَيَّة لِأَنَّهَا من المستخبثات.
وَتحرم الْجَلالَة وَهُوَ الَّتِي أَكثر عَلفهَا النَّجَاسَة وَيحرم لَبنهَا وبيضها، وَيكرهُ ركُوبهَا لأجل عرقها حَتَّى تحبس ثَلَاثًا وَتطعم الطَّاهِر وتمنع من النَّجَاسَة طائرا كَانَت أَو بَهِيمَة وَتقدم بعضه فِي إِزَالَة النَّجَاسَة، وَمثله خروف ارتضع من كلبة ثمَّ شرب لنا طَاهِرا.
وَيُبَاح أَن يعلف النَّجَاسَة مَا لم يذبح ويحلب قَرِيبا، وَمَا سقى أَو سمد بِنَجس من زرع وثمر فَيحرم نصا حَتَّى يسقى بِمَاء طَاهِر يستهلك عين النَّجَاسَة، وَيكرهُ أكل تُرَاب وفحم وطين وغدة وَأذن قلب، وبصل وثوم وَنَحْوهمَا مَا لم ينضج وَحب ديس بحرم أَهْلِيَّة نصا.
وَتكره مذاومة أكل لحم قَالَ فِي شرح الْإِقْنَاع: قلت ومداومة تَركه لِأَن كلا مِنْهُمَا يُورث قسوة الْقلب.
انْتهى.

وَلحم منتن ونيء ذكره فِي " الْإِقْنَاع ": وَخَالفهُ فِي " الْمُنْتَهى " فَقَالَ: لَا لحم نيء وَلَا منتن.) وَيحرم ترياق فِيهِ لُحُوم الْحَيَّات أَو الْخمر، وتداو بألبان حمر وكل محرم غير بَوْل إبل.
وَسُئِلَ الإِمَام أَحْمد عَن الْخبز فَقَالَ: يُؤْكَل من كل أحد، فَقيل لَهُ عَن الْخبز الَّذِي تَصنعهُ الْمَجُوس فَقَالَ: مَا أَدْرِي.
وَمن اضْطر بِأَن خَافَ التّلف إِن لم يَأْكُل نقل 16 (حَنْبَل) : إِذا علم أَن النَّفس تكَاد تتْلف، وَفِي الْمُنْتَخب: أَو مَرضا أَو انْقِطَاعًا عَن الرّفْقَة أَي بِحَيْثُ يَنْقَطِع فَيهْلك كَمَا فِي الرِّعَايَة أكل وجوبا نصا لقَوْله تَعَالَى 19 ((وَلَا تلقوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة)) قَالَ مَسْرُوق: من اضْطر فَلم يَأْكُل وَلم يشرب فَمَاتَ، دخل النَّار من محرم مُتَعَلق بِأَكْل غير سم وَمُضر مَا مفعول لأكل يسد رمقه بِفَتْح الْمِيم وَالْقَاف أَي بَقِيَّة روحه أَو قوته بعد أكله مَا لم يكن فِي سفر محرم كسفر لقطع طَرِيق أَو زنا وَنَحْو ذَلِك فَإِن كَانَ فِيهِ فَلَا، وَحَيْثُ أُبِيح الْأكل جَازَ التزود إِن خَافَ الْحَاجة، قَالَ فِي الْإِقْنَاع: وَلَيْسَ لَهُ الشِّبَع، كَمَا فَوق الشِّبَع، وَقَالَ الْمُوفق وَتَبعهُ جمَاعَة إِن كَانَت الضَّرُورَة مستمرة جَازَ الشِّبَع وَإِن كَانَت مرجوة الزَّوَال فَلَا.
انْتهى.
وَيجب تَقْدِيم السُّؤَال على أكله الْمحرم نصا خلافًا الشَّيْخ تَقِيّ الدّين فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجب السُّؤَال وَلَا يَأْثَم وَإنَّهُ ظَاهر الْمَذْهَب.
انْتهى.
وَإِن وجد ميتَة وَطَعَامًا يجهل مَالِكه أَو وجد ميتَة حَيا أَو ميتَة أَو بيض صيد سليما وَهُوَ محرم قدم الْميتَة، لِأَن فِيهَا جِنَايَة وَاحِدَة وَهُوَ مَنْصُوص عَلَيْهَا وَيقدم عَلَيْهَا لحم صيد ذبحه محرم، وَيقدم على

صيد حى طَعَاما يجهل، وَيقدم مُضْطَر محرم أَو غَيره ميتَة مُخْتَلفا فِيهَا كمتروك التَّسْمِيَة عمدا، وثعلبا ذبح على مجمع على تَحْرِيمهَا.
ويتحرى فِي مذكاة اشتبهت بميتة.
وَمن لم يجد إِلَّا طَعَام غَيره فربه الْمُضْطَر أَو الْخَائِف أَن يضْطَر أَحَق بِهِ وَلَيْسَ لَهُ إيثاره لِئَلَّا يلقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة، وَإِن لم يكن مُضْطَرّا لزمَه بذل مَا يسد رمقه فَقَط بِقِيمَتِه نصا وَلَو فِي ذمَّة مُعسر، فَإِن أَبى بذله أَخذه بالأسهل ثمَّ قهرا وَيُعْطِيه عوضه مثله أَو قِيمَته يَوْم أَخذه فَإِن مَنعه فَلهُ قِتَاله عَلَيْهِ فَإِن قتل الْمُضْطَر ضمن رب الطَّعَام بِخِلَاف عَكسه فَإِنَّهُ هدر.
وَمن اضْطر إِلَى نفع مَال الْغَيْر مَعَ بَقَاء عينه كَثوب لبرد وحبل ودلو للاستقاء وَجب بذله مجَّانا مَعَ عدم حَاجته.
وَمن لم يجد إِلَّا مُبَاح الدَّم كحربي وزان مُحصن ومرتد فَلهُ قَتله وَأكله لَا أكل مَعْصُوم ميت، أَو عضوا من أَعْضَاء نَفسه.
وَمن مر بثمرة بُسْتَان لَا حَائِط عَلَيْهِ وَلَا نَاظر فَلهُ الْأكل وَلَو بِلَا حَاجَة مجَّانا من غير صعُود على شَجَرَة وَلَا ضربه أَو رميه بِشَيْء نصا.
وَلَا يحمل وَلَا يَأْكُل من جنى إِلَّا لضَرُورَة، وَكَذَا زرع قَائِم وَشرب لبن، وَألْحق جمَاعَة بذلك باقلاء وحمصا أخضرين.
قَالَ المنقح: وَهُوَ قوي.
وَيلْزم مُسلما لَا ذِمِّيا ضِيَافَة مُسلم لَا ذمِّي مُسَافر لَا مُقيم فِي قَرْيَة لَا مصر يَوْمًا وَلَيْلَة قدر كِفَايَته مَعَ أَدَم، وَفِي الْوَاضِح: لفرسه تبن

لَا شعير.
قَالَ فِي الْفُرُوع: وَيتَوَجَّهُ وَجه كأدمه، وَأوجب شَيخنَا الْمَعْرُوف عَادَة، قَالَ: كَزَوْجَة وَقَرِيب ورقيق.
انْتهى.
وَيجب إنزاله فِي بَيته مَعَ عدم مَسْجِد وَنَحْوه كخان ورباط، فَإِن أَبى فللضيف طلبه بِهِ عِنْد حَاكم، فَإِن تعذر جَازَ لَهُ الْأَخْذ من مَاله بِقدر مَا وَجب لَهُ.
وَتسن الضِّيَافَة ثَلَاثَة أَيَّام بلياليهن.
وَالْمرَاد يَوْمَانِ مَعَ الْيَوْم الأول، وَمَا زَاد فصدقة.
وَأول من أضَاف الضَّيْف إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام.
وَلَيْسَ لضيفان قسم طَعَام قدم إِلَيْهِم.
وَمن امْتنع من الطَّيِّبَات بِلَا سَبَب شَرْعِي فَهُوَ مُبْتَدع مَذْمُوم، فَإِن كَانَ لسَبَب فِيهِ شَرْعِي كطيب فِيهِ شُبْهَة أَو عَلَيْهِ فِيهِ كلفة فَلَا بدع.
وَمَا نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَنه امْتنع من أكل بطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النَّبِي فكذب، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين.

3 - (

فصل

) . الذَّكَاة لُغَة تَمام الشَّيْء، وَمِنْه الذكاء فِي السن أَي تَمَامه.
سمى الذّبْح ذَكَاة لِأَنَّهُ إتْمَام لزهوق الرّوح، وَشرعا ذبح حَيَوَان مَقْدُور عَلَيْهِ مُبَاح أكله يعِيش فِي الْبر.
لَا يُبَاح حَيَوَان يعِيش فِي الْبر غير جَراد وَشبهه كالدبا إِلَّا بذكاته بِقطع حلقوم ومريء أَو عقر مُمْتَنع، وَيُبَاح وجراد وَشبهه وسمك وَمَا يعِيش فِي المَاء بِدُونِهَا وَلَا يُبَاح مَا يعِيش فِي المَاء وَالْبر كسلحفاة وسرطان وكلب مَاء إِلَّا بهَا وذكاة سرطان أَو يفعل مَا يَمُوت بِهِ.
وَكره الإِمَام 16 (أَحْمد) شي السّمك الْحَيّ لَا الْجَرَاد الْحَيّ وَيحرم بلع السّمك حَيا، ذكره ابْن حزم إِجْمَاعًا، وَفِي الْمُغنِي وَالشَّرْح: وشروطهما أَي الذَّكَاة أَرْبَعَة: أَحدهَا: كَون ذابح أَو ناحر عَاقِلا ليَصِح مِنْهُ قصد التذكية وَلَو معتديا كغاصب أَو مُمَيّزا أَو مكْرها أَو قِنَا أَو أُنْثَى أَو خُنْثَى أَو حَائِضًا أَو نفسَاء أَو فَاسِقًا وَلَو كتابيا حَرْبِيّا أَو من نَصَارَى بني تغلب لَا من أحد أصليه غير كتابي تَغْلِيبًا للتَّحْرِيم، وَلَا ذَبِيحَة وثنى ومجوسي وزنديق ومرتد وسكران.

وَالثَّانِي: الْآلَة وَهِي كل محدد حَتَّى حجر لَهُ حد أَو قصب أَو خشب وَذهب وَفِضة وَعظم غير سنّ وظفر نصا لحَدِيث (مَا أنهر الدَّم فَكل، لَيْسَ السن وَالظفر) مُتَّفق عَلَيْهِ، وَلَو مَغْصُوبًا لعُمُوم الْخَيْر.
وَالثَّالِث: قطع حلقوم وَهُوَ مجْرى النَّفس وَقطع مريء بِالْمدِّ وَهُوَ مجْرى الطَّعَام وَالشرَاب وَهُوَ تَحت الْحُلْقُوم سَوَاء كَانَ الْقطع فَوق الغلصمة وَهِي الْموضع الناتيء فِي الْحلق أَو دونهَا وَلَا يشْتَرط قطع شَيْء غَيرهمَا وَلَا إبانتهما بل يَكْفِي قطع الْبَعْض مِنْهُمَا وَلَا يضر رفع يَده إِن عَاد فَأَتمَّ الذَّكَاة على الْفَوْر وَسن قطع الودجين وَلَا يشْتَرط، وهما عرقان محيطان بالحلقوم، وَالْأولَى قطعهمَا خُرُوجًا من الْخلاف فَإِن قطع رَأسه حل سَوَاء كَانَ من جِهَة وَجهه أَو قَفاهُ أَو غَيرهمَا، وَمَا ذبح من قَفاهُ وَلَو عمدا إِن أَتَت الْآلَة على مَحل الذّبْح وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة حل بذلك وَإِلَّا فَلَا، وَمَا أَصَابَهُ سَبَب موت من منخنقة وموقوذة ومتردية ونطيحة وأكيلة سبع ومريضة وَمَا صيد بشبكة أَو فخ أَو أنقذه من مهلكة، إِن ذكاه وَفِيه حَيَاة مُسْتَقِرَّة كترحيك يَده أَو رجله أَو طرف عينه وَنَحْو ذَلِك حل، وَمَا قطع حلقومه أَو أبينت حشوته فوجود حَيَاته كعدمها، وَمَا عجز عَنهُ أَي عَن ذبحه كواقع فِي بِئْر ومتوحش مثل أَن يند الْبَعِير ومترد من علو فَلَا يقدر المذكي على ذبحه يَكْفِي جرحه حَيْثُ كَانَ أَي فِي أَي مَوضِع أمكنه من بدنه وَهَذَا قَول أَكثر الْفُقَهَاء، فَإِن أَعَانَهُ أَي الْجرْح على قَتله غَيره ككون رَأسه الْوَاقِع فِي نَحْو بِئْر فِي المَاء وَنَحْوه مِمَّا يقتل لَو انْفَرد لم يحل لحُصُول الْقَتْل بمبيح وحاظر فغلب الخظر كَمَا لَو اشْترك مُسلم ومجوسي فِي ذبحه.

وَالرَّابِع: قَول باسم الله عِنْد تَحْرِيك يَده أَي الذَّابِح بِذبح، وَذكر جمَاعَة: وَعند الذّبْح قَرِيبا مِنْهُ وَلَو فصل بِكَلَام، كالتسمية على الطَّهَارَة.
وَلَا يقوم غَيرهَا مقَامهَا كتسبيح وَنَحْوه، واختص بِلَفْظ الله لِأَن إِطْلَاق التَّسْمِيَة ينْصَرف إِلَيْهِ، ويجزىء بِغَيْر الْعَرَبيَّة وَلَو أحْسنهَا لِأَن الْمَقْصُود ذكر الله تَعَالَى، وَقِيَاسه الْوضُوء وَالْغسْل وَالتَّيَمُّم، بِخِلَاف التَّكْبِير فَإِن الْمَقْصُود لَفظه، وتجزىء إِشَارَة أخرس بِرَأْسِهِ أَو طرفه إِلَى السَّمَاء لقِيَامه مقَام نطقه [وَتسقط] التَّسْمِيَة سَهوا و [لَا] تسْقط هَهُنَا [جهلا] . تَنْبِيه: يضمن أجِير ترك التَّسْمِيَة إِن حرمت الذَّبِيحَة.
قَالَ فِي النَّوَادِر: لغير شَافِعِيّ.
وَفِي الْفُرُوع: يتَوَجَّه يضمن النَّقْص إِن حلت.
انْتهى.
وَمن ذكر مَعَ اسْم الله تَعَالَى اسْم غَيره حرم وَلم يحل، وَتحصل ذَكَاة جَنِين مبرح خرج من بطن أمه المذكاة مَيتا وَنَحْوه كَمَا لَو خرج متحركا مَذْبُوح وساء نبت شعره أَو لَا [بِذَكَاة أمه] . وَاسْتحبَّ الإِمَام أَحْمد أَن يذبحه ليخرج دَمه، وَلم يبح مَعَ حَيَاة مُسْتَقِرَّة إِلَّا بذَبْحه نصا.
وَلَا يُؤثر جَنِين محرم الْأكل كسمع فِي ذَكَاة أمه الْمُبَاحَة وَهِي الضبع، لِأَن تبع فَلَا يمْنَع حل متبوعة.
وَمن وجأ بطن أم جَنِين مسميا فَأصَاب مذبحه فَهُوَ مذكى وَالأُم ميتَة، وكرهت الذَّكَاة بِآلَة كالة، لِأَن الذّبْح بالكالة تَعْذِيب للحيوان، وَكره حَدهَا أَي الْآلَة بِحَضْرَة حَيَوَان مذكى، وَكره سلخ حَيَوَان مذكى وَكسر عنق قبل زهوق نَفسه، وَكره نفخ لحم بيع لِأَنَّهُ

غش، وَسن تَوْجِيهه أَي المذكى إِلَى الْقبْلَة فَإِن كَانَ لغَيْرهَا حل وَلَو عمدا وَكَونه [على شقَّه الْأَيْسَر] ، وَسن رفق بِهِ وَحمل على الْآلَة بِقُوَّة وإسراع بالشحط، وَسن مَعَ قَوْله باسم الله تَكْبِير لما ثَبت أَن النَّبِي كَانَ إِذا ذبح قَالَ (باسم الله وَالله أكبر) وَكَانَ ابْن عمر يَقُوله، وَلَا خلاف أَن قَول (باسم الله) يَكْفِيهِ.
وَلَا تسن الصَّلَاة على النَّبِي.

3 - ﴿فصل﴾ . الصَّيْد مصدر صَاد يصيد، وَشرعا اقتناص حَيَوَان حَلَال متوحش طبعا غير مَقْدُور عَلَيْهِ، وَالْمرَاد بِهِ هَهُنَا المصيود، وَهُوَ مُبَاح إِجْمَاعًا لقَوْله تَعَالَى 19 ((يسئلونك مَاذَا أحل لَهُم قل أحل لكم الطَّيِّبَات وَمَا علمْتُم من الْجَوَارِح مكلبين)) الْآيَة، فَقَالَ رَحمَه الله: الصَّيْد مُبَاح لقاصده وَيكرهُ لهوا، وَهُوَ أفضل مَأْكُول والزراعة أفضل مكتسب، وَأفضل التِّجَارَة فِي بز وعطر وغرس وَزرع وماشية، وأبغضها ورقيق وَصرف، وَأفضل الصِّنَاعَة خياطَة، وَنَصّ الإِمَام أَحْمد رَحمَه الله أَن كل مَا نصح فِيهِ فَهُوَ حسن وَأَدْنَاهُ حياكة وحجامة وَنَحْوهمَا، وأشدها كَرَاهَة صبغ وصياغة وحدادة وَنَحْوهَا.
وَمن أدْرك صيدا مجروحا متحركا فَوق حَرَكَة مَذْبُوح واتسع الْوَقْت لتذكيته لم يبح إِلَّا بهَا وَلَو خشى مَوته وَلم يجد مَا يذكيه بِهِ، وَإِن امْتنع بعدوه فَلم يتَمَكَّن من ذبحه حَتَّى مَاتَ تعبا فحلال بِشُرُوطِهِ الْآتِيَة لِأَنَّهُ غير مَقْدُور عَلَيْهِ أشبه مَا لَو أدْركهُ مَيتا وَإِن لم يَتَّسِع الْوَقْت لتذكيته فكميت يحل بِشُرُوطِهِ.

وشروطه أَي الصَّيْد أَرْبَعَة أَحدهَا: كَون صائد من أهل ذَكَاة أَي تحل ذَبِيحَته وَلَو أعمى، فَلَا يحل صيد شَارك فِي صَيْده من لَا تحل ذَبِيحَته كمجوسي ومتولد بَينه وَبَين كتابي.
وَالثَّانِي: الْآلَة وَهِي نَوْعَانِ: أَحدهمَا: آلَة ذَكَاة وَيشْتَرط جرحه بهَا فَإِن قَتله بثقله كشبكة وعصا وفخ وبندقة وَلَو مَعَ شدخ أَو قطع حلقوم ومريء لم يبح، وَمن نصب سكينا أَو منجلا أَو نَحْوهمَا مسميا حل مَا قَتله بِجرح وَلَو بعد موت ناصب أَو ردته، فَإِن لم يقْتله بجرحه لم يحل وَمَا رمى من صيد فَوَقع فِي مَاء أَو تردى من علو أَو وطيء عَلَيْهِ شَيْء وكل ذَلِك مِمَّا يقتل مثله لم يحل وَلَو مَعَه أَي جرحه، وَإِن رَمَاه بالهواء أَو على شَجَرَة حَائِط فَسقط أَو غَابَ مَا عقر وَأُصِيب يَقِينا وَلَو لَيْلًا ثمَّ وجد وَلَو بعد مَوته مَيتا حل كَمَا لَو وجد بِفَم جارحه أَو وَهُوَ يعبث بِهِ أَو فِيهِ سَهْمه.
وَلَا يحل مَا وجد أثرا آخر يحْتَمل إعانته على قَتله كَأَكْل سبع.
وَيحرم عُضْو أبانه صائد من صيد بمحدد مِمَّا بِهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة لحَدِيث (مَا أبين من حَيّ فَهُوَ ميتَة) ، فَإِن مَاتَ الصَّيْد فِي الْحَال حل كَمَا لَو لم تبْق فِيهِ حَيَاة مُسْتَقِرَّة.

وَالنَّوْع الثَّانِي: من آلَة الصَّيْد مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله أَو جارح معلم سَوَاء كَانَ مِمَّا يصيد كفهد وكلب أَو بمخلبه من الطير كصقر وباز وَنَحْوهمَا غير كلب أسود بهيم وَهُوَ مَا لَا بَيَاض فِيهِ نصا فَيحرم صَيْده نصا كَغَيْر الْمعلم إِلَّا أَن يُدْرِكهُ فِي الْحَيَاة فيذكي، لِأَنَّهُ أَمر بقتْله وَقَالَ: إِنَّه شَيْطَان رَوَاهُ مُسلم، وَيحرم اقتناؤه وتعليمه، وَيسن قَتله وَلَو معلما، وَكَذَا الْخِنْزِير، وَيحرم الِانْتِفَاع، وَفِي الْمُنْتَهى: يُبَاح قَتله أَي الْكَلْب الْأسود البهيم، وَيجب قتل الْعَقُور وَلَو معلما وَيحرم اقتناؤه.
قَالَ فِي الغنية: وَيحرم تَركه قولا وَاحِدًا لَا إِن عقرت كلبة من قرب وَلَدهَا أَو خرقت ثَوْبه بل تنقل وَلَا يُبَاح قتل غَيرهمَا، وَهُوَ أَي تَعْلِيم مَا يصيد بنابه ثَلَاثَة أَشْيَاء أَن يسترسل إِذا أرسل وينزجر إِذا زجر قَالَ فِي الْمُغنِي: لَا فِي وَقت رُؤْيَة الصَّيْد، وَمَعْنَاهُ فِي الْوَجِيز وَإِذا أمسك صيدا لم يَأْكُل مِنْهُ وَلَا يعْتَبر تكَرر ذَلِك مِنْهُ، فَلَو أكل بعد لم يخرج عَن كَونه معلما وَلم يحرم مَا تقدم من صَيْده وَلم يبح صيد أكل مِنْهُ، وَيجب غسله مَا أصَاب فَم كلب.
وَتَعْلِيم مَا يصيد بمخلبه بِكَسْر الْمِيم كصقر وباز وَنَحْوهمَا بأَمْره أَن يسترسل إِذا أرسل وَيرجع إِذا دعى لَا بترك الْأكل لقَوْل ابْن عَبَّاس: إِذا أكل الْكَلْب فَلَا تَأْكُل وَإِذا أكل الصَّقْر فَكل، رَوَاهُ الْخلال.
وَيعْتَبر جرحه فَلَو قَتله بصدم وخنق لم يبح.

وَالثَّالِث: إرسالها أَي الْآلَة حَال كَون الْمُرْسل قَاصِدا للْفِعْل فَلَو احتك صيد بمحدد أَو وَقع عَلَيْهِ محدد فعقره بِلَا قصد أَو استرسل جارح بِنَفسِهِ فَقتل صيدا لم يحل وَمن حصل أَو عشش بِملكه صيد أَو طَائِر لم يملكهُ بذلك.
وَيكرهُ صيد بشباش وَهُوَ طَائِر كالبومة تخيط عَيناهُ ويربط، وَأَن يصاد من وَكره لَا صيد الفرخ من وَكره وَلَا الصَّيْد لَيْلًا وَلَا بِمَا يسكر الصَّيْد نصا.
وَيُبَاح شبكة وفخ ودبق وكل حِيلَة.
وَذكر جمَاعَة يكره بمثقل كبنذق، وَكره الشَّيْخ تَقِيّ الدّين الرَّمْي ببندق مُطلقًا لنهي عُثْمَان.
وَنقل ابْن مَنْصُور وَغَيره لَا بَأْس بِبيع البندق يَرْمِي بِهِ الصَّيْد لَا الْعَبَث.
وَالرَّابِع: التَّسْمِيَة أَي قَول باسم الله وتجزى بِغَيْر عَرَبِيَّة وَلَو مِمَّن يحسنها صَححهُ فِي الْإِنْصَاف عِنْد رمي نَحْو سهم أَو عِنْد إرْسَال جارح كذكاة، وَلَا تسْقط التَّسْمِيَة هَهُنَا أَي فِي الصَّيْد بِحَال أَي وَلَو سَهوا بِخِلَاف الذَّكَاة وَلَا يضر تقدم يسير.
وَلَو سمى على صيد فَأصَاب غير حل لَا إِن سمى على سهم ثمَّ أَلْقَاهُ وَرمى بِغَيْرِهِ بِخِلَاف مَا لَو سمى على سكين ثمَّ أَلْقَاهَا وَذبح بغَيْرهَا لوُجُود التَّسْمِيَة على الذَّبِيحَة هَهُنَا وَسن تَكْبِير مَعهَا أَي التَّسْمِيَة، أَي قَول (باسم الله وَالله أكبر) كذكاة وَمن أعتق صيدا لم يزل ملكه عَنهُ أَو أرسل بَعِيرًا أَو غَيره كبقرة لم يزل ملكه عَنهُ.

(بَاب الْأَيْمَان)

. بِفَتْح الْهمزَة وَاحِدهَا يَمِين وَهُوَ الْقسم بِفَتْح الْقَاف وَالسِّين الْمُهْملَة وأصل الْيَمين الْيَد، سمى الْحلف بهَا، لِأَن الْحَالِف يُعْطي يَمِينه فِيهِ وَيضْرب بهَا على يَمِين صَاحبه كَمَا فِي الْعَهْد وَالْمُعَاقَدَة.
وَالْحلف على مُسْتَقْبل إِرَادَة تَحْقِيق خبر فِيهِ مُمكن بقوله يقْصد بِهِ الْحَث على فعل الْمُمكن كَقَوْلِه وَالله لأقومن وَنَحْوه، أَو على تَركه كَقَوْلِه: وَالله لَا أزني أبدا، أَو على مَاض إِمَّا (بر) وَهُوَ الصَّادِق أَو (غموس) وَهُوَ الْكَاذِب أَو (لَغْو) وَهُوَ مَا لَا أجر فِيهِ وَلَا إِثْم فِيهِ وَلَا كَفَّارَة.
وَالْحلف قد يعْتَبر فِيهِ الْأَحْكَام الْخَمْسَة: فَالْوَاجِب مثل أَن يُنجي إنْسَانا مَعْصُوما من مهلكة وَلَو نَفسه مثل أَن تتَوَجَّه عَلَيْهِ أَيْمَان الْقسَامَة فِي دَعْوَى الْقَتْل عَلَيْهِ وَهُوَ بَرِيء، ومندوب مثل أَن تتَعَلَّق بِهِ مصلحَة من إصْلَاح بَين متخاصمين وَإِزَالَة حقد من قلب مُسلم على الْحَالِف أَو غَيره أَو دفع شَرّ، فَإِن حلف على فعل طَاعَة أَو ترك مَعْصِيّة فَلَيْسَ بمندوب.
والمباح كالحلف على فعل الْمُبَاح أَو تَركه أَو على الْخَبَر بِشَيْء هُوَ صَادِق فِيهِ أَو يظنّ أَنه فِيهِ صَادِق.

وَالْمَكْرُوه كالحلف على فعل مَكْرُوه، أَو ترك مَنْدُوب، وَمِنْه الْحلف فِي البيع وَالشِّرَاء وَالْمحرم كالحلف كَاذِبًا عمدا أَو على فعل مَعْصِيّة أَو ترك وَاجِب، وَمَتى كَانَت الْيَمين على فعل وَاجِب كَانَ حنثها محرما وَيجب بره، فَقَالَ رَحمَه الله: تحرم الْأَيْمَان وَلَا تَنْعَقِد بِغَيْر ذَات الله تبَارك وَتَعَالَى نَحْو وَالله وَبِاللَّهِ وتالله، أَو باسم من أَسْمَائِهِ الَّتِي لَا يُسمى بهَا غَيره كالرحمن وَالْقَدِيم والأزلي وَالْأول الَّذِي لَيْسَ قلبه شَيْء وَالْآخر الَّذِي لَيْسَ بعده شَيْء وخالق الْخَالِق ورازق أَو رب الْعَالمين والعالم بِكُل شَيْء وَنَحْو ذَلِك، وَأما مَا يُسمى بِهِ غَيره وإطلاقه ينْصَرف إِلَى الله تَعَالَى كالرحيم والعظيم والرب وَالْمولى وَالسَّيِّد وَنَحْو ذَلِك، فَإِن نوى بِهِ الله تَعَالَى أَو أطلق كَانَ يَمِينا وَإِلَّا فَلَا، أَو أَي وَتحرم الْأَيْمَان بِغَيْر صفة من صِفَاته تَعَالَى كوجه الله تَعَالَى نصا وعظمته وكبريائه وجلاله وعزته وَعَهده وميثاقه وَحقه وأمانته وإرادته وَقدرته وجبروته، أَو أَي وَتحرم الْأَيْمَان بِغَيْر الْقُرْآن الْعَظِيم وَإِن قَالَ: يَمِينا أَو قسما أَو شَهَادَة أَو حلفا أَو ألية أَو عَزِيمَة بِاللَّه تَعَالَى انْعَقَدت يَمِينه

وَكَذَا بالمصحف وَكَلَام الله تَعَالَى أَو سُورَة أَو آيَة مِنْهُ وبالتوراة وَالْإِنْجِيل وَنَحْوهمَا من الْكتب الْمنزلَة، وَقَوله: وأيم الله وَمثله أَيمن الله يَمِين وهمزته همزَة وصل، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: هُوَ جمع يَمِين وهمزته همزَة قطع فَكَانُوا يحلفُونَ بِالْيَمِينِ فَيَقُولُونَ وَيَمِين الله قَالَه أَو عُبَيْدَة، وَهُوَ مُشْتَقّ من الْيَمين بِمَعْنى الْبركَة، وَقَوله لعمر الله يَمِين أَيْضا، وَعمر بِفَتْح الْعين وَضمّهَا الْحَيَاة والمستعمل فِي الْقسم المفتوح خَاصَّة وَاللَّام للابتداء وَخَبره مَحْذُوف وجوبا أَي قسمي، وَأَقْسَمت أَو أقسم، وَشهِدت أَو أشهد، وَحلفت أَو أَحْلف، وعزمت أَو أعزم وآليت أَو أولى بِاللَّه تَعَالَى يَمِين بِشَرْط أَن يذكر اسْم الله تَعَالَى فِي كل لفظ مِنْهَا كأقسمت بِاللَّه واقسم بِاللَّه وَنَحْوه وَإِلَّا فَلَا يكون يَمِينا بِاللَّه إِلَّا بنية.
وَمن حلف بمخلوق كالأولياء والأنبياء والكعبة وَنَحْوهَا حرم وَلَا كَفَّارَة وَعند أَكثر الْأَصْحَاب إِلَّا إِذا حلف بنبينا مُحَمَّد فتستحب الْكَفَّارَة إِن حنث وَنَصّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَة أبي طَالب، لِأَنَّهُ أحد شرطي الشَّهَادَتَيْنِ اللَّتَيْنِ يصير بهما الْكَافِر مُسلما وَاخْتَارَ ابْن عقيل أَن الْحلف بِغَيْرِهِ من الْأَنْبِيَاء كَهُوَ وَالْأَشْهر لَا تجب بِهِ وَهُوَ قَول أَكثر الْفُقَهَاء لعُمُوم الْأَخْبَار وَيكرهُ حلف بالأمانة كمعق وَطَلَاق.
قَالَ فِي الْمُنْتَهى وَفِي

الْإِقْنَاع: كَرَاهَة تَحْرِيم لحَدِيث (من حلف بالأمانة فَلَيْسَ منا) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، فَمن حلف يَمِينا وَحنث بهَا وَجَبت عَلَيْهِ أَي الْحَالِف الْكَفَّارَة.
ولوجوبها أَرْبَعَة شُرُوط فَلَا تجب مَعَ فقد وَاحِد مِنْهَا: الأول قصد عقد الْيَمين فَلَا تَنْعَقِد لَغوا بِأَن سبق على لِسَانه بِلَا قصد كَقَوْلِه لَا وَالله وبلى وَالله فِي عرض حَدِيثه وَلَا كَفَّارَة فِيهَا، وَالْعرض بِالضَّمِّ الْجَانِب وبالفتح خلاف الطول، وَلَا من نَائِم وَمَجْنُون وَنَحْوهمَا لأَنهم لَا قصد لَهُم.
وَالشّرط الثَّانِي: كَونهَا أَي الْيَمين على مُسْتَقْبل مُمكن ليتأتى بره وحنثه بِخِلَاف الْمَاضِي وَغير الْمُمكن فَلَا تَنْعَقِد الْيَمين على مَاض كَاذِبًا عَالما بِهِ أَي بكذبه وَهِي الْغمُوس سميت بِهِ، لِأَنَّهَا تغمس صَاحبهَا فِي الْإِثْم ثمَّ فِي النَّار وَلَا كَفَّارَة فِيهَا.
وَلَا تَنْعَقِد إِن حلف على مَاض ظَانّا صدق نَفسه فيبين بِخِلَافِهِ أَي بِخِلَاف ظَنّه وَلَا كَفَّارَة حَكَاهُ ابْن عبد الْبر إِجْمَاعًا لقَوْله تَعَالَى 19 ((لَا يُؤَاخِذكُم الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانكُم)) وَهَذَا مِنْهُ، لِأَنَّهُ يكثر فَلَو وَجب لَهُ كَفَّارَة لشق وَحصل الضَّرَر وَهُوَ مُنْتَفٍ شرعا وَلَا تَنْعَقِد يَمِين علق الْحِنْث فِيهَا على وجود فعل مُسْتَحِيل لذاته كَقَوْلِه وَالله لَا شربت مَاء الْكوز وَلَا مَاء فِيهِ، أَو لغيره كَقَوْلِه: وَالله لَا قتلت فلَانا الْمَيِّت أَو لَا أحييته.

وتنعقد بِحلف على عدم المستحيل كَقَوْلِه وَالله لأشربن مَاء الْكوز وَلَيْسَ فِيهِ مَاء أَو لأرددن أمس أَو لأقتلن فلَانا الْمَيِّت أَو إِن لم أفعل ذَلِك وَنَحْوه وَتجب الْكَفَّارَة عَلَيْهِ فِي الْحَال لِاسْتِحَالَة الْبر فِي المستحيل.
وَالشّرط الثَّالِث: كَون حَالف مُخْتَارًا للْيَمِين فَلَا ينْعَقد من مكره عَلَيْهِ.
وَالشّرط الرَّابِع: حنثه أَي الْحَالِف بِفعل مَا حلف على تَركه أَو ترك مَا حلف على فعله فَإِن لم يَحْنَث فَلَا كَفَّارَة لِأَنَّهُ لم يهتك حُرْمَة الْقسم، وَلَو كَانَا محرمين كَأَن حلف على ترك الْخمر فَشربهَا أَو صَلَاة فرض فَتَركهَا لوُجُود الْحِنْث حَال كَونه غير مكره، فَلَو حلف لَا يدْخل دَارا فَحمل مكْرها فَدَخلَهَا لم يَحْنَث، لِأَن فعل الْمُكْره لَا ينْسب إِلَيْهِ أَو غير جَاهِل أَو نَاس كَمَا لَو دخل فِي الْمِثَال نَاسِيا ليمينه أَو جَاهِلا أَنَّهَا للمحلوف عَلَيْهَا فَلَا كَفَّارَة، لِأَنَّهُ غير آثم، وَكَذَا إِن فعله مَجْنُونا.
وَمن حلف بِاللَّه تَعَالَى لَا يفعل أَو ليفعلن كَذَا إِن شَاءَ الله أَو أَرَادَ الله أَو إِلَّا أَن يَشَاء الله واتصل لفظا أَو حكما كانقطاعه بتنفس أَو سعال لم يَحْنَث فعل أَو ترك بِشَرْط أَن يقْصد لاستثناء قبل تَمام الْمُسْتَثْنى مِنْهُ.
وَيسن حنث من حلف وَيكرهُ بر إِذا كَانَت يَمِينه على فعل مَكْرُوه أَو على ترك مَنْدُوب وَعَكسه أَي الحكم كَمَا لَو حلف على ترك مَكْرُوه أَو فعل مَنْدُوب بعكسه أَي فَيكْرَه حنثه وَيسن بره.
وَيجب إِن كَانَت على فعل محرم أَو ترك وَاجِب وَعَكسه بعكسه وَمن حلف على فعل وَاجِب أَو ترك محرم حرم حنثه لما فِيهِ من

من ترك الْوَاجِب أَو فعل الْمحرم، وَوَجَب بره، وَمن حلف على فعل محرم أَو ترك وَاجِب، وَجب حنثه؛) لِئَلَّا يَأْثَم بترك الْوَاجِب أَو فعل الْمحرم وَحرم بره.
وَيُخَير فِي مُبَاح، وَحفظ الْيَمين فِي أولى من حنثه لقَوْله تَعَالَى 19 ((واحفظوا أَيْمَانكُم)) كَمَا لَو وَجَبت عَلَيْهِ يَمِين وَاجِب عِنْد حَاكم.
وَلَا يلْزم محلوفا عَلَيْهِ إبرار قسم كَمَا لَا تلْزمهُ إِجَابَة سُؤال بِاللَّه تَعَالَى بل يسن.

3 - (

فصل

) . وَإِن حرم أمته أَو حرم حَلَالا غير زَوْجَة كَقَوْلِه: مَا أحل الله على حرَام وَلَا زَوْجَة لَهُ أَو: هَذَا الطَّعَام عليَّ حرَام، أَو: طَعَامي عَليّ كالميتة وَالدَّم وَنَحْوه، أَو علقه بِشَرْط مثل: إِن أَكلته فَهُوَ عليَّ حرَام، أَو: حرَام عَليّ إِن فعلت كَذَا وَكَذَا وَنَحْوه لم يحرم عَلَيْهِ مَا حرم وَعَلِيهِ كَفَّارَة يَمِين إِن فعله نصا لقَوْله تَعَالَى (قد فرض الله لكم تَحِلَّة أَيْمَانكُم) يَعْنِي التَّكْفِير، وَعَن ابْن عَبَّاس وَابْن عمر أَن النَّبِي جعل تَحْرِيم الْحَلَال يَمِينا وَمن قَالَ: هُوَ يَهُودِيّ أَو نَصْرَانِيّ أَو مَجُوسِيّ أَو يعبد الصَّلِيب أَو غير الله تبَارك وَتَعَالَى أَو مُشْرك إِن فعل كَذَا، أَو بَرِيء من الْإِسْلَام أَو من النَّبِي أَو هُوَ كَافِر بِاللَّه تَعَالَى إِن لم يفعل كَذَا فقد ارْتكب محرما وَعَلِيهِ كَفَّارَة يَمِين، إِن فعل مَا نَفَاهُ أَو ترك مَا أثْبته، وَمن أخبر عَن نَفسه بِأَنَّهُ حلف بِاللَّه تَعَالَى وَلم يكن حلف فكذبة لَا كَفَّارَة فِيهَا نصا،

فصول الكتاب · 2 فصل · 860 صفحة
جارٍ التحميل