كتاب الطَّهَارَة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- البعلي، عبد الرحمن بن عبد الله
- الكتاب
- كشف المخدرات والرياض المزهرات لشرح أخصر المختصرات
- المؤلف
- عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد البعلي الخلوتي الحنبلي (المتوفى: 1192هـ)
- المحقق
- قابله بأصله وثلاثة أصول أخرى: محمد بن ناصر العجمي
- الناشر
- دار البشائر الإسلامية - لبنان/ بيروت
- الطبعة
- الأولى، 1423هـ - 2002م
- عدد الأجزاء
- 2 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
وَصدر كَبِير وَكَاتب الَّذين يصان أمثالهم عَن الْأَسْوَاق بِأَن يدْفع إِلَيْهِ نَفَقَة لينفقها فِي مَصَالِحه، فَإِن صرفهَا فِي مصارفها ومواقعها وَاسْتوْفى على وَكيله فِيمَا وكل فِيهِ وستقصى عَلَيْهِ دلّ ذَلِك على رشده، وَيعْتَبر مَعَ مَا تقدم من إيناس رشده أَن لَا يبْذل مَاله فِي حرَام كقمار وغناء وَشِرَاء الْمُحرمَات وَنَحْوه و، لَا فِي غير فَائِدَة كحرق نفط يَشْتَرِيهِ للتفرج عَلَيْهِ، بِخِلَاف صرفه فِي بَاب بر كصدقة أَو فِي مطعم ومشرب وملبس ومنكح يَلِيق بِهِ فَلَيْسَ بتبذير إِذْ لَا إِسْرَاف فِي الْخَيْر، وَالْأُنْثَى يُفَوض إِلَيْهَا مَا يُفَوض إِلَى ربة الْبَيْت من الْغَزل والاستغزال بِأُجْرَة الْمثل وتوكيلها فِي شِرَاء الْكَتَّان وَنَحْوه وَحفظ الْأَطْعِمَة من الهر والفأر وَغير ذَلِك، فَإِن وجدت ضابطة لما فِي يَدهَا مستوفية من وكيلها فَهِيَ رَشِيدَة.
وَمن نوزع فِي رشده فَشهد بِهِ عَدْلَانِ ثَبت رشده، ووليهم أَي ولي صَغِير وَبَالغ مَجْنُون وَمن بلغ سَفِيها وَاسْتمرّ حَال الْحجر الْأَب الْبَالِغ لكَمَال شفقته فَإِن ألحق الْوَلَد بِابْن عشر فَأكْثر وَلم يثبت بُلُوغه فَلَا ولَايَة لَهُ، وَيشْتَرط أَن يكون رشيدا عَاقِلا حرا عدلا ظَاهرا وَلَو كَافِرًا على وَلَده الْكَافِر بِأَن يكون عدلا فِي دينه.
ثمَّ بعد الْأَب ووصيه أَي وصّى الْأَب وَلَو بِجعْل وَثمّ مُتَبَرّع.
ثمَّ بعد الْأَب وَصِيَّة الْحَاكِم لانْقِطَاع الْولَايَة من جِهَة الْأَب فَتكون للْحَاكِم كولاية النِّكَاح لِأَنَّهُ ولى من لَا ولى لَهُ، فَإِن عدم الْحَاكِم فأمين يقوم مقَامه.
وَلَا يتَصَرَّف الْوَلِيّ وجوبا لَهُم أَي الْمَحْجُور عَلَيْهِم إِلَّا بالأحظ لَهُم لقَوْله تَعَالَى: 19 ((وَلَا تقربُوا مَال الْيَتِيم إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أحسن)) ، وَالسَّفِيه وَالْمَجْنُون فِي مَعْنَاهُ، فَإِن تبرع ولى الصَّغِير
وَالْمَجْنُون بِصَدقَة أَو هبة أَو حابى أَو زَاد على النَّفَقَة عَلَيْهِمَا أَو على من تلزمهما مُؤْنَته بِالْمَعْرُوفِ ضمن، وتدفع النَّفَقَة إِن أفسدها يَوْمًا بِيَوْم فَإِن أفسدها أطْعمهُ مُعَاينَة وَإِلَّا كَانَ مفرطا.
وَإِن أفسد كسوته ستر عَوْرَته فَقَط فِي بَيت إِن لم يكن تحيل على إبقائها عَلَيْهِ وَلَو بتهديد.
وَلَا يَصح أَن يَبِيع الْوَلِيّ أَن يَشْتَرِي أَو يرتهن من مَالهمَا لنَفسِهِ لِأَنَّهُ مَظَنَّة التُّهْمَة، إِلَّا إِذا كَانَ أَبَا فَلهُ ذَلِك، ويلي طرفِي العقد، والتهمة منتفية بَين الْوَالِد وَولده إِذْ من طبيعة الشَّفَقَة عَلَيْهِ.
وَيسْتَحب إكرام الْيَتِيم وَإِدْخَال السرُور عَلَيْهِ وَدفع النَّقْص والإهانة عَنهُ، فجبر قلبه من أعظم مَصَالِحه، وَإِن أقرّ السَّفِيه بِحَدّ أَو نسب أَو طَلَاق أَو قصاص صَحَّ وَأخذ بِهِ فِي الْحَال، وبمال أَخذ بِهِ بعد فك الْحجر عَنهُ، وَتقدم بعضه، وَحكم تصرف ولي سَفِيه كولي صَغِير وَمَجْنُون، وللولي غير الْحَاكِم وأمينه أَن يَأْكُل من مَال موليه مَعَ الْحَاجة الْأَقَل من أُجْرَة مثله وكفايته، وَلَا يلْزمه عوضه بيساره، وَمَعَ عدم الْحَاجة يَأْكُل مَا فَرْضه لَهُ الْحَاكِم.
ولناظر وقف وَلَو لم يَصح أكل بِمَعْرُوف.
ولقن غير مَأْذُون لَهُ فِي تِجَارَة أَن يتَصَرَّف من قوته بِمَا لَا يضر كرغيف وبيضة وفلس لجَرَيَان الْعَادة بالمسامحة فِيهِ.
ولزوجة وكل متصرف فِي بَيت كأجير وَغُلَام متصرف فِي بَيت سَيّده الصَّدَقَة مِنْهُ بِلَا إِذن صَاحبه بِنَحْوِ ذَلِك إِلَّا أَن يمْنَع رب الْبَيْت مِنْهُ أَو يكون بَخِيلًا فَيحرم فيهمَا الْإِعْطَاء من مَاله بِلَا إِذْنه لِأَن الأَصْل عدم رِضَاهُ إِذا.
وَإِن كَانَت الْمَرْأَة مَمْنُوعَة من التَّصَرُّف فِي بَيت زَوجهَا كَالَّتِي يطْعمهَا بِالْفَرْضِ، وَلَا يُمكنهَا من طَعَامه فَهُوَ كَمَا لَو منعهَا بالْقَوْل.
وَمن اشْترى من قن شَيْئا فَوَجَدَهُ معيبا فَقَالَ الْقِنّ: أَنا غير مَأْذُون لي فِي التِّجَارَة لم يقبل قَوْله نصا، وَلَو صدقه سَيّده لِأَنَّهُ يَدعِي فَسَاد العقد والخصم يَدعِي صِحَّته.
وَيقبل قَوْله أَي الْمولى بعد فك حجر عَن مَحْجُور عَلَيْهِ لعقله ورشده فِي مَنْفَعَة وضرورة فِي تلف وَفِي غِبْطَة وَهُوَ شِرَاؤُهُ لموليه شَيْئا بِزِيَادَة كَثِيرَة على ثمن مثله، وَفِي قدر نَفَقَته وَلَو على عقار مَحْجُور عَلَيْهِ أَو كسوته أَو كسْوَة زَوجته أَو رَقِيقه وَنَحْوه.
وَفِيمَا إِذا ادّعى عَلَيْهِ موليه تَعَديا فِي مَاله أَو مُوجب ضَمَان كتفريط أَو تبرع وَنَحْوهمَا فَالْقَوْل قَول ولي، لِأَنَّهُ أَمِين مَا لم يُخَالِفهُ عَادَة وَعرف فَيرد للقرينة، وَيحلف ولي غير حَاكم.
وَلَا يقبل قَول ولي يَجْعَل فِي دفع مَال بعد رشد أَو عقل لِأَنَّهُ قبض المَال لمصلحته أشبه الْمُسْتَعِير إِلَّا من مُتَبَرّع فَيقبل قَوْله فِي دفع المَال إِذا، لِأَنَّهُ قبض المَال لمصْلحَة الْمَحْجُور عَلَيْهِ فَقَط أشبه الْوَدِيع.
وَلَا يقبل قَول ولي فِي قدر زمن الْإِنْفَاق بِأَن قَالَ: من انْفَكَّ حجره أنفقت على سنة، فَقَالَ الْوَلِيّ: بل سنتَيْن، إِلَّا بِبَيِّنَة لِأَن الأَصْل عدم مَا يَدعِيهِ.
وَيتَعَلَّق جَمِيع دين قن مَأْذُون لَهُ إِن اسْتَدَانَ فِيمَا أذن فِيهِ أَو غَيره نصا بِذِمَّة سَيّده لِأَنَّهُ غر النَّاس بِإِذْنِهِ لَهُ.
وَكَذَا مَا اقترضه بِإِذْنِهِ يتَعَلَّق بِذِمَّة سَيّده بَالغا مَا بلغ لِأَنَّهُ متصرف لسَيِّده وَلِهَذَا لَهُ الْحجر عَلَيْهِ وإمضاء بيع خِيَار وفسخه وَيثبت الْملك لَهُ، وَسَوَاء كَانَ بيد الْمَأْذُون لَهُ أَو لَا.
وَيتَعَلَّق دين غَيره أَي غيرالمأذون لَهُ فِي تِجَارَة بِأَن اشْترى فِي
ذمَّته أَو اقْترض بِغَيْر إِذن سَيّده وَتلف مَا اشْتَرَاهُ أَو اقترضه بِيَدِهِ أَو يَد سَيّده بِرَقَبَتِهِ، فيفديه سَيّده بِالْأَقَلِّ من الدّين أَو قِيمَته أَو يَبِيعهُ وَيُعْطِيه، أَو يُسلمهُ لرب الدّين لفساد تصرفه فَأشبه أرش الْجِنَايَة.
وَمحل تعلقه بِرَقَبَتِهِ إِن تلف باستدانته وَإِلَّا أَخذه مَالِكه حَيْثُ أمكن.
وَأرش جِنَايَة قن وقيم متلفاته يتَعَلَّق بِرَقَبَتِهِ أَي الْقِنّ سَوَاء كَانَ مَأْذُونا لَهُ أَو لَا.
3 - (
فصل
)
. وَتَصِح الْوكَالَة وَهِي بِفَتْح الْوَاو وَكسرهَا - اسْم مصدر بِمَعْنى التَّوْكِيل ولغة التَّفْوِيض تَقول: وكلت أَمْرِي إِلَى الله تَعَالَى.
أَي فوضته واكتفيت بِهِ، وَتطلق أَيْضا بِمَعْنى الْحِفْظ وَمِنْه: حَسبنَا الله وَنعم الْوَكِيل، أَي الحفيظ.
وَشرعا استنابة جَائِز التَّصَرُّف مثله فِيمَا تدخله النِّيَابَة.
وَتَصِح مُؤَقَّتَة، كَأَنْت وَكيلِي شهرا، ومعلقة كوصية وَإِذا دخل رَمَضَان وَنَحْوه، وَتَصِح بِكُل قَول يدل على إِذن نصا كبع عَبدِي فلَانا أَو أعْتقهُ وَنَحْوه، أَو فوضت إِلَيْك أمره، أَو جعلتك نَائِبا عني فِي كَذَا، أَو أقمتك مقَامي لِأَنَّهُ لفظ دلّ على الْإِذْن فصح كلفظها، وَيصِح قبُولهَا أَي الْوكَالَة بِكُل قَول أَو فعل من الْوَكِيل يدل عَلَيْهِ أَي الْقبُول.
وَيصِح فَوْرًا أَو متراخيا، وكل عقد جَائِز كشركة ومساقاة وَنَحْوهمَا فَهُوَ كَالْوكَالَةِ فِيمَا تقدم، وَشرط تعْيين الْوَكِيل لَا علمه بِالْوكَالَةِ، فَلَو بَاعَ عبد زيد على أَنه فُضُولِيّ وَبَان أَن زيدا كَانَ وَكله فِيهِ قبل البيع، صَحَّ اعْتِبَارا بِمَا فِي نفس الْأَمر لَا بِمَا فِي ظن الْمُكَلف.
وللوكيل التَّصَرُّف بِخَبَر من ظن صدقه بتوكيل زيد لَهُ مثلا، وَيضمن مَا ترَتّب على تصرفه إِن أنكر زيد الْوكَالَة، وَإِن أَبى الْوَكِيل قبُولهَا فكعزله نَفسه،
وَشرط كَونهمَا أَي الْمُوكل وَالْوَكِيل جائزي التَّصَرُّف، فَلَا يَصح تَوْكِيل السَّفِيه فِي عتق عَبده سوى تَوْكِيل أعمى وَنَحْوه عَالما فِيمَا يحْتَاج لرؤية كجوهر وعقار فَيصح، وَإِن لم يَصح مِنْهُ ذَلِك بِنَفسِهِ لِأَن منعهما التَّصَرُّف فِي ذَلِك لعجزهما عَن الْعلم بِالْمَبِيعِ لَا لِمَعْنى فيهمَا يَقْتَضِي منع التَّوْكِيل.
وَمثله توكل فَلَا يَصح أَن يُوجب نِكَاحا عَن غَيره من لَا يَصح مِنْهُ إِيجَابه لموليته لنَحْو فسق، وَلَا أَن يقبله من لَا يَصح مِنْهُ لنَفسِهِ ككافر يتوكل فِي قبُول نِكَاح مسلمة لمُسلم، سوى قبُول نِكَاح أُخْته وَنَحْوهَا لأَجْنَبِيّ، وَسوى قبُول حر وَاجِد الطول نِكَاح أمة لمن تُبَاح لَهُ الْأمة من قن أَو حر عادم الطول خَائِف الْعَنَت، وَسوى توكل غَنِي فِي قبض زَكَاة لفقير، وَسوى طَلَاق امْرَأَة نَفسهَا أَو غَيرهَا بوكالة.
وَتَصِح وكَالَة الْمُمَيز بِإِذن وليه فِي كل تصرف لَا يعْتَبر لَهُ الْبلُوغ كتصرفه بِإِذْنِهِ، وَمن لَهُ تصرف فِي شَيْء فَلهُ توكل فِيهِ وَله تَوْكِيل فِيهِ أَي فِيمَا لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ، وَتَصِح الْوكَالَة فِي كل حق آدَمِيّ من عقد وَغَيره كَطَلَاق ورجعة وَبيع وَشِرَاء وحوالة وَرهن وَضَمان وَشركَة وَكِتَابَة ووديعة ومضاربة وجعالة ومساقاة وَإِجَارَة وقرض وَصلح وَهبة وَصدقَة وَوَصِيَّة وتدبير وإيقاف وَقِسْمَة وَنَحْو ذَلِك، وَلَا تصح فِي ظِهَار وَلَا فِي لعان وَلَا فِي أَيْمَان وَنذر وإيلاء وقسامة وَقسم بَين الزَّوْجَات وَشَهَادَة والتقاط واغتنام وَدفع جِزْيَة ومعصية ورضاع وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا تدخله النِّيَابَة، وَتَصِح فِي بيع مَاله كُله أَو مَا شَاءَ مِنْهُ،
وبالمطالبة بحقوقه كلهَا أَو مَا شَاءَ مِنْهَا، وبالإبراء مِنْهَا كلهَا أَو مَا شَاءَ مِنْهَا.
قَالَ فِي الْإِقْنَاع: وَظَاهر كَلَامهم فِي بِعْ، من مَالِي مَا شِئْت، لَهُ بيع كل مَاله.
وَلَا يَصح: وَكلتك فِي كل قَلِيل وَكثير وَتسَمى المفوضة ذكر الْأَزجيّ اتِّفَاق الْأَصْحَاب، لِأَنَّهُ يدْخل فِيهِ كل شَيْء من هبة مَاله وَطَلَاق نِسَائِهِ وَعتق رَقِيقه فيعظم الْغرَر وَالضَّرَر، وَلِأَن التَّوْكِيل شَرطه أَن يكون فِي تصرف مَعْلُوم.
وَلَا يَصح قَوْله: اشْتَرِ مَا شِئْت أَو اشْتَرِ عبدا بِمَا شِئْت حَتَّى يبين لَهُ نوعا يَشْتَرِيهِ وَقدر ثمن.
وَتَصِح الْوكَالَة فِي كل حق الله عز وَجل تدخله النِّيَابَة من إِثْبَات حق واستيفائه وَعبادَة كتفرقة صَدَقَة وَنذر وَكَفَّارَة وَزَكَاة وَحج وَعمرَة، وَتدْخل رَكعَتَا الطّواف تبعا لَهما.
وَيصِح: أخرج زَكَاة مَالِي من مَالك.
وللوكيل اسْتِيفَاء حد بِحَضْرَة مُوكله وغيبته وَلَو فِي قصاص وحد قذف، وَالْأولَى بِحُضُورِهِ فيهمَا.
وَلَيْسَ لَهُ أَن يُوكل فِيمَا يتَوَلَّى مثله إِلَّا بِإِذن مُوكله، وَله أَن يُوكل فِيمَا يعجز عَنهُ مثله لكثرته وَلَو فِي جَمِيعه وَفِيمَا لَا يتَوَلَّى مثله لنَفسِهِ كالأعمال الدنية فِي حق أَشْرَاف النَّاس المترفعين عَنْهَا عَادَة، لِأَن الْإِذْن إِنَّمَا ينْصَرف لما جرت بِهِ الْعَادة، وَإِن أذن لَهُ مُوكل فِي التَّوْكِيل تعين أَن يكون الثَّانِي أَمينا فَلَا يجوز لَهُ أَن يُوكل غير أَمِين إِلَّا مَعَ تعْيين الْمُوكل الأول بِأَن قَالَ لَهُ: وكل زيدا مثلا، فَلهُ تَوْكِيله وَإِن لم يكن أَمينا.
وَإِن وكل أَمينا فخان فَعَلَيهِ عَزله لِأَن إبقاءه تَفْرِيط تَضْييع:
وَلَيْسَ لَهُ أَن يعْقد مَعَ فَقير أَو قَاطع طَرِيق أَو يَبِيع نسَاء أَو بِمَنْفَعَة أَو عرض أَو بِغَيْر نقد الْبَلَد غالبه إِن جمع نقودا.
أَو بِغَيْر الْأَصْلَح مِنْهَا إِن تَسَاوَت رواجا إِلَّا بِإِذن مُوكله فِي الْكل.
وَهِي أَي الْوكَالَة وَشركَة ومضاربة ومساقاة ومزارعة ووديعة وجعالة ومسابقة وعارية عُقُود جَائِزَة من الطَّرفَيْنِ، لِأَن غايتها إِذن وبذل نفع وَكِلَاهُمَا جَائِز، وَلكُل من الْمُتَعَاقدين فَسخهَا أَي هَذِه الْعُقُود كفسخ الْإِذْن فِي أكل طَعَامه، وَتبطل كلهَا بِمَوْت أَحدهمَا وجنونه وَالْحجر عَلَيْهِ لسفه حَيْثُ اعْتبر رشده كالتصرف المالي.
فَإِن وكل فِي طَلَاق ورجعة وَنَحْوهمَا لم تبطل بِسَفَه.
وَتبطل بسكر يفسق بِهِ فِيمَا يُنَافِيهِ كإيجاب نِكَاح.
وبفلس مُوكل فِيمَا حجر عَلَيْهِ فِيهِ.
وبردته لَا بردة وَكيله إِلَّا فِيمَا ينافيها.
وبتدبيره أوكتابته قِنَا وكل فِي عتقه لَا بسكناه وَلَا بِبيعِهِ بيعا فَاسِدا مَا وكل فِي بَيْعه.
وينعزل بِمَوْت مُوكله وبعزله وَلَو لم يبلغهُ ذَلِك.
وَلَا يقبل قَول مُوكل إِنَّه عزل وَكيله قبل تصرفه فِي غير طَلَاق بِلَا بَيِّنَة.
وَيقبل قَوْله إِنَّه أخرج زَكَاته قبل دفع وَكيله للساعي، ويأخذها الْوَكِيل من السَّاعِي إِن بقيت فِي يَده لفساد الْقَبْض فَإِن فرقها على مستحقيها، أَو تلفت بِيَدِهِ فَلَا رُجُوع عَلَيْهِ.
وَحُقُوق عقد مُتَعَلقَة بموكل لِأَن الْملك ينْتَقل إِلَيْهِ ابْتِدَاء وَلَا يدْخل فِي ملك الْوَكِيل فَلَا يعْتق قريب وَكيل عَلَيْهِ وَلَا يَصح بِلَا إِذن مُوكل بيع وَكيل لنَفسِهِ بِأَن يَشْتَرِي مَا وكل فِي بَيْعه من نَفسه لنَفسِهِ وَلَا يَصح شِرَاؤُهُ أَي الْوَكِيل مِنْهَا أَي من نَفسه لمُوكلِه بِأَن وكل فِي شِرَاء شَيْء فَاشْتَرَاهُ من نَفسه لمُوكلِه لِأَنَّهُ خلاف الْعرق فِي ذَلِك، وكما لَو صرح لَهُ فَقَالَ بِعْهُ أَو اشتره من غَيْرك للحوق
التُّهْمَة لَهُ فِي ذَلِك فَإِن أذن لَهُ صَحَّ إِذا تولى طرفِي العقد فيهمَا، كأب الصَّغِير إِذا بَاعَ من مَاله لوَلَده أَو اشْترى من مَاله لوَلَده.
وَمثله نِكَاح كَأَن يُوكل الْوَلِيّ الزَّوْج أَو عَكسه أَو يوكلا وَاحِدًا أَو يُزَوّج عَبده الصَّغِير بأمته وَنَحْوه فيتولى طرفِي العقد.
وَولده أَي الْوَكِيل ووالده ومكاتبه وَنَحْوهم مِمَّن ترد شَهَادَته لَهُ كنفسه فَلَا يجوز البيع لأَحَدهم وَلَا الشِّرَاء مِنْهُ مَعَ الْإِطْلَاق، لِأَنَّهُ يتهم فِي حَقهم ويميل إِلَى ترك الِاسْتِقْصَاء عَلَيْهِم فِي الثّمن كتهمته فِي حق نَفسه، بِخِلَاف نَحْو أَخِيه وَعَمه، وكالوكيل حَاكم وأمينه ووصي وناظر وقف ومضارب، قَالَ المنقح: وَشريك عنان ووجوه فَلَا يَبِيع أحد مِنْهُم من نَفسه وَلَا وَلَده ووالده لما تقدم، فَيعلم مِنْهُ أَنه لَيْسَ لناظر الْوَقْف غير الْمَوْقُوف عَلَيْهِ أَن يُؤجر عين الْوَقْف لوَلَده وَلَا وزجته، وَلَا تؤجر ناظرة زَوجهَا وَنَحْوه للتُّهمَةِ وَإِن بَاعَ الْوَكِيل أَو الْمضَارب بِدُونِ ثمن مثل أَو بِدُونِ ثمن مُقَدّر أَو اشْترى الْوَكِيل أَو الْمضَارب ب ثمن أَكثر مِنْهُ أَي من ثمن الْمثل أَو الْمُقدر نصا صَحَّ البيع وَالشِّرَاء لِأَن من صَحَّ بَيْعه وشراؤه بِثمن صَحَّ بأنقص مِنْهُ وأزيد كَالْمَرِيضِ وَضمن وَكيل ومضارب فِي شِرَاء زِيَادَة أَي مثل الزِّيَادَة عَن ثمن مثل أَو مُقَدّر أَو أَي وَضمن نقصا أَي كل النَّقْص عَن مُقَدّر وَضمن كل مَالا يتَغَابَن بِمثلِهِ عَادَة فِيمَا لم يقدر، بِأَن يُعْطي لوَكِيله ثوبا ثمن مثله مائَة دِرْهَم، يَبِيعهُ لَهُ وَلم يقدر لَهُ الثّمن فيبيعه بِثَمَانِينَ وَالْحَال أَن مثل الثَّوْب وَقد يَبِيعهُ غَيره بِخَمْسَة وَثَمَانِينَ درهما، فَهَذِهِ الْخَمْسَة الَّتِي نقصت عَن ثمن مثله مِمَّا يتَغَابَن النَّاس بِمثلِهِ فِي الْعَادة فَلَو أَو الْوَكِيل بَاعَ بِمثل هَذَا النَّقْص لم يضمن لِأَن التَّحَرُّز عَن مثل هَذَا
عسر، لكنه لَو بَاعَ بِنَقص لَا يتَغَابَن بِمثلِهِ فِي التِّجَارَة وَهُوَ عشرُون من مائَة فَيضمن جَمِيع هَذَا النَّقْص.
وبعه لزيد، فَبَاعَهُ لغيره لم يَصح.
وَمن أَمر بِدفع شَيْء إِلَى نَحْو قصار معِين ليصنعه فَدفع ونسيه فَضَاعَ لم يضمن.
وَإِن أطلقهُ الْمَالِك فَدفعهُ الْوَكِيل إِلَى من لَا يعرفهُ ضمن، وبعه بدرهم فَبَاعَهُ بِهِ وبعرض أَو بِدِينَار صَحَّ، وَكَذَا بِأَلف نسَاء فَبَاعَ بِهِ حَالا وَلَو مَعَ ضَرَر يلْحق الْمُوكل بحفظه الثّمن لِأَنَّهُ زَاده خيرا مَا لم يَنْهَهُ فَإِن نَهَاهُ لم يَصح للمخالفة.
وَبعد فَبَاعَ بعضه بِدُونِ ثمنه كُله لم يَصح، أَو يكن عبيدا أَو صبرَة وَنَحْوهَا فَيصح بَيْعه مفرقا مَا لم يقل: صَفْقَة.
وَكَذَا شَاءَ فَلَو قَالَ اشْتَرِ لي عشرَة عبيد أَو عشرَة أَرْطَال غزل أَو عشرَة أَمْدَاد بر صَحَّ شراؤها صَفْقَة وشيئا بعد شَيْء مَا لم يقل صَفْقَة.
وبعه بِأَلف فِي سوق كَذَا فَبَاعَهُ فِي سوق آخر صَحَّ مَا لم يَنْهَهُ أَو يكن لَهُ فِيهِ غَرَض صَحِيح.
وَإِن قَالَ اشتره بِكَذَا فَاشْتَرَاهُ مُؤَجّلا، أَو اشْتَرِ شَاة بِدِينَار فَاشْترى شَاتين تساويه إِحْدَاهمَا أَو شَاة تساويه بِأَقَلّ صَحَّ ووكيل شخص وَكله فِي مَبِيع ليَبِيعهُ لَهُ يُسلمهُ أَي يملك تَسْلِيمه لمشتريه لِأَنَّهُ من تَمام البيع وَلَا يقبض الْوَكِيل ثمنه أَي لَا يملك قبض ثمنه فَإِن تعذر قَبضه لم يلْزمه شَيْء كَمَا لَو ظهر الْمَبِيع مُسْتَحقّا أَو مَبِيعًا، قَالَ المنقح: مَا لم يفض إِلَى رَبًّا، فَإِن أفْضى إِلَى رَبًّا كأمره بِبيع قفيز بر بِمثلِهِ أَو شعير فَبَاعَهُ وَلم يحضر مُوكله ملك قَبضه للْإِذْن فِيهِ شرعا وَعرفا إِلَّا أَن يَأْذَن لَهُ فِي الْقَبْض فَلهُ الْقَبْض أَو إِلَّا بِقَرِينَة تدل عَلَيْهِ مثل تَوْكِيله فِي بيع ثوب فِي سوق غَائِب عَن الْمُوكل
أَو مَوضِع يضيع الثّمن بترك قبض أَو نَحْو ذَلِك فَلهُ قَبضه أَيْضا فَمَتَى ترك قَبضه ضمنه، وَسلم وَكيل الشِّرَاء الثّمن أَي يملك تَسْلِيم الثّمن ووكيل خُصُومَة أَي إِذا وكل شخص آخر فِي خُصُومَة ف لَا يقبض الْوَكِيل لِأَن الْإِذْن فِيهِ لم يتَنَاوَلهُ نطقا وَلَا عرفا وَقد يرضى للخصومة من لَا يرضى للقبض ووكيل فِي قبض دين أَو عين يُخَاصم أَي يكون وَكيلا فِي مخاصمة وَالْوَكِيل أَمِين لَا يضمن مَا تلف بِيَدِهِ إِلَّا بتعد أَو تَفْرِيط لِأَنَّهُ نَائِب عَن الْمَالِك فِي الْيَد وَالتَّصَرُّف، فالهلاك فِي يَده كالهلاك فِي يَد الْمَالِك كَالْمُودعِ وَالْوَصِيّ، وَسَوَاء كَانَ مُتَبَرعا أَو بِجعْل فَإِن فرط أَو تعدى ضمن وَيقبل قَوْله أَي الْوَكِيل فِي نفيهما أَي التَّعَدِّي والتفريط بِيَمِينِهِ إِذا ادَّعَاهُ مُوكله، لِأَنَّهُ أَمِين وَلَا يُكَلف بِبَيِّنَة لِأَنَّهُ مِمَّا تتعذر إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ، وَلِئَلَّا يمْتَنع النَّاس من الدُّخُول فِي الْأَمَانَات مَعَ الْحَاجة إِلَيْهَا، وَيقبل قَوْله فِي هَلَاك الْعين أَو الثّمن بِيَمِينِهِ، ك مَا تقبل دَعْوَى شخص مُتَبَرّع رد الْعين أَو رد ثمنهَا أَي الْعين لموكل لِأَنَّهُ قبض الْعين لنفع مَالِكهَا لَا غير، فَهُوَ كَالْمُودعِ، وَلَا يقبل قَول وَكيل يَجْعَل، لِأَن فِي قَبضه نفعا لنَفسِهِ أشبه الْمُسْتَعِير وَلَا إِذا ادّعى الرَّد لوَرثَته أَي الْمُوكل لأَنهم لم يأتمنوه وَلَا قَول وَرَثَة وَكيل فِي دفع لموكل إِلَّا بِبَيِّنَة تشهد بذلك.
وَيقبل إِقْرَاره على الْمُوكل فِي كل مَا وكل فِيهِ من بيع وَإِجَارَة وَصرف وَغَيرهَا.
وَمن عَلَيْهِ حق فَادّعى إِنْسَان أَنه وَكيل ربه فِي قَبضه أَو أَنه وَصِيّه أَو أُحِيل بِهِ فَصدقهُ مدعى عَلَيْهِ لم يلْزمه دفع إِلَيْهِ وَإِن كذبه لم يسْتَحْلف، وَإِن دَفعه وَأنكر صَاحبه ذَلِك حلف وَرجع على دَافع وَحده إِن كَانَ دينا فَإِن نكل لم يرجع بِشَيْء، وَرجع دَافع على مدعي الْوكَالَة أَو الْحِوَالَة بِمَا دفع مَعَ بَقَائِهِ وببدله إِن تلف بتعديه أَو تفريطه لَا بِمَنْزِلَة الْغَاصِب وَبلا تعد أَو تَفْرِيط لم يضمنهُ وَلم يرجع عَلَيْهِ دَافع بِشَيْء لِأَنَّهُ مقرّ بِأَنَّهُ أَمِين حَيْثُ صدقه فِي دَعْوَى الْوكَالَة أَو الْوَصِيَّة، وَأما مَعَ دَعْوَى الْحِوَالَة فَيرجع دَافع على قَابض مُطلقًا أَي سَوَاء بَقِي فِي يَده أَو تلف بتعد أَو تَفْرِيط أَو لَا، لِأَنَّهُ قَبضه لنَفسِهِ فَدخل على أَنه مَضْمُون عَلَيْهِ.
وَإِن كَانَ الْمَدْفُوع عينا كوديعة وَنَحْوهَا ووجدها رَبهَا أَخذهَا لِأَنَّهَا عين مَاله، وَإِن لم يجدهَا ضمن أَيهمَا شَاءَ، وَلَا يرجع الدَّافِع بهَا على غير متْلف أَو مفرط لاعتراف كل مِنْهُمَا بِأَن مَا أَخذه الْمَالِك ظلم واعتراف الدَّافِع بِأَنَّهُ لم يحصل من الْقَابِض مَا يُوجب الضَّمَان فَلَا يرجع عَلَيْهِ بظُلْم غَيره، هَذَا كُله إِذا صدق من عَلَيْهِ الْحق الْمُدَّعِي، وَأما مَعَ عدم تَصْدِيق فَيرجع على مَدْفُوع إِلَيْهِ بِمَا دَفعه لَهُ مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ دينا أَو عينا، بَقِي أَو تلف، لِأَنَّهُ لم يقر بوكالته وَلم يثبت بَيِّنَة، وَمُجَرَّد التَّسْلِيم لَيْسَ تَصْدِيقًا.
وَإِن ادّعى مَوته وَأَنه وَارثه لزمَه دَفعه إِلَيْهِ مَعَ تَصْدِيق، وحلفه مَعَ إِنْكَار موت رب الْحق وَإِن الطَّالِب وَارثه، وَصفَة الْيَمين أَنه لَا يعلم صِحَة مَا قَالَه لِأَن الْيَمين هَهُنَا على فعل الْغَيْر فَتكون على نفي الْعلم.
3 - (
فصل
)
فِي الشّركَة.
وَالشَّرِكَة بِفَتْح الشين مَعَ كسر الرَّاء وسكونها وبكسر الشين مَعَ سُكُون الرَّاء جَائِزَة بِالْإِجْمَاع، وَهِي قِسْمَانِ: أَحدهمَا اجْتِمَاع فِي اسْتِحْقَاق، وَهِي أَنْوَاع: أَحدهَا فِي الْمَنَافِع والرقاب كَعبد ودرا بَين اثْنَيْنِ فَأكْثر بِإِرْث أَو بيع وَنَحْوهمَا، الثَّانِي فِي الرّقاب كَعبد موصى بمنفعته وَرثهُ اثْنَان فَأكْثر، الثَّالِث فِي الْمَنَافِع كمنفعة موصى بهَا لاثْنَيْنِ فَأكْثر، الرَّابِع فِي حُقُوق الرّقاب كَحَد قذف إِذا قذف جمَاعَة يتَصَوَّر مِنْهُم الزِّنَا عَادَة بِكَلِمَة وَاحِدَة فَإِذا طلبُوا كلهم وَجب لَهُم حد وَاحِد.
وَيَأْتِي فِي الْقَذْف.
وَالْقسم الثَّانِي اجْتِمَاع فِي تصرف، وَهِي شركَة الْعُقُود الْمَقْصُودَة هَهُنَا، وَتكره مَعَ كَافِر كمجوسي نصا لِأَنَّهُ لَا يَأْمَن مُعَامَلَته بالربا وَبيع الْخمر نَحوه.
وَلَا تكره مَعَ كتابي لَا يَلِي التَّصَرُّف، وَهِي فِي التَّصَرُّف خَمْسَة أضْرب جمع ضرب أَي صنف: أَحدهَا شركَة عنان بِكَسْر الْعين الْمُهْملَة وَلَا خلاف فِي جَوَازهَا، بل فِي بعض شُرُوطهَا، سميت بذلك لِأَنَّهُمَا يستويان فِي المَال وَالتَّصَرُّف
كالفارسين المستويين فِي السّير، فَإِن عناني فرسيهما يكونَانِ سَوَاء.
يملك كل مِنْهُمَا التَّصَرُّف فِي كل المَال كَمَا يتَصَرَّف الْفَارِس فِي عنان فرسه.
وَهِي أَي شركَة الْعَنَان أَن يحضر كل وَاحِد من عدد اثْنَيْنِ فَأكْثر جَائِز التَّصَرُّف فَلَا ينْعَقد على مَا فِي الذِّمَّة، وَلَا مَعَ صَغِير وسفيه من مَاله فَلَا ينْعَقد بِنَحْوِ مَغْصُوب، نَقْدا ذَهَبا أَو فضَّة مَضْرُوبا وَلم لم يتَّفق الْجِنْس، كَمَا لَو أحضر أَحدهمَا ذَهَبا وَالْآخر فضَّة فَلَا تصح بِعرْض وَلَو مثلِيا وَلَا بِقِيمَتِه وَلَا بِثمنِهِ الَّذِي اشْترى بِهِ وَالَّذِي يُبَاع بِهِ وَلَا بمغشوش كثيرا وَلَا بفلوس أَو نافقة وَلَا بنقرة لم تضرب.
وَلَا أثر لغش يسير لمصْلحَة كحبة فضَّة وَنَحْوهَا فِي دِينَار.
وَيشْتَرط أَن يكون النَّقْد مَعْلُوما قدره وَصفته فَلَا تصح على مجهولين للغرر، فَإِن اشْتَركَا فِي مَال مختلط بَينهمَا شَائِعا صَحَّ عقد الشّركَة إِن علما قدر مَا لكل مِنْهُمَا فِيهِ لعمل مُتَعَلق بيحضر فِيهِ أَي فِي المَال جَمِيعه كل مِم لَهُ فِيهِ شَيْء على أَن لَهُ من الرِّبْح بِنِسْبَة مَا لَهُ بِأَن شَرط لرب نصف المَال نصف الرِّبْح ولرب الثُّلُث ثلث الرِّبْح ولرب السُّدس سدس الرِّبْح مثلا، أَو على أَن لكل مِنْهُم جُزْءا مشَاعا مَعْلُوما وَلَو أَكثر من نِسْبَة مَاله كَأَن جعل لرب السُّدس نصف الرِّبْح لقُوَّة حذقه، أَو يُقَال: بَيْننَا فيستوون فِيهِ، لَا يشْتَرط خلط الْمَالَيْنِ وكل عقد لَا ضَمَان فِي صَحِيحه لَا ضَمَان فِي فاسده إِلَّا بِالتَّعَدِّي أَو التَّفْرِيط كالشركة وَالْمُضَاربَة وَالْوكَالَة والوديعة، وكل عقد يجب الضَّمَان فِي صَحِيحه يجب فِي فاسده كَالْبيع وَالْإِجَارَة وَالنِّكَاح وَالْقَرْض، وَلكُل من الشَّرِيكَيْنِ أَن يَبِيع وَيَشْتَرِي وَيَأْخُذ وَيُعْطِي وَيُطَالب ويخاصم وَيفْعل كل مَا فِيهِ حَظّ للشَّرِكَة.
وَالضَّرْب الثَّانِي من الشّركَة الْمُضَاربَة من الضَّرْب فِي الأَرْض أَي السّفر فِيهَا، أَو من ضرب كل مِنْهُمَا بِسَهْم فِي الرِّبْح وَهَذِه تَسْمِيَة أهل الْعرَاق، وَأهل الْحجاز يسمونها قراضا من قرض الفار الثَّوْب أَي قطعه كَانَ رب المَال اقتطع قِطْعَة من مَاله وَسلمهَا لَهُ واقتطع لَهُ قِطْعَة من ربحها.
وَهِي أَي الْمُضَاربَة شرعا دفع مَال أَي نقد مَضْرُوب غير مغشوش كثيرا كَمَا تقدم، أَو مَا فِي معنى الدّفع كَالْوَدِيعَةِ وَالْعَارِية وَالْغَصْب إِذا قَالَ رَبهَا لمن هِيَ تَحت يَده ضَارب بهَا على كَذَا معِين صفة المَال فَلَا يَصح: ضَارب بِأحد هذَيْن تَسَاوِي مَا فيهمَا أَو اخْتلف، مَعْلُوم قدره فَلَا يَصح بصرة دَرَاهِم أَو دَنَانِير لِأَنَّهُ لَا بُد من الرُّجُوع إِلَى رَأس المَال ليعلم الرِّبْح، وَلَا يُمكن ذَلِك مَعَ جَهله لمن يتجر فِيهِ أَي المَال مُتَعَلق بِدفع جُزْء مُتَعَلق بيتجر مَعْلُوم مشَاع من ربحه كنصفه أَو عشره.
وَهِي أَمَانَة ووكالة، فَإِن ربحت فشركة وَإِن فَسدتْ فإجارة أَي كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَة، لِأَن الرِّبْح كُله لرب المَال وللعامل أُجْرَة مثله نَص عَلَيْهِ.
وَلَو خسر المَال.
وَإِن تعدى فَغَضب.
قَالَ فِي الْهدى: الْمضَارب أَمِين وأجير ووكيل وَشريك.
فأمين إِذا قبض المَال، ووكيل إِذا تصرف فِيهِ، وأجير فِيمَا يباشره من الْعَمَل بِنَفسِهِ، وَشريك إِذا ظهر فِيهِ الرِّبْح.
انْتهى.
وَلَيْسَ لَهُ شِرَاء من يعْتق على رب المَال بِغَيْر إِذْنه فَإِن فعل صَحَّ وَعتق وَضمن ثمنه، وَإِن لم يعلم أَنه يعْتق على رب المَال، لِأَنَّهُ إِتْلَاف، فَإِن كَانَ بِإِذن انْفَسَخت فِي قدر ثمنه لتلفه، فَإِن كَانَ ثمنه كل المَال
انْفَسَخت كلهَا.
وَإِن كَانَ فِي المَال ربح أَخذ حِصَّته مِنْهُ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ وَلَا نَفَقَة لِلْعَامِلِ إِلَّا بِشَرْط نصا.
فَإِن شرطت مُطلقَة وَاخْتلفَا فَلهُ نَفَقَة مثله عرفا من طَعَام وَكِسْوَة، وَإِن تعدد رب المَال فَهِيَ على قدر مَا لكل مِنْهُمَا أَو مِنْهُم إِلَّا أَن يشترطها بعض أَرْبَاب المَال من مَاله عَالما بِالْحَال فتختص بِهِ.
وَإِن ضَارب الْعَامِل أَي أَخذ مُضَارَبَة لآخر فأضر اشْتِغَاله بِالْعَمَلِ فِي المَال الثَّانِي رب المَال الأول حرم عَلَيْهِ ذَلِك، لِأَنَّهُ يمنعهُ مَقْصُود الْمُضَاربَة من طلب النَّمَاء والحظ، وَإِن لم يضر بِالْأولِ بِأَن كَانَ مَال الثَّانِي يَسِيرا لَا يشغل عَن الْعَمَل فِي مَال الأول جَازَ.
وَإِن ضَارب الآخر بِحَيْثُ يضر الأول رد الْعَامِل حِصَّته من الْمُضَاربَة فِي الشّركَة أَو شركَة الأول نصا فَيدْفَع لرب الْمُضَاربَة الثَّانِيَة نصِيبه من الرِّبْح وَيَأْخُذ نصيب الْعَامِل فيضم لربح الْمُضَاربَة الأولى ويقتسمه مَعَ رَبهَا على مَا شرطاه لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّه بِالْمَنْفَعَةِ الَّتِي اسْتحقَّت العقد الأول.
ورده صَاحب الْمُغنِي كَمَا ذكره صَاحب الْمُنْتَهى فِي شَرحه وَإِن تلف رَأس المَال أَو تلف بعضه أَو تعيب بعد تصرف فِيهِ أَو خسر بِسَبَب مرض أَو تغير صفة أَو نزُول سعر جبر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول رَأس المَال من ربح بَاقِيه قبل قسْمَة أَي الرِّبْح ناضا أَو قبل تنضيضه مَعَ محاسبته نصا.
وَالْعَامِل أَمِين فَيصدق بِيَمِينِهِ فِي قدر رَأس المَال وَربح وَعَدَمه وهلاك وخسران.
وَلَو أقرّ بِرِبْح ثمَّ ادّعى تلفا أَو خسارة قبل قَوْله لِأَنَّهُ أَمِين إِلَّا إِن
ادّعى غَلطا أَو كذبا أَو نِسْيَانا أَو اقتراضا تمم بِهِ رَأس المَال بعد إِقْرَاره بِهِ لرَبه.
وَيقبل قَول مَالك فِي عدم رد مَال الْمُضَاربَة إِن ادّعى عَامل رده إِلَيْهِ وَلَا بَيِّنَة نصا لِأَنَّهُ مُنكر، وَلِأَن الْعَامِل قَبضه لنفع لَهُ فِيهِ أشبه الْمُسْتَعِير، وَيقبل قَوْله أَيْضا فِي قدر مَا شَرط لِلْعَامِلِ.
وَيجوز دفع عبد أَو دَابَّة لمن يعْمل عَلَيْهِ بِجُزْء من أجرته وخياطة ثوب أَو نَسِيج غزل أَو حصاد زرع أَو رضَاع قن أَو اسْتِيفَاء مَال وَنَحْو ذَلِك بِجُزْء مشَاع مِنْهُ.
وَدفع دَابَّة أَو نحل لمن يقوم بهما مُدَّة مَعْلُومَة بِجُزْء مِنْهُمَا والنماء ملك لَهما.
بِجُزْء من النَّمَاء كالدر والنسل وَالصُّوف وَالْعَسَل.
وَالضَّرْب الثَّالِث من الشّركَة شركَة الْوُجُوه وَهِي أَن يشتركا بِلَا مَال فِي ربح مَا يشتريان فِي ذمتهما بجاهليهما أَي بوجهيهما وثقة التُّجَّار بهما، سميت بذلك لِأَنَّهُمَا يعاملان فِيهَا بوجوهما والجاه وَالْوَجْه وَاحِد يُقَال: فلَان وجيه أَي ذُو جاه.
وَهِي جَائِزَة لاشتمالها على مصلحَة بِلَا مضرَّة.
وَلَا يشْتَرط لصحتها ذكر مَا يشتريانه وَلَا قدره وَلَا وَقت الشّركَة، فَلَو قَالَ أَحدهمَا للْآخر كل مَا اشْتريت من شَيْء فبيننا وَقَالَهُ الآخر صَحَّ.
وكل وَاحِد من شَرِيكي الْوُجُوه وَكيل الآخر فِي بيع وَشِرَاء وكفيله بِالثّمن لِأَن مبناها على الْوكَالَة وَالْكَفَالَة، وَيكون الْملك بَينهمَا على مَا شرطاه لحَدِيث (الْمُؤْمِنُونَ عِنْد شروطهم) وَالرِّبْح كَذَلِك، والوظيفة على قدر الْملك، فَمن لَهُ الثُّلُثَانِ فَعَلَيهِ ثلثا الْوَظِيفَة، وَمن لَهُ الثُّلُث فَعَلَيهِ
ثلثهَا سَوَاء كَانَ الرِّبْح كَذَلِك أَو لَا لِأَن الْوَظِيفَة تخص رَأس المَال وَهُوَ مُخْتَصّ بملاكه فيوزع عَلَيْهِم على قدر الحصص، وتصرفهما كتصرف شَرِيكي عنان فِيمَا يُوجب لَهما وَعَلَيْهِمَا.
وَالضَّرْب الرَّابِع من الشّركَة شركَة الْأَبدَان سميت بذلك لاشْتِرَاكهمَا فِي عمل أبدانهما وَهِي نَوْعَانِ: أَحدهمَا أَن يشتركا فِيمَا يتملكان بأبدانهما من مُبَاح كاصطياد وَنَحْوه كاحتشاش واحتطاب وتلصص على دَار حَرْب وَنَحْو ذَلِك.
وَالثَّانِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله أَو يشتركا فِيمَا يتقبلان أَي الشريكان فِي ذممهما من عمل كخياطة وقصارة وحدادة وَنَحْوهَا، وَإِن قَالَ أَحدهمَا: أَنا أتقبل وَأَنت تعْمل وَالْأُجْرَة بَيْننَا صَحَّ لِأَن تقبل الْعَمَل يُوجب الضَّمَان على المتقبل وَيسْتَحق بِهِ الرِّبْح فَصَارَ كتقبله المَال فِي الْمُضَاربَة، وَالْعَمَل يسْتَحق بِهِ الْعَامِل الرِّبْح كعمل الْمضَارب فَينزل منزلَة الْمُضَاربَة فَمَا تقبله أَحدهمَا أَي الشريكان لزمهما عمله وطولبا بِهِ لِأَن مبناها على الضَّمَان فَكَأَنَّهَا تَضَمَّنت ضَمَان كل وَاحِد مِنْهُمَا عَن الآخر مَا يلْزمه.
وَلكُل من الشَّرِيكَيْنِ طلب أُجْرَة عمله وَلَو تقبله شَرِيكه، وَيبرأ مُسْتَأْجر بدفعها لأَحَدهمَا، وَتلف الْأُجْرَة بيد أَحدهمَا بِلَا تَفْرِيط مِنْهُ عَلَيْهِمَا، وَإِقْرَار أَحدهمَا بِمَا فِي يَده تقبل عَلَيْهِمَا، وَيقسم الْحَاصِل من الْمُبَاح كَمَا شرطا عِنْد العقد من تساو وتفاضل، وَلَا يشْتَرط اتِّفَاق صَنْعَة وَلَا مَعْرفَتهَا، فَلَو اشْترك شخصان لَا يعرفان الْخياطَة فِي تقبلهَا ويدفعان مَا تقبلاه لمن يعمله وَمَا بَقِي من الْأُجْرَة لَهما صَحَّ وَإِن ترك أَحدهمَا أَي الشريكان الْعَمَل مَعَ شَرِيكه لعذر أَو لَا
بِأَن كَانَ حَاضرا صَحِيحا فالكسب بَينهمَا على مَا شرطا وَيلْزم من عذر بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول أَي حصل لَهُ عذر من نَحْو مرض فِي ترك عمل مَعَ شَرِيكه أَن يُقيم مقَامه بِطَلَب شَرِيكه أَو أَي وَيلْزم من لم يعرف الْعَمَل بالصنعة أَن يُقيم مقَامه عَارِفًا ليعْمَل مَا لزمَه للْمُسْتَأْجر بِطَلَب شريك.
وَيصِح جمع بَين شركَة عنان وأبدان ووجوه ومضاربة.
وَالضَّرْب الْخَامِس من الشّركَة شركَة الْمُفَاوضَة وَهُوَ لُغَة الِاشْتِرَاك فِي كل شَيْء، وَشرعا قِسْمَانِ: صَحِيح، وَهُوَ نَوْعَانِ: الأول مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله أَن يُفَوض كل من الشَّرِيكَيْنِ فَأكْثر إِلَى صَاحبه كل تصرف مَالِي كَبيع وَشِرَاء فِي الذِّمَّة ومضاربة وتوكيل ومسافرة بِالْمَالِ وارتهان وَضَمان أَي تقبل مَا يرى من الْأَعْمَال.
وَالنَّوْع الثَّانِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَأَن يشتركا فِي كل مَا يثبت لَهما وَعَلَيْهِمَا، فَتَصِح إِن لم يدخلا فِيهَا أَي الشّركَة كسبا نَادرا كوجدان لقطَة وركاز وَمَا يحصل لَهما من الْمِيرَاث أَو يلْزم أَحدهمَا من ضَمَان وغصب وَأرش جِنَايَة وَنَحْو ذَلِك.
الْقسم الثَّانِي: فَاسد، وَهُوَ مَا إِذا أدخلا فِيهَا كسبا نَادرا أَو نَحوه، وَحَيْثُ فَسدتْ فَلِكُل مِنْهُمَا ربح مَاله وَأُجْرَة عمله، وَمَا يستفيده لَهُ لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره لفساد الشّركَة، وَيخْتَص بِضَمَان مَا غصبه أَو جناه أَن ضمنه عَن الْغَيْر وَكلهَا أَي الْخَمْسَة الأضرب جَائِزَة، وَلَا ضَمَان فِيهَا إِلَّا بتعد أَو تَفْرِيط.
فصل.
وَتَصِح الْمُسَاقَاة وَهِي مفاعلة من السَّقْي لكَونه أهم أمرهَا بالحجاز لِأَن النّخل تسقى بِهِ نضحا من الْآبَار فتكثر مشقته.
وَشرعا عمل على شجر مَعْلُوم لَهُ ثَمَر يُؤْكَل فَلَا تصح على قطن ومقائي وَمَا لَا سَاق لَهُ وَمَا لَا ثَمَر لَهُ مَأْكُول كالصفصاف والسرو وَلَو كَانَ لَهُ زهر يقْصد كنرجس وياسمين.
وَتَصِح الْمُسَاقَاة على ثَمَرَة مَوْجُودَة لم تكمل بِجُزْء مشَاع مَعْلُوم مِنْهَا أَي الثَّمَرَة، فَلَا تصح الْمُسَاقَاة إِن جعل لِلْعَامِلِ كل الثَّمَرَة، وَلَا جُزْءا مُبْهما كسهم وَنصِيب، وَلَا آصعا وَلَو مَعْلُومَة أَو دَرَاهِم، وَلَا ثَمَرَة شَجَرَة فَأكْثر مُعينَة.
وَإِن كَانَ فِي الْبُسْتَان أَجنَاس وَجعل لَهُ من كل جنس جُزْءا مشَاعا مَعْلُوما كَنِصْف البلح وَثلث الْعِنَب وَربع الرُّمَّان وَهَكَذَا جَازَ أَو مُسَاقَاة على بساتين أَحدهمَا بِالنِّصْفِ وَالْآخر بِالثُّلثِ وَنَحْوه، أَو ساقاه على بُسْتَان وَاحِد ثَلَاث سِنِين، السّنة الأولى بِالنِّصْفِ وَالثَّانيَِة بِالثُّلثِ، وَالثَّالِثَة بِالربعِ وَنَحْوه جَازَ.
وَتَصِح الْمُسَاقَاة على البعل من الشّجر كَالَّذي يحْتَاج للسقي.
وَتَصِح إِجَارَة أَرض بِجُزْء مشَاع مَعْلُوم مِمَّا يخرج مِنْهَا طَعَاما كَانَ كبر أَو غير طَعَام كقطن،
وَتَصِح المناصبة وَهِي المغارسة وَهِي دفع شجر مَعْلُوم لَهُ ثَمَر مَأْكُول بِلَا غرس مَعَ أرضه لمن يغرسه فِيهَا وَيعْمل عَلَيْهِ حَتَّى يُثمر بِجُزْء مشَاع مَعْلُوم من الثَّمَرَة أَو من الشّجر أَو من كل مِنْهُمَا أَي الثَّمَرَة وَالشَّجر نصا.
وَيعْتَبر كَون عاقديها جائزي التَّصَرُّف فَإِن مَاتَ أَحدهمَا أَو فسخ مَالك الْمُسَاقَاة قبل ظُهُور ثَمَرَة وَبعد شُرُوع فِي عمل فلعامل أجرته أَي أُجْرَة مثل عمله لاقْتِضَاء العقد الْعِوَض الْمُسَمّى، وَلم يرض بِإِسْقَاط حَقه مِنْهُ لِأَن الْمَوْت لم يَأْته بِاخْتِيَارِهِ، وَلِأَن الْمَالِك هُوَ الَّذِي مَنعه من إتْمَام الْعَمَل، فَإِذا تعذر الْمُسَمّى رَجَعَ إِلَى أُجْرَة الْمثل، وَفَارق ذَلِك فسخ رب المَال الْمُضَاربَة قبل ظُهُور الرِّبْح، لِأَن الْعَمَل هَهُنَا منفض إِلَى ظُهُور الثَّمَرَة غَالِبا بِخِلَاف الْمُضَاربَة فَإِنَّهُ لَا يعلم إفضاؤها إِلَى الرِّبْح.
وَإِن بَان الشّجر مُسْتَحقّا فَلهُ أُجْرَة مثله أَو أَي وَإِن فسخ عَامل الْمُسَاقَاة أَو هرب قبل ظُهُور الثَّمَرَة فَلَا شَيْء لَهُ أَي الْعَامِل، وَإِن ساقاه إِلَى مُدَّة تكمل فِيهَا الثَّمَرَة فَلم تحمل تِلْكَ السّنة فَلَا شَيْء لِلْعَامِلِ.
وتملك الثَّمَرَة بظهورها فَيجب على عَامل تَمام الْعَمَل إِذا فسخت الْمُسَاقَاة بِفَسْخ أَحدهمَا أَو مَوته وَنَحْوه بعد أَي الظُّهُور، كالمضارب بِبيع الْعرُوض بعد فسخ الْمُضَاربَة وَظُهُور الرِّبْح لينض المَال، فَإِن ظَهرت ثَمَرَة بعد الْفَسْخ فَلَا شَيْء لَهُ فِيهَا.
قَالَ المنقح: فَيُؤْخَذ مِنْهُ دوَام الْعَمَل على الْعَامِل فِي المناصبة وَلَو فسخت إِلَى أَن تبيد.
وَالْوَاقِع كَذَلِك.
ذكره فِي الْمُنْتَهى.
وعَلى عَامل فِي مُسَاقَاة ومزارعة ومغارسة عِنْد الْإِطْلَاق كل مَا فِيهِ نمو أَو صَلَاح للثمر وَالزَّرْع من سقِِي واستقاء وحرث وآلته وبقره وزبار وَقطع مَا يحْتَاج إِلَى قطعه وتسوية الثَّمَرَة وَإِصْلَاح الْحفر الَّتِي يجْتَمع فِيهَا المَاء على أصُول النّخل وإدارة الدولاب والتلقيح والتجفيف وَإِصْلَاح طرق المَاء وتفريق الزبل وَنقل الثَّمر وَنَحْوه لجرين، وَعَلِيهِ أَيْضا حصاد وَنَحْوه كدياس ولقاط وتصفية حب زرع لِأَن هَذَا كُله من الْعَمَل، وعَلى رب أصل حفظ الأَصْل كسد حَائِط وَنَحْوه كتحصيل زبل وسباخ، وَعَلَيْهِمَا أَي الْمَالِك وَالْعَامِل بِقدر حصتيهما جذاذ نصا أَي قطع ثَمَرَة وَيصِح شَرطه على عَامل نصا وَيتبع الْعرف فِي الكلف السُّلْطَانِيَّة مَا لم يكن شَرط فَيتبع، فَمَا عرف أَخذه من رب المَال فَهُوَ عَلَيْهِ وَمَا عرف أَخذه من الْعَامِل كَانَ عَلَيْهِ.
وَتَصِح الْمُزَارعَة، وَهِي دفع أَرض وَحب لمن يزرعه وَيقوم عَلَيْهِ أَو مزروع ليعْمَل عَلَيْهِ بِجُزْء مشَاع مَعْلُوم مِمَّا يخرج من الأَرْض وَتسَمى مخابرة من الخبار بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة وَهِي الأَرْض اللينة والمؤاكرة، وَالْعَامِل فِيهَا خَبِير وأكار ومؤاكر، وَلَو غير مَأْكُول كغرة وَنَحْوهَا بِشَرْط علم بذر كقمح مثلا وَعلم قدره أَي الْبذر معاقدة على عمل فَلم يجز على غير مُقَدّر كَالْإِجَارَةِ، وَيشْتَرط كَونه أَي الْبذر من رب الأَرْض نصا فَلَا يَصح كَون
الْبذر من عَامل أَو مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا وَالْأَرْض لَهما، وَلَا الْعَمَل من وَاحِد وَالْبذْر من الآخر، ولاالأرض من وَاحِد وَالْعَمَل من ثَان وَالْبذْر من ثَالِث وَالْبَقر من رَابِع، أَو الأَرْض وَالْبذْر وَالْبَقر من وَاحِد وَالْمَاء من الآخر.
وَيكرهُ الْحَصاد والجذاذ لَيْلًا خشيَة الضَّرَر.
فصل.
الْإِجَارَة مُشْتَقَّة من الْأجر وَهُوَ الْعِوَض، وَمِنْه سمى الثَّوَاب أجرا لِأَن الله تَعَالَى يعوض العَبْد على طَاعَته أَو صبره عَن مَعْصِيَته.
وَهِي فِي اللُّغَة المجازاة يُقَال: آجره على عمله إِذا جازاه عَلَيْهِ.
وَشرعا عقد على مَنْفَعَة مُبَاحَة مَعْلُومَة مُدَّة مَعْلُومَة من عين مُعينَة كسكني هَذِه الدَّار سنة، أَو مَوْصُوفَة فِي الذِّمَّة كدابة صفتهَا كَذَا للْحَمْل أَو الرّكُوب سنة، أَو على عمل مَعْلُوم كحمله إِلَى مَوضِع كَذَا بعوض مَعْلُوم، وَيَأْتِي بَيَان ذَلِك.
وتنعقد بِلَفْظ إِجَارَة وكرى كآجرتك وأكريتك وستأجرت واكتريت، وَمَا بمعناهما كأعطيتك أَو مَلكتك نفع هَذِه الدَّار سنة بِكَذَا.
وَلَا تصح إِلَّا من جَائِز التَّصَرُّف.
وَتَصِح الْإِجَارَة بِثَلَاثَة شُرُوط: أَحدهَا معرفَة مَنْفَعَة لِأَنَّهَا الْمَعْقُود عيها، فَاشْترط فِيهَا الْعلم كَالْبيع إِمَّا بعرف كسكني الدَّار شهرا وَنَحْوه، وَإِمَّا بِوَصْف كحمل زبرة حَدِيد وَزنهَا كَذَا إِلَى مَحل كَذَا وَبِنَاء حَائِط يذكر طوله وَعرضه وسمكه وآلته.
وَتَصِح إِجَارَة أَرض مُعينَة بِرُؤْيَة لزرع أَو غرس أَو بِنَاء مَعْلُوم،
أَو لزرع أَو غرس أَو بِنَاء مَا شَاءَ، أَو لزرع أَو لغرس أَو لبِنَاء، ويسكت.
وَله فِي الأولى زرع مَا شَاءَ، وَفِي الثَّانِيَة غرس مَا شَاءَ، وَفِي الثَّالِثَة بِنَاء مَا شَاءَ كَأَنَّهُ اسْتَأْجرهَا لأكْثر من ذَلِك ضَرَرا، أَو يَقُول آجرتك الأَرْض وَيُطلق وَتصْلح للْجَمِيع.
قَالَ الشَّيْخ 16 (تَقِيّ الدّين ابْن تَيْمِية) : إِن أطلق وَقَالَ انْتفع بهَا بِمَا شِئْت فَلهُ زرع وغرس وَبِنَاء.
انْتهى.
وَإِن كَانَت الْإِجَارَة لركوب اشْترط مَعَ ذكر الْموضع المركوب إِلَيْهِ معرفَة رَاكب بِرُؤْيَة أَو صفة، وَذكر جنس مركوب كمبيع، وَمَعْرِفَة مَا يركب بِهِ من سرج وَغَيره، وَكَيْفِيَّة السّير من هملاج وَغَيره، لَا ذكرريته أَو أنوثيته أَو نَوعه، وَيشْتَرط لحمل مَا يتَضَرَّر كخزف وَنَحْوه معرفَة حامله، وَمَعْرِفَة حَامِل لمحمول بِرُؤْيَة أَو صفة، وَذكر جنسه وَقدره، ولحرث معرفَة أَرض بِرُؤْيَة.
وَالشّرط الثَّانِي إباحتها أَي الْمَنْفَعَة الْمَعْقُود عَلَيْهَا مُطلقًا بِلَا ضَرُورَة، بِخِلَاف جلد ميتَة أَو إِنَاء ذهب أَو فضَّة لِأَنَّهُ لَا يُبَاح إِلَّا عِنْد الضَّرُورَة لعدم غَيره، فَلَا تصح الْإِجَارَة على الزِّنَا وَالزمر والغناء والنياحة، وَلَا إِجَارَة الدَّار لتجعل كَنِيسَة أَو بَيت نَار أَو لبيع الْخمر والقمار وَسَوَاء شَرط ذَلِك فِي العقد أَو لَا، وَأَن يكون النَّفْع مَقْصُودا، مُتَقَوّما، يَسْتَوْفِي دون اسْتِهْلَاك الْأَجْزَاء، مَقْدُورًا عَلَيْهِ لمستأجر.
وَلَا تصح على آنِية وشمع لتجمل، وتفاح لشم، وشمع لشغل، وصابون لغسل، وديك ليوقظه لصَلَاة، فَلَا يَصح نصا لِأَنَّهُ يقف على فعل الديك وَلَا يُمكن استخراجه مِنْهُ بِضَرْب وَلَا غَيره، وَلَا اسْتِئْجَار دَابَّة لركوب مؤجر.
وَالْمَنْفَعَة الْمُبَاحَة ككتاب حَدِيث أَو فقه أَو شعر مُبَاح أَو لُغَة أَو صرف أَو نَحْو ذَلِك لنظر وَقِرَاءَة وَنقل أَو بِهِ خطّ حسن يكْتب عَلَيْهِ ويتمثل مِنْهُ لِأَنَّهُ تجوز إعارته لذَلِك فجازت إِجَارَته.
وَلَا تصح إِجَارَة مصحف وَلَا طير لسَمَاع صَوته وَلَا طَعَام أَو شراب لأكل أَو شرب وَلَا كلب أَو خِنْزِير وَلَو كَانَ يصيد أَو يحرس.
وَيدخل نقع بِئْر وَحبر نَاسخ وخيط خياط وكحل كَحال وصبغ صباغ ودبغ دباغ تبعا للْعَمَل لَا أَصَالَة، فَلَو غَار مَاء بِئْر دَار مأجورة فَلَا فسخ لمستأجر.
وَالشّرط الثَّالِث معرفَة أُجْرَة لِأَنَّهُ عوض فِي عقد مُعَاوضَة فَاعْتبر علمه كَالثّمنِ، إِلَّا أَجِيرا وظئرا استؤجرا بطعامهما وكسوتهما فَيصح، وَكَذَا لَو استأجرهما بِدَرَاهِم مَعْلُومَة وَشرط مَعهَا طعامهما وكسوتهما، وهما عِنْد التَّنَازُع كَزَوْجَة فَلَهُمَا نَفَقَة مثلهمَا، وَشرط معرفَة مرتضع بمشاهدة وأمد رضَاع ومكانه، لِأَنَّهُ يشق عَلَيْهَا الرَّضَاع فِي بَيت الْمُسْتَأْجر ويسهل فِي بَيتهَا، لَا يَصح اسْتِئْجَار دَابَّة بعلفها للْجَهَالَة إِلَّا إِن اشْتَرَطَهُ مَوْصُوفا كشعير وَنَحْوه، وَقدره بِمَعْلُوم فَيجوز.
وَاخْتَارَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَجمع الصِّحَّة مُطلقًا كاستئجار الْأَجِير بطعامه.
انْتهى.
وَلَا من يسلخها لِأَنَّهُ لَا يعلم أيخرج سليما أَو لَا وَهل ثخين أَو رَقِيق، فَإِن سلخه على ذَلِك فَلهُ أُجْرَة مثله، وَلَا أَن يرعاها بِجُزْء من نمائها أَو يطحن كربر بقفيز مِنْهُ للْجَهَالَة
وَإِن دخل الشَّخْص حَماما أَو ركب سفينة أَو أعْطى ثَوْبه خياطا أَو قصارا أَو صباغا وَنَحْوه كَمَا لَو اسْتعْمل دلالا أَو حمالا أَو حلاقا بِلَا عقد مَعَه صَحَّ ذَلِك وَله أَي لمن فعل ذَلِك أُجْرَة مثل عمله، وَمَا يَأْخُذهُ حمامي فَهُوَ أُجْرَة مَحل وسطل ومئزر، وَالْمَاء تبع.
وَهِي أَي الْإِجَارَة ضَرْبَان: أَحدهمَا إِجَارَة عين، وَشرط فِيهَا مَعْرفَتهَا أَي الْعين الْمُؤجرَة للعاقدين بِرُؤْيَة أَو صفة، وَشرط قدرَة من الْمُؤَجّر على تَسْلِيمهَا أَي الْعين، وَشرط عقد فِي غير ظئر على نَفعهَا أَي الْعين دون أَجْزَائِهَا وَلَا تصح إِجَارَة الطَّعَام للْأَكْل كَمَا تقدم، وَشرط اشتمالها على النَّفْع الْمَقْصُود مِنْهَا فَلَا تصح فِي زمنة لحمل أَو سبخَة لزرع.
وَشرط كَونهَا أَي الْعين الْمُؤجرَة ملكا لمؤجر أَو كَونه ماذونا لَهُ فِيهَا بطرِيق الْولَايَة كحاكم يُؤجر مَال سَفِيه أَو غَائِب أَو وَقفا لَا نَاظر لَهُ، أَو من قبل شخص معِين كناظر خَاص أَو وَكيل فِي إِجَارَة، لِأَنَّهَا بيع فَاشْترط فِيهَا ذَلِك كَبيع الْأَعْيَان وَإِجَارَة الْعين الْمَعْقُود عَلَيْهَا مُعينَة كَانَت أَو مَوْصُوفَة فِي الذِّمَّة قِسْمَانِ: أَحدهمَا أَن تكون إِلَى أمد كآجرتك هَذِه الدَّار شهرا، أَو فرسا صفته كَذَا وَكَذَا لتركبه يَوْمًا.
مَعْلُوم كشهر من الْآن أَو وَقت كَذَا لِأَنَّهُ الضابطة للمعقود عَلَيْهِ الْمُعَرّف لَهُ، وَإِن اسْتَأْجرهُ سنة وَأطلق حملت على الْأَهِلّة، لِأَنَّهَا الْمَعْهُودَة شرعا يغلب على الظَّن بَقَاؤُهَا أَي الْعين الْمُؤجرَة فِيهِ أَي الأمد وَإِن طَال.
وَالْقسم الثَّانِي من قسمي إِجَارَة الْعين أَن تكون لعمل مَعْلُوم
كإجارة دَابَّة لركوب أَو حمل عَلَيْهَا إِلَى مَوضِع معِين وللمستأجر ركُوب مؤجرة لمحل مثله فِي طَرِيق مماثل للطريق الْمَعْقُود عَلَيْهِ مَسَافَة وسهولة وَغَيرهمَا، وبشرط ضبط الْعَمَل بِمَا لَا يخْتَلف، وَعلمه لِأَنَّهُ إِن لم يكن كَذَلِك كَانَ مَجْهُولا، فَمن آجر بَهِيمَة لإدارة رحى اشْترط علمه بِالْحجرِ إِمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَو بِالصّفةِ لِأَنَّهُ يخْتَلف بالثقل والخفة، وَأَن يقدر الْعَمَل إِمَّا بِالزَّمَانِ كَيَوْم أَو بِالطَّعَامِ بِأَن يذكر جنسه وَكيله.
وَإِذا اسْتَأْجر دابتين لموضعين مُخْتَلفين اشْترط التَّعْيِين، وَيصِح اكتراء ظهر يتعاقبان عَلَيْهِ، وَمن اسْتَأْجر لكحل أَو مداواة اشْترط تَقْدِير ذَلِك بالمدة كشهر وَنَحْوه، لِأَن الْعَمَل يخْتَلف وَتَقْدِيره بِزَمن الْبُرْء مَجْهُول.
الضَّرْب الثَّانِي من ضربي الْإِجَارَة عقد على مَنْفَعَة فِي الذِّمَّة فِي شَيْء معِين أَو مَوْصُوف فَيشْتَرط تقديرها أَي الْمَنْفَعَة بِعَمَل أَو مُدَّة كبناء دَار وخياطة ثوب وَحمل شَيْء لمحل معِين وَشرط معرفَة ذَلِك وَشرط ضَبطه بِمَا لَا يخْتَلف، كخياطة ثوب
يذكر جنسه وَقدره وَصفَة الْخياطَة، وكبناء دَار يذكر آلتها وَنَحْوهَا، أَو بِنَاء حَائِط يذكر طوله وَعرضه وسمكه وَتقدم.
فَائِدَة: يَصح الِاسْتِئْجَار لتطيين الأَرْض والسطوح والحيطان وتجصيصها، وَلَا يَصح على علم معِين، لِأَن الطين يخْتَلف فِي الرقة والغلظ وَالْأَرْض مِنْهَا العالي والنازل وَكَذَلِكَ الْحِيطَان والأسطحة فَلذَلِك لم يَصح إِلَّا على مُدَّة.
وَإِن اسْتَأْجرهُ لضرب لبن احْتَاجَ إِلَى تعْيين عدد وَذكر القالب وَمَوْضِع الضَّرْب، لِأَنَّهُ يخْتَلف بِاعْتِبَار المَاء وَالتُّرَاب فَإِن كَانَ هُنَاكَ قالب
مَعْرُوف لَا يخْتَلف جَازَ، وَإِن قدره بِالْعرضِ والطول والسمك جَازَ وَلَا يَكْتَفِي بمشاهدة قالب الضَّرْب إِذْ لم يكن مَعْرُوفا لِأَنَّهُ قد يتْلف، وَشرط كَون أجِير فِيهَا أَي الْإِجَارَة آدَمِيًّا جَائِز التَّصَرُّف لِأَنَّهَا مُعَاوضَة على عمل فِي الذِّمَّة وَشرط كَون عمل مَعْقُود عَلَيْهِ لَا يخْتَص فَاعله أَن يكون من أهل الْقرْبَة وَهُوَ الْمُسلم كأذان وَإِقَامَة وإمامة وَتَعْلِيم قُرْآن وَفقه وَحَدِيث ونيابة فِي حج وَقَضَاء، وَلَا يَقع إِلَّا قربَة لفَاعِله وَيحرم أُجْرَة عَلَيْهِ لَا أَخذ جعَالَة على ذَلِك أَو على رقية نصا.
وللمستأجر اسْتِيفَاء للنفع بِنَفسِهِ أَو بِمثلِهِ بإعارة أَو غَيرهَا، وَلَو شَرط عَلَيْهِ اسْتِيفَاء الْمَنْفَعَة بِنَفسِهِ فسد الشَّرْط وَلم يلْزمه الْوَفَاء بِهِ.
وَيشْتَرط مماثلة رَاكب فِي طول وَقصر وَغَيره لَا معرفَة ركُوب، وَمن اكترى أَرضًا لزرع الْحِنْطَة فَلهُ زرع الشّعير وَنَحْوه لَا دخن وذرة وقطن وَنَحْوهَا، لِأَنَّهُ أَكثر ضَرَرا من الْحِنْطَة، وَلَا يملك غرسا وَلَا بِنَاء، وَإِن اسْتَأْجرهَا لأَحَدهمَا لم يملك الآخر، ولغرس لَهُ الزَّرْع لِأَنَّهُ أقل ضَرَرا وَتقدم.
وَإِن اسْتَأْجر داردا للسُّكْنَى لم يعْمل فِيهَا حدادة وَلَا قصارة وَلَا يسكنهَا دَابَّة وَلَا يَجْعَلهَا مخزنا لطعام.
وَإِن اكترى دَابَّة لركوب أَو حمل لَا يملك الآخر، أَو لحمل قطن أَو حَدِيد لَا يملك حمل الآخر، فَإِن فعل مكتر مَالا يملكهُ أَو سلك طَرِيقا أشق فَعَلَيهِ الْأجر الْمُسَمّى مَعَ تفَاوت المنتفعين فِي أُجْرَة الْمثل.
فَإِذا كَانَت الأَرْض أجرتهَا لزرع الْبر ثَمَانِيَة وللدخن عشرَة فَيَأْخُذ مؤجر مَعَ مَا وَقع عَلَيْهِ العقد اثْنَيْنِ نصا.
لِأَنَّهُ لما عين الْبر مثلا لم يتَعَيَّن فَإِذا زرع مَا يزِيد عَلَيْهِ
ضَرَرا فقد استوفى الْمَنْفَعَة وَزِيَادَة عَلَيْهَا فَوَجَبَ الْمُسَمّى للمنفعة والتفاوت فِي أُجْرَة الْمثل للزِّيَادَة.
وَمن اكترى لحمولة قدر كمائة رَطْل حَدِيد فَزَاد عَلَيْهِ، أَو اكترى ليركب أَو يحمل إِلَى مَوضِع فجاوزه فَعَلَيهِ الْمُسَمّى، ولزائد أُجْرَة مثله، وَإِن تلفت دَابَّة فِي زِيَادَة أَو بعد ردهَا إِلَى مَكَان عينه أَو بعد وضع الْحمل عَنْهَا فعلى الْمُكْتَرِي قيمتهَا كلهَا، وَلَو أَنَّهَا بيد صَاحبهَا بِأَن كَانَ مَعهَا وَلم يرض بذلك إناطة للْحكم بِالتَّعَدِّي، وسكوت رَبهَا لَا يدل على رِضَاهُ، كَمَا لَو بيع مَاله أَو خرق ثَوْبه وَهُوَ سَاكِت وَلِأَن الْيَد للراكب أَو صَاحب الْحمل.
وَلَا يضمن مُسْتَأْجر إِن تلفت بيد صَاحبهَا وَلَيْسَ لمستأجر عَلَيْهَا شَيْء بِسَبَب غير حَاصِل من الزِّيَادَة.
وعَلى مؤجر على الْإِطْلَاق كل مَا جرت بِهِ عَادَة وَعرف من آلَة كزمام مركوب وَشد وَرفع وَحط لمحمول لِأَنَّهُ الْعرف وَبِه يتَمَكَّن الْمُكْتَرِي من الِانْتِفَاع، وَعَلِيهِ أَيْضا رَحْله نصا وحزامه وقتبه وقوده وسوقه وَلُزُوم دَابَّة لنزول لحَاجَة وواجب وتبريك بعير لامْرَأَة وَشَيخ ومريض وَمَا يتَمَكَّن بِهِ مُسْتَأْجر من نفع، كترميم دَار بإصلاح منكسر وَإِقَامَة مائل وَعمل بَاب وتنظيف سطح من نَحْو ثلج وتطيينه.
وعَلى مكتر بِمَعْنى أَنه لَا يلْزم الْمُؤَجّر بل إِن أَرَادَهُ مكتر فَمن مَاله نَحْو محمل قَالَ فِي الْقَامُوس: كمجلس شقتان على بعير يحمل فيهمَا العديلان ومظلة بِكَسْر الْمِيم وَفتحهَا الْكَبِير من الأخبية قَالَه فِي الْقَامُوس، ووطاء فَوق الرحل وحبل الْقرَان بَين المحملين، وَدَلِيل جهلا الطَّرِيق وحبل ودلو وبكرة
وَعَلِيهِ أَيْضا تعزيل نَحْو بالوعة وكنيف وَدَار من قمامة وزبل ورماد إِن تسلمها الْمُكْتَرِي فارغة مِمَّا ذكر، وعَلى مكر تَسْلِيمهَا أَي الْمُؤجرَة كَذَلِك أَي فارغة بالوعتها وكنيفها وَنَحْوه لِأَنَّهُ لَا يُمكن الِانْتِفَاع بذلك مَعَ إمتلائه.
وَتَسْلِيم مِفْتَاح وَهُوَ أَمَانَة بيد مُسْتَأْجر فَإِن ضَاعَ من غير تَفْرِيط مُعلى مؤجر بدله.
3 - (
فصل
)
. وَهِي الْإِجَارَة عقد لَازم من الطَّرفَيْنِ لَيْسَ لأَحَدهمَا فَسخهَا بِلَا مُوجب لِأَنَّهَا عقد مُعَاوضَة كَالْبيع فَإِن تحول مُسْتَأْجر من الْمُؤَجّر فِي أثْنَاء الْمدَّة بِلَا عذر أَو لم يكن فِيهَا لعذر يخْتَص بِهِ أَو لَا فَعَلَيهِ كل الْأُجْرَة، وَإِن حوله الْمُسْتَأْجر مَالك أَو امْتنع الْأَجِير من تَكْمِيل الْعَمَل فَلَا شَيْء لَهُ لما عمله قبل، لِأَن كلا مِنْهُمَا لم يسلم إِلَى الْمُسْتَأْجر مَا وَقع عَلَيْهِ عقد الْإِجَارَة فَلم يسْتَحق شَيْئا، وَإِن شَردت مؤجرة أَو تعذر اسْتِيفَاء بَاقِي النَّفْع بِغَيْر فعل أَحدهمَا فعلى الْمُسْتَأْجر من الْأُجْرَة بِقدر مَا استوفى، وَإِن هرب أجِير ومؤجر عين بهَا أَو شَردت دَابَّة مؤجرة قبل اسْتِيفَاء بعض نَفعهَا حَتَّى انْقَضتْ مُدَّة الْإِجَارَة انْفَسَخت، فَلَو كَانَت على مَوْصُوف بِذِمَّة كخياطة ثوب اسْتَأْجر من مَاله من يُعلمهُ فَإِن تعذر خير مُسْتَأْجر بَين فسخ وصبر، وَإِن مَاتَ أَو هرب وَترك بهائمه الَّتِي أكراها وَله مَال أنْفق عَلَيْهَا مِنْهُ حَاكم، وَإِن لم يكن لَهُ مَال وَأنْفق مؤجر بِإِذن حَاكم أَو نِيَّة رُجُوع وَلَو بِدُونِ إِذن حَاكم رَجَعَ لقِيَامه عَنهُ بِوَاجِب، فَإِذا انْقَضتْ الْإِجَارَة بَاعهَا حَاكم ووفى مَا أنفقهُ على الْبَهَائِم وَحفظ بَاقِي ثمنهَا لمَالِكهَا.
وتنفسخ الْإِجَارَة بِتَلف مَعْقُود عَلَيْهِ كدابة مَاتَت أَو دَار انْهَدَمت،
قبضهَا الْمُسْتَأْجر أَو لَا، لزوَال الْمَنْفَعَة بِتَلف الْمَعْقُود عَلَيْهِ، وَقَبضهَا إِنَّمَا يكون باستيفائها أَو التَّمَكُّن مِنْهُ وَلم يحصل ذَلِك.
وَإِن تلف مؤجر فِي الْمدَّة وَقد مضى مِنْهَا مَاله أُجْرَة انْفَسَخت فِيمَا بقى، وتنفسخ الْإِجَارَة ب موت مرتضع أَو امْتِنَاعه من الرَّضَاع مِنْهَا لتعذر اسْتِيفَاء الْمَعْقُود عَلَيْهِ، لِأَن غَيره لَا يقوم مقَامه فِي الارتضاع لاخْتِلَاف المرتضعين فِيهِ وَقد يدر اللَّبن على وَاحِد دون آخر وَكَذَا إِن مَاتَت الْمُرضعَة وتنفسخ أَيْضا ب انقلاع ضرس اكترى لقلعه أَو ببرئه فَأن لم يبرأ وَامْتنع من قلعه لم يجْبر وَنَحْوه أَي نَحْو مَا ذكر كمن اُسْتُؤْجِرَ ليقتص من آخر أَو يحده فَمَاتَ، أَو ليداويه فبرىء أَو مَاتَ، وَسَوَاء كَانَ التّلف بِفعل آدَمِيّ كقتله العَبْد الْمُؤَجّر أَو بِغَيْر فعل أحد كموته حتف أَنفه، وَسَوَاء كَانَ الْقَاتِل الْمُسْتَأْجر أَو غَيره، وَيضمن مَا أتلف كَالْمَرْأَةِ تقطع ذكر زَوجهَا وتملك الْفَسْخ، وَلَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة بِبيع الْعين الْمُؤجرَة وَيصِح بيعهَا ولمشتر لم يعلم فسخ وإمضاء مجَّانا، وَلَا بهبتها وَلَو لمستأجر وَلَا بوقفها وَلَا بانتقال الْملك فِيهَا بِإِرْث أَو وَصِيَّة أَو نِكَاح أَو خلع أَو طَلَاق أَو صلح وَنَحْوه وَلَا يضمن أجِير خَاص وَهُوَ من قدر نَفعه بالزمن وَيَأْتِي مَا جنت فِيهِ يَده خطأ مَا لم يَتَعَدَّ أَو يفرط وَلَا يضمن نَحْو حجام وطبيب وبيطار وختان خَاصّا كَانَ أَو مُشْتَركا عرف حذقهم لأَنهم إِذا لم يَكُونُوا كَذَلِك لم تحل لَهُم مُبَاشرَة الْفِعْل فيضمنون سرايته كَمَا لَو تعدوا بِهِ إِن أذن فِيهِ أَي الْفِعْل مُكَلّف وَقع الْفِعْل بِهِ أَو أذن فِيهِ ولي غَيره أَي
الْمُكَلف كولي الصَّغِير وَالْمَجْنُون، فَإِن لم يَأْذَن لَهُم فِيهِ ضمنُوا، وَأَن لَا يتجاوزا بفعلهم مَالا يَنْبَغِي تجاوزه بِأَن لم تجن أَيْديهم فَإِن تجاوزوا بالختان الْحَشَفَة أَو بِقطع السّلْعَة وَنَحْوهَا مَحل الْقطع أَو قطعُوا فِي وَقت لَا يصلح الْقطع فِيهِ، أَو بِآلَة كالة وَنَحْوهَا ضمنُوا لِأَنَّهُ إِتْلَاف لَا يخْتَلف ضَمَانه بالعمد وَالْخَطَأ كإتلاف المَال وَلَا يضمن رَاع مَا لم يَتَعَدَّ أَو يفرطبنوم أَو غيبتها عَنهُ وَنَحْوه.
وَإِن اخْتلفَا فِي تعد أَو تَفْرِيط فَقَوْل رَاع، وَإِن ادّعى مَوتهَا قبل بِيَمِينِهِ وَلَو لم يحضر جلدا وَلَا غَيره، لِأَنَّهُ أَمِين كالوديع وَلِأَنَّهُ مِمَّا تتعذر فِيهِ إِقَامَة الْبَيِّنَة عَلَيْهِ فِي الْغَالِب.
وَيضمن أجِير مُشْتَرك وَهُوَ من قدر نَفعه بِالْعَمَلِ وَيَأْتِي أَيْضا مَا تلف بِفِعْلِهِ وَلَو مَعَ خطئه كتخريق قصار الثَّوْب وَغلط فِي تَفْصِيله وبزلق حمال أَو عثرته وَسُقُوط عَنهُ كَيفَ كَانَ وسقوطه عَن دَابَّة وَانْقِطَاع حبله الَّذِي يشد بِهِ حمله، وَكَذَا طباخ وخباز وحائك وملاح السَّفِينَة وَنَحْوهم حضر رب المَال أَو غَابَ، وَيضمن مَا نقص بخطئه فِي فعل كصباغ أَمر بصبغ الثَّوْب أصفر فصبغه أسود وخياط أَمر بتفصيله قبَاء ففصله قَمِيصًا وَنَحْو ذَلِك، وَلَو كَانَ خَطؤُهُ بِدَفْعِهِ إِلَى غير ربه غَلطا فَإِنَّهُ يضمنهُ لِأَن فَوته عَلَيْهِ، وَلَيْسَ للمدفوع إِلَيْهِ لبسه إِذا علم وَعَلِيهِ رده للقصار وَنَحْوه نصا، وَغرم قَابض قطعه أَو لبسه جَاهِلا أَنه ثوب غَيره أرش قطعه أَو لبسه لتعديه على ملك غَيره وَرجع بهما على دَافع نصا، لِأَنَّهُ غره وَيُطَالب بِثَوْبِهِ إِن وجده وَإِلَّا ضمنه الْأَجِير، وَلَا يضمن مَا تلف من حرزه أَو بِغَيْر فعله إِذا لم يفرط نصا وَلَا
أُجْرَة لَهُ لعمل فِيهِ لِأَنَّهُ لم يسلم عمله إِلَى الْمُسْتَأْجر وَلَا يُمكن تَسْلِيمه إِلَّا بِتَسْلِيم الْمَعْمُول فَلم يسْتَحق عوضه كمكيل بيع وَتلف قبل قَبضه.
وللأجير حبس مَعْمُول على أجرته إِن أفلس ربه وَإِن لم يفلس فَتلف مَعْمُول أَو أتْلفه أجِير بعد عمله أَو حمله خير مَالك بَين تَضْمِينه إِيَّاه غير مَعْمُول أَو مَحْمُول وَلَا أُجْرَة لَهُ أَو مَعْمُولا أَو مَحْمُولا وَله الْأُجْرَة.
وَإِن اسْتَأْجر أجِير مُشْتَرك أَجِيرا خَاصّا فَلِكُل مِنْهُمَا حكم نَفسه، فَمَا تقبله صَاحب الدّكان وَدفعه إِلَى أجيره فَتلف فِي يَده بِلَا تعد وَلَا تَفْرِيط لم يضمنهُ لِأَنَّهُ أجِير خَاص وَضَمنَهُ صَاحب الدّكان لِأَنَّهُ مُشْتَرك.
والأجير قِسْمَانِ: خَاص، ومشترك.
فالأجير الْخَاص من قدر نَفعه بالزمن، والأجير الْمُشْتَرك من قدر نَفعه بِالْعَمَلِ وَتقدم قَرِيبا.
فالخاص يسْتَحق الْمُسْتَأْجر نَفعه فِي جَمِيع الْمدَّة الْمُقدر نَفعه فِيهَا، سوى فعل الصَّلَوَات الْخمس فِي أَوْقَاتهَا بسننها وَصَلَاة جُمُعَة وَعِيد، وَسَوَاء سلم نَفسه للْمُسْتَأْجر أَو لَا، وَيسْتَحق الْأُجْرَة بِتَسْلِيم نَفسه عمل أَو لم يعْمل، وتتعلق الْإِجَارَة بِعَيْنِه فَلَا يَسْتَنِيب، وَتجب الْأُجْرَة أَي تملك فِي إِجَارَة عين أَو إِجَارَة ذمَّة بِالْعقدِ شَرط الْحُلُول فِيهِ أَو أطلق كَمَا يجب الثّمن بِعقد البيع، وَالصَّدَاق بِالنِّكَاحِ، وَيسْتَحق الْأُجْرَة كَامِلَة بِتَسْلِيم عين أَو بذلها، وتستقر بفراغ عمل مَا بيد مُسْتَأْجر وبدفع غَيره مَعْمُولا مالم تؤجل الْأُجْرَة فَإِن أجلت لم يملك الْمُطَالبَة بهَا حَتَّى تفرغ مُدَّة الْأَجَل وَلَا ضَمَان على مُسْتَأْجر فِيمَا تلف فِي يَده كدار انْهَدَمت أَو دَابَّة مَاتَت وَنَحْو ذَلِك، وَلَو شَرط على نَفسه الضَّمَان لِأَنَّهُ أَمِين إِلَّا إِذا كَانَ
التّلف بتعد أَو تَفْرِيط مِنْهُ، وَالْقَوْل قَوْله بِيَمِينِهِ فِي نفيهما أَي التَّعَدِّي والتفريط.
وَإِن شَرط الْمُؤَجّر على الْمُسْتَأْجر أَن لَا يسير بهَا فِي اللَّيْل أَو وَقت القائلة أَو لَا يتَأَخَّر بهَا عَن الْقَافِلَة وَنَحْو ذَلِك مِمَّا فِيهِ غَرَض صَحِيح فَخَالف ضمن.
وَمَتى انْقَضتْ الْإِجَارَة رفع الْمُسْتَأْجر يَده عَن الْمُؤَجّر وَلم يلْزمه رد وَلَا مُؤنَة كمودع.
3 - (
فصل
)
وَتجوز الْمُسَابقَة وَهِي من السَّبق بِسُكُون الْبَاء وَهُوَ بُلُوغ الْغَايَة قبل غَيره، والسباق فعال مِنْهُ والسبق بِفَتْح الْبَاء والسبقة الْجعل يسابق عَلَيْهِ وَجمعه أسباق على أَقْدَام وسهام وسفن ومزاريق ومقاليع وطيور وأحجار وَسَائِر حَيَوَان كإبل وخيل وبغال وحمير وفيله.
و [لَا] تجوز الْمُسَابقَة بعوض [إِلَّا] إِذا كَانَت على [إبل وخيل وسهام وَشرط] فِيهَا خَمْسَة شُرُوط: أَحدهَا تعْيين المركوبين أَو الراميين بِالرُّؤْيَةِ سَوَاء كَانَا اثْنَيْنِ أَو جماعتين لَا تعْيين الراكبين وَلَا القوسين، وَالثَّانِي اتحادهما أَي المركوبين أَو القوسين بالنوع فَلَا يَصح بَين عَرَبِيّ وهجين، وَلَا قَوس عَرَبِيَّة وَهِي النبل وفارسية وَهِي النشاب وَشرط تعْيين رُمَاة بِخِلَاف الراكبين كَمَا تقدم، وَالثَّالِث تَحْدِيد مَسَافَة ومدى رمى بِمَا جرت بِهِ الْعَادة، وَذَلِكَ إِمَّا بالمشاهد أَو بالذرع لِأَن الْإِصَابَة تخْتَلف بِالْقربِ والبعد، نَحْو مائَة ذِرَاع أَو مِائَتي ذِرَاع، وَمَا لم تجر بِهِ عَادَة وَهُوَ مَا زادعلى ثلثمِائة ذِرَاع فَلَا يَصح عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يفوت بِهِ الْغَرَض الْمَقْصُود بِالرَّمْي، وَقد قيل إِنَّه مَا رمى فِي أَرْبَعمِائَة ذِرَاع إِلَّا عقبَة بن عَامر الْجُهَنِيّ،
وَالرَّابِع علم عوض لِأَنَّهُ مَال فِي عقد فَوَجَبَ الْعلم بِهِ كَسَائِر الْعُقُود، وَيعلم إِمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ أَو الْوَصْف، وَيجوز حَالا ومؤجلا وَبَعضه حَالا وَبَعضه مُؤَجّلا كَالْبيع وَشرط إِبَاحَته أَي الْعِوَض أَيْضا وَالْخَامِس خُرُوج عَن شبه قمار بِكَسْر الْقَاف يُقَال قامره قمارا ومقامرة فقمرة إِذا راهنه فغلبه بِأَن لَا يخرج جَمِيعهم، وَإِن أخرجَا مَعًا لم يجز إِلَّا بِمُحَلل لَا يخرج شَيْئا وَلَا يجوز اكثر من مُحَلل وَاجِد يكافىء مركوبه مركوبيهما، أَو رميه رمييهما فَإِن سبقاه أحرزا سبقيهما وَلم يُؤْخَذ من الْمُحَلّل شَيْء، وَإِن سبق هُوَ أَو أَحدهمَا أحرز السبقين وَإِن سبق الْمُحَلّل وَأحد المخرجين فَسبق مَسْبُوق بَينهمَا، وهى جعَالَة لَا يُؤْخَذ بعوضها رهن وَلَا كَفِيل، وَلكُل فَسخهَا مَا لم يظْهر الْفضل لصَاحبه فَيمْتَنع عَلَيْهِ، وَتبطل بِمَوْت أحد الْمُتَعَاقدين أَو المركوبين لَا أحد الراكبين أَو تلف إِحْدَى القوسين أَو السِّهَام، وَيجْعَل سبق فِي خيل متماثلي الْعُنُق بِرَأْس، وَفِي مختلفيهما وَفِي إبل مُطلقًا بكتف لتعذر اعْتِبَار الرَّأْس هَهُنَا، فَإِن طَوِيل الْعُنُق قد يسْبق رَأسه بطول عُنُقه لَا بِسُرْعَة عده، وَفِي الْإِبِل مَا يرفع رَأسه وفيهَا مَا يمد عُنُقه فَرُبمَا سبق رَأسه بطول عُنُقه لَا بسبقه.
والمناضلة من النضل يُقَال ناضله نضالا ومناضلة وَسمي الرَّمْي نضالا لِأَن السهْم التَّام يُسمى نضلا، فالرمي عمل بالنضل.
وهى ثَابِتَة بِالْكتاب الْعَزِيز لقَوْله تَعَالَى: 19 ( ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق﴾ ) . وقرىء ننتضل، وَالسّنة شهيرة بذلك وَمحل بسطها المطولات فَرَاجعهَا.
3 - (
فصل
) 3.
وَالْعَارِية بتَخْفِيف الْيَاء وتشديدها الْعين الْمَأْخُوذَة للِانْتِفَاع بِلَا عوض، والإعارة إِبَاحَة نَفعهَا بِلَا عوض.
وَهِي سنة، وتنعقد بِكُل قَول أَو فعل يدل عَلَيْهَا كأعرتك هذة الدَّابَّة.
أَو: اركبها، أَو: استرح عَلَيْهَا، وَنَحْو دلك.
وبدفعه دَابَّته لرفيقه عِنْد تَعبه، وتغطيته بكساء إِذْ برد، وَنَحْو دلك.
وَشرط للإعارة أَرْبَعَة شُرُوط: أَحدهَا كَون معير أَهلا للتبرع شرعا، لِأَن الْإِعَارَة نوع تبرع، وَالثَّانِي كَون مستعير أَهلا للتبرع لَهُ بِتِلْكَ الْعين المعارة بِأَن يَصح مِنْهُ قبُولهَا هبة أشبه إِبَاحَة بِالْهبةِ، فَلَا تصح إِعَارَة عبد مُسلم لكَافِر لخدمته.
وَيَأْتِي فِي الْمَتْن.
وَالثَّالِث مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله وكل مُبْتَدأ مَا أَي شَيْء ينْتَفع بِهِ مَعَ بَقَاء عينه كدواب ورقيق ودور ولباس وَنَحْو تصح إعارته بِخِلَاف مَا لَا ينْتَفع بِهِ إِلَّا مَعَ تلف عينه كأطعمة وأشربة، فَإِن أَعْطَاهَا بِلَفْظ إِعَارَة فَقَالَ ابْن عقيل: يحْتَمل أَن يكون اباحة للِانْتِفَاع على وَجه الْإِتْلَاف.
نَقله الْمجد فِي شَرحه وَاقْتصر عَلَيْهِ.
وَالرَّابِعَة مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله نفعا مُبَاحا وَلَو لم يَصح الِاعْتِيَاض
عَنهُ كإعارة كلب لصيد وَنَحْوه تصح إعارته خبر، فَلَا تصح إِعَارَة لغناء أَو زمر وإناء ذهب أَو فضَّة وحلي محرم على رجل ليلبسه الا الْبضْع وَهُوَ أَن يعيره أمته ليستمتع بهَا فَيحرم وَلَا يَصح، فَإِنَّهُ وطىء مَعَ الْعلم بِالتَّحْرِيمِ فَعَلَيهِ الْحَد، وَكَذَا هِيَ إِن طاوعته وَولده رَقِيق، وَإِن كَانَ جَاهِلا فَلَا حد وَلَده حر وَيلْحق بِهِ، وَتجب قِيمَته للْمَالِك وَمهر الْمثل فيهمَا وَلَو مطاوعة إِلَّا أَن يَأْذَن السَّيِّد فَإِن أذن فَلَا مهر.
وَأما للْخدمَة فَإِن كَانَت بَرزَة أَو شوهاء أَو كَبِيرَة لَا يَشْتَهِي مثلهَا جَازَ، وَكَذَا إِن كَانَت شَابة وَكَانَت الاعارة لمحرم أَو امْرَأَة أَو صبي، وَإِن كَانَت لشاب كره خُصُوصا العزب لِأَنَّهُ لَا يُؤمن عَلَيْهَا.
وَتحرم الْخلْوَة بهَا وَالنَّظَر إِلَيْهَا بِشَهْوَة وَإِلَّا عبدا مُسلما فَتحرم إعارته لكَافِر لخدمة خَاصَّة، وَتقدم وَتَصِح إِعَارَة الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير للوزن فَإِن استعارها لينفقها أَو استعارها مَكِيلًا أَو مَوْزُونا فقرض.
وَتجب إِعَارَة مصحف لمحتاج الى قِرَاءَة فِيهِ وَلم يجد غَيره وَإِن لم يكن مَالِكه مُحْتَاجا اليه وَإِلَّا صيدا وَنَحْوه أى الصَّيْد كإعارة آلَة يصيد بهَا وَنَحْوهَا فَتحرم لمحرم فَإِن فعل فَتلف الصَّيْد ضمنه لله بالجزاء وللمالك بِالْقيمَةِ.
وَكَذَا يحرم أَن يعير أحد لمحرم كل مَا يحرم عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله فِي الاحرام، وَإِلَّا أمة، وَإِلَّا أَمْرَد فَتحرم إعارتهما لغير مَأْمُون لِأَنَّهُ لَا يُؤمن عَلَيْهِمَا مِنْهُ.
وَتكره اسْتِعَارَة أَبَوَيْهِ وَإِن علوا للْخدمَة.
ولمستعير الرَّد مَتى شَاءَ.
ولمعير الرُّجُوع مَتى شَاءَ مُطلقَة كَانَت أَو موقتة مَا لم يُؤذن فِي شغله بشىء يضر بالمستعير رُجُوعه، مثل أَن يعيره