المبحث الثامن: منهجه
إن من يستقرئ كتب ابن مالك -ولاسيما الكافية الشافية وشرحها وخلاصتها، والتسهيل- استقراءاً يهدف إلى استخلاص منهجه، لا ريب
سيقف على كثير من السمات التي اتصف بها مصنفات هذا العلم، فمن أبرز تلك السمات ميل ابن مالك إلي الابتكار، فبينما نجد صاحب الكتاب -رحمه الله- قد قسم النحو إلى أبواب، والزمخشري قد قسمه إلى فصول في كتابه المفصل، وكذلك فعل ابن الحاجب في كافيته، وهذه الكتب الثلاثة من أهم كتب النحو السابقة لابن مالك، نجد ابن مالك يستعمل كلا المصطلحين جاعلاً "الباب" لرؤوس المسائل، و"الفصل" لما يندرج تحت تلك المسائل ويتفرع عنها.
وكذلك نجده ينهج في ترتيب أبوابه منهجاً تعليمياً يعتمد على المناسبة والارتباط.
كما نجده يسلك منهج النظم في ضبط العلوم إدراكاً منه لما للنظم من ميزة على النثر، فقد لجأ ابن مالك إلى هذه الوسيلة -أعني النظم- المشوقة المعينة على حفظ العلوم ونقلها ودرج على ذلك في معظم مؤلفاته، فقد استطاع -بما آتاه الله من قوة القريحة الشعرية- أن يسخر قوالب الشعر لخدمة القضايا العلمية، فكان ذلك دعماً لما يسمى بالشعر التعليمي.
أقول: دعماً، لا اختراعاً، لأن ابن مالك قد سُبق في هذا المجال، فقد نظم الشاطبي المتوفي سنة: 590 هـ قصيدة في القراءات سماها: "حرز الأماني ووجه التهاني"، كما نظم ابن معطي المتوفى سنة 628 هـ منظومته القيمة في النحو المسماة: "الدرر الألفية في علم اللغة العربية"، التي أفاد منها ابن مالك كثيراً، وأشار إليها في خلاصته المسماة: " ألفية ابن مالك"، وكذلك نظم ابن الحاجب
المتوفى سنة 646 هـ، منظومة النحو سماها: "الوافية بنظم الكافية"، وأخرى في العروض سماها: "المقصد الجليل في علم الخليل".
أما في مجال الاستشهاد فهو يستشهد بالقرآن الكريم وقراءاته، وقد يستشهد بالشواذ منها، ويستشهد كذلك بالحديث، وأشعار العرب وأمثالها وأقوالها، وقد أدى استشهاده بالحديث الشريف إلى توسيع دائرة الاستشهاد عنده، وقد أنكر عليه أبو حيان الاستشهاد بالحديث بحجة أنه مظنة اللحن، لجواز روايته بالمعنى وكون بعض رواته أعاجم، وقد تصدى العلماء قديماً وحديثاً لأبى حيان معترضين عليه ومؤيدين لابن مالك فيما ذهب إليه، ومن أوفى ما كتب حول هذه المسألة ما جاء في خزانة الأدب البغدادي، وما كتبه الأستاذ سعيد الأفغاني.
ويغلب على مصنفات ابن مالك سهولة العبارة ووضوحها مع الدقة والميل إلى الإيجاز.