غاية البيان شرح زبد ابن رسلانصفحات 2-41
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْمُقدمَة

صفحات 2-41
عن هذه الطبعة
عَلَم
الرملي، شمس الدين
الكتاب
غاية البيان شرح زبد ابن رسلان
المؤلف
شمس الدين محمد بن أبي العباس أحمد بن حمزة شهاب الدين الرملي (المتوفى: 1004هـ)
الناشر
دار المعرفة - بيروت
عدد الأجزاء
1 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي أظهر زبد دينه القويم وَهدى من وَفقه إِلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقيم أَحْمَده على مَا أنعم وَعلم وسدد إِلَى الصِّرَاط وَقوم وَأشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ الْوَاحِد القهار الْكَرِيم الستار وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله ختام الْأَنْبِيَاء الْأَبْرَار صلى الله عَلَيْهِم وَسلم وعل آله وَأَصْحَابه صَلَاة وَسلَامًا دائمين على ممر اللَّيَالِي وَالنَّهَار وَبعد فَإِن صفوة الزّبد فِي الْفِقْه للشَّيْخ الإِمَام الْعَالم الْعَلامَة ولي الله تَعَالَى (أَحْمد بن رسْلَان) من أبدع كتاب فِي الْفِقْه صنف وَأجْمع مَوْضُوع فِيهِ على مِقْدَار حجمه ألف طلب مني بعض السَّادة الْفُضَلَاء والأذكياء النبلاء أَن أَضَع عَلَيْهَا شرحا يحل ألفاظها ويبرز دقائقها وَيُحَرر مسائلها ويجود دلائلها فأجبته إِلَى ذَلِك بعون الْقَادِر الْمَالِك ضاما إِلَيْهِ من الْفَوَائِد المستجادات مَا تقربه أعين أولى الرغبات راجيا من الله جزيل الثَّوَاب ومؤملا مِنْهُ أَن يَجعله عُمْدَة لأولي الْأَلْبَاب وسميته (غَايَة الْبَيَان فِي شرح زبد ابْن رسْلَان) وَالله أسأَل وبنبيه أتوسل أَن يَجعله خَالِصا لوجهه الْكَرِيم مُوجبا للفوز بجنات النَّعيم قَالَ النَّاظِم (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) أَي أؤلف إِذْ كل فَاعل يبْدَأ فِي فعله بِبسْم الله يضمر مَا جعل التَّسْمِيَة مبدأ لَهُ كَمَا أَن الْمُسَافِر إِذا حل أَو ارتحل فَقَالَ بِسم الله كَانَ الْمَعْنى بِسم الله أحل وبسم الله أرتحل وَالِاسْم مُشْتَقّ من السمو وَهُوَ الْعُلُوّ وَالله علم للذات الْوَاجِب الْوُجُود وَأَصله إِلَه حذفت همزته وَعوض عَنْهَا حرف التَّعْرِيف ثمَّ جعل علما وَهُوَ عَرَبِيّ عِنْد الْأَكْثَر والرحمن الرَّحِيم إسمان بنيا للْمُبَالَغَة من رحم وَالرَّحْمَة لُغَة رقة الْقلب وانعطاف يَقْتَضِي التفضل وَالْإِحْسَان فالتفضل غايتها وَأَسْمَاء الله تَعَالَى الْمَأْخُوذَة من نَحْو ذَلِك إِنَّمَا تُؤْخَذ بِاعْتِبَار الغايات دون المبادى الَّتِي تكون انفعالات والرحمن أبلغ من الرَّحِيم لِأَن زِيَادَة الْبناء تدل على زِيَادَة الْمَعْنى كَمَا فِي قطع وَقطع وَنقض بحذر فَإِنَّهُ أبلغ من حاذر وَأجِيب لِأَن ذَلِك اكثرى لاكلى وَبِأَنَّهُ لَا يُنَافِي أَن يَقع فِي الأنقص زِيَادَة معنى لسَبَب آخر كالإلحاق بالأمور الجبلية مثل شَره ونهم وَبِأَن الْكَلَام فِي مَا إِذا كَانَ المتلاقيان فِي الِاشْتِقَاق متحدى النَّوْع فِي الْمَعْنى كغرث وغرثان وَصد وصديان لَا كحذر وحاذر للِاخْتِلَاف (الْحَمد للإله) بَدَأَ بالحمدلة بعد الْبَسْمَلَة اقْتِدَاء بِالْكتاب الْعَزِيز وَعَملا بِخَبَر كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَهُوَ أقطع وَفِي رِوَايَة بِالْحَمْد لله وَجمع النَّاظِم كَغَيْرِهِ بَين الابتداءين عملا بالروايتين وَإِشَارَة إِلَى أَنه لَا تعَارض بَينهمَا إِذْ الِابْتِدَاء حَقِيقِيّ وإضافي فالحقيقي حصل بالبسملة والإضافي بالحمدلة وَقدم الْبَسْمَلَة عملا بِالْكتاب وَالْإِجْمَاع وَجُمْلَة الحمدلة خبرية لفظا إنشائية معنى

وَالْحَمْد أَي اللَّفْظِيّ لُغَة الثَّنَاء بِاللِّسَانِ على الْجَمِيل الِاخْتِيَارِيّ على جِهَة التبجيل سَوَاء تعلق بالفضائل أم بالفواضل وَالشُّكْر لُغَة فعل ينبيء عَن تَعْظِيم الْمُنعم من حَيْثُ أَنه منعم على الشاكر سَوَاء كَانَ ذكرا بِاللِّسَانِ أم اعتقادا ومحبة بالجنان أم عملا وخدمة بالأركان فمورد الْحَمد هُوَ اللِّسَان وَحده ومتعلقه النِّعْمَة وَغَيرهَا ومورد الشُّكْر اللِّسَان وَغَيره ومتعلقه النِّعْمَة وَحدهَا فَالْحَمْد أَعم مُتَعَلقا وأخص موردا وَالشُّكْر بِالْعَكْسِ وَالْحَمْد عرفا فعل ينبيء عَن تَعْظِيم الْمُنعم من حَيْثُ أَنه منعم على الحامد أَو غَيره وَالشُّكْر عرفا صرف العَبْد جَمِيع مَا أنعم الله بِهِ عَلَيْهِ من السّمع وَغَيره إِلَى مَا خلق لأَجله فَهُوَ أخص مُتَعَلقا من الثَّلَاثَة قبله لاخْتِصَاص مُتَعَلّقه بِاللَّه تَعَالَى ولاعتبار شُمُول المآلات فِيهِ وَالشُّكْر اللّغَوِيّ مسَاوٍ للحمد الْعرفِيّ وَبَين الحمدين عُمُوم من وَجه والآله المعبود بِحَق ذِي الْجلَال أَي العظمة وشارع الْحَرَام والحلال أَي مبينهما قَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين﴾ الْآيَة وفيهَا براعة الاستهلال وَشَمل متعلقات الْأَحْكَام كلهَا إِذْ الْحَرَام ضد الْحَلَال فَيتَنَاوَل الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح وَخلاف الاولى وَالْمَكْرُوه وَكَذَا الصَّحِيح كَمَا يتَنَاوَل الْحَرَام وَالْبَاطِل بِنَاء على تنَاول الحكم لَهما ثمَّ صَلَاة الله مَعَ سلامي أَتَى بهما امتثالا لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾ وَقد فسر قَوْله تَعَالَى ﴿ورفعنا لَك ذكرك﴾ بِأَن مَعْنَاهُ لَا أذكر إِلَّا وتذكر معي وَالصَّلَاة من الله رَحْمَة مقرونة بتعظيم وَمن الْمَلَائِكَة اسْتِغْفَار وَمن الْمُكَلّفين تضرع وَدُعَاء وَقرن بَينهَا وَبَين السَّلَام خُرُوجًا من كَرَاهَة إِفْرَاد أَحدهمَا عَن الآخر على النَّبِي هُوَ إِنْسَان أوحى إِلَيْهِ بشرع وَإِن لم يُؤمر بتبليغه فَإِن أَمر بذلك فَرَسُول أَيْضا فالرسول أخص من النَّبِي وَعبر بِالنَّبِيِّ دون الرَّسُول لِأَنَّهُ أَكثر اسْتِعْمَالا وَلَفظه بِلَا همز وَهُوَ الْأَكْثَر أَو بِهِ من النبأ وَهُوَ الْخَبَر والرسالة أفضل من النُّبُوَّة الْمُصْطَفى الْمُخْتَار وَحذف الْمَعْمُول يُؤذن بِالْعُمُومِ فَيُؤْخَذ مِنْهُ أَنه أفضل المخلوقين من إنس وجن وَملك وَملك وَهُوَ كَذَلِك التهامي نِسْبَة إِلَى تهَامَة مُحَمَّد علم مَنْقُول من إسم مفعول المضعف سمي بِهِ نَبينَا بإلهام من الله تَعَالَى بِأَنَّهُ يكثر حمد الْخلق لَهُ لِكَثْرَة خصاله الجميلة كَمَا روى فِي السّير أَنه قيل لجده عبد الْمطلب وَقد سَمَّاهُ فِي سَابِع وِلَادَته لمَوْت أَبِيه قبلهَا لم سميت ابْنك مُحَمَّدًا وَلَيْسَ من أَسمَاء آبَائِك وَلَا قَوْمك قَالَ رَجَوْت أَن يحمد فِي السَّمَاء وَالْأَرْض وَقد حقق الله رَجَاءَهُ كَمَا سبق فِي علمه الْهَادِي من الضلال أَي الدَّال بلطف والضلال نقيض الْهدى وَهُوَ دين الْإِسْلَام قَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّك لتهدي إِلَى صِرَاط مُسْتَقِيم﴾ وَأفضل الصحب إسم جمع لصَاحب بِمَعْنى الصَّحَابِيّ وَهُوَ من اجْتمع مُؤمنا بِمُحَمد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَمَات على ذَلِك وَخير آل فآله أَقَاربه الْمُؤْمِنُونَ من بني هَاشم وَالْمطلب ابنى عبد منَاف وَقَوله وَأفضل الصحب وَخير آل عطف على النَّبِي وَأفَاد بِهِ أَن أَصْحَابه أفضل من أَصْحَاب غَيره من الْأَنْبِيَاء وَإِن آله أفضل من آل غَيره وَظَاهر أَن الْمفضل عَلَيْهِ فيهمَا غير الْأَنْبِيَاء وَبعد هذى زبد نظمتها جمع زبدة وعنى بهَا مهمات الْفَنّ وَلَفْظَة بعد يُؤْتى بهَا للانتقال من أسلوب إِلَى آخر وَقد كَانَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَأْتِي بأصلها فِي خطبه وَهُوَ أما بعد بِدَلِيل لُزُوم الْفَاء فِي حيزها غَالِبا لتضمن أما معنى الشَّرْط وَالْعَامِل فِيهَا أما عِنْد سِيبَوَيْهٍ لنيابتها عَن الْفِعْل أَو الْفِعْل نَفسه عِنْد غَيره وَالْأَصْل مهما يكن من شَيْء بعد الْبَسْمَلَة والحمدلة وَالصَّلَاة وَالسَّلَام وهذى اسْم إِشَارَة أُشير بهَا إِلَى مَوْجُود فِي الْخَارِج وَهُوَ زبد الْعَلامَة البارزى تغمده الله تَعَالَى برحمته وَقد تَأَخّر نظم هَذَا الْبَيْت عَن نظم الزّبد بِدَلِيل تَعْبِيره بِلَفْظ الْمَاضِي فِي قَوْله نظمتها وزدتها أبياتها ألف أَي تَقْرِيبًا فَأَنَّهَا تزيد عَلَيْهِ نَحْو أَرْبَعِينَ بَيْتا بِمَا قد زدتها الْبَاء بِمَعْنى مَعَ أَي مَعَ مَا قد زدتها من الْمُقدمَة

والخاتمة وَغَيرهمَا ثمَّ وصف الزّبد بأوصاف ترغب فِيهَا مِنْهَا أَنَّهَا يسهل حفظهَا على الْأَطْفَال لحلاوة نظمها وبراعته وَمِنْهَا أَنَّهَا نافعة لمبتدى الرِّجَال بِأَن تبصره وَلما كَانَ نَفعهَا للمبتدى من الذُّكُور أتم لنقلها إِيَّاه من الْجَهْل إِلَى الْعلم اقْتصر عَلَيْهِ وَإِلَّا فَهِيَ نافعة لغيره أَيْضا إِذْ هِيَ مذكرة لَهُ وَيحْتَمل أَنه اقْتصر عَلَيْهِ تواضعا وهضما والمبتدى هُوَ الَّذِي ابْتَدَأَ فِي ذَلِك الْعلم وَلم يصل فِيهِ إِلَى حَالَة يسْتَقلّ فِيهَا بتصوير مسَائِل ذَلِك فَهُوَ الْمُتَوَسّط وَإِن اسْتَقل بالتصوير واستحضر غَالب أَحْكَام ذَلِك الْعلم فَهُوَ الْمُنْتَهى وَمِنْهَا أَنَّهَا تَكْفِي مَعَ التَّوْفِيق من الله تَعَالَى للمشتغل والتوفيق خلق قدرَة الطَّاعَة فِي العَبْد قَالَ تَعَالَى ﴿وَاتَّقوا الله ويعلمكم الله﴾ وَقد ورد لَا يتوفق عبد حَتَّى يوفقه الله وَلما كَانَ عَزِيزًا لم يذكرهُ الله فِي الْقُرْآن إِلَّا فِي مَحل وَاحِد فِي قَوْله ﴿وَمَا توفيقي إِلَّا بِاللَّه﴾ وَمَا ورد من نَحْو قَوْله ﴿إِن أردنَا إِلَّا إحسانا وتوفيقا﴾ فَذَاك من مَادَّة الْوِفَاق لَا من مَادَّة التَّوْفِيق إِن فهمت وأتبعت بِالْعَمَلِ وعد مِنْهُ بِأَن من اتَّقَاهُ علمه بِأَن يَجْعَل فِي قلبه نورا يفهم بِهِ مَا يلقى إِلَيْهِ وفرقانا أَي فيصلا يفصل بِهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل قَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا إِن تتقوا الله يَجْعَل لكم فرقانا﴾ فبتقوى الله تزداد المعارف فاعمل وَلَو بالعشر كَالزَّكَاةِ تخرج بِنور الْعلم من ظلمات أَي ينْدب للْإنْسَان أَن يعْمل بِمَا يُعلمهُ من مسنونات الشَّرْع فَإِن لم يعْمل بجميعها فليعمل وَلَو بالعشر مِنْهَا تَخْفِيفًا عَلَيْهِ كَمَا اكْتفى الشَّارِع فِي زَكَاة النَّبَات المسقى بِغَيْر مُؤنَة بعشره تَطْهِيرا لَهُ وتنمية وَأَنه يخرج بِنور الْعلم بِسَبَب الْعَمَل الْمَذْكُور من ظلمات الْجَهْل وَفِي بعض النّسخ لنُور بِاللَّامِ بدل الْبَاء والظلمات بِضَم اللَّام وَفتحهَا وسكونها كَمَا فِي النّظم جمع ظلمَة وَهِي عدم النُّور وَقد قَالَ حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَضِي الله عَنهُ إِنَّكُم فِي زمَان من ترك مِنْكُم فِيهِ عشر مَا يعلم هلك وَسَيَأْتِي زمَان من عمل فِيهِ بِعشر مَا يعلم نجا أما الْعَمَل بِمَا يُعلمهُ من الْوَاجِبَات فقد ذكره بقوله فعالم بِعِلْمِهِ لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن أَي أَن الْعَالم إِذا لم يعْمل بِعِلْمِهِ بِأَن ترك شَيْئا مِمَّا تعين عَلَيْهِ عمله أَو ارْتكب محرما يعذبه الله إِن لم يعْفُو عَنهُ قبل تعذيبه عَابِد الوثن وَهُوَ الصَّنَم إِذْ الْعَالم ارْتكب الْمعْصِيَة عَالما بتحريمها وعابد الوثن غير عَالم بِتَحْرِيم عِبَادَته وَعَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ الزَّبَانِيَة أسْرع إِلَى فسقة الْقُرَّاء مِنْهُم إِلَى عَبدة الْأَوْثَان فَيَقُولُونَ يبْدَأ بِنَا قبل عَبدة الْأَوْثَان فَيُقَال لَهُم لَيْسَ من يعلم كمن لَا يعلم رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَأَبُو نعيم وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول إِن أول النَّاس يقْضى يَوْم الْقِيَامَة عَلَيْهِ رجل اسْتشْهد فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ قَاتَلت فِيك حَتَّى استشهدت قَالَ كذبت وَلَكِنَّك قَاتَلت لِأَن يُقَال هُوَ جريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل تعلم الْعلم وَعلمه وَقَرَأَ الْقُرْآن فَأتي بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ تعلمت الْعلم وعلمته وقرأت فِيك الْقُرْآن قَالَ كذبت وَلَكِنَّك تعلمت ليقال هُوَ عَالم وقرأت الْقُرْآن ليقال هُوَ قاريء فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألقِي فِي النَّار وَرجل وسع الله عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ من أَصْنَاف المَال فَأتى بِهِ فَعرفهُ نعْمَته فعرفها قَالَ فَمَا عملت فِيهَا قَالَ مَا تركت من سَبِيل تحب أَن ينْفق فِيهَا إِلَّا أنفقت فِيهَا لَك قَالَ كذبت وَلَكِنَّك فعلت ليقال هُوَ جواد فقد قيل ثمَّ أَمر بِهِ فسحب على وَجهه حَتَّى ألْقى فِي النَّار رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَعَن الْوَلِيد بن عقبَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وسل إِن أُنَاسًا من أهل الْجنَّة ينطلقون إِلَى أنَاس من أهل النَّار فَيَقُولُونَ

بِمَا دَخَلْتُم النَّار فوا الله مَا دَخَلنَا الْجنَّة إِلَّا بِمَا تعلمنا مِنْكُم فَيَقُولُونَ إِنَّا كُنَّا نقُول وَلَا نَفْعل رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَعَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة عَالم لم يَنْفَعهُ علمه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الصَّغِير وَالْبَيْهَقِيّ وَالْأَحَادِيث فِي وعيده كَثِيرَة وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء ويل لمن لَا يعلم مرّة وويل لمن يعلم سبع مَرَّات وَقيل لِابْنِ عُيَيْنَة أَي النَّاس أطول ندامة قَالَ أما فِي الدُّنْيَا فصانع الْمَعْرُوف إِلَى من لَا يشكره وَأما عِنْد الْمَوْت وَبعده فعالم مفرط وَالله أَرْجُو أَي أُؤَمِّل الْمَنّ أَي الإنعام بالإخلاص لكَي يكون مُوجب الْخَلَاص وَالْإِخْلَاص فِي الطَّاعَة ترك الرِّيَاء فِيهَا وَهُوَ سَبَب الْخَلَاص من أهوال يَوْم الْقِيَامَة لما رُوِيَ عَن أنس بن مَالك رَضِي الله عَنهُ عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ من فَارق الدُّنْيَا على الْإِخْلَاص لله وَحده لَا شريك لَهُ وَأقَام الصَّلَاة وَآتى الزَّكَاة فَارقهَا وَالله عَنهُ رَاض رَوَاهُ ابْن ماجة وَالْحَاكِم وَقَالَ صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ وَعَن ثَوْبَان رَضِي الله عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عيه وَسلم يَقُول طُوبَى للمخلصين أُولَئِكَ مصابيح الْهدى تنجلي عَنْهُم كل فتْنَة ظلماء رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ وَالْأَحَادِيث فِي فضل الاخلاص كَثِيرَة مُقَدّمَة بِكَسْر الدَّال كمقدمة الْجَيْش للْجَمَاعَة الْمُتَقَدّمَة مِنْهُ من قدم اللَّازِم بِمَعْنى تقدم وَبِفَتْحِهَا على قلَّة كمقدمة الرجل فِي لُغَة من قدم الْمُتَعَدِّي فِي علم الْأُصُول أَي أصُول الدّين وَالْفِقْه فَإِنَّهُ ذكر فِيهَا شَيْئا من كل مِنْهُمَا أول وَاجِب مَقْصُود لذاته على الْإِنْسَان الْبَالِغ الْعَاقِل وَلَو أُنْثَى وَلَو رَقِيقا معرفَة الْإِلَه تَعَالَى باستيقان أَي يَقِينا لقَوْله تَعَالَى ﴿فَاعْلَم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله﴾ ﴿وليعلموا أَنما هُوَ إِلَه وَاحِد﴾ وَلِأَنَّهَا مبْنى سَائِر الْوَاجِبَات إِذْ لَا يَصح بِدُونِهَا وَاجِب وَلَا مَنْدُوب وَالْمرَاد بهَا معرفَة وجوده تَعَالَى وَمَا يجب لَهُ من إِثْبَات أُمُور وَنفي أُمُور وَهِي الْمعرفَة الإيمانية أَو البرهانية لَا الْإِدْرَاك والإحاطة بكنه الْحَقِيقَة لامتناعه شرعا وعقلا وَالْيَقِين حكم الذِّهْن الْجَازِم المطابق لموجب وَمَا ذكره من أَن ذَلِك أول وَاجِب هُوَ الْأَصَح من بضعَة عشر قولا والنطق بِالشَّهَادَتَيْنِ اعتبرا أَي أَن النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ مُعْتَبر لصِحَّة الْإِيمَان لِلْخُرُوجِ من عَهده التَّكْلِيف بِهِ مِمَّن قدرا أَي من الْقَادِر عَلَيْهِ إِن صدق الْقلب إِذْ الْإِيمَان تَصْدِيق الْقلب بِمَا علم ضَرُورَة مَجِيء الرَّسُول بِهِ من عِنْد الله كالتوحيد والنبوة والبعث وَالْجَزَاء وافتراض الصَّلَوَات الْخمس وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج وَالْمرَاد بِتَصْدِيق الْقلب إذعانه وقبوله وَلما كَانَ تَصْدِيق الْقلب أمرا بَاطِنا لَا اطلَاع لنا عَلَيْهِ جعله الشَّارِع مَنُوطًا بِالشَّهَادَتَيْنِ وَهل النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ شَرط لإجراء أَحْكَام الْمُؤمنِينَ فِي الدُّنْيَا من الصَّلَاة عَلَيْهِ والتوارث والمناكحة وَغَيرهَا دَاخل فِي مُسَمّى الْإِيمَان أَو جُزْء مِنْهُ دَاخل فِي مُسَمَّاهُ قَولَانِ ذهب جُمْهُور الْمُحَقِّقين إِلَى أَولهمَا وَعَلِيهِ من صدق بِقَلْبِه وَلم يقر بِلِسَانِهِ مَعَ تمكنه من الْإِقْرَار فَهُوَ مُؤمن عِنْد الله وَهَذَا أوفق باللغة وَالْعرْف وَذهب كثير من الْفُقَهَاء إِلَى ثَانِيهمَا وألزمهم الْأَولونَ بِأَن من صدق بِقَلْبِه فاخترمته الْمنية قبل اتساع وَقت الْإِقْرَار بِلِسَانِهِ يكون كَافِرًا وَهُوَ خلاف الْإِجْمَاع على مَا نَقله الرَّازِيّ وَغَيره لَكِن يُعَارض دَعْوَاهُ قَول الشِّفَاء الصَّحِيح أَنه مُؤمن مستوجب للجنة حَيْثُ أثبت فِيهِ خلافًا وَخرج بقوله مِمَّن قدرا الْعَاجِز لخرس أَو سكتة أَو إخترام منية قبل التَّمَكُّن مِنْهُ فَيصح إيمَانه وَأما الْإِسْلَام فَهُوَ أَعمال الْجَوَارِح من الطَّاعَات كالتلفظ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَغير ذَلِك لَكِن لَا تعْتَبر الْأَعْمَال الْمَذْكُورَة فِي الْخُرُوج عَن عُهْدَة التَّكْلِيف بِالْإِسْلَامِ إِلَّا مَعَ الْإِيمَان الَّذِي هُوَ

التَّصْدِيق الْمَار فَهُوَ شَرط للإعتداد بالعبادات فَلَا يَنْفَكّ الْإِسْلَام المعتبرعن الْإِيمَان وَإِن انْفَكَّ الْإِيمَان عَنهُ فِيمَن اخترمته الْمنية قبل اتساع وَقت التَّلَفُّظ وَأما مَا ورد من إِثْبَات أَحدهمَا وَنفي الآخر من نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿قل لم تؤمنوا وَلَكِن قُولُوا أسلمنَا﴾ فَهُوَ وَارِد فِي الْمُنَافِقين وَأما الْعَطف فِي قَوْله تَعَالَى ﴿إِن الْمُسلمين وَالْمُسلمَات وَالْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات﴾ فَإِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ إِلَى معنيهما اللغويين وَلذَلِك ذكر الصَّدَقَة وَالصَّوْم وَغَيرهمَا بعدهمَا بطرِيق الْعَطف مَعَ الْإِجْمَاع على عدم خُرُوجهَا عَن الْإِسْلَام وَالْإِيمَان هَذَا كُله بِالنّظرِ لما عِنْد الله أما بِالنّظرِ لما عندنَا فالإسلام هُوَ النُّطْق بِالشَّهَادَتَيْنِ فَقَط فَمن أقرّ بهما أجريت عَلَيْهِ أَحْكَام الْإِسْلَام فِي الدُّنْيَا وَلم يحكم عَلَيْهِ بِكفْر إِلَّا بِظُهُور إمارات التَّكْذِيب كسجوده اخْتِيَارا لكواكب أَو صُورَة أَو استخفاف بِنَبِي أَو بمصحف أَو بِالْكَعْبَةِ أَو نَحْو ذَلِك وَالصَّحِيح صِحَة إِيمَان الْمُقَلّد وَاللَّام فِي قَوْله لصِحَّة الْإِيمَان للتَّعْلِيل أَو بِمَعْنى فِي وَألف اعتبرا وَقدرا للإطلاق وبالأعمال يكون الْإِيمَان ذَا نقص وَذَا كَمَال أَي الْإِيمَان يزِيد بِسَبَب زِيَادَة الْأَعْمَال ككثرة النّظر ووضوح الْأَدِلَّة وَزِيَادَة الطَّاعَة وَينْقص بِسَبَب نَقصهَا والأدلة فِي ذَلِك كَثِيرَة وَمَا قيل من أَن حَقِيقَة الْإِيمَان لَا تزيد وَلَا تنقص لما مر أَنه التَّصْدِيق القلبي الَّذِي بلغ حد الْجَزْم والاذعان وَهُوَ لَا يتَصَوَّر فِيهِ زِيَادَة وَلَا نقص حَتَّى إِن من حصل لَهُ حَقِيقَة التَّصْدِيق القلبي فَسَوَاء عمل الطَّاعَات أَو ارْتكب الْمعاصِي فتصديقه لَا تغير فِيهِ أصلا رد بِأَنا لَا نشك أَن تَصْدِيق الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام أَعلَى وأكمل من تَصْدِيق غَيرهم وَإِن تَصْدِيق أبي بكر أَعلَى من تَصْدِيق غَيره من بَقِيَّة النَّاس وَيُؤَيِّدهُ أَن كل أحد يعلم أَن مَا فِي قلبه يتفاضل حَتَّى يكون فِي بعض الْأَحْوَال أعظم يَقِينا وإخلاصا وتوكلا مِنْهُ فِي بَعْضهَا وَكَذَلِكَ فِي التَّصْدِيق والمعرفة بِحَسب ظُهُور الْبَرَاهِين وَكَثْرَتهَا فَكُن من الْإِيمَان فِي مزِيد وَفِي صفاء الْقلب ذَا تَجْدِيد أَي كن أَيهَا الْمُكَلف الْمُخَاطب فِي نَفِيس عمرك من الْإِيمَان فِي تَحْصِيل مزِيد مِنْهُ بِكَثْرَة الصَّلَاة والطاعات فَرضهَا ونفلها وَترك مَا للنَّفس من شهوات نفسانية أَو بهيمية مُحرمَة أَو مَكْرُوهَة وَإِيَّاك ثمَّ إياك أَن يَقع مِنْك نقص فِي إيمانك بارتكاب مَعْصِيّة من معاصي الله تَعَالَى فَتَقَع فِي خسران عمرك النفيس الَّذِي لَا يعدل مِنْهُ لَحْظَة مِنْهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا وَهُوَ رَأس مَالك الَّذِي تربح فِيهِ السَّعَادَة الأبدية والعيشة المرضية وَكن دَائِما ساعيا فِي صفاء قَلْبك من الكدورات البشرية ذَا تَجْدِيد لَهُ فَكلما صفيته من كدر وَحدث فِيهِ كدر آخر من جنسه أَو من غير جنسه سعيت فِي تنقيته مِنْهُ حَتَّى لَا يزَال قَلْبك صافيا وَأَنت بالإجتهاد فِي إِصْلَاحه ساعيا بِكَثْرَة الصَّلَاة والطاعات وَترك مَا لنَفسك من الشَّهَوَات فَكلما تحركت إِلَى شَهْوَة فتداركها ببصيرتك وفر مِنْهَا بِصدق التجائك إِلَى مَوْلَاك وَكن مستنصرا بِرَبِّك على قَلْبك ومستعينا على نَفسك بقلبك فبدوام تصفيتك تحصل جمعيتك وَلِهَذَا كَانَ أَكثر الصُّوفِيَّة على أَنه إِنَّمَا سمي الصوفى بذلك لِكَثْرَة تصفيته قلبه قَالَ سهل بن عبد الله الصُّوفِي من صفا من الكدر وامتلأ من العبر وَانْقطع إِلَى الله عَن الْبشر وتساوى عِنْده الذَّهَب والمدر وَقَالَ الْغَزالِيّ كَانَ اسْم الْفَقِيه فِي الْعَصْر الأول لمن علم طَرِيق الْآخِرَة ودقائق آفَات النُّفُوس ومفسدات الْأَعْمَال واستيلاء الْخَوْف على الْقلب دون من علم الْفُرُوع الْعَرَبيَّة وَأَحْكَام الْفَتَاوَى وَقَول النَّاظِم بِكَثْرَة وَترك مُتَعَلق بِكُل من مزِيد وتجديد وَفِي بعض النّسخ فشهوة النَّفس مَعَ الذُّنُوب موجبتان قسوة الْقُلُوب أَي ارْتِكَاب الْمُكَلف لشهوات نَفسه وارتكابه الذُّنُوب الطالبة لَهَا مقتضيات قسوة قلبه

وَإِن أبعد قُلُوب النَّاس من رَبنَا الرَّحِيم قلب قاسي أَي أبعد النَّاس من رَحمَه رَبنَا الرَّحِيم صَاحب الْقلب القاسي لخَبر التِّرْمِذِيّ عَن عبد الله بن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يَقُول لَا تكثروا الْكَلَام بِغَيْر ذكر الله فَإِن كَثْرَة الْكَلَام بِغَيْر ذكر الله قسوة للقلب وَإِن أبعد النَّاس من الله الْقلب القاسي وَفِي مُسْند الْبَزَّار عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَرْبَعَة من الشَّقَاء جمود الْعين وقساوة الْقلب وَطول الأمل والحرص على الدُّنْيَا وَفِي ذكر رَبنَا وَوَصفه بالرحيم مُبَالغَة فِي التَّعَبُّد وَفِي نُسْخَة بدل هَذَا الْبَيْت وَإِن من أبعد قُلُوب النَّاس لربنا الرَّحِيم قلب قاسي فدال أبعد سَاكِنة وَوَصلهَا بنية الْوَقْف وَاللَّام فِي لربنا مُتَعَلقَة بأبعد وَهُوَ بِمَعْنى من أوعن وقلب مَرْفُوع على أَنه مُبْتَدأ خَبره قاسى وَالْجُمْلَة خبر لِأَن وَاسْمهَا ضمير الشَّأْن وَعَلِيهِ حمل خبر إِن من أَشد النَّاس عذَابا يَوْم الْقِيَامَة المصورون وَلَا يحمل على زِيَادَة من خلافًا للكسائي وَسَائِر الْأَعْمَال لَا تخلص إِلَّا مَعَ النِّيَّة أَي إِن سَائِر الْأَعْمَال لَا يخلص فاعلها من عُهْدَة تَكْلِيفه بهَا بِأَن تقع صَحِيحَة مجزئة مثابا عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ النِّيَّة والأعمال جمع عمل وَهُوَ يتَنَاوَل عمل اللِّسَان والجنان والأركان وَظَاهر أَن النِّيَّة لَا تحْتَاج إِلَى نِيَّة أُخْرَى فتندرج فِيهَا الْعِبَادَات وَغَيرهَا كطهارة الْحَدث وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصِّيَام وَالْحج وَالْعمْرَة وَالْأُضْحِيَّة وَالْهدى والعقيقة وَالْكَفَّارَة وَالْجهَاد وَالصَّدقَات وَقَضَاء حوائج النَّاس وعيادة المرضى وَاتِّبَاع الْجَنَائِز وَابْتِدَاء السَّلَام ورده وتشميت الْعَاطِس وَجَوَابه وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر وَإجَابَة الدَّعْوَى وَحُضُور مجْلِس الْعلم والإذكار وزيارة الأخوان والقبور وَالنَّفقَة على الْأَهْل والضيفان وإكرام أهل الْفضل وَذَوي الْأَرْحَام ومذاكرة الْعلم والمناظرة فِيهِ وتكريره وتدريسه وتعلمه وتعليمه ومطالعته وكتابته وتصنيفه وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاء وإماطة الْأَذَى عَن الطَّرِيق والنصيحة والإعانة على الْبر وَالتَّقوى وَقبُول الْأَمَانَات وأداؤها وَأما الْوَاجِب الَّذِي لم يشرع عبَادَة كرد الْمَغْصُوب والمباح وَالْمَكْرُوه وَالْمحرم فَلَا يفْتَقر إِلَى نِيَّة وَلَكِن لَا يُثَاب عَلَيْهَا إِلَّا مَعَ النِّيَّة فَيَنْبَغِي استحضار النِّيَّة عِنْد الْأكل وَالشرب وَالنَّوْم بِأَن يقْصد بهَا التَّقْوَى على الطَّاعَة وَعند جماع موطوءته بِأَن يقْصد بِهِ المعاشرة بِالْمَعْرُوفِ وإيصال الْمَرْأَة حَقّهَا وإعفافها وإعفاف نَفسه وَتَحْصِيل ولد صَالح ليعبد الله وَعند عمل حِرْفَة كالزراعة بِأَن يقْصد بهَا إِقَامَة فرض الْكِفَايَة ونفع الْمُسلمين وَالضَّابِط أَنه مَتى قصد بِالْعَمَلِ امْتِثَال أَمر الشَّارِع وبتركه الإنهاء بنهي الشَّارِع كَانَ مثابا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا فَعلم أَن التروك وَنَحْوهَا وَإِن كَانَت لَا تفْتَقر إِلَى نِيَّة فِي عُهْدَة الْخُرُوج من التَّكْلِيف بهَا لكنه لَا يُثَاب عَلَيْهَا إِلَّا بهَا وَالْكَلَام على النِّيَّة من سَبْعَة أوجه نظمها بَعضهم فِي قَوْله ... حَقِيقَة حكم مَحل وزمن ... كَيْفيَّة شَرط ومقصود حسن ... والمرجح أَن إيجادها ذكرا فِي أول الْعَمَل ركن واستصحابها حكما بِأَن لَا يَأْتِي بمناف لَهَا شَرط فَمَا أفهمهُ ظَاهر قَوْله مَعَ النِّيَّة من أَنَّهَا شَرط للصِّحَّة خَارج عَن الْمَاهِيّة مصاحب لَهَا إِنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَار شَرطهَا حَتَّى لَا يُخَالف الْمَشْهُور من أَنَّهَا ركن وَاللَّام فِيهَا للْعهد أَو معاقبة للضمير على رَأْي وَالتَّقْدِير إِلَّا مَعَ نياتها ككون الْعَمَل صَلَاة أَو غَيرهَا ظهرا مثلا أَو غَيرهَا وَكَونه فرضا مثلا حَيْثُ تخلص أَي أَنه لَا بُد فِي حُصُول الثَّوَاب على الْعَمَل من إخلاص نِيَّة فَاعله مَعَ الله تَعَالَى بِأَن لم يُشْرك فِيهَا غَيره وَقد عبر عَن الْإِخْلَاص بعبارات شَتَّى ترجع إِلَى أَنه تصفية الْفِعْل عَن الملاحظة للمخلوق وَمَا أَفَادَهُ كَلَام المُصَنّف من أَن الْعَامِل إِذا شرك فِي عمله بَين أَمر ديني ودنيوي لَا أجر لَهُ مُطلقًا هُوَ مااختاره ابْن عبد السَّلَام وَغَيره واستظهره الزَّرْكَشِيّ وَالْأَوْجه مَا اخْتَارَهُ الغزالى من اعْتِبَار الْبَاعِث فَإِن كَانَ الْأَغْلَب الديني

فَلهُ أجر بقدرة أَو الدنيوى فَلَا أجر لَهُ وَإِن تَسَاويا تساقطا وَقَول النَّاظِم حَيْثُ تخلص مَبْنِيّ للْمَفْعُول فصحح النِّيَّة قبل الْعَمَل وائت بهَا مقرونة بِالْأولِ أَي يجب على من أَرَادَ عملا تَصْحِيح نِيَّته قبل عمله وقرنها بِأول وَاجِب مِنْهُ كالوجه فِي الْوضُوء فَلَا يَكْفِي قرنها بِمَا بعده لخلو أول الْوَاجِبَات عَنْهَا وَلَا بِمَا قبله لِأَنَّهُ سنة تَابِعَة للْوَاجِب الَّذِي هُوَ الْمَقْصُود وَإِنَّمَا لم يُوجب الْمُقَارنَة فِي الصَّوْم لعسر مراقبة الْفجْر وتطبيق النِّيَّة عَلَيْهِ فَيصح بنية متراخية عَن الْعَمَل إِن كَانَ تَطَوّعا ومتقدمة عَلَيْهِ إِن كَانَ فرضا وَلَيْسَ لنا فِي الْعِبَادَات مَا يجوز تَقْدِيم النِّيَّة عَلَيْهِ غير الصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة نعم شرطُوا فِي الزَّكَاة أَن تكون النِّيَّة صدرت بعد تعْيين الْقدر الَّذِي يُخرجهُ فَإِن كَانَت قبله فَلَا وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة كَذَلِك وَالتَّحْقِيق أَنه لَيْسَ لنا مَا تمْتَنع مقارنته وَيجب تَقْدِيمه غير الصَّوْم وَأما مَا يجوز تقدمه فَهُوَ الْبَاقِي وَالضَّابِط أَن مَا دخل فِيهِ بِفِعْلِهِ اشْترطت فِيهِ الْمُقَارنَة كَالصَّلَاةِ وَمَا دخل فِيهِ لَا بِفِعْلِهِ لَا تشْتَرط كَالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَو نوى ثمَّ طلع الْفجْر وَهُوَ نَائِم صَحَّ صَوْمه فقد دخل فِيهِ بِدُونِ فعله وألحقت الزَّكَاة وَالْكَفَّارَة وَالْأُضْحِيَّة بِالصَّوْمِ لِأَنَّهَا قد تقع بِغَيْر فعله بالنيابة (وَإِن تدم) النِّيَّة (حَتَّى بلغت آخِره) أَي الْعَمَل (حزت الثَّوَاب كَامِلا فِي الْآخِرَة أَي ينْدب اسْتِدَامَة نِيَّة الْعَمَل ذكرا إِلَى إِتْمَامه لِئَلَّا يَخْلُو عَنْهَا حَقِيقَة أما استدامتها حكما بِأَن لَا يَأْتِي بِمَا ينافيها فَوَاجِب كَمَا مر وَقَوله تدم بِضَم التَّاء وَكسر الدَّال أَو بِفَتْح التَّاء وَضم الدَّال ففاعلة على الأول ضمير الْمُخَاطب وعَلى الثَّانِي ضمير النِّيَّة (وَنِيَّة وَالْقَوْل ثمَّ الْعَمَل بِغَيْر وفْق سنة لَا تكمل) أَي أَن النِّيَّة وَالْقَوْل وَالْعَمَل إِن وَقعت على غير وفْق سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَي شَرِيعَته لَا تكمل أَي لَا تعْتَبر لِأَنَّهَا مَعْصِيّة أَو قريبَة مِنْهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ وَمَا نهاكم عَنهُ فَانْتَهوا﴾ فَلَو عبر بِلَا تحصل لَكَانَ أنسب (من لم يكن يعلم ذَا فليسأل) أَي من لم يعلم مَا مر بِأَن جَهله أَو شَيْئا مِنْهُ فالإشارة بذا إِلَيْهِ فليسأل أهل الْعلم وجوبا إِن كَانَ وَاجِبا وندبا إِن كَانَ مَنْدُوبًا لقَوْله تَعَالَى ﴿فاسألوا أهل الذّكر إِن كُنْتُم لَا تعلمُونَ﴾ وهم أهل الْعلم (من لم يجد معلما فليرحل) أَي من لم يجد معلما يُعلمهُ مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من أَمر دينه ومعاشه فليرحل وجوبا لتعلم الْوَاجِب وندبا للمندوب فقد رَحل الْكَرِيم للاستفادة من الْخضر ورحل جَابر ابْن عبد الله مسيرَة شهر إِلَى عبد الله بن أنيس فِي حَدِيث وَاحِد (وَطَاعَة مِمَّن حَرَامًا يَأْكُل مثل الْبناء فَوق موج يَجْعَل) أَي أَن فعل الطَّاعَة من صَلَاة وَصَوْم وَحج وَغير ذَلِك مِمَّن يَأْكُل أَو يشرب أَو يلبس حَرَامًا عَالما بِهِ مثل وَاضع بِنَاء فَوق موج بَحر عجاج بِأَن يَجعله أساسا لَهُ وَمَعْلُوم أَنه لَا يثبت عَلَيْهِ فقد روى من حَدِيث ابْن عمر رَضِي الله عَنْهُمَا (من لم يُبَالِي من أَيْن اكْتسب المَال لم يبال الله من أَيْن أدخلهُ النَّار) وَتَخْصِيص النَّاظِم الْأكل لِأَنَّهُ أغلب الإنتفاعات ثمَّ شرع فِي ذكر شَيْء من أصُول الدّين وَهِي الْعلم بالعقائد الدِّينِيَّة عَن الْأَدِلَّة اليقينية فَقَالَ (فاقطع يَقِينا) من غير تردد (بالفؤاد) أَي الْقلب واجزم بِحَدَث بِفَتْح الْحَاء أَي تجدده بعد أَن لم يكن (الْعَالم بعد الْعَدَم) أَي يجب على الْمُكَلف أَن يتَيَقَّن بفؤاده وبحزم بِلِسَانِهِ بِكَوْن الْعَالم حَادِثا وَهُوَ مَا سوى الله تَعَالَى أوصائه وَقد أجمع على ذَلِك أهل الْملَل إِلَّا الفلاسفة وَقَوله يَقِينا مَنْصُوب على الْحَال أَي متيقنا أَو مفعول مُطلق (أحدثه) أوجده (لَا لاحتياجه الْإِلَه) أَي أَن

الْمُحدث للْعَالم هُوَ الله تَعَالَى كَمَا جَاءَ بِهِ السّمع وَدلّ عَلَيْهِ الْعقل فَإِن احدنا لَيْسَ بِقَادِر على خلق جارحة لنَفسِهِ أورد سمع أَو بصر فِي كَمَال قدرته وَتَمام عقله فَفِي كَونه نُطْفَة أَو عدما أولى فَوَجَبَ أَن الْخَالِق هُوَ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَدلّ على أنفراده بذلك دلَالَة التمانع الْمشَار إِلَيْهَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لَو كَانَ فيهمَا آلِهَة إِلَّا الله لفسدتا﴾ إِذْ لَو جَازَ كَونه اثْنَيْنِ لجَاز أَن يُرِيد أَحدهمَا شَيْئا وَالْآخر ضِدّه الَّذِي لَا ضد لَهُ غَيره كحركة زيد وسكونه بِأَن تتَعَلَّق الإرادتان مَعًا بإيجادهما فِي وَقت وَاحِد لِأَن كلا مِنْهُمَا أَمر مُمكن فِي نَفسه وَلذَا تعلّقت الْإِرَادَة بِكُل مِنْهُمَا إِذْ لَا تضَاد بَين الإرادتين بل بَين المرادين والممكن لَا يلْزم من فرض وُقُوعه محَال فَيمْتَنع وُقُوع المرادين وَعدم وقوعهما لِامْتِنَاع اجْتِمَاع الضدين الْمَذْكُورين وارتفاعهما فَيتَعَيَّن وُقُوع أَحدهمَا فَيكون مريده هُوَ الْإِلَه دون الآخر لعَجزه فَلَا يكون الْإِلَه إِلَّا وَاحِدًا (وَلَو أَرَادَ تَركه لما ابتداه) أَي أَنه فَاعل بِالِاخْتِيَارِ لَا بِالذَّاتِ إِن اراد فعل وَإِن أَرَادَ ترك إِذْ الْكل مُتَعَلق بإرادته ومشيئته فَمَا شَاءَ كَانَ وَمَا لم يَشَأْ لم يكن (فَهُوَ لما يُريدهُ فعال) أى أَنه فعال لما يُريدهُ خلافًا للفلاسفة الْقَائِلين بِأَنَّهُ موجد بِالذَّاتِ وَقد نطق الْقُرْآن الْعَظِيم بِأَنَّهُ فعال لما يُرِيد وَهُوَ كَمَا قَالَه أهل السّنة عَام فِي الْخَيْر وَالشَّر خلافًا اللمعتزلة حَيْثُ قَالُوا إِنَّمَا يُرِيد الْخَيْر فَهُوَ فعال لَهُ دون الشَّرّ وَقد أَشَارَ إِلَى مَذْهَبهم عبد الْجَبَّار مُخَاطبا للأستاذ أبي إِسْحَاق بقوله سُبْحَانَ من تنزه عَن الْفَحْشَاء فَأَجَابَهُ الْأُسْتَاذ بقوله سُبْحَانَ من لَا يجرى فِي ملكه إِلَّا مَا يَشَاء (وَلَيْسَ فِي الْخلق لَهُ مِثَال) أَي أَنه لَيْسَ فِي الْخلق بأسرهم لَهُ مِثَال لِأَنَّهُ لَو حصلت الْمُمَاثلَة بَينه وَبَين خلقه لم يكن وَاحِدًا لِأَن الْوَاحِد هُوَ الَّذِي لَا مثل لَهُ إِذْ لَو كَانَ لَهُ مثل لزم كَونه خَالِقًا ومخلوقا وقديما وحادثا مَعًا لِأَن مَا وَجب للمثل وَجب لمثله وكل ذَلِك محَال عقلا فَلَيْسَ كذاته ذَات وَلَا كَفِعْلِهِ فعل وَلَا كصفاته صفة جلت ذَاته الْقَدِيمَة عَن أَن يكون لَهَا صفة حَادِثَة كَمَا اسْتَحَالَ أَن يكون للذات الْحَادِثَة صفة قديمَة وَلِهَذَا أعظم الْمِنَّة على أهل التَّوْحِيد وأجزل النِّعْمَة على ذوى التَّحْقِيق حَيْثُ أعتق أسرهم عَن رق عبودية مَاله مثل وَعبادَة مَاله شكل وَلما كَانَ المعبود سُبْحَانَهُ لَا مثل لَهُ حق للعابدين أَن لَا يذروا مَقْدُورًا إِلَّا بذلوه وَلَا يغادروا معسورا فِي طلبه إِلَّا تَحملُوهُ إِذْ لايجوز بذل المهج إِلَّا فِي طلب الْعَزِيز الَّذِي لَا مثل لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ أَبُو إِسْحَاق الاسفراينى جمع أهل الْحق جَمِيع مَا قيل فِي التَّوْحِيد فِي كَلِمَتَيْنِ إِحْدَاهمَا اعْتِقَاد أَن كل مَا تصور فِي الأوهاو فَالله تَعَالَى بِخِلَافِهِ لِأَن الَّذِي يتَصَوَّر فِي الأوهام مَخْلُوق لله تَعَالَى وَالله تَعَالَى خالقه وَالثَّانيَِة اعْتِقَاد أَن ذَاته لَيست مشبهة بِذَات وَلَا معطلة عَن الصِّفَات وَقد أكد ذَلِك بقوله ﴿وَلم يكن لَهُ كفوا أحد﴾ وَهَذَا غَايَة فِي الإيجاز والجودة (قدرته لكل مَقْدُور جعل) أَي أَن قدرته تَعَالَى شَامِلَة لكل مَقْدُور من الممكنات الْجَوَاهِر والأعراض الْحَسَنَة والقبيحة النافعة والضارة فتعلقات قدرته لَا تتناهى وَإِن كَانَ كل مَا تعلّقت بِهِ بِالْفِعْلِ متناهيا فمتعلقاتها بِالْقُوَّةِ غير متناهية وبالفعل متناهية وَهَكَذَا القَوْل فِي متعلقات علمه تَعَالَى وَأَشَارَ بقوله (لكل مَقْدُور جعل) إِلَى أَن مُتَعَلق الْقُدْرَة الممكنات أما المستحيلات فلعدم قابليتها للوجود لم تصلح أَن تكون محلا لتَعلق الْقُدْرَة لَا لكلال فِيهَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا كل شَيْء خلقناه بِقدر﴾ ﴿وَخلق كل شَيْء فقدره تَقْديرا﴾ ﴿وَمَا أَصَابَكُم يَوْم التقى الْجَمْعَانِ فبإذن الله﴾ أَي بِقَضَائِهِ وَقدره ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ ﴿ونبلوكم بِالشَّرِّ وَالْخَيْر فتْنَة﴾ ﴿وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ﴾ وَفِي الْخَبَر الصَّحِيح (كل شَيْء بِقَضَاء وَقدر) (وَعلمه لكل مَعْلُوم شَمل) اى إِن علمه تَعَالَى شَامِل لكل مَعْلُوم مَكَانا أَو مُتَمَكنًا جوهرا أَو عرضا وجودا أَو عدما جزئيا أَو كليا وَاجِبا أَو جَائِزا أَو محالا قَدِيما أَو حَادِثا يعلم ذَلِك بِعلم وَاحِد قديم لَا بِتَعَدُّد بتعداد المعلومات وَلَا يَتَجَدَّد بتجددها

وَلَيْسَ بمكتسب وَلَا ضرورى لقَوْله تَعَالَى ﴿أحَاط بِكُل شَيْء علما﴾ ﴿وَمَا تسْقط من ورقة إِلَّا يعلمهَا وَلَا حَبَّة فِي ظلمات الأَرْض وَلَا رطب وَلَا يَابِس إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ ﴿عَالم الْغَيْب لَا يعزب عَنهُ مِثْقَال ذرة فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الأَرْض وَلَا أَصْغَر من ذَلِك وَلَا أكبر إِلَّا فِي كتاب مُبين﴾ وأطبق الْمُسلمُونَ على أَنه تَعَالَى يعلم دَبِيب النملة السَّوْدَاء على الصَّخْرَة الصماء فِي اللَّيْلَة الظلماء وَأَن علمه مُحِيط بِجَمِيعِ الْأَشْيَاء جملَة وتفصيلا وَكَيف لَا وَهُوَ خَالِقهَا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿أَلا يعلم من خلق﴾ وَقَول النَّاظِم جعل مبْنى للْمَفْعُول أَو للْفَاعِل وَقَوله شَمل بِكَسْر الْمِيم وبجوز فتحهَا (مُنْفَرد بالخلق وَالتَّدْبِير أى أَنه تَعَالَى مُنْفَرد باختراع الْأَعْيَان والْآثَار والجواهر والأعراض لَا يخرج حَادث عَن أَن يكون مخلوقا لَهُ فأفعال الْعباد الاختيارية وَاقعَة بقدرة الله تَعَالَى وَحدهَا وَلَيْسَ لقدرتهم تَأْثِير فِيهَا بل الله تَعَالَى أجْرى عَادَته بِأَن يُوجد فِي العَبْد قدرَة واختيارا فَإِذا لم يكن هُنَاكَ مَانع أوجد فِيهِ فعله الْمَقْدُور مُقَارنًا لَهما فَيكون فعل العَبْد مخلوقا لله تَعَالَى إبداعا وإحداثا ومكسوبا للْعَبد وَالْمرَاد بِكَسْبِهِ لَهُ مقارنته لقدرته وإرادته من غير أَن يكون مِنْهُ تَأْثِير أَو مدْخل فِي وجوده سوى كَونه محلا لَهُ وَهُوَ مُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ للأمور من غير مشارك لَهُ وَلَا معِين فَلَا يحدث حَادث فِي الْعَالم الْعلوِي وَلَا السفلي إِلَّا بتدبيره وإرادته وقضائه وحكمته قَالَ تَعَالَى ﴿يدبر الْأَمر﴾ أى يبرمه وينفذه بِمَا يُريدهُ عبر عَنهُ بِهِ تَقْرِيبًا إِذْ هُوَ عَالم بعواقب الْأُمُور كلهَا من غير نظر وَلَا فكر يعلم مَا يكون قبل أَن يكون ومالا يكون إِذْ لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون وَمن علم أَنه مُنْفَرد بِالتَّدْبِيرِ لَا يفكر فِي تَدْبِير نَفسه بل يكل تَدْبيره إِلَى خالقه فَمن لَا خلق لَا تَدْبِير لَهُ قَالَ أهل الْمعرفَة من لم يدبر دبرله وَإِن كَانَ لابد من التَّدْبِير فدبر أَن لَا تدبر (جلّ عَن الشبيه والنظير) أى أَنه تَعَالَى جلّ عَن الشبيه والنظير فِي ذَاته وَصِفَاته وأفعاله قَالَ الفاكهى الظَّاهِر أَن الشبيه والنظير والمثيل وَنَحْو ذَلِك أَسمَاء مترادفة وَيحْتَمل أَن يُقَال هُنَا تَعَالَى عَن الشبيه فِي ذَاته والنظير فِي صِفَاته (حى) والحياة صفة أزلية تقتضى صِحَة الْعلم لموصوفها (مُرِيد) والإرادة صفة أزلية تخصص أحد طرفى الشَّيْء من الْفِعْل وَالتّرْك بالوقوع (قَادر) وَالْقُدْرَة صفة أزلية تُؤثر فِي الشَّيْء عِنْد تعلقهَا بِهِ (علام) وَالْعلم صفة أزلية لَهَا تعلق بالشَّيْء على وَجه الْإِحَاطَة بِهِ على مَا هُوَ عَلَيْهِ (لَهُ الْبَقَاء) وَهُوَ اسْتِمْرَار الْوُجُود فَلَا أول لَهُ وَلَا آخر (والسمع) وَهُوَ صفة أزلية تحيط بالمسموعات وَاكْتفى بِذكر السّمع عَن الْبَصَر وَهُوَ صفة أزلية تحيط بالمبصرات (وَالْكَلَام) وَهُوَ صفة أزلية عبر عَنْهَا بالنظم الْمَعْرُوف الْمُسَمّى بِكَلَام الله أَيْضا ويسميان بِالْقُرْآنِ أَيْضا وَقَول النَّاظِم علام صِيغَة مُبَالغَة وَهَذِه الصِّفَات نظمها بَعضهم فِي قَوْله حَيَاة وَعلم قدرَة وَإِرَادَة كَلَام وابصار وَسمع مَعَ البقا ... فهذى صِفَات االله جلّ قديمه لَدَى الأشعرى الحبر ذِي الْعلم والتقى هَذَا مَذْهَب أهل الْحق إِلَّا أَن بعض أَئِمَّتنَا أنكر الثَّامِنَة وَهِي الْبَقَاء وَقَالَ هُوَ بَاقٍ بِذَاتِهِ لَا بِبَقَاء وَهَذِه الصِّفَات زَائِدَة على مَفْهُوم الذَّات وَلَيْسَت عينهَا وَلَا غَيرهَا كَمَا مر أما صِفَات الْأَفْعَال كالخلق والرزق والإحياء والإماتة وبجمعها اسْم التكوين فَلَيْسَتْ أزلية خلافًا لبَعض الْحَنَفِيَّة بل هِيَ حَادِثَة أى متجددة لِأَنَّهَا إضافات تعرض للقدرة وهى تعلقاتها بوجودات المقدورات لأوقات وجوداتها وَلَا مَحْذُور فِي اتصاف البارى سُبْحَانَهُ بالإضافات كَكَوْنِهِ قبل الْعَالم وَمَعَهُ وَبعده وأزلية أَسْمَائِهِ الراجعة إِلَى صِفَات الْأَفْعَال من حَيْثُ رُجُوعهَا إِلَى الْقُدْرَة لَا الْفِعْل فالخالق مثل من شَأْنه الْخلق أى الَّذِي هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يَصح بهَا الْخلق وَهِي الْقُدْرَة كَمَا يُقَال المَاء فِي الْكوز مروأى هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يحصل بهَا الإرواء عِنْد مصادفة الْبَاطِن وَالسيف فِي الغمد قَاطع أى هُوَ بِالصّفةِ الَّتِى يحصل بهَا الْقطع عِنْد ملاقاة الْمحل فَإِن

أُرِيد بالخالق مِنْهُ من صدر مِنْهُ الْخلق فَلَيْسَ صدوره أزليا وَقَول النَّاظِم البقا بالقص بِالْقصرِ للوزن (كَلَامه كوصفه الْقَدِيم) أى كَلَام الله تَعَالَى النَّفْسِيّ صفة قديمَة كَبَقِيَّة صِفَاته الْقَدِيمَة بِحرف وَلَا صَوت لِأَنَّهُمَا عرضان حادثان ويستحيل اتصاف الْقَدِيم بالحادث وَهَذَا مَذْهَب أهل الْحق وَقد ذكر الْإِنْسَان فِي ثَمَانِيَة وَعشْرين موضعا وَقَالَ إِنَّه مَخْلُوق وَذكر الْقُرْآن فِي أَرْبَعَة وَخمسين موضعا وَلم يقل إِنَّه مَخْلُوق وَلما جمع بَينهمَا نبه على ذَلِك فَقَالَ ﴿الرَّحْمَن علم الْقُرْآن خلق الْإِنْسَان علمه الْبَيَان﴾ ثمَّ تَارَة يدل عَلَيْهِ بالعبارة وَتارَة يدل عَلَيْهِ بِالْكِتَابَةِ فَإِذا عبر عَنهُ بِالْعَرَبِيَّةِ كَانَ قُرْآنًا وبالعبرانية فتوارة وبالسريانية فإنجيل كَمَا إِذا ذكر الله تَعَالَى بلغات مُخْتَلفَة فالمسمى وَاحِد وَإِن كَانَت اللُّغَات مُخْتَلفَة أما الْعبارَات الدَّالَّة عَلَيْهِ فمخلوق حَادِثَة لَكِن امْتنع الْعلمَاء من إِطْلَاق الْخلق والحدوث عَلَيْهَا إِذا سميت قُرْآنًا لما فِيهِ من الْإِيهَام (لم يحدث المسموع للكليم) أى الْكَلَام الَّذِي سَمعه الكليم مُوسَى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَلَام الله تَعَالَى حَقِيقَة لَا مجَازًا فَلَا يكون مُحدثا لما مر وَهَذَا معنى قَوْله (لم يحدث المسموع للكليم) أى لم يُوصف الْكَلَام المسموع للكليم بِأَنَّهُ مُحدث بل هُوَ قديم لِأَنَّهُ الصّفة الأزلية الْحَقِيقِيَّة وَلِأَنَّهُ كَمَا لم تتعذر رُؤْيَته تَعَالَى مَعَ أَنه لَيْسَ جسما وَلَا عرضا كَذَلِك لَا يتَعَذَّر سَماع كَلَامه مَعَ إِنَّه لَيْسَ حرفا وَلَا صَوتا وَقَوله يحدث بِضَم الْيَاء من أحدث أَو بِفَتْحِهَا من حدث فالمسموع مَنْصُوب على الأول بِكَوْنِهِ مَفْعُولا ومرفوع على الثَّانِي بالفا لمية (يكْتب فِي اللَّوْح وباللسان يقْرَأ كَمَا حفظ بالأذهان) أى أَن الْقُرْآن الْعَزِيز يُطلق عَلَيْهِ شرعا إطلاقا حَقِيقِيًّا لَا مجازيا أَنه مَكْتُوب فِي ألواحنا وَمَصَاحِفنَا بأشكال الْكِتَابَة وصور الْحُرُوف الدَّالَّة عَلَيْهِ قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (لَا تسافرو فِي الْقُرْآن إِلَى أَرض الْعَدو مَخَافَة أَن يَنَالهُ الْعَدو) وَلِهَذَا قَالَ بعض أَصْحَابنَا أَن ينْعَقد الْيَمين بالمصحف فِي حَالَة الْإِطْلَاق وَأَنه مقروء بألسنتنا بِحُرُوفِهِ الملفوظة المسموعة بآذاننا وَلِهَذَا حرمت قِرَاءَة الْقُرْآن على ذى الْحَدث الْأَكْبَر وَأَنه لمحفوظ بأذهاننا فِي صدورنا واتصاف الْقُرْآن بِهَذِهِ الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة وَبِأَنَّهُ غير مَخْلُوق أى مَوْجُود أزلا وابدا اتصاف لَهُ بِاعْتِبَار وجودات الموجودات الْأَرْبَعَة فان لكل مَوْجُود وجودا فِي الْخَارِج ووجودا فِي الذِّهْن ووجودا فِي الْعبارَة ووجودا فِي الْكِتَابَة فَهِيَ تدل على الْعبارَة وَهُوَ على مَا فِي الذِّهْن وَهُوَ على مَا فِي الْخَارِج فالقرآن بِاعْتِبَار الْوُجُود الذهنى مَحْفُوظ فِي الصُّدُور وَبِاعْتِبَار الْوُجُود اللساني مقروء بالألسنة وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْبَيَانِي مَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف وَبِاعْتِبَار الْوُجُود الْخَارِجِي وَهُوَ الْمَعْنى الْقَائِم بِالذَّاتِ المقدسة لَيْسَ فِي الصُّدُور وَلَا فِي الْأَلْسِنَة وَلَا فِي الْمَصَاحِف (أرسل رسله بمعجزات ظَاهِرَة لِلْخلقِ باهرات) أى يجب على كل مُكَلّف اعْتِقَاد أَن الله تَعَالَى أرسل الرُّسُل من الْبشر إِلَى الْبشر مبشرين لأهل الْإِيمَان وَالطَّاعَة بالثواب وَالْجنَّة ومنذرين لأهل الْكفْر والعصيان بالعقاب وَالنَّار لتبليغ الرسَالَة وَبَيَان مَا أنزل عَلَيْهِم مِمَّا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ من أَمر الدُّنْيَا وَالدّين ولإقامة حجَّة الله على خلقه لقَوْله تَعَالَى ﴿لِئَلَّا يكون للنَّاس على الله حجَّة بعد الرُّسُل﴾ وبدونهم لَا يُمكن الْوُصُول إِلَى الله وَلَا يَصح سلوك الطَّرِيق إِلَيْهِ لِأَن الْعقل لَا يسْتَقلّ بِإِدْرَاك الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وأحوال الْقِيَامَة وأيدهم بالمعجزات الظاهرات الباهرات إِذْ مدعى الرسَالَة لَا بُد لَهُ من دَلِيل على دَعْوَاهُ والمعجزة دَلِيله وَالْمرَاد الْحجَّة الظَّاهِرَة الَّتِي يُشَارِكهُ فِي الْعلم بهَا خلقه أما الْحجَّة الْحَقِيقِيَّة الْمُنْفَرد هُوَ بعلمها فَهِيَ قَائِمَة على الْخلق بِدُونِ الرُّسُل لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ حكم عدل وَقد روى أَن عدد الأنبءيا مائَة ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَقيل مِائَتَا ألف وَأَرْبَعَة وَعِشْرُونَ ألفا وَقيل ألف ألف وَمِائَتَا ألف وَخَمْسَة وَعِشْرُونَ ألفا عدد الْمُرْسلين مِنْهُم ثلثمِائة وَثَلَاثَة عشر وَقيل وَأَرْبَعَة عشر وَالْمَذْكُور مِنْهُم فِي الْقُرْآن بأسماء الْأَعْلَام ثَمَانِيَة وَعِشْرُونَ نَبيا آدم وَإِدْرِيس ونوح وَهود وَصَالح وَإِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق

وَيَعْقُوب ويوسف وَلُوط ومُوسَى وهرون وَشُعَيْب وزَكَرِيا وَيحيى وَعِيسَى وَدَاوُد وَسليمَان وإلياس وأليسع وَذُو الكفل وَأَيوب وَيُونُس وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَذُو القرنين وعزيز ولقمان وعَلى القَوْل بنبوة الثَّلَاثَة وَقَالَ بَعضهم لم ينْحَصر عدد الْأَنْبِيَاء وَلَا الرُّسُل لقَوْله تَعَالَى ﴿مِنْهُم من قَصَصنَا عَلَيْك وَمِنْهُم من لم نَقْصُصْ عَلَيْك﴾ والمعجزة أَمر خارق للْعَادَة مقرون بالتحدى مَعَ عدم الْمُعَارضَة من الْمُرْسل إِلَيْهِم وَسميت معْجزَة لتضمنها تعجيزهم عَن الْإِتْيَان بِمِثْلِهَا على أَن تَسْمِيَتهَا بذلك مجَاز لِأَن الْعَجز تبين بهَا فان المعجز فِي الْحَقِيقَة خَالق الْعَجز وَالْأَمر يَشْمَل القَوْل وَغَيره وَالْمرَاد بخرقه للْعَادَة ظُهُوره على خلَافهَا كإحياء ميت وإعدام جبل وانفجار المَاء من بَين الْأَصَابِع والتحدي دَعْوَى الرسَالَة إِذْ لَيْسَ الشَّرْط الاقتران بالتحدى بِمَعْنى طلب الْإِتْيَان بِالْمثلِ الَّذِي هُوَ الْمَعْنى الْحَقِيقِيّ للتحدي فَمن قيل لَهُ إِن كنت رَسُولا فأت بمعجزة فأظهر الله على يَدَيْهِ معجزا كَانَ ظُهُوره دَلِيلا على صدقه نازلا منزلَة التَّصْرِيح بالتحدى وَخرج بقَوْلهمْ خارق الْعَادة وَغَيره كطلوع الشَّمْس كل يَوْم على الْعَادة وَخرج بقَوْلهمْ مقرون بالتحدى الخارق من غير تحد وَهُوَ كَرَامَة الولى والخارق الْمُتَقَدّم على التحدى كالموجود من النَّبِي قبل النُّبُوَّة وَهُوَ الْمُسَمّى عِنْد أهل الْأُصُول إرهاصا أى تأسيسا للنبوة من أرهصت الْحَائِط إِذا أسسته كشق صدر نَبينَا مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَغسل قلبه فِي زمن الصِّبَا وإظلال الْغَمَام وتكليم الشّجر وَالْحجر قبل النُّبُوَّة وَفِي المواقف ان هَذِه تسمى كرامات أَيْضا والخارق الْمُتَأَخر عَنهُ بِمَا يُخرجهُ عَن الْمُقَارنَة الْعُرْفِيَّة وَقَوْلهمْ مَعَ عدم الْمُعَارضَة من الْمُرْسل إِلَيْهِم مَعْنَاهُ أَن تتعذر معارضته مَعَ كَونه مُوَافقا لدعوى الرَّسُول دَالا على صدقه وَخرج السحر والشعبذة من الْمُرْسل إِلَيْهِم إذلا مُعَارضَة بذلك وَالظَّاهِرَة الْوَاضِحَة والباهرات الغالبات لمن تحدى بِهن لِأَن البهر لُغَة الْغَلَبَة أَو الأتيان بِمَا يتعجب مِنْهُ من البهر بِمَعْنى الْعجب والبالغات فِي الظُّهُور الْغَايَة من قَوْلهم ابهر فلَان فِي كَذَا إِذا بَالغ فِيهِ وَلم يدع جهدا (وَخص من بَينهم مُحَمَّدًا) أى أَن الله تَعَالَى خص من بَين الرُّسُل نَبينَا مُحَمَّدًا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم بخصائص كَثِيرَة لَا تكَاد تَنْحَصِر ذكر الائمة غالبها فِي مؤلفاتهم المختصة بهَا وَقد أَشَارَ النَّاظِم رَحمَه الله تَعَالَى إِلَى ذَلِك بِحَذْف الْمُتَعَلّق لِأَنَّهُ يُؤذن بِالْعُمُومِ فَقَالَ (فَلَيْسَ بعده نَبِي أبدا) أى إِن مِمَّا خصّه الله بِهِ أَنه خَاتم النَّبِيين فَلَا نَبِي بعده وَأَن الله تَعَالَى بَعثه إِلَى كَافَّة الْخلق من الْإِنْس وَالْجِنّ وَقد أفتى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ لم يبْعَث إِلَى الْمَلَائِكَة فَفِي تَفْسِير الإِمَام الرَّازِيّ والبرهان النَّسَفِيّ حِكَايَة الاجماع على أَنه لم يُرْسل إِلَيْهِم أما غَيره فَكَانَت رسَالَته خَاصَّة وَعُمُوم رِسَالَة نوح بعد الطوفان لانحصار البَاقِينَ فِيمَن كَانَ مَعَه فِي السَّفِينَة وَأَنه (فَضله على جَمِيع من سواهُ) من الْمُرْسلين والأنبياء وَالْمَلَائِكَة وَغَيرهم فَفِي الصَّحِيحَيْنِ (أَنا سيد ولد آدم) وَيُؤْخَذ مِنْهُ تفضيله على آدم بِالْأولَى لِأَن أفضل الْأَنْبِيَاء وَالرسل أولو الْعَزْم وهم نوح وَإِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على أَنه ورد عَنهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ (أَنا سيد النَّاس يَوْم الْقِيَامَة) وخصها بِالذكر لظُهُوره لكل أحد بِلَا مُنَازعَة لقَوْله تَعَالَى ﴿لمن الْملك الْيَوْم﴾ وَنَوع الآدمى أفضل الْخلق فَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أفضل الْخلق وَقد حكى الرَّازِيّ الاجماع على أَنه مفضل على جَمِيع الْعَالمين وَأما خبر (لَا تفضلونى على يُونُس لَا تفضلوا بَين الْأَنْبِيَاء) وَنَحْوهمَا فَهُوَ مَحْمُول على نهى عَن تَفْضِيل يفضى لنَقص بَعضهم فانه كفر أَو عَن تَفْضِيل فِي نفس النُّبُوَّة الَّتِى لَا تَتَفَاوَت فِي ذَوَات الْأَنْبِيَاء المتفاوتين بالخصائص أَو نهى عَن ذَلِك تأدبا وتواضعا أَو قبل علمه بِأَنَّهُ أفضل الْخلق وَبعده فِي التَّفْضِيل الانبياء ثمَّ الْمَلَائِكَة فخواص الْبشر أفضل من خَواص الْمَلَائِكَة وخواص الْمَلَائِكَة أفضل من عوام الْبشر وَعَامة الْبشر أفضل من عَامَّة الْمَلَائِكَة وهم أجسام لَطِيفَة لَهُم قُوَّة التشكل والتبدل قادرون على أَفعَال شاقة عباد مكرمون مواظبون على الطَّاعَة معصومون عَن الْمُخَالفَة وَالْفِسْق لَا يوصفون بذكورة وَلَا أنوثة

فَهُوَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (الشَّفِيع) يَوْم الْقِيَامَة قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (أَنا أول شَافِع وَأول مُشَفع) وَله شفاعات أعظمها فِي تَعْجِيل الْحساب والإراحة من هول الْموقف حِين يفزعون إِلَيْهِ بعد الْأَنْبِيَاء وَهِي مُخْتَصَّة بِهِ بِالْإِجْمَاع وَهِي المُرَاد بالْمقَام الْمَحْمُود فِي قَوْله تَعَالَى ﴿عَسى أَن يَبْعَثك رَبك مقَاما مَحْمُودًا﴾ وَهُوَ الْمقَام الَّذِي يحمده فِيهِ الْأَولونَ وَالْآخرُونَ الثَّانِيَة فِي إِدْخَال قوم الْجنَّة بِغَيْر حِسَاب وَلَا عِقَاب قَالَ القَاضِي عِيَاض وَالنَّوَوِيّ وَغَيرهمَا وَهِي مُخْتَصَّة بِهِ قَالَ بَعضهم وَالْعجب مِمَّن توقف فِي هَذِه الخصوصية وَقَالَ لَا دَلِيل عَلَيْهَا إِذْ الدَّلِيل عَلَيْهَا الاجماع على أَن هَذِه الْأُمُور لَا تدْرك بِالْعقلِ وَلم يرد النَّقْل إِلَّا فِي حَقه وَالْأَصْل الْعَدَم والبقاء على مَا كَانَ الثَّالِثَة فِي أنَاس استحقوا دُخُول النَّار فَلَا يدْخلُونَهَا قَالَ القَاضِي عِيَاض وَغَيره ويشركه فِيهَا من يَشَاء الله وَتردد النَّوَوِيّ فِي ذَلِك قَالَ السكبي لِأَنَّهُ لم يرد تَصْرِيح بذلك وَلَا بنفيه قَالَ وهى فِي إجَازَة قَالَ وَهِي فِي إجَازَة الصِّرَاط بعد وَضعه وَيلْزم مِنْهَا النجَاة من النَّار الرَّابِعَة فِي إِخْرَاج من أَدخل النَّار من الْمُوَحِّدين وَفِي قلبه مِثْقَال ذرة من إِيمَان وَهِي مُخْتَصَّة بِهِ الْخَامِسَة فِي إِخْرَاج من أَدخل النَّار من الْمُوَحِّدين غير هَؤُلَاءِ ويشاركه فِيهَا الْأَنْبِيَاء وَالْمَلَائِكَة والمؤمنون السَّادِسَة فِي زِيَادَة الدَّرَجَات فِي الْجنَّة لأَهْلهَا وَجوز النَّوَوِيّ اختصاصها بِهِ السَّابِعَة فِي تَخْفيف الْعَذَاب عَن بعض الْكفَّار كأبى طَالب وَجعل ابْن دحْيَة مِنْهُ التَّخْفِيف عَن أبي لَهب فِي كل يَوْم اثْنَيْنِ لسروره بِوِلَادَة النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وإعتاقه ثويبة حِين بَشرته بِهِ وَمن شفاعاته أَنه يشفع لمن مَاتَ بِالْمَدِينَةِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَأَن يشفع فِي التَّخْفِيف من عَذَاب الْقَبْر وَفِي العروة الوثقى للقزوينى أَنه يشفع لجَماعَة من صلحاء الْمُسلمين يتَجَاوَز عَنْهُم فِي تقصيرهم فِي الطَّاعَات وَذكر بَعضهم أَنه يشفع فِي أَطْفَال الْمُشْركين حَتَّى يدخلُوا الْجنَّة وَعبارَة المُصَنّف شَامِلَة لجَمِيع ذَلِك (والحبيب للاله) أى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم حبيب الله لخَبر (أَلا وَأَنا حبيب الله وَلَا فَخر) وَظَاهر الْأَحَادِيث يدل على أَن الْمحبَّة أتم من الْخلَّة لِأَن سِيَاق الْفَضَائِل الَّتِي أوتيها نَبينَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يدل على أَن كل مَا ذكر لَهُ أتم فضلا من كل مَا ذكر لغيره وَقد اخْتصَّ بالمحبة كَمَا اشْتهر إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام بالخلة فَدلَّ على أَن الْمحبَّة أفضل لِأَن صَاحبهَا أفضل وَفرق النَّيْسَابُورِي بَين الْخَلِيل والحبيب بِأَن الْخَلِيل الَّذِي أمتحنه ثمَّ أحبه والحبيب الَّذِي أحبه ابْتِدَاء تفضلا والخليل الَّذِي جعل مَا يملكهُ فدَاء خَلِيله والحبيب الَّذِي أحبه تفضلا والخليل الَّذِي جعل مَا تملكه فدَاء خلية والحبيب الَّذِي جعل الله مَمْلَكَته فداءه وَوجد إِبْرَاهِيم الْخلَّة وَلم يجدهَا أحد غَيره بِسَبَبِهِ وَوجد مُحَمَّد الْمحبَّة ووجدتها أمته بِسَبَبِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿قل إِن كُنْتُم تحبون الله فَاتبعُوني يحببكم الله﴾ وَقَالَ (يُحِبهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) والمحبة اسْم جَامع بِهِ تجمع الْخلَّة وَغَيرهَا وَالْعَام أكبر من الْخَاص (وَبعده) أى بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم والأنبياء (فَالْأَفْضَل) أَبُو بكر (الصّديق) وَهَذَا مجمع عَلَيْهِ وَلَا مبالاة بِمَا يُخَالِفهُ وسمى بِالصديقِ لِأَنَّهُ صدق بِالنَّبِيِّ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي نبوته ورسالته من غير تلعثم وَصدقه فِي الْمِعْرَاج بِلَا تردد فِيمَا أخبر بِهِ (وَالْأَفْضَل التالى لَهُ) عمر بن الْخطاب (الْفَارُوق) لما روى أَنه قَالَ (كَانَ إِسْلَام عمر عزا وهجرته نصْرَة وأمارته رَحْمَة وَالله مَا استطعنا أَن نصلى حول الْبَيْت ظَاهِرين حَتَّى أسلم عمر) وروى ابْن سعد عَن صُهَيْب أَنه قَالَ لما اسْلَمْ عمر قَالَ الْمُشْركُونَ انتصف الْقَوْم منا وَقَالَ حُذَيْفَة لما أسلم عمر كَانَ الاسلام كَالرّجلِ الْمقبل لَا يزْدَاد إِلَّا قربا وَلما قتل كَانَ الْإِسْلَام كَالرّجلِ الْمُدبر لَا يزْدَاد إِلَّا بعدا وَورد أَن جِبْرِيل نزل عِنْد إِسْلَام عمر وَقَالَ يامحمد استبشر أهل السَّمَاء بِإِسْلَام عمر وسمى بالفاروق لِأَنَّهُ فرق بَين الْحق وَالْبَاطِل فِي القضايا والخصومات ثمَّ (عُثْمَان) بن عَفَّان (بعده كَذَا على) بن أبي طَالب لاطباق السّلف على أفضليتهم عِنْد الله على هَذَا التَّرْتِيب وَفِي صَحِيح البُخَارِيّ وَغَيره عَن مُحَمَّد بن الْحَنَفِيَّة قَالَ قلت لأبي أى النَّاس خير بعد رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَقَالَ أَبُو بكر قلت ثمَّ من قَالَ عمر قلت ثمَّ من قَالَ عُثْمَان

قلت وَأَنت قَالَ أَنا إِلَّا رجل من الْمُسلمين وَفِي البُخَارِيّ عَن ابْن عمر (كُنَّا نخير بَين النَّاس فِي زمَان رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنخير أَبَا بكر ثمَّ عمر بن الْخطاب ثمَّ عُثْمَان بن عَفَّان) وَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع عِنْد الأكبرين (فالستة الْبَاقُونَ) من الْعشْرَة وهم طَلْحَة بن عبيد الله وَالزُّبَيْر بن الْعَوام وَسعد بن أبي وَقاص وَسَعِيد بن زيد وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَأَبُو عُبَيْدَة بن الْجراح فالبدري أى فَالْأَفْضَل بعد الْعشْرَة شهد وقْعَة بدر وهم ثلثمِائة وَبضْعَة عشر والبضع بِكَسْر الْبَاء وَقد تفتح مَا بَين الثَّلَاث إِلَى التسع وَعبارَة إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَغَيره وثلاثه عشر وَزَاد أهل السّير على الْقَوْلَيْنِ وَأَرْبَعَة عشر وَخَمْسَة عشر وَسِتَّة عشر وَثَمَانِية عشر وَتِسْعَة عشر وَقَالَ بَعضهم ثَمَانِيَة من الثَّلَاثَة عشر لم يحضروها وَإِنَّمَا ضرب لَهُم بسهمهم وأجرهم وَكَانُوا كمن حضرها وَهِي البطشة الْكُبْرَى الَّتِي أعز الله بهَا الْإِسْلَام ثمَّ بعد الْبَدْرِيِّينَ أَصْحَاب أحد ثمَّ أهل بيعَة الراضوان (وَالشَّافِعِيّ) أَمَام الْأَئِمَّة (وَمَالك) بن انس إِمَام دَار الْهِجْرَة (والنعمان) الإِمَام أَبُو حنيفَة المنعوت بالخشية والخيفة وَأحمد بن حَنْبَل المتعمق فِي التَّقْوَى وسُفْيَان الثَّوْريّ (وَغَيرهم من سَائِر الْأَئِمَّة) كَابْن عُيَيْنَة وَاللَّيْث بن سعد والاوزاعي وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ (على هدى من رَبهم) فِي العقائد وَغَيرهَا وَلَا أعتبار بِمن تكلم فيهم بِمَا هم بريئون مِنْهُ ومناقبهم مأثورة وفضائلهم مَشْهُورَة ويكفى فِيهَا أنتشار علمهمْ وتقرر جلالتهم على مدى الْأَزْمَان وَذَلِكَ لايقدر أحد على أَن يَضَعهُ لنَفسِهِ وَلَا لغيره ومناقبهم أَكثر من أَن تحصى رَضِي الله عَنْهُم (وَالِاخْتِلَاف) بَينهم فِيمَا طَرِيقه الِاجْتِهَاد (رَحمَه) لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم اخْتِلَاف أَصْحَابِي رَحمَه وَالْمرَاد بهم المجتهدون قيس بهم غَيرهم فَلَو اخْتلف جَوَاب مجتهدين متساوين فَالْأَصَحّ أَن للمقلد أَن يتَخَيَّر فَيعْمل بقول من شَاءَ مِنْهُمَا وَقَول النَّاظِم وَالشَّافِعِيّ باسكان الْيَاء (والأولياء ذَوُو كرامات رتب) أى أَن الْأَوْلِيَاء وهم العارفون بِاللَّه تَعَالَى حَسْبَمَا يُمكن المواظبون على الطَّاعَة المجتنبون للمعاصي المعرضون عَن الانهماك فِي اللَّذَّات والشهوات أَصْحَاب كرامات فَهِيَ جَائِزَة وواقعة وَقد دلّ على ذَلِك الْكتاب وَالسّنة قَالَ تَعَالَى ﴿كلما دخل عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَاب﴾ الآيه وَقَالَ تَعَالَى ﴿قَالَ الَّذِي عِنْده علم من الْكتاب﴾ الآيه وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ بَيْنَمَا رجل يَسُوق بقرة قد حمل عَلَيْهَا إِذْ التفتت الْبَقَرَة لَهُ فَقَالَت لَهُ إِنِّي لم أخلق لهَذَا إِنَّمَا خلقت للحراثة فَقَالَ النَّاس سُبْحَانَ الله بقرة تَتَكَلَّم فَقَالَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِنِّي أُؤْمِن بِهَذَا وَأَبُو بكر وَعمر الحَدِيث وَيُؤْخَذ مِمَّا مر فِي تَعْرِيف المعجزة امتيازها عَن الْكَرَامَة بالتحدي وَيُؤْخَذ مِمَّا هُنَا أَن الْكَرَامَة هِيَ الخارق المقرون بالعرفان وَالطَّاعَة وَخرج بِهِ مَا لَا يكون مَقْرُونا بذلك وَيُسمى استدراجا ومؤكدات تَكْذِيب الْكَذَّابين كَمَا روى أَن مُسَيْلمَة دعى لأعور لتصح عينه العوراء فَذهب ضوء الصَّحِيحَة أَيْضا وَيُسمى هَذَا إهانة وَقد تظهر الخوارق من قبل عوام الْمُسلمين تخليصا لَهُم من المحن والمكاره وَتسَمى مَعُونَة وَقد تلخص من هَذَا مَعَ مَا سبق أَن الخارق للْعَادَة سِتَّة أَنْوَاع معْجزَة وإرهاص وكرامه واستدراج ومعونة وإهانه وكرامات الْأَوْلِيَاء متفاوته كتفاوت معجزات الْأَنْبِيَاء كجريان النّيل بِكِتَاب عمر ورؤيته وَهُوَ على الْمِنْبَر بِالْمَدِينَةِ جَيْشه بنهاوند حَتَّى قَالَ لأمير الْجَيْش يَا سَارِيَة الْجَبَل الْجَبَل محذرا لَهُ من وَرَاء الْجَبَل لمكر الْعَدو هُنَاكَ وَسَمَاع سَارِيَة كَلَامه مَعَ بعض الْمسَافَة وكشرب خَالِد السم من غير تضرر بِهِ وَغير ذَلِك مِمَّا وَقع للصحابة وَغَيرهم (وَمَا انْتَهوا لولد من غير أَب) أَي ان الألياء لَا ينتهون إِلَى ولد من غير أَب وَنَحْوه كقلب جماد بَهِيمَة قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي فِي الرسَالَة إِن كثيرا من المقدورات

نعلم الْيَوْم قطعا أَنه لَا يجوز أَن تظهر كَرَامَة لولى لضَرُورَة أَو شبه ضَرُورَة مِنْهَا حُصُول الْإِنْسَان لَا من أبوين وقلب جماد بهيمه وأمثال هَذَا يكثر هَذَا قَالَ التَّاج السُّبْكِيّ وَهَذَا حق يخصص قَول غَيره مَا جَازَ أَن يكون معْجزَة لنَبِيّ جَازَ أَن يكون كَرَامَة لوَلِيّ لافارق بَينهمَا إِلَّا التحدي وَقد جرى عَلَيْهِ المُصَنّف لكنه راى مَرْجُوح فقد قَالَ الزَّرْكَشِيّ إِنَّه مَذْهَب ضَعِيف وَالْجُمْهُور على خِلَافه وَقد أنكروه على الْقشيرِي حَتَّى وَلَده أَبُو نصر فِي كِتَابه المرشد فَقَالَ قَالَ بعض الْأَئِمَّة مَا وَقع معْجزَة لنَبِيّ لَا يجوز تَقْدِير وُقُوعه كَرَامَة لوَلِيّ كقلب العصى ثعبانا وإحياء الْمَوْتَى وَالصَّحِيح تَجْوِيز جملَة خوارق الْعَادَات كرامات للأولياء وَفِي الأرشاد لأمام الْحَرَمَيْنِ مثله وَفِي شرح مُسلم للنووي فِي بَاب الْبر والصلة أَن الكرامات تجوز بخوارق الْعَادَات على أختلاف أَنْوَاعهَا وَمنعه بَعضهم وَادّعى أَنَّهَا تخْتَص بِمثل إِجَابَة دُعَاء وَنَحْوه وَهَذَا غلط من قَائِله وانكار للحس بل الصَّوَاب جريانها بقلب الْأَعْيَان وَنَحْوهَا اه (وَلم يجز فِي غير مَحْض الْكفْر خروجنا على ولى الْأَمر أى يحرم الْخُرُوج على ولى الْأَمر وقتاله باجماع الْمُسلمين لما يَتَرَتَّب على ذَلِك من فتن وإراقة الدِّمَاء وَفَسَاد ذَات الْبَين فَتكون الْمفْسدَة فِي عَزله أَكثر مِنْهَا فِي بَقَائِهِ ولأننا تَحت طَاعَته فِي أمره وَنَهْيه مَا لم يُخَالف حكم الشَّرْع وَإِن كَانَ جائرا قَالَ النووى فِي شرح مُسلم إِن الْخُرُوج عَلَيْهِم وقتالهم حرَام باجماع الْمُسلمين وَإِن كَانُوا فسقه ظالمين اهو هُوَ مَحْمُول على الْخُرُوج عَلَيْهِم بِلَا عذر وَلَا تَأْوِيل وَخرج بقول المُصَنّف ولى الْأَمر مالو طَرَأَ عَلَيْهِ كفر فَإِنَّهُ يخرج عَن حكم الْولَايَة وَتسقط طَاعَته وَيجب على الْمُسلمين الْقيام عَلَيْهِ وقتاله وَنصب غَيره إِن أمكنهم ذَلِك وَيُمكن أَن يُسْتَفَاد هَذَا من قَوْله فِي غير مَحْض الْكفْر بِجعْل (فِي) للتَّعْلِيل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿لمسكم فِيمَا أَفَضْتُم﴾ أى لم يجز لأجل غير مَحْض الْكفْر خروجنا على ولى الْأَمر (وَمَا جرى بَين الصاحب نسكت عَنهُ وَأجر الِاجْتِهَاد نثبت) أى أَنه يجب سكوتنا عَمَّا جرى بَين الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم من المنازعات والمحاربات الَّتِى قتل بِسَبَبِهَا كثير مِنْهُم فَتلك دِمَاء طهر الله مِنْهَا أَيْدِينَا فَلَا نلوث بهَا ألسنتنا كمنازعة مُعَاوِيَة عليا بِسَبَب تَأْخِير تَسْلِيم قتلة عُثْمَان إِلَى عشيرته ليقتصوا مِنْهُم لِأَن عليا رأى تَأْخِير تسليمهم أصوب لِأَن الْمُبَادرَة بِالْقَبْضِ عَلَيْهِم مَعَ كَثْرَة عشيرتهم واختلاطهم بالعسكر تُؤَدّى إِلَى أضطراب أَمر الأمامة فان بَعضهم عزم على الْخُرُوج على عَليّ وَقَتله لما نَادَى يَوْم الْجمل بِأَن يخرج عَنهُ قَتله عُثْمَان وَرَأى مُعَاوِيَة الْمُبَادرَة وتسليمهم للاقتصاص مِنْهُم أصوب وَذَلِكَ لِأَن لَهُم تأويلات ظَاهِرَة ومحامل قَوِيَّة وعد التهم ثَابِتَة بِنَصّ الْكتاب وَالسّنة فَلَا تَزُول بِالِاحْتِمَالِ وَنثْبت أجر الإجتهاد لكل مِنْهُم لِأَن ذَلِك مبْنى على الِاجْتِهَاد فِي مسئلة ظنية للمصيب فِيهَا أَجْرَانِ على اجْتِهَاده وإصابته وللمخطىء أجر على اجْتِهَاده وَقد ورد فِي فَضلهمْ أَدِلَّة كَثِيرَة وَقَول النَّاظِم الصحاب بِكَسْر الصَّاد جَمِيع صَاحب كجائع وجياع (فرض على النَّاس إِمَام ينصب) أى أَنه يجب على النَّاس نصب إِمَام يقوم بمصالحهم كتنفيذ أحكامهم وَإِقَامَة حدودهم وسد ثغورهم وتجهيز جيوشهم وَأخذ صَدَقَاتهمْ إِن دفعوها وقهر المتغلبة والمتلصصة وقطاع الطَّرِيق وَقطع المنازعات بَين الْخُصُوم وَقِسْمَة الْغَنَائِم وَغير ذَلِك لإِجْمَاع الصَّحَابَة بعد وَفَاته صلى الله عَلَيْهِ وَسلم على نَصبه حَتَّى جَعَلُوهُ أهم الْوَاجِبَات وقدموه على دَفنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم تزل النَّاس فِي كل عصر على ذَلِك وَشرط الإِمَام كَونه بَالغا عَاقِلا مُسلما عدلا حرا ذكرا مُجْتَهد شجاعا ذَا رأى وكفاية قرشيا سميعا بَصيرًا ناطقا سليم الْأَعْضَاء من نقص يمْنَع اسْتِيفَاء الحركه وَسُرْعَة النهوض فَإِن لم يُوجد قرشى مستجمع للشروط فكناني مستجمع فَإِن لم يُوجد فمستجمع من ولد إِسْمَعِيل فَإِن لم يكن فجرهمي مستجمع وجرهم أصل الْعَرَب فَإِن لم يُوجد فمستجمع من ولد

اسحق فَإِن لم يُوجد مستجمع أصلا فمستجمع الْأَكْثَر من قُرَيْش أَو كنَانَة أَو ولد إِسْمَعِيل أَو غَيرهم على التَّرْتِيب الْمَذْكُور وَالْجَاهِل الْعَادِل أولى من الْعَالم الْفَاسِق وَلَا يشْتَرط فِي الامام كَونه مَعْصُوما وَلَا كَونه هاشميا أَو علويا وَلَا كَونه أفضل أهل زَمَانه بل يجوز نصب الْمَفْضُول مَعَ وجود الْفَاضِل وَلَا يَنْعَزِل بِالْفِسْقِ وَمَا على الْإِلَه شَيْء يجب أَي لايجب شَيْء على الله وَمن يُوجب عَلَيْهِ وَلَا حكم الْإِلَه لِأَنَّهُ خَالق الْخلق فَكيف يجب للمخلوقين المملوكين لَهُ بجملة هوياتهم وأفعالهم لعملهم الْمُسْتَحق عَلَيْهِم أجر أَو رِعَايَة مصلحَة فضلا عَمَّا هُوَ الْأَصْلَح تَعَالَى الله عَن أَن يجب عَلَيْهِ شَيْء وَأما نَحْو قَوْله تَعَالَى ﴿كتب ربكُم على نَفسه الرَّحْمَة﴾ وَقَوله ﴿وَكَانَ حَقًا علينا نصر الْمُؤمنِينَ﴾ فَإِنَّمَا هُوَ إِحْسَان وتفضل لَا إِيجَاب وإلزام يثيب من أطاعه بفضله وَمن يَشَأْ عاقبه بعدله أَي أَنه تَعَالَى يثيب من اطاعه من عباده بفضله ويعاقب من عَصَاهُ من مكلفيهم إِن شَاءَ بعدله وَمعنى الثَّوَاب إِيصَال النَّفْع إِلَى العَبْد على طَرِيق الْجَزَاء وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿فأثابهم الله بِمَا قَالُوا﴾ أَي جزاهم والإثابه على الطَّاعَة مجمع عَلَيْهَا لَكِنَّهَا عِنْد أهل السّنة فضل وَعند الْمُعْتَزلَة وجوب وَمعنى الْعقَاب إِيصَال الْأَلَم إِلَى الْمُكَلف على طَرِيق الْجَزَاء وَهُوَ متحتم فِي الشّرك كَمَا يأتى ومتوقف فِي غَيره من المعاصى على انْتِفَاء الْعَفو لإخباره بذلك وَقَوله (يَشَأْ) بالإسكان وَصله بنية الْوَقْف (يغْفر مَا يَشَاء دون الشّرك بِهِ خُلُود النَّار دون شكّ) أى أَنه تَعَالَى يغْفر مَا يَشَاء من المعاصى غير الشّرك أما هُوَ فَلَا يغفره وَمن مَاتَ مُشْركًا فَهُوَ مخلد فِي الْعَذَاب بِالْإِجْمَاع وَخرج بِهِ غَيره من المعاصى وَإِن كَانَت كَبَائِر لم يتب مِنْهَا فَلَا يخلد بهَا أحد مِمَّن مَاتَ مُؤمنا فِي الْعَذَاب (لَهُ عِقَاب من أطاعه كَمَا يثبيبمن عصى ويولى نعما) أى أَن لَهُ تَعَالَى أَن يُعَاقب من أطاعه كَمَا لَهُ أَن يثيب من عَصَاهُ ويوليه نعما كَثِيرَة عَظِيمَة لِأَنَّهُ ملكه يتَصَرَّف فِيهِ كَيفَ يَشَاء لكنه لَا يَقع مِنْهُ ذَلِك لإخباره بإثابة الْمُطِيع وتعذيب العَاصِي كَمَا مر قَالَ أَصْحَابنَا وَلَيْسَت الْمعْصِيَة عِلّة الْعقَاب وَالطَّاعَة عِلّة الثَّوَاب وَإِنَّمَا هما أمارتان عَلَيْهِمَا وإنكار الْمُعْتَزلَة ذَلِك بِنَاء على أصلهم فِي التقبيح الْعقلِيّ فَإِنَّهُ يُؤدى إِلَى الظُّلم وَهُوَ نقص محَال على الله تَعَالَى رد بِلُزُوم النَّقْص على قَوْلهم فَإِنَّهُم أوجبوا عَلَيْهِ تَعَالَى حَقًا لغيره وَلَو وَجب ذَلِك لَكَانَ فِي قَيده وَهُوَ نقص وَاحْتج الْعِزّ بن عبد السَّلَام فِي قَوَاعِده بِخَبَر (إِن الله يخلق فِي النَّار أَقْوَامًا) وَكَذَلِكَ لااستبعاد فِي إثابة من لم يطع فَفِي الْخَبَر الصَّحِيح (إِن الله تَعَالَى ينشىء فِي الْجنَّة أَقْوَامًا) وَكَذَلِكَ الحكم فِي الْحور الْعين واطفال الْمُسلمين وَغَيرهم مِمَّن يتفضل عَلَيْهِم من غير اثابة على عمل سَابق وَلَيْسَت الربوبية مُقَيّدَة بمصالح الْعُبُودِيَّة (كَذَا لَهُ أَن يؤلم الْأَطْفَال) أى أَنه لَهُ إيلام الْأَطْفَال وَالدَّوَاب فِي الْآخِرَة أما فِي الدُّنْيَا فَنحْن نشاهد من لاذنب لَهُ يبتلى من أَطْفَال ودواب وَذَلِكَ عدل مِنْهُ تَعَالَى لتصرفه فِي ملكه بِمَا يُرِيد وَفِي ذَلِك حكم لكنه لَا يَقع إِذْ لم يرد إيلام الاطفال وَالدَّوَاب فِي غير قصاص وَالْأَصْل عَدمه أما فِي الْقصاص فلخبر (لتؤدن الْحُقُوق إِلَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد للشاة الجلحاء من الشَّاة القرناء) رَوَاهُ مُسلم وَقَالَ يقْتَصّ لِلْخلقِ بَعضهم من بعض حَتَّى للجماء من القرناء وَحَتَّى الذّرة من الذّرة وَقَالَ ليختصمن كل شَيْء يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى الشاتان فِيمَا انتطحتا وَقَضِيَّة هَذِه الْأَخْبَار أَنه يتَوَقَّف الْقصاص يَوْم الْقِيَامَة على التَّكْلِيف والتمييز فيقتص من طِفْل لطفل وَغَيره (وَوَصفه بالظالم استحالا) أى أَنه تَعَالَى يَسْتَحِيل وَصفه بالظالم وَهَذَا جَوَاب عَن سُؤال مُقَدّر إِذْ قد يتخيل من تَعْذِيب الْمُطِيع وإيلام الْأَطْفَال أَن ذَلِك ظلم

فَصرحَ باستحالته عَلَيْهِ أى عقلا وسمعا أما الأول فَلِأَن الظُّلم إِنَّمَا يعرف بالنهى عَنهُ وَلَا يتَصَوَّر فِي أَفعاله تَعَالَى مَا ينْهَى إِذْ لَا يتَصَوَّر لَهُ ناه وَلِأَن الْعَالم خلقه وَملكه وَلَا ظلم فِي تصرف الْمَالِك فِي ملكه وَلِأَنَّهُ وضع الشَّيْء فِي غير مَوْضِعه وَذَلِكَ مُسْتَحِيل على الْمُحِيط بِكُل شَيْء علما وَأما الثَّانِي فَلَمَّا لَا يُحْصى من الْآيَات وَالْأَخْبَار وَالْألف فِي قَوْله الْأَطْفَال واستحالا للإطلاق ﴿يرْزق من يَشَأْ وَمن شا أحرما﴾ أى أَنه يرْزق من يَشَاء مَا شَاءَ من الرزق وَمن شَاءَ أحرمهُ مَا شَاءَ مِنْهُ وَفِي نُسْخَة حرما وَكِلَاهُمَا بِمَعْنى منع وَالْألف فيهمَا للإطلاق أَو أَنه تَعَالَى يرْزق من يَشَاء بِأَن يُوسع عَلَيْهِ فِيهِ وَمن يَشَاء حرمه بِأَن يضيق عَلَيْهِ فِيهِ لِأَنَّهُ تَعَالَى هُوَ الرازق فَلَا رَازِق غَيره وكل يسْتَوْفى رزق نَفسه وَلَا يتَصَوَّر أَن يَأْكُل رزق غَيره وَلَا أَن يَأْكُل غَيره رزقه لِأَن مَا قدره الله تَعَالَى غذَاء الشَّخْص يجب أَن ياكله وَيمْتَنع أَن يَأْكُلهُ غَيره فَمن حق من عرف أَنه الرازق أَن لايسأل حَوَائِجه قلت أم كثرت إِلَّا مِنْهُ تَعَالَى (والرزق مَا ينفع وَلَو محرما) أى أَن الرزق بِمَعْنى المرزوق مَا ينْتَفع بِهِ حَتَّى فِي التغذى وَغَيره وَلَو كَانَ حَرَامًا بِغَصب أَو غَيره لقَوْله تَعَالَى ﴿قل أَرَأَيْتُم مَا أنزل الله لكم من رزق فجعلتم مِنْهُ حَرَامًا وحلالا﴾ إِذْ لَو لم نقل بذلك لزم أَن المتغذي بالحرام طول عمره لم يرزقه الله أصلا وَأَن الدَّوَابّ لَا ترزق لِأَنَّهَا لَا تملك وَيَردهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا من دَابَّة فِي الأَرْض إِلَّا على الله رزقها﴾ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يتْرك مَا أخبر أَنه عَلَيْهِ وَقَول النَّاظِم من (يشا وَمن شا) بالإسكان وصلَة بنية الْوَقْف (وَعلمه بِمن يَمُوت مُؤمنا فَلَيْسَ يشقى بل يكون آمنا) أى من علم الله تَعَالَى مَوته مُؤمنا فَلَيْسَ يشقى بل يكون سعيدا آمنا من عَذَاب الْكفَّار وَإِن تقدم مِنْهُ كفر وَقد غفر وَمن علم مَوته كَافِرًا فيشقى وَإِن تقدم مِنْهُ إِيمَان وَقد حَبط عمله وَقد قَالَ الْأَشْعَرِيّ إِنَّه تبين أَنه لم يكن إِيمَانًا فالسعادة الْمَوْت على الْإِيمَان وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا الخلود فِي الْجنَّة والشقاوة الْمَوْت على الْكفْر وَيَتَرَتَّب عَلَيْهَا الخلود فِي النَّار وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَأما الَّذين سعدوا فَفِي الْجنَّة خَالِدين فِيهَا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَأَما الَّذين شَقوا فَفِي النَّار لَهُم فِيهَا زفير وشهيق خَالِدين فِيهَا﴾ لم يزل أَبُو بكر (الصّديق) رَضِي الله عَنهُ (فِيمَا قد مضى) من عمره (عِنْد إلهه) تَعَالَى (بِحَالَة الرِّضَا) وَإِن لم يَتَّصِف بِالْإِيمَان قبل تَصْدِيقه النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ لم يثبت عَنهُ حَالَة كفر كَمَا ثبتَتْ عَن غَيره مِمَّن آمن وَظن بعض الْحَنَفِيَّة أَن الْأَشْعَرِيّ يَقُول بِأَنَّهُ كَانَ مُؤمنا قبل المبعث وَلَيْسَ كَذَلِك (إِن الشقي الشقي الْأَزَل وَعَكسه السعيد لم يُبدل) أى أَن الشقى من كتبه الله شقيا فِي الْأَزَل لَا فِي غَيره والسعيد من كتبه الله سعيد فِي الْأَزَل لَا فِي غَيره وَإِن كلا مِنْهُمَا لَا يُبدل إِذْ من كتبه فِي الْأَزَل شقيا يَسْتَحِيل أَن يَنْقَلِب سعيدا وَمن كتبه فِي الْأَزَل سعيدا يَسْتَحِيل أَن يَنْقَلِب شقيا بِخِلَاف الْمَكْتُوب فِي غَيره كاللوح الْمَحْفُوظ قَالَ تَعَالَى ﴿يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب﴾ أَي أَصله وَهُوَ الْعلم الْقَدِيم الَّذِي لَا يُغير مِنْهُ شَيْء كَمَا قَالَه ابْن عَبَّاس وَغَيره وَفِي جَامع التِّرْمِذِيّ حَدِيث مَرْفُوع (فرغ رَبك من الْعباد فريق فِي الْجنَّة وفريق فِي السعير) وَفِي عقائد النَّسَفِيّ وَغَيرهَا أَن السعيد قد يشقى بِأَن يرْتَد بعد الْإِيمَان وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى والشقى قد يسْعد بِأَن يُؤمن بعد الْكفْر والتغيير يكون على السَّعَادَة والشقاوة دون الاسعاد والاشقاء فانهما من صِفَاته تَعَالَى وَالْحَاصِل أَنه يحمل مَا دلّ على التبدل على أَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى علم الْمَلَائِكَة الْمُسْتَند إِلَى مَا فِي الْمُصحف وَمَا دلّ على عدم التبدل على أَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى علمه تَعَالَى (وَلم يمت قبل انقضا الْعُمر أحد) أى أَنه لَا يَمُوت أحد قبل انْقِضَاء أَجله وَهُوَ الْوَقْت الَّذِي كتب الله فِي الْأَزَل انْتِهَاء حَيَاته فِيهِ بقتل أَو غَيره قَالَ الله تَعَالَى ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾

والعطف فِي قَوْله (ولايستقدمون) على الْجُمْلَة الشّرطِيَّة مَعَ الظّرْف لَا الجزائية وَالْمعْنَى فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة فَمَا الظَّن بِمَا زَاد وَلَو كَانَ عطفا على الْجُمْلَة الجزائية لورد أَن الاستقدام عِنْد المجىء لَا يتَصَوَّر وَالْمَوْت فائم بِالْمَيتِ مَخْلُوق الله تَعَالَى لَا صنع للْعَبد فِيهِ خلقا وَلَا كسبا ومبنى هَذَا على أَن الْمَوْت وجودي بِدَلِيل قَوْله تَعَالَى ﴿خلق الْمَوْت والحياة﴾ وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه عدمى وَمعنى خلق الْمَوْت قدره وَأما نقص الْعُمر الْمشَار إِلَيْهِ بقوله تَعَالَى ﴿وَمَا يعمر من معمر وَلَا ينقص من عمره إِلَّا فِي كتاب﴾ فَلَيْسَ المُرَاد بِهِ النَّقْص من عمر ذَلِك المعمر بل المُرَاد وَمَا ينقص من عمر معمر آخر وَالضَّمِير لَهُ وَإِن لم يذكر لدلَالَة مُقَابِله وَقيل فِي تَأْوِيله غير ذَلِك وَأما خبر الطَّبَرَانِيّ أَن الْمَقْتُول يتَعَلَّق بقاتله يَوْم الْقِيَامَة وَيَقُول يَا رب ظَلَمَنِي وَقطع أجلى فمتكلم فِي اسناده وَبِتَقْدِير صِحَّته فَهُوَ مَحْمُول على مقتول سبق فِي علمه تَعَالَى أَنه لَو لم يقتل لَكَانَ يعْطى أَََجَلًا زَائِدا (وَالنَّفس تبقى لَيْسَ تفنى لِلْأَبَد) أى أَن النَّفس وهى الرّوح تبقى بعد موت الْبدن منعمة أَو معذبة فَلَا تفنى عِنْد النفخة الأولى وَلَا غَيرهَا لِأَن الأَصْل فِي بَقَائِهَا بعد الْمَوْت استمراره وَتَكون من الْمُسْتَثْنى بقوله إِلَّا من شَاءَ الله كَمَا قيل فِي الْحور الْعين (والجسم يبْلى غير عجب الذَّنب) أى أَن الْجِسْم جَمِيعه يفنى وَيصير تُرَابا إِلَّا عجب الذَّنب فَإِنَّهُ لَا يبْلى لخَبر (لَيْسَ شىء من الأنسان إلايبلى إِلَّا عظما وَاحِدًا وَهُوَ عجب الذَّنب مِنْهُ يركب الْخلق يَوْم الْقِيَامَة وَهُوَ فِي أَسْفَل الصلب عِنْد رَأس العصعص يشبه فِي الْمحل مَحل أصل الذَّنب من ذَوَات الْأَرْبَع وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم أَنه بِالنِّسْبَةِ إِلَى جسم الأنسان كالبذر بِالنِّسْبَةِ إِلَى جسم النَّبَات وَهُوَ بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْجِيم وَآخره بَاء موحده وَقد تبدل ميما وَحكى اللحيان تثليث الْعين فيهمَا فَهِيَ سِتّ لُغَات (وَمَا شَهِيد بَالِيًا وَلَا نبى أى ان الأَرْض لَا تاكل لحم الْأَنْبِيَاء وَلَا الشُّهَدَاء تكريما لَهُم فهم إحْيَاء فِي قُبُورهم عِنْد رَبهم يرْزقُونَ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تحسبن الَّذين قتلوا فِي سَبِيل الله﴾ الْآيَة للْخَبَر الصَّحِيح أَن الأَرْض لَا تَأْكُل لُحُوم الْأَنْبِيَاء إِذْ هم أَحيَاء فِي قُبُورهم يصلونَ ويحجون (كَمَا ورد // وَقَول النَّاظِم وَلَا نَبِي أى بَالِيًا وَزَاد بَعضهم الْمُؤَذّن الْمُحْتَسب لخَبر عبد الله بن عمر والمؤذن الْمُحْتَسب كالمتشحط فِي دَمه وَأَن مَاتَ لم يدود فِي قَبره رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكبر ويدود بِكَسْر الْوَاو الْمُشَدّدَة اى لم يَأْكُلهُ الدُّود وَقَول النَّاظِم انقضا بِالْقصرِ للوزن وَالروح مَا أخبر عَنْهَا الْمُجْتَبى أَي الْمُصْطَفى صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فنمسك الْمقَال عَنْهَا ادبا أى أَن حَقِيقَة الرّوح وَهِي النَّفس مَا أخبر عَنْهَا صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَقد سُئِلَ عَنْهَا لعدم نزُول الْأَمر ببيانها قَالَ تَعَالَى ﴿ويسألونك عَن الرّوح قل الرّوح من أَمر رَبِّي﴾ فنمسك الْمقَال عَنْهَا أدبا مَعَه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلَا نعبر عَنْهَا بِأَكْثَرَ من مَوْجُود كَمَا قَالَ الْجُنَيْد الرّوح شَيْء أستأثر الله بِعِلْمِهِ وَلم يطلع عَلَيْهِ أحدا من خلقه فَلَا يجوز لِعِبَادِهِ الْبَحْث عَنهُ بِأَكْثَرَ من أَنه مَوْجُود وَإِلَى هَذَا ذهب أَكثر الْمُفَسّرين والخائضون فِيهَا أختلفوا على أَكثر من ألف قَول فَقَالَ جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين أَنَّهَا جسم لطيف متشبك بِالْبدنِ كاشتباك المَاء بِالْعودِ الْأَخْضَر واجاب الخائضون عَن الْآيَة بِأَنَّهُ ترك جَوَاب ذَلِك لقَوْل الْيَهُود فِيمَا بَينهم أَن لم يجب عَنْهَا فَهُوَ صَادِق لِأَن ذَلِك عِنْدهم من عَلَامَات نبوته فَكَانَ ترك الْجَواب تَصْدِيقًا لما تقدم فِي كتبهمْ من وَصفه بذلك وَلِأَن سُؤَالهمْ كَانَ سُؤال تعجيز وتغليط لِأَن الرّوح مُشْتَرك بَين روح الأنسان وَجِبْرِيل وَملك آخر يُقَال لَهُ الرّوح وصنف من الْمَلَائِكَة وَالْقُرْآن وَعِيسَى بن مَرْيَم فَلَو أُجِيب عَن وَاحِد مِنْهَا لقالت الْيَهُود لما نرد هَذَا تغتا مِنْهُم وأذى فجَاء الْجَواب مُجملا على وَجه يصدق على كل من مَعَاني الرّوح وَالْعلم أَسْنَى سَائِر الْأَعْمَال أى أَن الْعلم أرفع وَأفضل من سَائِر الْأَعْمَال الَّتِي يتَقرَّب بهَا إِلَى الله تَعَالَى لأدلة أَكثر من أَن تحصر وَأشهر من أَن تذكر كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿شهد الله أَنه لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وأولو الْعلم قَائِما بِالْقِسْطِ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يخْشَى الله من عباده الْعلمَاء﴾ وَخبر الصَّحِيحَيْنِ أذ مَاتَ أبن آدم أنقطع عمله إِلَّا من ثَلَاث صَدَقَة جاريه أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ) وَخبر أبن حبَان وَالْحَاكِم فِي صَحِيحهمَا (أَن الْمَلَائِكَة لتَضَع أَجْنِحَتهَا لطَالب الْعلم رضَا بِمَا يصنع) وَخبر التِّرْمِذِيّ وَغَيره 0 فضل الْعَالم على العابد كفضلي عَليّ أدناكم) وللأن أَعمال الطَّاعَة مَفْرُوضَة ومندوبه والمفروض افضل من الْمَنْدُوب وَالْعلم مِنْهُ لِأَنَّهُ إِمَّا فرض عين وَإِمَّا فرض كفايه وَقَالَ سُفْيَان مَا أعلم عملا أفضل من طلب الْعلم وَقَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ طلب الْعلم أفضل من صَلَاة النَّافِلَة وَقَالَ بَعضهم وكل فَضِيلَة فِيهَا سناء وجدت الْعلم من هاتيك أَسْنَى ... فَلَا تَعْتَد غير الْعلم ذخْرا فَإِن الْعلم كنز لَيْسَ يفنى وَالْألف وَاللَّام فِي الْعلم وللإستغراق أَو للْجِنْس أَو للْعهد الذكرى أَو الذهنى أى الشَّرْعِيّ الصَّادِق بالتفسير والْحَدِيث وَالْفِقْه (وَهُوَ دَلِيل الْخَيْر والإفضال) أى أَن الْعلم دَلِيل الْخَيْر أى الْفَوْز بالسعادة الأخروية والافضال الانعام قَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (من سلك طَرِيقا يطْلب فِيهِ علما سلك الله بِهِ طَرِيقا من طرق الْجنَّة) ثمَّ الْعلم يَنْقَسِم إِلَى فرض عين وَفرض كفايه وَقد شرع فِي ذكرهمَا مبتدئا بِالْأولِ مِنْهُمَا فَقَالَ ففرضه علم صِفَات الْفَرد (أَي أَن من فروض الْعين علم صِفَات الله تَعَالَى وَمَا يجب لَهُ وَيمْتَنع عَلَيْهِ كَكَوْنِهِ مَوْجُودا وَاحِدًا قَدِيما لَيْسَ بجسم وَلَا جَوْهَر وَلَا عرض وَلَا مُخْتَصّ بِجِهَة وَلَا مُسْتَقر على مَكَان حَيّ قَادر عليما مُرِيد سميع بَصِير بَاقِيا متكلما قديم الصِّفَات خَالِقًا أَفعَال الْعباد منزها عَن حُلُول الْحَوَادِث وَلَا يعْتَبر فِيهَا الْعلم بِالدَّلِيلِ بل يكفى فِيهَا الأعتقاد الْجَازِم (مَعَ كل مَا يَحْتَاجهُ الْمُؤَدِّي) أى الْمُكَلف بفرائض الله تَعَالَى (من فرض دين الله فِي الدَّوَام) أى فَرَائض الله تَعَالَى مِمَّا لَا يَتَأَتَّى فعلهَا إِلَّا بِهِ (كالطهر) عَن الْحَدث بِوضُوء أَو غسل اَوْ تيَمّم والخبث مغلظا أَو متوسطا أَو مخففا وَالصَّلَاة وَالصِّيَام فَإِن من لَا يعلم أَرْكَان الْعِبَادَة وشروطها لَا يُمكنهُ أَدَاؤُهَا وَإِنَّمَا يتَعَيَّن تعلم الْأَحْكَام الظاهره دون الدقائق والمسائل الَّتِى لَا تعم بهَا الْبلوى وَخرج بقوله فِي الدَّوَام مَا لَا يجب فِي الْعُمر إِلَّا مرّة وَهُوَ الْحَج وَالْعمْرَة وَمَا لَا يجب فِي الْعَام إِلَّا مرّة وَهُوَ الزَّكَاة فَلَا يتَعَيَّن علم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي أَدَائِهَا إِلَّا على من وَجَبت عَلَيْهِ فَمن لَهُ مَال زكوى يلْزمه تعلم ظواهر أَحْكَام الزَّكَاة وَأَن كَانَ ثمَّ ساع يَكْفِيهِ الْأَمر فقد يجب عَلَيْهِ مَا لَا يُعلمهُ الساعى وكالفرض فِي مَا ذكره النَّفْل إِذا اراد فعله إِذْ تعاطى الْعِبَادَة الْفَاسِدَة حرَام (وَالْبيع للمحتاج للتبايع) فَيتَعَيَّن على متعاطى البيع وَالشِّرَاء تعلم أحكامهما حَتَّى يتَعَيَّن على الصَّيْرَفِي أَن يعلم عدم جَوَاز بيع الذَّهَب بِالذَّهَب وَالْفِضَّة بِالْفِضَّةِ إِلَّا مَعَ الْحُلُول والمماثلة وَالْقَبْض قبل التَّفَرُّق وَلَا بيع أحداهما بِالْآخرِ إِلَّا مَعَ الْحُلُول وَالْقَبْض قبل التَّفَرُّق (وَظَاهر الْأَحْكَام فِي الصَّنَائِع) فَيتَعَيَّن تعلم ظَاهر الْأَحْكَام الْغَالِب فِيهَا على من يعانيها دون الْفُرُوع النادرة والمسائل الدقيقة حَتَّى يتَعَيَّن على الخباز أَن يعلم أَنه لَا يجوز بيع خبز الْبر بِالْبرِّ وَلَا بدقيقه وَيتَعَيَّن علم مَا يحْتَاج إِلَيْهِ فِي المناكحات وَنَحْوهَا (وَعلم دَاء للقلوب مُفسد) لَهَا ليحترز عَنهُ وَهُوَ علم

أمراضها الَّتِى تخرجها عَن الصِّحَّة فَيعلم حَدهَا وسببها وعلاجها (كالعجب) وَهُوَ استعظام الْآدَمِيّ نَفسه على غَيره والركون إِلَيْهَا مَعَ نِسْيَان أضافتها للمنعم (وَالْكبر) وَهُوَ أَن يتَعَدَّى الشَّخْص طوره وَقدره وَهُوَ خلق فِي النَّفس وأفعال تصدر من الْجَوَارِح (وداء الْحَسَد) وَهُوَ كراهتك نعْمَة الله على غَيْرك ومحبتك زَوَالهَا عَنهُ وَمَا ذكره المُصَنّف نَقله فِي الرَّوْضَة عَن الْغَزالِيّ ثمَّ قَالَ وَقَالَ غَيره فِيهِ تَفْصِيل فَمن رزق قلبا سليما من هَذِه الامراض الْمُحرمَة كَفاهُ الله ذَلِك وَمن لم يسلم وَتمكن من تَطْهِير قلبه بِغَيْر تعلم الْعلم الْمَذْكُور وَجب تَطْهِيره وَأَن لم يتَمَكَّن إِلَّا بتعلمه وَجب اهثم ذكر الْقسم الثَّانِي وَهُوَ فرض الكفايه وَبِه شرع فِي أصُول الْفِقْه فَقَالَ (وَمَا سوى هَذَا من الْأَحْكَام فرض كفايه على الْأَنَام) أى مَا سوى فرض الْعين من علو أَحْكَام الله كالتوغل فِي علم الْكَلَام بِحَيْثُ يتَمَكَّن من إِقَامَة الْأَدِلَّة وأزالة الشّبَه فرض كفايه على جَمِيع الْمُكَلّفين الَّذين يُمكن كلا مِنْهُمَا فعله فَكل مِنْهُم مُخَاطب لفعله لَكِن إِذا فعله الْبَعْض سقط الْحَرج عَن البَاقِينَ فَإِن امْتنع جَمِيعهم من فعله أَثم كل من لَا عذر لَهُ مِمَّن علم ذَلِك وَأمكنهُ الْقيام بِهِ أَو لم يعلم وَهُوَ قريب يُمكنهُ الْعلم بِهِ بِحَيْثُ ينْسب إِلَى التَّقْصِير وَلَا أَثم على من لم يتَمَكَّن لعدم وُجُوبه عَلَيْهِ قَالَ الإِمَام فِي الْمَحْصُول وَأعلم أَن التَّكْلِيف فِيهِ أى فِي فرض الكفايه مَوْقُوف على حُصُول الظَّن الْغَالِب فَإِن غلب على ظن جمَاعَة أَن غَيرهَا يقوم بذلك سقط عَنْهَا وَأَن غلب على ظنهم أَن غَيرهم لَا يقوم بِهِ وَجب عَلَيْهِم وَأَن غلب على ظن كل طَائِفَة أَن غَيرهم يقوم بِهِ سقط الْفَرْض عَن كل وَاحِد من تِلْكَ الطوائف وَأَن كَانَ يلْزم مِنْهُ أَن لَا يقوم بِهِ أحد لِأَن تَحْصِيل الْعلم بِأَن غَيْرِي هَل يفعل هَذَا الْفِعْل أما لَا غير مُمكن إِنَّمَا الْمُمكن تَحْصِيل الظَّن أهوَ مَا ذكره النَّاظِم من أَن فرض الكفايه يتَعَلَّق بِجَمِيعِ الْأَنَام هُوَ الْأَصَح وَعَلِيهِ الْجُمْهُور وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فِي الْأُم وَالْألف والام فِي قَوْله الْأَحْكَام للْعهد أى أَحْكَام دين الله وَهِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة وآلتها وَخرج بهَا غَيرهَا لِأَنَّهُ محرم أَو مَكْرُوه أَو مُبَاح فَالْأول كالفلسفة والشعبدة والتنجيم والرمل وعلوم الطبائعيين وَكَذَا السحر على الصَّحِيح وَالثَّانِي كأشعار المولودين المشتمله على الْغَزل والبطاله وَالثَّالِث كأشعارهم الَّتِي لَيْسَ فِيهَا سخف وَلَا شَيْء مِمَّا يكره أَو ينشط على الشَّرّ أَو يثبط عَن الْخَيْر وَلَا يحث عَلَيْهِ أَو يستعان بِهِ عَلَيْهِ (كل مُهِمّ قصدُوا تحصله من غير أَن يعتبروا من فعله) أى ان فرض الكفايه يعرف بِأَنَّهُ كل مُهِمّ قصدُوا فِي الشَّرْع تَحْصِيله من غير أَن يعتبروا عين من يَفْعَله أى يقْصد حُصُوله فِي الْجُمْلَة فَلَا ينظر إِلَى فَاعله إِلَّا بتبع للْفِعْل ضَرُورَة أَنه لَا يحصل بِدُونِ فَاعل فَيتَنَاوَل مَا هُوَ ديني كَصَلَاة الْجِنَازَة وَالْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر ودنيوي كالحرف والصنائع وَخرج فرض الْعين فَإِنَّهُ مَنْظُور بِالذَّاتِ إِلَى فَاعله حَيْثُ قصد حُصُوله من كل وَاحِد من الْمُكَلّفين أَو من عين مخصوصه كالنبي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي مَا فرض عَلَيْهِ دون أمته وَلم يُقيد النَّاظِم التحصل بِالْجَزْمِ أحترازا عَن السّنة لِأَن الْغَرَض تَمْيِيز فرض الْكِفَايَة عَن فرض الْعين وَذَلِكَ حَاصِل بِمَا ذكره والقائم بِفَرْض الْعين أفضل من الْقَائِم بِفَرْض الكفايه لشدَّة أعتناء الشَّارِع بِهِ بِقَصْدِهِ حُصُوله من كل مُكَلّف فِي الْأَغْلَب ثمَّ مثل لفرض الْكِفَايَة بقوله (كأمر مَعْرُوف وَنهى الْمُنكر) الْمجمع عَلَيْهِ إِذْ هُوَ من أعظم قَوَاعِد الْإِسْلَام وَالْمرَاد بِهِ الْأَمر بواجبات الشَّرْع والنهى عَن محرماته فَإِن نصب الْأَمَام لذَلِك رجلا تعين عَلَيْهِ بِحكم الْولَايَة وَهُوَ الْمُحْتَسب وَسَوَاء فِي ذَلِك تعلق بِحُقُوق الله تَعَالَى جَمِيعًا كالأمر بِإِقَامَة الْجُمُعَة إِذا توفرت شُرُوطهَا أَو أفرادا كمن أخر الصَّلَاة الْمَكْتُوبَة عَن وَقتهَا فَإِن قَالَ نسيتهَا حثه على المراقبة وَلَا يعْتَرض على من أَخّرهَا ووقتها باقى أَو تعلق بِحَق آدَمِيّ عَام كبلد تعطل شربه أَو أنهدم سوره أَو طرقه أَبنَاء السَّبِيل المحتاجون وَتركُوا معونتهم فَإِن كَانَ فِي بَيت المَال مَال وَأمكن

الْأَخْذ مِنْهُ لم يُؤمر النَّاس بذلك وَإِلَّا أَمر أهل المسكنة برعايتها أَو بِحَق خَاص كمطل الْمَدِين الْمُوسر فالمحتسب يَأْمُرهُ بِالْخرُوجِ مِنْهُ إِذا طلبه ربه من غير ضرب وَلَا حبس أَو تعلق بِحُقُوق مُشْتَركَة كأمر الولياء بِنِكَاح الْأَكفاء وإلزام النِّسَاء أَحْكَام الْعدَد وَأخذ السَّادة بِحُقُوق الأرقاء وَأَصْحَاب الْبَهَائِم بتعهدها وَأَن لَا يستعملوها فِيمَا لَا تُطِيقهُ أَو من تصدى للتدريس أَو الْوَعْظ وَلَيْسَ هُوَ من أَهله وَلَا يُؤمن اعتزاز النَّاس بِهِ فِي تَأْوِيل أَو تَحْرِيف أنكر عَلَيْهِ الْمُحْتَسب وَشهر أمره لِئَلَّا يفتر بِهِ وَإِذا رأى رجلا وَاقِفًا مَعَ امْرَأَة فِي شَارِع يطرقه النَّاس لم يُنكر عَلَيْهِ أَو خَال فَمحل رِيبَة فينكره وَيَقُول لَهُ إِن كَانَت محرمك فصنها عَن مَوَاقِف الرِّيبَة وَلَا يُنكر فِي حُقُوق الْآدَمِيّين كتعديه فِي جِدَار جَاره إِلَّا بِطَلَب صَاحب الْحق (وَأَن يظنّ النهى لم يُؤثر) أى لَا يسْقط الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ والنهى عَن الْمُنكر بظنه أَنه لَا يُفِيد أَو بِعِلْمِهِ ذَلِك بِالْعَادَةِ بل يجب عَلَيْهِ الْأَمر والنهى فَإِن الذكرى تَنْفَع الْمُؤمنِينَ وَلَيْسَ الْوَاجِب عَلَيْهِ قبُوله ذَلِك مِنْهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا على الرَّسُول إِلَّا الْبَلَاغ﴾ وَلَا يشْتَرط فِي الْآمِر والناهي كَونه ممتثلا مَا أَمر بِهِ مجتنبا مَا نهى عَنهُ بل يجب عَلَيْهِ الْأَمر والنهى فِي حق نَفسه وَحقّ غَيره فَإِن أخل بِأَحَدِهِمَا لم يجز الاخلال بِالْآخرِ وَلَا يخْتَص المأر والنهى بأرباب الولايات والمراتب بل ذَلِك ثَابت لآحاد الْمُسلمين وَاجِب عَلَيْهِم وعَلى الْمُكَلف تَغْيِير الْمُنكر بأى وَجه أمكنه وَلَا يكفى الْوَعْظ لمن أمكنه إِزَالَته بِالْيَدِ وَلَا تكفى كَرَاهَة الْقلب لمن قدر على النهى بِاللِّسَانِ وَإِنَّمَا يَأْمر وَينْهى من كَانَ عَالما بِمَا يَأْمر بِهِ وَينْهى عَنهُ وَذَلِكَ يخْتَلف بِحَسب الْأَشْيَاء فَإِن كَانَ من الْوَاجِبَات الظَّاهِرَة أَو الْمُحرمَات الْمَشْهُورَة كَالصَّلَاةِ وَالصِّيَام وَالزِّنَا وَالْخمر وَنَحْوهَا فَلِكُل الْمُسلمين عُلَمَاء بهَا وَإِن كَانَ من دقائق الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال وَمَا يتَعَلَّق بِالِاجْتِهَادِ لم يكن للعوام الِابْتِدَاء بانكاره بل ذَلِك للعاملين بهَا ويلتحق بهم من أعلمهُ الْعلمَاء بِكَوْنِهِ مجمعا عَلَيْهِ ثمَّ الْعلمَاء إِنَّمَا يُنكرُونَ الْمجمع على تَحْرِيمه أَو مَا أعتقد فَاعله تَحْرِيمه وَأما الْأَمر بالمندوب فمندوب أما الْمُخْتَلف فِيهِ إِذا فعله من لَا يعْتَقد تَحْرِيمه فَلَا يُنكره عَلَيْهِ لَكِن إِن نَدبه على وَجه النصح لِلْخُرُوجِ من الْخلاف فمحبوب وَيكون بِرِفْق لِأَن الْعلمَاء متفقون على أستحباب الْخُرُوج من الْخلاف إِذا لم يلْزم مِنْهُ إخلال بِسنة ثَابِتَة أَو وُقُوع فِي خلاف آخر وَيَنْبَغِي أَن يرفق فِي تَغْيِير الْمُنكر بالجاهل وبالظالم الَّذِي يخَاف شَره فان ذَلِك أدعى إِلَى قبُول قَوْله وَإِزَالَة الْمُنكر وَإِن قدر على الِاسْتِعَانَة بِغَيْرِهِ وَلم يسْتَقلّ بِهِ اسْتَعَانَ مَا لم يؤد إِلَى إِظْهَار سلَاح وَحرب فَإِن عجز رفع ذَلِك إِلَى صَاحب الشَّوْكَة فَإِن عجز عَن جَمِيع ذَلِك كرهه بِقَلْبِه قَالَ جمع من علم خمرًا فِي بَيت رجل أَو طنبور أَو علم شربه أَو ضربه فَعَلَيهِ أَن يهجم على صَاحب الْبَيْت ويريق الْخمر ويفصل الطنبور وَيمْنَع أهل الْبَيْت الشّرْب وَالضَّرْب فَإِن لم ينْتَهوا فَلهُ قِتَالهمْ وَإِن أَتَى الْقِتَال عَلَيْهِم وَهُوَ مثاب على ذَلِك حَتَّى لَو رأى مكبا على مَعْصِيّة كزنا وَشرب خمر فَلهُ مَنعه وَإِن أَتَى الدّفع عَلَيْهِ فَلَا ضَمَان وَلَيْسَ للْآمِر والناهي الْبَحْث والتنقيب والتجسس واقتحام الدّور بالظنون بل إِن رأى شَيْئا غَيره قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَإِن غلب على ظن الْمُحْتَسب أَو غَيره استسرار قوم بالمنكر بأمارة أَو آثَار ظَهرت فَذَلِك ضَرْبَان أَحدهمَا أَن يكون فِيهِ انتهاك حُرْمَة يفوت تداركها كَأَن أخبرهُ من يَثِق بصدقه بِأَن رجلا خلا بِرَجُل ليَقْتُلهُ أَو بِامْرَأَة ليزني بهَا فَيجوز لَهُ التَّجَسُّس والإقدام على الْكَشْف وَالْإِنْكَار وَالثَّانِي مَا قصر على هَذِه الْمرتبَة فَلَا يجوز فِيهِ الْكَشْف والتجسس وَلَا يسْقط الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر إِلَّا بِأَن يخَاف مِنْهُ على نَفسه أَو عضوه أَو منفعَته أَو مَاله أَو يخَاف على غَيره مفْسدَة أعظم من مفْسدَة الْمُنكر الْوَاقِع (أَحْكَام شرع الله) جمع حكم وَهُوَ خطاب الله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِفعل الْمُكَلف بالاقتضاء أَو التَّخْيِير فالخطاب تَوْجِيه الْكَلَام نَحْو الْغَيْر للأفهام وَالْمرَاد بِهِ هُنَا كَلَامه النَّفْسِيّ الأزلي الْمُسَمّى فِي الْأَزَل خطابا وبإضافته إِلَى الله تَعَالَى خرج خطاب من سواهُ إِذْ لَا يحكم إِلَّا حكمه والمكلف الْبَالِغ الْعَاقِل وَيتَعَلَّق بِفِعْلِهِ تعلقا معنويا قبل وجوده أَو بعده قبل الْبعْثَة وتنجيزيا بعد وجوده بعد الْبعْثَة إِذْ لَا حكم قبلهَا وَخرج بِفعل الْمُكَلف خطاب اله تَعَالَى الْمُتَعَلّق بِذَاتِهِ وَصِفَاته وأفعاله وَذَوَات الْمُكَلّفين وبالجمادات وبفعل الْمُكَلّفين

لَا بالاقتضاء والتخيير وَلَا خطاب يتَعَلَّق بِفعل غير الْبَالِغ الْعَاقِل وَولي الصَّبِي وَالْمَجْنُون مُخَاطب بأَدَاء مَا وَجب فِي مَا لَهما مِنْهُ كَالزَّكَاةِ وَضَمان الْمُتْلف كَمَا يُخَاطب صَاحب الْبَهِيمَة بِضَمَان مَا أتلفته حَيْثُ فرط فِي حفظهَا لتنزل فعلهَا فِي هَذِه الْحَالة منزلَة فعله وَصِحَّة عبَادَة الصَّبِي كصلاته وصومه المثاب عَلَيْهَا لَيْسَ لِأَنَّهُ مَأْمُور بهَا كَمَا فِي الْبَالِغ بل ليعتادها فَلَا يَتْرُكهَا بعد بُلُوغه (سبع تقسم الْفَرْض وَالْمَنْدُوب وَالْمحرم وَالرَّابِع الْمَكْرُوه ثمَّ مَا أُبِيح وَالسَّادِس الْبَاطِل وأختم بِالصَّحِيحِ) وَسَيَأْتِي بَيَانهَا وَمَا جرى عَلَيْهِ من أَن الْأَحْكَام سَبْعَة بأدراج الصَّحِيح وَالْبَاطِل من خطاب الْوَضع فِيهَا وَهُوَ جعل الشَّيْء سَببا أَو شرطا أَو مَانِعا أَو صَحِيحا أَو بَاطِلا رأى مَرْجُوح وَالْمَشْهُور عدم شُمُول الحكم للخطاب الوضعي وَوَجهه الْحصْر فِيمَا ذكره أَن الحكم إِن تعلق بالمعاملات فإمَّا بِالصِّحَّةِ أَو بِالْبُطْلَانِ أَو بِغَيْرِهِمَا فَهُوَ إِمَّا طلب أَو إِذن فِي الْفِعْل وَالتّرْك على السوَاء والطلب إِمَّا طلب فعل أَو ترك وكل مِنْهُمَا إِمَّا جازم أَو غير جازم فَطلب الْفِعْل الْجَازِم الْإِيجَاب وَغير الْجَازِم النّدب وَطلب التّرْك الْجَازِم التَّحْرِيم وَغير الْجَازِم الْكَرَاهَة وَالْإِذْن فِي الْفِعْل وَالتّرْك على السوَاء الْإِبَاحَة وَزَاد جمع متأخرون خلاف الأولى فَقَالُوا إِن كَانَ طلب التّرْك الْغَيْر الْجَازِم بنهي مَخْصُوص فكراهة والإفخلاف الأولى وَأما المتقدمون فيطلقون الْمَكْرُوه على ذِي النهى الْمَخْصُوص وَغَيره وَقد يَقُولُونَ فِي الأول مَكْرُوه كَرَاهَة شَدِيدَة وَعلم مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَن جعل المُصَنّف الْأَحْكَام هَذِه السَّبْعَة فِيهِ تجوز لِأَنَّهَا متعلقاتها لَا أَنْفسهَا إِذْ الْإِيجَاب هُوَ الحكم وَالْوُجُوب أَثَره وَالْوَاجِب مُتَعَلقَة وَكَذَا الْبَقِيَّة فَالْحكم الَّذِي هُوَ خطاب الله تَعَالَى إِذا نسب إِلَى الْحَاكِم سمى إِيجَابا أَو تَحْرِيمًا أَو إِلَى مَا فِيهِ الحكم وَهُوَ الْفِعْل سمى وجوبا أَو وَاجِبا أَو حُرْمَة أَو حَرَامًا فالإيجاب وَالْوَاجِب مثلا متحدان بِالذَّاتِ مُخْتَلِفَانِ بالإعتبار وَيَأْتِي مثل ذَلِك فِي النّدب وَالْكَرَاهَة وَالْإِبَاحَة وَالْمَنْدُوب وَالْمَكْرُوه والمباح وَيُسمى الْفَرْض وَاجِبا ومحتوما ومكتوبا خلافًا لأبي حنيفَة حَيْثُ ذهب إِلَى أَن الْفَرْض أثبت بِدَلِيل قَطْعِيّ وَالْوَاجِب مَا ثَبت بِدَلِيل ظَنِّي وَيُسمى الْمحرم حَرَامًا ومحظورا وذنبا ومعصية ومزجورا عَنهُ ومتوعدا عَلَيْهِ أَي من الشَّرْع وَيُسمى الْمُبَاح حَلَالا وطلقا وجائزا وَإِنَّمَا لم يتَعَرَّض المُصَنّف للرخصة والعزيمة لاندراجهما فِيمَا ذكره لِأَن الحكم الشَّرْعِيّ إِن تغير تعلقه من صعوبة على الْمُكَلف إِلَى سهوله عَلَيْهِ كَأَن تغير من الْحُرْمَة إِلَى الْإِبَاحَة لعذر مَعَ قيام السَّبَب للْحكم الْأَصْلِيّ المتخلف عَنهُ للْعُذْر فَالْحكم الْمُتَغَيّر إِلَيْهِ السهل الْمَذْكُور يُسمى رخصَة وَاجِبا كَانَ كَأَكْل الْميتَة للْمُضْطَر أَو مَنْدُوبًا كالقصر للْمُسَافِر سفرا مُبَاحا يبلغ ثَلَاثَة أَيَّام أَو مُبَاحا كالسلم أَو خلاف الأولى كفطر الْمُسَافِر الَّذِي لَا يجهده الصَّوْم وَإِن لم يتَغَيَّر الحكم كَمَا ذكره فعزيمة وَبَعْضهمْ خص الْعَزِيمَة بِالْوَاجِبِ وَبَعْضهمْ عممها للْأَحْكَام الْخَمْسَة (فالفرض مَا فِي فعله الثَّوَاب كَذَا على تَاركه الْعقَاب) أَي إِن الْفَرْض من حَيْثُ وَصفه بالفرضية مَا يُثَاب فَاعله على فعله ويعاقب على تَركه وَتَنَاول قَوْله مَا فِي فعله الثَّوَاب الْفَرْض وَالْمَنْدُوب وَخرج بِهِ الْحَرَام وَالْمَكْرُوه والمباح وَخرج بقوله كَذَا على تَاركه الْعقَاب الْمَنْدُوب ويكفى فِي صدق الْعقَاب وجوده لوَاحِد من العصاة مَعَ الْعَفو عَن غَيره فَلَا يخرج من تَعْرِيف المُصَنّف الْوَاجِب المعفو عَنهُ أَو يُرِيد بالعقاب ترتبه على تَركه فَلَا ينافى الْعَفو وَهَذَا تَعْرِيف رسمي فَيصح باللازم وَظَاهر أَن الْوَاجِب الَّذِي لَا يتَوَقَّف أجزاؤه على نِيَّة كَنَفَقَة الزَّوْجَات والأقارب والأرقاء ورد الْمَغْصُوب والعوارى والودائع يعْتَبر فِي الْآيَة فَاعله قَصده التَّقَرُّب بِهِ (وَمِنْه مَفْرُوض على الْكِفَايَة) أَي أَن الْفَرْض الْمَذْكُور يَشْمَل فرض الْعين والكفاية لسُقُوط الْفَرْض فِيهِ بِفعل الْبَعْض وَلَا مُنَافَاة كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ بَين قَول الْأُصُولِيِّينَ أَن فرض الْكِفَايَة يسْقط بِفعل الْبَعْض وَقَول الْفُقَهَاء لَو صلى على الْجِنَازَة طَائِفَة أُخْرَى

وَقعت صلَاتهم فرضا أَيْضا وَإِذا سقط الْفَرْض بِالْأولَى كَيفَ يَقع غَيرهَا فرضا لِأَن عبارَة الْمُحَقِّقين أسقط الْحَرج عَن البَاقِينَ أَي لَا حرج عَلَيْهِم فِي ترك هَذَا الْفِعْل فَلَو فَعَلُوهُ وَقع فرضا كَمَا لَو فَعَلُوهُ مَعَ الْأَوَّلين دفْعَة وَاحِدَة وَأجِيب عَنهُ أَيْضا بِأَن فرض الْكِفَايَة قِسْمَانِ أَحدهمَا مَا يحصل بِفِعْلِهِ تَمام الْمَقْصُود مِنْهُ وَلَا يقبل الزِّيَادَة كَغسْل الْمَيِّت وتكفينه فَهَذَا هُوَ الَّذِي يسْقط بِفعل الْبَعْض وَالثَّانِي تتجدد مصْلحَته بتكرار الفاعلين لَهُ كالاشتغال بِالْعلمِ وَحفظ الْقُرْآن وَصَلَاة الْجِنَازَة إِذْ مقصودها الشَّفَاعَة فَهَذَا كل أحد مُخَاطب بِهِ وَإِذا فعله يَقع فرضا سَوَاء أتقدمه غَيره بِفِعْلِهِ أم لَا ثمَّ مثل فرض الْكِفَايَة بقوله (كرد تَسْلِيم من الْجَمَاعَة) أَي كرد تَسْلِيم الْمُسلم الْوَاحِد على الْجَمَاعَة فيكفى فِي جَوَابه رد مُكَلّف وَاحِد مِنْهُم فِي إِسْقَاط الْإِثْم عَنْهُم بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ السَّلَام على وَاحِد فَقَط فَإِن رده فرض عين فَإِذا تَركه أَثم هُوَ وَحده (وَالسّنة المثاب من قد فعله وَلم يُعَاقب امْرُؤ إِن أهمله) أَي أَن السّنة من حَيْثُ وصفهَا بهَا مَا يُثَاب فَاعله عَلَيْهِ وَلَا يُعَاقب على تَركه فَشَمَلَ قَوْله المثاب من قد فعله الْفَرْض وَالسّنة وَخرج بِهِ الْحَرَام وَالْمَكْرُوه والمباح وَخرج بِمَا بعده الْوَاجِب (وَمِنْه مسنون على الْكِفَايَة كالبدء بِالسَّلَامِ من جمَاعَة) أَي أَن السّنة تَنْقَسِم إِلَى سنة عين كالوتر وَصَلَاة الْعِيدَيْنِ وَإِلَى سنة كِفَايَة وَقد مثل لَهَا بابتداء السَّلَام من جمَاعَة وَأَشَارَ بِالْكَاف إِلَى عدم الْحصْر فَمِنْهُ الْأَذَان وَالْإِقَامَة وتشميت الْعَاطِس وَالْأُضْحِيَّة وَالتَّسْمِيَة عِنْد الْأكل من جمَاعَة وَكَذَا مَا يفعل بِالْمَيتِ مِمَّا يسن كتوجيهه للْقبْلَة وتغميض عَيْنَيْهِ وَشد لحييْهِ وتثليث غسله ولفائفه وتوضيئه وتغسيله بسدر أَو خطمى وَغير ذَلِك مِمَّا يكثر تعداده وَأَحْكَام السَّلَام كَثِيرَة فابتداؤه على كل مُسلم وَلَو صَبيا سنة عين إِن كَانَ الْمُسلم وَاحِدًا وَسنة كِفَايَة إِن كَانَ جمَاعَة ورده وَلَو كَانَ الْمُسلم صَبيا فرض عين إِن كَانَ الْمُسلم عَلَيْهِ وَاحِدًا مُكَلّفا وَفرض كِفَايَة إِن كَانَ جمَاعَة وَشَرطه ابْتِدَاء وردا إسماع لَهُ واتصال كاتصال الْإِيجَاب بِالْقبُولِ فَإِن شكّ فِي سَمَاعه زَاد فِي الرّفْع فَإِن كَانَ عِنْده نيام خفض صَوته بِحَيْثُ لَا يوقظهم والقارىء كَغَيْرِهِ فِي ندب السَّلَام عَلَيْهِ وَوُجُوب رده بِاللَّفْظِ وَلَا يكفى رد صبي وَمَجْنُون مَعَ وجود مُكَلّف وَلَا رد غير الْمُسلم عَلَيْهِم وَيجب الْجمع بَين اللَّفْظ وَالْإِشَارَة على من رد على أَصمّ وَمن سلم عَلَيْهِ جمع بَينهمَا وتجزيء إِشَارَة الْأَخْرَس ابْتِدَاء وردا وصيغته ابْتِدَاء السَّلَام عَلَيْكُم أَو سَلام عَلَيْكُم ويجزىء عَلَيْكُم السَّلَام مَعَ الْكَرَاهَة وَتسن صِيغَة الْجمع فِي السَّلَام على الْوَاحِد لأجل الْمَلَائِكَة وَيحصل أصل السّنة فِيهِ بِالْإِفْرَادِ وَالْإِشَارَة بِهِ بِلَا لفظ خلاف الأولى وَلَا يجب لَهَا رد وَالْجمع بَينهَا وَبَين اللَّفْظ أفضل وصيغته ردا وَعَلَيْكُم السَّلَام أَو وَعَلَيْك السَّلَام للْوَاحِد وَكَذَا لَو ترك الْوَاو فَإِن عكس جَازَ وَلَا يجزىء وَعَلَيْكُم فَقَط وتعريفه أفضل وَزِيَادَة وَرَحْمَة الله وَبَرَكَاته ابْتِدَاء وردا أكمل وَإِن سلم كل على الآخر مَعًا لزم كلا مِنْهُمَا الرَّد أَو مُرَتبا كفى الثَّانِي سَلَامه رد أَو إِن سلم عَلَيْهِ جمَاعَة كَفاهُ وَعَلَيْكُم السَّلَام بقصدهم وَينْدب أَن يسلم الرَّاكِب على الْمَاشِي والماشي على الْوَاقِف وَالصَّغِير على الْكَبِير والقليل على الْكثير فِي حَالَة تلاقي فَلَو عكس لم يكره وَيسلم الْوَارِد مُطلقًا على من ورد عَلَيْهِ وَيكرهُ تَخْصِيص الْبَعْض من الْجمع بِالسَّلَامِ ابْتِدَاء وردا وَيسن السَّلَام للنِّسَاء مَعَ بَعضهنَّ وغيرهن إِلَّا مَعَ الرِّجَال الْأَجَانِب فَيحرم السَّلَام على الْأَجْنَبِيّ من الشَّابَّة ابْتِدَاء وردا ويكرهان عَلَيْهَا وَلَا يكره سَلام الْجمع الْكثير من الرِّجَال عَلَيْهَا وَيسن ابْتِدَاء السَّلَام من الْعَجُوز وَجمع من النسْوَة على غَيْرهنَّ وَعَكسه وَيجب الرَّد كَذَلِك وَلَو سلم بالعجمية جَازَ إِن أفهم الْمُخَاطب وَلَا يبْدَأ بِهِ فَاسِقًا وَلَا مبتدعا وَلَا يردهُ عَلَيْهِمَا إِلَّا لعذر وَلَا يجب رده على مَجْنُون وسكران وَيحرم ابْتِدَاء الْكَافِر بِهِ فَإِن بِأَن من سلم عَلَيْهِ كَافِر فَلْيقل لَهُ استرجعت سلامي وَإِن سلم الذِّمِّيّ على مُسلم قَالَ لَهُ وَعَلَيْك وَيجب اسْتِثْنَاؤُهُ

بِقَلْبِه إِن كَانَ بَين مُسلمين وَلَا يبْدَأ بِتَحِيَّة غير السَّلَام إِلَّا لعذر وَلَو قَامَ عَن مجْلِس فَسلم وَجب الرَّد وَينْدب لمن دخل دَاره أَن يسلم على أَهله أَو موضعا خَالِيا فَلْيقل السَّلَام علينا وعَلى عباد الله الصَّالِحين وَلَا يسلم على من فِي حمام أَو يقْضى حَاجته أَو يَأْكُل أَو يصلى أَو يُؤذن وَالضَّابِط أَن يكون الشَّخْص بِحَالَة لَا يَلِيق بالمروءة الْقرب مِنْهُ فِيهَا فَيدْخل النَّائِم والناعس والخطيب وَلَا يلْزم من لَا يسْتَحبّ السَّلَام عَلَيْهِ رده نعم يجب الرَّد على مستمع خطْبَة الْجُمُعَة مَعَ كَون السَّلَام عَلَيْهِ غير مسنون وَيسْتَحب للملبى رده بِاللَّفْظِ وَيكرهُ الرَّد لمن يَبُول أَو يُجَامع أَو نَحْوهمَا وَيسن لمن يَأْكُل أَو فِي الْحمام وَيسن للمصلى وَنَحْوه بِالْإِشَارَةِ وَيسن إرْسَال السَّلَام إِلَى غَائِب برَسُول أَو كتاب وَيجب على الرَّسُول التَّبْلِيغ وعَلى الْمُرْسل إِلَيْهِ الرَّد فَوْرًا وَيسْتَحب الرَّد على الْمبلغ أَيْضا وَينْدب أَن يحرص كل من المتلاقيين على الْبدَاءَة بِهِ ويتكرر بِتَكَرُّر التلاقي وَيبدأ بِهِ قبل الْكَلَام وَإِن كَانَ مارا فى سوق أَو جمع لَا ينتشر فيهم السَّلَام الْوَاحِد سلم على من يَلِيهِ فَقَط أَولا وَإِن تخطى وَجلسَ إِلَى من لم يسمع سَلَامه سلم ثَانِيًا وَلَا يسْقط الْفَرْض عَن الْأَوَّلين برد الآخرين وَلَا يتْرك السَّلَام خوف عدم الرَّد (أما الْحَرَام فالثواب يحصل لتارك وآثم من يفعل) أَي أَن الْحَرَام وَلَو بِاعْتِبَار ظن الْمُكَلف من حَيْثُ وَصفه بِالْحُرْمَةِ مَا يُثَاب تَاركه إِذا تَركه امتثالا وَيَأْثَم فَاعله إِذا أقدم عَلَيْهِ عَالما بِتَحْرِيمِهِ وَتَنَاول قَوْله فالثواب يحصل لتارك سَائِر أَنْوَاع الْحَرَام وَخرج بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح وَخرج بقوله وآثم من يفعل الْمَكْرُوه وَعدل هُنَا عَن قَول غَيره ويعاقب على فعله لاحتياجه إِلَى التَّأْوِيل بِأَنَّهُ يكفى فِي صدق الْعقَاب وجوده لوَاحِد من العصاة مَعَ الْعَفو عَن غَيره أَو يُرِيد ترَتّب الْعقَاب على فعله فَلَا ينافى الْعَفو (وفاعل الْمَكْرُوه لم يعذب بل أَن يكف لامتثال يثب) أَي إِن فَاعل الْمَكْرُوه لَا يعذب على فعله ويثاب على تَركه إِن تَركه امتثالا وَخرج بِمَا ذكره الْحَرَام وَالْوَاجِب وَالْمَنْدُوب والمباح وَفِي نُسْخَة بدل لم يعذب لم يُعَاقب (وَخص مَا يُبَاح باستواء الْفِعْل وَالتّرْك على السوَاء) أَي إِن الْمُبَاح من حَيْثُ وَصفه بِالْإِبَاحَةِ خص باستواء فعله وَتَركه على السوَاء بِأَن أذن الشَّارِع فِي فعله وَتَركه على السوَاء من غير تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر باقتضاء مدح أَو ذمّ وَخرج بِهِ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَالْحرَام وَالْمَكْرُوه (لَكِن إِذا نوى بِأَكْلِهِ الْقوي لطاعة الله لَهُ مَا قد نوى) أَي إِن الْمُكَلف إِذا نوى بِفعل الْمُبَاح التَّقْوَى لطاعة الله تَعَالَى لَهُ مَا قد نوى فيثاب عَلَيْهِ كَأَن نوى بِأَكْلِهِ الْمُبَاح التَّقْوَى على الْعِبَادَة أَو بنومه النشاط لَهَا وكما يُثَاب على الْمُبَاح إِذا فعله بِقصد التَّقْوَى على الْعِبَادَة كَذَلِك يَأْثَم بِهِ إِذا فعله بالتقوى على الْمعْصِيَة وَاللَّام فِي قَوْله لطاعة الله تعليلية أَو بِمَعْنى على أَو فِي (أما الصَّحِيح فِي الْعِبَادَات فَمَا وَافق شرع الله فِيمَا حكما) أَي أَن الصَّحِيح فِي الْعِبَادَات مَا وَافق شرع الله فِي وُقُوعه بِأَن استجمع مَا يعْتَبر فِيهِ شرعا من أَرْكَان وشروط وَلَو فِي ظن فَاعله وَإِن لم يسْقط الْقَضَاء وَقيل هُوَ مَا أسقط الْقَضَاء فَمن صلى مُحدثا ظَانّا طَهَارَته ثمَّ تبين لَهُ حَدثهُ صلَاته صَحِيحَة على الأول لموافقتها الشَّرْع اعْتِمَادًا على ظَنّه بَاطِلَة على الثَّانِي وَكَذَلِكَ صَلَاة فَاقِد الطهُورَيْنِ لوُجُوبهَا عَلَيْهِ حِين إِذْ على حسب طاقته فَهِيَ مُوَافقَة للشَّرْع (وَفِي الْمُعَامَلَات مَا ترتبت عَلَيْهِ آثَار بِعقد ثبتَتْ) أَي أَن الصَّحِيح فِي الْمُعَامَلَات مَا ترتبت عَلَيْهِ آثاره وَهِي مَا شرع ذَلِك العقد لَهُ كالملك فِي البيع وَحل الْوَطْء فِي النِّكَاح وَحل الِانْتِفَاع فِي الْإِجَارَة وَعدم الضَّمَان وَاسْتِحْقَاق الْمَشْرُوط من

الرِّبْح فِي الْقَرَاض وبينونة الزَّوْجَة فِي الْخلْع فالصحة مُوَافقَة الْفِعْل ذِي الْوَجْهَيْنِ فِي وُقُوعه الشَّرْع عبَادَة كَانَ أَو مُعَاملَة (وَالْبَاطِل الْفَاسِد للصحيح ضد وَهُوَ الَّذِي بعض شُرُوطه فقد) أَي إِن الْبَاطِل هُوَ الْفَاسِد وَهُوَ ضد الصَّحِيح مَا فقد بعض معتبراته وَهِي مُرَادة بِالشُّرُوطِ فهما اسمان مُتَرَادِفَانِ لمسمى وَاحِد خلافًا للحنفية وَقَول إمامنا الشَّافِعِي وكل فعل محرم يقْصد بِهِ التَّوَصُّل إِلَى اسْتِبَاحَة مَا جعل الشَّرْع أَصله على التَّحْرِيم أَو رد عَلَيْهِ العقد فِي وَقت ضيق الْمَكْتُوبَة فَإِن المتلفظ بِالْعقدِ تَارِك لتكبيرة الْإِحْرَام وَتركهَا حِينَئِذٍ محرم فَهَذَا محرم توصل بِهِ إِلَى اسْتِبَاحَة الْأَمْلَاك وَأَصلهَا على الْحَظْر مَعَ أَنه لَيْسَ بفاسد أهم وَأجَاب عَنهُ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بِأَنَّهُ غير وَارِد لِخُرُوجِهِ بقوله مَا جعل الشَّرْع أَصله على التَّحْرِيم إِذْ الأَصْل فِي الْمَنَافِع الْحل فَلم يتَوَصَّل بِالْعقدِ الْمَذْكُور إِلَى اسْتِبَاحَة مَا جعل الشَّرْع أَصله على التَّحْرِيم وَبِقَوْلِهِ فعل محرم فَإِن الْمحرم حَيْثُ أطلق انْصَرف إِلَى مَا حرم لذاته والتلفظ بِالْعقدِ الْمَذْكُور إِنَّمَا حرم لعَارض وَفرق أَصْحَابنَا بَين الْفَاسِد وَالْبَاطِل فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع الْحَج وَالْعَارِية وَالْخلْع وَالْكِتَابَة وَزَاد الشَّيْخ زين الدّين الكتنانى أَرْبَعَة أخر وَهِي الْوكَالَة وَالْإِجَارَة والجزية وَالْعِتْق قَالَ بَعضهم وَلَا ينْحَصر فِيهَا بل يجْرِي فِي سَائِر الْعُقُود وَمن صوره مَا لَو نكح بِلَا ولى فَهُوَ فَاسد يُوجب مهر الْمثل لَا الْحَد وَلَو نكح السَّفِيه بِلَا إِذن فَبَاطِل لَا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ شَيْء وَقَول النَّاظِم فقد الْأَنْسَب بِنَاؤُه للْمَفْعُول وَيُوجد فِي بعض النّسخ (واستثن مَوْجُودا كَمَا لَو عدما كواجد المَاء إِذا تيمما) أَشَارَ باستثناء هَذِه وَمَا بعْدهَا إِلَى مَا زَاده الْقَرَافِيّ وَغَيره على الْأُصُولِيِّينَ فِي الْأَحْكَام الوضعية وَهُوَ التقديرات الشَّرْعِيَّة وَهِي ضَرْبَان أَحدهمَا إِعْطَاء الْمَوْجُود حكم الْمَعْدُوم كَالْمَاءِ الْمَوْجُود مَعَ مَرِيض يخَاف عَلَيْهِ من اسْتِعْمَاله على نفس أَو عُضْو أَو منفعَته فَإِنَّهُ ينْتَقل إِلَى التَّيَمُّم وَيقدر أَن هَذَا المَاء الْمَوْجُود مَعْدُوم لوُجُود الْعذر (وَمِنْه مَعْدُوم كموجود مثل كدية تورث عَن شخص قتل) أَي أَن الْمَعْدُوم يعْطى حكم الْمَوْجُود كالدية الموروثة عَن قَتِيل فَإِنَّهُ يقدر وجودهَا ودخولها فِي ملك الْمَوْرُوث فِي آخر جُزْء من حَيَاته فِي الْأَصَح حَتَّى يقْضى مِنْهَا دُيُونه مَعَ أَنَّهَا مَعْدُومَة حَال التَّقْدِير الْمَذْكُور وَوجه اسْتثِْنَاء هَاتين الصُّورَتَيْنِ من ضَابِط الْبَاطِل أَنَّهُمَا فقدتا بعض شُرُوطهَا وَمَعَ ذَلِك فهما صحيحتان بِاعْتِبَار التَّقْدِير وَمَا فِي قَول النَّاظِم كَمَا لَو عدما مصدريه وَالْألف فِي قَوْله عدما وتيمما للإطلاق وَقَوله مثل مَبْنِيّ للْمَفْعُول وخفف الثَّاء الْمُثَلَّثَة للوزن وَهَذَا آخر زِيَادَة النَّاظِم المتوالية = (كتاب الطَّهَارَة) = الْكتاب لُغَة الضَّم وَالْجمع وَفِي الِاصْطِلَاح اسْم لجملة مُخْتَصَّة من الْعلم مُشْتَمِلَة على أَبْوَاب وفصول ومسائل غَالِبا وَالطَّهَارَة مصدر طهر بِفَتْح الْهَاء وَضمّهَا وَالْفَتْح أفْصح يطهر بضَمهَا فيهمَا وَهِي فِي اللُّغَة النَّظَافَة والخلوص من الأدناس حسية كَانَت كالأنجاس أَو معنوية كالعيوب وَشرعا زَوَال الْمَنْع الْمُتَرَتب على الْحَدث أَو الحبث أَو الْفِعْل الْمَوْضُوع لإِفَادَة ذَلِك أَو لإِفَادَة بعض آثاره كالتيمم فَإِنَّهُ يُفِيد جَوَاز الصَّلَاة الَّذِي هُوَ من آثَار ذَلِك فَهِيَ قِسْمَانِ وَلِهَذَا عرفهَا النَّوَوِيّ وَغَيره بِاعْتِبَار الْقسم الثَّانِي بِأَنَّهَا رفع حدث أَو إِزَالَة نجس أَو مَا فِي مَعْنَاهُمَا وعَلى صورتهما كالتيمم والأغسال المسنونة وتجديد الْوضُوء والغسلة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة (وَإِنَّمَا يَصح تَطْهِير بِمَا أطلق) بِالْبِنَاءِ لما لم يسم فَاعله أَي إِنَّمَا يَصح التَّطْهِير فِي غير الاستحالة وَالتَّيَمُّم بِالْمَاءِ الْمُطلق وَأفَاد تَعْبِيره بأنما المفيدة للحصر حصر التَّطْهِير فِي المَاء الْمُطلق وَهُوَ كَذَلِك لقَوْله تَعَالَى ﴿وأنزلنا من السَّمَاء مَاء طهُورا﴾ ذكر المَاء امتنانا فَلَو طهر غَيره فَاتَ الامتنان وَلما (4 غَايَة الْبَيَان)

يَأْتِي أما فِي الْحَدث وَهُوَ هُنَا أَمر اعتباري يقوم بالأعضاء يمْنَع صِحَة الصَّلَاة حَيْثُ لَا مرخص فَلقَوْله تَعَالَى ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ الْآيَة وَأما فِي النَّجس فلخبر صبوا عَلَيْهِ أَي بَوْل الْأَعرَابِي ذنوبا من مَاء وَالْأَمر للْوُجُوب فَلَو رفع غير المَاء لم يجب التَّيَمُّم عِنْد فَقده وَلَا غسل الْبَوْل بِهِ وَلَا يُقَاس بِهِ غَيره لاخْتِصَاص الطُّهْر بِهِ تعبدا أَو لما حوى من الرقة واللطافة الَّتِي لَا تُوجد فِي غَيره وَدخل فِي عِبَارَته تَطْهِير دَائِم الْحَدث والغسلة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَالْوُضُوء المجدد والأغسال المسنونة وَتَنَاول المَاء جَمِيع أَنْوَاعه بِأَيّ صفة كَانَ من أَحْمَر وأسود ومنحل ثلج أَو برد ومنعقد ملح أَو حجر ومتصاعد من غليان المَاء لِأَنَّهُ مَاء حَقِيقَة وَينْقص المَاء بِقَدرِهِ وَخرج بِهِ مَالا يُسمى مَاء كتراب تيَمّم وَحجر استنجاء وأدوية دباغ وشمس وريح غَيرهَا حَتَّى التُّرَاب فِي غسلات النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة فَإِن المطهر لَهَا هُوَ المَاء بِشَرْط امتزاجه بِالتُّرَابِ فِي غسلة مِنْهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابهَا وَالْمُطلق مَا يَقع عَلَيْهِ اسْم مَاء بِلَا قيد وَإِن قيد لموافقة الْوَاقِع كَمَاء بِئْر وثلج وَبرد فَدخل فِيهِ الْمُتَغَيّر كثيرا بِمَا لَا يُؤثر كطين وطحلب وَخرج بِهِ الْمُقَيد بِإِضَافَة نحوية كَمَاء الْورْد وبصفه كَمَاء دافق أَي مني وبلام عهد كَقَوْلِه فِي الْخَبَر نعم إِذا رَأَتْ المَاء أَي الْمَنِيّ (لَا مُسْتَعْمل) أَي لَا يَصح التَّطْهِير بِمَاء مُسْتَعْمل قَلِيل فِي فرض من رفع حدث وَإِزَالَة نجس وَالْمرَاد بِالْفَرْضِ مَا لَا بُد مِنْهُ آثم تَاركه أَولا فَشَمَلَ مَا تَوَضَّأ بِهِ الْحَنَفِيّ الَّذِي لَا يعْتَقد وجوب النِّيَّة وَمَا اغْتَسَلت بِهِ الْكَافِرَة ليحل وَطْؤُهَا وَمَا تَوَضَّأ بِهِ الصَّبِي وَاقْتضى كَلَام النَّاظِم أَنه غير مُطلق وَهُوَ كَذَلِك وَلَا يَحْنَث بشربه من حلف لَا يشرب مَاء وَلَا يَقع شِرَاؤُهُ إِن وكل فِي شِرَاء مَاء (وَلَا بِمَا) مَوْصُولَة أَو نكرَة مَوْصُوفَة (بطاهر مخالط تغيرا تغيرا إِطْلَاق الِاسْم غيرا فِي طعمه أَو رِيحه أَو لَونه وَيُمكن استغناؤه بصونه) أَي لَا يَصح التَّطْهِير بِمَاء تغير بطاهر مخالط لَهُ تغيرا كثيرا يمْنَع إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ وَيحدث لَهُ اسْما آخر سَوَاء أَكَانَ فِي طعمه أم رِيحه أم لَونه وَسَوَاء أَكَانَ التَّغَيُّر حسيا أم تقديريا كَمَا لَو وَقع فِيهِ مُوَافق لَهُ فِي صِفَاته كَمَاء مُسْتَعْمل أَو مَاء شجر أَو عرق فَلم يُغَيِّرهُ لكنه لَو قدر مُخَالفا لَهُ لغيره كثيرا وَيعْتَبر تَقْدِيره بأوسط الصِّفَات كلون الْعصير وَطعم الرُّمَّان وريح اللاذن بِخِلَاف النَّجس كبول انْقَطع رِيحه وَاخْتَلَطَ بِمَاء كثير وَلم يظْهر بِهِ تغير فَأَنا نقدره بأشد الصِّفَات كلون الحبر وَطعم الْخلّ وريح الْمسك وَخرج بِهِ مالم يتَغَيَّر أَو تغير لَا بِأحد الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة كالمسخن والمبرد أَو بأحدها لَا بمخالط كالمتغير بِمَا قرب مِنْهُ أَو بطول الْمكْث أَو بمجاور كدهن وكافور صلب وقطران إِن لم يخْتَلط بِالْمَاءِ أَو بِمَا يخالطه وَلَا غنى للْمَاء عَنهُ كالمتغير بطين أَو طحلب متفتت أَو نورة أَو زرنيخ بمقر المَاء أَو مَمَره أَوله عَنهُ غنى وَغَيره يَسِيرا فَكل مِنْهَا يطهر لبَقَاء إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ وَحَيْثُ لم يتَغَيَّر الخليط جَازَ اسْتِعْمَال الْجَمِيع لاستهلاكه وَبَقَاء الِاسْم وعَلى هَذَا يجب تَكْمِيل النَّاقِص عَن الطُّهْر بالمستهلك حَيْثُ لم يُجَاوز ثمنه ثمن المَاء المعجوز عَنهُ والمخالط مَالا يتَمَيَّز فِي رأى الْعين والمحاور بِخِلَافِهِ وَفِي تعلق بِمَا بتغيرا تضمين وَهُوَ أَن لَا يظْهر معنى الْبَيْت إِلَّا بآخر وَهُوَ عيب فِي الشّعْر خلافًا للأخفش وَقس عَلَيْهِ نَظَائِره وَالْألف فِي قَوْله تغيرا وغيرا للإطلاق (واستثن) أَيهَا النَّاظر مِمَّا تقدم (تغييرا) بمجاور تغيرا كثيرا (بِعُود صلب) فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لِأَن تغيره بذلك تروح لَا يمْنَع إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ (أوورق) من شجر تناثر وتفتت وَلَو كَانَ ربيعيا أَو بَعيدا عَن المَاء فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لعسر الِاحْتِرَاز عَنهُ فَإِن طرح وَلَو صَحِيحا وتفتت ضرّ لكَونه مخالطا مُسْتَغْنى عَنهُ أما غير المتفتت فمجاور وَقد مر أَنه لَا يضر وَخرج بالورق الثِّمَار الساقطة وَنَحْوهَا فتضر لِإِمْكَان الِاحْتِرَاز عَنْهَا غَالِبا (أَو طحلب) بِضَم الطَّاء مَعَ ضم اللَّام وَفتحهَا وكل مَا فِي مقرّ المَاء وممره فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لتعذر صون المَاء عَنهُ (أَو ترب) وَلَو مُسْتَعْملا مَا لم يسم طينا فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لِأَن التَّغَيُّر بِهِ مُجَرّد كدورة وَهِي لَا تسلب الطّهُورِيَّة وَمِمَّا يسْتَثْنى أَيْضا الْمُتَغَيّر بملح مائي وَإِن طرح

فَإِنَّهُ يَصح التَّطْهِير بِهِ لانعقاده من المَاء كالجمد بِخِلَاف الْملح الْجبلي إِذا لم يكن فِي مقرّ المَاء وممره وَقَوله واستثن بِمَعْنى استدرك إِذْ هُوَ اسْتثِْنَاء مُنْقَطع وَيُمكن أَن يَجْعَل مُنْقَطِعًا فِيمَا عدا الرَّابِعَة مُتَّصِلا فِيهَا بِنَاء على رأى من يَجْعَل التَّغَيُّر فِيمَا عَداهَا سالبا للإسم وَقد مر مَا يُؤْخَذ مِنْهُ أَن الرَّاجِح خِلَافه وَقَول النَّاظِم ترب إِحْدَى لُغَات التُّرَاب (وَلَا بِمَاء مُطلق حلته عين نَجَاسَة وَهُوَ دون الْقلَّتَيْنِ) أَي لَا يَصح التَّطْهِير بِمَاء مُطلق حلت فِيهِ عين نَجَاسَة وَالْحَال أَنه قَلِيل وَلَو جَارِيا وَلم يتَغَيَّر لتنجسه بهَا للْخَبَر الْآتِي وَخرج بِالْمَاءِ غَيره من الْمَائِع وَإِن كثر وَمن الجامد بتوسط رُطُوبَة فَإِنَّهُ ينجس فَإِن بلغ مَا تنجس بالملاقاة قُلَّتَيْنِ بِمَاء وَلَو طَاهِرا أَو متنجسا فطهور وَوصف النَّاظِم المَاء بالاطلاق قبل حلولها فِيهِ أَفَادَ بِهِ تنجس المَاء الطَّاهِر غير الطّهُور بحلولها فِيهِ بِالْأولَى وَفِي بعض النّسخ وَهُوَ بِدُونِ الْقلَّتَيْنِ (واستثن) أَيهَا الْوَاقِف (مَيتا دَمه لم يسل) عِنْد شقّ عُضْو مِنْهُ فِي حَيَاته كذباب ونمل وَنَحْو وعقرب وبق وقمل وبرغوث ووزغ فَلَا ينجس مَاء قَلِيلا وَلَو مَائِعا مالم يطْرَح فِيهِ مَيتا أَو غَيره لخَبر البُخَارِيّ إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شراب أحدكُم فليغمسه كُله فَإِن فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء زَاد أَبُو دَاوُد وَأَنه يَتَّقِي بجناحه الَّذِي فِيهِ الدَّاء أَمر بغمسه وَقد يفضى إِلَى مَوته فَلَو نجس المَاء لما أَمر بذلك وَقيس بالذباب مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا لَا يسيل دَمه بِخِلَاف نَحْو حَيَّة وضفدع فَلَو شككنا فِي سيل دَمه امتحن بِجِنْسِهِ فيجرح للْحَاجة كَمَا قَالَه الغزالى وَلَو كَانَ مِمَّا يسيل دَمه لَكِن لَا دم فِيهِ أَو فِيهِ دم لَا يسيل لصغره فَلهُ حكم مَا يسيل دَمه كَمَا ذكره القَاضِي أَبُو الطّيب فَإِن طرح فِيهِ مَيتا وَلَو كَانَ مِمَّا نشئوه مِنْهُ نجسه لندرته إِذْ لَا يشق الِاحْتِرَاز عَنهُ وَكَذَا إِن غَيره (أَو لَا يرى بالطرف) أَي الْبَصَر (لما يحصل) لقلته كرشاش بَوْل أَو خمر فَلَا ينجس مَا حل فِيهِ لمَشَقَّة الِاحْتِرَاز عَنهُ وَلَو رأى قوي الْبَصَر مَا لَا يرَاهُ غَيره فَالظَّاهِر الْعَفو كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ وَغَيره كَمَا فِي سَماع نِدَاء الْجُمُعَة وكالماء فِي هَاتين الصُّورَتَيْنِ الْمَائِع وَالرّطب وَيسْتَثْنى أَيْضا مسَائِل مِنْهَا الْحَيَوَان غير الْآدَمِيّ إِذا وَقع فِي مَاء قَلِيل وعَلى منفذه نَجَاسَة وَخرج مِنْهُ حَيا فَإِنَّهُ لَا يُنجسهُ بِخِلَاف المستجمر فَإِنَّهُ يُنجسهُ وَمِنْهَا الْيَسِير عرفا من دُخان النَّجَاسَة وَمن شعر نجس من غير كلب وخنزير وَمن غُبَار السرجين وَقَوله يحصل بِكَسْر اللَّام للوزن ثمَّ عطف على قَوْله وَهُوَ بِدُونِ الْقلَّتَيْنِ قَوْله (أَو قُلَّتَيْنِ) وقدرهما (بالرطيل الرَّمْلِيّ) نِسْبَة لبلدة بِالشَّام (فَوق ثَمَانِينَ قريب رَطْل) أَي الَّذِي وَزنه ثَمَانمِائَة دِرْهَم قريب أحد وَثَمَانِينَ رطلا (والقلتان بالدمشقي ميه وَنَحْو أَرْطَال أَتَت ثمانيه) والرطل على هَذَا فِي مُرَجّح الرَّافِعِيّ فِي رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما فَيكون مائَة رَطْل وَثَمَانِية أَرْطَال وَثلث رَطْل وعَلى مَا صَححهُ النَّوَوِيّ من أَنه مائَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما وَأَرْبَعَة أَسْبَاع دِرْهَم مائَة وَسبع رَطْل وبالبغدادي خَمْسمِائَة رَطْل وبالمصري على مُرَجّح الرَّافِعِيّ أَرْبَعمِائَة وَأحد وَخَمْسُونَ رطلا وَثلث رَطْل وَثلثا أُوقِيَّة لَا أَرْبَعَة أَخْمَاس أُوقِيَّة كَمَا توهمه بَعضهم وعَلى مَا صَححهُ النَّوَوِيّ أَرْبَعمِائَة وَسِتَّة وَأَرْبَعُونَ رطلا وَثَلَاثَة أَسْبَاع رَطْل وبالمساحة فِي المربع ذِرَاع وَربع طولا وعرضا وعمقا وَفِي بعض النّسخ بدل هَذَا الْبَيْت أَو قُلَّتَيْنِ بالدمشقي ميه ثَمَان أَرْطَال أَتَت بعد ميه (وَالنَّجس الْوَاقِع قد غَيره) أَي لَا يَصح التَّطْهِير بِمَاء مُطلق حلت فِيهِ عين نَجَاسَة وَهُوَ دون الْقلَّتَيْنِ وَإِن كَانَ جَارِيا وَلم تغيره لتنجسه بهَا لخَبر مُسلم إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فَلَا يغمس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده نَهَاهُ عَن الغمس خشيَة النَّجَاسَة وَمَعْلُوم أَنَّهَا إِذا خفيت لَا تغير المَاء فلولا أَنَّهَا تنجسه بوصولها لم يَنْهَهُ ولمفهوم خبر أبي دَاوُد وَغَيره وَقَالَ النَّوَوِيّ إِنَّه حسن

وَالْحَاكِم أَنه صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ لم يحمل خبثا وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ لم ينجس فَمَعْنَى لم يحمل خبثا لم يقبله لهَذِهِ الرِّوَايَة وَخرج بِالْمَاءِ الْمَائِع وَإِن كثر والجامد بتوسط رطوبته فَإِنَّهُ ينجس وَفَارق كثير المَاء كثير غَيره بِأَن كَثِيره قوى ويشق حفظه من النَّجس بِخِلَاف غَيره وَإِن كثر فَإِن بلغ مَا تنجس بالملاقاة قُلَّتَيْنِ بِمَاء طَاهِر أَو مُتَنَجّس وَلَا تغير بِهِ عَاد طهُورا وَأما المَاء الْجَارِي فَإِنَّهُ وَإِن كَانَت جرياته مُتَّصِلَة حسا فَهِيَ مُنْفَصِلَة حكما إِذْ كل جرية طالبة لما أمامها هاربة عَمَّا وَرَاءَهَا فَلَو وَقع فِيهَا نجس فَكَمَا لَو وَقع فِي راكد حَتَّى لَو كَانَت قَليلَة تنجست بوصوله إِلَيْهَا وَإِن بلغت مَعَ مَا أمامها وَخَلفهَا قُلَّتَيْنِ لتفاصل أَجزَاء الْجَارِي فَلَا يتقوى بعضه بِبَعْض بِخِلَاف الراكد والجرية إِذا بلغ كل مِنْهُمَا قُلَّتَيْنِ وَلَو وَقع فِيهَا وَهِي قَليلَة نجس جامد فَإِن كَانَ مُوَافقا لجرياتها تنجست دون مَا أمامها وَمَا خلفهَا أَو وَاقِفًا أَو جريها أسْرع فمحله وَمَا أَمَامه مِمَّا مر عَلَيْهِ نجس وَإِن امْتَدَّ فراسخ حَتَّى يجْتَمع فِي حُفْرَة أَو يتراد وَعَلِيهِ يُقَال مَاء ألف قلَّة ينجس بِلَا تغير والجرية الَّتِي تعقب جرية النَّجس الْجَارِي تغسل الْمحل فلهَا حكم الغسالة حَتَّى لَو كَانَت النَّجَاسَة مُغَلّظَة فَلَا بُد من سبع جريات (واختير) دَلِيلا عِنْد النَّوَوِيّ فِي روضته وَغَيرهَا وَصَححهُ فِي تنقيحه وَقَالَ فِي مَجْمُوعه إِنَّه الصَّوَاب الْمُوَافق للدليل ولنص الْأُم وَالْخَبَر ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين وَكَذَا لأثر فَإِنَّهُ من رِوَايَة إِبْرَاهِيم بن أبي يحيى وَقد اتَّفقُوا على تَضْعِيفه وجرحوه إِلَّا الشَّافِعِي فوثقه فَثَبت أَنه لَا أصل للكراهة وَلم يثبت عَن الْأَطِبَّاء فِيهِ شَيْء اه وَأجِيب بِأَن دَعْوَاهُ أَن الْمُوَافق للدليل ولنص الْأُم عدم الْكَرَاهَة مَمْنُوعَة وَأثر عمر رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد آخر صَحِيح على أَن الْحصْر فِي قَوْله إِلَّا الشَّافِعِي فوثقه مَمْنُوع بل وَثَّقَهُ ابْن جريج وَابْن عدي وَغَيرهمَا كَمَا ذكره الأسنوى وَقَوله وَلم يثبت عَن الْأَطِبَّاء فِيهِ شَيْء شَهَادَة نفي لَا يرد بهَا قَول الشَّافِعِي أَو يكفى فِي إثْبَاته قَول سيدنَا عمر الَّذِي أعرف بالطب من غَيره وتمسكه بِهِ من حَيْثُ إِنَّه خبر لَا تَقْلِيد (فِي مشمس لَا يكره) اسْتِعْمَاله وَالْمذهب كَرَاهَة ماسخنته الشَّمْس بحدتها وَإِن لم يكن بِفعل أحد حَيْثُ كَانَ بمنطبع أَي منطرق غير ذهب أَو فضَّة فِي قطر حَار كمكة وَلَو فِي ميت أَو أبرص مالم يبرد وَوجد غَيره وَالْكَرَاهَة شَرْعِيَّة وَسَوَاء كَانَ فِي طَهَارَة أم شرب أم طَعَام مَائِع وَالْأَصْل فِيهِ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لعَائِشَة وَقد سخنت مَاء بالشمس يَا حميراء لَا تفعلي هَذَا فَإِنَّهُ يُورث البرص وروى الشَّافِعِي عَن عمر أَنه كَانَ يكره الِاغْتِسَال بِالْمَاءِ المشمس وَقَالَ إِنَّه يُورث البرص وَالْمرَاد بِهِ مَا أثرت فِيهِ لَا مَا انْتقل من حَالَة إِلَى حَالَة أُخْرَى وَالْمعْنَى أَن الشَّمْس بحدتها تفصل من المنطبع زهومة تعلو المَاء فَإِذا لاقت الْبدن خيف عَلَيْهِ البرص بِخِلَاف المسخن بالنَّار ابْتِدَاء لذهاب الزهومة بهَا وَالْعلَّة تَقْتَضِي أَن غير المَاء من الْمَائِعَات كَالْمَاءِ وَبِه جزم الزَّرْكَشِيّ قَالَ البُلْقِينِيّ وَغير الْآدَمِيّ من الْحَيَوَانَات إِن كَانَ البرص يُدْرِكهُ كالخيل أَو يتَعَلَّق بالآدمي مِنْهُ ضَرَر اتجهت للكراهة وَإِلَّا فَلَا وَمِمَّا يكره اسْتِعْمَاله شَدِيد الْحَرَارَة والبرودة لمَنعه الإسباغ فَإِن فقد غَيره وضاق الْوَقْت وَجب أَو خَافَ مِنْهُ ضَرَرا حرم كَمَا نبه عَلَيْهِ الْمُحب الطَّبَرِيّ وكل مَاء مغضوب عَلَيْهِ كمياه ثَمُود إِلَّا بِئْر النَّاقة وَمَاء ديار قوم لوط لخسفها وَمَاء ديار بابل لخَبر أبي دَاوُد إِنَّهَا أَرض ملعونة وَمَاء بِئْر ذِي أروان الَّتِي وضع فِيهَا السحر للنَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لمسخ مَائِهَا حَتَّى صَار كنقاعة الْحِنَّاء وَمَاء بِئْر برهوت لخَبر ابْن حبَان شَرّ بِئْر فِي الأَرْض برهوت (وَإِن بِنَفسِهِ انْتَفَى التَّغَيُّر وَالْمَاء) أَي إِذا انْتَفَى تغير المَاء الْكثير بِالنَّجسِ بِأَن لم يدْرك بِنَفسِهِ وَلَا بِعَين كطول مكث وهبوب ريح أَو بِمَاء نبع فِيهِ أَو صب عَلَيْهِ وَلَو متنجسا طهر لانْتِفَاء عِلّة التنجس وَهِي التَّغَيُّر وَلَا يضر عود تغيره إِذا خلا عَن نجس جامد (لَا كزعفران يطهر) أَي إِذا زَالَ التَّغَيُّر ظَاهرا بِعَين ساترة لَهُ كَأَن زَالَ بِنَحْوِ جص أَو تُرَاب أَو زَالَ تغير لَونه بزعفران أَو رِيحه بمسك أَو طعمه

بخل لم يطهر للشَّكّ فِي أَن تغيره زَالَ أَو استتر بل الظَّاهِر الاستتار وَقَضِيَّة الْعلَّة أَنه لَو صفا المَاء وَلم يبْق بِهِ تغير طهر وَبِه صرح فِي الْمَجْمُوع فِي التُّرَاب وَغَيره مثله (وكل مُسْتَعْمل فِي تَطْهِير فرض) من رفع حدث أَو إِزَالَة نجس وَلَو معفوا عَنهُ إِذْ هُوَ فرض أَصَالَة (وَقل) بِأَن كَانَ دون الْقلَّتَيْنِ (لَيْسَ بالطهور) لانتقال الْمَنْع إِلَيْهِ وَلِأَن السّلف لم يجمعوه فِي أسفارهم لاستعماله ثَانِيًا مَعَ أحتياجهم إِلَيْهِ وَعدم استقذاره فِي الطَّهَارَة بل عدلوا إِلَى التَّيَمُّم وَالْمرَاد بِالْفَرْضِ مَالا بُد مِنْهُ أَثم تَاركه أم لَا فَشَمَلَ مَا أغتسلت بِهِ الْكِتَابِيَّة من حيض أَو نِفَاس ليحل وَطْؤُهَا وطهارة حنفى وَلَو بلانية كَمَا مر وتطهير الْوَجْه قبل بطلَان التَّيَمُّم وَغسل الْمَيِّت وَخرج بِالْفَرْضِ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمل فِي نفل كالغسلة الثَّانِيَة وَالْوُضُوء المجدد وَالْغسْل الْمسنون وَغسل الرجلَيْن فِي الْخُف قبل بطلَان مسحمها فَإِنَّهُ طهُور وَخرج بقوله وَقل مَا لَو كَانَ كثيرا فَهُوَ طهُور وَلَو انغمس ذُو حدث أكبر فِي مَاء دونهمَا ثمَّ نوى ارْتَفع حَدثهُ وَصَارَ مُسْتَعْملا بِالنِّسْبَةِ لغيره لَا بِالنِّسْبَةِ لَهُ حَتَّى يخرج مِنْهُ حَتَّى لَو أحدث حَالَة إنغماسه فَلَو رفع حَدثهُ بِهِ لبَقَاء صُورَة الِاسْتِعْمَال وَالْمَاء حَال اسْتِعْمَاله بَاقٍ على طهوريته وَلَو نوى قبل تَمام انغماسه ارْتَفع حَدثهُ عَن الْجُزْء الملاقى وَله تتميم انغماسه ويرتفع حَدثهُ فَلَو غرف بأناء أَو يَده ثمَّ غسل الْبَاقِي لم يرْتَفع حَدثهُ وَلَو انغمس فِيهِ جنبان ونويا مَعًا بعد تَمام انغماسهما ارْتَفَعت جنابتهما أَو مُرَتبا ارْتَفَعت عَن الأول لَا الثَّانِي وَلَو نويا مَعًا بعد غسل جُزْء مِنْهُمَا ارْتَفَعت جَنَابَة الْجُزْء وَصَارَ المَاء مُسْتَعْملا بِالنِّسْبَةِ لَهما وَالْمَاء حَال تردده على عُضْو غير مُسْتَعْمل بِالنِّسْبَةِ لَهُ فَإِن جرى من عُضْو المتوضىء إِلَى عُضْو آخر وَلَو من يَد إِلَى أُخْرَى صَار مُسْتَعْملا وَلَو انْفَصل من عُضْو الْجنب إِلَى عُضْو آخر فِيمَا لَا يغلب فِيهِ التقاذف كَانَ مُسْتَعْملا وَلَو غمس المتوضىء يَده فِي إِنَاء قبل فرَاغ الْوَجْه لم يصر مُسْتَعْملا وَكَذَا بعده إِن نوى الاغتراف والإصار مُسْتَعْملا وَالْجنب بعد النِّيَّة كالمحدث بعد غسل وَجهه وَلَو غسل كل مِنْهُمَا بِمَاء فِي كَفه باقى يَده أَجزَأَهُ بِخِلَاف مَا لَو غسل بِهِ نميرها فَإِنَّهُ لَا يكفى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب النَّجَاسَة - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أى وإزالتها وَالْبَاب أسم لجملة من الْعلم مُشْتَمِلَة على فُصُول غَالِبا والفصل أسم لجملة من الْعلم مُشْتَمِلَة على مسَائِل والنجاسة لَهَا إطلاقان أَحدهمَا على الحكم الشَّرْعِيّ الذى هُوَ نقيض الطَّهَارَة وَثَانِيهمَا على الْعين النَّجِسَة وهى بِهَذَا الاطلاق لُغَة المستقذر وَشرعا كل عين حرم تنَاولهَا على الأطلاق حَالَة الِاخْتِيَار مَعَ سهولة تمييزها لحرمتها وَلَا لاستقذارها وَلَا لضررها فِي بدن أَو عقل فَخرج بالاطلاق مَا يُبَاح قَلِيله كبعض النباتات السمية وبحالة الِاخْتِيَار حَالَة الضَّرُورَة فَيُبَاح فِيهَا تنَاول النَّجَاسَة وبسهولة تمييزها دود الْفَاكِهَة وَنَحْوهَا فَيُبَاح تنَاوله مَعهَا وَهَذَانِ القيدان للإدخال لَا للإخراج وبالبقية الْآدَمِيّ والمخاط وَنَحْوه والحشيشة المسكرة والسم الَّذِي يضر كَثِيره وقليله وَالتُّرَاب فَإِن تنَاولهَا لم يحرم لنجاستها بل لحُرْمَة الآدمى واستقذار المخاط وَنَحْوه وضرر الْبَقِيَّة وَعرفهَا النَّاظِم بالعد ليعلم طَهَارَة غَيرهَا على الأَصْل فَقَالَ (الْمُسكر الْمَائِع) كنبيذ وخمر وَلَو مستحيلة فِي الحبات ومحترمة وهى مَا عصرت لَا بِقصد الخمرية اما الْخمر فتغليظا وزجرا عَنْهَا كَالْكَلْبِ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس﴾ والرجس شرعا هُوَ النَّجس خرجت الثَّلَاثَة المقرونة بهَا بِالْإِجْمَاع فَبَقيت هِيَ على النَّجَاسَة وَأما النَّبِيذ فقياسا إِلَى الْخمر بِجَامِع الْإِسْكَار بمائع وَخرج بالمائع البنج والحشيشة وَنَحْوهمَا فَإِنَّهَا حرَام مَعَ إسكارها وطهارتها وَلَا يرد عَلَيْهِ الْخمر المنعقدة وَلَا الحشيشة المذابة نظرا إِلَى الأَصْل فيهمَا وَقَوله الْمُسكر وَمَا عطف عَلَيْهِ خبر مبتدا مَحْذُوف تَقْدِيره هى أَي النَّجَاسَة (وَالْخِنْزِير) لِأَنَّهُ أَسْوَأ حَالا من الْكَلْب لِأَنَّهُ يقتنى بِحَال ولندب قَتله من غير ضَرَر فِيهِ وَالنَّص على تَحْرِيمه و (الْكَلْب) وَلَو معلما لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (إِذا ولغَ الْكَلْب فِي إِنَاء أحدكُم فليرقه ثمَّ ليغسله سبع مَرَّات) وَلخَبَر مُسلم (طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب أَن يغسلهُ سبع مَرَّات أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) وَجه الدّلَالَة أَنه لَو لم يكن نجسا لما أَمر بإراقته لما فِيهَا من إِتْلَاف المَال المنهى عَن إضاعته وَأَن الطَّهَارَة إِمَّا عَن حدث أَو خبث وَالْأول مُنْتَفٍ عَن الْإِنَاء فَتعين كَون طَهَارَته عَن الْخبث فثبتت نَجَاسَة فَمه مَعَ إِنَّه أطيب أَجْزَائِهِ بل هُوَ اطيب الْحَيَوَان نكهة لِكَثْرَة مَا يَلْهَث فبقيتها اولى وَفِي الْخَبَر أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم دعى إِلَى دَار قوم فَأجَاب ثمَّ دعى إِلَى دَار أُخْرَى فَلم يجب فَقيل لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ إِن فِي دَار فلَان كَلْبا قيل وان فِي دَار فلَان هرة فَقَالَ الْهِرَّة لَيست بنجسة رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَالْحَاكِم وإراقة مَا ولغَ فِيهِ وَاجِبَة إِن أُرِيد اسْتِعْمَال الْإِنَاء الإ فمندوبة كَسَائِر النَّجَاسَة إِلَّا الْخمر غير المحترمة فَتجب إراقتها لطلب النَّفس تنَاولهَا (مَعَ فرعيهما) أى الْكَلْب وَالْخِنْزِير مَعَ الآخر اَوْ مَعَ حَيَوَان طَاهِر تبعا لَهُ وتغليبا للنَّجَاسَة وَعلله فِي الْمُهَذّب بِأَنَّهُ مَخْلُوق من نَجَاسَة فَكَانَ مثلهَا قَالَ فِي شَرحه وَلَا ينْتَقض بالدود المولد مِنْهَا لأَنا نمْنَع انه مَخْلُوق من نَفسهَا وَإِنَّمَا تولد فِيهَا كدود الْخلّ لَا يخلق من نفس الْخلّ بل يتَوَلَّد فِيهِ قَالَ وَلَو ارتضع جدى كَلْبه أَو خنزيره فنبت لَحْمه على لَبنهَا لم ينجس على الْأَصَح وَالْفرع يتبع أَبَاهُ فِي نسبه وامه فِي رقها وحريتها وأشرفهما فِي الدّين وَإِيجَاب الْبَدَل وَتَقْرِير الْجِزْيَة وأخفهما فِي عدم وجوب الزَّكَاة وأخسها فِي النَّجَاسَة وَتَحْرِيم الذَّبِيحَة والمناكح (والسؤر) بِالْهَمْزَةِ وتبدل واوا الْبَقِيَّة أى بَقِيَّة الْكَلْب وَالْخِنْزِير وفرعهما كعظم وَشعر وَدم وَبَوْل ودمع وعرق وَسَائِر فضلاتها إِذْ مَا انْفَصل من نجس الْعين فَهُوَ نجس وَقيل السؤر فَضله الشَّرَاب (وميتة) وَإِن لم يسل دَمهَا لقَوْله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ وَتَحْرِيم مَا لَيْسَ بمحترم وَلَا مستقدر وَلَا ضَرَر فِيهِ يدل على نَجَاسَته وَهِي مَا زَالَت حَيَاتهَا لَا بِذَكَاة شَرْعِيَّة (مَعَ الْعِظَام وَالشعر وَالصُّوف) أى جَمِيع ذَلِك نجس لِأَن كلا مِنْهَا تحله الْحَيَاة وَلِأَن الْعظم جُزْء النَّجس وَالشعر وَالصُّوف متصلان بِالْحَيَوَانِ اتِّصَال خلقه فَكَانَا كالأعضاء وكالعظم الظلْف وَالظفر والحافر والقرن وَمثل الشّعْر وَالصُّوف الْوَبر والريش (لَا مأكولة) من سمك وجراد وجنين مذكاة مَاتَ بتذكية أمه وصيد لم تدْرك ذَكَاته وَبِغير نَاد مَاتَ بِالسَّهْمِ فَإِنَّهَا طَاهِرَة لقَوْله تَعَالَى ﴿أحل لكم صيد الْبَحْر وَطَعَامه﴾ وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي الْبَحْر هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وصححوه وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ عَن عبد الله بن أبي أوفى قَالَ غزونا مَعَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) سبع غزوات نَأْكُل مَعَه الْجَرَاد وَصَحَّ عَن ابْن عمر أحل لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ السّمك وَالْجَرَاد والكبد وَالطحَال وَهُوَ فِي حكم الْمَرْفُوع بل رَفعه ابْن مَاجَه وَغَيره وَلَكِن بِسَنَد ضَعِيف وَلخَبَر ابْن حبَان وَصَححهُ (ذَكَاة الْجَنِين ذَكَاة أمه) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ إِذا أرْسلت كلبك وَسميت وَأمْسك وَقتل فَكل وَإِن أكل فَلَا تَأْكُل فَإِنَّمَا أمسك على نَفسه) وَفِيهِمَا أَيْضا من رِوَايَة رَافع ابْن خديج (أَن بَعِيرًا ند فَرَمَاهُ رجل بِسَهْم فحبسه الله تَعَالَى فَقَالَ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن لهَذِهِ الْبَهَائِم أوابد كأوابد الْوَحْش فَمَا غَلَبَكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا) على ان الْجَنِين وَالصَّيْد وَالْبَعِير لَيست ميتَة بل جعل الشَّارِع هَذَا ذكاتها وَلِهَذَا صرح فِي خبر الْجَنِين بِأَنَّهُ مذكى وَإِن لم تباشره السكين ذكره فِي الْمَجْمُوع (وَلَا بشر) أى ميتَة الْبشر وَلَو كَافِرًا طَاهِرَة لخَبر الْحَاكِم وَصَححهُ على شَرط الشَّيْخَيْنِ (لَا تنجسوا مَوْتَاكُم فَإِن الْمُؤمن لَا ينجس حَيا وَلَا مَيتا) وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَلَقَد كرمنا بني آدم﴾ وَقَضِيَّة تكريمهم عدم تنجيسهم بموتهم وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْركُونَ نجس﴾ فَالْمُرَاد بِهِ نَجَاسَة الِاعْتِقَاد أَو أجتنابهم كالنجس لَا نَجَاسَة الْأَبدَان وَلِهَذَا ربط النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الْأَسير الْكَافِر فِي الْمَسْجِد وَقد أَبَاحَ الله تَعَالَى طَعَام أهل الْكتاب وَاعْلَم أَن فضلَة الْحَيَوَان قِسْمَانِ أَحدهمَا مَاله مقرّ واستحالة فِي الْبَاطِن كَالدَّمِ وَهُوَ نجس من مَأْكُول اللَّحْم وَغَيره إِلَّا مَا أستثنى ثَانِيهمَا مَا لَيْسَ كَذَلِك بل يرشح رشحا كالعرق والدمع واللعاب والمخاط وَهُوَ طَاهِر من كل حَيَوَان طَاهِر نجس من النَّجس وسيأتى فِي كَلَامه الْإِشَارَة إِلَى الْقسم الثانى وَقد ذكر من الْقسم الأول

أمورا فَقَالَ (وَالدَّم) أى المسفوح نجس وَلَو من سمك أَو جَراد أَو متحليا من كبد وطحال لقَوْله تَعَالَى ﴿أَو دَمًا مسفوحا﴾ أى سَائِلًا وَلقَوْله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي دم الِاسْتِحَاضَة فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلى رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأما الكبد وَالطحَال وَالدَّم الْمَحْبُوس فِي ميتَة السّمك وَالْجَرَاد والجنين فطاهرة وَكَذَلِكَ المنى وَاللَّبن إِذا خرجا على هَيْئَة الدَّم وَالدَّم الباقى على اللَّحْم وعظامه نجس مَعْفُو عَنهُ لِأَنَّهُ من الدَّم المسفوح وَإِن لم يسل لقلته وَلَعَلَّه مُرَاد من عبر بِطَهَارَتِهِ و (القىء) وَإِن لم يتَغَيَّر لِأَنَّهُ من الفضلات المستخيلة نعم لَو أكل حبا وَخرج مِنْهُ متصلبا بِحَيْثُ لَو زرع لنبت فَهُوَ متجنس كَمَا لَو أَكلته بَهِيمَة وَخرج من دبرهَا كَذَلِك (وكل مَا ظهر من السَّبِيلَيْنِ) أى الْقبل والدبر أَو أَحدهمَا مِمَّا لَهُ اجْتِمَاع واستحالة فِي الْبَاطِن كبول وروث وَلَو من سمك وجراد ومأكول اللَّحْم وعذرة ومذى وودى ونجاسة بَعْضهَا بِالنَّصِّ وَبَعضهَا بِالْإِجْمَاع وَبَعضهَا بِالْقِيَاسِ وَأما أمره صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فِي خبر العرنيين بِشرب أَبْوَال الْإِبِل فللتداوى وَهُوَ جَائِز بالنجاسات غير الْخمر والدود الْخَارِج من الْفرج طَاهِر الْعين وَفِي الْمَجْمُوع أَن المَاء السَّائِل من فَم النَّائِم نجس إِن كَانَ من معدته وَيعرف نبتنه وصفرته طَاهِر إِن إِن كَانَ من لهواته وَيعرف بانقطاعه بطول النّوم وَكَذَا إِن شكّ وَقِيَاس الْمَذْهَب الْعَفو عَمَّن عَمت بلواه بِهِ كَدم البراغيث قَالَ وَسَأَلت الْأَطِبَّاء عَنهُ فأنكروا كَونه من الْمعدة ثمَّ اسْتثْنى مِمَّا تقدم قَوْله (سوى أصل الْبشر) من منية وعلقته ومضغته فَإِنَّهُ طَاهِر تكرمه لَهُ لِأَنَّهُ مبدأ خلقه كالتراب وَفِي مُسلم عَن عَائِشَة كنت أفرك المنى من ثوب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فيصلى فِيهِ وَفِي رِوَايَة لابنى خُزَيْمَة وحبان فِي صَحِيحهمَا وَهُوَ يصلى وَمَا ورد من أَنَّهَا كَانَت تغسله مَحْمُول على النّدب وَمَا أَفَادَهُ كَلَامه من نَجَاسَة منى غير الآدمى من كل حَيَوَان طَاهِر تبع فِيهِ كَأَصْلِهِ تَرْجِيح الرَّافِعِيّ وَالأَصَح عِنْد النووى طَهَارَته لِأَنَّهُ أصل حَيَوَان طَاهِر فَأشبه أصل الآدمى وَالأَصَح طَهَارَة العلقه والمضغة ورطوبة الْفرج من كل حَيَوَان طَاهِر (وجزء حَيّ كيد مفصول كميته) أى الْجُزْء الْمُنْفَصِل من الْحَيَوَان حَال حَيَاته حكمه كَحكم ميتَته إِن طَاهِرَة فطاهر وَإِن نجسه فنجس كَالْيَدِ الْمُنْفَصِلَة من الْحَيَوَان فَهِيَ طَاهِرَة من الآدمى وَلَو مَقْطُوعَة فِي سَرقَة نَجِسَة من غير لخَبر (مَا قطع من حى فَهُوَ ميت) رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ على شَرط الشَّيْخَيْنِ فجزء الْبشر والسمك وَالْجَرَاد طَاهِر دون جُزْء غَيرهَا وَقَوله مفصول فِيهِ تذكير الْيَد على تَأْوِيلهَا بِنَحْوِ الْجُزْء وَإِلَّا فهى مُؤَنّثَة وَقَوله كميته لَيست هاؤها للتأنيث بل هى ضمير أضيف إِلَيْهَا ميت بِفَتْح الْمِيم وَإِسْكَان الْيَاء (لَا شعر الْمَأْكُول وصوفه وريشه) أى شعر الْمَأْكُول وصوفه وريشه ووبره المنفصلات حَال حَيَاته لَيست كميتته فِي النَّجَاسَة بل هِيَ طَاهِرَة لعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهَا وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن أصوافها وأوبارها﴾ الْآيَة وهى مخصصة للْخَبَر الْمَار وَمَا على الْعُضْو المبان من شعر وَنَحْوه نجس كَمَا يُؤْخَذ من كَلَامه لِأَنَّهُ شعر الْعُضْو والعضو غير مَأْكُول وَخرج شعر غير الْمَأْكُول فَهُوَ نجس نعم يُعْفَى عَن كَثِيره من مركوب (وريقته وعرق) أى مَا لَيْسَ لَهُ اجْتِمَاع واستحالة فِي الْبَاطِن بل يرشح رشحا كالريق والعرق والدمع والمخاط طَاهِر من كل حَيَوَان طَاهِر نجس من غَيره (والمسك ثمَّ فأرته) بالهز وَتَركه أى الْمسك وفأرته طاهران إِذا انفصلا حَال حَيَاة الظبية أَو بعد ذكاتها لخَبر (الْمسك أطيب الطّيب) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَن وبيص الْمسك كَانَ يرى من مفرقة صلى الله عَلَيْهِ وَسلم) وَلَا انْفِصَال الفارة بالطبع كالجنين وَلِئَلَّا يلْزم نَجَاسَة الْمسك وهى خراج بِجَانِب سرة الظبية كالسلعة فتحتك حَتَّى تلقيها أما إِذا انفصلا بعد الْمَوْت فنجسان كاللبن وفارقا بيض الْميتَة المتصلب بنموه بعد الْمَوْت بخلافهما وَعلم من حصره النَّجَاسَة فِيمَا ذكره طَهَارَة العنبر كَمَا

نَص عَلَيْهَا فِي الْأُم وطهارة الزباد كَمَا صوبها فِي الْمَجْمُوع نعم يحْتَرز عَن شعره لِأَنَّهُ شعر سنور بَرى (وتطهر الْخمر إِذا تخللت بِنَفسِهَا) أى نجس الْعين يطهر فِي صُورَتَيْنِ أَحدهمَا الْخمر وَلَو غير مُحْتَرمَة إِذا تخللت بِنَفسِهَا أى صَارَت خلا من غير مصاحبة عين لمَفْهُوم خبر مُسلم عَن أنس قَالَ سُئِلَ النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أتتخذ الْخمر خلا قَالَ) لَا وروى الْبَيْهَقِيّ عَن عمر رَضِي الله عَنهُ أَنه خطب فَقَالَ لَا يحل خل من خمر أفسدت حَتَّى يبْدَأ الله إفسادها لزوَال الشدَّة من غير نَجَاسَة خلقتها وأفسدت بِضَم الْهمزَة أى خللت وَيبدأ إفسادها بِفَتْح الْيَاء أى يَجْعَلهَا خلا بِلَا علاج آدمى وَحَيْثُ حكم بطهارتها حكم بِطَهَارَة دنها تبعا لَهَا للضَّرُورَة وَإِلَّا لم يُوجد خل طَاهِر من خمر وَالْخمر حَقِيقَة هُوَ المعتصر من الْعِنَب أما النَّبِيذ فخمر مجَازًا وَيُؤْخَذ من كَلَام الْبَغَوِيّ أَنه يطهر لِأَن المَاء من ضَرُورَته وَقد قَالَ الرَّافِعِيّ لَو ألْقى فِي عصير الْعِنَب مَاء حَالَة عصره لم يضر بِلَا خلاف لِأَن المَاء من ضَرُورَته اهو مُرَاده بعصير الْعِنَب الْعِنَب الَّذِي اعتصر مَاؤُهُ بِقَرِينَة قَوْله حَالَة عصره إِذْ يحْتَاج فِي استقصاء عصيره إِلَى صب مَاء عَلَيْهِ لإِخْرَاج مَا يبْقى فِيهِ فالماء من ضرورتة وَمَا أَفَادَهُ كَلَام الْبَغَوِيّ من طَهَارَته اخْتَارَهُ السكبى وَغَيره وَهُوَ الْأَصَح وَبِه افتى الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى بل جرى عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيرهمَا فِي السّلم حَيْثُ جزموا بِصِحَّة السّلم فِي خل التَّمْر وَالزَّبِيب (وَإِن غلت) فارتفعت إِلَى رَأس الدن ثمَّ عَادَتْ إِلَى أَسْفَل وتخللت حكم بِطَهَارَة مَا أرتفعت إِلَيْهِ من الدن للضَّرُورَة قَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ أما لَو أرتفعت بِفِعْلِهِ فَلَا يطهر الدن إِذْ لَا ضَرُورَة وَكَذَا الْخمر لاتصالها بالمرتفع النَّجس (أَو نقلت) من ظلّ إِلَى شمس وَعَكسه أَو بِفَتْح رَأس الدن استعجالا للحموضة فَإِنَّهَا تطهر لِأَن الْفِعْل الخالى عَن الْعين لَا يُؤثر بِنَاء على أَن عِلّة النَّجَاسَة تنجسها بِالْعينِ كَمَا سيأتى لَا تَحْرِيم التَّخْلِيل الدَّال عَلَيْهِ الْخَبَر والأثر السابقان أما إِذا تخللت بمصاحبة عين طرحت فِيهَا أَو وَقعت فِيهَا بِنَفسِهَا حَال خمريتها أَو قبلهَا وَإِن لم تُؤثر فِي التَّخْلِيل كحصاة وَمَاء فَلَا تطهر لتنجسها بعد تخللها بِالْعينِ الَّتِي تنجست بهَا وَلَا وَلَا ضَرُورَة بِخِلَاف الدن قَالَ البغوى فِي فَتَاوِيهِ وَلَو نقلت من دن إِلَى آخر طهرت بالتخلل بِخِلَاف مَا لوأخرجت مِنْهُ ثمَّ صب فِيهِ عصير آخر فتخمر ثمَّ تخَلّل لَا يطهر ومفهول كَلَامهم أَنَّهَا تطهر بالتخلل إِذا نزعت الْعين مِنْهَا قبله وهى طَاهِرَة وَلم يتَحَلَّل مِنْهَا شَيْء وَهُوَ كَذَلِك بِخِلَاف مَا لَو كَانَت نَجِسَة إِذْ النَّجس يقبل التَّنْجِيس أَو تحلل مِنْهَا شَيْء وغلت بالغين الْمُعْجَمَة أَو الْمُهْملَة ثَانِيهمَا مَا ذكره بقوله (وَجلد ميتَة) أَي الْجلد الَّذِي تنجس بِالْمَوْتِ يطهر باندباغه وَلَو بِلَا فعل فَاعل ظَاهره وباطنه بالدباغ وَهُوَ نزع الفضلات كَالدَّمِ وَاللَّحم بحريف طَاهِر أَو نجس كقرظ وذرق طير بِحَيْثُ لَو نقع الْجلد فِي مَاء لم يعدله النتن وَالْفساد لخَبر مُسلم (إِذا ذبغ الإهاب فقد طهر) وَخبر أَبى دَاوُد وَغَيره بِإِسْنَادِهِ حسن أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي شَاة ميتَة (لَو أَخَذْتُم إهابها قَالُوا إِنَّهَا ميتَة فَقَالَ يطهرها المَاء والقرظ) وَرووا أَيْضا بِإِسْنَاد حسن أمرنَا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَن نستمتع بجلود الْميتَة إِذا دبغت وَخرج بِالْجلدِ الشّعْر فَلَا يطهر لعدم تأثره بالدباغ قَالَ النَّوَوِيّ ويعفى عَن قَلِيله (سوى خِنْزِير بر وكلب أَن يدبغ بحريف طهر) أى أَن جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير وفرعهما وَفرع إحدهما لَا يطهر بالدبغ لِأَن سَبَب نَجَاسَة الْميتَة تعرضها للعفونة والحياة أبلغ فِي دَفعهَا فاذا لم تفد الطَّهَارَة فالدبغ أولى وَخرج بالدبغ تجميده وتمليحه وتشميسه وَنَحْوهَا فَإِنَّهَا لَا تطهره وَأفهم كَلَامه أَنه يجب المَاء فِي أثْنَاء الدبغ وَهُوَ الْأَصَح لِأَنَّهُ إِحَالَة كالتخليل لَا إِزَالَة وَلِهَذَا جَازَ بِالنَّجسِ المحصل لذَلِك وَأما خبر (يطهرها المَاء والقرط) فَمَحْمُول على النّدب أَو الطَّهَارَة الْمُطلقَة إِذْ يجب غسله بعد دبغه لتنجسه بالدابغ النَّجس أَو الْمُتَنَجس بملاقاته أما خِنْزِير الْبَحْر الذى لَا يعِيش إِلَّا فِيهِ وَإِذا خرج مِنْهُ صَار عيشه عَيْش مَذْبُوح فطاهر وَعلم من الِاقْتِصَار على هذَيْن الشَّيْئَيْنِ أَن غَيرهمَا من نجس الْعين لَا يطهر وَهُوَ كَذَلِك حَتَّى لَو صَار النَّجس ملحا بِوُقُوعِهِ فِي مملحة أَو رَمَادا أَو دخانا بالنَّار لم يطهر وَلَا

ترد طَهَارَة المنى وَاللَّبن والمسك لِأَن أَصْلهَا لَا يحكم عَلَيْهِ بِالنَّجَاسَةِ مَا دَامَ فِي الْجوف مَا لم يتَّصل بِخَارِج وَقَول النَّاظِم أَن يدبغ بدرج الْهمزَة للوزن وَلما انهى الْكَلَام على نجس الْعين ذكر الْمُتَنَجس وَهُوَ على ثَلَاثَة أَقسَام إِمَّا نَجَاسَة مُغَلّظَة أَو متوسطة أَو مخففه وَبَدَأَ بِالْأولَى فَقَالَ (نَجَاسَة الْخِنْزِير مثل) نَجَاسَة (الْكَلْب تغسل سبعا مرّة بترب) ممزوج بِمَاء لخَبر مُسلم (طهُور إِنَاء أحدكُم إِذا ولغَ فِيهِ الْكَلْب أَن يغسلهُ سبع مَرَّات أولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ) وَفِي رِوَايَة صَحِيحَة لِلتِّرْمِذِي أولَاهُنَّ أَو أخراهن بِالتُّرَابِ وَفِي أُخْرَى لمُسلم وعفروه الثَّامِنَة بِالتُّرَابِ وَالْمرَاد أَن التُّرَاب يمزج بالسابعة كَمَا فِي رِوَايَة أأبي دَاوُد (السَّابِعَة بِالتُّرَابِ) وهى مُعَارضَة لرِوَايَة أولَاهُنَّ فِي مَحل التُّرَاب فيتساقطان فِي تعْيين مَحَله ويكتفى بِوُجُودِهِ فِي وَاحِدَة من السَّبع كَمَا فِي رِوَايَة الدارقطنى إحدا هن بالبطحاء وَلكنه يسن فِي غير الْأَخِيرَة وَالْأولَى أولى ليستغنى عَن تتريب مَا يُصِيبهُ شَيْء من الغسلات وَقيس بالكلب الْخِنْزِير وفروعهما كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله مثل الْكَلْب وبولوغه غَيره كبوله وعرقه وَلَو جرى المَاء الكدر على الْمُتَنَجس بذلك سبع جريات أَو تحرّك سبعا فِي مَاء كثير كدر طهر كَمَا قَالَه الْبَغَوِيّ وَغَيره وَأفهم كَلَام المُصَنّف الاكتغاء بالسبع وَإِن أَصَابَهُ نجس آخر وَأَنه لَا يكفى ذَر التُّرَاب على الْمحل وَلَا مزجه بِغَيْر مَاء إِلَّا أَن يمزجه بِالْمَاءِ بعد مزجه بذلك وَلَا مزج غير التُّرَاب وَأَنه لَا تقوم ثامنه أَو غَيرهَا مقَام التُّرَاب وَهُوَ كَذَلِك وَلَا يكفى مزج تُرَاب غير طَاهِر إِلَى نظرا إِلَى أَن الْقَصْد بِالتُّرَابِ التَّطْهِير وَهُوَ لَا يحصل بذلك فتشترط طهورية التُّرَاب فَلَا يكفى التُّرَاب الْمُسْتَعْمل كَمَا صرح بِهِ الْكَمَال سلار شيخ النَّوَوِيّ أى وَإِن غسل سبعا والغسلات المزيلة للعين تعد وَاحِدَة وَلَو فِي النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة حَتَّى لَو لم تزل إِلَّا بست غسلات مثلا حسبت مرّة وتكفى السَّبع وَإِن تعدد الولوغ أَو الوالغ فأل فِي كَلَامه للْجِنْس وَالْوَاجِب من التُّرَاب مَا يكدر المَاء ويصل بواسطته إِلَى جَمِيع أَجزَاء الْمحل سَوَاء أمزجه بِهِ قبل وضعهما على الْمحل أم بعده بِأَن يوضعا وَلَو مترتبين ثمَّ يمزجا قبل الْغسْل وَإِن كَانَ الْمحل رطبا إِذا الطّهُور الْوَارِد على الْمحل بَاقٍ على طهوريته وَبِذَلِك جزم ابْن الرّفْعَة فِيمَا لَو وضع التُّرَاب أَولا وَمثله عَكسه بِلَا ريب وَهَذَا مُقْتَضى كَلَامهم وَهُوَ الْمُعْتَمد كَمَا قَالَه البلقينى وَغَيره وَمَا وَقع للأسنوى وَمن تبعه من أَنه يجب المزج قبل الْوَضع كَمَا صرح بِهِ الجوينى فِي التَّبْصِرَة وَأَن مَا قَالَه ابْن الرّفْعَة مَرْدُود بِأَنَّهُ خلاف مُقْتَضى كَلَامهم فَلَا يرتكب بِلَا ضَرُورَة وَكَلَام الْجُوَيْنِيّ عَلَيْهِ لاله إِذْ عِبَارَته لَيْسَ كَيْفيَّة التعفير تعفير الثَّوْب بغبار التُّرَاب ثمَّ غسله بعد نفضه وَإِنَّمَا التعفير أَن يخلط التُّرَاب بِالْمَاءِ خلطا ثمَّ يغسل الْمحل وهى دَالَّة على أَن الْمَمْنُوع إِنَّمَا هُوَ غسله بعد نفض التُّرَاب أَو بِلَا مزج وَأَن الْمُعْتَبر مزجه قبل الْغسْل سَوَاء أَكَانَ قبل الْوَضع أم بعده وَهُوَ الْمَطْلُوب وَلَيْسَ فِي قَوْله ثمَّ يغسل مَا يقتضى اعْتِبَار مزجه قبل الْوَضع انْتهى وَلَا يجب تتريب الأَرْض الترابية ويكفى تسبيعها إِذْ لَا معنى لتتريب التُّرَاب نعم لَو تطاير شىء من غسلاتها فَلَا بُد من تتريبه أخذا من قَاعِدَة أَن كل نَجَاسَة مُغَلّظَة لَا بُد فِي طهرهَا إِلَّا الأَرْض الترابية وَالِاسْتِثْنَاء معيار الْعُمُوم كماأفنى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَاسْتقر رايه عَلَيْهِ آخرا وَلَو ولغَ كلب فِي أناء فِيهِ مَاء كثير لم ينقص بُلُوغه لم ينجس المَاء وَلَا الْإِنَاء وَإِن أصَاب جرمه المستور بِالْمَاءِ وَتَكون كَثْرَة المَاء مَانِعَة من تنجسه بِخِلَاف مَا لَو كَانَ بِهِ مَاء قَلِيل فَإِنَّهُ ينجس المَاء والإناء فَإِن كوثر فَبلغ قُلَّتَيْنِ طهر المَاء لَا الْإِنَاء والترب إِحْدَى لُغَات التُّرَاب ثمَّ ذكر النَّجَاسَة المتوسطة وَهِي غَالب النَّجَاسَات فَقَالَ (وَمَا سوى ذين 9 أى نَجَاسَة الْكَلْب وَالْخِنْزِير وفرعهما (ففردا) أى مرّة (يغسل) بِالْمَاءِ ثمَّ النَّجَاسَة إِمَّا حكمِيَّة وهى الَّتِى يتقين وجودهَا وَلَا تحس أَو عَيْنِيَّة وهى مَا تحس فَالْأولى يكفى فِيهَا جرى المَاء على الْمحل مرّة وَاحِدَة من غير اشْتِرَاط أَمر زَائِد وَالثَّانيَِة يجب فِيهَا مَعَ جرى المَاء زَوَال عينهَا وَزَوَال أوصافها من طعم ولون وريح فَلَا تطهر مَعَ بَقَاء شىء مِنْهَا وَلَا يضر بَقَاء لون أَو ريح عسر زوالة للْمَشَقَّة وَلَو من مغلطة فَإِن بقيا مَعًا ضرّ لقُوَّة دلالتهما على بَقَاء الْعين وَإِن بقى الطّعْم وَحده ضرّ وَإِن عسرت إِزَالَته لسهولتها غَالِبا فَألْحق بهَا نادرها وَلِأَن بَقَاءَهُ يدل على بَقَاء الْعين (والحث) بِالْمُثَنَّاةِ والقرص بِالْمُهْمَلَةِ لمحل النَّجَاسَة أفضل حَيْثُ لم تتَوَقَّف إِزَالَتهَا على ذَلِك وَإِلَّا وجبا مثلهمَا الِاسْتِعَانَة بأشنان أَو نَحوه (والتثليث فِيهِ أفضل) أى ينْدب بعد طهر مَحل النَّجَاسَة غسله ثَانِيَة وثالثة استظهارا كطهر الْحَدث ولأمر المستيقظ بالتثليث مَعَ توهم النَّجَاسَة فَمَعَ تيقنها أولى أما النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة فَلَا ينْدب تثليثها على الْأَصَح لِأَن المكبر لَا يكبر كَمَا أَن المصغر لَا يصغر وَفِي بعض النّسخ بدل قَوْله والحت إِلَى آخِره وغسلتين اندب لطهر يكمل وَبَين مَا قدمْنَاهُ بقوله (يَكْفِيك جرى الماعلى الحكميه وَأَن تزَال الْعين من عَيْنَيْهِ) ثمَّ ذكر النَّجَاسَة المخففة فَقَالَ (وَبَوْل طِفْل) ذكر (غير در) بِالْمُهْمَلَةِ أى لبن (مَا أكل) مَا ذكر على وَجه التغذى وَإِن كَانَ اللَّبن الْمَأْكُول نجسا (يَكْفِيهِ رش) المَاء وَإِن لم يسل (إِن يصب كل الْمحل) بِأَن يعمه ويغمره بِخِلَاف الْأُنْثَى وَالْخُنْثَى لَا بُد فِي بولهما من الْغسْل على الأَصْل وَيحصل بالسيلان مَعَ الْغمر وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر (يغسل من بَوْل الْجَارِيَة ويرش من بَوْل الْغُلَام) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَابْن خزيمه وَالْحَاكِم وصححاه وَفرق بَينهمَا بِأَن الِابْتِلَاء بِحمْلِهِ أَكثر وَبِأَن بَوْله أرق من بولها فَلَا يلصق بِالْمحل لصوق بولها وَألْحق ببولها بَوْل الْخُنْثَى من أى فرجيه خرج وَعلم مِمَّا تقرر أَنه لَا يمْنَع النَّضْح تحنيك الصبى بِتَمْر وَنَحْوه وَلَا تنَاوله السفوف والأدوية وَنَحْوهمَا للإصلاح وَمحل النَّضْح قبل تَمام الْحَوْلَيْنِ إذالرضاع بعده كالطعام كَمَا نقل عَن النَّص وَينْدب فِي هَذِه التَّثْلِيث أَيْضا وَلَا بُد فِيهَا من إِزَالَة عينهَا وأوصافها كَغَيْرِهَا وَخرج ببول الصبى غائطه فَيجب غسله على الأَصْل ثمَّ ذكر حكم غسالة النَّجَاسَة فَقَالَ (وَمَاء مغسول لَهُ حكم الْمحل إِذْ لَا تغير بِهِ حَتَّى انْفَصل) أى أَن حكم المَاء الذى غسل بِهِ نَجَاسَة وَلَو معفوا عَنْهَا وانفصل عَن محلهَا حكمه عِنْد انْفِصَاله عَنهُ غير متغير أى وَلَا زَائِد الْوَزْن إِن طَاهِر فطاهر وَإِن نجسا فنجس لِأَن بَلل الْمحل بعض ذَلِك المَاء وَالْمَاء الْوَاحِد الْقَلِيل لَا يَتَبَعَّض طَهَارَة ونجاسة فَيغسل مَا أَصَابَهُ شىء من الأولى من مَرَّات الْمُغَلَّظَة سِتا وَمن الثَّانِيَة خمْسا وَهَكَذَا إِلَى السَّابِعَة فَلَا يغسل مِنْهَا شىء فَإِن انْفَصل متغيرا أَو زا ئد الْوَزْن بعد اعْتِبَار مَا يَأْخُذهُ الْمحل من المَاء وَيُعْطِيه من الْوَسخ الطَّاهِر فَهُوَ نجس وَالْمحل كَذَلِك هَذَا فِي غسالة الْمَفْرُوض أما مَاء غسالة الْمَنْدُوب كالتثليث فَهُوَ طهُور وَإِذا غسل فَمه الْمُتَنَجس فليبالغ فِي الغرغرة يغسل كل مَا فِي حد الظَّاهِر وَلَا يبتلع طَعَاما وَلَا شرابًا قبل غسله لِئَلَّا يصيرا آكلا للنَّجَاسَة (وليعف عَن نذر) أى قَلِيل (دم) غير مغلظ (و) قَلِيل 0 قيح من بثرة) وهى بِفَتْح الْمُوَحدَة وَسُكُون الْمُثَلَّثَة خراج صَغِير (و) من (دمل و) من (قرح) بِفَتْح الْقَاف وَضمّهَا الْجرْح وَمن فصد وحجامة من نَفسه وَغَيره أى من غير كلب وَنَحْوه لمَشَقَّة الِاحْتِرَاز عَنهُ أما الْكَلْب وَالْخِنْزِير وفرعهما فَلَا يُعْفَى عَن شىء مِنْهُ وَخرج بقوله عَن نزر الْكثير عرفا فَلَا يُعْفَى عَنهُ إِن كَانَ من غَيره أَو حصل بِفِعْلِهِ كَأَن عصره أَو انْتقل عَن مَحَله والا عفى عَنهُ أَيْضا ويعفى عَن دم البراغيث والبق والبعوض وَنَحْوهَا وونيم الذُّبَاب وَبَوْل الخفاش رَوْثَة وَإِن كثرت إِلَّا إِن كَانَت بِفِعْلِهِ فيعفى عَن قليلها ويعفى عَن قَلِيل طين الشَّارِع النَّجس وَلَو ممغلظ وَهُوَ مَا يتَعَذَّر الِاحْتِرَاز عَنهُ غَالِبا وَهُوَ مَا لَا ينْسب صَاحبه إِلَى سقطة أَو كبوة أَو قلَّة تحفظ وَيرجع فِي ذَلِك إِلَى الْعَادة وَيخْتَلف باخْتلَاف مَوْضِعه وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَأما طين الشَّارِع الذى تظن نَجَاسَته ظنا غَالِبا لغلبتها فِيهِ فطاهر عملا بلأصل وَأما مَاء القروح والنفاطات فَإِن تغير فنجس وَإِلَّا فطاهر

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب الْآنِية - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - جَمِيع إِنَاء كسقاء وأسقية وَبِنَاء وأبنية (يُبَاح مِنْهَا) أتخاذ واستعمالا (طَاهِر من خشب وَغَيره) كخزف ونحاس وحديد ورصاص وجلود من حَيْثُ كَونه إِنَاء طَاهِرا فَفِي الصَّحِيح (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم تَوَضَّأ من إِنَاء من صفر وَمن إِنَاء من شبه وَمن تور من حِجَارَة) والصفر بِضَم الصَّاد النّحاس والشبه بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة وَالْبَاء الْمُوَحدَة النّحاس الْأَحْمَر الذى يشبه الذَّهَب فِي لَونه فَلَا يرد تَحْرِيم اسْتِعْمَال جلد أَو غَيره من آدمى وَلَا مَغْصُوب أَو مَسْرُوق لِأَن تَحْرِيمهَا لَيْسَ من الْحَيْثِيَّة الْمَذْكُورَة بل من حَيْثُ حُرْمَة الآدمى والاستيلاء على حق الْغَيْر بِغَيْر إِذْنه خرج بالطاهر النَّجس فَلَا يُبَاح اسْتِعْمَاله إِلَّا فِي جَاف أَو مَاء كثير (لَا فضَّة أَو ذهب فَيحرم اسْتِعْمَاله) على الذُّكُور وَالْإِنَاث والخناثى وَالصبيان حَتَّى يحرم على الْمُكَلف سقى نَحْو طِفْل فِي إِنَاء مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا وَسَوَاء أَكَانَ الِاسْتِعْمَال فِي طَهَارَة أَو غَيرهَا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (لَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة وَلَا تَأْكُلُوا فِي صحافها) وَقيس غير الْأكل وَالشرب عَلَيْهِمَا لِأَن عِلّة التَّحْرِيم وجود عين الذَّهَب وَالْفِضَّة مراعى فِيهَا الْخُيَلَاء وَقد يعللون بالخيلاء مراعين فِيهَا الْعين وَلَا فرق فِي الْإِنَاء بَين كَونه كَبِيرا أَو صَغِيرا (كمرود لامْرَأَة) وملعقة للْأَكْل أَو الشّرْب وخلال الْأَسْنَان نعم لَو احْتَاجَ إِلَى الاكتحال بميل مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا لجلاء الْعين جَازَ وَمحل التَّحْرِيم إِذا وجد غَيره وَإِلَّا جَازَ اسْتِعْمَاله نعم يقدم الْفضة على الذَّهَب عِنْد وجودهما وَيُؤْخَذ من كَلَامه صِحَة طَهَارَته مِنْهُ وَكَون الْمَأْكُول أَو المشروب حَلَالا وَهُوَ كَذَلِك وَيحرم الاحتواء على مجمرة مِنْهُ أَو كَونهَا بِقُرْبِهِ بِحَيْثُ يعد متطيبا بهَا عرفا والتطيب بِمَاء الْورْد أَو غَيره مِنْهُ فليفرغه فِي يَده الْيُسْرَى ثمَّ فِي يَده الْيُمْنَى ثمَّ يَسْتَعْمِلهُ وكما يحرم اسْتِعْمَاله يحرم اتِّخَاذه لِأَنَّهُ يجر إِلَى اسْتِعْمَاله كآلة اللَّهْو واقتناؤه أَيْضا وَيحرم التزيين بِهِ وَلَو فِي الْبيُوت والحوانيت والكعبة فَلَا أُجْرَة لصانعه وَلَا أرش على كاسره وَيحل إِنَاء ذهب أَو فضَّة موه بنحاس أَو غَيره إِن حصل مِنْهُ شىء بِالْعرضِ على النَّار وَإِلَّا حرم وَيحل إِنَاء نُحَاس أَو نَحوه موه بِذَهَب أَو فضَّة إِن لم يحصل مِنْهُ شىء بِالْعرضِ على النَّار وَإِلَّا حرم (وَجَاز من زبرجد) بدال مُهْملَة وفيروزج وَيَاقُوت وبلور وكل جَوْهَر وَلَو من طيب مُرْتَفع كمسك وَعَنْبَر وكافور بِنَاء على أَن عِلّة تَحْرِيم إِنَاء النَّقْدَيْنِ الْعين مَعَ أَن الْجَوْهَر النفيس لَا يعرفهُ إِلَّا الْخَواص فَلَا خُيَلَاء وكما يجوز اسْتِعْمَال الْإِنَاء الذى نفاسته لصنعته لَا لذاته كزجاج وخشب مُحكم الخرط (وَتحرم الضبة من هذَيْن) أَي من ذهب أَو فضَّة (بكبر عرفا مَعَ التزيين) أى تحرم الضبة مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا مَعَ كبرها وَكَونهَا كلهَا أَو بَعْضهَا للتزيين لوُجُود الْمَعْنيين الْعين وَالْخُيَلَاء ومرجع الْكبر وضده الْعرف على اللأصح فان شكّ فِي الْكبر فَالْأَصْل الْإِبَاحَة 0 إِن فقدا) أى الْكبر والزينة بِأَن كَانَت صَغِيرَة لحَاجَة (حلت) بِلَا كَرَاهَة (وفردا يكره وَالْحَاجة الَّتِى تساوى كسْرَى) أى أَن كَانَت الضبة كَبِيرَة لحَاجَة أَو صَغِيرَة فَوق الْحَاجة كره اسْتِعْمَالهَا والتزيين بهَا واتخاذها للكبر والزينة وَلم تحرم للْحَاجة فى الأولى والصغر فِي الثَّانِيَة وَالْمرَاد بِالْحَاجةِ غَرَض إصْلَاح كسر الْإِنَاء دون التزيين وَلَا يعْتَبر الْعَجز عَن غير الذَّهَب وَالْفِضَّة لِأَن الْعَجز عَن غَيرهمَا يُبِيح اسْتِعْمَال الْإِنَاء الذى كُله ذهب أَو فضَّة فضلا عَن المضبب بِهِ كَمَا مر وأصل ضبة الْإِنَاء مَا يصلح بِهِ خلله من صفيحة أَو غَيرهَا وإطلاقها على مَا هُوَ للزِّينَة

توسع وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر البُخَارِيّ عَن أنس (أَن قدحه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي يشرب فِيهِ كَانَ مسلسلا بِفِضَّة) أى مشعبا بخيط فضَّة لانشقاقه وَمَا ذكره كَأَصْلِهِ من مُسَاوَاة ضبة الذَّهَب لعنبة الْفضة تبع فِيهِ الرَّافِعِيّ وَرجح النووى تَحْرِيمهَا مُطلقًا لِأَن الدَّلِيل الْمُخَصّص للتَّحْرِيم إِنَّمَا ورد فِي الْفضة وَلَا يلْزم من جَوَازهَا جَوَازه لِأَن الْخُيَلَاء فِيهِ أشدوبابه أضيق وَفِي بعض النّسخ بدل قَوْله وَالْحَاجة الخ لحَاجَة مَا لم تجَاوز كَسره (وَيسْتَحب فِي الْأَوَانِي التغطية وَلَو بِعُود حط فَوق الانية) مَعَ تَسْمِيَة الله تَعَالَى لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا سَوَاء أَكَانَ فِيهَا مَاء أَو غَيره لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن جَابر أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (غطوا الْإِنَاء وأوكئوا السقاء) وَفِي رِوَايَة لَهما (خمر آنيتك وَاذْكُر اسْم الله وَلَو تعرض عَلَيْهَا عودا قَالَ الْأَئِمَّة وَفَائِدَة ذَلِك من ثَلَاثَة أوجه أَحدهَا مَا ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم أَنه قَالَ فان الشَّيْطَان لَا يحل سقاء وَلَا يكْشف إِنَاء ثَانِيهَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَة لمُسلم أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ فِي السّنة لَيْلَة ينزل فِيهَا وباء لَا يمر بِإِنَاء لَيْسَ عَلَيْهِ غطاء أَو سقاء لَيْسَ عَلَيْهِ وكاء الا نزل فِيهِ من ذَلِك الوباء) قَالَ اللَّيْث بن سعد أحد رُوَاته فِي مُسلم فالأعاجم يتوقون ذَلِك فِي كانون الأول قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين وَهُوَ كيهك ثَالِثهَا صيانتها من النَّجَاسَة وَنَحْوهَا وَقد عمل بَعضهم بِالسنةِ فِي التغطية بِعُود فَأصْبح وأفعى ملتفة على الْعود وَلم تنزل فِي الْإِنَاء وَلَكِن لَا يعرض الْعود على الْإِنَاء إِلَّا مَعَ ذكر اسْم الله فَإِن السِّرّ الدَّافِع هُوَ اسْم الله تَعَالَى مَعَ صدق النِّيَّة وَيسن أَيْضا إيكاء السقاء وإطفاء النَّار عِنْد النّوم وإغلاق الْبَاب بعد الْمغرب وَجمع الصّبيان والمواشي ثمَّ شرع فِي ذكر الِاجْتِهَاد فَقَالَ (ويتحرى) جَوَازًا إِن قدر على طهُور بِيَقِين ووجوبا إِن لم يقدر عَلَيْهِ ويجتهد (لاشتباه طَاهِر بِنَجس وَلَو لأعمى قَادر) الِاجْتِهَاد والتحرى والتآخى بذل المجهود فِي طلب الْمَقْصُود فيجتهد الِاشْتِبَاه طَاهِر من مَاء أَو ثوب أَو طَعَام أَو شراب أَو غَيرهَا بآخر نجس بِأَن يبْحَث عَمَّا يبين النَّجس بالأمارات المغلبة على الظَّن كرشاش حول إنائه أَو ابتلال طرفه أَو تحركه أَو قرب الْكَلْب مِنْهُ أَو زِيَادَته أَو نَقصه وَيسْتَعْمل مَا ظن طَهَارَته لِأَن الْحل شَرط للمطلوب يُمكن التَّوَصُّل إِلَيْهِ بِالِاجْتِهَادِ فَجَاز كالقبلة وَقد يجب بِأَن لَا يجد غَيرهمَا وضاق وَقت الصَّلَاة أَو أضطر للتناول وَشَمل إِطْلَاقه مَا لَو حصل الِاشْتِبَاه بِإِخْبَار ثِقَة وَلَو أُنْثَى وعبدا كَأَن أخبرهُ بتنجس أَحدهمَا مُبْهما وَكَذَا إِن أخبرهُ بِهِ معينا ثمَّ الْتبس عَلَيْهِ فَإِن لم يلتبس عَلَيْهِ وَبَين سَبَب النَّجَاسَة أَو كَانَ فَقِيها فِي الْمِيَاه مُوَافقا لَهُ لزمَه قبُول خَبره وَامْتنع عَلَيْهِ الِاجْتِهَاد كالمفتى يجد النَّص وكالقبلة وَغَيرهَا وكما يجْتَهد الْبَصِير يجْتَهد الْأَعْمَى الْقَادِر على الِاجْتِهَاد على الْأَصَح كَمَا فِي الْوَقْت وَلِأَن لَهُ طَرِيقا غير الْبَصَر كالشم واللمس والذوق وَفَارق مَنعه فِي الْقبْلَة بِأَن أدلتها بصرية فَإِن تخير قلد بَصيرًا ثِقَة كالعامى يُقَلّد مُجْتَهدا بِخِلَاف مَا لَو اشْتبهَ عَلَيْهِ الْوَقْت فَإِن لَهُ أَن يقلده إِن لم يتحير لِأَن الِاجْتِهَاد هُنَاكَ إِنَّمَا يَتَأَتَّى بتعاطى أَعمال مستغرقة للْوَقْت وَفِيه مشقة ظَاهِرَة بِخِلَافِهِ هُنَا فَإِن لم يجده أَو اخْتلف عَلَيْهِ بصيران أَو تحرى بَصِير وتحير لم يَصح تيَمّمه إِلَّا أَن لَا يبْقى مَعَه مَاء طَاهِر بِيَقِين وَخرج بقوله قَادر الْأَعْمَى الْعَاجِز عَن الِاجْتِهَاد لفقد شمه ولمسه وذوقه وسَمعه أَو لبلادة وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ لَا يجْتَهد بل يُقَلّد ثِقَة عَارِفًا (لَا الْكمّ) أى لَو أشتبه عَلَيْهِ أحد كمى ثوب مُتَنَجّس بِالْآخرِ فَلَا اجْتِهَاد فِيهِ بل يجب غسلهمَا مَعًا لتصح صلَاته فِيهِ لِأَنَّهُ ثوب وَاحِد تَيَقّن نَجَاسَته فَلَا تَزُول بِالشَّكِّ كَمَا لَو خفى مَحل النَّجَاسَة فِيهِ وَلم تَنْحَصِر فِي مَحل مِنْهُ فَلَو اجْتهد وَغسل الْمُتَنَجس عِنْده لم تصح صلَاته فِيهِ بعمة فِي الثَّوْبَيْنِ فيهمَا مَعًا على الْأَصَح وَفرق بِأَن مَحل الِاجْتِهَاد الِاشْتِبَاه بَين شَيْئَيْنِ فتأثيره فِي أَجزَاء الْوَاحِد أَضْعَف فَلَو انْفَصل الكمان أَو أَحدهمَا كَانَا كالثوبين وَالْبَوْل وميتة وَمَاء ورد وخمر در أتن لَو أشتبه مَاء وَبَوْل مُنْقَطع الرَّائِحَة أَو ميتَة بمذكاة أَو مَاء ورد بِمَاء أَو خمر يحل

أَو لبن بدر أى لبن أتن بِضَم الْهمزَة وَالتَّاء جمع أتان بِالْمُثَنَّاةِ وهى الْأُنْثَى من الْحمر الْأَهْلِيَّة فَلَا اجْتِهَاد إِذْ لَا أصل للخمسة فِي حل الْمَطْلُوب بل فِي مسئلة الْبَوْل يريقها أَو أَحدهمَا أَو يصب مِنْهُ فِي الآخر ثمَّ يتَيَمَّم فَلَو تيَمّم قبل ذَلِك لم يَصح لِأَنَّهُ تيَمّم بِحَضْرَة طَاهِر بِيَقِين لَهُ طَرِيق إِلَى إعدامه فَلَا يشكل بِصِحَّة اليمم بِحَضْرَة مَاء منع مِنْهُ نَحْو سبع وَفِي مسئلة مَاء الْورْد يتَوَضَّأ بِكُل مِنْهُمَا مرّة ويعذر فِي تردده فِي النِّيَّة وَإِن قدر على طهُور بِيَقِين وَلَا يجب عَلَيْهِ إِزَالَة التَّرَدُّد بَان يَأْخُذ غرفَة من هَذَا وغرفة من الآخر ويستعملها دفْعَة فِي وَجهه نَاوِيا وَلَو اشتبهت ميتَة بمذكيات بلد أَو إِنَاء بَوْل بأواني بلد فَلهُ أَخذ بَعْضهَا بِلَا اجْتِهَاد إِلَى أَن يبْقى وَاحِد (ومحرما) أى لَا يتحَرَّى فِيهَا لَو اشتبهت بأجنبيات محصورات إِذْ لَا عَلامَة تمتاز بهَا الْمحرم عَن غَيرهَا فَإِن ادّعى امتيازها بعلامة فَلَا اجْتِهَاد أَيْضا لِأَنَّهَا إِنَّمَا تعتمد عِنْد اعتضاد الظَّن بِأَصْل الْحل وَالْأَصْل فِي الأبضاع الْحُرْمَة فَإِن اشتبهت بِغَيْر محصورات فَلهُ أَن ينْكح مِنْهُنَّ إِلَى أَن يبْقى عدد مَحْصُور لِئَلَّا ينسد عَلَيْهِ بَاب النِّكَاح وكل عدد لَو اجْتمع فِي صَعِيد وَاحِد يعسر على النَّاظر عده بِمُجَرَّد النّظر كالمائتين فَغير مَحْصُور وَإِن سهل عدَّة كعشرة وَعشْرين فمحصور وَبَينهمَا وسائط تلْحق بِأَحَدِهِمَا بِالظَّنِّ وَمَا وَقع فِيهِ الشَّك استفتى فِيهِ الْقلب وَلَو اشتبهت زَوجته بأجتناب حرم عَلَيْهِ أَن يطَأ مِنْهُم مُطلقًا لِأَن الْوَطْء لَا يُبَاح إِلَّا بِالْعقدِ وَلِأَن الأَصْل فِي الأبضاع الْحُرْمَة فيحتاط لَهَا وَالِاجْتِهَاد خلاف الِاحْتِيَاط وَقد أَشَارَ النَّاظِم بِكَلَامِهِ إِلَى بعض شُرُوط الِاجْتِهَاد فَمِنْهَا أَن يكون بَين مُتَعَدد وَأَن يكون بَاقِيا على الْأَصَح خلافًا للرافعي وَأَن يكون لكل من المشتبهين أصل فِي حل الْمَطْلُوب وَأَن يكون للعلامة فِي المتعدد مجَال أى مدْخل وَكلهَا تعلم من كَلَامه على هَذَا التَّرْتِيب وَأما ظُهُور الْعَلامَة فَإِنَّمَا هُوَ شَرط للْعَمَل وبالاجتهاد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بَاب السِّوَاك - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ لُغَة الدَّلْك وآلته وَشرعا اسْتِعْمَال عود أَو نَحوه كأشنان فِي الْأَسْنَان وَمَا حولهَا (يسن) السِّوَاك مُطلقًا لخَبر (السِّوَاك مطهرة للفم مرضاة للرب) رَوَاهُ ابْنا خُزَيْمَة وحبان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَرَوَاهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا بِصِيغَة الْجَزْم لكنه (لَا) يسن (بعد زَوَال الصَّائِم) أى زَوَال شمس يَوْمه بل يكره لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) والخلوف بِضَم الْخَاء تغير رَائِحَة الْفَم وَالْمرَاد الخلوف بعد الزَّوَال لغير (أَعْطَيْت أمتى فِي شهر رَمَضَان خمْسا ثمَّ قَالَ وَأما الثَّانِيَة فَإِنَّهُم يمسون وخلوف أَفْوَاههم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) رَوَاهُ السَّمْعَانِيّ وَقَالَ حَدِيث حسن كَمَا ذكره فِي الْمَجْمُوع من حِكَايَة ابْن الصّلاح والمساء بعد الزَّوَال وأطيبيه الخلوف تدل على طلب إبقائه فَكرِهت إِزَالَته فِيمَا ذكر وَأما خبر أَبى دَاوُد وَغَيره عَن عَامر بن ربيعَة قَالَ رَأَيْت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ يستاك وَهُوَ صَائِم مَالا أعد) فَلَيْسَ فِيهِ أَنه فعله بعد الزَّوَال وتزول الْكَرَاهَة بغروب الشَّمْس فِي الْأَصَح وَالْمعْنَى فِي أختصاصها بِمَا بعد الزَّوَال أَن تغير الْفَم بِسَبَب الصَّوْم إِنَّمَا يظْهر غَالِبا حِينَئِذٍ وَلَو وَاصل وَأصْبح صَائِما كره لَهُ ذَلِك قبل الزَّوَال وَبعده أخذا من الْعلَّة كَمَا قَالَه الجيلى فِي الإعجاز وَأفْتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَلَو تغير فَمه بعد الزَّوَال بِسَبَب آخر غير الخلوف كنوم أَو وُصُول شىء كريه الرّيح إِلَى فَمه فاستاك لذَلِك لم يكره كَمَا قَالَه الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي شرح التَّنْبِيه (وأكدوه لانتباه النَّائِم) أى يتَأَكَّد طلب السِّوَاك لانتباه النَّائِم من نَومه لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ إِذا قَامَ من النّوم يشوص فَاه بِالسِّوَاكِ) أى يدلكه وَقيس بِالنَّوْمِ الْمَذْكُور غَيره بِجَامِع

التَّغَيُّر (ولتغير) رَائِحَة (فَم) بنوم أَو أكل أَو كَلَام أَو تَركه أَو غَيره لما روى الطَّبَرَانِيّ فِي مُعْجَمه الْكَبِير وَغَيره عَن الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب أَنه قَالَ (كَانُوا يدْخلُونَ على رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَلم يستاكوا فَقَالَ تدخلون على قلحا استاكوا (وللصلاة) أَي عِنْد إِرَادَة الْقيام لَهَا سَوَاء كَانَت فرضا أَو نفلا وَسَوَاء أَكَانَ متوضأ أَو متيمما أم فاقدا للطهورين لخَبر الصَّحِيحَيْنِ (لَوْلَا أَن أشق على أمتى أَو على النَّاس لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) وفى رِوَايَة لَهما (بِالسِّوَاكِ مَعَ كل صَلَاة) أى أَمر إِيجَاب بِدَلِيل خبر (لفرضت عَلَيْهِم عِنْد كل صَلَاة) ويتأكد أَيْضا للْوُضُوء وَإِن لم يصل بِهِ وللتيمم أَيْضا وللقراءة ولصفرة الْأَسْنَان وَيُمكن إدراجها فِي قَول النَّاظِم ولتغير فَم ولدخول منزل وللطواف بأنواعه ولسجدة التِّلَاوَة أَو الشُّكْر قَالَ الشَّيْخ أَبُو حَامِد وَعند الْأكل وَعند إِرَادَة النّوم قَالَ الزركشى وَبعد الْوتر وَفِي السحر كَمَا قَالَه ابْن عبد الْبر وللصائم قبل أَوَان الخلوف كَمَا يسن التَّطَيُّب قبل الْإِحْرَام كَمَا ذكره الإِمَام فِي كتاب الْحَج وَعند الِاخْتِصَار كَمَا دلّ عَلَيْهِ خبر الصَّحِيحَيْنِ وَيُقَال إِنَّه يسهل خُرُوج الرّوح وَلَيْسَ لَهُ إِذا أَرَادَ أَن يستاك ثَانِيًا غسل سواكه إِن حصل عَلَيْهِ وسخ أَو ريح أَو نَحْوهمَا كَمَا ذكره فِي الْمَجْمُوع (وَسن) الاستياك (باليمنى) وَإِن كَانَ لإِزَالَة قلح والبداءة بالجانب الْأَيْمن من فَمه لشرف الْأَيْمن (وَلِأَنَّهُ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يحب التَّيَامُن مَا اسْتَطَاعَ فِي شَأْنه كُله فِي طهوره وَترَجله وتنعله وسواكه) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيسن عرضا ويجزىء طولا ويمره على كراسى أَضْرَاسه وأطراف أَسْنَانه وسقف حلقه بلطف ولينوبه السّنة ويعوده الصبى ليألفه و (الْأَرَاك أولاه) ثمَّ النّخل ثمَّ الْعود ذُو الرّيح الطّيب ثمَّ مُطلق الْعود واليابس المندى بِمَاء أولى وَيحصل بِكُل مزيل للوسخ طَاهِر وَلَو خرقَة أَو أصبعا مُتَّصِلَة من غَيره خشنة إِلَّا أُصْبُعه لِأَنَّهَا لَا تسمى سواكا (وَيسْتَحب الاكتحال بالإثمد لخَبر التِّرْمِذِيّ عَن ابْن عَبَّاس أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ اكتحلوا بالإثمد فَإِنَّهُ يجلو الْبَصَر وينبت الشّعْر) وَرَوَاهُ النسائى وَابْن حبَان بِلَفْظ إِن من خير أكحالكم الإثمد وَعَن عَليّ أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (عَلَيْكُم بالإثمد فَإِنَّهُ منبتة للشعر مذْهبه للقذى مصفاة لِلْبَصَرِ) وَفِي حَدِيث (عَلَيْكُم بالإثمد المروح عِنْد النّوم) أى المطيب بالمسك وَيسْتَحب كَونه (وترا) لخَبر أَبى دَاوُد وَغَيره باسناد جيد من اكتحل فليوتر) وَاخْتلفُوا فِي قَوْله فليوتر فَقيل يكتحل فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَفِي الْيُسْرَى مرَّتَيْنِ فَيكون الْمَجْمُوع وترا وَالأَصَح أَنه يكتحل فِي كل عين ثَلَاثًا لخَبر الترمذى عَن ابْن عَبَّاس وحسنة قَالَ (كَانَ لرَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مكحلة يكتحل مِنْهَا فِي كل عين ثَلَاثًا) وَاسْتدلَّ للْأولِ بِخَبَر الطَّبَرَانِيّ عَن ابْن عمر قَالَ إِن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِذا اكتحل جعل الْعين الْيُمْنَى ثَلَاثًا وَفِي الْعين الْيُسْرَى مرودين فجعلهم وترا) لَكِن فِي أسناده الْعُمْرَى وَمن لَا يعرف وَقد علم أَنه لَو اكتحل شفعا حصل لَهُ أصل السّنة روى أَبُو دَاوُد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ (من اكتحل فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج) (وغبا ادهن) أى وقتا بعد وَقت بِحَسب الْحَاجة لخَبر الترمذى وَصَححهُ عَن عبد الله بن مُغفل قَالَ (نهى رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم عَن الادهان إِلَّا غبا) وَفِي الشَّمَائِل لِلتِّرْمِذِي عَن أنس بن مَالك قَالَ كَانَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكثر دهن رَأسه وتسريح لحيته) وَمَا يرْوى فِي كتب الْفُقَهَاء مَرْفُوعا (استاكوا عرضا وادهنوا غبا واكتحلوا وترا) فَغَرِيب قَالَ فِي الْمَجْمُوع الادهان غبا بِكَسْر الْغَيْن هُوَ أَن يدهن ثمَّ يتْرك حَتَّى يجِف الدّهن وَقَالَ فِي نكته قَول الشَّيْخ ويدهن غبا أَي وقتا بعد وَقت فيدهن ثمَّ يتْركهُ حَتَّى يجِف رَأسه وَنقل ابْن الرّفْعَة عَن بَعضهم وَقَالَ قبله الغب كَمَا قَالَ ابْن فَارس ان ترد الْإِبِل المَاء يَوْمًا وتدعه يَوْمًا وَبِهَذَا فسر الإِمَام أَحْمد الحَدِيث وَبِه قَالَ بعض الشَّارِحين (وقلم ظفرا) أَي يسن تقليم الأظافر أى قصها بمقص أَو نَحوه لعده من الْفطْرَة وَلِأَنَّهَا تتفاحش بِتَرْكِهَا وَقد يمْنَع الْوَسخ الْحَاصِل

تحتهَا من وُصُول مَاء الطَّهَارَة إِلَى مَا تَحْتَهُ وَمحل ندب أزالة الظفر وَالشعر الآتى فِي غير عشر ذى الْحجَّة لمريد التَّضْحِيَة وَوقت قصها عِنْد طولهَا وَيَوْم الْجُمُعَة أولى وَلَا يُعَارضهُ مَا روى عَن أنس قَالَ وَقت لنا فِي قصّ الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط وَحلق الْعَانَة أَن لَا نَتْرُك أَكثر من أَرْبَعِينَ يَوْمًا وروى عَن وَصِيَّة على أَن التقليم فِي كل عشرَة أَيَّام ونتف الْإِبِط فِي كل أَرْبَعِينَ وَحلق الْعَانَة فِي كل عشْرين وقص الْأنف فِي كل ثَلَاثِينَ وَالْحق فِي الْجَمِيع اتِّبَاع الْحَاجة الأولى فِي قصها أَن يكون مُخَالفا لخَبر من قصّ أَظْفَاره لم ير فِي عَيْنَيْهِ رمدا) وَفَسرهُ جمَاعَة مِنْهُم أَبُو عُبَيْدَة الله بن بطة بِأَن يبْدَأ بخنصر الْيُمْنَى ثمَّ الْوُسْطَى ثمَّ الأبهام ثمَّ البنصر ثمَّ المسبحة ثمَّ إِبْهَام الْيُسْرَى ثمَّ الْوُسْطَى ثمَّ الْخِنْصر ثمَّ السبابَة ثمَّ البنصر وَفِي الْإِحْيَاء أَنه يبْدَأ فِي الْيَدَيْنِ بمسبحة الْيُمْنَى وَيخْتم بإبهامها وَفِي الرجلَيْن بخنصر الْيُمْنَى وَيخْتم بخنصر الْيُسْرَى قَالَ النووى لَا بَأْس بِهِ إِلَّا تَأْخِيره إِبْهَام الْيُمْنَى فَإِن السّنة إِكْمَال الْيُمْنَى أَولا وَيسن غسل رُءُوس الْأَصَابِع بعد قصّ أظفارها فقد قيل إِن الحك بالأظفار قبل غسلهَا يضر بالجسد وَالظفر بِضَم الظَّاء وَالْفَاء وإسكانها وبكسر الظَّاء مَعَ إسكان الْفَاء وَكسرهَا وَيُقَال فِيهِ أظفور (وانتن لإبط) بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الْبَاء أى ينْدب ذَلِك إِن اعتاده وَإِلَّا فيحلقه (ويقص) بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول (الشَّارِب) بِحَيْثُ يظْهر طرف الشّفة وَلَا يحفيه من أَصله (والعانة) بِالنّصب (احْلق) من الرجل أما الْأُنْثَى فالمستحب لَهَا نتفها كَمَا ذكره النووى وَغير لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم خمس من الْفطْرَة الْخِتَان والاستحداد وقص الشَّارِب وتقليم الْأَظْفَار ونتف الْإِبِط والاستحداد هُوَ حلق الْعَانَة قَالَ الغزالى وَيسْتَحب نتف الْإِبِط فِي كل أَرْبَعِينَ يَوْمًا مرّة قَالَ وَذَلِكَ سهل على من تعود فِي الِابْتِدَاء نتفه فَأَما من تعود الْحلق فيكفيه إِذْ فِي النتف تَعْذِيب وإيلام وَالْمَقْصُود النَّظَافَة وهى تَحْصِيل بِالْحلقِ واختص النتف بالإبط وَالْحلق بالعانة لِأَن الْإِبِط مَحل الرَّائِحَة الكريهة والنتف يضعف الشّعْر فتخف الرَّائِحَة الكريهة وَالْحلق يكثر الشّعْر فتكثر فِيهِ الرَّائِحَة قَالَ الجيلى وَشعر الْعَانَة إِذا طَال يعشش فِيهِ الشَّيْطَان وَيذْهب قُوَّة الْجِمَاع (والختان وَاجِب) على الذّكر وَالْأُنْثَى (لبالغ) عَاقل مُحْتَمل لَهُ (سَاتِر) بِالنّصب (كمرة قطع) وهى الغلفة من الذّكر 0 وَالِاسْم) بنصبه أَيْضا (من أُنْثَى) لقَوْله تَعَالَى ﴿ثمَّ أَوْحَينَا إِلَيْك أَن اتبع مِلَّة إِبْرَاهِيم حَنِيفا﴾ وَكَانَ من مِلَّته الْخِتَان فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه اختتن وعمره ثَمَانُون سنة وَفِي صَحِيح ابْن حبَان وَالْحَاكِم مائَة وَعِشْرُونَ سنة وَقيل سَبْعُونَ سنة وَلخَبَر أَبى دَاوُد أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ لرجل أسلم ألق عَنْك شعر الْكفْر واختتن وَالْأَمر للْوُجُوب وَلِأَنَّهُ قطع جُزْء من الْبدن لَا يسْتَخْلف تعبدا فَلَا يكون إِلَّا وَاجِبا كَقطع السّرقَة واحترزوا بالقيد الأول من الشّعْر وَالظفر فَإِنَّهُ يسْتَخْلف وَبِالثَّانِي عَن الْقطع للأكلة فَإِنَّهُ لَا يجب وَلِأَنَّهُ قطع عُضْو سليم فَلَو لم يجب لم يجز كَقطع الْأصْبع فِي الْقصاص وَأما خبر أَحْمد والبيهقى أَنه صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ الْخِتَان سنة فِي الرِّجَال مكرمَة فِي النِّسَاء فَأُجِيب عَنهُ بِأَن المُرَاد مِنْهُ أَنه سنة رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم لِأَنَّهُ فعله وَأمر بِهِ فَيكون وَاجِبا وَأما ختان الصبى وَالْمَجْنُون وَمن لَا يحْتَملهُ فَلَيْسَ بِوَاجِب لِأَن الْأَوَّلين ليسَا من أهل الْوُجُوب وَالثَّالِث يتَضَرَّر بِهِ وكما يجب الْخِتَان يجب قطع السُّرَّة لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى ثُبُوت الطَّعَام إِلَّا بِهِ وربطها إِلَّا أَن وجوبهما على الْغَيْر لِأَنَّهُ لَا يفعل إِلَّا فِي الصغر وَيجب على الْمَالِك ختن رَقِيقه أَو تخليته ليكتسب ويختتن وَيسن كَونه يَوْم السَّابِع الذى يلى وِلَادَته إِن أطاقه فَإِن أخر اسْتحبَّ أَن يكون فِي الْأَرْبَعين فَإِن أخر عَنْهَا فَفِي السّنة السَّابِعَة لِأَنَّهُ الْوَقْت الَّذِي يُؤمر فِيهِ بِالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاة عِنْد تَمْيِيزه وَأما الْخُنْثَى الْمُشكل فَيحرم ختنه وَلَو بعد بُلُوغه لِأَنَّهُ جرح مَعَ الشكولم يصدر مِنْهُ جِنَايَة فَلَا يشكل بِقطع إِحْدَى يدين اشتبهت بأصلية وَقد سرق مَا يقطع بِهِ وَمن لَهُ ذكران عاملان ختنا جَمِيعًا أَو أَحدهمَا عَامل ختن فَقَط وَيعرف عمل الذّكر بالبول وَمؤنَة الْخِتَان فِي مَال المختون فَإِن لم يكن لَهُ مَال فعلى من تلْزمهُ مُؤْنَته وَيجْبر الإِمَام بَالغا عَاقِلا على الْخِتَان إِذا احتمله وَامْتنع مِنْهُ وَلَو مَاتَ قبل الْخِتَان حرم ختنه وَإِن كَانَ

بَالغا وَإِن ولد مختونا لم يختن وَأما تثقيب آذان الصبية لتعليق الْحلق فَحَرَام لِأَنَّهُ جرح لم تدع إِلَيْهِ حَاجَة صرح بِهِ الغزالى فِي الْإِحْيَاء وَبَالغ فِيهِ مُبَالغَة شَدِيدَة قَالَ إِلَّا أَن يثبت فِيهِ من جِهَة النَّقْل رخصَة وَلم تبلغنَا وَفِي الرِّعَايَة فِي مَذْهَب أَحْمد يجوزتثقيب آذان الصبية للزِّينَة وَيكرهُ ثقب آذان الصَّبِي وَفِي فَتَاوَى قاضيخان من الْحَنَفِيَّة أَنه لَا بَأْس بتثقيب آذان الصبية لأَنهم كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْجَاهِلِيَّة وَلم يُنكر عَلَيْهِم رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم (وَيكرهُ القزع تنزها) لخَبر الصَّحِيحَيْنِ عَن ابْن عمر قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم ينْهَى عَن القزع وَهُوَ بقاف وزاى مفتوحتين وَعين مُهْملَة وَهُوَ حلق بعض الرَّأْس سَوَاء كَانَ من مَوضِع وَاحِد أم مُتَفَرقًا مَأْخُوذ من قزع السَّحَاب وَهُوَ تقطعه قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم أجمع الْعلمَاء على كَرَاهَة القزع إِذْ كَانَ فِي مَوَاضِع مُتَفَرِّقَة إِلَّا أَن يكون لمداواة أَو نَحْوهَا وهى للتنزيه وَقَالَ بعض أَصْحَاب مَالك لَا بَأْس بِهِ فِي الْقِصَّة أَو الْقَفَا للغلام قَالَ الْعلمَاء وَالْحكمَة فى النهى عَنهُ أَنه تَشْوِيه للخلقة قَالَ الْغَزالِيّ فِي الْإِحْيَاء لَا بَأْس بحلق جَمِيع الرَّأْس لمن أَرَادَ التَّنْظِيف وَلَا بَأْس بِتَرْكِهِ لمن أَرَادَ أَن يدهن ويرجل وَادّعى ابْن الْمُنْذر الْإِجْمَاع على إِبَاحَة حلق الْجَمِيع وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد وروى عَنهُ أَنه مَكْرُوه لما روى أَنه من وصف الْخَوَارِج وَلَا خلاف أَنه لَا تكره إِزَالَته بالمقراض وَلَا خلاف أَن اتِّخَاذه أفضل من إِزَالَته إِلَّا عِنْد التَّحَلُّل من النّسك (وَالْأَخْذ من جَوَانِب عنفقة ولحية وحاجب) أَي يكره للرجل أَخذ الشّعْر من جَوَانِب عنفقته وَمن لحيته وحاجبيه كَذَا فِي التَّحْقِيق وَغَيره لِأَنَّهُ فِي معنى التنميص المنهى عَنهُ لَكِن قَالَ ابْن الصّلاح لَا بَأْس بِأخذ مَا حول العنفقة وَفهم من كَلَام النَّاظِم كَرَاهَة حلق الرجل لعَينه ونتفها بطرِيق الأولى خُصُوصا أول طُلُوعهَا إيثارا للمرودة (وَحلق شعر) رَأس (امْرَأَة) لِأَن بَقَاءَهُ يزينها نعم إِن عجزت عَن معالجته ودهنه وتأذت بهوامه فَلَا كَرَاهَة ونتف لحيتها وشاربها مُسْتَحبّ لِأَن بَقَاء كل مِنْهُمَا يشينها (ورد طيب وَرَيْحَان على من يهدى) أَي يكره تعَاطِي رد الطّيب أَو الريحان على من أهداه إِلَيْهِ كَمَا صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي تَحْقِيقه وَقد علم أَن قَول المُصَنّف ورد مجرور بالمضاف الَّذِي قدرناه وَحذف الْمُضَاف سَائِغ شَائِع فِي الْكَلَام الفصيح (وحرموا خضاب شعر بسواد لرجل وَامْرَأَة) أَي يحرم خضاب شعر أَبيض من رَأس رجل أَو امْرَأَة أَو لحية رجل بِالسَّوَادِ لخَبر أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حَيَّان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم عَن ابْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يكون قوم يخضبون فِي آخر الزَّمَان بِالسَّوَادِ كحواصل الْحمام لَا يريحون رَائِحَة الْجنَّة وكالرجل وَالْمَرْأَة الْخُنْثَى نعم يجوز للْمَرْأَة ذَلِك بِإِذن زَوجهَا أَو سَيِّدهَا لِأَن لَهُ غَرضا فِي تزيينها بِهِ وَقد أذن لَهَا فِيهِ وَالظَّاهِر كَمَا قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين أَنه يحرم على الْوَلِيّ خضب شعر الصَّبِي أَو الصبية إِذا كَانَ أصهب بِالسَّوَادِ أَي لما فِيهِ من تَغْيِير الْخلقَة وَإِن عزى للناظم فِي شَرحه لنظمه أَنه قَالَ إِن الظَّاهِر أَنه لَا يحرم انْتهى (لَا للْجِهَاد) أَي يجوز خضب الشّعْر الْأَبْيَض بِالسَّوَادِ لأجل الْجِهَاد لما فِيهِ من إرهاب الْعَدو وَخرج بِالسَّوَادِ خضبه بِغَيْرِهِ كالحناء فَلَا يحرم بل هُوَ سنة للذّكر وَالْأُنْثَى

  • صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - (بَاب الْوضُوء) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - هُوَ بِضَم الْوَاو الْفِعْل وَبِفَتْحِهَا المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ فِيهِ وَقيل بِالْفَتْح فيهمَا وَقيل بِالضَّمِّ فيهمَا والمبوب لَهُ الْوضُوء بِمَعْنى الْفِعْل وَهُوَ من الْوَضَاءَة وَهِي الْحسن وَفِي الشَّرْع اسْتِعْمَال المَاء فِي أَعْضَاء مَخْصُوصَة مفتتحا بنية قَالَ الإِمَام وَهُوَ تعبدي لَا يعقل مَعْنَاهُ لِأَن فِيهِ مسحا وَلَا تنظيف فِيهِ وَالأَصَح أَنه مَعْقُول الْمَعْنى وَكَانَ فَرْضه مَعَ فرض الصَّلَاة كَمَا رَوَاهُ ابْن ماجة وَالأَصَح أَنه لَيْسَ من خَصَائِص هَذِه الْأمة وَإِنَّمَا الْخَاص بهم الْغرَّة والتحجيل (مُوجبه الْخَارِج من سَبِيل) أَي مُوجب الْوضُوء بِكَسْر الْجِيم أَي أَسبَابه لِأَنَّهُ مُفْرد مُضَاف ليعم أَرْبَعَة أَحدهَا الْخَارِج من سَبِيل مُعْتَاد قبلا كَانَ أَو دبرا ريحًا كَانَ الْخَارِج وَلَو من قبل أَو عينا نَادرا كَانَ أَو مُعْتَادا نجسا كَانَ أَو طَاهِرا وَلَو دوده أخرجت رَأسهَا ثمَّ رجعت أما الْغَائِط وَالْبَوْل وَالرِّيح والمذى فبالنص وَأما مَا عَداهَا فبالقياس عَلَيْهَا وَفِي مُوجبه أوجه أَصَحهَا بِالْخرُوجِ مَعَ الِانْقِطَاع وجوبا موسعا وَمَعَ الْقيام إِلَى الصَّلَاة وجوبا مضيقا وَيجْرِي ذَلِك فِي مُوجب الْغسْل من الْحيض وَالنّفاس وَشَمل كَلَام النَّاظِم إِيجَاب الْوضُوء بِخُرُوج الْخَارِج من دبر الْمُشكل أَو من قبليه جَمِيعًا وَمن ثقبه انفتحت فِي معدة أَو فَوْقهَا أَو تحتهَا وَقد خلق مسدود الْمخْرج الْأَصْلِيّ أَو انفتحت تَحت الْمعدة وَقد انسد الْأَصْلِيّ فَصَارَ لَا يخرج مِنْهُ شَيْء وَإِن لم يلتحم وَهُوَ كَذَلِك وَمحل مَا ذكر فِي الانسداد الْعَارِض فَيقوم مقَام الْأَصْلِيّ فِي النَّقْض فَقَط دون إِجْزَاء الْحجر وَإِيجَاب الْوضُوء تمسها وَالْغسْل بالإيلاج فِيهَا وَإِيجَاب سترهَا وَتَحْرِيم النّظر إِلَيْهَا فَوق الْعَوْرَة لَكِن رجح فِي الْمَجْمُوع عدم انْتِقَاض الْوضُوء إِذا نَام مُمكنا لَهَا من مقره والمنسد حِينَئِذٍ كعضو زَائِد من الْخُنْثَى لَا وضوء بمسه وَلَا غسل بإيلاجه والإيلاج فِيهِ أما إِذا كَانَ الانسداد خلقيا فمنفتحه كالأصلي فِي الْأَحْكَام كلهَا كَمَا أفتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَيُؤْخَذ من قَوْلنَا فمنفتحه أَنه لَا أثر لخُرُوج من منفتح بِأَصْل الْخلقَة كالفم وَخرج مِمَّا مر خُرُوج الْخَارِج من غَيره كَأحد قبلى الْمُشكل وثقبه انفتحت تَحت الْمعدة مَعَ انفتاح الْأَصْلِيّ أَو انفتحت فِيهَا أَو فَوْقهَا وَلَو مَعَ انسداد الْأَصْلِيّ فَلَا يُوجب الْوضُوء لِأَن الأَصْل عدم النَّقْض حَتَّى يثبت شرعا وَلم يثبت إِلَّا فِيمَا مر (غير منى مُوجب التغسيل) اسْتثْنى النَّاظِم من إِيجَاب الْوضُوء بِخُرُوج الْخَارِج الْمَنِيّ الْمُوجب للْغسْل وَهُوَ مني الشَّخْص نَفسه الْخَارِج مِنْهُ أول مرّة كَأَن أمنى بِمُجَرَّد نظر أَو احْتِلَام مُمكنا مقعدته فَإِنَّهُ لَا يُوجب الْوضُوء لِأَنَّهُ أوجب أعظم الْأَمريْنِ وَهُوَ الْغسْل بِخُصُوصِهِ فَلم يُوجب أدونهما بِعُمُومِهِ كزنا الْمُحصن لما أوجب أعظم الحدين وَهُوَ الرَّجْم بِكَوْنِهِ زنا مُحصن لم يُوجب أدونهما بِكَوْنِهِ زنا وَيلْحق بِهِ ولادَة بِلَا بَلل كَمَا أفتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى وَفرق بَينه وَبَين إِيجَاب الْحيض وَالنّفاس الْوضُوء مَعَ إيجابهما الْغسْل بِأُمُور مِنْهَا أَنَّهُمَا لَا فَائِدَة لبَقَاء الْوضُوء مَعَهُمَا وأنهما يمنعان صِحَة الْوضُوء فَلَا يجامعانه مَعَ إيجابهما الْغسْل بِخِلَاف خُرُوج المنى يصبح مَعَه الْوضُوء فِي صُورَة سَلس المنى فيجامعه وَمِنْهَا أَن كلا مِنْهُمَا يخرج صَاحبه عَن كَونه مُكَلّفا بِالصَّلَاةِ فَلَا معنى لبَقَاء الْوضُوء حِينَئِذٍ وَلَا كَذَلِك المنى وَخرج بقوله مُوجب التغسيل مَا لَا يُوجِبهُ كَأَن جومعت فِي دبرهَا أَو فِي قبلهَا وَلم تنقض شهوتها وَاغْتَسَلت ثمَّ خرج مِنْهَا أَو استدخل شخص من منيه أَو منى غَيره ثمَّ خرج مِنْهُ فَإِنَّهُ يُوجب الْوضُوء كَمَا شَمله الْمُسْتَثْنى مِنْهُ أَيْضا وَمثله مَا لَو أَلْقَت بعض ولد كيد فينتقض وضوءها وَلَا غسل بِهِ كَمَا أفتى بِهِ الْوَالِد رَحمَه الله تَعَالَى (كَذَا زَوَال الْعقل) وَهُوَ ثَانِيهَا أَي التَّمْيِيز فَإِن فسر بِآلَة التَّمْيِيز كَمَا حكى عَن إمامنا الْأَعْظَم أَو أَنه صفة يُمَيّز بهَا بَين الْحسن وَبَين الْقَبِيح فَالْمُرَاد زَوَال تصرفه وَهُوَ التَّمْيِيز إِمَّا بارتفاعه بالجنون أَو انغماره بالإغماء أَو السكر وَنَحْوه أَو استتاره بِالنَّوْمِ وَنَحْوه كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (لَا بنوم كل مُمكن) لخَبر العينان وكاء السه فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَحسنه التِّرْمِذِيّ وَغَيره وَأخرجه ابْن السكن فِي صحاحه وَغير النّوم مِمَّا ذكر أبلغ مِنْهُ فِي الذهول الَّذِي هُوَ مَظَنَّة لخُرُوج شَيْء من دبره كَمَا أشعر بِهِ الْخَبَر إِذْ السه الدبر ووكاءه حفاظه عَن أَن يخرج مِنْهُ شَيْء لَا يشْعر (6 غَايَة الْبَيَان)
فصول الكتاب · 2 فصل · 345 صفحة
جارٍ التحميل