ذم الدنياصفحات 88-104
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الثاني

صفحات 88-104

١٧٤ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، أخبرنا المحاربي، عن ⦗٨٩⦘ مبارك، عن الحسن قال: إن أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، كانوا أكياسا، عملوا صالحا، وأكلوا طيبا، وقدموا فضلا، ولم ينافسوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم ينافسوهم في عزها، ولم يجزعوا لذلها، أخذوا صفوها، وتركوا كدرها، والله ما تعاظم في أنفسهم حسنة عملوا، ولا تصغر في أنفسهم سيئة.

١٧٥ - حدثنا عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن حصين بن عبد الرحمن، قال: قال: إبراهيم التيمي: إن من كان قبلكم كانت الدنيا مقبلة عليهم، وهم يفرون منها، ولهم من العزم ما لهم، وإنكم تطلبون الدنيا، وهي مدبرة عنكم، ولكم من الأحداث ما لكم، فقيسوا أمركم وأمرهم.

١٧٦ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا سفيان، عن سليمان عن مالك بن الحارث، عن عبد الرحمن بن ⦗٩٠⦘ يزيد، عن ابن مسعود قال: أنتم أطول جهادا، وأكثر صلاة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكانوا خيرا منكم، قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدنيا، وأرغب منكم في الآخرة.

١٧٧ - حدثنا أبو كريب، أخبرنا ابن أبي زائدة، عن مجالد بن سعيد، عن الشعبي قال: قال شريح: تهون على الدنيا الملامة، كن حريصا على استخلاصها من تلوثها.

١٧٨ - أنشدني أبو إسحاق القرشي التيمي: ننافس في الدنيا ونحن نعيبها ... لقد حذرتناها لعمري خطوبها

وما تحسب الأيام تنقص مدة ... على أنها فينا سريع دبيبها

كأني برهط يحملون جنازتي ... إلى حفرتي يحثى علي كثيبها

فكم ثم من مسترجع متوجع ... ونائحة يعلو علي نحيبها

وباكية تبكي علي وإنني ... لفي غفلة من صوتها ما أجيبها

أيا هاذم اللذات ما منك مهرب ... تحاذر نفس منك ما سيصيبها

وإني لممن يكره الموت والبلى ... ويعجبه روح الحياة وطيبها ⦗٩١⦘

فحتى متى حتى متى وإلى متى ... يدوم طلوع الشمس بي وغروبها؟!

رأيت المنايا قسمت بين أنفس ... ونفسي سيأتي بعدهن نصيبها

١٧٩ - حدثنا أبو كريب، أخبرنا المحاربي، عن بكر بن خنيس، عن شعيب بن سليمان، أو غيره، قال: إن ذا القرنين لقي ملكا من الملائكة، فقال: علمني علما أزداد به إيمانا ويقينا، قال: إنك لا تطيق ذلك.

قال: لعل الله يطوقني.

قال: لا تغتم لغد، واعمل في اليوم لغد، وإن أتاك الله من الدنيا سلطانا أو مالا فلا تفرح به، وإن صرف عنك فلا تأس عليه، وكن حسن الظن بالله عز وجل، وضع يدك على قلبك فما أحببت أن تصنع بنفسك فاصنعه بأخيك، ولا تغضب فإن الشيطان أقدر ما يكون على ابن آدم حين يغضب، ورد الغضب بالكظم، وسكنه بالتؤدة، وإياك والعجلة، فإنك إذا عجلت أخطأت حظك، وكن سهلا لينا للقريب والبعيد، ولا تكن جبارا عنيدا.

١٨٠ - وحدثنا أبو كريب، حدثني المحاربي، عن عاصم الأحول، عن الشعبي، عن مسروق في قول السائل: أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ .

قال مسروق: ما كنت أفضل عليهما شيئا

١٨١ - وحدثنا أبو كريب، أخبرنا المحاربي، عن عاصم الأحول، قال: بلغني أن ابن عمر سمع رجلا يقول: أين الزاهدون في الدنيا، والراغبون في الآخرة؟ فأراه قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأبي بكر وعمر، وقال: عن هؤلاء تسأل.

.

١٨٢ - حدثني محمد بن العباس بن محمد، أخبرنا الحسين بن محمد، أخبرنا أبو سليمان النصيبي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن زرعة، عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له.

١٨٣ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد الرحمن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: قال عبد الله بن مسعود: ⦗٩٣⦘ لوددت أني من الدنيا فرد كالراكب الغادي الرائح

١٨٤ - وحدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا محمد بن سليم، قال: قال الحسن: ما من مسلم يرزق رزق يوم بيوم، ولا يعلم أنه قد خير له إلا عاجز، أو قال: غبي الرأي.

١٨٥ - وحدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا ثور بن يزيد، عن خالد بن معدان، قال: قال أبو الدرداء: الدنيا ملعونة، ملعون ما فيها إلا ذكر الله، وما أوى إليه.

١٨٦ - وحدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد الله، قال: أنبأنا ⦗٩٤⦘ بعض أهل البصرة أن مطرف بن الشخير ماتت امرأته، أو بعض أهله، فقال أناس من إخوانه: انطلقوا بنا إلى أخيكم مطرف، حتى لا يخلو به الشيطان فيدرك بعض حاجته منه، فأتوه فخرج عليهم دهينا في هيئة حسنة، فقالوا: خشينا شيئا، فنرجو أن يكون الله قد عصمك منه، وأخبروه بالذي قالوا: فقال مطرف:

لو كانت لي الدنيا كلها، فسئلتها بشربة يوم القيامة لافتديت بها.

١٨٧ - أنشدني أحمد بن موسى الثقفي: دع الدنيا لمفتتن ... وإن أبدت محاسنها

وخذ منها بأيسرها ... وإن بسطت خزائنها

فإن الدار دار بلى ... حيال الموت آمنها

وقد قلبت لك الأيا ... م ظاهرها وباطنها

وحسبك من صفات الوا ... صفين بأن تعاينها

أليس جديدها يبلى ... ويفني الموت ساكنها

١٨٨ - أنشدني أبو نصر المدني: هذه الدار ملكها قبلنا ... عصبة بادوا وخلوها لنا

فملكناها كما قد ملكوا ... وسيملكها أناس بعدنا

ثم تفنيهم وتفنى بعدهم ... ليست الدنيا لحي وطنا

عجبا للدار كم تخدعنا ... حسرة يا حسرة يا حزنا

١٨٩ - حدثني أبو سليمان القرشي، حدثني داود بن بلال - وكان ينزل في بني زهران - قال: سمعت ميمونا المزني، قال: سمعت الحسن يتمثل: الدنيا تعذب من هونها ... وتورث قلبه حزنا وداء

فإن أبغضتها نجيت منها ... وإن أحببتها تلقى البلاء

١٩٠ - حدثنا خلف بن هشام البزار، قال: بلغنا أن سفيان الثوري كان يتمثل: أرى أشقياء الناس لا يسأمونها ... على أنهم فيها عراة وجوع

أراها وإن كانت قليلا كأنها ... سحابة صيف عن قليل تقشع

كركب قضوا حاجاتهم وترحلوا ... طريقهم بادي العلامة مهيع

١٩١ - قال بعض الحكماء: وذكر الدنيا فقال: كم من يوم لي قد صحت سماؤه، وامتد علي ظله، تمدني ساعاته بالمنى، وتضحك لي عن كل ما أهوى في رفاهة ناضرة، وحال تدفق بالغبطة، أرتع في ظل قريب، مجناه، ينبسق إلي فيه الموافقة، وتلاحظني تباشير الأحبة، تجوز معاني الوصف، وينحسر عنه الطرف، حتى إذا اتصلت أسباب سروره بي، نفست الدنيا به علي فسعت بالتشتيت إلى الفتنة، وبالنقص إلى مدته، فكسفت بمحبته كسوفا، وأرهقت نضرتنا الفراق، وقطعتنا فرقا في الآفاق بعد إذ كنا كالأعضاء المؤتلفة، والأغصان الندية المنقطعة، فأصبح ربعنا المألوف، قد محا أعلامه الزمان، وأبلت أسباب العهد به الأيام، فلقلبي وجوب عند ذكرهم، يكاد ينفطر جزعا مما يعاين من فقدهم، ويقاسي من بعدهم، ونظراتي تطرد في الجفون من حرارات الكمد، وأوجاع كلوم لا تندمل، فما لي للمقام في مراتع الأشجان، ومرابض المنايا، وأوعية الرزايا.

١٩٢ - حدثني أبو الحسن الخزاعي، حدثني رجل من ولد شبيب بن شيبة، رحل عن البصرة عشرين سنة، ثم قدمها فأتى مجلسه فلم ير أحدا من جلسائه فقال: يا مجلس القوم الذين بهم تفرقت المنازل، ⦗٩٦⦘

أصبحت بعد عمارة قفرا، يخرقك الشمائل

فلئن رأيتك موحشا فمتى أراك وأنت آهل؟

١٩٣ - حدثني أبو محمد التميمي البصري، قال: قال سفيان بن عيينة: كان ابن شبرمة غاب عن الكوفة، ثم قدمها، وقد كان يخرج مع أصحاب له إلى ظل جبل فيتمتعون بظله، ويتحدثون في فيئه فلما قدمها رأى الظل باقيا، وفقد من كان يؤنسه، فقال متمثلا:

وأجهشت للتوباد حين رأيته ... ونادى بأعلى صوته فدعاني

فقلت له أين الذين عهدتهم ... بجذعك في عيش وحسن زماني

فقال مضوا واستودعوني بلادهم ... ومن الذي يبقى على الحدثان

١٩٤ - أنشدني سعيد بن محمد العامري قوله: لقد نغص الدنيا على حب أهلها ... لها أنها محفوفة بالمصائب

ولو لم تكن فيها المصائب ما ارتضى ... محبتها في حالة ذو تجارب

ألم تره تغذو بنيها بدرها ... وتصرعهم آفاتها بالعجائب

وما الخير فيها حين تسعف أهلها ... ولا الشر إلا كالبروق الكواذب

يزولان عمن كان فيها بنعمة ... وبؤس كما زالت صدور الكواكب

١٩٥ - حدثني محمد بن إسحاق الثقفي، قال: قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره سنته، وسنته عمره، وكيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وتقوده حياته إلى موته؟ ! .

١٩٦ - وحدثني محمد بن إيحاق، قال: قال بعض الحكماء: ⦗٩٧⦘ الأيام سهام، والناس أغراض، والدهر يرميك كل يوم بسهامه، ويستخدمك بلياليه، وأيامه، حتى تستغرق جميع أجزائك، فكم بقاء سلامتك مع وقوع الأيام بك، وسرعة الليالي في بدنك، لو كشف لك عما أحدثت الأيام فيك من النقص، وما هي عليه من هدم ما بقي إلا استوحشت من كل يوم يأتي عليك واستثقلت ممر الساعات بك، ولكن تدبير الله فوق الاعتبار، وبالسلو عن غوائل الدنيا، وجد طعم لذاها، وإنها لأمر من العلقم، إذا عجمها الحكيم، وأقل من كل شيء يسمى القليل، وقد أعيت الواصف لعيوبها بظاهر أفعالها، وما تأتي به من العجائب أكثر مما يحيط به الواعظ، نستوهب الله رشدا إلى الصواب.

١٩٧ - وحدثني محمد بن إسحاق، قال: قيل لبعض الحكماء: صف لنا قدر الدنيا، ومدة البقاء؟ فقال: الدنيا وقتك الذي يرجع إليك فيه طرفك، لأن ما مضى عنك فقد فاتك إدراكه، وما لم يأت فلا علم لك به، الدهر يوم مقبل تنعاه ليلته، وتطويه ساعته، وأحداثه تتصل في الإنسان بالتغيير والنقصان، والدهر موكل بتشتيت الجماعات وانخرام الشمل، وتنقل الدول، والأمل طويل، والعمر قصير، وإلى الله تصير الأمور.

١٩٨ - أنشدني محمود الوراق قوله: المرء دنيا نفسه ... فإذا انقضى فقد انقضت

تفنى له بفنائه ... وتعود فيمن حصلت

ما خير مرضعة بكأ ... س الموت تفطم من غدت

بينما قرب صلاحه ... أفسدت ما أصلحت

١٩٩ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا عبد ⦗٩٨⦘ الله بن المبارك، أخبرني معمر، ويونس، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، أنه أخبره، أن المسور بن مخرمة، أخبره أن عمرو بن عوف وهو حليف بني عامر بن لؤي، وكان شهد بدرا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أخبره: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بعث أبا عبيدة بن الجراح فجاءه بمال من البحرين، فسمعت الأنصار بقدوم أبي عبيدة بن الجراح فوفوا صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وانصرف فتعرضوا له فتبسم رسول لله صلى الله عليه وآله وسلم، حين رآهم ثم قال:

أظنكم سمعتم أن أبا عبيدة قدم بشيء؟ قالوا: أجل يا رسول الله.

قال: فأبشروا وأملوا ما يسركم، فوالله ما الفقر أخشى عليكم، ولكني أخشى عليكم بأن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم؟ .

٢٠٠ - وحدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا ابن لهيعة، حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن أبا الخير حدثهم، أن عقبة بن عامر الجهني، حدثهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء، والأموات، ثم طلع المنبر فقال:

إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي، ولكني أخاف عليكم الدنيا أن تنافسوها.

قال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

٢٠١ - وحدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أخبرنا عبد الله، أنبأنا يونس بن يزيد، عن الزهري، أخبرني إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف: أنه قدم وافدا على معاوية في خلافته، قال: ⦗١٠٠⦘ فدخلت المقصورة فسلمت على مجلس من أهل الشام، وجلست بين أظهرهم فقال لي رجل منهم: من أنت يا فتى؟ قلت: أنا إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال: يرحم الله أباك، أخبرني فلان لرجل قد سماه أنه قال:

والله لألحقن بأصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلأحدثن بهم عهدا ولأكلمنهم، فقدمت المدينة في خلافة عثمان فلقيتهم إلا عبد الرحمن بن عوف، أخبرت أنه بأرض له بالجرف، فركبت إليه حتى جئته فإذا هو واضع رداءه يحول الماء بمسحاة في يده فلما رآني استحيى مني، فألقى المسحاة وأخذ رداءه، فسلمت عليه، وقلت له: قد جئت لأمر، وقد رأيت أعجب منه، هل جاءهم إلا ما جاءنا، وهل علمتم إلا ما قد علمنا، قال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما جاءكم، ولم نعلم إلا ما قد علمتم.

قال: قلت: فما لنا نزهد في الدنيا، وترغبون، ونخف في الجهاد وتتثاقلون، وأنتم سلفنا، وخيارنا وأصحاب نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عبد الرحمن: لم يأتنا إلا ما قد جاءكم، ولم نعلم إلا ما قد علمتم، ولكنا بلينا بالضراء فصبرنا، وبلينا بالسراء فلم نصبر؟ .

٢٠٢ - وحدثني حمزة أنبأنا عبدان أنبأنا عبد الله أنبأنا يونس بن يزيد عن الزهري قال: بلغنا أن عبد الله بن السعدي كان يحدث، وهو رجل من بني عامر بن لؤي، وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال:

بينا أنا نائم أوفيت على جبل، فبينا أنا عليه طلعت لي ثلة من هذه الأمة قد سدت الأفق، حتى إذا دنوا مني دفعت عليهم الشعاب، بكل زهرة من الدنيا فمروا، ولم يلتفت إليها منهم راكب، فلما جاوزوها قلصت الشعاب بما فيها، فلبثت ما شاء الله، ثم طلعت علي ثلة مثلها، حتى إذا بلغوا مبلغ الثلة الأولى دفعت عنهم الشعاب ⦗١٠١⦘ بكل زهرة من الدنيا، فالآخذ، والتارك، وهم على ظهر الشعاب، حتى إذا جاوزوها قلصت الشعاب بما فيها، فلبثت ما شاء الله، ثم طلعت الثالثة حتى بلغوا مبلغ الثلتين دفعت إليهم الشعاب بكل زهرة من الدنيا، فأناخ أول راكب منهم فلم بجاوزه راكب فنزلوا يهتالون من الدنيا، فعهدي بالقوم، وهم يهتالون وقد ذهبت الركاب.

٢٠٣ - حدثني القاسم بن هاشم، أخبرنا عبد العزيز القرشي، أخبرنا علي بن الحزور، عن أبي مريم، قال: سمعت عمار بن ياسر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

ما عبد الله بشيء أفضل من الزهد في الدنيا.

٢٠٤ - أخبرنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا سليمان بن الحكم بن عوانة، أخبرنا عتبة بن حميد، عمن حدثه، عن قبيصة بن جابر، قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

من زهد في الدنيا تهاون بالمصيبات، ومن ارتقب الموت سارع إلى الخيرات.

٢٠٥ - وحدثنا محمد بن إسحاق الثقفي، قال: قال رجل من عبد القيس: أين تذهبون؟ بل أين يراد بكم، وحادي الموت في أثر الأنفاس حثيث ⦗١٠٢⦘ موضع، وعلى اجتياح الأرواح من منزل الفناء إلى دار البقاء مجمع، وفي خراب الأجساد المتفكهة بالنعيم مسرع.

٢٠٦ - حدثني محمد بن الحسين، أخبرنا عمار بن عثمان الحلبي، أخبرنا زياد بن الربيع اليحمدي، حدثني عبد العزيز أبو مرحوم، قال: دخلنا مع الحسن على مريض نعوده، فلما جلس عنده قال: كيف تجدك؟ قال: أجدني أشتهي الطعام، فلا أقدر أن أسيغه، وأشتهي الشراب فلا أقدر على أن أتجرعه.

قال: فبكى الحسن، وقال: على الأسقام والأمراض أسست هذه الدار، فهبك تصح من الأسقام وتبرأ من الأمراض، هل تقدر على أن تنجو من الموت؟ قال: فارتج البيت بالبكاء.

٢٠٧ - وحدثني محمد بن حسين، حدثني أحمد بن سهيل، حدثني ضمرة بن ربيعة، قال: رأيت شيخا بعسقلان، وقد اجتمع عليه الناس وهو يقول: عجبت من الناس أنهم ينظرون إلى الموتى في كل يوم ينقلون، وهم في الدنيا في غلفة يلعبون، ثم غشي عليه.

٢٠٨ - حدثنا الحسن بن محبوب، وغيره قالوا: أخبرنا إسحاق بن سليمان الرازي عن أبي جعفر الرازي، ⦗١٠٣⦘ عن الربيع بن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

كفى بذكر الموت مزهدا من الدنيا، ومرغبا من الآخرة.

٢٠٩ - قال بعض حكماء الشعراء: يا ساكن الدنيا أتعمر مسكنا ... لم يبق فيه مع المنية ساكن

الموت شيء أنت تعلم أنه ... حق وأنت بذكره متهاون

إن المنية لا تؤامن من أنت ... نفسه يوما ولا تستأذن

واعلم بأنك لا أبا لك في الذي ... أصبحت تجمعه لغيرك خازن

٢١٠ - حدثني محمد بن عثمان العجلي، أخبرنا حسين الجعفي، قال: ذكر زائدة عن شيخ من أهل البصرة، عن أمية بن قسيم، عن حذيفة، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: إن الله يحمي عبده الدنيا كما يحمي الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة.

٢١١ - حدثنا إبراهيم بن عبد الملك، حدثني هاشم بن المتوكل الإسكندراني، أخبرنا أبو عباد الزاهد، عن الحسن البصري، قال: ⦗١٠٤⦘ مسكين ابن آدم رضي بدار حلالها حساب، وحرامها عذاب، إن أخذه من حله حوسب بنعيمه، وإن أخذه من حرام عذب به، ابن آدم يستقل ماله، ولا يستقل عمله، يفرح بمصيبته في دينه، ويجزع من مصيبته في دنياه.

٢١٢ - حدثني ابن أبي مريم، عن محمد بن الحسين، عن حكيم بن جعفر، حدثني عبد الله بن أبي نوح، قال: سمعت رجلا من العباد يقول: ما تكاملت المروءة في امرئ قط إلا لذي المعروف، وهانت عليه الدنيا.

٢١٣ - حدثني محمد بن يحيى بن أبي حاتم الأزدي، وغيره عن سعيد بن عامر عن عون بن معمر، قال: كتب الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: سلام عليك أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت، وقد مات.

فأجابه عمر: سلام عليك أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل.

فصول الكتاب · 4 فصل · 191 صفحة
جارٍ التحميل