ذم الدنياصفحات 45-64
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الأول

صفحات 45-64

٧٩ - حدثني هارون بن سفيان، أخبرنا ابن أبي ليلى، عن مسلمة بن ⦗٤٦⦘ جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن الحسن، أنه كان يقول: من أحب الدنيا وسرته ذهب خوف الآخرة من قلبه، وما من عبد يزداد علما ويزداد على الدنيا حرصا إلا ازداد إلى الله عز وجل بغضا وازداد من الله بعدا.

٨٠ - حدثني هارون بن سفيان، أخبرنا الوليد بن صالح، أخبرنا أبو المليح، عن ميمون - يعني ابن مهران -، قال: الدنيا كلها قليل وقد ذهب أكثر القليل وبقي قليل من القليل.

٨١ - أنشدني رجل من بني يشكر: إنما الدنيا وإن سر ... ت قليل من قليل

ليس يحلو أن تبدى ... لك في زي جميل

ثم ترميك من المأ ... من بالخطب الجليل

إنما العيش جوار الل ... هـ في ظل ظليل

حيث لا تسمع ما يؤ ... ذيك من قال وقيل

٨٢ - حدثني حمزة بن العباس، أخبرنا عبدان بن عثمان، أخبرنا ابن المبارك، أخبرنا حنظلة ابن أبي سفيان، عن عطاء، قال: قال ابن مسعود: ما أكثر أشباه الدنيا منها.

٨٣ - حدثني حمزة بن العباس، أخبرنا عبدان بن عثمان، أخبرنا ابن ⦗٤٨⦘ المبارك، أخبرنا ابن لهيعة، أخبرنا شعيب بن أبي سعيد: أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف لي أن أعلم كيف أنا؟ قال: إذا رأيت كلما طلبت شيئا من أمر الآخرة وابتغيته يسر لك، وإذا أردت شيئا من أمر الدنيا وابتغيته عسر عليك فأنت على حال حسنة، وإذا كنت على خلاف ذلك فإنك على حال قبيحة.

٨٤ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني أبو أيوب الدمشقي، قال: قال أنس بن ينعم - وكان من عباد أهل الشام -:

بؤسا لمحب الدنيا، أتحب ما أبغض الله عز وجل؟ ! ! .

٨٥ - حدثنا محمد بن الحسين، أخبرنا محمد بن يزيد بن خنيس، أخبرنا سفيان الثوري: قال عمر بن الخطاب: لا يغرنك أن يجعل لك كثيرا ما تحب من أمر دنياك إذا كنت ذا رغبة في أمر آخرتك.

٨٦ - أنشدني أحمد بن موسى الثقفي: جهول ليس تنهاه النواهي ... ولا تلقاه إلا وهو ساهي

يسر بيومه لعبا ولهوا ... ولا يدري وفي غده الدواهي

مررت بقصره فرأيت فيه ... عجيبا فيه من زجر وناهي

بدا فوق السرير فقلت من ذا ... فقالوا ذلك الملك المباهي

رأيت الباب سود والجواري ... ينحن وهن يكسرن الملاهي

تبين أي دار أنت فيها ... ولا تسكن إليها وآذر ما هي

٨٧ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا جرير، عن ليث، قال: صحب رجل عيسى بن مريم، فقال: أكون معك وأصحبك.

قال: فانطلقا فانتهيا إلى شط نهر فجلسا يتغديان ومعهما ثلاثة أرغفة، فأكلا رغيفين وبقي رغيف فقام ⦗٥٠⦘ عيسى إلى النهر فشرب ثم رجع فلم يجد الرغيف، فقال للرجل: من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري.

قال: فانظلق معه صاحبه فرأى ظبية معها خشفان.

قال: فدعا أحدهما فأتاه فذبحه، فاشتوى منه فأكل هو وذاك، ثم قال للخشف: قم بإذن الله، فقام فذهب، فقال للرجل: أسألك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟ قال: ما أدري.

قال: ثم انتهيا إلى وادي فأخذ عيسى بيد الرجل فمشيا على الماء، فلما جاوزا، قال: أسالك بالذي أراك هذه الآية من أخذ الرغيف؟ قال: لا أدري.

قال: فانتهيا إلى مفازة فجلسا فأخذ عيسى فجمع ترابا أو كثيبا، ثم قال: كن ذهبا بإذن الله، فصار ذهبا، فقسمه ثلاث أثلاث، فقال: ثلث لي، وثلث لك، وثلث لمن أخذ الرغيف، فقال: أنا أخذت الرغيف، قال: فكله لك.

قال: وفارقه عيسى فانتهى إليه رجلان في المفازة ومعه المال، فأراردا أن يأخذا منه ويقتلاه، فقال: هو بيننا أثلاثا.

قال: فابعثوا أحدكم إلى القرية حتى يشتري طعاما.

قال: فبعثوا أحدهم.

قال: فقال الذي بعث: لأي شيء أقاسمهما هذا المال، ولكني أضع في هذا الطعام سما فأقتلهما.

قال: ففعل.

وقال ذانك: لأي شيء نجعل لهذا ثلث المال ولكن: إذا رجع إلينا قتلناه واقتسمناه بيننا.

قال: فلما رجع إليهما قتلاه وأكلا الطعام فماتا.

قال: فبقي ذلك المال في المفازة وأولئك الثلاثة قتلى عنده.

وفي غير حديث إسحاق بن إسماعيل: قال: فمر بهم عيسى على تلك الحال، فقال: هذه الدنيا فاحذروها.

٨٨ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا روح بن عبادة، أخبرنا ⦗٥١⦘ هشام بن حسان، عن الحسن، قال: بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه: إنما مثلي ومثلكم ومثل الدنيا كمثل قوم سلكوا مفازة غبراء حتى إذا لم يدروا ما سلكوا منها أكثر أو ما بقي، أنفذوا الزاد وحسروا الظهر وبقوا بين ظهراني المفازة لا زاد ولا حمولة فأيقنوا بالهلكة.

فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم رجل في حلة يقطر رأسه، فقالوا: إن هذا قريب عهد بريف، وما جاءهم هذا إلا من قريب.

قال: فلما انتهى إليهم قال: يا هؤلاء، قالوا: يا هذا، قال: علام أنتم؟ قالوا: على ما ترى.

قال: أرأيتم إن هديتكم إلى ماء روي ورياض خضر، ما تعملون؟ قالوا: لا نعصيك شيئا، قال: عهودكم ومواثيقكم بالله، قال: فأعطوه عهودهم ومواثيقهم بالله لا يعصونه شيئا.

قال: فأوردهم ماء ورياضا خضرا.

قال: فمكث فيهم ما شاء الله ثم قال: يا هؤلاء، قالوا: يا هذا، قال: الرحيل، قالوا: إلى أين؟ قال: إلى ما ليس كمائكم وإلى رياض ليس كرياضكم.

قال: فقال جل القوم وهم أكثرهم: والله ما وجدنا هذا حتى ظننا أن لن نجده، وما نصنع بعيش خير من هذا.

قال: وقالت طائفة وهم أقلهم: ألم تعطوا هذا الرجل عهودكم ومواثيقكم بالله لا تعصونه شيئا وقد صدقكم في أول حديثه، فوالله ليصدقكم في آخره؟ .

قال: فراح فيمن اتبعه وتخلف بقيتهم، فنزل بهم عدو فأصبحوا ما بين أسير وقتيل.

٨٩ - حدثنا إسحاق بن إسماعيل، أخبرنا روح بن عبادة، عن عوف، عن الحسن قال: يلغني أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ⦗٥٢⦘ إنما مثل الدنيا كمثل الماشي في الماء، هل يستطيع الذي يمشي في الماء أن لا تبتل قدماه.

٩٠ - حدثني علي بن أبي مريم عن شيخ له عن أبيه عن وهب بن منبه قال: قال عيسى: بحق أقول لكم كما ينظر المريض إلى طيب الطعام فلا يلتذ به، من شدة الوجع كذلك صاحب الدنيا لا يلتذ العبادة، ولا يجد حلاوتها مع ما يجد من حب الدنيا، وبحق أقول لكم إن الدابة إذا لم تركب وتمتهن تصعبت وتغير خلقها، كذلك القلوب إذا لم ترقق بذكر الموت وتنصبها دأب العبادة، تقسو، وتغلظ.

بحق أقول لكم إن الزق ما لم بنخرق أو يقحل فسوف يكون وعاء للعسل، وكذلك القلوب ما لم تحرقها الشهوات، أو يدنسها الطمع أو يقسيها النعيم، فسوف تكون أوعية للحكمة.

٩١ - حدثني عبد الرحمن بن أبي صالح، أخبرنا المحاربي، عن سفيان، وقال: بلغنا أن لقمان قال لابنه: يا بني إن الدنيا بحر عميق يغرق فيه ناس كثير، فلتكن سفينتك فيها تقوى الله، وحشوها الإيمان بالله، وشراعها التوكل على الله، لعلك تنجو، وما أراك بناج.

٩٢ - حدثني سريج بن يونس، حدثني من سمع عبيد الله بن مسلم قال: بلغني أن عيسى بن مريم عليه السلام، قال: ⦗٥٣⦘ ويل لصاحب الدنيا كيف يموت ويتركها، ويأمنها وتغره، ويثق بها وتخذله، ويل للمغترين كيف أرتهم ما يكرهون، وفارقهم ما يحبون، وجاءهم ما يوعدون، وويل لمن الدنيا همه، والخطايا عمله، كيف يفتضح غدا بذنبه.

٩٣ - حدثني عون بن إبراهيم، حدثني أحمد بن أبي الحواري، حدثني عبادة أبو مروان، قال: أوحى الله إلى موسى: يا موسى ما لك ولدار الظالمين، إنها ليست لك بدار، أخرج منها همك، وفارقها بعقلك، فبئست الدار هي، إلا لعامل يعمل فيها، فنعمت الدار هي، يا موسى إني مرصد للظالم حتى آخذ منه للمظلوم.

٩٤ - حدثني محمد بن الحسين، حدثني عون بن عمارة، قال: قال أبو محرز الطفاوي: كلف الناس بالدنيا ولن ينالوا منها فوق قسمتهم، وأعرضوا عن الآخرة وببغيتها يرجو العباد نجاة أنفسهم.

قال: قال أبو محرز: لما بان للأكياس أعلى الدارين منزلة طلبوا العلو بالعلو من الأعمال، وعلموا أن الشيء لا يدرك بأكثر منه، فبذلوا أكثر ما عندهم، بذلوا والله المهج رجاء الراحة لديه، والفرج في يوم لا يخيب فيه له طالب.

٩٥ - حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا محمد بن بشر، أخبرنا مسعر، ⦗٥٤⦘ عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، قال: كان مسروق يركب بغلته كل جمعة، ويحملني خلفه فأتى كناسة بالحيرة قديمة فحمل عليها بغلته، ويقول الدنيا تحتنا.

٩٦ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أخبرنا عبد الله بن المبارك، أنبأنا إبراهيم بن نشيط، أخبرنا كعب بن علقمة، قال: قال سعد بن مسعود التجيبي: إذا رأيت العبد دنياه تزداد، وآخرته تنقص مقيما على ذلك راضيا به، فذلك المغبون الذي يلعب بوجهه وهو لا يشعر.

٩٧ - حدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا وهيب، قال: قال عيسى عليه السلام: أربع لا يجتمعن في أحد من الناس إلا تعجب: الصمت وهو أول العبادة، والتواضع لله عز وجل، والزهادة في الدنيا، وقلة الشيء.

٩٨ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا ⦗٥٥⦘ عبد الله، أنبأنا حريث بن السائب، أخبرنا الحسن، قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، على مزبلة في طريق المدينة فقال: من سره أن ينظر إلى الدنيا بحذافيرها فلينظر إلى هذه المزبلة ثم قال: ولو أن الدنيا تعدل عند الله جناح ذبابة ما أعطى كافرا منها شيئا.

وقال بعض الحكماء من الشعراء:

أما مررت بساحات معطلة ... فيها المزابل كانت قبل مغشية

أما نظرت إلى الدنيا وزينتها ... بزخرف من غرور اللهو موشية

أعظم بحمقة نفس لا تكون بما ... تغنى به من صروف الدهر مغنية

لله در أذى عين تقر بها ... وإنها لعلى التنغيص مبينة

قال أبو بكر: أملى علي عبد الرحمن بن صالح هذه الرسالة:

أما بعد: عافانا الله وإياك من شر دار قد أدبرت، والنفوس عليها قد ولهت، ورزقت وإياك خير دار قد أقبلت، والقلوب عنها قد غلفت، وكأن المعمور من هذه الدار قد يرحل عن أهله، وكأن المغفول عنه من تلك الدار قد أباح بأهله فغنم غانم، وندم نادم، واستقبل الخلق خلد لا يزول، وحكم عليهم جبار لا يجور، فهنالك فضع الهموم، وصغر ما دونه من متاع هذا الغرور، والسلام.

٩٩ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش ⦗٥٦⦘ عن عمارة، عن يزيد بن معاوية النخعي، قال: إن الدينا جعلت قليلا فما بقي منها إلا قليل من قليل.

١٠٠ - أنشدني أحمد بن موسى الثقفي: فتى مالت به الدنيا ... وغرته ببارقها

فلاذ بها وعانقها ... وبئست عرس عاشقها

غدا يوما لضيعته ... ليصلح من مرافقها

فلما جاءها والشم ... س تزهر من مشارقها

تلقته جداولها ... تفجر في حدائقها

وأطرف من طرائفها ... جنيا من بواسقها

وجيء بخيرها ثمرا ... وأطيبها لذائقها

وأطمعه مؤلفه ... بباين في مذائقها

فأمعن في ثرايدها ... وأكثر من شرائقها

وجيء بقهوة حرف ... تساق بكف سائقها

بكفي طفلة خود ... تثنى في مخانقها

فحدث نفسه كذبا ... وزورا غير صادقها

ومناها الخلود لها ... غبيا عن بوائقها

فأصبح هالكا فيها ... على أدنى نمارقها

ولاذ بنعشه عصب ... تسير على عوائقها

إلى دار البلى فردا ... وحيدا في مضايقها

إلا إن الأمور غدا ... تصير إلى حدائقها

١٠١ - أنشدني أبي رحمه الله: دع الدنيا لناكحها ... يستقبح من روائحها

ولا يغررك رائحة ... تصيبك من روائحها ⦗٥٧⦘

أرى الدنيا وإن عشقت ... تدل على فضائحها

مصدقة لغائبها ... مكذبة لمادحها

١٠٢ - أنشدني عامر بن عامر الهمذاني: إنما الدنيا إلى الجنة والنار طريق

والليالي متجر الإنسان والأيام سوق

١٠٣ - أنشدني الحسن بن عبد الله: إذا لم يعظني واعظ من جوارحي ... فما شيء سواه بنافعي

أؤمل دنيا أرتجي من رحابها ... غلالة سم مورد الموت ناقع

ومن يأمن الدنيا يكن مثل آخذ ... على الماء خانته فروج الأصابع

وكالحالم المسرور عند منامه ... بلذة أضغاث من أحلام هاجع

فلما تولى الليل ولى سروره ... وعادت عليه عاطفات الفجائع

١٠٤ - أنشدني الحسن بن السكن بن السكن بن سليمان: حياتك بالهم مقرونة ... فما تقطع العيش إلا بهم

لذا ذات دنياك مسمومة ... فما تأكل الشهد إلا بسم

١٠٥ - حدثنا علي بن الجعد الجوهري أنبأنا المبارك بن فضالة عن الحسن قال: خطب عتبة بن غزوان الناس بالبصرة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إن هذه الدنيا قد آذنت بصرم، وولت حذاء، ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء، وإنكم مفارقوها لا محالة فانتقلوا منها بخير ما بحضرتكم، ⦗٥٨⦘ والذي نفسي بيده ما كانت قبلك نبوة إلا تناسخت حتى يكون آخرها ملكا وستبلون الأمراء بعدنا.

الحسن قال لنا بعد عبرة: وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما، وفي أنفس الناس صغيرا، فقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، فرأينا من شهر ما لنا طعام إلا ما نصيب من ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا من أكل الشجر، ولقد رأيتني ألتقط بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك فما علمت من السبعة حتى اليوم إلا قد أصبح أميرا على مصر، أعجبتم، فما بعدكم أعجب، والذي نفسي بيده لو أن حجرا قذف في شفير جهنم ما بلغ قعرها سبعين سنة ، والذي نفسي بيده لتملأن والذي نفسي بيده إن ما بين مصراعي الجنة مسيرة أربعين سنة، والذي نفسي بيده ليأتين عليها ساعة وهو كظيظ.

١٠٦ - حدثنا عثمان بن معبد، أخبرنا عبد الله بن صالح، حدثني الليث بن سعد، حدثني يزيد بن أبي حبيب: أن علي بن رباح، أخبره أنه سمع عمرو بن العاص، يقول على المنبر: والله ما رأيت قوما قط أرغب فيما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يزهد فيه منكم، ⦗٥٩⦘ يرغبون في الدنيا، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يزهد فيها، والله ما مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ثلاث من الدهر إلا والذي عليه أكثر من الذي له.

١٠٧ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا عبد الله بن المبارك، أخبرني يحيى بن أيوب، حدثني عبد الله بن جنادة المعافري: أن أبا عبد الرحمن الحبلي، حدثه عن عبد الله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال: الدنيا سجن المؤمن، وسنته، فإذا فارق الدنيا فارق السجن والسنة.

١٠٨ - وحدثنا حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا شريك بن عبد الله، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، عن عبد الله بن عمور، قال: ⦗٦٠⦘ الدنيا جنة الكافر، وسجن المؤمن، وإنما مثل المؤمن حين تخرج نفسه كمثل رجل كان في سجن فأخرج، فجعل يتقلب في الأرض، ويتفسح فيها.

١٠٩ - وحدثني حمزة بن العباس، أنبانا عبدان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني أبو عبد ربه، قال: سمعت معاوية، يقول على هذا المنبر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: إنما بقي من الدنيا بلاء وفتنة، وإنما مثل عمل أحدكم كمثل الوعاء إذا طاب أعلاه طاب أسفله، وإذا خبث أعلاه خبث أسفله.

١١٠ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا المبارك بن فضالة، عن الحسن: أنه كان إذا تلى هذه الآية:

﴿فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور﴾ [لقمان: ٣٣] . ⦗٦١⦘

قال: من قال ذا؟ من خلقها؟ ومن هو أعلم بها.

قال: وقال الحسن: إياكم وما شغل من الدنيا، فإن الدنيا كثيرة الأشغال، لا يفتح رجل على نفسه باب شغل، إلا أوشك ذلك الباب أن يفتح عليه عشرة أبواب.

١١١ - وحدثني حمزة، أنبأنا عبدان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا طلحة بن صبيح، عن الحسن قال: المؤمن من يعلم أن ما قال الله عز وجل كما قال، والمؤمن أحسن الناس عملا، وأشد الناس خوفا، لو أنفق جبلا من مال ما أمن دون أن يعاين لا يزداد صلاحا، وبرا وعبادة، إلا ازداد فرقا، يقول: لا أنجو، والمنافق يقول: سواد الناس كثير، وسيغفر لي، ولا بأس علي، يسيء في العمل، ويتمنى على الله عز وجل.

١١٢ - حدثني أبو سعيد المديني عبد الله بن المسيب، حدثني محمد بن عمر بن سعيد العطار، حدثني زكريا بن منظور، عن عمه، عن عمر بن عبد العزيز، كتب إلى أخ له: يا أخي إنك قد قطعت عظيم السفر، وبقي أقله فاذكر يا أخي المصادر والموارد، فقد أوحي إلى نبيك محمد صلى الله عليه وآله وسلم، في القرآن أنك من أهل الورود، ولم يخبرك أنك من أهل الصدر والخروج، وإياك أن تغرك الدنيا، فإن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، أي أخي إن أجلك قد دنا، فكن وصي نفسك، ولا تجعل الرجال أوصياءك.

١١٣ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثنا عمرو بن هاشم الجنبي، عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: إن الله عز وجل ناجى موسى فقال: يا موسى إنه لم يتصنع لي المتصنعون بمثل الزهد في الدنيا، ولم يتقرب لي المتقربون بمثل الورع عما حرمت عليهم.

١١٤ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، أنبأنا عبد الرحمن المحاربي، عن مالك بن مغول، قال: أخبرت عن الحسن قال: قالوا: يا رسول الله، من خيرنا؟ قال: وأزهدكم في الدنيا وأرغبكم في الآخرة.

١١٥ - حدثني علي بن أبي مريم، عن زهير بن عباد، أخبرنا داود بن هلال النصيبي، قال: مكتوب في في صحف إبراهيم عليه السلام: يا دنيا ما أهونك على الأبرار الذين تصنعت لهم، وتزينت لهم، إني قد قذفت في قلوبهم بغضك، والصدود عنك، ما خلقت خلقا أهون علي منك، كل شأنك صغير، وإلى الفناء تصيرين، قضيت عليك يوم خلقت الخلائق أن لا تدومي لأحد، ولا يدوم لك أحد، وإن بخل بك صاحبك، وشح عليك، طوبى للأبرار الذين أطلعوني من قلوبهم على الرضا، وأطلعوني من ضميرهم على الصدق، والاستقامة، طوبى لهم، ما لهم عندي من الجزاء إذا وفدوا إلي من قبورهم، النور يسعى أمامهم، والملائكة حافون بهم حتى أبلغ بهم ما يرجون من رحمتي.

١١٦ - وحدثني ابن أبي مريم، حدثني زكريا بن يحيى، حدثني أبو العباس الكندي، قال: أهديت إلى صديق لي سكرا، فكتب إلي: لا تعد ودع الإخاء على حاله حتى نلتقي، وليس في القلوب شيء ثم كتب في أسفل كتابه: ما طالب الدنيا من حلالها وجميلها وحسنها عند الله بالمحمود، ولا بالمغبوط، فكيف يطلبها من أيدي المخلوقين من قذرها ونكدها، بالعسار والمنقصة.

١١٧ - حدثني سليمان بن أبي شيخ، أخبرنا أبو سفيان الحميري أحسبه، عن حصين: لما بعث الله موسى وهارون عليهما السلام إلى فرعون، قال: ⦗٦٤⦘ لا يرعكما لباسه الذي لبس من الدنيا فإن ناصيته بيدي، ليس ينطق ولا يطرق ولا يتنفس إلا بإذني، ولا يعجبكما ما متع به منها، فإنما هي زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين ولو شئت أن أزينكما بزينة من الدنيا ليعرف فرعون حين يراها أن مقدرته تعجز عما أوتيتما لفعلت، ولكنني أرغب بكما عن ذلك، وأزوي ذلك عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، إني لأذودهم عن نعيمها كما يذود الراعي الشفيق غنمه عن مراتع الهلكة، وإني لأجنبهم سلوتها كما يجنب الراعي الشفيق إبله، عن مبارك العرة، وما ذاك لهوانهم علي، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي سالما موفرا، لم يكلمه الطمع، ولم تنقصه الدنيا بغرورها، إنما يتزين لي أوليائي بالذل والخشوع، والخوف والتقوى، تثبت في قلوبهم، فتظهر على أجسادهم، فهي ثيابهم التي يلبسون، ودثارهم الذي يظهرون، وضميرهم الذي يستشعرون، ونجاتهم التي بها يفوزون، ورجاؤهم الذي إياه يأملوان، ومجدهم الذي به يفخرون، وسيماهم التي بها يعرفون، فإذا لقيتهم فاخفض لهم جناحك، وذلل لهم قلبك، ولسانك، واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بازرني بالمحاربة، ثم أنا الثائر له يوم القيامة.

١١٨ - حدثنا الحكم بن موسى، أخبرنا الخليل بن أبي الخليل، عن صالح بن أبي شعيب، قال: أوحى الله عز وجل إلى عيسى بن مريم:

أنزلني من نفسك كهمك، واجعلني ذخرا لك في معادك، وتقرب إلي بالنوافل أدنك، وتوكل علي أكفك، ولا تول غيري فأخذلك، اصبر على البلاء، وارض بالقضاء، وكن كمسرتي فيك، فإن مسرتي أن أطاع فلا أعصى، وكن مني قريبا، وأحيي ذكري بلسانك، وليكن ودي في قلبك، تيقظ لي في ساعات الغفلة، وكن لي راهبا راغبا إلي أمت قلبك بالخشية، راع الليل لتجزى مسرتي، وأظمئ لي نهارك ليومك الذي عندي، نافس في الخيرات جهدك، وكن في الخليقة بعدلي، واحكم فيها بنصيحتي، فقد أنزلت عليك شفاء وساوس الصدر من مرض ⦗٦٥⦘ الشيطان، وجلاء الأبصار، وعشاء الكلال، ولا تكن حلسا، كأنك مقبور، وأنت حي تتنفس، بحق أقول لك ما آمنت بي الخليقة إلا خشعت لي، ولا أخشعت لي إلا رجت ثوابي، أشهدك أنها آمنة من عقابي ما لم تغير أو تبدل سنتي، أكحل عينك بملول الحزن، إذا ضحك البطالون، احذر ما هو آت من أمر الميعاد من الزلازل، والأهوال، والشدائد، حيث لا ينفع مال، ولا أهل، ولا ولد، ابك على نفسك أيام الحياة، بكاء من قد ودع الأهل، وقلى الدنيا، واترك اللذات لأهلها، وارفع رغبتك عند إلهك، وكن على ذلك محتسبا صابرا، طوبى لك إن نالك ما وعدت الصابرين، ترج من الدنيا يوما بيوم، وارض منها بالبلغة وليكفك منها الخشن، ذق مذاقة ما قد ذهب منك أين طعمه، وما لم يأتك أين لذاته، لو رأت عيناك ما أعددت لأوليائي الصالحين لذاب قلبك وزهقت نفسك اشتياقا إليه.

فصول الكتاب · 4 فصل · 191 صفحة
جارٍ التحميل