٢٥٤ - حدثني محمد بن علي بن شفيق، أخبرنا إبراهيم بن الأشعث، قال: قال سفيان بن عيينة: من أخذ شيئا من الدنيا لمعصية الله، فقد أخذ ثمنا قليلا.
٢٥٥ - حدثني أبو بكر بن أحمد بن قريش، قال: قال فضيل بن عياض: خطب الناس هارون فاستند إلى البيت فقال:
أيها الناس، إن الدينا غرارة، أهلكت من كان قبلكم من الأمم السالفة، ألا وهي مهلكة من بقي، ألا فلا تغرنكم الدنيا.
قال: أبكاني قوله، وأعجبت من فعله.
٢٥٦ - أنشدتي أبو الحسن الباهلي: إحذر الموت فإن الموت يغتال النفوسا ... وارفض الدنيا وقابل وجهها وجها عبوسا.
٢٥٧ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن رجل من قريش قال: كتب بعض الحكماء إلى أخ له:
أما بعد: فإن الدنيا حلم، والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث، والسلام.
٢٥٨ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا ابن لهيعة، عن عمارة بن غزية، عن عبد الله بن عروة بن الزبير، قال: أشكو إلى الله عيبي ما لا أترك، ونعتي ما لا آتي، وإنما ينكي بالدين الدنيا.
٢٥٩ - أنشدنا أبو سعيد المديني لعبد الله بن عروة: يبكون بالدين للدنيا وبهجتها ... أرباب دنيا عليها كلها صادي
لا ينظرون لشيء من معادهم ... تعجلوا حظهم في العاجل البادي
لا يهتدي ولا يهدون تابعهم ... ضل المقود وضل القائد الهادي
٢٦٠ - حدثني حمزة بن العباس، أنبأنا عبدان بن عثمان، أنبأنا عبد الله، أنبأنا ابن لهيعة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير قال: ⦗١٢١⦘ الغرور بالله أن يصر العبد في معصية الله، ويتمنى على الله في ذلك المغفرة، والغرة في الحياة الدنيا أن يغترها وتشغله عن الآخرة، فيمهد لها ويعمل لها، كقول العبد إذا أفضى إلى الآخرة: يا ليتني قدمت لحياتي، وأما متاع الغرور فهو ما يلهيك عن طلب الآخرة فهو متاع الغرور، وما لم يلهك فليس بمتاع الغرور، ولكنه متاع وبلاغ إلى ما هو خير منه.
٢٦١ - حدثني إبراهيم بن يعقوب، قال: قال بشر بن الحارث: من سأل الله الدنيا فإنما يسأله طول الوقوف.
٢٦٢ - حدثني سلمة بن شبيب، أخبرنا سهل بن عاصم، عن عثمان بن زفر التيمي، عن أبي الصهباء التيمي، قال: قال إبراهيم التيمي: الدنيا مشغلة، اللهم لا تشغلني بها، ولا تعطني منها شيئا.
٢٦٣ - وحدثني سلمة بن شبيب، عن داود بن مهران، أخبرنا شهاب بن خراش، ⦗١٢٢⦘ عن محمد بن مطرف، قال: قال أبو حازم ما في الدنيا شيء يسرك إلا وقد التزق به شيء يسوءك.
٢٦٤ - وحدثني سلمة بن شبيب، أنه حدث عن عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن النضر الحارثي، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا.
٢٦٥ - وحدثني سلمة بن شبيب، أخبرنا سهل بن عاصم، عن سلم بن ميمون، أخبرنا أبو طيبة الجرجاني، قال: قلت لكرز بن وبرة: من ذا الذي يبغضه البر والفاجر؟ قال: العبد يكون من أهل الآخرة، ثم يرجع إلى الدنيا.
٢٦٦ - وحدثني سلمة بن شبيب، أنه حدث عن عبد الله بن وهب، عن ⦗١٢٣⦘ بكر بن مضر، عن عمارة بن غزية، قال: سمعت رجلا سأل ربيعة فقال:
يا أبا عثمان، ما رأس الزهادة؟ قال: جمع الأشياء بحقها، ووضعها في حقها.
٢٦٧ - وحدثني سلمة، عن سهل بن عاصم، قال: قال داود الطائي:
من علامة المريدين للزهد في الدنيا، ترك كل خليط لا يريد ما يريدون.
٢٦٨ - حدثني حاتم بن يحيى، قال: كتب إلينا عبد الله خبيق، قال: حذيفة يعني المرعشي كتب إلي يوسف بن أسباط:
أما بعد، فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل بما علمك الله، والمراقبة حيث لا يراك أحد إلا الله، والاستعداد لما ليس لأحد فيه حيلة، ولا ينتفع بالندم عند نزوله، فاحسر عن رأسك قناع الغافلين، وانتبه من رقدة الموتى، وشمر للسباق غدا، فإن الدنيا ميدان المتسابقين، ولا تغتر بمن قد أظهر النسك، وتشاغل بالوصف، وترك العمل بالموصوف، واعلم ياأخي أن لا بد لي ولك من المقام بين يدي الله، يسألنا عن الدقيق الخفي، وعن الجليل الجافي، ولست آمن أن يسألني وإياك عن وساوس الصدور، ولحظات العيون، وإصغاء الأسماع، وما عسى يعجز مثلي عن صفة مثله، واعلم يا أخي أنه مما وصف به منافقو هذه الأمة: أنهم خالطوا أهل الدين بأبدانهم، وطابقوهم عليها بأهوائهم، وخضعوا لما طمعوا من نائلها، فسكتوا عما سمعوا من باطلها، وفرحوا بما رأوا من زينتها، وداهن بعضهم بعضا في القول والفعل، وتركوا باطن العمل بالتصحيح، فحرمهم الله بذلك الثمن الربيح، واعلم يا أخي أنه لا يجزي من العمل القول، ومن البذل العدة، ولا من التوقي ⦗١٢٤⦘ التلاؤم، فقد صرنا في زمان هذه صفة أهلها، فمن كان كذلك فقد تعرض للمهالك، وصد عن سواء السبيل، وفقنا الله وإياك لما يحب، والسلام.
٢٦٩ - حدثني الوليد بن شجاع السكوني، حدثني ضمرة بن ربيعة، عن ابن شوذب، قال: قيل لكثير بن زياد أوصنا، قال:
بيعوا دنياكم بآخرتكم تربحونها والله جميعا، ولا تبيعوا آخرتكم بدنياكم فتخسرونهما والله جميعا.
٢٧٠ - حدثني أبو عبد الله أحمد بن بكير، قال: قال محمد بن علي: كان لي أخ كان في عيني عظيما، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه.
٢٧١ - حدثني محمد بن العباس، أخبرنا عبيد الله بن عمر، أخبرنا حماد بن زيد، أخبرنا يزيد بن حازم، قال: كان سليمان بن عبد الملك يخطبنا كل جمعة، ويقول في خطبته: ⦗١٢٥⦘
ألا إن أهل الدنيا فيها على وجل، لم تمض بهم نية، ولم تطمئن بهم دار حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك، وكذلك لا يدوم نعيمها، ولا يؤمن فجائفها، يبقى شرار أهلها ثم يقرأ: ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين* ثم جاءهم ما كانوا يوعدون * ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون﴾ [الشعراء: ٢٠٥، ٢٠٧] .
٢٧٢ - حدثني محمد بن العباس، عن صالح بن عبد الله، قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله عدي بن أرطأة:
أما بعد: فإن الدنيا عدوة أولياء الله، وعدوة أعداء الله، أما أولياء الله فختمهم، وأما أعداء الله فغمتهم.
٢٧٣ - حدثني محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن عمر بن الكميت الكلاعي، أخبرنا أبو إسحاق المقري، قال: كان ابن الحنفية يقول:
إني واصف لك أخا لي كان أعظم الناس في عيني، وكان الذي عظمه في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه فلا يضع فيها ما لا يجد، ولا يكثر إذا وجد وكان خارجا من سلطان الجهالة فلا يقدم على الأمر إلا بنية.
٢٧٤ - حدثني محمد بن العباس، أخبرنا محمد بن عمر بن الكميت، قال: سمعت داود بن يحيى بن يمان، عن أبيه، قال: مر موسى برجل قد مات تحت رأسه لبنة، ورأسه ولحيته في التراب فقال:
رب عبدك هذا ضاع، فقال: يا موسى، إني إذا أقبلت على عبد بوجهي زويت عنه الدنيا بحذافيرها.
٢٧٥ - حدثني عمر بن عبد الله، أنه حدث عن مخلد بن حسين، عن هشام، عن الحسن، قال: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: أنه لم يشبع مما جمع، ولم يدرك ما أمل، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه.
٢٧٦ - حدثني صاحب لنا قال: قيل لبعض العباد: قد نلت الغناء؟ قال: إنما نال الغناء من أعتق من رق الدنيا
٢٧٧ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن علي بن محمد القرشي عن مسلمة بن محارب قال: قال عامر بن عبد قيس:
الدنيا والدة الموت، وناقضة للمبرم، ومن تجعله للعطية، وكل من فيها يجري على ما لا يريد، وكل مستقر فيها غير راض بها، وذلك شهيد على أنها ليست بدار قرار.
٢٧٨ - وحدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: كان ابن السماك يقول: من أذاقته الدنيا حلاوتها لميله إليها جرعته الآخرة مرارتها بتجافيه عنها.
٢٧٩ - أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: دنيا يا دنيا يا غادرة ... إليك عني اليوم يا ساحرة
لا لذة أحسن من لذة ... منبوذة من ذي يد قادرة
يا عيني كم عانيت من عبرة ... فاعتبري إن كنت لي ناظرة
ما لذة إلا وقد نلتها ... لم يبق إلا لذة الآخرة
طوبى لمن كانت له عزمة ... مخلصة باطنة ظاهرة
يا نفس للمكروه غب غد ... مر فهل أنت له صابرة
ما لذة الدنيا وعين ترى ... فيها إلى ما لذتي صائرة
٢٨٠ - حدثني العباس بن هشام بن محمد، عن أبيه قال: قال روح بن حاتم: بينما أنا واقف على باب بعض ولاة البصرة إذ أقبل خالد بن صفوان يسير على بغلة له فقال لي:
يا ابن أخي ماهجرت ولا أظهرت على باب أحد من الولاة إلا وأنا أراك عليه، أكل هذا حبا في الدنيا وحرصا عليها؟ قال: فأجللت أن أجيبه، ثم قلت: إنما هذا مثل العمر، ولعله أراد الجواب مني فقلت: يا عم بحسبك برؤيتك إياي عليها طلبا منك لها، فضحك ثم قال: لئن قلت ذاك يا ابن أخي لقد ذهب رونق الوجه، ودماء القلب، وحسام الصلب، وسنا البصر، ومد الصوت، وماء الشباب، واقترب عهد العلل، والله ما أتت علينا ساعة من أعمارنا إلا ونحن نؤثر الدنيا على ما سواها، ثم ما تزداد لنا إلا تخليا، وعنا إلا توليا، ثم ضرب بغلته فذهب.
٢٨١ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، حدثني صالح بن مالك، قال: كتبت أم إبراهيم الصائغ إلى إبراهيم، وقد كان يومئذ مجاورا بمكة، تسأله القدوم عليها، فكتب إليها بكتاب فيه:
إن مرو التي تعجبك ملاقاتي تعجبك ملاقاتي إياك فيها، ليست بدار دوام، ولكن مرو منزل أسفار، وإنما سبيل المقام فيها بين الأمهات والأولاد يسير حتى تصيروا منها إلى دارين: إحداهما فرقة لا تواصل فيها، والأخرى صلة لا فرقة فيها، فإن كنت في شك من ذلك فأين الملوك الذين نزلوها، وأين الجموع الذين كانوا فيها، وأين الأمم الذين تشاحت عليها، وأين البناءون الذين ضربوا في تحصينها، إن تدعوهم لا يسمعون، بدلوا بالحياة موتا، كأن لم يعمروها ولم يسكنوها، فهل ينفع مع هذا الهم حبيب حبيبا وخليل خليلا، إنه ليس أحد لأحد إلا ما كان له في الآخرة، فأما أهل الدنيا فمتحولون منها عن قريب.
والسلام.
٢٨٢ - حدثنا الحسين بن عبد الرحمن أخبرنا محمد بن عمر المزني عن عمار بن سعيد قال: مر المسيح عليه السلام بقرية فإذا أهلها موتى في الأفنية والطرق فقال للحواريين:
يا معشر الحواريين إن هؤلاء ماتوا عن سخط، ولو ماتوا من غير ذلك لتدافنوا، قالوا: يا روح الله وددنا أنا علمنا خبرهم؟ فسأل ربه، فأوحى الله إليه: إذا كان الليل فنادهم يجيبوك، فلما كان الليل أشرف على نشر ثم نادى يا أهل القرية، فأجابه مجيب لبيك يا روح الله، فقال: ما حالكم، وما قصتكم، قالوا: بتنا في عافية، وأصبحنا في الهاوية.
قال: وكيف ذلك؟ قال: بحبنا الدنيا وطاعتنا أهل المعاصي.
قال: وكيف كان حبكم للدنيا؟ قال: حب الصبي لأمه إذا أقبلت فرحنا، وإذا أدبرت حزنا وبكينا عليها.
قال: فما بال أصحابك لم يجيبوني؟ قال: لأنهم ملجمون بلجم من نار بأيدي ملائكة غلاظ شداد.
قال: فكيف أجبتني أنت من بينهم؟ قال: لأني كنت فيهم، ولم أكن منهم، فلما نزل بهم العذاب أصابني معهم، فأنا معلق على شفير جهنم لا أدري أنجو منها، أم أكبكب فيها؟ ! فقال ⦗١٢٩⦘ المسيح للحواريين: لأكل خبز الشعير، بالملح الجريش، ولبس المسوح، والنوم على المزابل كثير مع عافية الدنيا.
٢٨٣ - أنشدني صاحب لنا: منع الهوى من كاعب ومدام ... نور المشيب وواعظ الإسلام
ولقد أراني والحوادث جمة ... لا تستفيق جهالتي وغرامي
فاليوم أقصر باطلي وأرحت من ... سعي الوشاة وألسن الوام
وعرفت أني لا محالة شارب ... عجلت أو أخرت كأس حمامي
أين الملوك الناعمون وأين من ... مثل الرجال له على الإقدام
أين الألى اقتادوا الجياد على الوجا ... لحق البطون كأنهم دوام
منشورة خرق الدرفس تظلهم ... في كل مشتجر الوسج لهام
وتميل في يوم اللقاء عليهم ... كأس المدام مناصف الخدام
فأديلت الأيام من شرواتهم ... من ذا يقوم لدولة الأيام
دول تولج في الوكور سهامها ... وعلى أين ما اللجة للعوام
٢٨٤ - بلغني عن أبي سليمان الداراني، قال: لا يصبر عن شهوات الدنيت إلا من كان في قلبه ما يشغله من الآخرة.
٢٨٥ - وبلغني عن بعض الحكماء، قال: من زهد في الدنيا ملكها، ومن رغب في الدنيا حرمها.
٢٨٦ - حدثني سلمة بن شبيب، عن عبد الوهاب بن نجدة، عن بقية بن الوليد، عن ضبارة بن عبد الله الألهاني، عن دويد بن نافع قال: قال عيسى بن مريم: ⦗١٣٠⦘
تعملون لدنيا صغيرة، وتتركون الآخرة الكبيرة، وعلى كلكم يمر الموت.
٢٨٧ - وحدثني سلمة بن شبيب، أخبرنا سهل بن عاصم، قال: سمعت فرج بن سعيد، قال: سمعت يوسف بن أسباط قال: قال لي زرعة: من كان صغير الدنيا أعظم في عينه من كبير الآخرة، وكيف يرجو أن نصنع له في دنياه وآخرته.
٢٨٨ - حدثني محمد بن عثمان بن علي العجلي، أخبرنا حسين الجعفي، عن زائدة، عن هشام، عن الحسن، قال: خرج عمر في يوم حار، واضعا رداءه على رأسه، قال: فمر به غلام على حمار فقال:
يا غلام احملني معك.
قال: فوثب الغلام عن الحمار، فقال: اركب يا أمير المؤمنين.
فقال: لا أركب، وأركب خلفك، تريد أن تحملني على المكان الخشن، وتركب على المكان الوطئ، ولكن اركب أنت وأكون أنا خلفك.
قال: فدخل المدينة وهو خلفه، والناس ينظرون إليه.
٢٨٩ - حدثني محمد بن علي بن الحسن، أخبرنا إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت الفضيل بن عياض يذكر: عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم، قال:
الزهد في الدنيا يريح القلب والبدن، والرغبة في الدنيا تكثر الهم والحزن.
٢٩٠ - وحدثنا محمد بن علي، أخبرنا إبراهيم، قال: سمعت يعني الفضيل بن عياض، يقول: جعل الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا، وجعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد في الدنيا.
٢٩١ - حدثنا محمد بن علي، أخبرنا إبراهيم بن الأشعث، قال: سألت فضيل بن عياض ما الزهد في الدنيا؟ قال:
القنوع هو الزهد وهو الغنى.
٢٩٢ - وحدثنا محمد بن علي، أخبرنا إبراهيم بن الأشعث، قال: سمعت الفضيل، يقول: حدثني رجل، قال: سمعت عون بن عبد الله، يقول:
إن الدنيا والآخرة في قلب ابن آدم ككفتي الميزان، بقدر ما ترجح إحداهما تخف الأخرى.
٢٩٣ - وحدثنا محمد بن علي، أخبرنا إبراهيم، قال: سمعت الفضيل، يقول: كتب الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: ⦗١٣٢⦘
أما بعد، يا أمير المؤمين، فاعلم أن الدنيا ليست بدار إقامة، وإنما أهبط آدم إليها عقوبة، فبحسب من لا يدري ثواب الله أنه ثواب، وبحسب من لا يدري عقاب الله أنه عقاب، ليست صرعتها كالصرعة تهين من أكرمها، وتذل من أعزها، وتفقر من جمعها، ولها في كل حين قتيل، فالزاد منها تركها، والغنى فيها فقرها، هي والله يا أمير المؤمنين كالسم يأكله من لا يعرفه ليشفيه، وهو حتفه، فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه، يحتمي قليلا مخافة ما يكره طويلا، ويصبر على شدة الدواء مخافة البلاء، فأهل البصائر الفضائل فيها يا أمير المؤمنين، مشيهم بالتواضع، وملبسهم بالاقتصاد، ومنطقهم بالصواب، ومطعمهم الطيب من الرزق، قد نفذت أبصارهم في الأجل، كما نفذت أبصارهم في العاجل، فخوفهم في البر كخوفهم في البحر، ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضراء، ولولا الأجل الذي كتب عليهم لم تقر أرواحهم في أبدانهم إلا قليلا، خوفا من العقاب، وشوقا إلى الثواب، عظم الخالق في أعينهم، وصغر المخلوق عندهم، فارض منها بالكفاف وليكفك ما بلغك المحل.