ذم الدنياصفحات 185-191
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الجزء الثالث

صفحات 185-191

٤٦٧ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا عبدة بن سليمان، عن ابن المبارك، عن جعفر بن سليمان، قال: هم الدنيا ظلمة في القلب، وهم الآخرة نور في القلب.

٤٦٨ - حدثني أحمد بن أبي نصر، قال بعض الحكماء: للدنيا أمثال تضربها، الأيام للأنام، وعلم الزمان لا يحتاج إلى ترجمان، ويحب الدنيا من صمت أسماع القلوب عن المواعظ، وما أحث السباق لو شعر الخلائق.

٤٦٩ - أنشدني أحمد بن أبي نصر: يلتمس العز بها أهلها ... والله قد عرفهم ذلها

يا عاقد العقدة يرجو بها ... العيش كأن الموت قد حلها

كم تعمر الدنيا ورب السماء ... يريد أن يخربها كلها!!

٤٧٠ - حدثني رجل من بني تميم، قال: قال بعض الحكماء: الدنيا تبغض إلينا نفسها، ونحن نحبها! ! فكيف لو تحببت إلينا.

٤٧١ - حدثني أبو عبد الله الإمام، قال: سمعت ابن أبي الحواري، قال: سمعت أبا سليمان، يقول:

لو أن رجلا دخل عل ملك من ملوك الدنيا، فقال: سلني.

فقال: أسألك ⦗١٨٦⦘ جزرة بقل، أكان حازما؟!! فوالله للدنيا أهون على الله عز وجل من جزرة البقل على الملك.

٤٧٢ - أخبرني ربيعة الحنفي عن شيخ من أهل البصرة قال: قال وهب بن منبه: رأينا ورقة تهفو بها الريح، فأخذناها فإذا فيها مكتوب:

بسم الله الرحمن الرحيم:

دار لا يسلم منها من فيها، ما أخذ أهلها منها لها خرجوا منه، ثم حوسبوا به، وما أخذ أهلها منها لغيرها خرجوا منه، ثم أقاموا به، وكأن قوما من أهل الدنيا ليسوا من أهلها كانوا فيها كمن ليس فيها، عملوا فيها بما يبصرون، وبادروا فيها ما يحذرون، تنقلب أجسادهم بين ظهراني أهل الدنيا، وتنقلب قلوبهم بين ظهراني أهل الآخرة، يرون أهل الدنيا يعظمون، وهم أشد تعظيما لموت قلوبهم.

قال: فسألت عن هذا الكلام فلم أجد أحدا يعرفه!!

٤٧٣ - حدثني محمد بن جعفر بن مهران البصري، عن رجل، عن أبيه: أن غلاما لعبد الملك بن مروان كتب إليه: إن صخرة قبلنا يقال إن تحتها كنزا يحتاج إلى نفقة، فكتب إليه عبد الملك: أن واصل بين النفقة حتى تستخرج هذا الكنز، فعولجت حتى قلبت فلم أجد تحتها كنزا ووجد عليها كتابا فيه:

ومن يحمد الدنيا بعيش يسره ... فسوف لعمري عن قليل يلومها

إذا أقبلت كانت المر حسرة ... وإن أدبرت كانت كثيرا غمومها

٤٧٤ - قال أبو بكر: قيل لبعض الحكماء: ما الدنيا؟ قال: تريدون المذمومة على ألسن الأنبياء الحكماء؟ قالوا: نعم.

قال: المعصية.

قيل: فأي الزهاد أفضل؟ قال: أقلهم حظا من الدنيا.

قيل: متى يصفو توكل الزاهد؟ قال: إذا لم يلزمه منه مخلوق.

٤٧٥ - قال أبو بكر: وقال بعض الحكماء:

ما فرحت يا ابن آدم بما يفنى إلا بعد نسيانك ما يبقى، ولا ركنت إلى زينة ⦗١٨٧⦘ الدنيا إلا بتركك نصيبك من جنة المأوى، ولا متعت نفسك بمواعيد المنى إلا بعد ما عانقت هذه الدنيا، ولا تتوقت في تسمين بدنك حتى نسيت دراجك في كفنك.

٤٧٦ - قال أبو بكر: قيل لبعض الحكماء: من أعرف الناس بعيوب الدنيا؟

قال: أكثرهم للموت ذكرا.

قيل: فلم نكره الموت؟ قال: لإيثاركم الدنيا.

قيل: متى يحكم على العبد بالغفلة؟ قال: إذا ركن إلى الدنيا.

قيل: متى يذهب منا الحكمة والعلم؟ قال: إذا طلب بهما الدنيا.

قيل: ما الذي يمنع من طلب الآخرة؟ قال: حب الدنيا.

قيل: ما علامة ترك الدنيا؟ قال: طلب الآخرة.

قيل: الدنيا لمن هي؟ قال: لمن تركها.

قيل: الآخرة لمن هي؟ قال: لمن طلبها.

٤٧٧ - قال أبو بكر: قال بعض الحكماء:

الدنيا دار خراب، وأخرب منها قلب من يعمرها، والجنة دار عمران، وأعمر منها قلب من يطلبها.

٤٧٨ - حدثني الحارث بن محمد العمي، عن أبي الحسن القرشي، قال: قال رجل من الأنصار: صغر فلان في عيني لعظم الدنيا في عينه، كان يرد السائل ويبخل بالنائل.

٤٧٩ - حدثني الحارث بن محمد، عن أبي الحسن القرشي، قال: قال أبو حازم:

من عرف الدنيا لم يفرح فيها برخاء، ولم يحزن على بلوى.

أنشدني أبو عبد الله الكناني:

فتى قالت له الدنيا نل فلم ينل ... قذى العين منها عفة وتكرما ⦗١٨٨⦘

رجل جعل القرآن موقع طرفه ... فنفذ منها ما أحل وحرما

٤٨٠ - حدثني القاسم بن هاشم، حدثني إسحاق بن عباد، قال: قال لي بعض الحكماء: أضرب لك مثل هذا الخلق: مثل قوم اتخذوا الدنيا دار إقامة، واتخذوا الآخرة لهوا وغرورا.

ثم قال: اضرب بيدك ما شئت من هذا الخلق إذا نصحته في أمر دينه اتخذك عدوا.

٤٨١ - حدثني إسحاق بن عبد الله، قال: ترك الفدى، أرى الناس قد اتخذوا الدنيا رأس مال، وعدوا ما جاءهم من الآخرة ربحا، وقد عزمت على أن أجعل الآخرة رأس مالي، وأعد ما جاءني منها ربحا.

قال: ففعل ذلك.

٤٨٢ - وحدثنا إسحاق بن حاتم المدائني، قال: سمعت الحسين بن أبي عبد الله المعلم قال: قال سليمان التيمي: اللهم إنك تعلم أني لا أريد من الدنيا شيئا، فلا ترزقني منها شيئا.

٤٨٣ - حدثني إسحاق بن حاتم، قال: سمعت حسين بن أبي عبد الله قال: كنا عند حجاج الخراساني بمكة ندعو، وكان معنا رجل مكثر، فقال أبو الحجاج:

اللهم لا ترزقنا دينارا ولا درهما، فأمنا كلنا ما خلا الرجل المكثر.

٤٨٤ - حدثنا موسى أبو عمران الجصاص، قال: سمعت أبا سليمان الداراني، يقول: ينبغي للعبد المعنى بنفسه أن يميت العاجلة الفانية الزائلة، المنغصة بالآفات من قلبه، ويذكر الموت وما بعده من الأهوال، والخسران والندامة، والوقوف بين يدي الله عز وجل وسؤاله إياه، والممر على الصراط، ⦗١٨٩⦘ والنار، فإنه يخف عليه التجافي عن دار الغرور:

٤٨٥ - حدثني موسى أبو عمران، قال: سمعت أبا سليمان، يقول: الدنيا تطلب الهارب منها، وتهرب من الطالب لها، فإن أدركت الهارب منها جرحته، وإن أدركت الطالب لها قتلته.

٤٨٦ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا عبدة بن سليمان، أخبرنا ابن المبارك، قال: قال الحسن:

خباث كل عيدانك، قد مصصناه فوجدناه مرا.

٤٨٧ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قال بشر بن الحارث:

من هوان الدنيا على الله عز وجل أن جعل بيته وعرا.

٤٨٨ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن قال: قال أبو معاوية الأسود: الخلق كلهم يسعى في أقل من جناح ذبابة، فقال له رجل، وما أقل من جناح ذبابة؟ قال: الدنيا.

٤٨٩ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن شيخ مولى لبني هاشم، قال: قال الحسن: إن قوما أكرموا الدنيا فصلبتهم على الخشب، فأهينوها، فأهنأ ما تكونون إذا أهنتموها.

٤٩٠ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن شيخ من فزارة، قال: سمعت أبا خالد الصوري وكان من أطول الناس صمتا، يقول: اللهم أخرجني من جوار إبليس إلى جوارك.

٤٩١ - وأنشدني الحسين بن عبد الرحمن: لعمرك ما الدنيا بدار لأهلها ... ولو عقلوا كانوا جميعا على وجل

فما تبحث الساعات إلا على البلى ... ولا تنقضي الأيام إلا على ثكل

٤٩٢ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا زهير بن عباد، أخبرنا عبد الله بن حكيم بن أبي داهري، عن مجاعة بن الزبير، عن الحسن قال: لا يكون الرجل زاهدا في الدنيا حتى لا يجزع من ذلها، ولا ينافس أهلها فيها.

٤٩٣ - وحدثني محمد بن إدريس، أخبرني أحمد بن عبد الله بن عياض، أخبرنا عبد الوهاب بن همام، أخبرنا عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: قرأت في كتاب شعيا أنه قيل ليونس بن متى:

يا يونس إذا أحب العالم الدنيا نزعت مناجاتي من قلبه.

٤٩٤ - أنشدني أبو عبد الله قوله: رويدا بني الدنيا ألم تر أنهم ... إلى أجل تسعى إليه مقادره

أراها إذا ربت لها ابنا ولم تدع ... له أربا دست له ما يحاذره

فكن عند صفو الدهر للدهر حاذرا ... فلا صفو إلا سوف يكدر آخره

قال أبو بكر: أنشدني علي بن عبد الله:

لما توعد الدنيا به من شرورها ... يكون بكاء الطفل ساعة يوضع

وإلا فما يبكيه منها وإنها ... لأفسح مما كان فيه وأوسع

٤٩٥ - حدثني محمد بن إدريس الحنظلي، أخبرني الحسن بن عبد الله ⦗١٩١⦘ الرازي عن بكار الربذي عن عمه موسى بن عبيدة الربذي، عن أبي سعيد مولى ابن عامر قال: قال داود عليه السلام:

الدنيا غرارة ترفل بالمطمئن، وتفجع الآمن.

٤٩٦ - حدثني عون بن إبراهيم، حدثني أحمد بن أبي الحواري، حدثني عبادة أبو مروان، قال: أوحى الله عز وجل إلى موسى عليه السلام:

يا موسى ما لك ولدار الظالمين، إنها ليست لك بدار، أخرج منها همك، وفارقها بعقلك، فبئست الدار هي، إلا لعامل يعمل فيها فنعمت الدار له، يا موسى إني مرصد للظالم حتى أديل منه المظلوم.

٤٩٧ - قال أبو بكر: قال محمد بن علي بن شقيق: عن أبيه قال: أخبرنا عبد الله، أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن هارون بن زيد قال: سئل الحسن عن قوله عز وجل ﴿ثمنا قليلا﴾ [البقرة: ٤١] ما الثمن القليل؟ قال: الدنيا بحذافيرها.

آخر كتاب ذم الدنيا والحمد لله رب العالمين وصلواته على نبينا محمد خاتم المرسلين.

فصول الكتاب · 4 فصل · 191 صفحة
جارٍ التحميل