٣٨٧ - حدثني علي بن أبي مريم، عن شيخ له، عن يوسف بن أسباط، قال: قال لي زرعة: ⦗١٦٢⦘
من كان صغير الدنيا في عينيه أعظم من كبير الآخرة، كيف يرجو أن يصنع له في دنياه وآخرته.
٣٨٨ - حدثنا روح بن عبد الرحمن، أخبرنا صالح بن عبد الكريم، قال: قال بعض الحكماء:
إنما نسلم من الدنيا فيها، فمن أخذ منها لها خرج منه، وحوسب عليه، ومن أخذ منها لغيرها قدم عليه، وأقام فيه.
٣٨٩ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، عن بعض أشياخه، قال: قال الحسن:
إنما الدنيا غموم وهموم، فإذا رأى أحدكم منها سرورا فهو ربح.
٣٩٠ - أنشدني أحمد بن موسى البصري، قوله: أشكو إلى الله نفسا ما تلائمني ... تبغي هلاكي ولا آلو أناجيها
ما إن تزال تناجيني بمعصية ... فيها الهلاك وإني لا أواتيها
أعيت وأعييتها تأبى وأقذعها ... وربما غلبتني ثم أثنيها
أخيفها بوعيد الله مجتهدا ... وليس تنفك يلهيها ترجيها
بل قل لموطن دار لا يقربها ... كأنه خالد فيها يعانيها
أهل رأيت سليما من بوائقها ... أم هل سمعت بحي خالد فيها
أما تخاف ذنوبا جمة سلفت ... أنسيت عدتها والله يحصيها
يا رب سيئة باشرت منكرها ... فبت تظهرها والله يخفيها
وأنت في كل يوم مبصر عبرا ... منا من الله تحذيرا وتنبيها
أما ترى الموت ما ينفك مختطفا ... من كل ناحية نفسا فيحويها
قد نغصت أملا كانت تؤمله ... وقام في الحي ناعيها وباكيها
وأسكنوا الترب تبلى فيه أعظمهم ... بعد الغضارة ثم الله يحييها
وصار ما جمعوا منها وما ادخروا ... بين الأقارب تحويه أدانيها
فامهد لنفسك في أيام مدتها ... واستغفر الله مما أسلفت فيها
٣٩١ - حدثني عبد الرحمن بن صالح، حدثني شعيب بن راشد، عن أبي روح الأنصاري، قال: كان من دعاء الحسين:
اللهم ارزقني الرغبة في الآخرة حتى اعرف صدق ذلك في قلبي بالزهد مني في دنياي، اللهم ارزقني بصرا في أمر الآخرة حتى أطلب الحسنات شوقا، وأفر من السيئات خوفا من ربي.
٣٩٢ - حدثني أبو العباس الأزدي عبيد الله بن جرير، أخبرنا محمد بن أبي بكر، قال: قال ابن السماك: كان يقال كل شيء فاتك من الدنيا غنيمة.
٣٩٣ - قال: وذكر سعيد بن أبي الحسن الدنيا، فقال الحسن: يا سعيد سهوت حتى ذكرت الدنيا.
٣٩٤ - قال: وقال الحسن:
لو لم تكن لنا ذنوب إلا حبنا الدنيا خشينا أن يعذبنا الله.
٣٩٥ - قال: وقال رجل لإخوانه:
تعالوا حتى نستغفر الله من شيء لا يستغفر الناس منه، حبنا للدنيا.
٣٩٦ - قال: وكان يقال: إنما ساء العمل من طول الأمل.
٣٩٧ - وحدثني عبيد الله الأزدي، أخبرنا محمد بن أبي بكر، أخبرنا ⦗١٦٤⦘ بشر بن عباد، عن الأسود بن شيبان، حدثني خالد بن شمير، قال: مر ابن عمر بمكة، فإذا نجدة وابن الزبير متصافين بالبطحاء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذه نجدة وابن الزبير، قال: لقد أعظم هؤلاء الدنيا.
٣٩٨ - حدثني أبو إسحاق الأزدي، أخبرنا زيد بن عوف، أخبرنا شيخ يقال له: الفضل بن داود، عن أبي عمران، أخبرنا شيخ كان ينزل مصر، قال: أوحى الله عز وجل إلى داود:
لا تجعل بيني وبينك عالما قد سكن قلبه حب الدنيا، إن أهون ما أعاقبهم به أن أنزع حب مناجاتي من قلوبهم.
٣٩٩ - حدثني أبو الفضل العباس الدوري مولى بني هاشم، أخبرنا الحسن بن الربيع، أخبرنا جعفر بن سليمان الضبعي، عن الربيع بن صبيح، عن يزيد الرقاشي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم:
من كانت الدنيا همه جعل الله فقره في قلبه، وشتت عليه أمره، ولم يأته منها إلا ما كتب له، ومن كانت الآخرة أكبر همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة.
٤٠٠ - وحدثني الفضل، أخبرنا محمد بن الطفيل، قال: سمعت الفضيل بن عياض، يقول: ⦗١٦٥⦘
حزن الدنيا للدنيا يذهب بهم الآخرة، وفرح الدنيا للدنيا يذهب بحلاوة العبادة.
٤٠١ - حدثنا الحارث بن محمد العمي، أخبرنا سعيد بن عامر، أخبرنا هشام صاحب الدستوائي، قال: قرأت في كتاب بلغني أنه من كلام عيسى عليه السلام:
تعملون للدنيا وأنتم ترزقون فيها بغير العمل، ولا تعملون للآخرة وأنتم لا ترزقون فيها إلا بالعمل، ويلكم علماء السوء! الأجر تأخذون، والعمل تضيعون، يوشك رب العمل أن يطلب عمله، وتوشكون أن تخرجوا من الدنيا العريضة إلى ظلمة القبر وضيقه، الله نهاكم عن الخطايا كما أمركم بالصيام والصلاة، كيف يكون من أهل العلم من سخط رزقه، واحتقر منزلته، وقد علم أن ذلك من علم الله وقدرته؟ كيف يكون من أهل العلم من اتهم الله فيما قضى له، فليس يرضى شيئا أصابه؟ كيف يكون من أهل العلم من دنياه آثر عنده من آخرته، وهو مقبل في دنياه أفضل رغبة؟ كيف يكون من أهل العلم من مسيره إلى آخرته، وهو مقبل على دنياه؟ وما يضره أحب إليه مما ينفعه؟ كيف يكون من أهل العلم من يطلب الكلام ليخبر به الناس، ولا يطلب الكلام ليعمل به.
٤٠٢ - أنشدني شيخ لنا: سل الأجداث عن صور بلينا ... وعن خلق نعمن فصرن طينا
وعن ملك تعذر بالأماني ... وكان يظن أن سيعيش حينا
فجاد بنفسه للموت لما أتاه ... وكان بجودها أبدا ضنينا
فصار على اليمين إلى التنادي ... بلا حراك المقلب لليمينا
لقد أبت القبور على شفيق ... أتاها أن تفك له رهينا
هي الدنيا تفرق كل جمع ... وإن ألف القرين بها القرينا
٤٠٣ - حدثني محمد بن حاتم قال: سمعت ⦗١٦٦⦘ قبيصة قال: سمعت الثوري يقول:
خير الدنيا لكم ما لم تبتلو به منها، فإذا ابتليتم بها فخيرها لكم ما خرج من أيديكم منها.
٤٠٤ - حدثني صالح بن مالك أخبرنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن قال: إنكم أصبحتم في دار مذمومة لأهلها، خلقت فتنة وضرب لها أجل، إذا انتهت إليه تنفد، فهي دار قلعة ومنزل بلغة، أخرج نباتها وبث فيها من كل دابة، ثم أخبرهم خبر الذي هم إليه صائرون، وأمر فيه عباده بما أخرج لهم من ذلك بطاعته، وبين لهم سبيلها، ووعدهم الخير عليه، فهم في قبضته فليس منهم معجز له من أعمالهم شيء يخفى عليه، فهم يعملون أعمالا مختلفة، شعبهم فيها شتى، بين عاص ومطيع، ولكل جزاء من الله بما عمل، ونصيب غير منقوص، ولم أسمع الله عز وجل فيما عهد إلى عباده، وأنزل عليهم من كتابه، رغب في الدنيا أحدا من خلقه، ولا رضي لهم بالطمأنينة فيها، ولا الركون إليها، بل صرف الله فيها الآيات، وضرب الأمثال لها في العيب لها، والنهي عنها، والرغبة في غيرها، وقد تبين للصالحين من عباد الله أن الأمر الذي خلقت له الدنيا وأهلها عظيم الشأن هائل المطلع، غير والله شبيه بما هم فيه، ولا يشبه ثوابهم ولا عقابهم، ولكنها دار الخلود يدين الله العباد بأعمالهم، وينزلهم منازلهم، ثم لا يتغير بؤس عن أهله، ولا نعيم، وأن الدنيا دار عمل من صحبها بالبغض لها، والزهادة فيها، والهضم لها، سعد بحظه من الله، ومن صحبها بالحب لها والرغبة فيها، خسر حظه عند الله، ثم أسلمته إلى ما لا صبر له عليه، ولا طاقة له به من عذاب الله وسخطه، فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله ولي ميراثها، وأهلها متحولون عنها إلى منازل لا تبلى، ولا يغيرها طول العمر فيها بفناء فيموتون، ولا وإن طال الثواء فيها يخرجون، فاحذروا ذلك الموطن، وأكثروا ذكر المنقلب، ولذلك ⦗١٦٧⦘ فاعدد، ومن شره فاهرب، ولا يلهينك المتاع الفاني، واقطع ابن آدم من الدنيا أكبر همك، وبادر أجلك، ولا تقل غدا غدا فإنك لا تدري متى إلى الله تصير، ولا تكن يا بن آدم مغترا، ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه، فإن الهول الأعظم، ومفظعات الأمور أمامك لم تخلص منهن حتى الآن، ولا بد من ذلك المسلك، وحضور تلك الأمور كلها فإنما بعافية من شرها، ونجاة من هولها، وإما بهلكة فليس بعدها خير ولا انتعاش.
٤٠٥ - حدثني صالح بن مالك أخبرنا أبو عبيدة الناجي عن الحسن قال: ابن آدم لا تعلق قلبك بالدنيا فتعلقه بشر معلق، قطع حبالها، وغلق أبوابها، حسبك أيها المرء ما بلغك المحل، حمقا تباهي بمالك، وحمقا تباهي بولدك، وأنت في غم الساعة، هيهات هيهات، ذهبت الدنيا لحال، وبقيت الأعمال قلائد في أعناق بني آدم.
٤٠٦ - قال بعض حكماء الشعراء: أبا لمنزل الفاني تؤمل أن تبقى ... كفاك بما ترجو وتأمله خرقا
رأيت قوى الدنيا يزيد انتقاصها ... ويدعو إليه صفو لذاتها الرنقا
وفي كل يوم محدث لك فرقة ترى ... خطبها خطبا جليلا وإن دقا
لعمرك ما الدنيا بباقية ولا بها ... أحد يبقى فتطمع أن تبقى
٤٠٧ - وقال حكيم من الشعراء: بان منه الشباب فهو كثيب ... وعلا العارضين منه مشيب
ليت شعري ماذا أرجي من الدنيا ... ولم يبق لي عليها حبيب
أفردتني الخطوب من أهل ودي ... حسرتي ما تريد مني الخطوب
كل يوم لي من خليل فراق ... أي عيش مع الفراق يطيب
٤٠٨ - حدثني أبو محمد التميمي، قال: قال ابن السماك:
كأن المعمور من هذه الدنيا قد ارتحل عنه، وكأن المغفول من الآخرة قد أناخ بأهله فثم، فضع الهموم.
٤٠٩ - حدثني الحسن بن عبد العزيز، أخبرنا أبو مسهر، أخبرنا سعيد بن عبد العزيز: أن عيسى عليه السلام نظر إلى إبليس، فقال:
هذا أركون الدنيا إليها خرج، وإياها سأل، لا أشركه في شيء منها، ولا حجرا أضعه تحت راسي، ولا أكثر فيها ضاحكا حتى أخرج منها.
٤١٠ - حدثني هارون بن إبراهيم الإمام، أخبرنا أبو سعيد البجلي، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: مر إبليس بعيسى بن مريم وهو متوسد حجرا، فقال له: يا عيسى قد رضيت من الدنيا بهذا الحجر؟ قال: فأخذ من تحت رأسه فقذف به إليه، فقال: هذا لك مع الدنيا لا حاجة لي فيه.
٤١١ - حدثنا الهيثم بن خارجة، أخبرنا عبد الله بن عبد الرحمن، قال: سمعت عمير بن هانئ العنسي، قال:
قلت لابن عمر: كيف تقول فينا، وفي هؤلاء؟ قال: ما أنا لكم بحامد، ولا لهم بغادر، أنتم أصحاب دنيا تنافستموها بينكم، تهافتون في النار تهافت الذباب في المرق.
قال: قلت: أرأيت؟ قال: إن شئت، قلت: أرأيت، أرأيت، ألك رحل؟ انطلق إلى رحلك.
٤١٢ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا عبدة بن سليمان، أخبرنا عبد ⦗١٦٩⦘ الله بن المبارك، قال: قال سلام بن أبي مطيع:
الزهد على ثلاثة وجوه: واحد أن يخلص العمل لله عز وجل، والقول، ولا يراد بشيء منه الدنيا، والثاني: ترك ما لا يصلح، والعمل بما يصلح، والثالث: الحلال أن تزهد فيه، وهو تطوع، وهو أدناها.
٤١٣ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرني عبد الحميد بن صالح، أخبرنا قطري الخشاب، عن عبد الوارث، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
إذا كان يوم القيامة صارت أمتي ثلاث فرق: فرقة يعبدون الله عز وجل للدنيا، وفرقة يعبدونه رياء وسمعة، وفرقة يعبدونه لوجهه ولداره، فيقول للذين كانوا يعبدونه للدنيا: بعزتي وجلالي ومكاني، ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك، الدنيا.
فيقول: إني لم أقبل من ذلك شيئا، اذهبوا بهم إلى النار.
ويقول للذين كانوا يعبدونه رياء وسمعة: بعزتي وجلالي ومكاني، ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون: بعزتك وجلالك ومكانك، رياء وسمعة.
قال: فإني لم أقبل من ذلك شيئا، اذهبوا بهم إلى النار.
قال: ويقول للذين كانوا يعبدونه لوجهه ولداره: بعزتي وجلالي ومكاني، ما أردتم بعبادتي؟ فيقولون بعزتك وجلالك ومكانك، لوجهك ولدارك.
فيقول: صدقتم، اذهبوا بهم إلى الجنة.
٤١٤ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا ابن أبي ليلى، أخبرنا موسى أبو محمد المدني، مولى عثمان بن عفان، عن خالد بن يزيد بن عبد الرحمن، عن ⦗١٧٠⦘ أبيه، عن جده: أن علي بن أبي طالب قال في خطبته:
أوصيكم بتقوى الله، والترك للدنيا التاركة لكم، وإن كنتم لا تحبون تركها المبلية أجسامكم، وإن كنتم تريدون تجديدها، فإنما مثلكم ومثلها كمثل سفر سلكوا طريقا، فكأنهم قد قطعوه، أو أفضوا إلى علم فكأنهم قد بلغوه، وكم عسى أن يجري المجرى حتى ينتهي إلى الغاية، وكم عسى أن يبقى من له يوم من الدنيا، وطالب حثيث يطلبه حتى يفارقها، فلا تجزعوا لبؤسها، وضرائها، فإنه إلى انقطاع، ولا تفرحوا بنعيمها فإنه إلى زوال، عجبت لطالب الدنيا، الموت يطلبه، وغافل ليس بمغفول عنه.
٤١٥ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا عبدة بن سليمان، أخبرنا آدم أخبرنا أبو عاصم إمامنا بعابدان، عن سلم بن بشير قال: إن الحواريين قالوا لعيسى عليه السلام: يا روح الله علمنا عملا واحدا يحببنا إلى الله عز وجل؟ قال: ابغضوا الدنيا يحببكم الله.
٤١٦ - حدثني محمد بن إدريس، أخبرنا هريم بن عثمان، عن سلام بن مسكين، عن مالك بن دينار، قال: حب الدنيا رأس كل خطيئة والنساء حبالة الشيطان والخمر داعية كل شر.
٤١٧ - حدثني علي بن أبي مريم، عن أبي يزيد الرقي، عن يوسف بن أسباط، قال: من صبر على الأذى، وترك الشهوات، وأكل الخبز من حلاله، فقد أخذ بأصل الزهد.
٤١٨ - وحدثني علي، قال: سئل بعض الحكماء عن الزهد فقال:
إن من أدنى الزهد أن يقعد أحدكم في منزله، فإن كان قعوده لله وإلا خرج، ⦗١٧١⦘ ويخرج فإن كان خروجه لله رضي، وإلا رجع، فإن كان رجوعه لله رضي وإلا ساح، ويخرج درهمه فإن كان إخراجه لله رضي وإلا حبسه، ويحبسه فإن كان حبسه لله رضي وإلا رمى به، ويتكلم فإن كان كلامه لله رضي وإلا سكت، ويسكت فإن كان سكوته لله رضي وإلا تكلم.
فقيل له: هذا صعب؟ فقال: هذا الطريق إلى الله عز وحل، وإلا فلا تتعبوا.
٤١٩ - حدثنا محمد بن عبيد الله، أخبرنا يونس بن محمد، أخبرنا المعتمر بن سليمان، قال: كتب ليث: من ليث بن أبي سليم إلى سليمان بن طرخان:
سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو العلي العظيم، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أما بعد: فإني أوصيك بتقوى الله، فإن المتقي ينفعه من عمله ما قل منه أو كثر، جعلنا الله وإياك برحمته من المتقين، كتبت إليك ونحن ومن قبلنا أهلنا وإخواننا على ما كان من شيء بنعمة الله وعافيته، فله الحمد.
أتاني كتابك تذكر فيه ما ليس يخفى على ذي عقل، ولا قوة إلا بالله، قد أعلم أن الرسل إنما بعثت بهدم الدنيا، وبناء الآخرة، والناس فيها حدثني من أدرك أصحاب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، أنهم قالوا: كنا إذا أسلمنا أقبلنا إلى الآخرة، وتركنا الدنيا لأهل الشرك، وإن الناس اليوم أقبلوا على أمر دنياهم، وتركوا أمر آخرتهم.
٤٢٠ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، حدثني إبراهيم بن رجاء، قال: سمعت ابن السماك يقول:
الناس ثلاثة: زاهد، وصابر، وراغب، فأما الزاهد فأصبح قد خرجت الأفراح ⦗١٧٢⦘ والأحزان من صدره عن اتباع هذا الغرور، فهو لا يفرح بشيء من الدنيا آتاه، ولا يحزن على شيء من الدنيا فاته، ولا يبالي على عسر أصبح، أم على يسر، فهذا المبرز في زهده، وأما الصابر: فرجل يشتهي الدنيا بقلبه، ويتمناها بنفسه، فإذا ظفر بشيء منها ألجم نفسه عنها كراهة شتاتها، وسوء عاقبتها، فلو تطلع على ما في نفسه عجبت من نزاهته وعفته.
أما الراغب: فلا يبالي من أين أتته الدنيا، ولا يبالي دنس فيها عرضه، او وضع فيه حسبه، أو جرح دينه، فهؤلاء في غمرة يضطربون، وهؤلاء أنتن من أن يذكروا.
٤٢١ - أنشدني الحسين بن عبد الرحمن: وطالبا حاجة الدنيا قد اختلفا ... وطالما اختلفت بالناس حالاتها
فطالب ليربح النفس أوبقها ... وطالب ليربح النفس عناها
٤٢٢ - حدثنا محمد بن عمارة الأسدي، أخبرنا محمد بن طفيل، أخبرنا حماد بن زيد، عن هشام، عن الحسن، قال: دخولك على أهل السعة مسخطة.
٤٢٣ - وحدثنا محمد بن عمارة، أخبرنا قبيصة، أخبرنا سفيان، عن الصلت بن بهرام، عن الحسن، قال: ما بسطت الدنيا لأحد إلا اغترارا.
٤٢٤ - أنشدني الحسن بن عبد الرحمن: كفلت يا طالب الدنيا بهم ... طويل لا يؤول إلى انقطاع
وذل في الحياة بغير عز ... وفقر لا يؤول إلى اتساع
وشغل ليس يعقبه فراغ ... وسعي دائم من كل اتساع
وحرص لا يزال عليه عبدا ... وعبد الحرص ليس بذي ارتفاع
٤٢٥ - حدثني الحسين بن عبد الرحمن، قال: قيل: لرجل من قريش: ما الزهد؟ قال:
والله ما هو بالتقشف ولا بخشونة للمطعم، ولكنه طلق النفس عن محبوب الشهوة.
٤٢٦ - وحدثنا الحسن بن عبد العزيز، أخبرني موسى بن أبي عمران وكان أحد العلماء: قال: قدم أعرابي المدينة فصلى الجمعة، فسمع الخطبة فأعجبه ما سمع، فلما صلى انصرف إلى منزله، ودخل الأعرابي مع من دخل فأتي بطعام، فرأى من ألوان الطعام ما لم يشبه ما تكلم به، فأنشأ يقول:
لقد رابني من اهل يثرب أنهم ... يهمهم تقويمنا وهم عصل
يذمون الدنيا وهم يرضونها ... أفاويق حتى ما يدر لها ثعل
إذا ركبوا الأعواد قالوا فأحسنوا ... ولكن حسن القول يفسده الفعل