بداية المجتهد ونهاية المقتصدصفحات 164-203
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْكِتَابِ، وَفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى الْبَيَانِ لِلْمُجْمَلِ فَضْلًا عَنِ الْعَامِّ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَرَّ الْكُفَّارُ فِيهَا عَلَى خَرَاجٍ يُؤَدُّونَهُ، لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَعْطَى خَيْبَرَ بِالشَّطْرِ، ثُمَّ أَرْسَلَ ابْنَ رَوَاحَةَ فَقَاسَمَهُمْ» . قَالُوا: فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يُقَسِّمْهَا، قَالُوا: فَبَانَ بِهَذَا أَنَّ الْإِمَامَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَالْإِقْرَارِ بِأَيْدِيهِمْ، وَهُوَ الَّذِي فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. وَإِنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْغَلَبَةِ عَلَيْهِمْ كَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْمَنِّ عَلَيْهِمْ أَوْ قِسْمَتِهَا عَلَى مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِمَكَّةَ أَعْنِي: مِنَ الْمَنِّ، وَهَذَا إِنَّمَا يَصِحُّ عَلَى رَأْيِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ افْتَتَحَهَا عَنْوَةً، فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ افْتَتَحَهَا عَنْوَةً لِأَنَّهُ الَّذِي خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ قَالَ: إِنَّ آيَةَ الْفَيْءِ وَآيَةَ الْغَنِيمَةِ مَحْمُولَتَانِ عَلَى الْخِيَارِ ; وَإِنَّ آيَةَ الْفَيْءِ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مُخَصِّصَةٌ لَهَا أَنَّهُ قَوْلٌ ضَعِيفٌ جِدًّا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ اسْمُ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ يَدُلَّانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَالْآيَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ، لِأَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ تُوجِبُ التَّخْمِيسَ، وَآيَةَ الْحَشْرِ تُوجِبُ الْقِسْمَةَ دُونَ التَّخْمِيسِ، فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا نَاسِخَةً لِلْأُخْرَى، أَوْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا بَيْنَ التَّخْمِيسِ وَتَرْكِ التَّخْمِيسِ، وَذَلِكَ فِي جَمِيعِ الْأَمْوَالِ الْمَغْنُومَةِ.
وَذَكَرَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ مَذْهَبٌ لِبَعْضِ النَّاسِ وَأَظُنُّهُ حَكَاهُ عَنِ الْمَذْهَبِ، وَيَجِبُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا تَرْكَ قِسْمَةِ الْأَرْضِ، وَقِسْمَةُ مَا عَدَا الْأَرْضِ أَنْ تَكُونَ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْآيَتَيْنِ مُخَصِّصَةً بَعْضَ مَا فِي الْأُخْرَى أَوْ نَاسِخَةً لَهُ، حَتَّى تَكُونَ آيَةُ الْأَنْفَالِ خَصَّصَتْ مِنْ عُمُومِ آيَةِ الْحَشْرِ مَا عَدَا الْأَرَضِينَ فَأَوْجَبَتْ فِيهَا الْخُمُسَ، وَآيَةُ الْحَشْرِ خَصَّصَتْ مِنْ آيَةِ الْأَنْفَالِ الْأَرْضِ فَلَمْ تُوجِبْ فِيهَا خُمُسًا، وَهَذِهِ الدَّعْوَى لَا تَصِحُّ إِلَّا بِدَلِيلٍ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ آيَةِ الْحَشْرِ أَنَّهَا تَضَمَّنَتِ الْقَوْلَ فِي نَوْعٍ مِنَ الْأَمْوَالِ مُخَالِفٍ الْحُكْمَ لِلنَّوْعِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الْأَنْفَالِ وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ [الحشر: 6] هُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا لَمْ يُوجَبْ حَقٌّ لِلْجَيْشِ خَاصَّةً دُونَ النَّاسِ، وَالْقِسْمَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ إِذْ كَانَتْ تُؤْخَذُ بِالْإِيجَافِ.

[الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي قِسْمَةِ الْفَيْءِ]

وَأَمَّا الْفَيْءُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: فَهُوَ كُلُّ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ مِنْ قِبَلِ الرُّعْبِ وَالْخَوْفِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُوجَفَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ أَوْ رَجْلٍ.
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْجِهَةِ الَّتِي يُصْرَفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الْفَيْءَ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ الْفَقِيرِ وَالْغَنِيِّ، وَإِنَّ الْإِمَامَ يُعْطِي مِنْهُ لِلْمُقَاتِلَةِ وَلِلْحُكَّامِ وَلِلْوُلَاةِ، وَيُنْفِقُ مِنْهُ فِي النَّوَائِبِ الَّتِي تَنُوبُ الْمُسْلِمِينَ كَبِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَإِصْلَاحِ الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَا خُمُسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَهُوَ الثَّابِتُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: بَلْ فِيهِ الْخُمُسُ، وَالْخُمُسُ مَقْسُومٌ عَلَى الْأَصْنَافِ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي آيَةِ الْغَنَائِمِ، وَهُمُ الْأَصْنَافُ الَّذِينَ ذُكِرُوا فِي الْخُمُسِ بِعَيْنِهِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَإِنَّ الْبَاقِيَ هُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى عِيَالِهِ وَمَنْ رَأَى.
وَأَحْسَبُ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِنَّ الْفَيْءَ غَيْرُ مُخَمَّسٍ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ الَّذِينَ يُقَسَّمُ عَلَيْهِمُ الْخُمُسُ، وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا أَحْسَبُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقَسَّمُ جَمِيعُهُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ ; أَوْ هُوَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي قِسْمَةِ الْخُمُسِ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ أَعْنِي مَنْ جَعَلَ ذِكْرَ الْأَصْنَافِ فِي الْآيَةِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ لَهُ قَالَ: هُوَ لِهَذِهِ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ وَمَنْ فَوْقَهُمْ.
وَمَنْ جَعَلَ ذِكْرَ الْأَصْنَافِ تَعْدِيدًا لِلَّذِينِ يَسْتَوْجِبُونَ هَذَا الْمَالَ قَالَ: لَا يَتَعَدَّى بِهِ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافَ، أَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَهُ مِنْ بَابِ الْخُصُوصِ لَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ.
وَأَمَّا تَخْمِيسُ الْفَيْءِ: فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَ الشَّافِعِيِّ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهُ رَأَى الْفَيْءَ قَدْ قُسِّمَ فِي الْآيَةِ عَلَى عَدَدِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ قُسِّمَ عَلَيْهِمُ الْخُمُسُ، فَاعْتَقَدَ لِذَلِكَ أَنَّ فِيهِ الْخُمُسَ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالْخُمُسِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِظَاهِرٍ، بَلِ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ تَخُصُّ جَمِيعَ الْفَيْءِ لَا جُزْءًا مِنْهُ، وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ فِيمَا أَحْسَبُ قَوْمٌ.
وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ قَالَ: «كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النَّضِيرِ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمَّا لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَالِصَةً، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَمَا بَقِيَ يَجْعَلُهُ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ.

[الْفَصْلُ السَّابِعُ فِي الْجِزْيَةِ]

وَالْكَلَامُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْفَصْلِ يَنْحَصِرُ فِي سِتِّ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: مِمَّنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ؟ الثَّانِيَةُ: عَلَى أَيِّ الْأَصْنَافِ مِنْهُمْ تَجِبُ الْجِزْيَةُ؟ الثَّالِثَةُ: كَمْ تَجِبُ؟ الرَّابِعَةُ: مَتَى تَجِبُ وَمَتَى تَسْقُطُ؟ الْخَامِسَةُ: كَمْ أَصْنَافُ الْجِزْيَةِ؟ السَّادِسَةُ: فِي مَاذَا يُصْرَفُ مَالُ الْجِزْيَةِ؟ الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فَأَمَّا مَنْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْهُ؟ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الْعَجَمِ، وَمِنَ الْمَجُوسِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَخْذِهَا مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ، وَفِيمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْعَرَبِ، بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ فِيمَا حَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ قُرَشِيٍّ كِتَابِيٍّ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَيُّ الْأَصْنَافِ مِنَ النَّاسِ تَجِبُ عَلَيْهِمْ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا إِنَّمَا تَجِبُ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ: الذُّكُورِيَّةِ، وَالْبُلُوغِ، وَالْحُرِّيَّةِ.
وَأَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ، وَلَا عَلَى الصِّبْيَانِ، إِذَا كَانَتْ إِنَّمَا هِيَ عِوَضٌ مِنَ الْقَتْلِ، وَالْقَتْلُ إِنَّمَا هُوَ مُتَوَجِّهٌ بِالْأَمْرِ نَحْوَ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ، إِذْ قَدْ نُهِيَ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَى الْعَبِيدِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَصْنَافٍ مِنْ هَؤُلَاءِ: مِنْهَا فِي الْمَجْنُونِ وَفِي الْمُقْعَدِ، وَمِنْهَا: فِي الشَّيْخِ، وَمِنْهَا: فِي أَهْلِ الصَّوَامِعِ، وَمِنْهَا: فِي الْفَقِيرِ هَلْ يُتْبَعُ بِهَا دَيْنًا مَتَى أَيْسَرَ أَمْ لَا؟ وَكُلُّ هَذِهِ مَسَائِلِ اجْتِهَادِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيفٌ شَرْعِيٌّ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَبْنِيٌّ عَلَى هَلْ يُقْتَلُونَ أَمْ لَا؟ أَعْنِي هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافَ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ كَمِ الْوَاجِبُ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا، وَمَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ، وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَقَلُّهُ مَحْدُودٌ وَهُوَ دِينَارٌ، وَأَكْثَرُهُ غَيْرُ مَحْدُودٍ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يُصَالَحُونَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَوْقِيتَ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: الْجِزْيَةُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا، وَثَمَانِيَةٌ

وَأَرْبَعُونَ، لَا يُنْقَصُ الْفَقِيرُ مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَلَا يُزَادُ الْغَنِيُّ عَلَى ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَالْوَسَطُ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ دِرْهَمًا.
وَقَالَ أَحْمَدُ: دِينَارٌ أَوْ عَدْلُهُ مَعَافِرَ، لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ» وَهِيَ ثِيَابٌ بِالْيَمَنِ.
وَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ، وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ فَوَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ السَّوَادِ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ وَاثْنَيْ عَشَرَ.
فَمَنْ حَمَلَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ وَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ بِعُمُومِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ جِزْيَةٍ ; إِذْ لَيْسَ فِي تَوْقِيتِ ذَلِكَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ ; وَإِنَّمَا وَرَدَ الْكِتَابُ فِي ذَلِكَ عَامًّا ; قَالَ: لَا حَدَّ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ حَدِيثِ مُعَاذٍ ; وَالثَّابِتِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: أَقَلُّهُ مَحْدُودٌ، وَلَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ.
وَمَنْ رَجَّحَ أَحَدَ حَدِيثَيْ عُمَرَ قَالَ: إِمَّا بِأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَأَرْبَعَةِ دَنَانِيرَ، وَإِمَّا بِثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ مُعَاذٍ لِأَنَّهُ مَرْفُوعٌ قَالَ: دِينَارٌ فَقَطْ، أَوْ عَدْلُهُ مَعَافِرَ، لَا يُزَادُ عَلَى ذَلِكَ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ مَتَى تَجِبُ الْجِزْيَةُ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ إِلَّا بَعْدَ الْحَوْلِ، وَأَنَّهُ تَسْقُطُ عَنْهُ إِذَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا أَسْلَمَ بَعْدَ مَا يَحُولُ عَلَيْهِ الْحَوْلُ: هَلْ تُؤْخَذُ مِنْهُ جِزْيَةٌ لِلْحَوْلِ الْمَاضِي بِأَسْرِهِ أَوْ لِمَا مَضَى مِنْهُ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ كَانَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، أَوْ قَبْلَ انْقِضَائِهِ، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: إِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، وَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ حُلُولِ الْحَوْلِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ.
وَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ، لِأَنَّ الْحَوْلَ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا، فَإِذَا وُجِدَ الرَّافِعُ لَهَا - وَهُوَ الْإِسْلَامُ - قَبْلَ تَقَرُّرِ الْوُجُوبِ أَعْنِي: قَبْلَ وُجُودِ شَرْطِ الْوُجُوبِ لَمْ تَجِبْ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ لِأَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ: فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ هَذَا الْوَاجِبَ فِي الْكُفْرِ كَمَا يَهْدِمُ كَثِيرًا مِنَ الْوَاجِبَاتِ قَالَ: تَسْقُطُ عَنْهُ ; وَإِنْ كَانَ إِسْلَامُهُ بَعْدَ الْحَوْلِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَهْدِمُ الْإِسْلَامُ هَذَا الْوَاجِبَ كَمَا لَا يَهْدِمُ كَثِيرًا مِنَ الْحُقُوقِ الْمُتَرَتِّبَةِ مِثْلَ الدُّيُونِ وَغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ: لَا تَسْقُطُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ.
فَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلِ الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ الْجِزْيَةَ الْوَاجِبَةَ أَوْ لَا يَهْدِمُهَا؟ .

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَهِيَ كَمْ أَصْنَافُ الْجِزْيَةِ؟ فَإِنَّ الْجِزْيَةَ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: جِزْيَةٌ عَنْوِيَّةٌ: وَهِيَ هَذِهِ الَّتِي تَكَلَّمْنَا فِيهَا أَعْنِي: الَّتِي تُفْرَضُ عَلَى الْحَرْبِيِّينَ بَعْدَ غَلَبَتِهِمْ) . وَجِزْيَةٌ صُلْحِيَّةٌ: وَهِيَ الَّتِي يَتَبَرَّعُونَ بِهَا لِيُكَفَّ عَنْهُمْ، وَهَذِهِ لَيْسَ فِيهَا تَوْقِيتٌ، لَا فِي الْوَاجِبِ، وَلَا فِيمَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا مَتَى يَجِبُ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كُلُّهُ رَاجِعٌ إِلَى الِاتِّفَاقِ الْوَاقِعِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الصُّلْحِ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّهُ إِنْ كَانَ قَبُولُ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ هَاهُنَا قَدْرٌ مَا إِذَا أَعْطَاهُ مِنْ أَنْفُسِهِمُ الْكُفَّارُ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُمْ، فَيَكُونُ أَقَلُّهَا مَحْدُودًا، وَأَكْثَرُهَا غَيْرَ مَحْدُودٍ.
وَأَمَّا الْجِزْيَةُ الثَّالِثَةُ: فَهِيَ الْعُشْرِيَّةُ: وَذَلِكَ أَنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ عُشْرٌ، وَلَا زَكَاةٌ أَصْلًا فِي أَمْوَالِهِمْ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ ضَاعَفُوا الصَّدَقَةَ عَلَى نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ (أَعْنِي أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا إِعْطَاءَ ضِعْفِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنَ الصَّدَقَةِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَلْزَمُ فِيهَا الْمُسْلِمِينَ الصَّدَقَةُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَهُوَ فِعْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِهِمْ، وَلَيْسَ يُحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ نَصٌّ فِيمَا حَكَوْا، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجِبُ الْعُشْرُ عَلَيْهِمْ فِي الْأَمْوَالِ الَّتِي يَتَّجِرُونَ بِهَا إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِ التِّجَارَةِ ; أَوِ الْإِذْنِ إِنْ كَانُوا حَرْبِيِّينَ ; أَمْ لَا تَجِبُ إِلَّا بِالشَّرْطِ؟ فَرَأَى مَالِكٌ وَكَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ تُجَّارَ أَهْلِ الذِّمَّةِ الَّذِينَ لَزِمَتْهُمْ بِالْإِقْرَارِ فِي بَلَدِهِمِ الْجِزْيَةُ يَجِبُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ مِمَّا يَجْلِبُونَهُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدِ الْعُشْرُ، إِلَّا مَا يَسُوقُونَ إِلَى الْمَدِينَةِ خَاصَّةً فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ.
وَوَافَقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي وُجُوبِهِ بِالْإِذْنِ فِي التِّجَارَةِ أَوْ بِالتِّجَارَةِ نَفْسِهَا وَخَالَفَهُ فِي الْقَدْرِ، فَقَالَ: الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ نِصْفُ الْعُشْرِ.
وَمَالِكٌ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِمْ فِي الْعُشْرِ الْوَاجِبِ عِنْدَهُ نِصَابًا وَلَا حَوْلًا.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَاشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ نِصْفِ الْعُشْرِ عَلَيْهِمُ الْحَوْلَ وَالنِّصَابَ، وَهُوَ نِصَابُ الْمُسْلِمِينَ نَفْسُهُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ عُشْرٌ أَصْلًا، وَلَا نِصْفُ عُشْرٍ فِي نَفْسِ التِّجَارَةِ وَلَا فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مَحْدُودٌ إِلَّا مَا اصْطُلِحَ عَلَيْهِ أَوِ اشْتُرِطَ، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْجِزْيَةُ الْعُشْرِيَّةُ مِنْ نَوْعِ الْجِزْيَةِ الصُّلْحِيَّةِ، وَعَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، وَأَبِي حَنِيفَةَ تَكُونُ جِنْسًا ثَالِثًا مِنَ الْجِزْيَةِ غَيْرِ الصُّلْحِيَّةِ وَالَّتِي عَلَى الرِّقَابِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُنَّةٌ يُرْجَعُ إِلَيْهَا ; وَإِنَّمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِعْلَ عُمَرَ هَذَا إِنَّمَا فَعَلَهُ بِأَمْرٍ كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْجَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُنَّتَهُمْ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ فِعْلَهُ هَذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الشَّرْطِ ; إِذْ لَوْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ، قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِسُنَّةٍ لَازِمَةٍ لَهُمْ إِلَّا بِالشَّرْطِ.
وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ فِي

كِتَابِ الْأَمْوَالِ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا أَذْكُرُ اسْمَهُ الْآنَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: لِمَ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ الْعُشْرَ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ؟ فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذُونَ مِنَّا الْعُشْرَ إِذَا دَخَلْنَا إِلَيْهِمْ.
قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَأَقَلُّ مَا يَجِبُ أَنْ يُشَارِطُوا عَلَيْهِ هُوَ مَا فَرَضَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَإِنْ شُورِطُوا عَلَى أَكْثَرَ فَحَسَنٌ.
قَالَ: وَحُكْمُ الْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ حُكْمُ الذِّمِّيِّ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَهِيَ فِي مَاذَا تُصْرَفُ الْجِزْيَةَ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مُشْتَرَكَةٌ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ، كَالْحَالِ فِي الْفَيْءِ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّهُ مَصْرُوفٌ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، حَتَّى لَقَدْ رَأَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ أَنَّ اسْمَ الْفَيْءِ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الْجِزْيَةِ فِي آيَةِ الْفَيْءِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ هَكَذَا، فَالْأَمْوَالُ الْإِسْلَامِيَّةُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صَدَقَةٌ، وَفَيْءٌ، وَغَنِيمَةٌ.
وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي تَحْصِيلِ قَوَاعِدِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

[كِتَابُ الْأَيْمَانِ]

[الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي مَعْرِفَةِ ضُرُوبِ الْأَيْمَانِ وَأَحْكَامِهَا] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَيْمَانِ الْمُبَاحَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِهَا] ِ وَهَذَا الْكِتَابُ يَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى جُمْلَتَيْنِ:

الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِي مَعْرِفَةِ ضُرُوبِ الْأَيْمَانِ وَأَحْكَامِهَا.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ الرَّافِعَةِ لِلْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ وَأَحْكَامِهَا.
الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا ثَلَاثَةُ فُصُولٍ: الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَيْمَانِ الْمُبَاحَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِ الْمُبَاحَةِ.
الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الْأَيْمَانِ اللَّغْوِيَّةِ وَالْمُنْعَقِدَةِ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَيْمَانِ الَّتِي تَرْفَعُهَا الْكَفَّارَةُ وَالَّتِي لَا تَرْفَعُهَا.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَيْمَانِ الْمُبَاحَةِ وَتَمْيِيزِهَا مِنْ غَيْرِهَا.

  • وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَشْيَاءَ مِنْهَا مَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يُقْسَمَ بِهِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُقْسَمَ بِهِ.
    وَاخْتَلَفُوا أَيُّ الْأَشْيَاءِ الَّتِي هِيَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ الْحَلِفَ الْمُبَاحَ فِي الشَّرْعِ هُوَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ، وَإِنَّ الْحَالِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ عَاصٍ.
    وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَجُوزُ الْحَلِفُ بِكُلِّ مُعَظَّمٍ بِالشَّرْعِ.
    وَالَّذِينَ قَالُوا إِنَّ الْأَيْمَانَ الْمُبَاحَةَ هِيَ الْأَيْمَانُ بِاللَّهِ اتَّفَقُوا عَلَى إِبَاحَةِ الْأَيْمَانِ الَّتِي بِأَسْمَائِهِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي بِصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ.
    وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُعَظَّمَةِ بِالشَّرْعِ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَقْسَمَ فِي الْكِتَابِ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ [الطارق: 1] ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ [النجم: 1] إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْسَامِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ.
    وَثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» . فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْأَثَرِ وَالْكِتَابِ بِأَنْ قَالَ: إِنَّ الْأَشْيَاءَ الْوَارِدَةَ فِي الْكِتَابِ الْمَقْسُومَ بِهَا فِيهَا مَحْذُوفٌ - وَهُوَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى -، وَأَنَّ التَّقْدِيرَ: وَرَبِّ النَّجْمِ، وَرَبِّ السَّمَاءِ قَالَ: الْأَيْمَانُ الْمُبَاحَةُ هِيَ الْحَلِفُ بِاللَّهِ فَقَطْ.
    وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْحَدِيثِ إِنَّمَا هُوَ: أَنْ لَا يُعَظَّمَ مَنْ لَمْ يُعَظِّمِ الشَّرْعُ بِدَلِيلِ

قَوْلِهِ فِيهِ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ» وَأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ، أَجَازَ الْحَلِفَ بِكُلِّ مُعَظَّمٍ فِي الشَّرْعِ.
فَإِذًا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي بِنَاءِ الْآيِ وَالْحَدِيثِ.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ وَبِأَفْعَالِهِ فَضَعِيفٌ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلْ يُقْتَصَرُ بِالْحَدِيثِ عَلَى مَا جَاءَ مِنْ تَعْلِيقِ الْحُكْمِ فِيهِ بِالِاسْمِ فَقَطْ ; أَوْ أَيُعَدَّى إِلَى الصِّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ، لَكِنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ فِي الْحَدِيثِ بِالِاسْمِ فَقَطْ جُمُودٌ كَثِيرٌ، وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَإِنْ كَانَ مَرْوِيًّا فِي الْمَذْهَبِ، حَكَاهُ اللَّخْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَوَّازِ.
وَشَذَّتْ فِرْقَةٌ فَمَنَعَتِ الْيَمِينَ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي مُخَالَفَةِ هَذَا الْمَذْهَبِ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الْأَيْمَانِ اللَّغْوِيَّةِ وَالْمُنْعَقِدَةِ]

وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْأَيْمَانَ مِنْهَا لَغْوٌ وَمِنْهَا مُنْعَقِدَةٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] . وَاخْتَلَفُوا فِي مَا هُوَ اللَّغْوُ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا الْيَمِينُ عَلَى الشَّيْءِ ; يَظُنُّ الرَّجُلُ أَنَّهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْهُ فَيَخْرُجُ الشَّيْءُ عَلَى خِلَافِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَغْوُ الْيَمِينِ مَا لَمْ تَنْعَقِدْ عَلَيْهِ النِّيَّةُ، مِثْلَ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ قَوْلِ الرَّجُلِ فِي أَثْنَاءِ الْمُخَاطَبَةِ: لَا وَاللَّهِ، لَا بِاللَّهِ، مِمَّا يَجْرِي عَلَى الْأَلْسِنَةِ بِالْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ لُزُومَهُ، وَهَذَا الْقَوْلُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَائِشَةَ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ مَرْوِيٌّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُجَاهِدٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ.
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَبِهِ قَالَ إِسْمَاعِيلُ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ: وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَفِيهِ قَوْلٌ خَامِسٌ: وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ لَا يَأْكُلَ شَيْئًا مُبَاحًا لَهُ بِالشَّرْعِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هُوَ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ اللَّغْوِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّغْوَ قَدْ يَكُونُ الْكَلَامَ الْبَاطِلَ مِثْلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: 26] . وَقَدْ يَكُونُ الْكَلَامَ الَّذِي لَا تَنْعَقِدُ عَلَيْهِ نِيَّةُ الْمُتَكَلِّمِ بِهِ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّغْوَ فِي الْآيَةِ هُوَ هَذَا، أَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ هِيَ ضِدُّ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ وَهِيَ الْمُؤَكَّدَةُ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُضَادُّ لِلشَّيْءِ الْمُضَادِّ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ اللَّغْوَ هُوَ الْحَلِفُ فِي إِغْلَاقٍ ; أَوِ الْحَلِفُ عَلَى مَا لَا يُوجِبُ الشَّرْعُ فِيهِ شَيْئًا بِحَسَبِ مَا يَعْتَقِدُ فِي ذَلِكَ قَوْمٌ ; فَإِنَّمَا ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ اللَّغْوَ هَاهُنَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنًى عُرْفِيٍّ فِي الشَّرْعِ، وَهِيَ الْأَيْمَانُ الَّتِي

بَيَّنَ الشَّرْعُ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ سُقُوطَ حُكْمِهَا مِثْلَ مَا رُوِيَ أَنَّهُ: «لَا طَلَاقَ فِي إِغْلَاقٍ» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْأَظْهَرَ هُمَا الْقَوْلَانِ الْأَوَّلَانِ: أَعْنِي قَوْلَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ) .

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَيْمَانِ الَّتِي تَرْفَعُهَا الْكَفَّارَةُ وَالَّتِي لَا تَرْفَعُهَا]

وَهَذَا الْفَصْلُ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الْأَيْمَانِ بِاللَّهِ الْمُنْعَقِدَةِ، هَلْ يَرْفَعُ جَمِيعَهَا الْكَفَّارَةُ، سَوَاءٌ أَكَانَ حَلِفًا عَلَى شَيْءٍ مَاضٍ أَنَّهُ كَانَ فَلَمْ يَكُنْ وَهِيَ الَّتِي تُعْرَفُ بِالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَذَلِكَ إِذَا تَعَمَّدَ الْكَذِبَ ; أَوْ عَلَى شَيْءٍ مُسْتَقْبَلٍ أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْحَالِفِ أَوْ مِنْ قِبَلِ مَنْ هُوَ بِسَبَبِهِ فَلَمْ يَكُنْ.
فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَيْسَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ كَفَّارَةٌ، وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ إِذَا خَالَفَ الْيَمِينَ الْحَالِفُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ: يَجِبُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ، أَيْ تُسْقِطُ الْكَفَّارَةُ الْإِثْمَ فِيهَا كَمَا تُسْقِطُهُ فِي غَيْرِ الْغَمُوسِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ عُمُومِ الْكِتَابِ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ، تُوجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ كَفَارَّةٌ لِكَوْنِهَا مِنَ الْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ.
وَقَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ» يُوجِبُ أَنَّ الْيَمِينَ الْغَمُوسَ لَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ.
وَلَكِنْ لِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنَ الْأَيْمَانِ الْغَمُوسِ مَا لَا يُقْتَطَعُ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ، وَهُوَ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ، أَوْ يَقُولَ: إِنَّ الْأَيْمَانَ الَّتِي يُقْتَطَعُ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ قَدْ جَمَعَتِ الظُّلْمَ وَالْحِنْثَ، فَوَجَبَ أَلَّا تَكُونَ الْكَفَّارَةُ تَهْدِمُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، أَوْ لَيْسَ يُمْكِنُ فِيهَا أَنْ تَهْدِمَ الْحِنْثَ دُونَ الظُّلْمِ، لِأَنَّ رَفْعَ الْحِنْثِ بِالْكَفَّارَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ التَّوْبَةِ، وَلَيْسَ تَتَبَعَّضُ التَّوْبَةُ فِي الذَّنْبِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ تَابَ وَرَدَّ الْمَظْلَمَةَ وَكَفَّرَ سَقَطَ عَنْهُ جَمِيعُ الْإِثْمِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيةُ: وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ قَالَ: أَنَا كَافِرٌ بِاللَّهِ، أَوْ مُشْرِكٌ بِاللَّهِ، أَوْ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ ; إِنْ فَعَلْتُ كَذَا، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ; هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَلَا هَذِهِ يَمِينٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ يَمِينٌ وَعَلَيْهِ فِيهَا الْكَفَّارَةُ إِذَا خَالَفَ الْيَمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يَجُوزُ الْيَمِينُ بِكُلِّ مَا لَهُ حُرْمَةٌ أَمْ لَيْسَ يَجُوزُ إِلَّا بِاللَّهِ فَقَطْ؟ ثُمَّ إِنْ وَقَعَتْ فَهَلْ تَنْعَقِدُ أَمْ لَا؟ . فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْأَيْمَانَ الْمُنْعَقِدَةَ: أَعْنِي

الَّتِي هِيَ بِصِيَغِ الْقَسَمِ إِنَّمَا هِيَ الْأَيْمَانُ الْوَاقِعَةُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَبِأَسْمَائِهِ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ فِيهَا إِذْ لَيْسَتْ بِيَمِينٍ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْأَيْمَانَ تَنْعَقِدُ بِكُلِّ مَا عَظَّمَ الشَّرْعُ حُرْمَتَهُ قَالَ: فِيهَا الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّ الْحَلِفَ بِالتَّعْظِيمِ كَالْحَلِفِ بِتَرْكِ التَّعْظِيمِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَمَا يَجِبُ التَّعْظِيمُ يَجِبُ أَنْ لَا يُتْرَكَ التَّعْظِيمُ، فَكَمَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِوُجُوبِ حَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ لَزِمَهُ، كَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِتَرْكِ وُجُوبِهِ لَزِمَهُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي لَيْسَتْ إِقْسَامًا بِشَيْءٍ، وَإِنَّمَا تَخْرُجُ مَخْرَجَ الْإِلْزَامِ الْوَاقِعِ بِشَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: فَإِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ مَشْيٌ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، أَوْ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَغُلَامِي حُرٌّ أَوِ امْرَأَتِي طَالِقٌ أَنَّهَا تَلْزَمُ فِي الْقُرَبِ، وَفِيمَا إِذَا الْتَزَمَهُ الْإِنْسَانُ لَزِمَهُ بِالشَّرْعِ، مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ فِيهَا كَفَّارَةٌ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنْ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَثِمَ وَلَا بُدَّ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَنَّ هَذَا الْجِنْسَ مِنَ الْأَيْمَانِ فِيهَا الْكَفَّارَةُ إِلَّا الطَّلَاقَ وَالْعِتْقَ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يُكَفِّرُ مَنْ حَلَفَ بِالْعِتْقِ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ هِيَ يَمِينٌ أَوْ نَذْرٌ؟ فَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا يَمِينٌ أَوْجَبَ فِيهَا الْكَفَّارَةَ، لِدُخُولِهَا تَحْتَ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّهَا مَنْ جِنْسِ النَّذْرِ: أَيْ مِنْ جِنْسِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي نَصَّ الشَّرْعُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا الْتَزَمَهَا الْإِنْسَانُ لَزِمَتْهُ قَالَ: لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، لَكِنْ يَعْسُرُ هَذَا عَلَى الْمَالِكِيَّةِ لِتَسْمِيَتِهِمْ إِيَّاهَا أَيْمَانًا، لَكِنْ لَعَلَّهُمْ إِنَّمَا سَمَّوْهَا أَيْمَانًا عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ وَالتَّوَسُّعِ.
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ أَنْ تُسَمَّى بِحَسَبِ الدَّلَالَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَيْمَانًا، فَإِنَّ الْأَيْمَانَ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ لَهَا صِيَغٌ مَخْصُوصَةٌ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الْيَمِينُ بِالْأَشْيَاءِ الَّتِي تُعَظَّمُ وَلَيْسَتْ صِيغَةُ الشَّرْطِ هِيَ صِيغَةَ الْيَمِينِ.
فَأَمَّا هَلْ تُسَمَّى أَيْمَانًا بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ؟ وَهَلْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَيْمَانِ؟ فَفِيهِ نَظَرٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ قَدْ سُمِّيَ بِالشَّرْعِ الْقَوْلُ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الشَّرْطِ أَوْ مَخْرَجُ الْإِلْزَامِ دُونَ شَرْطِ وَلَا يَمِينَ، فَيَجِبُ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعُ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي تَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى، لَا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ مِنْ ذَلِكَ مِثْلَ الطَّلَاقِ، فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُعْطِي أَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ.
وَذَهَبَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ يَلْزَمُ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ أَعْنِي الْخَارِجَةَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ إِلَّا مَا أَلْزَمَهُ الْإِجْمَاعُ مِنْ ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنُذُورٍ فَيَلْزَمُ فِيهَا النَّذْرُ، وَلَا بِأَيْمَانٍ

فَتَرْفَعُهَا الْكَفَّارَةُ، فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَى مَنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ مَشْيًا وَلَا كَفَّارَةً، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، لِأَنَّ هَذَا نَذْرٌ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ» . فَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي تَخْرُجُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ هُوَ: هَلْ هِيَ أَيْمَانٌ أَوْ نُذُورٌ؟ أَوْ لَيْسَتْ أَيْمَانًا وَلَا نُذُورًا؟ فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِ الْقَائِلِ: أُقْسِمُ أَوْ أَشْهَدُ إِنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا، هَلْ هُوَ يَمِينٌ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقِيلَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَقِيلَ: إِنَّهَا أَيْمَانٌ ضِدَّ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقِيلَ: إِنْ أَرَادَ اللَّهَ بِهَا فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ لَمْ يُرِدِ اللَّهَ بِهَا فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْمُرَاعَى اعْتِبَارُ صِيغَةِ اللَّفْظِ، أَوِ اعْتِبَارُ مَفْهُومِهِ بِالْعَادَةِ، أَوِ اعْتِبَارُ النِّيَّةِ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ قَالَ: لَيْسَتْ بِيَمِينٍ، إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ نُطْقٌ بِمَقْسُومٍ بِهِ.
وَمَنِ اعْتَبَرَ صِيغَةَ اللَّفْظِ بِالْعَادَةِ قَالَ: هِيَ يَمِينٌ، وَفِي اللَّفْظِ مَحْذُوفٌ وَلَا بُدَّ، وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَمَنْ لَمْ يَعْتَبِرْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ، وَاعْتَبَرَ النِّيَّةَ إِذْ كَانَ اللَّفْظُ صَالِحًا لِلْأَمْرَيْنِ فَرَّقَ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ.

[الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ الرَّافِعَةِ لِلْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ وَأَحْكَامِهَا]

[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ النَّظَرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي شُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْيَمِينِ]

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا قِسْمَيْنِ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: النَّظَرُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ.
الْقِسْمُ َالثَّانِي: النَّظَرُ فِي الْكَفَّارَاتِ.
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ وَفِي هَذَا الْقِسْمِ فَصْلَانِ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي شُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْيَمِينِ.
الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي تَعْرِيفِ الْأَيْمَانِ الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الَّتِي لَا يُؤَثِّرُ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي شُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْيَمِينِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بِالْجُمْلَةِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي حَلِّ الْأَيْمَانِ، وَاخْتَلَفُوا فِي شُرُوطِ الِاسْتِثْنَاءِ الَّذِي يَجِبُ لَهُ هَذَا الْحُكْمُ بَعْدَ أَنْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا اجْتَمَعَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ أَنْ يَكُونَ مُتَنَاسِقًا مَعَ الْيَمِينِ، وَمَلْفُوظًا بِهِ، وَمَقْصُودًا مِنْ أَوَّلِ الْيَمِينِ ; أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ مَعَهُ الْيَمِينُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَوَاضِعَ أَعْنِي: إِذَا فَرَّقَ الِاسْتِثْنَاءَ مِنَ الْيَمِينِ، أَوْ نَوَاهُ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ، أَوْ حَدَثَتْ لَهُ نِيَّةُ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ الْيَمِينِ وَإِنْ أَتَى بِهِ مُتَنَاسِقًا مَعَ الْيَمِينِ.
فَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: وَهِيَ اشْتِرَاطُ اتِّصَالِهِ بِالْقَسَمِ: فَإِنَّ قَوْمًا اشْتَرَطُوا ذَلِكَ فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بَأْسَ بَيْنَهُمَا بِالسَّكْتَةِ الْخَفِيفَةِ كَسَكْتَةِ الرَّجُلِ لِلتَّذَكُّرِ أَوْ لِلتَّنَفُّسِ أَوْ لِانْقِطَاعِ الصَّوْتِ.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ التَّابِعِينَ: يَجُوزُ لِلْحَالِفِ الِاسْتِثْنَاءُ مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ مَجْلِسِهِ.
وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَرَى أَنَّ لَهُ الِاسْتِثْنَاءَ أَبَدًا عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْهُ مَتَى مَا ذَكَرَ.
وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى أَنَّ اسْتِثْنَاءَ مَشِيئَةِ اللَّهِ فِي الْأَمْرِ الْمَحْلُوفِ عَلَى فِعْلِهِ إِنْ كَانَ فِعْلًا ; أَوْ عَلَى تَرْكِهِ إِنْ كَانَ تَرْكًا رَافِعٌ لِلْيَمِينِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ رَفْعٌ لِلُزُومِ الْيَمِينِ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ ; لَمْ يَحْنَثْ» . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الْيَمِينِ إِذَا لَمْ تُوصَلْ بِهَا أَوْ لَا يُؤَثِّرُ؟ لِاخْتِلَافِهِمْ هَلِ الِاسْتِثْنَاءُ حَالٌّ لِلِانْعِقَادِ أَمْ هُوَ مَانِعٌ لَهُ؟ فَإِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ مَانِعٌ لِلِانْعِقَادِ لَا حَالٌّ لَهُ اشْتُرِطَ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ، وَإِذَا قُلْنَا إِنَّهُ حَالٌّ لَمْ يَلْزَمْ فِيهِ ذَلِكَ.
وَالَّذِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ حَالٌّ اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ حَالٌّ بِالْقُرْبِ أَوْ بِالْبُعْدِ عَلَى مَا حَكَيْنَا وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ رَأَى أَنَّهُ حَالٌّ بِالْقُرْبِ بِمَا رَوَاهُ سَعْدٌ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، قَالَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» . فَدَلَّ هَذَا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حَالٌّ لِلْيَمِينِ لَا مَانِعٌ لَهَا مِنَ الِانْعِقَادِ.
قَالُوا: وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ حَالٌّ بِالْقُرْبِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَالًّا بِالْبُعْدِ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ لَكَانَ الِاسْتِثْنَاءُ يُغْنِي عَنِ الْكَفَّارَةِ، وَالَّذِي قَالُوهُ بَيِّنٌ.

; وَأَمَّا اشْتِرَاطُ النُّطْقِ بِاللِّسَانِ فَإِنَّهُ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَقِيلَ: لَا بُدَّ فِيهِ مِنَ اشْتِرَاطِ اللَّفْظِ، أَيَّ لَفْظٍ كَانَ مِنْ أَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِأَلْفَاظِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَوْ بِتَخْصِيصِ الْعُمُومِ، أَوْ بِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ، هَذَا هُوَ

الْمَشْهُورُ.
وَقِيلَ: إِنَّمَا يَنْفَعُ الِاسْتِثْنَاءُ بِالنِّيَّةِ بِغَيْرِ لَفْظٍ فِي حَرْفِ (إِلَّا) فَقَطْ (أَيْ: بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ إِلَّا) ، وَلَيْسَ يَنْفَعُ ذَلِكَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْحُرُوفِ، وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ ضَعِيفَةٌ.
وَالسَّبَبُ فِي الِاخْتِلَافِ هُوَ: هَلْ تَلْزَمُ الْعُقُودُ اللَّازِمَةُ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ دُونَ اللَّفْظِ، أَوْ بِاللَّفْظِ وَالنِّيَّةِ مَعًا، مِثْلَ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ وَالْيَمِينِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ هَلْ تَنْفَعُ النِّيَّةُ الْحَادِثَةُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْيَمِينِ؟ فَقِيلَ أَيْضًا فِي الْمَذْهَبِ: إِنَّهَا تَنْفَعُ إِذَا حَدَثَتْ مُتَّصِلَةً بِالْيَمِينِ.
وَقِيلَ: بَلْ إِذَا حَدَثَتْ قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ النُّطْقُ بِالْيَمِينِ.
وَقِيلَ: بَلِ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: اسْتِثْنَاءٌ مِنْ عَدَدٍ، وَاسْتِثْنَاءٌ مِنْ عُمُومٍ بِتَخْصِيصٍ ; أَوْ مِنْ مُطْلَقٍ بِتَقْيِيدٍ.
فَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْعَدَدِ لَا يَنْفَعُ فِيهِ إِلَّا حُدُوثُ النِّيَّةِ قَبْلَ النُّطْقِ بِالْيَمِينِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْعُمُومِ يَنْفَعُ فِيهِ حُدُوثُ النِّيَّةِ بَعْدَ الْيَمِينِ إِذَا وَصَلَ الِاسْتِثْنَاءُ نُطْقًا بِالْيَمِينِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الِاسْتِثْنَاءُ مَانِعٌ لِلْعَقْدِ أَوْ حَالٌّ لَهُ؟ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ مَانِعٌ فَلَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ حُدُوثِ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْيَمِينِ.
وَإِنْ قُلْنَا إِنَّهُ حَالٌّ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنْ يُشْتَرَطَ حُدُوثُ النِّيَّةِ فِي أَوَّلِ الْيَمِينِ لِلِاتِّفَاقِ، وَزَعَمَ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ حَالٌّ لِلْيَمِينِ كَالْكَفَّارَةِ سَوَاءٌ.
الْفَصْلُ الثَّانِي مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ: فِي تَعْرِيفِ الْأَيْمَانِ الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا الِاسْتِثْنَاءُ وَغَيْرِهَا.
وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي يُؤَثِّرُ فِيهَا اسْتِثْنَاءُ مَشِيئَةِ اللَّهِ مِنَ الَّتِي لَا يُؤَثِّرُ فِيهَا.
فَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ: لَا تُؤَثِّرُ الْمَشِيئَةُ إِلَّا فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي تُكَفَّرُ، وَهِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ عِنْدَهُمْ، أَوِ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَأَمَّا الطَّلَاقُ وَالْعِتَاقُ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُعَلَّقَ الِاسْتِثْنَاءُ فِي ذَلِكَ بِمُجَرَّدِ الطَّلَاقِ أَوِ الْعِتْقِ فَقَطْ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: هِيَ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ عَتِيقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهَذِهِ لَيْسَتْ عِنْدَهُمْ يَمِينًا.
وَإِمَّا أَنْ يُعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِشَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ كَانَ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ إِنْ كَانَ كَذَا فَهُوَ عَتِيقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَشِيئَةَ غَيْرُ مُؤَثِّرَةٍ فِيهِ.
وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي (وَهُوَ الْيَمِينُ بِالطَّلَاقِ) : فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهِ قَوْلَانِ: أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ إِذَا صُرِفَ الِاسْتِثْنَاءُ إِلَى الشَّرْطِ الَّذِي عُلِّقَ بِهِ الطَّلَاقُ صَحَّ، وَإِنْ صَرَفَهُ إِلَى نَفْسِ الطَّلَاقِ لَمْ يَصِحَّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: الِاسْتِثْنَاءُ يُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، سَوَاءٌ قَرَنَهُ بِالْقَوْلِ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الشَّرْطِ، أَوْ بِالْقَوْلِ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْخَبَرِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: مَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هَلْ هُوَ حَالٌّ أَوْ مَانِعٌ؟ فَإِذَا قُلْنَا: مَانِعٌ ; وَقُرِنَ بِلَفْظِ مُجَرَّدِ الطَّلَاقِ ; فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِيهِ، إِذْ قَدْ وَقَعَ الطَّلَاقُ (أَعْنِي: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ لِزَوْجَتِهِ: هِيَ طَالِقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ إِنَّمَا يَقُومُ لِمَا لَمْ يَقَعْ، وَهُوَ الْمُسْتَقْبَلُ، وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ

حَالٌّ لِلْعُقُودِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الطَّلَاقِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ وَقَعَ، فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ بَيِّنٌ.
وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي هَذَا مُسْتَحِيلٌ، لِأَنَّ الطَّلَاقَ قَدْ وَقَعَ، إِلَّا أَنْ يَعْتَقِدُوا أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هُوَ مَانِعٌ لَا حَالٌّ.
فَتَأَمَّلْ هَذَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

[الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ النَّظَرُ فِي الْكَفَّارَاتِ]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مُوجِبِ الْحِنْثِ وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ]

الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ وَهَذَا الْقِسْمُ فِيهِ ثَلَاثُ قَوَاعِدَ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مُوجِبِ الْحِنْثِ وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ.

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي رَافِعِ الْحِنْثِ،

وَهِيَ الْكَفَّارَاتُ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: مَتَى تَرْفَعُ؟ وَكَمْ تَرْفَعُ؟ الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مُوجِبِ الْحِنْثِ وَشُرُوطِهِ وَأَحْكَامِهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مُوجِبَ الْحِنْثِ هُوَ الْمُخَالَفَةُ لِمَا انْعَقَدَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ: وَذَلِكَ إِمَّا فِعْلُ مَا حَلَفَ عَلَى أَلَّا يَفْعَلَهُ، وَإِمَّا تَرْكُ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ قَدْ تَرَاخَى عَنْ فِعْلِ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ إِلَى وَقْتٍ لَيْسَ يُمْكِنُهُ فِيهِ فِعْلُهُ، وَذَلِكَ فِي الْيَمِينِ بِالتَّرْكِ الْمُطْلَقِ، مِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ لَتَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ فَيَأْكُلُهُ غَيْرُهُ ; أَوْ إِلَى وَقْتٍ هُوَ غَيْرُ الْوَقْتِ الَّذِي اشْتُرِطَ فِي وُجُودِ الْفِعْلِ عَنْدَهُ، وَذَلِكَ فِي الْفِعْلِ الْمُشْتَرَطِ فِعْلُهُ فِي زَمَانٍ مَحْدُودٍ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: وَاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ الْيَوْمَ كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّهُ إِذَا انْقَضَى النَّهَارُ وَلَمْ يَفْعَلْ حَنِثَ ضَرُورَةً.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: إِذَا أَتَى بِالْمُخَالِفِ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا.
وَالثَّانِي: هَلْ يَتَعَلَّقُ مُوجَبُ الْيَمِينِ بِأَقَلِّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَوْ بِجَمِيعِهِ؟ وَالْمَوْضِعِ الثَّالِثِ: هَلْ يَتَعَلَّقُ الْيَمِينُ بِالْمَعْنَى الْمُسَاوِي لِصِيغَةِ اللَّفْظِ، أَوْ بِمَفْهُومِهِ الْمُخَصِّصِ لِلصِّيغَةِ وَالْمُعَمِّمِ لَهَا؟ وَالْمَوْضِعُ الرَّابِعِ: هَلِ الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ أَوِ الْمُسْتَحْلِفِ؟ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى السَّاهِيَ وَالْمُكْرَهَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِدِ.
وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنْ لَا حِنْثَ عَلَى السَّاهِي وَلَا عَلَى الْمُكْرَهِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89] وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ عَامِدٍ وَنَاسٍ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» فَإِنَّ هَذَيْنِ الْعُمُومَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّصَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبِهِ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَمِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ أَنْ لَا يَفْعَلَ شَيْئًا فَفَعَلَ بَعْضَهُ، أَوْ أَنَّهُ يَفْعَلُ شَيْئًا فَلَمْ يَفْعَلْ بَعْضَهُ، فَعِنْدَ مَالِكٍ إِذَا حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الرَّغِيفَ فَأَكَلَ بَعْضَهُ لَا يَبْرَأُ إِلَّا بِأَكْلِهِ كُلِّهِ، وَإِذَا قَالَ: لَا آكُلُ هَذَا الرَّغِيفَ أَنَّهُ يَحْنَثُ إِنْ أَكَلَ بَعْضَهُ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، حَمْلًا عَلَى الْأَخْذِ بِأَكْثَرِ مِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ.
وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَالِكٍ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ فَلَمْ يَجْرِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ أَخَذَ فِي التَّرْكِ بِأَقَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَأَخَذَ فِي الْفِعْلِ بِجَمِيعِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الِاحْتِيَاطِ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فَمِثْلَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ يُفْهَمُ مِنْهُ الْقَصْدُ إِلَى مَعْنًى أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي لَفَظَ بِهِ، أَوْ أَخَصَّ، أَوْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ وَيَنْوِي بِهِ مَعْنًى أَعَمَّ أَوْ أَخَصَّ، أَوْ يَكُونَ لِلشَّيْءِ الَّذِي حَلَفَ عَلَيْهِ اسْمَانِ أَحَدُهُمَا لُغَوِيٌّ، وَالْآخَرُ عُرْفِيٌّ، وَأَحَدُهُمَا أَخَصُّ مِنَ الْآخَرِ.
وَأَمَّا إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ بِعَيْنِهِ فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ إِلَّا بِالْمُخَالَفَةِ الْوَاقِعَةِ فِي ذَلِكَ الشَّيْءِ بِعَيْنِهِ الَّذِي وَقَعَ عَلَيْهِ الْحَلِفُ، وَإِنْ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ مَعْنًى أَعَمَّ أَوْ أَخَصَّ مِنْ قِبَلِ الدَّلَالَةِ الْعُرْفِيَّةِ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِيمَ أَحْسَبُ لَا يَعْتَبِرُونَ النِّيَّةَ الْمُخَالِفَةَ لِلَّفْظِ، وَإِنَّمَا يَعْتَبِرُونَ مُجَرَّدَ الْأَلْفَاظِ فَقَطْ.
وَأَمَّا مَالِكٌ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ أَوَّلًا عِنْدَهُ فِي الْأَيْمَانِ الَّتِي لَا يُقْضَى عَلَى حَالِفِهَا هُوَ النِّيَّةُ، فَإِنْ عُدِمَتْ فَقَرِينَةُ الْحَالِ، فَإِنْ عُدِمَتْ فَعُرْفُ اللَّفْظِ، فَإِنْ عُدِمَ فَدَلَالَةُ اللُّغَةِ، وَقِيلَ: لَا يُرَاعَى إِلَّا النِّيَّةُ أَوْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ اللُّغَوِيِّ فَقَطْ، وَقِيلَ: يُرَاعَى النِّيَّةُ وَبِسَاطُ الْحَالِ، وَلَا يُرَاعَى الْعُرْفُ.
وَأَمَّا الْأَيْمَانُ الَّتِي يُقْضَى بِهَا عَلَى صَاحِبِهَا: فَإِنَّهُ إِنْ جَاءَ الْحَالِفُ مُسْتَفْتِيًا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْيَمِينِ الَّتِي لَا يُقْضَى بِهَا عَلَى صَاحِبِهَا مِنْ مُرَاعَاةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيبِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُقْضَى بِهَا عَلَيْهِ لَمْ يُرَاعَ فِيهَا إِلَّا اللَّفْظُ، إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ لِمَا يَدَّعِي مِنَ النِّيَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ قَرِينَةُ الْحَالِ أَوِ الْعُرْفِ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ فِي الدَّعَاوِي، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِثْلَ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمَوَاعِيدِ فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ.
وَثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ» . وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكُ» خَرَّجَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مُسْلِمٌ.
وَمَنْ قَالَ: الْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْحَالِفِ، فَإِنَّمَا اعْتَبَرَ الْمَعْنَى الْقَائِمَ بِالنَّفْسِ مِنَ الْيَمِينِ لَا ظَاهِرَ

اللَّفْظِ.
وَفِي هَذَا الْبَابِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْأَرْبَعَ هِيَ أُصُولُ هَذَا الْبَابِ، إِذْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ فِي هَذَا الْبَابِ رَاجِعًا إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ، وَذَلِكَ فِي الْأَكْثَرِ مِثْلَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ رُءُوسًا فَأَكَلَ رُءُوسَ حِيتَانٍ هَلْ يَحْنَثُ أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَاعَى الْعُرْفَ قَالَ: لَا يَحْنَثُ، وَمَنْ رَاعَى دَلَالَةَ اللُّغَةِ قَالَ: يَحْنَثُ.
وَمِثْلَ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلُ لَحْمًا فَأَكَلَ شَحْمًا، فَمَنِ اعْتَبَرَ دَلَالَةَ اللَّفْظِ الْحَقِيقِيِّ، قَالَ: لَا يَحْنَثُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ اسْمَ الشَّيْءِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى مَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ قَالَ: يَحْنَثُ.
بِالْجُمْلَةِ فَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَسَائِلِ الْفُرُوعِيِّةِ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي ذَكَرْنَا، وَرَاجِعَةٌ إِلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي دَلَالَاتِ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يُحْلَفُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّ مِنْهَا مَا هِيَ مُجْمَلَةٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ ظَاهِرَةٌ، وَمِنْهَا مَا هِيَ نُصُوصٌ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي رَافِعِ الْحِنْثِ]

ِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْكَفَّارَةَ فِي الْأَيْمَانِ هِيَ أَرْبَعَةُ الْأَنْوَاعِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: 89] الْآيَةَ.
وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ إِذَا حَنِثَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ مِنْهَا: أَعْنِي الْإِطْعَامَ أَوِ الْكِسْوَةَ أَوِ الْعِتْقَ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الصِّيَامُ إِلَّا إِذَا عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ﴾ [المائدة: 89] إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا غَلَّظَ الْيَمِينَ أَعْتَقَ أَوْ كَسَا، وَإِذَا لَمْ يُغَلِّظْهَا أَطْعَمَ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي سَبْعِ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٍ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي مِقْدَارِ الْإِطْعَامِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَشَرَةِ مَسَاكِينَ.
الثَّانِيَةُ: فِي جِنْسِ الْكِسْوَةِ إِذَا اخْتَارَ الْكِسْوَةَ وَعَدَّدَهَا.
الثَّالِثَةُ: فِي اشْتِرَاطِ التَّتَابُعِ فِي صِيَامِ ثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ أَوْ لَا اشْتِرَاطِهِ.
الرَّابِعَةُ: فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْمَسَاكِينِ.
الْخَامِسَةُ: فِي اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِيهِمْ وَالْحُرِّيَّةِ.
السَّادِسَةُ: فِي اشْتِرَاطِ السَّلَامَةِ فِي الرَّقَبَةِ الْمُعْتَقَةِ مِنَ الْعُيُوبِ.
السَّابِعَةُ: فِي اشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ فِيهَا.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا مِقْدَارُ الْإِطْعَامِ: فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ: يُعْطَى لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِنْ حِنْطَةٍ، بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: الْمُدُّ خَاصٌّ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَطْ لِضِيقِ مَعَايِشِهِمْ، وَأَمَّا سَائِرُ الْمُدُنِ فَيُعْطُونَ الْوَسَطَ مِنْ نَفَقَتِهِمْ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجْرِي الْمُدُّ فِي كُلِّ

مَدِينَةٍ مِثْلَ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُعْطِيهِمْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ حِنْطَةٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ، قَالَ: فَإِنْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ أَجَزْأَهُ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَأْوِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] هَلِ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَكْلَةٌ وَاحِدَةٌ، أَوْ قُوتُ الْيَوْمِ، وَهُوَ غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ؟ فَمَنْ قَالَ: أَكْلَةٌ وَاحِدَةٌ قَالَ: الْمُدُّ وَسَطٌ فِي الشِّبَعِ.
وَمَنْ قَالَ: غَدَاءٌ وَعَشَاءٌ قَالَ: نِصْفُ صَاعٍ.
وَلِاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ تَرَدُّدُ هَذِهِ الْكَفَّارَةِ بَيْنَ كَفَّارَةِ الْفِطْرِ مُتَعَمِّدًا فِي رَمَضَانَ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْأَذَى.
فَمَنْ شَبَّهَهَا بِكَفَّارَةِ الْفِطْرِ قَالَ: مُدٌّ وَاحِدٌ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِكَفَّارَةِ الْأَذَى قَالَ: نِصْفُ صَاعٍ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَكُونُ مَعَ الْخُبْزِ فِي ذَلِكَ إِدَامٌ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ فَمَا هُوَ الْوَسَطُ فِيهِ؟ فَقِيلَ: يُجْزِي الْخُبْزُ قِفَارًا.
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَا يُجْزِي.
وَقِيلَ: الْوَسَطُ مِنَ الْإِدَامِ: الزَّيْتُ.
وَقِيلَ: اللَّبَنُ وَالسَّمْنُ وَالتَّمْرُ.
وَاخْتَلَفُوا أَصْحَابُ مَالِكٍ مَنِ الْأَهْلُ الَّذِينَ أَضَافَ إِلَيْهِمُ الْوَسَطَ مِنَ الطَّعَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ [المائدة: 89] ؟ فَقِيلَ: أَهْلُ الْمُكَفِّرِ، وَعَلَى هَذَا إِنَّمَا يُخْرَجُ الْوَسَطُ مِنَ الشَّيْءِ الَّذِي مِنْهُ يَعِيشُ، إِنْ قُطْنِيَّةً فَقُطْنِيَّةٌ، وَإِنْ حِنْطَةً فَحِنْطَةٌ، وَقِيلَ: بَلْ هُمْ أَهْلُ الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُعْتَبَرُ فِي اللَّازِمِ لَهُ هُوَ الْوَسَطُ مِنْ عَيْشِ أَهْلِ الْبَلَدِ لَا مِنْ عَيْشِهِ أَعْنِي الْغَالِبَ، وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ يُحْمَلُ قِدْرُ الْوَسَطِ مِنَ الْإِطْعَامِ، أَعْنِي الْوَسَطَ مِنْ قَدْرِ مَا يُطْعِمُ أَهْلَهُ، أَوِ الْوَسَطَ مِنْ قَدْرِ مَا يُطْعِمُ أَهْلُ الْبَلَدِ أَهْلِيهِمْ إِلَّا فِي الْمَدِينَةِ خَاصَّةً.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ الْمُجْزِئُ مِنَ الْكِسْوَةِ فَإِنَّ مَالِكًا رَأَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ أَنْ يَكْسِيَ مَا يُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ، فَإِنْ كَسَا الرَّجُلَ كَسَا ثَوْبًا، وَإِنْ كَسَا النِّسَاءَ كَسَا ثَوْبَيْنِ دِرْعًا وَخِمَارًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ: إِزَارٌ، أَوْ قَمِيصٌ، أَوْ سَرَاوِيلُ، أَوْ عِمَامَةٌ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لَا تُجْزِي الْعِمَامَةُ، وَلَا السَّرَاوِيلُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الْوَاجِبُ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ دَلَالَةِ الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ أَوِ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ تَتَابُعِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ فِي الصِّيَامِ) : فَإِنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ لَمْ يَشْتَرِطَا فِي ذَلِكَ وُجُوبَ التَّتَابُعِ، وَإِنْ كَانَا اسْتَحَبَّاهُ، وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْقِرَاءَةِ الَّتِي لَيْسَتْ فِي الْمُصْحَفِ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مُتَتَابِعَاتٍ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ هَلْ يُحْمَلُ الْأَمْرُ بِمُطْلَقِ الصَّوْمِ عَلَى التَّتَابُعِ، أَمْ لَيْسَ يُحْمَلُ؟ إِذَا كَانَ الْأَصْلُ فِي الصِّيَامِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ إِنَّمَا هُوَ التَّتَابُعُ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ الْعَدَدِ فِي الْمَسَاكِينِ) : فَإِنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ قَالَا: لَا يُجْزِيهِ إِلَّا أَنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَجْزَأَهُ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الْكَفَّارَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْعَدَدِ الْمَذْكُورِ، أَوْ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَفِّرِ فَقُدِّرَ بِالْعَدَدِ الْمَذْكُورِ؟ فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَقٌّ وَاجِبٌ لِلْعَدَدِ كَالْوَصِيَّةِ ; فَلَا بُدَّ مِنَ اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ.
وَإِنْ قُلْنَا: حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى الْمُكَفِّرِ لَكِنَّهُ قُدِّرَ بِالْعَدَدِ أَجْزَأَ مِنْ ذَلِكَ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ وَاحِدٍ عَلَى عَدَدِ الْمَذْكُورِينَ، وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ الْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ فِي الْمَسَاكِينِ) فَإِنَّ مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ اشْتَرَطَاهُمَا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ اسْتِيجَابُ الصَّدَقَةِ هُوَ بِالْفَقْرِ فَقَطْ؟ أَوْ بِالْإِسْلَامِ؟ إِذْ كَانَ السَّمْعُ قَدْ أَنْبَأَ أَنَّهُ يُثَابُ بِالصَّدَقَةِ عَلَى الْفَقِيرِ الْغَيْرِ الْمُسْلِمِ.
فَمَنْ شَبَّهَ الْكَفَّارَةَ بِالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ لِلْمُسْلِمِينَ اشْتَرَطَ الْإِسْلَامَ فِي الْمَسَاكِينِ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمْ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ، وَمَنْ شَبَّهَهَا بِالصَّدَقَاتِ الَّتِي تَكُونُ عَنْ تَطَوُّعٍ أَجَازَ أَنْ يَكُونُوا غَيْرَ مُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَبِيدِ فَهُوَ هَلْ يُتَصَوَّرُ فِيهِمْ وُجُودُ الْفَقْرِ أَمْ لَا، إِذَا كَانُوا مَكْفِيِّينَ مِنْ سَادَاتِهِمْ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، أَوْ مِمَّنْ يَجِبُ أَنْ يُكْفَوْا؟ فَمَنْ رَاعَى وُجُودَ الْفَقْرِ فَقَطْ قَالَ: الْعَبِيدُ وَالْأَحْرَارُ سَوَاءٌ، إِذْ قَدْ يُوجَدُ مِنَ الْعَبِيدِ مَنْ يُجَوِّعُهُ سَيِّدُهُ.
وَمَنْ رَاعَى وُجُوبَ الْحَقِّ لَهُ عَلَى الْغَيْرِ بِالْحُكْمِ قَالَ: يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ الْقِيَامُ بِهِمْ، وَيُقْضَى بِذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا قُضِيَ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ، فَلَيْسَ يَحْتَاجُونَ إِلَى الْمَعُونَةِ بِالْكَفَّارَاتِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا مِنَ الصَّدَقَاتِ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: وَهِيَ هَلْ مِنْ شَرْطِ الرَّقَبَةِ أَنْ تَكُونَ سَلِيمَةً مِنَ الْعُيُوبِ؟) فَإِنَّ فُقَهَاءَ الْأَمْصَارِ شَرَطُوا ذَلِكَ أَعْنِي الْعُيُوبَ الْمُؤَثِّرَةَ فِي الْأَثْمَانِ.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ شَرْطِهَا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلِ الْوَاجِبُ الْأَخْذُ بِأَقَلِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ الِاسْمُ، أَوْ بِأَتَمِّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ؟ .

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ الْإِيمَانِ فِي الرَّقَبَةِ أَيْضًا) فَإِنَّ مَالِكًا، وَالشَّافِعِيَّ اشْتَرَطَا ذَلِكَ، وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ تَكُونَ الرَّقَبَةُ غَيْرَ مُؤْمِنَةٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلْ يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتَّفِقُ فِي الْأَحْكَامِ وَتَخْتَلِفُ فِي الْأَسْبَابِ، كَحُكْمِ حَالِ هَذِهِ الْكَفَّارَاتِ مَعَ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ؟ فَمَنْ قَالَ: يُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيِّدِ فِي ذَلِكَ قَالَ بِاشْتِرَاطِ الْإِيمَانِ فِي ذَلِكَ، حَمْلًا عَلَى اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] ، وَمَنْ قَالَ: لَا يُحْمَلُ وَجَبَ عِنْدَهُ أَنْ يَبْقَى مُوجَبُ اللَّفْظِ عَلَى إِطْلَاقِهِ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ مَتَى تَرْفَعُ الْكَفَّارَةُ الْحِنْثَ وَكَمْ تَرْفَعُ]

ُ؟ وَأَمَّا مَتَى تَرْفَعُ الْكَفَّارَةُ الْحِنْثَ وَتَمْحُوهُ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِذَا كَفَرَ بَعْدَ الْحِنْثِ أَوْ قَبْلَهُ فَقَدِ ارْتَفَعَ الْإِثْمُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَرْتَفِعُ الْحِنْثُ إِلَّا بِالتَّكْفِيرِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الْحِنْثِ لَا قَبْلَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُ الرِّوَايَةِ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ» . فَإِنَّ قَوْمًا رَوَوْهُ هَكَذَا، وَقَوْمٌ رَوَوْهُ: «فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ» . وَظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ تَجُوزُ قَبْلَ الْحِنْثِ، وَظَاهِرُ الثَّانِيَةِ أَنَّهَا بَعْدَ الْحِنْثِ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يُجْزِي تَقْدِيمُ الْحَقِّ الْوَاجِبِ قَبْلَ وَقْتِ وُجُوبِهِ؟ لِأَنَّهُ مِنَ الظَّاهِرِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بَعْدَ الْحِنْثِ، كَالزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْلِ.
وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِإِرَادَةِ الْحِنْثِ وَالْعَزْمِ عَلَيْهِ كَالْحَالِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَلَا يَدْخُلُهُ الْخِلَافُ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ.
وَكَانَ سَبَبُ الْخِلَافِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى هُوَ: هَلِ الْكَفَّارَةُ رَافِعَةٌ لِلْحِنْثِ إِذَا وَقَعَ، أَوْ مَانِعَةٌ لَهُ؟ فَمَنْ قَالَ: مَانِعَةٌ، أَجَازَ تَقْدِيمَهَا عَلَى الْحِنْثِ، وَمَنْ قَالَ: رَافِعَةٌ، لَمْ يُجِزْهَا إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِهِ.
وَأَمَّا تَعَدُّدُ الْكَفَّارَاتِ بِتَعَدُّدِ الْأَيْمَانِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى أُمُورٍ شَتَّى بِيَمِينٍ وَاحِدَةٍ أَنَّ كَفَّارَتَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، وَكَذَلِكَ فِيمَا أَحْسَبُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّهُ إِذَا حَلَفَ بِأَيْمَانٍ شَتَّى عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَةَ فِي ذَلِكَ بِعَدَدِ الْأَيْمَانِ، كَالْحَالِفِ إِذَا حَلَفَ بِأَيْمَانٍ شَتَّى عَلَى أَشْيَاءَ شَتَّى.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَلَفَ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِعَيْنِهِ مِرَارًا كَثِيرَةً فَقَالَ قَوْمٌ: فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالَ قَوْمٌ: فِي كُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّأْكِيدَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّغْلِيظَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلِ الْمُوجِبُ لِلتَّعَدُّدِ هُوَ تَعَدُّدُ الْأَيْمَانِ بِالْجِنْسِ أَوْ بِالْعَدَدِ؟ فَمَنْ قَالَ: اخْتِلَافُهَا بِالْعَدَدِ قَالَ: لِكُلِّ يَمِينٍ كَفَّارَةٌ إِذَا كَرَّرَ.
وَمَنْ قَالَ اخْتِلَافُهَا بِالْجِنْسِ قَالَ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ يَمِينٌ وَاحِدَةٌ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا حَلَفَ فِي يَمِينٍ وَاحِدَةٍ بِأَكْثَرَ مِنْ صِفَتَيْنِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، هَلْ تُعَدَّدُ الْكَفَّارَاتُ بِتَعَدُّدِ الصِّفَاتِ الَّتِي تَضَمَّنَتِ الْيَمِينُ أَمْ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: الْكَفَّارَةُ فِي هَذِهِ الْيَمِينِ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِ الصِّفَاتِ.
فَمَنْ حَلَفَ بِالسَّمِيعِ الْعَلِيمِ الْحَكِيمِ كَانَ عَلَيْهِ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ عِنْدَهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ أَرَادَ

الْكَلَامَ الْأَوَّلَ وَجَاءَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ قَوْلٌ وَاحِدٌ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ إِذْ كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ مُرَاعَاةُ الْوَاحِدَةِ أَوِ الْكَثْرَةِ فِي الْيَمِينِ هُوَ رَاجِعٌ إِلَى صِيغَةِ الْقَوْلِ ; أَوْ إِلَى تَعَدُّدِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهَا الْقَوْلُ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجَ يَمِينٍ؟ فَمَنِ اعْتَبَرَ الصِّيغَةَ قَالَ: كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَمَنِ اعْتَبَرَ عَدَدَ مَا تَضَمَّنَتْهُ صِيغَةُ الْقَوْلِ مِنَ الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُقْسَمَ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى انْفِرَادِهِ، قَالَ: الْكَفَّارَةُ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِهَا.
وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي قَوَاعِدِ هَذَا الْكِتَابِ، وَسَبَبِ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، وَاللَّهُ الْمُعِينُ بِرَحْمَتِهِ.

[كِتَابُ النُّذُورِ]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي أَصْنَافِ النُّذُورِ] وَهَذَا الْكِتَابُ فِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ:

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَصْنَافِ النُّذُورِ.

الْفَصْلُ الثَّانِي: فِيمَا يَلْزَمُ مِنَ النُّذُورِ وَمَا لَا يَلْزَمُ، وَجُمْلَةُ أَحْكَامِهَا.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُ عَنْهَا وَأَحْكَامِهَا.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي أَصْنَافِ النُّذُورِ وَالنُّذُورُ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ، وَقِسْمٌ مِنْ جِهَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تُنْذَرُ.
فَأَمَّا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ فَإِنَّهُ ضَرْبَانِ: مُطْلَقٌ وَهُوَ الْمُخْرَجُ مَخْرَجَ الْخَبَرِ، وَمُقَيَّدٌ: وَهُوَ الْمُخْرَجُ مُخْرَجَ الشَّرْطِ.
وَالْمُطْلَقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُصَرَّحٌ فِيهِ بِالشَّيْءِ الْمَنْذُورِ بِهِ، وَغَيْرُ مُصَرَّحٍ، فَالْأَوَّلُ: مِثْلُ قَوْلِ الْقَائِلِ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ أَنْ أَحُجَّ، وَالثَّانِي: مِثْلُ قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، دُونَ أَنْ يُصَرِّحَ بِمَخْرَجِ النَّذْرِ، وَالْأَوَّلُ رُبَّمَا صَرَّحَ فِيهِ بِلَفْظِ النُّذُورِ، وَرُبَّمَا لَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ.
وَأَمَّا الْمُقَيَّدُ الْمُخْرَجُ مَخْرَجَ الشَّرْطِ: فَكَقَوْلِ الْقَائِلِ: إِنْ كَانَ كَذَا فَعَلَيَّ لِلَّهِ نَذْرٌ كَذَا، وَأَنْ أَفْعَلَ كَذَا، وَهَذَا رُبَّمَا عَلَّقَهُ بِفِعْلٍ مِنْ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي فَعَلَيَّ نَذْرٌ كَذَا وَكَذَا، وَرُبَّمَا عَلَّقَهُ بِفِعْلِ نَفْسِهِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَلَيَّ نَذْرٌ كَذَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ أَيْمَانًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَيْمَانٍ، فَهَذِهِ هِيَ أَصْنَافُ النَّذْرِ مِنْ جِهَةِ الصِّيَغِ.
وَأَمَّا أَصْنَافُهُ مِنْ جِهَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي مِنْ جِنْسِ الْمَعَانِي الْمَنْذُورِ بِهَا: فَإِنَّهَا تَنْقَسِمُ إِلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: نَذْرٌ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ الْقُرَبِ، وَنَذْرٌ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ الْمَعَاصِي، وَنَذْرٌ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ الْمَكْرُوهَاتِ، وَنَذْرٌ بِأَشْيَاءَ مِنْ جِنْسِ الْمُبَاحَاتِ.
وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: نَذْرٌ بِتَرْكِهَا، وَنَذْرٌ بِفِعْلِهَا.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِيمَا يَلْزَمُ مِنَ النُّذُورِ وَمَا لَا يَلْزَمُ]

وَأَمَّا مَا يَلْزَمُ مِنْ هَذِهِ النُّذُورِ وَمَا لَا يَلْزَمُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ فِي الْقُرَبِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّذْرَ الْمُطْلَقَ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا اتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا لَا عَلَى وَجْهِ اللَّجَاجِ ; وَصُرِّحَ فِيهِ بِلَفْظِ النَّذْرِ لَا إِذَا لَمْ يُصَرَّحْ، وَسَوَاءٌ أكَانَ النَّذْرُ مُصَرَّحًا فِيهِ بِالشَّيْءِ الْمَنْذُورِ أَوْ كَانَ غَيْرَ مُصَرَّحٍ.
وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى لُزُومِ

النَّذْرِ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الشَّرْطِ إِذَا كَانَ نَذْرًا بِقُرْبَةٍ، وَإِنَّمَا صَارُوا لِوُجُوبِ النَّذْرِ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] . وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ مَدَحَ بِهِ فَقَالَ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: 7] . وَأَخْبَرَ بِوُقُوعِ الْعِقَابِ بِنَقْضِهِ، فَقَالَ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: 75] الْآيَةَ، إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة: 77] . وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي التَّصْرِيحِ بِلَفْظِ النَّذْرِ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يَجِبُ النَّذْرُ بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ مَعًا أَوْ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ؟ فَمَنْ قَالَ بِهِمَا مَعًا إِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا ; وَلَمْ يَقُلْ: نَذْرًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّهُ إِخْبَارٌ بِوُجُوبِ شَيْءٍ لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يُصَرِّحَ بِجِهَةِ الْوُجُوبِ، وَمَنْ قَالَ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ اللَّفْظُ قَالَ: يَنْعَقِدُ النَّذْرُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَعْنِي: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُصَرِّحْ بِلَفْظِ النَّذْرِ أَنَّهُ يَلْزَمُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّ النَّذْرَ لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالنِّيَّةِ وَاللَّفْظِ، لَكِنْ رَأَى أَنَّ حَذْفَ لَفْظِ النَّذْرِ مِنَ الْقَوْلِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، إِذْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِالْأَقَاوِيلِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ النَّذْرِ النَّذْرَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ فِيهَا بِلَفْظِ النَّذْرِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ لَمْ يَرَ لُزُومَ النَّذْرِ الْمُطْلَقِ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ بِالْوَفَاءِ عَلَى النَّدْبِ، وَكَذَلِكَ مَنِ اشْتَرَطَ فِيهِ الرِّضَا ; فَإِنَّمَا اشْتَرَطَهُ لِأَنَّ الْقُرْبَةَ إِنَّمَا تَكُونُ عَلَى جِهَةِ الرِّضَا، لَا عَلَى جِهَةِ اللَّجَاجِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَالنَّذْرُ عِنْدَهُ لَازِمٌ عَلَى أَيِّ جِهَةٍ وَقَعَ، فَهَذَا مَا اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِهِ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ.
وَأَمَّا مَا اخْتَلَفُوا فِي لُزُومِهِ مِنْ جِهَةِ الْأَشْيَاءِ الْمَنْذُورِ بِهَا، فَإِنَّ فِيهِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْأُصُولِ اثْنَتَيْنِ:

الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً: فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: لَيْسَ يَلْزَمُهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ، وَالْكُوفِيُّونَ: بَلْ هُوَ لَازِمٌ، وَاللَّازِمُ عِنْدَهُمْ فِيهِ هُوَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لَا فِعْلُ الْمَعْصِيَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثَانِ أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . فَظَاهِرٌ هَذَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ النَّذْرُ بِالْعِصْيَانِ.
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَهَذَا نَصٌّ فِي مَعْنَى اللُّزُومِ.
فَمَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي هَذَا، قَالَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ تَضَمَّنَ الْإِعْلَامَ بِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَلْزَمُ، وَهَذَا الثَّانِي تَضَمَّنَ لُزُومَ الْكَفَّارَةِ.
فَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ حَدِيثِ عَائِشَةَ إِذْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثُ

عِمْرَانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَيْسَ يَلْزَمُ فِي الْمَعْصِيَةِ شَيْءٌ.
وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: ضَعَّفَ أَهْلُ الْحَدِيثِ حَدِيثَ عِمْرَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ قَالُوا: لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُورُ عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ أَرْقَمَ، وَهُوَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، وَحَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ يَدُورُ عَلَى زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ، وَأَبُوهُ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ، وَزُهَيْرٌ أَيْضًا عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ، وَلَكِنَّهُ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ.
وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ يَحْتَجُّوا لِمَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ، فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَجْلِسَ، وَيَصُومُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَجْلِسْ وَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ» . قَالُوا: فَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ، وَيَتْرُكَ مَا كَانَ مَعْصِيَةً، وَلَيْسَ بِالظَّاهِرِ أَنَّ تَرْكَ الْكَلَامِ مَعْصِيَةٌ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّهُ نَذْرُ مَرْيَمَ، وَكَذَلِكَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ فِي الشَّمْسِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ، إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مِنْ جِهَةِ إِتْعَابِ النَّفْسِ، فَإِنْ قِيلَ: فِيهِ مَعْصِيَةٌ، فَبِالْقِيَاسِ لَا بِالنَّصِّ، فَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ مِنَ الْمُبَاحَاتِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا مِنَ الْمُبَاحَاتِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُ مَا عَدَا الزَّوْجَةَ.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَيْسَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ النَّظَرِ لِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: 1] . وَذَلِكَ أَنَّ النَّذْرَ لَيْسَ هُوَ اعْتِقَادُ خِلَافِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ أَعْنِي مِنْ تَحْرِيمِ مُحَلَّلٍ أَوْ تَحْلِيلِ مُحَرَّمٍ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي هَذَا إِنَّمَا هُوَ لِلشَّارِعِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِمَكَانِ هَذَا الْمَفْهُومُ أَنَّ مَنْ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا أَبَاحَهُ اللَّهُ لَهُ بِالشَّرْعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ، كَمَا لَا يَلْزَمُ إِنْ نَذَرَ تَحْلِيلَ شَيْءٍ حَرَّمَهُ الشَّرْعُ.
وَظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: 2] أَثَرُ الْعَتَبِ عَلَى التَّحْرِيمِ يُوجِبُ أَنْ تَكُونَ الْكَفَّارَةُ تَحُلُّ هَذَا الْعَقْدَ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ، وَالْفِرْقَةُ الْأَوْلَى تَأَوَّلَتِ التَّحْرِيمَ الْمَذْكُورَ فِي الْآيَةِ أَنَّهُ كَانَ الْعَقْدُ بِيَمِينٍ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الْآيَةُ، وَفِي كِتَابِ مُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي شَرْبَةِ

عَسَلٍ.
وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأَتَهُ فَهُوَ يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا» ، وَقَالَ: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21] .

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُ عَنْ النذر وَأَحْكَام ذلك]

[المسألة الأولى الْوَاجِبُ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ]

الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي يَلْزَمُ عَنْهَا وَأَحْكَامِهَا وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَاذَا يَلْزَمُ فِي نَذْرِ نَذْرٍ مِنَ النُّذُورِ وَأَحْكَامِ ذَلِكَ؟ فَإِنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، لَكِنْ نُشِيرُ نَحْنُ مِنْ ذَلِكَ إِلَى مَشْهُورَاتِ الْمَسَائِلِ فِي ذَلِكَ، وَهِيَ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِأَكْثَرِ ذَلِكَ بِالنُّطْقِ الشَّرْعِيِّ عَلَى عَادَتِنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، وَفِي ذَلِكَ مَسَائِلُ خَمْسٌ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ الَّذِي لَيْسَ يُعَيِّنُ فِيهِ النَّاذِرُ شَيْئًا سِوَى أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، فَقَالَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لَا غَيْرَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ فِيهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ مِنَ الْقُرَبِ: صِيَامُ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ.
وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ لِوُجُوبِ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ فِيهِ، لِلثَّابِتِ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: صِيَامُ يَوْمٍ، أَوْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ ; فَإِنَّمَا ذَهَبَ مَذْهَبَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْمُجْزِئَ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ، وَصَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ أَوْ صِيَامُ يَوْمٍ أَقَلُّ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ النَّذْرِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: فِيهِ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ ; فَخَارِجٌ عَنِ الْقِيَاسِ وَالسَّمَاعِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اتَّفَقُوا عَلَى لُزُومِ النَّذْرِ بِالْمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَعْنِي: إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ رَاجِلًا، وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَجَزَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَاذَا عَلَيْهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَذَهَبَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ إِلَى أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مَرَّةَ أُخْرَى مِنْ حَيْثُ عَجَزَ، وَإِنْ شَاءَ رَكِبَ وَأَجْزَأَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَالَ أَهْلُ مَكَّةَ: عَلَيْهِ هَدْيٌ دُونَ إِعَادَةِ مَشْيٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا (يَعْنِي: أَنَّهُ يَرْجِعُ فَيَمْشِي مِنْ حَيْثُ وَجَبَ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، وَالْهَدْيُ عِنْدَهُ بَدَنَةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَوْ شَاةٌ إِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً أَوْ بَدَنَةً.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُنَازَعَةُ الْأُصُولِ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمُخَالَفَةُ الْأَثَرِ لَهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ شَبَّهَ الْعَاجِزَ إِذَا مَشَى مَرَّةً ثَانِيَةً

بِالْمُتَمَتِّعِ وَالْقَارِنِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْقَارِنَ فَعَلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي سَفَرَيْنِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ ; وَهَذَا فَعَلَ مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي سَفَرٍ وَاحِدٍ فِي سَفَرَيْنِ قَالَ: يَجِبُ عَلَيْهِ هَدْيُ الْقَارِنِ أَوِ الْمُتَمَتِّعِ.
وَمَنْ شَبَّهَهُ بِسَائِرِ الْأَفْعَالِ الَّتِي تَنُوبُ عَنْهَا فِي الْحَجِّ إِرَاقَةُ الدَّمِ قَالَ: فِيهِ دَمٌ.
وَمَنْ أَخَذَ بِالْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ قَالَ: إِذَا عَجَزَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَالسُّنَنُ الْوَارِدَةُ الثَّابِتَةُ فِي هَذَا الْبَابِ دَلِيلٌ عَلَى طَرْحِ الْمَشَقَّةِ، وَهُوَ كَمَا قَالَ: وَأَحَدُهَا: حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: «نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: " لِتَمْشِ وَلِتَرْكَبْ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
وَحَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَتَيْهِ، فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ» وَهَذَا أَيْضًا ثَابِتٌ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى لُزُومِ الْمَشْيِ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ إِلَى مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، يُرِيدُ بِذَلِكَ الصَّلَاةَ فِيهِمَا، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، وَحَيْثُ صَلَّى أَجَزْأَهُ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ إِنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عِنْدَهُ الْمَشْيُ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِمَكَانِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ صَاحِبُهُ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ أَوْ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَزِمَهُ، وَإِنْ صَلَّى فِي الْبَيْتِ الْحَرَامِ أَجْزَأَهُ عَنْ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ النَّاسِ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ لِمَا سِوَى هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَا يَلْزَمُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تُسْرَجُ الْمَطِيُّ إِلَّا لِثَلَاثٍ، فَذَكَرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَمَسْجِدَهُ، وَبَيْتَ الْمَقْدِسِ» . وَذَهَبَ بَعْضُ النَّاسِ إِلَى أَنَّ النَّذْرَ إِلَى الْمَسَاجِدِ الَّتِي يُرْجَى فِيهَا فَضْلٌ زَائِدٌ وَاجِبٌ، وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِفَتْوَى ابْنِ عَبَّاسٍ لِوَلَدِ الْمَرْأَةِ الَّتِي نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى مَسْجِدِ قُبَاءَ فَمَاتَتْ: أَنْ يَمْشِيَ عَنْهَا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي النَّذْرِ إِلَى مَا عَدَا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي إِلَيْهِ تُسْرَجُ الْمَطِيُّ إِلَى هَذِهِ الثَّلَاثِةِ مَسَاجِدَ، هَلْ ذَلِكَ لِمَوْضِعِ صَلَاةِ الْفَرْضِ فِيمَا عَدَا الْبَيْتَ الْحَرَامَ أَوْ لِمَوْضِعِ صَلَاةِ النَّفْلِ؟ فَمَنْ قَالَ: لِمَوْضِعِ صَلَاةِ الْفَرْضِ ; وَكَانَ الْفَرْضُ عِنْدَهُ لَا يُنْذَرُ إِذْ كَانَ وَاجِبًا بِالشَّرْعِ قَالَ: النَّذْرُ بِالْمَشْيِ إِلَى هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ غَيْرُ لَازِمٍ.
وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّ النَّذْرَ قَدْ يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ

أَوْ أَنَّهُ أَيْضًا قَدْ يُقْصَدُ هَذَانِ الْمَسْجِدَانِ لِمَوْضِعِ صَلَاةِ النَّفْلِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» وَاسْمُ الصَّلَاةِ يَشْمَلُ الْفَرْضَ وَالنَّفْلَ، قَالَ: هُوَ وَاجِبٌ.
لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الْفَرْضِ مَصِيرًا إِلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «صَلَاةُ أَحَدِكُمْ فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِهِ فِي مَسْجِدِي هَذَا إِلَّا الْمَكْتُوبَةَ» وَإِلَّا وَقَعَ التَّضَادُّ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْبَابِ الثَّانِي أَحَقُّ مِنْ أَنْ تَكُونَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ ابْنَهُ فِي مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَنْحَرُ جَزُورًا فِدَاءً لَهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَنْحَرُ شَاةً، وَهُوَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَنْحَرُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُهْدِي دِيَتَهُ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ يَحُجُّ بِهِ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَعْنِي: هَلْ مَا تَقَرَّبَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ هُوَ لَازِمٌ لِلْمُسْلِمِينَ أَمْ لَيْسَ بِلَازِمٍ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ شَرْعٌ خُصَّ بِهِ إِبْرَاهِيمُ قَالَ: لَا يَلْزَمُ النَّذْرُ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَازِمٌ لَنَا قَالَ: النَّذْرُ لَازِمٌ.
وَالْخِلَافُ فِي هَلْ يَلْزَمُنَا شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا مَشْهُورٌ، لَكِنْ يَتَطَرَّقُ إِلَى هَذَا خِلَافٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ هَذَا الْفِعْلِ أَنَّهُ كَانَ خَاصًّا بِإِبْرَاهِيمَ، وَلَمْ يَكُنْ شَرْعًا لِأَهْلِ زَمَانِهِ، وَعَلَى هَذَا فَلَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَلَفَ هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا أَمْ لَيْسَ بِشَرْعٍ؟ . وَالَّذِينَ قَالُوا: إِنَّهُ شَرْعٌ ; إِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا فِي هَلْ يُحْمَلُ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوَاجِبِ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، أَمْ يُحْمَلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقُرَبِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَذَلِكَ إِمَّا صَدَقَةٌ بِدِيَتِهِ، وَإِمَّا حَجٌّ بِهِ، وَإِمَّا هَدْيُ بَدَنَةٍ.
وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، فَذَهَبُوا إِلَى حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ.

الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَجْعَلَ مَالَهُ كُلَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ فِي سَبِيلٍ مِنْ سُبُلِ الْبَرِّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَأَنَّهُ لَيْسَ تَرْفَعُهُ الْكَفَّارَةُ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ نَذْرًا عَلَى جِهَةِ الْخَبَرِ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ يَمِينًا.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَذَرَ عَلَى جِهَةِ الشَّرْطِ ; مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: مَالِي لِلْمَسَاكِينِ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَفَعَلَهُ ; فَقَالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ لَازِمٌ، كَالنَّذْرِ عَلَى جِهَةِ الْخَبَرِ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي النُّذُورِ الَّتِي صِيَغُهَا هَذِهِ الصِّيغَةُ أَعْنِي: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: الْوَاجِبُ

فِي ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي النُّذُورِ الَّتِي مَخْرَجُهَا مَخْرَجُ الشَّرْطِ، لِأَنَّهُ أَلْحَقَهَا بِحُكْمِ الْأَيْمَانِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَأَلْحَقَهَا بِحُكْمِ النُّذُورِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ.
وَالَّذِينَ اعْتَقَدُوا وُجُوبَ إِخْرَاجِ مَالِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي اعْتَقَدُوهُ ; اخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ عَلَيْهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُخْرِجُ ثُلُثَ مَالِهِ فَقَطْ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ إِخْرَاجُ جَمِيعِ مَالِهِ، وَبِهِ قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَزُفَرُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُخْرِجُ جَمِيعَ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَجِبُ الزَّكَاةُ فِيهَا.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ أَخْرَجَ مِثْلَ زَكَاةِ مَالِهِ أَجْزَأَهُ.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ خَامِسٌ: وَهُوَ إِنْ كَانَ الْمَالُ كَثِيرًا أَخْرَجَ خُمُسَهُ، وَإِنْ كَانَ وَسَطًا أَخْرَجَ سُبُعَهُ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا أَخْرَجَ عُشْرَهُ، وَحَدَّ هَؤُلَاءِ الْكَثِيرَ بِأَلْفَيْنِ، وَالْوَسَطَ بِأَلْفٍ، وَالْقَلِيلَ بِخَمْسِمِائَةٍ، وَذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ قَتَادَةَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَعْنِي مَنْ قَالَ الْمَالُ كُلُّهُ أَوْ ثُلُثُهُ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ فِي هَذَا الْبَابِ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ «أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ حِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " يُجْزِيكَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ» هُوَ نَصٌّ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَأَمَّا الْأَصْلُ: فَيُوجِبُ أَنَّ اللَّازِمَ لَهُ إِنَّمَا هُوَ جَمِيعُ مَالِهِ حَمْلًا عَلَى سَائِرِ النَّذْرِ أَعْنِي أَنَّهُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قَصَدَهُ لَكِنَّ الْوَاجِبَ هُوَ اسْتِثْنَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ، إِذْ قَدِ اسْتَثْنَاهَا النَّصُّ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَلْزَمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَصْلُهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إِنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ شَيْئًا مُعَيَّنًا لَزِمَهُ وَإِنْ كَانَ كُلَّ مَالِهِ، وَكَذَلِكَ يَلْزَمُ عِنْدَهُ إِنْ عَيَّنَ جُزْءًا مِنْ مَالِهِ وَهُوَ أَكْثَرُ مِنَ الثُّلُثِ، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِنَصِّ مَا رَوَاهُ فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ وَفِي «قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلَّذِي جَاءَ بِمِثْلِ بَيْضَةٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ: أَصَبْتُ هَذَا مِنْ مَعْدِنٍ فَخُذْهَا فَهِيَ صَدَقَةٌ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهَا، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ثُمَّ جَاءَهُ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ ثُمَّ مِنْ خَلْفِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَحَذَفَهُ بِهَا، فَلَوْ أَصَابَهُ بِهَا لَأَوْجَعَهُ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " يَأْتِي أَحَدُكُمْ بِمَا يَمْلِكُ فَيَقُولُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، ثُمَّ يَقْعُدُ يَتَكَفَّفُ النَّاسَ، خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْمَالُ الْمُعَيَّنُ إِذَا تَصَدَّقَ بِهِ وَكَانَ جَمِيعَ مَالِهِ ; وَلَعَلَّ مَالِكًا لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ هَذِهِ الْآثَارُ.
وَأَمَّا سَائِرُ الْأَقَاوِيلِ الَّتِي قِيلَتْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَضِعَافٌ، وَبِخَاصَّةٍ مَنْ حَدَّ فِي ذَلِكَ غَيْرَ الثُّلُثِ، وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي أُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.

[كِتَابُ الضَّحَايَا]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ الضَّحَايَا وَمَنِ الْمُخَاطَبُ بِهَا] وَهَذَا الْكِتَابُ فِي أُصُولِهِ أَرْبَعَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الضَّحَايَا وَمَنِ الْمُخَاطَبُ بِهَا؟ .

الْبَابُ الثَّانِي: فِي أَنْوَاعِ الضَّحَايَا وَصِفَاتِهَا وَأَسْنَانِهَا وَعَدَدِهَا.

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي أَحْكَامِ الذَّبْحِ.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي أَحْكَامِ لُحُومِ الضَّحَايَا.

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ الضَّحَايَا، وَمَنِ الْمُخَاطَبُ بِهَا؟

اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأُضْحِيَّةِ: هَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ أَمْ هِيَ سُنَّةٌ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا مِنَ السُّنَنِ الْمُؤَكَّدَةِ، وَرَخَّصَ مَالِكٌ لِلْحَاجِّ فِي تَرْكِهَا بِمِنًى، وَلَمْ يُفَرِّقِ الشَّافِعِيُّ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَاجِّ وَغَيْرِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الضَّحِيَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُقِيمِينَ فِي الْأَمْصَارِ الْمُوسِرِينَ، وَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُسَافِرِينَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ فَقَالَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الضَّحِيَّةَ قَطُّ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ حَتَّى فِي السَّفَرِ عَلَى مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ: «ذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أُضْحِيَّتَهُ ثُمَّ قَالَ: يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَحْمَ هَذِهِ الضَّحِيَّةِ، قَالَ: فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ» . وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي أَحْكَامِ الضَّحَايَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَمِّ سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ» . قَالُوا: فَقَوْلُهُ: «إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ» فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الضَّحِيَّةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ.
وَلَمَّا أَمَرَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَبِي بُرْدَةَ بِإِعَادَةِ أُضْحِيَّتِهِ إِذْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِمَ قَوْمٌ مِنْ ذَلِكَ الْوُجُوبَ، وَمَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنْ لَا

وُجُوبَ.
قَالَ عِكْرِمَةُ: بَعَثَنِي ابْنُ عَبَّاسٍ بِدِرْهَمَيْنِ أَشْتَرِي بِهِمَا لَحْمًا وَقَالَ: مَنْ لَقِيتَ فَقُلْ لَهُ: هَذِهِ ضَحِيَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ.
وَرُوِيَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ ضَحَّى بِدِيكٍ، وَكُلُّ حَدِيثٍ لَيْسَ بِوَارِدٍ فِي الْغَرَضِ الَّذِي يُحْتَجُّ فِيهِ بِهِ فَالِاحْتِجَاجُ بِهِ ضَعِيفٌ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَلْزَمُ الَّذِي يُرِيدُ التَّضْحِيَةَ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنَ الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ، وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ ثَابِتٌ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِي أَنْوَاعِ الضَّحَايَا وَصِفَاتِهَا وَأَسْنَانِهَا وَعَدَدِهَا]

وَفِي هَذَا الْبَابِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ مَشْهُورَةٌ: إِحْدَاهَا: فِي تَمْيِيزِ الْجِنْسِ.
وَالثَّانِيَةُ: فِي تَمْيِيزِ الصِّفَاتِ.
وَالثَّالِثَةُ: فِي مَعْرِفَةِ السِّنِّ.
وَالرَّابِعَةُ: فِي الْعَدَدِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الضَّحَايَا مِنْ جَمِيعِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ ذَلِكَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الضَّحَايَا الْكِبَاشُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْإِبِلُ، بِعَكْسِ الْأَمْرِ عِنْدَهُ فِي الْهَدَايَا.
وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْكِبَاشُ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى عَكْسِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ فِي الضَّحَايَا: الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْكِبَاشُ، وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ، وَابْنُ شَعْبَانَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِدَلِيلِ الْفِعْلِ، وَذَلِكَ «أَنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ ضَحَّى إِلَّا بِكَبْشٍ» ، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْكِبَاشَ فِي الضَّحَايَا أَفْضَلُ، وَذَلِكَ فِيمَا ذَكَرَ بَعْضُ النَّاسِ.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلَّى» . وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَلِأَنَّ الضَّحَايَا قُرْبَةٌ بِحَيَوَانٍ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَفْضَلُ فِيهَا الْأَفْضَلَ فِي الْهَدَايَا، وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ لِمَذْهَبِهِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا» الْحَدِيثَ، فَكَانَ الْوَاجِبُ حَمْلَ هَذَا عَلَى جَمِيعِ الْقُرَبِ بِالْحَيَوَانِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَحَمَلَهُ عَلَى الْهَدَايَا فَقَطْ، لِئَلَّا يُعَارِضَ الْفِعْلُ الْقَوْلَ وَهُوَ الْأَوْلَى، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِاخْتِلَافِهِمْ سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ هَلِ الذِّبْحُ الْعَظِيمُ الَّذِي فَدَى بِهِ إِبْرَاهِيمُ سُنَّةٌ بَاقِيَةٌ إِلَى الْيَوْمِ، وَإِنَّهَا الْأُضْحِيَّةُ، وَإِنَّ ذَلِكَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ﴾ [الصافات: 108] . فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا قَالَ: الْكِبَاشُ أَفْضَلُ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَتْ سُنَّةً بَاقِيَةً لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكِبَاشَ أَفْضَلُ.
مَعَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ضَحَّى بِالْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا» ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالْوَاجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ.
وَكُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ الضَّحِيَّةُ بِغَيْرِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّهُ قَالَ: تَجُوزُ التَّضْحِيَةُ بِبَقَرَةِ الْوَحْشِ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالظَّبْيِ عَنْ وَاحِدٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اجْتِنَابِ الْعَرْجَاءِ الْبَيِّنِ عَرَجُهَا فِي الضَّحَايَا، وَالْمَرِيضَةِ الْبَيِّنِ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءِ الَّتِي لَا تَنْقَى، مَصِيرًا لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ مَاذَا يُتَّقَى مِنَ الضَّحَايَا؟ فَأَشَارَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: أَرْبَعٌ.
وَكَانَ الْبَرَاءُ يُشِيرُ بِيَدِهِ وَيَقُولُ: يَدِي أَقْصَرُ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: الْعَرْجَاءُ الْبَيِّنُ عَرَجُهَا، وَالْعَوْرَاءُ الْبَيِّنُ عَوَرُهَا، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيِّنُ مَرَضُهَا، وَالْعَجْفَاءُ الَّتِي لَا تُنَقَّى» . وَكَذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعِ خَفِيفًا فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي مَنْعِ الْإِجْزَاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِيمَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ أَشَدَّ مِنْ هَذِهِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا مِثْلَ الْعَمَى وَكَسْرِ السَّاقِ.
وَالثَّانِي: فِيمَا كَانَ مُسَاوِيًا لَهَا فِي إِفَادَةِ النَّقْصِ وَشَيْنِهَا أَعْنِي مَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ فِي الْأُذُنِ وَالْعَيْنِ وَالذَّنَبِ وَالضِّرْسِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ وَلَمْ يَكُنْ يَسِيرًا.
فَأَمَّا الْمَوْضِعُ الْأَوَّلُ: فَإِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ أَشَدَّ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فَهِيَ أَحْرَى أَنْ تَمْنَعَ الْإِجْزَاءَ.
وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّهُ لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ، وَلَا يُتَجَنَّبُ بِالْجُمْلَةِ أَكْثَرُ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ الَّتِي وَقَعَ النَّصُّ عَلَيْهَا.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ هَذَا اللَّفْظُ الْوَارِدُ هُوَ خَاصٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ، أَوْ خَاصٌّ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ؟ فَمَنْ قَالَ: أُرِيدَ بِهِ الْخُصُوصُ وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ بِالْعَدَدِ، قَالَ: لَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ إِلَّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ فَقَطْ.
وَمَنْ قَالَ: هُوَ خَاصٌّ أُرِيدَ بِهِ الْعُمُومُ ; وَذَلِكَ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ التَّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى، قَالَ: مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فَهُوَ أَحْرَى أَنْ لَا يُجْزِئَ.
وَأَمَّا الْمَوْضِعُ الثَّانِي أَعْنِي مَا كَانَ مِنَ الْعُيُوبِ فِي سَائِرِ الْأَعْضَاءِ مُفِيدًا لِلنَّقْصِ عَلَى نَحْوِ إِفَادَةِ هَذِهِ الْعُيُوبِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا لَهُ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ كَمَنْعِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَإِنْ كَانَ يُسْتَحَبُّ اجْتِنَابُهَا، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ، وَابْنُ الْجَلَّابِ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ وَلَا يُسْتَحَبُّ تَجَنُّبُهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَالثَّانِي: تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ.
أَمَّا الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ: فَمَنْ رَآهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ قَالَ: لَا يَمْنَعُ مَا سِوَى الْأَرْبَعِ مِمَّا هُوَ مُسَاوٍ لَهَا أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا.
وَأَمَّا مَنْ رَآهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ - وَهُمُ الْفُقَهَاءُ - فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى فَقَطْ ; لَا مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ بِالْمُسَاوِي عَلَى الْمُسَاوِي، قَالَ: يَلْحَقُ بِهَذِهِ الْأَرْبَعِ مَا كَانَ أَشَدَّ مِنْهَا، وَلَا يَلْحَقُ بِهَا مَا كَانَ مُسَاوِيًا لَهَا فِي مَنْعِ الْإِجْزَاءِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ.
وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ التَّنْبِيهِ عَلَى الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا أَعْنِي عَلَى مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْمَنْطُوقِ بِهِ، أَوْ مُسَاوِيًا لَهُ قَالَ: تَمْنَعُ الْعُيُوبُ الشَّبِيهَةُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا الْإِجْزَاءَ، كَمَا يَمْنَعُهُ الْعُيُوبُ الَّتِي هِيَ أَكْبَرُ مِنْهَا.
فَهَذَا هُوَ أَحَدُ أَسْبَابِ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ مِنْ قِبَلِ تَرَدُّدِ اللَّفْظِ بَيْنَ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ الْمَعْنَى الْخَاصُّ، أَوِ الْمَعْنَى الْعَامُّ، ثُمَّ إِنَّ مَنْ فَهِمَ مِنْهُ الْعَامَّ ; فَأَيُّ عَامٍّ هُوَ؟ هَلِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ؟ أَوِ الَّذِي هُوَ أَكْثَرُ وَالْمُسَاوِي مَعًا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ؟ وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي: فَإِنَّهُ وَرَدَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْحِسَانِ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ: فَذَكَرَ النَّسَائِيُّ «عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهُ قَالَ: " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْرَهُ النَّقْصَ يَكُونُ فِي الْقَرْنِ وَالْأُذُنِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: مَا كَرِهْتَهُ فَدَعْهُ وَلَا تُحَرِّمْهُ عَلَى غَيْرِكَ» . «وَذَكَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: " أَمَرَنَا

رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ نَسْتَشْرِفَ الْعَيْنَ وَالْأُذُنَ، وَلَا يُضَحَّى بِشَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا بَتْرَاءَ " وَالشَّرْقَاءُ: الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنِ.
وَالْخَرْقَاءُ: الْمَثْقُوبَةُ الْأُذُنِ، وَالْمُدَابَرَةُ: الَّتِي قُطِعَ مِنْ جَنَبَتَيْ أُذُنِهَا مِنْ خَلْفٍ» . فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ: لَا يُتَّقَى إِلَّا الْعُيُوبُ الْأَرْبَعُ، أَوْ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهَا، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنْ حَمَلَ حَدِيثَ أَبِي بُرْدَةَ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ بَيِّنٍ، وَحَدِيثَ عَلِيٍّ عَلَى الْكَثِيرِ الَّذِي هُوَ بَيِّنٌ أَلْحَقَ بِحُكْمِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا مَا هُوَ مُسَاوٍ لَهَا، وَلِذَلِكَ جَرَى أَصْحَابُ هَذَا الْمَذْهَبِ إِلَى التَّحْدِيدِ فِيمَا يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ مِمَّا يَذْهَبُ مِنْ هَذِهِ الْأَعْضَاءِ، فَاعْتَبَرَ بَعْضُهُمْ ذَهَابَ الثُّلُثِ مِنَ الْأُذُنِ وَالذَّنَبِ، وَبَعْضُهُمُ اعْتَبَرَ الْأَكْثَرَ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي ذَهَابِ الْأَسْنَانِ، وبَتْرَاءُ الثَّدْيِ.
وَأَمَّا الْقَرْنُ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ ذَهَابُ جُزْءٍ مِنْهُ عَيْبًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَدْمِي فَإِنَّهُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْمَرَضِ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمَرَضَ الْبَيِّنَ يَمْنَعُ الْإِجْزَاءَ.
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَهَى عَنْ أَعْضَبِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ» . وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّكَّاءِ (وَهِيَ الَّتِي خُلِقَتْ بِلَا أُذُنَيْنِ) ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهَا لَا تَجُوزُ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ خِلْقَةً جَازَ كَالْأَجَمِّ.
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْجُمْهُورُ أَنَّ قَطْعَ الْأُذُنِ كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ عَيْبٌ، وَكُلُّ هَذَا الِاخْتِلَافِ رَاجِعٌ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَبْتَرِ: فَقَوْمٌ أَجَازُوهُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ الجُعْفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قُرَظَةَ «عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: " اشْتَرَيْتُ كَبْشًا لِأُضَحِّيَ بِهِ، فَأَكَلَ الذِّئْبُ ذَنَبَهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَالَ: ضَحِّ بِهِ» . وَجَابِرٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَقَوْمٌ أَيْضًا مَنَعُوهُ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْمُتَقَدِّمِ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ مَعْرِفَةُ السِّنِّ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الضَّحَايَا فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَذَعُ مِنَ الْمَعَزِ، بَلِ الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَبِي بُرْدَةَ لَمَّا أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ: «يُجْزِيكَ، وَلَا يُجْزِي جَذَعٌ عَنْ أَحَدٍ غَيْرِكَ» . وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ: فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الثَّنِيُّ مِنَ الضَّأْنِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْخُصُوصِ.
فَالْخُصُوصُ هُوَ حَدِيثُ جَابِرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ

فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنَ الضَّأْنِ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
وَالْعُمُومُ هُوَ: مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ خَرَّجَهُ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَلَا تُجْزِي جَذَعَةٌ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» . فَمَنْ رَجَّحَ هَذَا الْعُمُومَ عَلَى الْخُصُوصِ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ مُدَلِّسٌ عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ، وَالْمُدَلِّسُ عِنْدَهُمْ مَنْ لَيْسَ يُجْرِي الْعَنْعَنَةَ مِنْ قَوْلِهِ مَجْرَى الْمُسْنَدِ لِتَسَامُحِهِ فِي ذَلِكَ، وَحَدِيثُ أَبِي بُرْدَةَ لَا مَطْعَنَ فِيهِ.
وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى بِنَاءِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ عَلَى مَا هُوَ الْمَشْهُورُ َعِنْدَ جُمْهُورِ الْأُصُولِيِّينَ فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ جَذَعَ الضَّأْنِ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا، وَهُوَ الْأَوْلَى، وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو بَكْرِ بْنُ صَفُّورَ، وَخَطَّأَ أَبَا مُحَمَّدِ بْنَ حَزْمٍ فِيمَا نَسَبَ إِلَى أَبِي الزُّبَيْرِ فِي غَالِبِ ظَنِّي فِي قَوْلٍ لَهُ رَدَّ فِيهِ عَلَى ابْنِ حَزْمٍ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ عَدَدُ مَا يُجْزِي مِنَ الضَّحَايَا عَنِ الْمُضَحِّينَ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يَذْبَحَ الرَّجُلُ الْكَبْشَ أَوِ الْبَقَرَةَ أَوِ الْبَدَنَةَ مُضَحِّيًا عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ بِالشَّرْعِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُ الْهَدَايَا.
وَأَجَازَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ أَنْ يَنْحَرَ الرَّجُلُ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعٍ، وَكَذَلِكَ الْبَقَرَةَ مُضَحِّيًا أَوْ مُهْدِيًّا.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكَبْشَ لَا يُجْزِي إِلَّا عَنْ وَاحِدٍ، إِلَّا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ أَنَّهُ يُجْزِي أَنْ يَذْبَحَهُ الرَّجُلُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ لَا عَلَى جِهَةِ الشَّرِكَةِ بَلْ إِذَا اشْتَرَاهُ مُفْرَدًا، وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنَّا بِمِنًى فَدُخِلَ عَلَيْنَا بِلَحْمِ بَقَرٍ، فَقُلْنَا مَا هُوَ؟ فَقَالُوا: ضَحَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَزْوَاجِهِ» . وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى وَجْهِ عَدَمِ الْإِجْزَاءِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْأَصْلِ فِي ذَلِكَ لِلْقِيَاسِ الْمَبْنِيِّ عَلَى الْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي الْهَدَايَا.
وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنْ لَا يُجْزِي إِلَّا وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ، وَلِذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ الِاشْتِرَاكِ فِي الضَّأْنِ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الْأَصْلَ هُوَ أَنْ لَا يُجْزِي إِلَّا وَاحِدٌ عَنْ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّضْحِيَةِ لَا يَتَبَعَّضُ إِذْ كَانَ مَنْ كَانَ لَهُ شِرْكٌ فِي ضَحِيَّةٍ لَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ مُضَحٍّ إِلَّا إِنْ قَامَ الدَّلِيلُ الشَّرْعِيُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي انْبَنَى عَلَيْهِ الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِهَذَا الْأَصْلِ فَمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» . وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ

الْحَدِيثِ: «سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» . فَقَاسَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ الضَّحَايَا فِي ذَلِكَ عَلَى الْهَدَايَا.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَجَّحَ الْأَصْلَ عَلَى الْقِيَاسِ الْمَبْنِيِّ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ، لِأَنَّهُ اعْتَلَّ لِحَدِيثِ جَابِرٍ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ حِينَ صَدَّ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْبَيْتِ، وَهَدْيُ الْمُحْصَرِ بَعْدُ وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ وَاجِبًا وَإِنَّمَا هُوَ تَطَوُّعٌ، وَهَدْيُ التَّطَوُّعِ يَجُوزُ عِنْدَهُ فِيهِ الِاشْتِرَاكُ، وَلَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ، لَكِنْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الضَّحَايَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ فَقَدْ يُمْكِنُ قِيَامُهَا عَلَى هَذَا الْهَدْيِ ; وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِاشْتِرَاكُ لَا فِي هَدْيِ تَطَوُّعٍ وَلَا فِي هَدْيِ وُجُوبٍ، وَهَذَا كَأَنَّهُ رَدٌّ لِلْحَدِيثِ لِمَكَانِ مُخَالَفَتِهِ لِلْأَصْلِ فِي ذَلِكَ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي النُّسُكِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: «الْبَدَنَةُ عَنْ عَشَرَةٍ» . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي النُّسُكِ أَكْثَرُ مِنْ سَبْعَةٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْآثَارَ فِي ذَلِكَ غَيْرُ صَحِيحَةٍ.
وَإِنَّمَا صَارَ مَالِكٌ لِجَوَازِ تَشْرِيكِ الرَّجُلِ أَهْلَ بَيْتِهِ فِي أُضْحِيَّتِهِ أَوْ هَدْيِهِ لِمَا رَوَاهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ: «مَا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا بَدَنَةً وَاحِدَةً أَوْ بَقَرَةً وَاحِدَةً» . وَإِنَّمَا خُولِفَ مَالِكٌ فِي الضَّحَايَا فِي هَذَا الْمَعْنَى (أَعْنِي: فِي التَّشْرِيكِ) لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى مَنْعِ التَّشْرِيكِ فِيهِ فِي الْأَجَانِبِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْأَقَارِبُ فِي ذَلِكَ فِي قِيَاسِ الْأَجَانِبِ، وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْأَجَانِبِ وَالْأَقَارِبِ لِقِيَاسِهِ الضَّحَايَا عَلَى الْهَدَايَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ أَعْنِي حَدِيثَ ابْنِ شِهَابٍ) . فَاخْتِلَافُهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِذَا رَجَعَ إِلَى تَعَارُضِ الْأَقْيِسَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَعْنِي: إِمَّا إِلْحَاقُ الْأَقَارِبِ بِالْأَجَانِبِ، وَإِمَّا قِيَاسُ الضَّحَايَا عَلَى الْهَدَايَا) .

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ الذَّبْحِ]

ِ وَيَتَعَلَّقُ بِالذَّبْحِ الْمُخْتَصِّ بِالضَّحَايَا النَّظَرُ فِي الْوَقْتِ، وَالذَّبْحِ.
أَمَّا الْوَقْتُ: فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي ابْتِدَائِهِ وَفِي انْتِهَائِهِ، وَفِي اللَّيَالِي الْمُتَخَلِّلَةِ لَهُ.
فَأَمَّا فِي ابْتِدَائِهِ: فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الذَّبْحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَا يَجُوزُ لِثُبُوتِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَإِنَّمَا هِيَ شَاةُ لَحْمٍ» . وَأَمْرِهِ بِالْإِعَادَةِ لِمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، وَقَوْلِهِ: «أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا هُوَ أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَنْحَرَ» . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ الثَّابِتَةِ الَّتِي فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ.
فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ ذَبْحُ أُضْحِيَّتِهِ قَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: يَجُوزُ الذَّبْحُ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ ذَبْحِ الْإِمَامِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ جَاءَ فِي بَعْضِهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَ لِمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ» ، وَفِي بَعْضِهَا: «أَنَّهُ أَمَرَ لِمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ ذَبْحِهِ أَنْ يُعِيدَ» ، خَرَّجَ هَذَا الْحَدِيثَ الَّذِي فِيهِ هَذَا الْمَعْنَى مُسْلِمٌ.
فَمَنْ جَعَلَ ذَلِكَ مَوْطِنَيْنِ اشْتَرَطَ ذَبْحَ الْإِمَامِ فِي جَوَازِ الذَّبْحِ.
وَمَنْ جَعَلَ لِذَلِكَ مَوْطِنًا وَاحِدًا قَالَ: إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي إِجْزَاءِ الذَّبْحِ الصَّلَاةُ فَقَطْ.
وَقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ: " أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُعِيدَ الذَّبْحَ ". وَفِي بَعْضِهَا: " أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ ذَبْحِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَأَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ ". وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ; فَحَمْلُ قَوْلِ الرَّاوِي أَنَّهُ ذَبَحَ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَقَوْلِ الْآخَرِ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عَلَى مَوْطِنٍ وَاحِدٍ أَوْلَى، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَقَدْ ذَبَحَ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَثِّرُ فِي عَدَمِ الْإِجْزَاءِ إِنَّمَا هُوَ الذَّبْحُ قَبْلَ الصَّلَاةِ، كَمَا جَاءَ فِي الْآثَارِ الثَّابِتَةِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ: «أَنَّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ» . وَذَلِكَ أَنَّ

تَأْصِيلَ هَذَا الْحُكْمِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَدُلُّ بِمَفْهُومِ الْخِطَابِ دَلَالَةً قَوِيَّةً أَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ يُجْزِئُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَالِكَ شَرْطٌ آخَرُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهِ إِجْزَاءُ الذَّبْحِ لَمْ يَسْكُتْ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَعَ أَنَّ فَرْضَهُ التَّبْيِينُ.
وَنَصُّ حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَ النَّحْرِ: «مَنْ كَانَ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَلْيُعِدْ» . وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فَرْعٍ مَسْكُوتٍ عَنْهُ وَهُوَ: مَتَى يَذْبَحُ مَنْ لَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى؟ فَقَالَ مَالِكٌ: يَتَحَرَّوْنَ ذَبْحَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إِلَيْهِمْ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَتَحَرَّوْنَ قَدْرَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَيَذْبَحُونَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مَنْ ذَبَحَ مِنْ هَؤُلَاءِ بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ ; وَقَالَ قَوْمٌ: بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي فَرْعٍ آخَرَ وَهُوَ: إِذَا لَمْ يَذْبَحِ الْإِمَامُ فِي الْمُصَلَّى، فَقَالَ قَوْمٌ: يُتَحَرَّى ذَبْحُهُ بَعْدَ انْصِرَافِهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ يَجِبُ ذَلِكَ.

وَأَمَّا آخِرُ زَمَانِ الذَّبْحِ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: آخِرُهُ: الْيَوْمُ الثَّالِثُ مِنْ أَيَّامِ النَّحْرِ، وَذَلِكَ مَغِيبُ الشَّمْسِ.
فَالذَّبْحُ عِنْدَهُ هُوَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ: يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: الْأَضْحَى أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ: يَوْمُ النَّحْرِ وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ بَعْدَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْأَضْحَى يَوْمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ خَاصَّةً.
وَقَدْ قِيلَ: الذَّبْحُ إِلَى آخِرِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَهُوَ شَاذٌّ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَرْوِيَّةٌ عَنِ السَّلَفِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ مَا هِيَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28] ؟ فَقِيلَ: يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقِيلَ: الْعَشْرُ الْأُوَلُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: مُعَارَضَةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِيهِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ مَنْحَرٌ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ» . فَمَنْ قَالَ فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ: إِنَّهَا يَوْمُ النَّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ; وَرَجَّحَ دَلِيلَ الْخِطَابِ فِيهَا عَلَى الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَالَ " لَا نَحْرَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ ". وَمَنْ رَأَى الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ وَقَالَ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا إِذِ الْحَدِيثُ اقْتَضَى حُكْمًا زَائِدًا عَلَى مَا فِي الْآيَةِ، مَعَ أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَحْدِيدَ أَيَّامِ الذَّبْحِ ; وَالْحَدِيثُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ ذَلِكَ قَالَ: يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِذْ كَانَ بِاتِّفَاقٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ.

وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْأَيَّامَ الْمَعْدُودَاتِ هِيَ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَأَنَّهَا ثَلَاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَوْمُ النَّحْرِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ» . وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَيَّامِ الْمَعْلُومَاتِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: يَوْمُ النَّحْرِ فَقَطْ فَبِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَعْلُومَاتِ هِيَ الْعَشْرُ الْأُوَلُ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ الْإِجْمَاعُ قَدِ انْعَقَدَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ مِنْهَا إِلَّا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ، وَهِيَ مَحَلٌّ الذَّبْحِ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا ; فَوَاجِبٌ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ إِنَّمَا هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ فَقَطْ.

وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ اخْتِلَافُهُمْ فِي اللَّيَالِي الَّتِي تَتَخَلَّلُ أَيَّامَ النَّحْرِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ فِي لَيَالِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَلَا النَّحْرِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: الِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ الْيَوْمِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَرَّةً يُطْلِقُهُ الْعَرَبُ عَلَى النَّهَارِ وَاللَّيْلَةِ، مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾ [هود: 65] . وَمَرَّةً يُطْلِقُهُ عَلَى الْأَيَّامِ دُونَ اللَّيَالِي، مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: 7] . فَمَنْ جَعَلَ اسْمَ الْيَوْمِ يَتَنَاوَلُ اللَّيْلَ مَعَ النَّهَارِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28] قَالَ: يَجُوزُ الذَّبْحُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ.
وَمَنْ قَالَ: لَيْسَ يَتَنَاوَلُ اسْمُ الْيَوْمِ اللَّيْلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ وَلَا النَّحْرُ بِاللَّيْلِ.
وَالنَّظَرُ هَلِ اسْمُ الْيَوْمِ أَظْهَرُ فِي أَحَدِهِمَا مِنَ الثَّانِي، وَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ أَظْهَرُ فِي النَّهَارِ مِنْهُ فِي اللَّيْلِ، لَكِنْ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ دَلَالَتَهُ فِي الْآيَةِ هِيَ عَلَى النَّهَارِ فَقَطْ لَمْ يُمْنَعِ الذَّبْحُ بِاللَّيْلِ إِلَّا بِنَحْوٍ ضَعِيفٍ مِنْ إِيجَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ، وَهُوَ تَعْلِيقُ ضِدِّ الْحُكْمِ بِضِدِّ مَفْهُومِ الِاسْمِ، وَهَذَا النَّوْعُ مِنْ أَنْوَاعِ الْخِطَابِ هُوَ مِنْ أَضْعَفِهَا، حَتَّى إِنَّهُمْ قَالُوا: مَا قَالَ بِهِ أَحَدُ الْمُتَكَلِّمِينَ إِلَّا الدَّقَّاقُ فَقَطْ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: إِنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْحَظْرُ فِي الذَّبْحِ، وَقَدْ ثَبَتَ جَوَازُهُ بِالنَّهَارِ، فَعَلَى مَنْ جَوَّزَهُ بِاللَّيْلِ الدَّلِيلُ.
وَأَمَّا الذَّابِحُ: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اسْتَحَبُّوا أَنْ يَكُونَ الْمُضَحِّي هُوَ الَّذِي يَلِي ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ بِيَدِهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَّكِلَ غَيْرَهُ عَلَى الذَّبْحِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ تَجُوزُ الضَّحِيَّةُ إِنْ ذَبَحَهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ: فَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَدِيقًا أَوْ وَلَدًا أَوْ أَجْنَبِيًّا أَعْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ إِنْ كَانَ صَدِيقًا أَوْ وَلَدًا، وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمَذْهَبُ فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّهُ إِنْ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ.

[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي أَحْكَامِ لُحُومِ الضَّحَايَا]

وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُضَحِّيَ مَأْمُورٌ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَّتِهِ وَيَتَصَدَّقَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36] وَلِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي الضَّحَايَا: «كُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» . وَاخْتَلَفَ مَذْهَبُ مَالِكٍ هَلْ يُؤْمَرُ بِالْأَكْلِ وَالصَّدَقَةِ مَعًا، أَمْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ؟ أَعْنِي: أَنْ يَأْكُلَ الْكُلَّ أَوْ يَتَصَدَّقَ بِالْكُلِّ) ؟ وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: لَهُ أَنْ يَفْعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ.
وَاسْتَحَبَّ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُقَسِّمَهَا أَثْلَاثًا: ثُلُثًا لِلِادِّخَارِ، وَثُلُثًا لِلصَّدَقَةِ، وَثُلُثًا لِلْأَكْلِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَكُلُوا وَتَصَدَّقُوا وَادَّخِرُوا» . وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْأَكْلِ إِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فِي الْمَذَاهِبِ خِلَافًا لِقَوْمٍ أَوْجَبُوا ذَلِكَ، وَأَظُنُّ أَهْلَ الظَّاهِرِ يُوجِبُونَ تَجْزِئَةَ لُحُومِ الضَّحَايَا إِلَى الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي يَتَضَمَّنُهَا الْحَدِيثُ.
وَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمِهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي جِلْدِهَا وَشَعْرِهَا وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِمَّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْهَا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ: أَيْ بِالْعُرُوضِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: يَجُوزُ بِكُلِّ شَيْءٍ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الدَّرَاهِمِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمُعَاوَضَةَ بِالْعُرُوضِ هِيَ مِنْ بَابِ الِانْتِفَاعِ، لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِهِ.
وَهَذَا الْقَدْرُ كَافٍ فِي قَوَاعِدِ هَذَا الْكِتَابِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

[كِتَابُ الذَّبَائِحِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ] ِ وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِقَوَاعِدِ هَذَا الْكِتَابِ يَنْحَصِرُ فِي خَمْسَةِ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ،

وَهُوَ الْمَذْبُوحُ أَوِ الْمَنْحُورُ.
الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ.
الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الْآلَةِ الَّتِي بِهَا يَكُونُ الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ الذَّكَاةِ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي مَعْرِفَةِ الذَّابِحِ وَالنَّاحِرِ.
وَالْأُصُولُ هِيَ الْأَرْبَعَةُ، وَالشُّرُوطُ يُمْكِنُ أَنْ تَدْخُلَ فِي أَرْبَعَةِ الْأَبْوَابِ، وَالْأَسْهَلُ فِي التَّعْلِيمِ أَنْ يُجْعَلَ بَابًا عَلَى حِدَتِهِ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ وَالْحَيَوَانُ فِي اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِي أَكْلِهِ عَلَى قِسْمَيْنِ: حَيَوَانٌ لَا يَحِلُّ إِلَّا بِذَكَاةٍ، وَحَيَوَانٌ يَحِلُّ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ.
وَمِنْ هَذِهِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَمِنْهَا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْحَيَوَانَ الَّذِي يَعْمَلُ فِيهِ الذَّبْحُ هُوَ الْحَيَوَانُ الْبَرِّيُّ ذُو الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلَا مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ وَلَا مَيْئُوسٍ مِنْهُ بِوَقْذٍ أَوْ نَطْحٍ أَوْ تَرَدٍّ أَوِ افْتِرَاسِ سَبُعٍ أَوْ مَرَضٍ، وَأَنَّ الْحَيَوَانَ الْبَحْرِيَّ لَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي لَيْسَ يَدْمَى مِمَّا يَجُوزُ أَكْلُهُ مِثْلَ الْجَرَادِ وَغَيْرِهِ هَلْ لَهُ ذَكَاةٌ أَمْ لَا؟ وَفِي الْحَيَوَانِ الْمُدْمَى الَّذِي يَكُونُ تَارَةً فِي الْبَحْرِ، وَتَارَةً فِي الْبَرِّ مِثْلَ السُّلَحْفَاةِ وَغَيْرِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْأَصْنَافِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي آيَةِ، التَّحْرِيمِ وَفِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِيمَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ أَعْنِي: فِي تَحْلِيلِ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا وَسَلْبِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا.
فَفِي هَذَا الْبَابِ إِذًا سِتُّ مَسَائِلَ أُصُولٌ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ الَّتِي نُصَّ عَلَيْهَا فِي الْآيَةِ إِذَا أُدْرِكَتْ حَيَّةً.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْحَيَوَانِ الْمُحَرَّمِ الْأَكْلِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: فِي تَأْثِيرِ الذَّكَاةِ فِي الْمَرِيضَةِ.
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: فِي هَلْ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ أَمْ لَا؟ الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ: هَلْ لِلْجَرَادِ ذَكَاةٌ أَمْ لَا؟

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: هَلْ لِلْحَيَوَانِ الَّذِي يَأْوِي فِي الْبَرِّ تَارَةً وَفِي الْبَحْرِ تَارَةً ذَكَاةٌ أَمْ لَا؟ . الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: أَمَّا الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا فِيمَا أَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَبْلُغِ الْخَنْقُ مِنْهَا أَوِ الْوَقْذُ مِنْهَا إِلَى حَالَةٍ لَا يُرْجَى فِيهِ أَنَّ الذَّكَاةَ عَامِلَةٌ فِيهَا أَعْنِي أَنَّهُ إِذَا غَلَبَ الظَّنُّ أَنَّهَا تَعِيشُ، وَذَلِكَ بِأَنْ لَا يُصَابَ لَهَا مَقْتَلٌ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهَا تَهْلِكُ مِنْ ذَلِكَ بِإِصَابَةِ مَقْتَلٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا.
وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ الْوَجْهَانِ، وَلَكِنَّ الْأَشْهَرَ أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ فِي الْمَيْئُوسِ مِنْهَا.
وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمَيْئُوسَ مِنْهَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: مَيْئُوسَةٌ مَشْكُوكٌ فِيهَا، وَمَيْئُوسَةٌ مَقْطُوعٌ بِمَوْتِهَا وَهِيَ الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ أَيْضًا فِي الْمَقَاتِلِ قَالَ: فَأَمَّا الْمَيْئُوسَةُ الْمَشْكُوكُ فِيهَا فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهَا رِوَايَتَانِ مَشْهُورَتَانِ.
وَأَمَّا الْمَنْفُوذَةُ الْمَقَاتِلِ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ الْمَنْقُولِ أَنَّ الذَّكَاةَ لَا تَعْمَلُ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ يَتَخَرَّجُ فِيهَا الْجَوَازُ عَلَى وَجْهٍ ضَعِيفٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3] . هَلْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ فَيَخْرُجُ مِنَ الْجِنْسِ بَعْضُ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ وَهُوَ الْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ عَلَى عَادَةِ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ، أَمْ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ لَا تَأْثِيرَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، إِذْ كَانَ هَذَا أَيْضًا شَأْنَ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ.
فَمَنْ قَالَ: إِنَّهُ مُتَّصِلٌ قَالَ: الذَّكَاةُ تَعْمَلُ فِي هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا تَعْمَلُ الذَّكَاةُ فِيهَا.
وَقَدِ احْتَجَّ مَنْ قَالَ: إِنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مُتَّصِلٌ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الذَّكَاةَ تَعْمَلُ فِي الْمَرْجُوِّ مِنْهَا قَالَ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِيهَا فَهُوَ مُتَّصِلٌ.
وَقَدِ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ رَأَى أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِأَعْيَانِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَالِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعٌ، وَذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] إِنَّمَا هُوَ لَحْمُ الْمَيْتَةِ، وَكَذَلِكَ لَحْمُ الْمَوْقُوذَةِ وَالْمُتَرَدِّيَةِ وَالنَّطِيحَةِ وَسَائِرِهَا أَيْ لَحْمُ الْمَيْتَةِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ سِوَى الَّتِي تَمُوتُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهَا وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى مَيْتَةً أَكْثَرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَوْ بِالْحَقِيقَةِ.
قَالُوا: فَلَمَّا عُلِمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَمْ يَكُنْ تَعْلِيقَ التَّحْرِيمِ بِأَعْيَانِ هَذِهِ وَهِيَ حَيَّةٌ، وَإِنَّمَا عُلِّقَ بِهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، لِأَنَّ لَحْمَ الْحَيَوَانِ مُحَرَّمٌ فِي حَالِ الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ اشْتِرَاطِ الذَّكَاةِ فِيهَا، وَبِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» وَجَبَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]

فصول الكتاب · 4 فصل · 258 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول بداية المجتهد ونهاية المقتصد · 258 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب بيع المرابحة
كِتَابُ الْإِجَارَاتِ
جارٍ التحميل