بداية المجتهد ونهاية المقتصدصفحات 49-88
أهل الأثرالأرشيف العلمي

وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْهُ مَنْعُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ لِلْجُنُبِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ، وَرُوِيَ عَنْهُ إِبَاحَةُ ذَلِكَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ ذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى اشْتِرَاطِ الْوُضُوءِ فِي الطَّوَافِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى إِسْقَاطِهِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: تَرَدُّدُ الطَّوَافِ بَيْنَ أَنْ يُلْحَقَ حُكْمُهُ بِحُكْمِ الصَّلَاةِ أَوْ لَا يُلْحَقَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَعَ الْحَائِضَ الطَّوَافَ كَمَا مَنَعَهَا الصَّلَاةَ» فَأَشْبَهَ الصَّلَاةَ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ تَسْمِيَةُ الطَّوَافِ صَلَاةً، وَحُجَّةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ شَيْءٍ مَنَعَهُ الْحَيْضُ، فَالطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي فِعْلِهِ إِذَا ارْتَفَعَ الْحَيْضُ كَالصَّوْمِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ المُتَوَضِّئٍ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيَذْكُرَ اللَّهَ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ حَدِيثَانِ مُتَعَارِضَانِ ثَابِتَانِ، أَحَدُهُمَا حَدِيثُ أَبِي جَهْمٍ قَالَ: «أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ نَحْوِ بِئْرِ جَمَلٍ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى أَقْبَلَ عَلَى الْجِدَارِ، فَمَسَحَ بِوَجْهِهِ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَدَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -» . وَالْحَدِيثُ الآخر: حَدِيثُ عَلِيٍّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ لَا يَحْجُبُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الْجَنَابَةُ» فَصَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْحَدِيثَ الثَّانِيَ نَاسِخٌ لِلْأَوَّلِ، وَصَارَ مَنْ أَوْجَبَ الْوُضُوءَ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلَى تَرْجِيحِ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ.

[كِتَابُ الْغُسْلِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ]

  • وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] وَالْكَلَامُ الْمُحِيطُ بِقَوَاعِدِهَا يَنْحَصِرُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِوُجُوبِهَا، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَمَعْرِفَةِ مَا بِهِ تُفْعَلُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ - فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ.

وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ فَعَلَى كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ هِيَ دَلَائِلُ الْوُضُوءِ بِعَيْنِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْمِيَاهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا الْبَابُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ كَالْحَالِ فِي طَهَارَةِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، أَمْ يَكْفِي فِيهَا إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ؟ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ إِفَاضَةَ الْمَاءِ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ، وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَجُلُّ أَصْحَابِهِ، وَالْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ فَاتَ الْمُتَطَهِّرَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَنَّ طُهْرَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: اشْتِرَاكُ اسْمِ الْغُسْلِ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ لِقِيَاسِ الْغُسْلِ عَلَى ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الثَّابِتَةَ الَّتِي وَرَدَتْ فِي صِفَةِ غُسْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَمَيْمُونَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّدَلُّكِ، وَإِنَّمَا فِيهَا إِفَاضَةُ الْمَاءِ فَقَطْ.
فَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ، فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى رَأْسِهِ ثَلَاثَ غَرْفَاتٍ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى جِلْدِهِ كُلِّهِ ". وَالصِّفَةُ الْوَارِدَةُ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ قَرِيبَةٌ مِنْ هَذَا، إِلَّا أَنَّهُ أَخَّرَ غَسْلَ رِجْلَيْهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ إِلَى آخِرِ الطُّهْرِ» ، وَفِي «حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْضًا، وَقَدْ سَأَلَتْهُ: - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: " هَلْ تَنْقُضُ ضَفْرَ رَأْسِهَا لِغُسْلِ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ الْمَاءَ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِي عَلَيْكِ الْمَاءَ، فَإِذَا أَنْتِ قَدْ طَهُرْتِ» ، وَهُوَ أَقْوَى فِي إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ ; لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ هُنَالِكَ أَنْ يَكُونَ الْوَاصِفُ لِطُهْرِهِ قَدْ تَرَكَ التَّدَلُّكَ، وَأَمَّا هَاهُنَا فَإِنَّمَا حَصَرَ لَهَا شُرُوطَ الطَّهَارَةِ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ صِفَةَ الطَّهَارَةِ الْوَارِدَةَ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ وَعَائِشَةَ هِيَ أَكْمَلُ صِفَاتِهَا، وَأَنَّ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ ذَلِكَ، فَهُوَ مِنْ أَرْكَانِهَا الْوَاجِبَةِ، وَأَنَّ الْوُضُوءَ فِي أَوَّلِ الطُّهْرِ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الطُّهْرِ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا رُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَفِيهِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ ظواهر الْأَحَادِيثِ، وَفِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ قُوَّةٌ مِنْ جِهَةِ النَّظَرِ ; لِأَنَّ الطَّهَارَةَ ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهَا أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ، لَا أَنَّ الْوُضُوءَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا، فَهُوَ مِنْ بَابِ مُعَارَضَةِ الْقِيَاسِ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ، وَطَرِيقَةُ الشَّافِعِيِّ تَغْلِيبُ ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْقِيَاسِ.
فَذَهَبَ قَوْمٌ كَمَا قُلْنَا إِلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَغَلَّبُوا ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِهَا عَلَى الْوُضُوءِ، فَلَمْ يُوجِبُوا التَّدَلُّكَ، وَغَلَّبَ آخَرُونَ قِيَاسَ هَذِهِ الطَّهَارَةِ عَلَى الْوُضُوءِ عَلَى ظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، فَأَوْجَبُوا التَّدَلُّكَ كَالْحَالِ فِي الْوُضُوءِ.
فَمَنْ رَجَّحَ الْقِيَاسَ صَارَ إِلَى إِيجَابِ التَّدَلُّكِ، وَمَنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ عَلَى الْقِيَاسِ صَارَ إِلَى إِسْقَاطِ التَّدَلُّكِ.
وَأَعْنِي بِالْقِيَاسِ: قِيَاسَ الطُّهْرِ عَلَى الْوُضُوءِ.
وَأَمَّا الِاحْتِجَاجُ مِنْ طَرِيقِ الِاسْمِ فَفِيهِ ضَعْفٌ إِذْ كَانَ اسْمُ الطُّهْرِ وَالْغُسْلِ يَنْطَلِقُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ النِّيَّةُ أَمْ لَا؟ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْوُضُوءِ: فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ مِنْ شُرُوطِهَا، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَالثَّوْرِيُّ إِلَى أَنَّهَا تُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَالْحَالِ فِي الْوُضُوءِ عِنْدَهُمْ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الطُّهْرِ هُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوُضُوءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمَضْمَضَةِ وَالِاسْتِنْشَاقِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَيْضًا كَاخْتِلَافِهِمْ فِيهِمَا فِي الْوُضُوءِ (أَعْنِي: هَلْ هُمَا وَاجِبَانِ فِيهَا أَمْ لَا؟) .

فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمَا غَيْرُ وَاجِبَيْنِ فِيهَا، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى وُجُوبِهِمَا ; وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِهِمَا مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِهِمَا أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ لِلْأَحَادِيثِ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي طُهْرِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي نُقِلَتْ مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ فِي الطُّهْرِ فِيهَا الْمَضْمَضَةُ، وَالِاسْتِنْشَاقُ، وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ لَا بِمَضْمَضَةٍ وَلَا بِاسْتِنْشَاقٍ.
فَمَنْ جَعَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ، وَمَيْمُونَةَ مُفَسِّرًا لِمُجْمَلِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] أَوْجَبَ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ، وَمَنْ جَعَلَهُ مُعَارِضًا جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنْ حَمَلَ حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ عَلَى النَّدْبِ، وَحَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ عَلَى الْوُجُوبِ، وَلِهَذَا السَّبَبِ بِعَيْنِهِ اخْتَلَفُوا فِي تَخْلِيلِ الرَّأْسِ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا؟ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَقَدْ عَضَّدَ مَذْهَبَهُ مَنْ أَوْجَبَ التَّخْلِيلَ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ فَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ وَبُلُّوا الشَّعْرَ» .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ الْفَوْرُ وَالتَّرْتِيبُ، أَوْ لَيْسَا مِنْ شُرُوطِهَا كَاخْتِلَافِهِمْ في ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ؟ . وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: هَلْ فِعْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَحْمُولٌ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ بِهِ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ مَا تَوَضَّأَ قَطُّ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ التَّرْتِيبَ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَبْيَنُ مِنْهَا فِي الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ بَيْنَ الرَّأْسِ وَسَائِرِ الْجَسَدِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: «إِنَّمَا يَكْفِيكِ أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِكِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِي الْمَاءَ عَلَى جَسَدِكِ» وَحَرْفُ " ثُمَّ " يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ]

الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6] وَقَوْلُهُ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] الْآيَةَ.
وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى وُجُوبِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ مِنْ حَدَثَيْنِ: أَحَدُهُمَا: خُرُوجُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ فِي النَّوْمِ أَوِ الْيَقَظَةِ مِنْ ذَكَرٍ كَانَ أَوْ أُنْثَى، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ النَّخَعِيِّ مِنْ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْلًا مِنْ الِاحْتِلَامِ، وَإِنَّمَا اتَّفَقَ الْجُمْهُورُ

عَلَى مُسَاوَاةِ الْمَرْأَةِ فِي الِاحْتِلَامِ لِلرَّجُلِ لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الثَّابِتِ أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ الْمَرْأَةُ تَرَى فِي الْمَنَامِ مِثْلَ مَا يَرَى الرَّجُلُ هَلْ عَلَيْهَا غُسْلٌ؟ قَالَ: نَعَمْ إِذَا رَأَتِ الْمَاءَ» . وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي الَّذِي اتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَيْهِ، فَهُوَ دَمُ الْحَيْضِ، (أَعْنِي: إِذَا انْقَطَعَ) وَذَلِكَ أَيْضًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] الْآيَةَ، وَلِتَعْلِيمِهِ الْغُسْلَ مِنَ الْحَيْضِ لِعَائِشَةَ، وَغَيْرِهَا مِنَ النِّسَاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْبَابِ مِمَّا يَجْرِي مَجْرَى الْأُصُولِ فِي مَسْأَلَتَيْنِ مَشْهُورَتَيْنِ.
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي سَبَبِ إِيجَابِ الطُّهْرِ مِنَ الْوَطْءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الطُّهْرَ وَاجِبًا فِي الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ، وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِ الطُّهْرِ مَعَ الْإِنْزَالِ فَقَطْ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ تَعَارُضُ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي ذَلِكَ حَدِيثَانِ ثَابِتَانِ اتَّفَقَ أَهْلُ الصَّحِيحِ عَلَى تَخْرِيجِهِمَا.
(قَالَ الْقَاضِي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: وَمَتَى قُلْتُ: ثَابِتٌ، فَإِنَّمَا أَعْنِي بِهِ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَوْ مُسْلِمٌ، أَوْ مَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ) . أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا قَعَدَ بَيْنَ شُعَبِهَا الْأَرْبَعِ وَأَلْزَقَ الْخِتَانَ بِالْخِتَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ» وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ: «حَدِيثُ عُثْمَانَ أَنَّهُ سُئِلَ فَقِيلَ لَهُ: " أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إِذَا جَامَعَ أَهْلَهُ وَلَمْ يُمْنِ؟ قَالَ عُثْمَانُ: يَتَوَضَّأُ كَمَا يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» فَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ مَذْهَبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: مَذْهَبُ النَّسْخِ، وَالثَّانِي مَذْهَبُ الرُّجُوعِ إِلَى مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ عِنْدَ التَّعَارُضِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فِيهِ وَلَا التَّرْجِيحُ.
فَالْجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ رُخْصَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ أَمَرَ بِالْغُسْلِ، خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ التَّعَارُضَ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ هُوَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ فِيهِ بَيْنَهُمَا وَلَا

التَّرْجِيحُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ عِنْدَهُ إِلَى مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ، وَهُوَ وُجُوبُ الْمَاءِ مِنَ الْمَاءِ، وَقَدْ رَجَّحَ الْجُمْهُورُ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ، قَالُوا: وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ مُجَاوَزَةَ الْخِتَانَيْنِ تُوجِبُ الْحَدَّ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُوجِبَ لِلْغُسْلِ، وَحَكَوا أَنَّ الْقِيَاسَ مَأْخُوذٌ عَنِ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، وَرَجَّحَ الْجُمْهُورُ ذَلِكَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ لِإِخْبَارِهَا ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الصِّفَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي كَوْنِ خُرُوجِ الْمَنِيِّ مُوجِبًا لِلطُّهْرِ.
فَذَهَبَ مَالِكٌ إِلَى اعْتِبَارِ اللَّذَّةِ فِي ذَلِكَ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ نَفْسَ خُرُوجِهِ هُوَ الْمُوجِبُ لِلطُّهْرِ سَوَاءٌ أَخْرَجَ بِلَذَّةٍ أَوْ بِغَيْرِ لَذَّةٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ هُوَ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا هَلِ اسْمُ الْجُنُبِ يَنْطَلِقُ عَلَى الَّذِي أَجْنَبَ عَلَى الْجِهَةِ غَيْرِ الْمُعْتَادَةِ أَمْ لَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ إِنَّمَا يَنْطَلِقُ عَلَى الَّذِي أَجْنَبَ عَلَى طَرِيقِ الْعَادَةِ، لَمْ يُوجِبِ الطُّهْرَ فِي خُرُوجِهِ مِنْ غَيْرِ لَذَّةٍ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ كَيْفَمَا خَرَجَ أَوْجَبَ مِنْهُ الطُّهْرَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَ لَذَّةٍ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَشْبِيهُ خُرُوجِهِ بِغَيْرِ لَذَّةٍ بِدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ.
واخْتِلَافُهُمْ فِي خُرُوجِ الدَّمِ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحَاضَةِ هَلْ يُوجِبُ طُهْرًا، أَمْ لَيْسَ يُوجِبُهُ؟ فَسَنَذْكُرُهُ فِي بَابِ الْحَيْضِ وَإِنْ كَانَ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
وَفِي الْمَذْهَبِ فِي هَذَا الْبَابِ فَرْعٌ، وَهُوَ إِذَا انْتَقَلَ مِنْ أَصْلِ مَجَارِيهِ بِلَذَّةٍ، ثُمَّ خَرَجَ فِي وَقْتٍ آخَرَ بِغَيْرِ لَذَّةٍ مِثْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمُجَامِعِ بَعْدَ أَنْ يَتَطَهَّرَ، فَقِيلَ يُعِيدُ الطُّهْرَ، وَقِيلَ لَا يُعِيدُهُ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْخُرُوجِ صَحِبَتْهُ اللَّذَّةُ فِي بَعْضِ نَقْلَتِهِ، وَلَمْ تَصْحَبْهُ فِي بَعْضٍ، فَمَنْ غَلَّبَ حَالَ اللَّذَّةِ قَالَ: يَجِبُ الطُّهْرُ، وَمَنْ غَلَّبَ حَالَ عَدَمِ اللَّذَّةِ قَالَ: لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الطُّهْرُ.

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ الْجَنَابَةَ وَالْحَيْضَ]

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي أَحْكَامِ هَذَيْنِ الْحَدَثَيْنِ أَعْنِي الْجَنَابَةَ وَالْحَيْضَ أَمَّا أَحْكَامُ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الْجَنَابَةُ، فَفِيهِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِلْجُنُبِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ; وَقَوْمٌ مَنَعُوا ذَلِكَ إِلَّا لِعَابِرٍ فِيهِ لَا مُقِيمٍ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ; وَقَوْمٌ أَبَاحُوا ذَلِكَ لِلْجَمِيعِ، وَمِنْهُمْ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ فِيمَا أَحْسَبُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ: هُوَ تَرَدُّدُ قَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ [النساء: 43]

الْآيَةَ، بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الْآيَةِ مَجَازٌ حَتَّى يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ، وَهُوَ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ: أَيْ لَا تَقْرَبُوا مَوْضِعَ الصَّلَاةِ، وَيَكُونُ عَابِرُ السَّبِيلِ اسْتِثْنَاءً مِنَ النَّهْيِ عَنْ قُرْبِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ أَصْلًا، وَتَكُونُ الْآيَةُ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَيَكُونُ عَابِرُ السَّبِيلِ هُوَ الْمُسَافِرَ الَّذِي عَدِمَ الْمَاءَ، وَهُوَ جُنُبٌ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِي الْآيَةِ مَحْذُوفًا أَجَازَ الْمُرُورَ لِلْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْجُنُبِ الْإِقَامَةَ فِي الْمَسْجِدِ.
وَأَمَّا مَنْ مَنَعَ الْعُبُورَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا أَعْلَمُ لَهُ دَلِيلًا إِلَّا ظَاهِرَ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِجُنُبٍ، وَلَا حَائِضٍ» وَهُوَ حَدِيثٌ غَيْرُ ثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَائِضِ فِي هَذَا الْمَعْنَى هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْجُنُبِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ.
مَسُّ الْجُنُبِ الْمُصْحَفَ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِجَازَتِهِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوا أَنْ يَمَسَّهُ غَيْرُ مُتَوَضِّئٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ غَيْرِ الْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَمَسَّهُ.
أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾ [الواقعة: 79] وَقَدْ ذَكَرْنَا سَبَبَ الِاخْتِلَافِ فِي الْآيَةِ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي مَنْعِ الْحَائِضِ مَسَّهُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِلْجُنُبِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ: فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى إِبَاحَتِهِ، وَالسَّبَبُ فِي ذَلِكَ الِاحْتِمَالُ الْمُتَطَرِّقُ إِلَى حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَا يَمْنَعُهُ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ إِلَّا الْجَنَابَةُ» وَذَلِكَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا: إِنَّ هَذَا لَا يُوجِبُ شَيْئًا ; لِأَنَّهُ ظَنٌّ مِنَ الرَّاوِي، وَمِنْ أَيْنَ يَعْلَمُ أَحَدٌ أَنَّ تَرْكَ الْقِرَاءَةِ كَانَ لِمَوْضِعِ الْجَنَابَةِ إِلَّا لَوْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ؟ وَالْجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِيَقُولَ هَذَا عَنْ تَوَهُّمٍ وَلَا ظَنٍّ، وَإِنَّمَا قَالَهُ عَنْ تَحْقِيقٍ.
وَقَوْمٌ جَعَلُوا الْحَائِضَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ بِمَنْزِلَةِ الْجُنُبِ، وَقَوْمٌ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا، فَأَجَازُوا لِلْحَائِضِ الْقِرَاءَةَ الْقَلِيلَةَ اسْتِحْسَانًا؛ لِطُولِ مَقَامِهَا حَائِضًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
فَهَذِهِ هِيَ أَحْكَامُ الْجَنَابَةِ.

[أَحْكَامُ الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنَ الرَّحِمِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ أَنْوَاعُ الدِّمَاءِ الْخَارِجَةِ مِنَ الرَّحِمِ]

وأما

أحكام الدماء الخارجة من الرحم

: فالكلام المحيط بأصولها ينحصر في ثلاثة أبواب.
الأول: معرفة أنواع الدماء الخارجة من الرحم.

والثاني: معرفة العلامات التي تدل على انتقال الطهر إلى الحيض، والحيض إلى الطهر، أو الاستحاضة، والاستحاضة أيضا إلى الطهر.
والثالث: معرفة أحكام الحيض والاستحاضة أعني موانعها وموجباتها.
ونحن نذكر في كل باب من هذه الأبواب الثلاثة من المسائل ما يجري مجرى القواعد والأصول لجميع ما في هذا الباب على ما قصدنا إليه مما اتفقوا عليه، واختلفوا فيه.
الباب الأول اتفق المسلمون على أن الدماء التي تخرج من الرحم ثلاثة: دم حيض وهو الخارج على جهة الصحة، ودم استحاضة، وهو الخارج على جهة المرض، وأنه غير دم الحيض لقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إنما ذلك عرق، وليس بالحيضة» ودم نفاس وهو الخارج من الولد.
الباب الثاني أما معرفة علامات انتقال هذه الدماء بعضها إلى بعض، وانتقال الطهر إلى الحيض والحيض إلى الطهر، فإن معرفة ذلك في الأكثر تنبني على معرفة أيام الدماء المعتادة وأيام الأطهار، ونحن نذكر فيها ما يجري مجرى الأصول وهي سبع مسائل.
المسألة الأولى: اختلف العلماء في أكثر أيام الحيض وأقلها، وأقل أيام الطهر فروي عن مالك أن أكثر أيام الحيض خمسة عشر يوما، وبه قال الشافعي وقال أبو حنيفة: أكثره عشرة أيام، وأما أقل أيام الحيض فلا حد لها عند مالك، بل قد تكون الدفعة الواحدة عنده حيضا، إلا أنه لا يعتد بها في الأقراء في الطلاق، وقال الشافعي: أقله يوم وليلة وقال أبو حنيفة: أقله ثلاثة أيام.
وأما أقل الطهر فاضطربت فيه الروايات عن مالك، فروي عنه عشرة أيام، وروي عنه ثمانية أيام، وروي عنه خمسة عشر يوما وإلى هذه الرواية مال البغداديون من أصحابه، وبها قال الشافعي وأبو حنيفة، وقيل سبعة عشر يوما وهو أقصى ما انعقد عليه الإجماع فيما أحسب.

وَأَمَّا أَكْثَرُ الطُّهْرِ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُمْ حَدٌّ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا مَوْضُوعًا مِنْ أَقَاوِيلِهِمْ، فَمَنْ كَانَ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ قَدْرٌ مَعْلُومٌ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ إِذَا وَرَدَ فِي سِنِّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ اسْتِحَاضَةً، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ قَدْرٌ مَحْدُودٌ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الدُّفْعَةُ عِنْدَهُ حَيْضًا، وَمَنْ كَانَ أَيْضًا عِنْدَهُ أَكْثَرُهُ مَحْدُودًا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ الْقَدْرِ عِنْدَهُ اسْتِحَاضَةً، وَلَكِنْ مُحَصِّلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ: أَنَّ النِّسَاءَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُبْتَدَأَةٌ وَمُعْتَادَةٌ.
فَالْمُبْتَدَأَةُ: تَتْرُكُ

الصَّلَاةَ بِرُؤْيَةِ أَوَّلِ دَمٍ تَرَاهُ إِلَى تَمَامِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعْ صَلَّتْ، وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: تُصَلِّي مِنْ حِينِ تَتَيَقَّنَ الِاسْتِحَاضَةَ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تُعِيدُ صَلَاةَ مَا سَلَفَ لَهَا مِنَ الْأَيَّامِ، إِلَّا أَقَلَّ الْحَيْضِ عِنْدَهُ وَهُوَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ.
وَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ: بَلْ تَعْتَدُّ أَيَّامَ لِدَاتِهَا، ثُمَّ تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْقَطِعِ الدَّمُ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ.
وَأَمَّا الْمُعْتَادَةُ: فَفِيهَا رِوَايَتَانِ عَنْ مَالِكٍ: إِحْدَاهُمَا: بِنَاؤُهَا عَلَى عَادَتِهَا، وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ تَتَجَاوَزْ أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ.
وَالثَّانِيَةُ: جُلُوسُهَا إِلَى انْقِضَاءِ أَكْثَرِ مُدَّةِ الْحَيْضِ، أَوْ تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَعْمَلُ عَلَى أَيَّامِ عَادَتِهَا.
وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ كُلُّهَا الْمُخْتَلَفُ فِيهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ فِي أَقَلِّ الْحَيْضِ وَأَكْثَرِهِ وَأَقَلِّ الطُّهْرِ لَا مُسْتَنَدَ لَهَا إِلَّا التَّجْرِبَةُ وَالْعَادَةُ، وَكُلٌّ إِنَّمَا قَالَ مِنْ ذَلِكَ مَا ظَنَّ أَنَّ التَّجْرِبَةَ أَوْقَفَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلِاخْتِلَافِ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ عَسُرَ أَنْ يُعْرَفَ بِالتَّجْرِبَةِ حُدُودُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي أَكْثَرِ النِّسَاءِ، وَوَقَعَ فِي ذَلِكَ هَذَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا.
وإنما وَأَجْمَعُوا بِالْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الدَّمَ إِذَا تَمَادَى أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْحَيْضِ أَنَّهُ اسْتِحَاضَةٌ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: «فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» وَالْمُتَجَاوِزَةُ لِأَمَدِ أَكْثَرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ قَدْ ذَهَبَ عَنْهَا قَدْرُهَا ضَرُورَةً.
وَإِنَّمَا صَارَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْمُعْتَادَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ إِلَى أَنَّهَا تَبْنِي عَلَى عَادَتِهَا لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ: «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فاستفتت لها أم سلمة رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ: لِتَنْظُرْ إِلَى عَدَدِ اللَّيَالِي وَالْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْرِ قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، فَلْتَتْرُكِ الصَّلَاةَ قَدْرَ ذَلِكَ مِنَ الشَّهْرِ، فَإِذَا خَلَّفَتْ ذَلِكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لْتَسْتَثْفِرْ بِثَوْبٍ، ثُمَّ لْتُصَلِّي» فَأَلْحَقُوا حُكْمَ الْحَائِضِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الِاسْتِحَاضَةِ بِحُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الْحَيْضِ، وَإِنَّمَا رَأَى أَيْضًا فِي الْمُبْتَدَأَةِ أَنْ تَعْتَبِرَ أَيَّامَ لِدَاتِهَا ; لِأَنَّ أَيَّامَ لِدَاتِهَا شَبِيهَةٌ بِأَيَّامِهَا فَجُعِلَ حُكْمُهُمَا وَاحِدًا.
وَأَمَّا الِاسْتِظْهَارُ الَّذِي قَالَ بِهِ مَالِكٌ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَهُوَ شَيْءٌ انْفَرَدَ بِهِ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ - رَحِمَهُمُ اللَّهُ - وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ جَمِيعُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَا عَدَا الْأَوْزَاعِيَّ، إِذْ لَمْ يَكُنْ لِذَلِكَ ذِكْرٌ فِي الْأَحَادِيثِ الثَّابِتَةِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ.

المسألة الثانية: ذهب مالك وأصحابه في الحائض التي ينقطع حيضها - وذلك بأن تحيض يوما أو يومين، وتطهر يوما أو يومين - إلى أنها تجمع أيام الدم بعضها إلى بعض، وتلغى أيام الطهر، وتغتسل في كل يوم ترى فيه الطهر أول ما تراه وتصلي، فإنها لا تدري لعل ذلك طهر، فإذا اجتمع لها من أيام الدم خمسة عشر يوما فهي مستحاضة، وبهذا القول قال الشافعي، وروي عن مالك أيضا أنها تلفق أيام الدم وتعتبر بذلك أيام عادتها، فإن ساوتها استظهرت بثلاثة أيام فإن انقطع الدم، وإلا فهي مستحاضة.
وجعل الأيام التي لا ترى فيها الدم غير معتبرة في العدد لا معنى له، فإنه لا تخلو تلك الأيام أن تكون أيام حيض، أو أيام طهر، فإن كانت أيام حيض، فيجب أن تلفقها إلى أيام الدم، وإن كانت أيام طهر فليس يجب أن تلفق أيام الدم إذ كان قد تخللها طهر، والذي يجيء على أصوله أنها أيام حيض لا أيام طهر، إذ أقل الطهر عنده محدود، وهو أكثر من اليوم واليومين فتدبر هذه فإنه بين إن شاء الله تعالى.
والحق أن دم الحيض ودم النفاس يجري ثم ينقطع يوما أو يومين، ثم يعود حتى تنقضي أيام الحيض، أو النفاس كما تجري ساعة أو ساعتين من النهار ثم تنقطع.
المسألة الثالثة: اختلفوا في أقل النفاس وأكثره، فذهب مالك إلى أنه لا حد لأقله، وبه قال الشافعي وذهب أبو حنيفة وقوم إلى أنه محدود، فقال أبو حنيفة: هو خمسة وعشرون يوما وقال أبو يوسف صاحبه: أحد عشر يوما، وقال الحسن البصري: عشرون يوما وأما أكثره فقال مالك مرة: هو ستون يوما، ثم رجع عن ذلك، فقال: يسأل عن ذلك النساء، وأصحابه ثابتون على القول الأول، وبه قال الشافعي.
وأكثر أهل العلم من الصحابة على أن أكثره أربعون يوما، وبه قال أبو حنيفة.
وقد قيل تعتبر المرأة في ذلك أيام أشباهها من النساء، فإذا جاوزتها فهي مستحاضة، وفرق قوم بين ولادة الذكر وولادة الأنثى، فقالوا: للذكر ثلاثون يوما، وللأنثى أربعون يوما.
وسبب الخلاف عسر الوقوف على ذلك بالتجربة لاختلاف أحوال النساء في ذلك، ولأنه ليس هناك سنة يعمل عليها كالحال في اختلافهم في أيام الحيض والطهر.

المسألة الرابعة: اختلف الفقهاء قديما وحديثا هل الدم الذي ترى الحامل هو حيض أم استحاضة؟ فذهب مالك والشافعي في أصح قوليه وغيرهما إلى أن الحامل تحيض وذهب أبو

حنيفة وأحمد والثوري، وغيرهم إلى أَنَّ الْحَامِلَ لَا تَحِيضُ، وَأَنَّ الدَّمَ الظَّاهِرَ لَهَا دَمُ فَسَادٍ وَعِلَّةٍ، إِلَّا أَنْ يُصِيبَهَا الطَّلْقُ، فإنهم أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ دَمُ نِفَاسٍ، وَأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْحَيْضِ فِي مَنْعِهِ الصَّلَاةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِهِ.
وَلِمَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ فِي مَعْرِفَةِ انْتِقَالِ الْحَائِضِ الْحَامِلِ إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ إِلَى حُكْمِ الِاسْتِحَاضَةِ أَقْوَالٌ مُضْطَرِبَةٌ: أَحَدُهَا: أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الْحَائِضِ نَفْسِهَا ; (أَعْنِي: إِمَّا أَنْ تَقْعُدَ أَكْثَرَ أَيَّامِ الْحَيْضِ، ثُمَّ هِيَ مُسْتَحَاضَةٌ، وَإِمَّا أَنْ تَسْتَظْهِرَ عَلَى أَيَّامِهَا الْمُعْتَادَةِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَا لَمْ يَكُنْ مَجْمُوعُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا) وَقِيلَ: إِنَّهَا تَقْعُدُ حَائِضًا ضِعْفَ أَكْثَرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَقِيلَ: إِنَّهَا تُضَعِّفُ أَكْثَرَ أَيَّامِ الْحَيْضِ وقيل: إِنَّهَا تُضَعِّفُ أَكْثَرَ أَيَّامِ الْحَيْضِ بِعَدَدِ الشُّهُورِ الَّتِي مَرَّتْ لَهَا.
فَفِي الشَّهْرِ الثَّانِي مِنْ حَمْلِهَا تُضَعِّفُ أَيَّامَ أَكْثَرِ الْحَيْضِ مَرَّتَيْنِ، وَفِي الثَّالِثِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَفِي الرَّابِعِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَكَذَلِكَ مَا زَادَتِ الْأَشْهُرُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ: عُسْرُ الْوُقُوفِ عَلَى ذَلِكَ بِالتَّجْرِبَةِ، وَاخْتِلَاطُ الْأَمْرَيْنِ، فَإِنَّهُ مَرَّةً يَكُونُ الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ دَمَ حَيْضٍ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَتْ قُوَّةُ الْمَرْأَةِ وَافِرَةً وَالْجَنِينُ صَغِيرًا، وَبِذَلِكَ أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ حَمْلٌ عَلَى حَمْلٍ عَلَى مَا حَكَاهُ بُقْرَاطُ وَجَالِينُوسُ وَسَائِرُ الْأَطِبَّاءِ، وَمَرَّةً يَكُونُ الدَّمُ الَّذِي تَرَاهُ الْحَامِلُ لِضَعْفِ الْجَنِينِ وَمَرَضِهِ التَّابِعِ لِضَعْفِهَا وَمَرَضِهَا فِي الْأَكْثَرِ، فَيَكُونُ دَمَ عِلَّةٍ وَمَرَضٍ، وَهُوَ فِي الْأَكْثَرِ دَمُ عِلَّةٍ.

الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الصُّفْرَةِ وَالْكُدْرَةِ هَلْ هِيَ حَيْضٌ أَمْ لَا؟ فَرَأَتْ جَمَاعَةٌ أَنَّهَا حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْهُ أَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ حَيْضٌ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَفِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ رَأَتْ ذَلِكَ مَعَ الدَّمِ أَوْ لَمْ تَرَهُ.
وَقَالَ دَاوُدُ، وَأَبُو يُوسُفَ: إِنَّ الصُّفْرَةَ، وَالْكُدْرَةَ لَا تَكُونُ حَيْضًا إِلَّا بِأَثَرِ الدَّمِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُخَالَفَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّهَا قَالَتْ: كُنَّا لَا نَعُدُّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ بَعْدَ الْغُسْلِ شَيْئًا، وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَبْعَثْنَ إِلَيْهَا بِالدُّرْجَةِ فِيهَا الْكُرْسُفُ فِيهِ الصُّفْرَةُ وَالْكُدْرَةُ مِنْ دَمِ الْحَيْضِ يَسْأَلْنَهَا عَنِ الصَّلَاةِ ; فَتَقُولُ: لَا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ.
فَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ عَائِشَةَ جَعَلَ الصُّفْرَةَ، وَالْكُدْرَةَ حَيْضًا، سَوَاءٌ ظَهَرَتْ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ أَمْ

فِي غَيْرِ أَيَّامِهِ مَعَ الدَّمِ أَوْ بِلَا دَمٍ، فَإِنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ الْوَاحِدِ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ يَخْتَلِفُ، وَمَنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ قَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ هُوَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الدَّمِ، وَحَدِيثَ عَائِشَةَ فِي أَثَرِ انْقِطَاعِهِ، أَوْ إِنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هُوَ فِي أَيَّامِ الْحَيْضِ، وَحَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَيْضِ.
وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ، وَلَمْ يَرَوُا الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ شَيْئًا لَا فِي أَيَّامِ حَيْضٍ، وَلَا فِي غَيْرِهَا، وَلَا بِأَثَرِ الدَّمِ، وَلَا بَعْدَ انْقِطَاعِهِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «دَمُ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدُ يُعْرَفُ» ، وَلِأَنَّ الصُّفْرَةَ وَالْكُدْرَةَ لَيْسَتْ بِدَمٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ سَائِرِ الرُّطُوبَاتِ الَّتِي تُرْخِيهَا الرَّحِمُ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ.

الْمَسْأَلَةُ السّادِسَةُ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَلَامَةِ الطُّهْرِ، فَرَأَى قَوْمٌ أَنَّ عَلَامَةَ الطُّهْرِ رُؤْيَةُ الْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ أَوِ الْجُفُوفِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ عَادَتُهَا أَنْ تَطْهُرَ بِالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ أَوْ بِالْجُفُوفِ أَيُّ ذَلِكَ رَأَتْ طَهُرَتْ بِهِ.
وَفَرَّقَ قَوْمٌ فَقَالُوا: إِنْ كَانَتِ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ تَرَى الْقَصَّةَ الْبَيْضَاءَ فَلَا تَطْهُرُ حَتَّى تَرَاهَا، وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ مِمَّنْ لَا تَرَاهَا فَطُهْرُهَا الْجُفُوفُ، وَذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ رَاعَى الْعَادَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَاعَى انْقِطَاعَ الدَّمِ فَقَطْ، وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الَّتِي عَادَتُهَا الْجُفُوفُ تَطْهُرُ بِالْقَصَّةِ الْبَيْضَاءِ وَلَا تَطْهُرُ الَّتِي عَادَتُهَا الْقَصَّةُ الْبَيْضَاءُ بِالْجُفُوفِ وَقَدْ قِيلَ بِعَكْسِ هَذَا وَكُلُّهُ لِأَصْحَابِ مَالِكٍ.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ مَتَى يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْحَائِضِ، كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْحَائِضِ إِذَا تَمَادَى بِهَا الدَّمُ مَتَى يَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْمُسْتَحَاضَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ أَبَدًا: حُكْمُهَا حُكْمُ الطَّاهِرَةِ إِلَى أَنْ يَتَغَيَّرَ الدَّمُ إِلَى صِفَةِ الْحَيْضِ، وَذَلِكَ إِذَا مَضَى لِاسْتِحَاضَتِهَا مِنَ الْأَيَّامِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ أَقَلِّ أَيَّامِ الطُّهْرِ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ حَائِضًا (أَعْنِي: إِذَا اجْتَمَعَ لَهَا هَذَانِ الشَّيْئَانِ تَغَيُّرُ الدَّمِ وَأَنْ يَمُرَّ لَهَا فِي الِاسْتِحَاضَةِ مِنَ الْأَيَّامِ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا، وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ أَبَدًا) . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَقْعُدُ أَيَّامَ عَادَتِهَا إِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُبْتَدَأَةً قَعَدَتْ أَكْثَرَ الْحَيْضِ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ إِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَادَةِ عَمِلَتْ عَلَى الْعَادَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِهِمَا مَعًا فَلَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَعْمَلُ عَلَى التَّمْيِيزِ، وَالثَّانِي: عَلَى الْعَادَةِ.

وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: أَنَّ فِي ذَلِكَ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ: أَحَدُهُمَا: حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَمَرَهَا - وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً - أَنْ تَدَعَ الصَّلَاةَ قَدْرَ أَيَّامِهَا الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ فِيهَا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَهَا الَّذِي أَصَابَهَا، ثُمَّ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّي» وَفِي مَعْنَاهُ أَيْضًا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ الْمُتَقَدِّمُ الَّذِي خَرَّجَهُ مَالِكٌ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ أَنَّهَا كَانَتِ اسْتُحِيضَتْ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ دَمَ الْحَيْضَةِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَامْكُثِي عَنِ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوْضَّئِي وَصَلِّي فَإِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ» ، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ.
فَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ.
فَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ تَرْجِيحِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَمَا وَرَدَ فِي مَعْنَاهُ قَالَ بِاعْتِبَارِ الْأَيَّامِ، وَمَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اعْتَبَرَ عَدَدَ الْأَيَّامِ فَقَطْ فِي الْحَائِضِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الِاسْتِحَاضَةِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الْحَيْضِ (أَعْنِي: لَا عَدَدَهَا وَلَا مَوْضِعَهَا مِنَ الشَّهْرِ إِذَا كَانَ عِنْدَهَا ذَلِكَ مَعْلُومًا) وَالنَّصُّ إِنَّمَا جَاءَ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ الَّتِي تَشُكُّ فِي الْحَيْضِ، فَاعْتَبَرَ الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ فِي الْأَصْلِ، وَهَذَا غَرِيبٌ فَتَأَمَّلْهُ.
وَمَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ قَالَ بِاعْتِبَارِ اللَّوْنِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ رَاعَى مَعَ اعْتِبَارِ لَوْنِ الدَّمِ مُضِيَّ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طُهْرًا مِنْ أَيَّامِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُرَاعِ ذَلِكَ، وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ قَالَ: الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ هُوَ فِي الَّتِي تَعْرِفُ عَدَدَ أَيَّامِهَا مِنَ الشَّهْرِ وَمَوْضِعَهَا.
وَالثَّانِي فِي الَّتِي لَا تَعْرِفُ عَدَدَهَا وَلَا مَوْضِعَهَا، وَتَعْرِفُ لَوْنَ الدَّمِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهَا إِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ أَهْلِ التَّمْيِيزِ، وَلَا تَعْرِفُ مَوْضِعَ أَيَّامِهَا مِنَ الشَّهْرِ، وَتَعْرِفُ عَدَدَهَا أَوْ لَا تَعْرِفُ عَدَدَهَا أَنَّهَا تَتَحَرَّى عَلَى حَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ، صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَفِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا: «إِنَّمَا هِيَ رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ فَتَحَيَّضِي سِتَّةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةَ أَيَّامٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ، ثُمَّ اغْتَسِلِي» " وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ بِكَمَالِهِ عِنْدَ حُكْمِ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الطُّهْرِ.
فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ الْمَسَائِلِ الَّتِي فِي هَذَا الْبَابِ، وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ وَاقِعَةٌ فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ انْتِقَالِ الطُّهْرِ إِلَى الْحَيْضِ، وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ انْتِقَالِ الْحَيْضِ إِلَى الطُّهْرِ، وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ انْتِقَالِ الْحَيْضِ إِلَى الِاسْتِحَاضَةِ، وَالرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ انْتِقَالِ الِاسْتِحَاضَةِ إِلَى الْحَيْضِ، وَهُوَ

الَّذِي وَرَدَتْ فِيهِ الْأَحَادِيثُ، وَأَمَّا الثَّلَاثَةُ فَمَسْكُوتٌ عَنْهَا (أَعْنِي: عَنْ تَحْدِيدِهَا) وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي انْتِقَالِ النِّفَاسِ إِلَى الِاسْتِحَاضَةِ.

[الْبَابُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ]

الْبَابُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] الْآيَةَ، وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا.
وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْحَيْضَ يَمْنَعُ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: أَحَدُهما: فِعْلُ الصَّلَاةِ وَوُجُوبُهَا (أَعْنِي أَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ عَلَى الْحَائِضِ قَضَاؤُهَا بِخِلَافِ الصَّوْمِ) وَالثَّانِي أَنَّهُ يَمْنَعُ فِعْلَ الصَّوْمِ لَا قَضَاءَهُ، وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّابِتِ أَنَّهَا قَالَتْ: «كُنَّا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ» وَإِنَّمَا قَالَ بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ.
وَالثَّالِثُ - فِيمَا أَحْسَبُ - الطَّوَافُ؛ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّابِتِ حِينَ أَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ.
وَالرَّابِعُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] الْآيَةَ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَحْكَامِهَا فِي مَسَائِلَ نَذْكُرُ مِنْهَا مَشْهُورَاتِهَا، وَهِيَ خَمْسٌ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مُبَاشَرَةِ الْحَائِضِ وَمَا يُسْتَبَاحُ مِنْهَا، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَهُ مِنْهَا مَا فَوْقَ الْإِزَارِ فَقَطْ.
وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ: إِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَ مَوْضِعَ الدَّمِ فَقَطْ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَالِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي مَفْهُومِ آيَةِ الْحَيْضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصِّحَاحِ عَنْ عَائِشَةَ، وَمَيْمُونَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يَأْمُرُ إِذَا كَانَتْ إِحْدَاهُنَّ حَائِضًا أَنْ تَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا، ثُمَّ يُبَاشِرَهَا» ، وَوَرَدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ بِالْحَائِضِ إِلَّا النِّكَاحَ» وَذَكَرَ أَبُو

دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا، وَهِيَ حَائِضٌ " اكْشِفِي عَنْ فَخِذِكِ، قَالَتْ: فَكَشَفْتُ، فَوَضَعَ خَدَّهُ وَصَدْرَهُ عَلَى فَخِذِي، وَحَنَيْتُ عَلَيْهِ حَتَّى دَفِئَ، وَكَانَ قَدْ أَوْجَعَهُ الْبَرْدُ» . وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي آيَةِ الْحَيْضِ، فَهُوَ تَرَدُّدُ قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222] بَيْنَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الدَّلِيلُ، أَوْ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ الْعَامِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى فِيهِ: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة: 222] وَالْأَذَى إِنَّمَا يَكُونُ فِي مَوْضِعِ الدَّمِ.
فَمَنْ كَانَ الْمَفْهُومُ مِنْهُ عِنْدَهُ الْعُمُومَ (أَعْنِي أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ عِنْدَهُ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْقَوْلُ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يُخَصِّصَهُ الدَّلِيلُ، اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا فَوْقَ الْإِزَارِ بِالسُّنَّةِ، إِذِ الْمَشْهُورُ جَوَازُ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ) وَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْعَامِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ رَجَّحَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى الْآثَارِ الْمَانِعَةِ مِمَّا تَحْتَ الْإِزَارِ، وَقَوِيَ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِالْآثَارِ الْمُعَارِضَةِ لِلْآثَارِ الْمَانِعَةِ مِمَّا تَحْتَ الْإِزَارِ، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ هَذِهِ الْآثَارِ، وَبَيْنَ مَفْهُومِ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي نَبَّهَ عَلَيْهِ الْخِطَابُ الْوَارِدُ فِيهَا وَهُوَ كَوْنُهُ أَذًى، فَحَمَلَ أَحَادِيثَ الْمَنْعِ لِمَا تَحْتَ الْإِزَارِ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ، وَأَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ وَمَفْهُومَ الْآيَةِ عَلَى الْجَوَازِ، وَرَجَّحُوا تَأْوِيلَهُمْ هَذَا بِأَنَّهُ قَدْ دَلَّتِ السُّنَّةُ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جِسْمِ الْحَائِضِ شَيْءٌ نَجِسٌ إِلَّا مَوْضِعُ الدَّمِ، وَذَلِكَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَأَلَ عَائِشَةَ أَنْ تُنَاوِلَهُ الْخُمْرَةَ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ» وَمَا ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ تَرْجِيلِهَا رَأْسَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَهِيَ حَائِضٌ، وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ» .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ اخْتَلَفُوا فِي وَطْءِ الْحَائِضِ فِي طُهْرِهَا، وَقَبْلَ الِاغْتِسَالِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ حَتَّى تَغْتَسِلَ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا طَهُرَتْ لِأَكْثَرِ أَمَدِ الْحَيْضِ، وَهُوَ عِنْدَهُ

عَشَرَةُ أَيَّامٍ، وَذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إِلَى أَنَّهَا إِنْ غَسَلَتْ فَرَجْهَا بِالْمَاءِ جَازَ وَطْؤُهَا (أَعْنِي كُلَّ حَائِضٍ طَهُرَتْ مَتَى طَهُرَتْ) وَبِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 222] هَلِ الْمُرَادُ بِهِ الطُّهْرُ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ أَمِ الطُّهْرُ بِالْمَاءِ؟ ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الطُّهْرَ بِالْمَاءِ، فَهَلِ الْمُرَادُ بِهِ طُهْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ أَمْ طُهْرُ الْفَرْجِ؟ فَإِنَّ الطُّهْرَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَعُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ مُشْتَرَكٌ يُقَالُ عَلَى هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْمَعَانِي.
وَقَدْ رَجَّحَ الْجُمْهُورُ مَذْهَبَهُمْ بِأَنَّ صِيغَةَ التَّفَعُّلَ إِنَّمَا تَنْطَلِقُ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ الْمُكَلَّفِينَ، لَا عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ فِعْلِ غَيْرِهِمْ، فَيَكُونُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] أَظْهَرَ فِي مَعْنَى الْغُسْلِ بِالْمَاءِ مِنْهُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ الدَّمِ، وَالْأَظْهَرُ يَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ حَتَّى يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى خِلَافِهِ، وَرَجَّحَ أَبُو حَنِيفَةَ مَذْهَبَهُ بِأَنَّ لَفْظَ يَفْعُلْنَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] هُوَ أَظْهَرُ فِي الطُّهْرِ الَّذِي هُوَ انْقِطَاعُ دَمِ الْحَيْضِ مِنْهُ فِي التَّطَهُّرِ بِالْمَاءِ.
وَالْمَسْأَلَةُ كَمَا تَرَى مُحْتَمِلَةٌ.
وَيَجِبُ عَلَى مَنْ فَهِمَ مِنْ لَفْظِ الطُّهْرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] مَعْنًى وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي الثَّلَاثَةِ أَنْ يَفْهَمَ ذَلِكَ الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] لِأَنَّهُ مِمَّا لَيْسَ يُمْكِنُ أَوْ مِمَّا يَعْسُرُ أَنْ يُجْمَعَ فِي الْآيَةِ بَيْنَ مَعْنَيَيْنِ مِنْ هَذِهِ الْمَعَانِي مُخْتَلِفَيْنِ حَتَّى يُفْهَمَ مِنْ لَفْظَةِ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] " النَّقَاءُ، وَيُفْهَمَ مِنْ لَفْظِ ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] " الْغُسْلُ بِالْمَاءِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْمَالِكِيِّينَ فِي الِاحْتِجَاجِ لِمَالِكٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَادَةِ الْعَرَبِ أَنْ يَقُولُوا لَا تُعْطِ فُلَانًا دِرْهَمًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، بَلْ إِنَّمَا يَقُولُونَ: وَإِذَا دَخَلَ الدَّارَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا ; لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الثَّانِيَةَ هِيَ مُؤَكِّدَةٌ لِمَفْهُومِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى.
وَمَنْ تَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] عَلَى أَنَّهُ النَّقَاءُ، وَقَوْلَهُ: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] عَلَى أَنَّهُ الْغُسْلُ بِالْمَاءِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ لَا تُعْطِ فُلَانًا دِرْهَمًا حَتَّى يَدْخُلَ الدَّارَ، فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَعْطِهِ دِرْهَمًا، وَذَلِكَ غَيْرُ مَفْهُومٍ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ وَيَتَطَهَّرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ، وَفِي تَقْدِيرِ هَذَا الْحَذْفِ بُعْدٌ أما، وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: ظُهُورُ لَفْظِ التَّطَهُّرِ فِي مَعْنَى الِاغْتِسَالِ هُوَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، لَكِنَّ هَذَا يُعَارِضُهُ ظُهُورُ عَدَمِ الْحَذْفِ فِي الْآيَةِ، فَإِنَّ الْحَذْفَ مَجَازٌ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَظْهَرُ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ، وَكَذَلِكَ فَرْضُ الْمُجْتَهِدِ هاهنَا إِذَا انْتَهَى بِنَظَرِهِ إِلَى مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُوَازِنَ بَيْنَ الظَّاهِرَيْنِ، فَمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ عَمِلَ عَلَيْهِ (وَأَعْنِي بِالظَّاهِرَيْنِ أَنْ يُقَايِسَ بَيْنَ ظُهُورِ لَفْظِ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] فِي الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ وَظُهُورِ عَدَمِ الْحَذْفِ فِي الْآيَةِ) إِنْ أَحَبَّ أَنْ يَحْمِلَ لَفْظَ ﴿تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] عَلَى

ظَاهِرِهِ مِنَ النَّقَاءِ، فَأَيُّ الظَّاهِرَيْنِ كَانَ عِنْدَهُ أَرْجَحَ عَمِلَ عَلَيْهِ أَعْنِي إِمَّا أَنْ لَا يُقَدِّرَ فِي الْآيَةِ حَذْفًا وَيَحْمِلَ لَفْظَ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] " عَلَى الْغُسْلِ بِالْمَاءِ، أَوْ يُقَايِسَ بَيْنَ ظُهُورِ لَفْظِ ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ [البقرة: 222] " فِي الِاغْتِسَالِ وَظُهُورِ لَفْظِ ﴿يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: 222] فِي النَّقَاءِ.
فَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ أَظْهَرَ أَيْضًا صَرَفَ تَأْوِيلَ اللَّفْظِ الثَّانِي لَهُ وَعَمِلَ عَلَى أَنَّهُمَا يَدُلَّانِ فِي الْآيَةِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ أَعْنِي: إِمَّا عَلَى مَعْنَى النَّقَاءِ وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ وَلَيْسَ فِي طِبَاعِ النَّظَرِ الْفِقْهِيِّ أَنْ يَنْتَهِيَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَتَأَمَّلْهُ.
وَفِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالِ يَسُوغُ أَنْ يُقَالَ: كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ أَبِي حَنِيفَةَ أَكْثَرَ الْحَيْضِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَضَعِيفٌ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَتَصَدَّقُ بِدِينَارٍ أَوْ بِنِصْفِ دِينَارٍ.
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ: إِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ، وَإِنْ وَطِئَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي صِحَّةِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ أَوْ وَهْيِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «فِي الَّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ أَنَّهُ يَتَصَدَّقَ بِدِينَارٍ» . «وَرُوِيَ عَنْهُ بِنِصْفِ دِينَارٍ» . وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَيْضًا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا أَنَّهُ «إِنْ وَطِئَ فِي الدَّمِ فَعَلَيْهِ دِينَارٌ» ، «وَإِنْ وَطِئَ فِي انْقِطَاعِ الدَّمِ فَنِصْفُ دِينَارٍ» . وَرُوِيَ فِي هَذَا الْحَدِيثُ «يَتَصَدَّقُ بِخُمْسَيْ دِينَارٍ» ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، فَمَنْ صَحَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَارَ إِلَى الْعَمَلِ بِهَا، وَمَنْ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِنْهَا وَهُمُ الْجُمْهُورُ عَمِلَ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ سُقُوطُ الْحُكْمِ حَتَّى يَثْبُتَ بِدَلِيلٍ.

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُسْتَحَاضَةِ، فَقَوْمٌ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فَقَطْ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا تَرَى أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ حَيْضَهَا بِإِحْدَى تِلْكَ الْعَلَامَاتِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ عَلَى حَسَبِ مَذْهَبِ هَؤُلَاءِ فِي تِلْكَ الْعَلَامَاتِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ: فَقَوْمٌ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَوْمٌ اسْتَحَبُّوا ذَلِكَ لَهَا وَلَمْ يُوجِبُوهُ عَلَيْهَا،

وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فَقَطْ هُمْ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُمْ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ أَوْجَبُوا عَلَيْهَا أَنْ تَتَوَضَّأَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهَا إِلَّا اسْتِحْبَابًا، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقَوْمٌ آخَرُونَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ رَأَوْا أَنَّ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ أَنْ تَتَطَهَّرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تُؤَخِّرَ الظُّهْرَ إِلَى أَوَّلِ الْعَصْرِ، ثُمَّ تَتَطَهَّرَ وَتَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ، وَكَذَلِكَ تُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ إِلَى آخِرِ وَقْتِهَا وَأَوَّلُ وَقْتِ الْعِشَاءِ، وَتَتَطَهَّرُ طُهْرًا ثَانِيًا وَتَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَتَطَهَّرُ طُهْرًا ثَالِثًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، فَأَوْجَبُوا عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ لَمْ يَحُدَّ لَهُ وَقْتًا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنْ تَتَطَهَّرَ مِنْ طُهْرٍ إِلَى طُهْرٍ، فَيَتَحَصَّلُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْجُمْلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ إِنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهَا إِلَّا طُهْرٌ وَاحِدٌ فَقَطْ عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ.
وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا الطُّهْرَ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا ثَلَاثَةَ أَطْهَارٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
وَقَوْلٌ: إِنَّ عَلَيْهَا طُهْرًا وَاحِدًا فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُوَ اخْتِلَافُ ظَوَاهِرِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَارِدَ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمَشْهُورَةِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ وَاحِدٌ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ، وَثَلَاثَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا.
أَمَّا الْمُتَّفَقُ عَلَى صِحَّتِهِ فَحَدِيثُ عَائِشَةَ قَالَتْ «جَاءَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ لَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لَا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ، فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي» وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ «وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ» وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَمْ يُخَرِّجْهَا الْبُخَارِيُّ وَلَا مُسْلِمٌ، وَخَرَّجَهَا أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهَا قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثُ عَائِشَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ جَحْشٍ امْرَأَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ «أَنَّهَا اسْتَحَاضَتْ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ» . وَهَذَا الْحَدِيثُ هَكَذَا أَسْنَدَهُ إِسْحَاقُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَأَمَّا سَائِرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، فَإِنَّمَا رَوَوْا عَنْهُ «أَنَّهَا اسْتُحِيضَتْ فَسَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهَا: " إِنَّمَا هُوَ عِرْقٌ وَلَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ " وَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّي، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ لِكُلِّ صَلَاةٍ» عَلَى أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي فَهِمَتْ مِنْهُ، لَا أَنْ ذَلِكَ مَنْقُولٌ مِنْ لَفْظِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَمِنْ هَذَا الطَّرِيقِ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَأَمَّا الثَّالِثُ فَحَدِيثُ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ " أَنَّهَا قَالَتْ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ فَاطِمَةَ ابْنَةَ أَبِي حُبَيْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لِتَغْتَسِلْ لِلظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَلِلْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ غُسْلًا وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلْ لِلْفَجْرِ، وَتَتَوَضَّأْ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ.
وَأَمَّا الرَّابِعُ: فَحَدِيثُ حَمْنَةَ ابْنَةِ جَحْشٍ، وَفِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ بِطُهْرٍ وَاحِدٍ عِنْدَمَا تَرَى أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ دَمُ الْحَيْضِ، وَبَيْنَ أَنْ تَغْتَسِلَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» عَلَى حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، إِلَّا أَنَّ هُنَالِكَ ظَاهِرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَهُنَا عَلَى التَّخْيِيرِ، فَلَمَّا اخْتَلَفَتْ ظَوَاهِرُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا أَرْبَعَةَ مَذَاهِبَ: مَذْهَبَ النَّسْخِ، وَمَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، وَمَذْهَبَ الْجَمْعِ، وَمَذْهَبَ الْبِنَاءِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْجَمْعِ وَالْبِنَاءِ أَنَّ الْبَانِيَ لَيْسَ يَرَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَارُضًا فَيَجْمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، وَأَمَّا الْجَامِعُ فَهُوَ يَرَى أَنَّ هُنَالِكَ تَعَارُضًا فِي الظَّاهِرِ، فَتَأَمَّلْ هَذَا، فَإِنَّهُ فَرْقٌ بَيِّنٌ.
أَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ، فَمَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ ابْنَةِ حُبَيْشٍ لِمَكَانِ الِاتِّفَاقِ عَلَى صِحَّتِهِ، عَمِلَ عَلَى ظَاهِرِهِ، أَعْنِي مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ تِلْكَ الْمَذَاهِبِ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُ هَؤُلَاءِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ، وَمَنْ صَحَّتْ عِنْدَهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الزِّيَادَةُ الْوَارِدَةُ فِيهِ، وَهُوَ الْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَمَنْ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْبِنَاءِ فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ حَدِيثِ فَاطِمَةَ وَحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ الَّذِي مِنْ رُوَاتِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ تَعَارُضٌ أَصْلًا، وَأَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ مِنْ ذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ فَاطِمَةَ، فَإِنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ إِنَّمَا وَقَعَ الْجَوَابُ فِيهِ عَنِ السُّؤَالِ، هَلْ ذَلِكَ الدَّمُ حَيْضٌ يَمْنَعُ الصَّلَاةَ أَمْ لَا؟ فَأَخْبَرَهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهَا لَيْسَتْ بِحَيْضَةٍ تَمْنَعُ الصَّلَاةَ وَلَمْ يُخْبِرْهَا فِيهِ بِوُجُوبِ الطُّهْرِ أَصْلًا لِكُلِّ صَلَاةٍ وَلَا عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ ; وَفِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ أَمَرَهَا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ التَّطَهُّرُ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنْ لِلْجُمْهُورِ أَنْ

يَقُولُوا إِنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، فَلَوْ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهَا الطُّهْرُ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَأَخْبَرَهَا بِذَلِكَ، وَيَبْعُدُ أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَعْرِفُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْهَلُ الْفَرْقَ بَيْنَ الِاسْتِحَاضَةِ وَالْحَيْضِ.
وَأَمَّا تَرْكُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِعْلَامَهَا بِالطُّهْرِ الْوَاجِبِ عَلَيْهَا عِنْدَ انْقِطَاعِ دَمِ الْحَيْضِ، فَمُضَمَّنٌ فِي قَوْلِهِ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِالْحَيْضَةِ» ; لِأَنَّهُ كَانَ مَعْلُومًا مِنْ سُنَّتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّ انْقِطَاعَ الْحَيْضِ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَإِذًا إِنَّمَا لَمْ يُخْبِرْهَا بِذَلِكَ لِأَنَّهَا كَانَتْ عَالِمَةً بِهِ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فِي وُجُوبِ الطُّهْرِ لِكُلِّ صَلَاةٍ إِلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ تَكُنْ قَبْلُ ثَابِتَةً وَثَبَتَتْ بَعْدُ، فَيَتَطَرَّقُ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْأَلَةُ المَشْهُورَةُ: هَلِ الزِّيَادَةُ نَسْخٌ أَمْ لَا؟ وَقَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ فَاطِمَةَ أَمْرُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لَهَا بِالْغُسْلِ، فَهَذَا هُوَ حَالُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ وَمَذْهَبَ الْبِنَاءِ.
وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ النَّسْخِ فَقَالَ: إِنَّ حَدِيثَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ نَاسِخٌ لِحَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ اسْتُحِيضَتْ، وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَأْمُرُهَا بِالْغُسْلِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، فَلَمَّا جَهَدَهَا ذَلِكَ أَمَرَهَا أَنْ تَجْمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي غُسْلٍ وَاحِدٍ، وَتَغْتَسِلَ ثَالِثًا لِلصُّبْحِ» . وَأَمَّا الَّذِينَ ذَهَبُوا مَذْهَبَ الْجَمْعِ فَقَالُوا: إِنَّ حَدِيثَ فَاطِمَةَ ابْنَةِ حُبَيْشٍ مَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي تَعْرِفُ أَيَّامَ الْحَيْضِ مِنْ أَيَّامِ الِاسْتِحَاضَةِ، وَحَدِيثَ أُمِّ حَبِيبَةَ مَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي لَا تَعْرِفُ ذَلِكَ، فَأُمِرَتْ بِالطُّهْرِ فِي كُلِّ وَقْتٍ احْتِيَاطًا لِلصَّلَاةِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ إِذَا قَامَتْ إِلَى الصَّلَاةِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ طَهُرَتْ فَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ.
وَأَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ ابْنَةِ عُمَيْسٍ فَمَحْمُولٌ عَلَى الَّتِي لَا يَتَمَيَّزُ لَهَا أَيَّامُ الْحَيْضِ مِنْ أَيَّامِ الِاسْتِحَاضَةِ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَنْقَطِعُ عَنْهَا فِي أَوْقَاتٍ فَهَذِهِ إِذَا انْقَطَعَ عَنْهَا الدَّمُ وَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَغْتَسِلَ وَتُصَلِّيَ بِذَلِكَ الْغُسْلِ صَلَاتَيْنِ.
وَهُنَا قَوْمٌ ذَهَبُوا مَذْهَبَ التَّخْيِيرِ بَيْنَ حَدِيثَيْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَأَسْمَاءَ وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ حَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَفِيهِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَيَّرَهَا " وَهَؤُلَاءِ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُخَيَّرَةَ هِيَ الَّتِي لَا تَعْرِفُ أَيَّامَ حَيْضَتِهَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: بَلْ هِيَ الْمُسْتَحَاضَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَارِفَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ عَارِفَةٍ، وَهَذَا هُوَ قَوْلٌ خَامِسٌ فِي الْمَسْأَلَةِ، إِلَّا أَنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ حَمْنَةَ ابْنَةِ جَحْشٍ إِنَّمَا هُوَ التَّخْيِيرُ بَيْنَ أَنْ تُصَلِّيَ الصَّلَوَاتِ كُلَّهَا بِطُهْرٍ وَاحِدٍ، وَبَيْنَ أَنْ تَتَطَهَّرَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَأَمَّا

مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تَطَّهَّرَ فِي كُلِّ يَوْمٍ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَلَعَلَّهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَيْهَا لِمَكَانِ الشَّكِّ، وَلَسْتُ أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا.

الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ وَطْءِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ يَجُوزُ وَطْؤُهَا، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَائِشَةَ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ وَالْحَكَمُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِلَّا أَنْ يَطُولَ ذَلِكَ بِهَا، وَبِهَذَا الْقَوْلِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هَلْ إِبَاحَةُ الصَّلَاةِ لَهَا هِيَ رُخْصَةٌ لِمَكَانِ تَأْكِيدِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، أَمْ إِنَّمَا أُبِيحَتْ لَهَا الصَّلَاةُ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَمْ يُجِزْ لِزَوْجِهَا أَنْ يَطَأَهَا، وَمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَهَا حُكْمُ الطَّاهِرِ أَبَاحَ لَهَا ذَلِكَ، وَهِيَ بِالْجُمْلَةِ مَسْأَلَةٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا.
وَأَمَّا التَّفْرِيقُ بَيْنَ الطُّولِ وَلَا طُولَ فَاسْتِحْسَانٌ.

[كِتَابُ التَّيَمُّمِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا] وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ يَشْتَمِلُ بِالْجُمْلَةِ عَلَى سَبْعَةِ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا.
الثَّانِي: مَعْرِفَةُ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ.
الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
الرَّابِعُ: فِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
الْخَامِسُ: فِيمَا تُصْنَعُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ.
السَّادِسُ: فِي نَوَاقِضِ الطَّهَارَةِ.
السَّابِعُ: فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي اسْتِبَاحَتِهَا.

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الطَّهَارَةِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ بَدَلٌ مِنْهَا.

اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ هِيَ بَدَلٌ مِنَ الطَّهَارَةِ الصُّغْرَى، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكُبْرَى، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِهَا بَدَلًا مِنَ الْكُبْرَى، وَكَانَ عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ يَرَوْنَ أَنَّ التَّيَمُّمَ يَكُونُ بَدَلًا مِنَ الطَّهَارَةِ الْكُبْرَى، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ: الِاحْتِمَالُ الْوَارِدُ فِي آيَةِ التَّيَمُّمِ، وَأَنَّهُ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَهُمُ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ بِالتَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ، أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْوَارِدُ فِي الْآيَةِ فَلِأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: 43] يَحْتَمُلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ الَّذِي فِيهِ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَيْهِمَا مَعًا، لَكِنْ مَنْ كَانَتِ الْمُلَامَسَةُ عِنْدَهُ فِي الْآيَةِ الْجِمَاعَ، فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَيْهِمَا مَعًا، وَمَنْ كَانَتِ الْمُلَامَسَةُ عِنْدَهُ هِيَ اللَّمْسَ بِالْيَدِ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [النساء: 43] فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعُودُ الضَّمِيرُ عِنْدَهُ عَلَى الْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَرَ فَقَطْ، إِذْ كَانَتِ الضَّمَائِرُ إِنَّمَا يُحْمَلُ أَبَدًا عَوْدُهَا عَلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ إِلَّا أَنْ يُقَدَّرَ فِي الْآيَةِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا حَتَّى يَكُونَ تَقْدِيرُهَا هَكَذَا: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا.
وَمِثْلُ هَذَا لَيْسَ يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ، فَإِنَّ التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ مَجَازٌ، وَحَمْلُ الْكَلَامِ

عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْمَجَازِ، وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فِي الْآيَةِ شَيْئًا يَقْتَضِي تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا، وَهُوَ أَنَّ حَمْلَهَا عَلَى تَرْتِيبِهَا يُوجِبُ أَنَّ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ حَدَثَانِ، لَكِنَّ هَذَا لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ إِذَا قُدِّرَتْ " أَوْ " هَاهُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ، وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ فِي مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ: وَكَانَ سِيَّانِ أَنْ لَا يُسَرِّحُوا نَعَمًا ... أَوْ يُسَرِّحُوهُ بِهَا وَاغْبَرَّتِ السَّوْخُ فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُقَالُ: سِيَّانِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتِ الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَأَمَّا ارْتِيَابُهُمْ فِي الْآثَارِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي هَذَا الْمَعْنَى فَبَيِّنٌ مِمَّا خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ: «أَنَّ رَجُلًا أَتَى عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ، فَقَالَ: لَا تُصَلِّ، فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ أَنَا وَأَنْتَ فِي سَرِيَّةٍ فَأَجْنَبْنَا فَلَمْ نَجِدِ الْمَاءَ، فَأَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ، وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ فَصَلَّيْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهِمَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ» . وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «أَنَّهُ قَالَ لَهُ عُمَرُ: نُوَلِّيكَ مَا تَوَلَّيْتَ» ، وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: «كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَ أَبُو مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَجْنَبَ، فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا كَيْفَ يَصْنَعُ بِالصَّلَاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَبِي مُوسَى: لَا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: فَكَيْفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخِّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَأَوْشَكَ إِذَا بَرُدَ عَلَيْهِمُ الْمَاءُ أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللَّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ لِقَوْلِ عَمَّارٍ؟ وَذَكَرَ لَهُ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: أَلَمْ تَرَ عُمَرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلِ عَمَّارٍ» ؟ لَكِنَّ الْجُمْهُورَ رَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَعِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ، خَرَّجَهُمَا الْبُخَارِيُّ، وَإِنَّ نِسْيَانَ عُمَرَ لَيْسَ مُؤَثِّرًا فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِحَدِيثِ عَمَّارٍ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُمُ اسْتَدَلُّوا بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْجُنُبِ، وَالْحَائِضِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» .

وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ فَهُوَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا مُعْتَزِلًا لَمْ يُصَلِّ مَعَ الْقَوْمِ فَقَالَ: يَا فُلَانُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ؟ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلَا مَاءَ.
فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ» وَلِمَوْضِعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ اخْتَلَفُوا: هَلْ لِمَنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مَاءٌ أَنْ يَطَأَ أَهْلَهُ أَمْ لَا يَطَؤُهَا؟ (أَعْنِي: مَنْ يُجَوِّزُ لِلْجُنُبِ التَّيَمُّمَ) .

[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ]

وَأَمَّا مَنْ تَجُوزُ لَهُ هَذِهِ الطَّهَارَةُ، فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا تَجُوزُ لِاثْنَيْنِ: لِلْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إِذَا عَدِمَا الْمَاءَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَرْبَعٍ: الْمَرِيضِ يَجِدُ الْمَاءَ وَيَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ، وَفِي الْحَاضِرِ يَعْدَمُ الْمَاءَ، وَفِي الصَّحِيحِ الْمُسَافِرِ يَجِدُ الْمَاءَ فَيَمْنَعُهُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَيْهِ خَوْفٌ، وَفِي الَّذِي يَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ مِنْ شِدَّةِ الْبَرْدِ.
فَأَمَّا الْمَرِيضُ الَّذِي يَجِدُ الْمَاءَ وَيَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لَهُ ; وَكَذَلِكَ الصَّحِيحُ الَّذِي يَخَافُ الْهَلَاكَ أَوِ الْمَرَضَ الشَّدِيدَ مِنْ بَرْدِ الْمَاءِ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَخَافُ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَاءِ، إِلَّا أَنَّ مُعْظَمَهُمْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ، وَقَالَ عَطَاءٌ: لَا يَتَيَمَّمُ الْمَرِيضُ وَلَا غَيْرُ الْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ.
وَأَمَّا الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَعْدَمُ الْمَاءَ، فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ لَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ لِلْحَاضِرِ الصَّحِيحِ وَإِنْ عَدِمَ الْمَاءَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ الَّتِي هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا الْبَابِ ; أَمَّا فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، فَهُوَ اخْتِلَافُهُمْ: هَلْ فِي الْآيَةِ مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [النساء: 43] . فَمَنْ رَأَى أَنَّ فِي الْآيَةِ مَحْذُوفًا وَأَنَّ تَقْدِيرَ الْكَلَامِ وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى لَا تَقْدِرُونَ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَأَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: 43] إِنَّمَا يَعُودُ عَلَى الْمُسَافِرِ فَقَدْ - أَجَازَ التَّيَمُّمَ لِلْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الضَّمِيرَ فِي ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: 43] " يَعُودُ عَلَى الْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ مَعًا، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْآيَةِ حَذْفٌ - لَمْ يُجِزْ لِلْمَرِيضِ إِذَا وَجَدَ الْمَاءَ التَّيَمُّمَ.
وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْحَاضِرِ الَّذِي يَعْدَمُ الْمَاءَ، فَاحْتِمَالُ الضَّمِيرِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ [النساء: 43] " أَنْ يَعُودَ عَلَى أَصْنَافِ الْمُحْدِثِينَ (أَعْنِي الْحَاضِرِينَ وَالْمُسَافِرِينَ، أَوْ عَلَى الْمُسَافِرِينَ فَقَطْ) . فَمَنْ رَآهُ عَائِدًا عَلَى جَمِيعِ أَصْنَافِ الْمُحْدِثِينَ أَجَازَ التَّيَمُّمَ لِلْحَاضِرِينَ، وَمَنْ رَآهُ عَائِدًا عَلَى الْمُسَافِرِينَ فَقَطْ أَوْ عَلَى الْمَرْضَى وَالْمُسَافِرِينَ لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ لِلْحَاضِرِ الَّذِي عَدِمَ الْمَاءَ.
وَأَمَّا سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْخَائِفِ مِنَ الْخُرُوجِ إِلَى الْمَاءِ، فَاخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ عَلَى مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ.

وَكَذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي الصَّحِيحِ يَخَافُ مِنْ بَرْدِ الْمَاءِ، السَّبَبُ فِيهِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِهِ عَلَى الْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ مِنِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ، وَقَدْ رَجَّحَ مَذْهَبَهُمُ الْقَائِلُونَ بِجَوَازِ التَّيَمُّمِ لِلْمَرِيضِ بِحَدِيثِ جَابِرٍ فِي الْمَجْرُوحِ الَّذِي اغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَأَجَازَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْمَسْحَ لَهُ وَقَالَ: «قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ» ، وَكَذَلِكَ رَجَّحُوا أَيْضًا قِيَاسَ الصَّحِيحِ الَّذِي يَخَافُ مِنْ بَرْدِ الْمَاءِ عَلَى الْمَرِيضِ بِمَا رُوِيَ أَيْضًا فِي ذَلِكَ «عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ أَجْنَبَ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ، فَتَيَمَّمَ، وَتَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: 29] فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَلَمْ يُعَنِّفْ» .

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ شُرُوطِ جَوَازِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ]

وَأَمَّا مَعْرِفَةُ شُرُوطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
فَيَتَعَلَّقُ بِهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ قَوَاعِدَ: هَلِ النِّيَّةُ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ أَمْ لَا؟ وَالثَّانِيَةُ: هَلِ الطَّلَبُ شَرْطٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَمْ لَا؟ وَالثَّالِثَةُ: هَلْ دُخُولُ الْوَقْتِ شَرْطٌ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ أَمْ لَا؟ . أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِيهَا شَرْطٌ لِكَوْنِهَا عِبَادَةً غَيْرَ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، وَشَذَّ زُفَرُ فَقَالَ: إِنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ فِيهَا، وَأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ مَالِكًا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اشْتَرَطَ الطَّلَبَ، وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَلَمْ يَشْتَرِطْهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا َ: هَلْ يُسَمَّى مَنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ دُونَ طَلَبٍ غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ، أَمْ لَيْسَ يُسَمَّى غَيْرَ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ إِلَّا إِذَا طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ؟ لَكِنَّ الْحَقَّ فِي هَذَا أَنْ يُعْتَقَدَ أَنَّ الْمُتَيَقِّنَ لِعَدَمِ الْمَاءِ إِمَّا بِطَلَبٍ مُتَقَدِّمٍ، وَإِمَّا بِغَيْرِ ذَلِكَ هُوَ عَادِمٌ لِلْمَاءِ، وَأَمَّا الظَّانُّ فَلَيْسَ بِعَادِمٍ لِلْمَاءِ، وَلِذَلِكَ يَضْعُفُ الْقَوْلُ بِتَكَرَارِ الطَّلَبِ الَّذِي فِي الْمَذْهَبِ فِي الْمَكَانِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ وَيَقْوَى اشْتِرَاطُهُ ابْتِدَاءً إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ عِلْمٌ قَطْعِيٌّ بِعَدَمِ الْمَاءِ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ اشْتِرَاطُ دُخُولِ الْوَقْتِ) فَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَابْنُ شَعْبَانَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ: هَلْ ظَاهِرُ مَفْهُومِ آيَةِ الْوُضُوءِ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ وَالْوُضُوءُ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] الْآيَةَ.
فَأَوْجَبَ الْوُضُوءَ وَالتَّيَمُّمَ عِنْدَ وُجُوبِ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ، وَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ الْوَقْتُ، فَوَجَبَ لِهَذَا أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ فِي هَذَا حُكْمَ الصَّلَاةِ (أَعْنِي أَنَّهُ كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا الْوَقْتُ، كَذَلِكَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ الْوَقْتُ، إِلَّا أَنَّ الشَّرْعَ خَصَّصَ الْوُضُوءَ مِنْ ذَلِكَ، فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى أَصْلِهِ أَمْ لَيْسَ يَقْتَضِي هَذَا ظَاهِرُ مَفْهُومِ الْآيَةِ، وَأَنَّ تَقْدِيرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] أَيْ إِذَا أَرَدْتُمُ الْقِيَامَ إِلَى الصَّلَاةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ لَمَا كَانَ يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا إِيجَابُ الْوُضُوءِ وَالتَّيَمُّمِ عِنْدَ وُجُوبِ الصَّلَاةِ فَقَطْ، لَا أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِنْ وَقَعَ قَبْلَ الْوَقْتِ إِلَّا أَنْ يُقَاسَا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلِذَلِكَ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا إِنَّ سَبَبَ الْخِلَافِ فِيهِ هُوَ قِيَاسُ التَّيَمُّمِ عَلَى الصَّلَاةِ، لَكِنَّ هَذَا يَضْعُفُ، فَإِنَّ قِيَاسَهُ عَلَى الْوُضُوءِ أَشْبَهُ، فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَإِنَّهَا ضَعِيفَةٌ (أَعْنِي: مَنْ يَشْتَرِطُ فِي صِحَّتِهِ دُخُولَ الْوَقْتِ وَيَجْعَلُهُ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْمُؤَقَّتَةِ) فَإِنَّ التَّوْقِيتَ فِي الْعِبَادَةِ لَا يَكُونُ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وَإِنَّمَا يَسُوغُ الْقَوْلُ بِهَذَا إِذَا كَانَ عَلَى رَجَاءٍ مِنْ وُجُودِ الْمَاءِ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، فَيَكُونُ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ مُؤَقَّتَةٌ، لَكِنْ مِنْ بَابِ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْغَيْرِ وَاجِدٍ لِلْمَاءِ إِلَّا عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ ; لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهَا أَمْكَنَ أَنْ يَطْرَأَ هُوَ عَلَى الْمَاءِ.
وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ مَتَى يَتَيَمَّمُ؟ هَلْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ فِي وَسَطِهِ أَوْ فِي آخِرِهِ؟ لَكِنْ هَاهُنَا مَوَاضِعُ يُعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْإِنْسَانَ لَيْسَ بِطَارِئٍ عَلَى الْمَاءِ فِيهَا قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ، وَلَا الْمَاءُ بِطَارِئٍ عَلَيْهِ.
وَأَيْضًا فَإِنْ قَدَّرْنَا طُرُوءِ الْمَاءِ فَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا نَقْضُ التَّيَمُّمِ فَقَطْ لَا مَنْعَ صِحَّتِهِ، وَتَقْدِيرُ الطُّرُوءِ هَذَا مُمْكِنٌ فِي الْوَقْتِ وَبَعْدَهُ، فَلِمَ جُعِلَ حُكْمُهُ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ خِلَافَ حُكْمِهِ فِي الْوَقْتِ؟ أَعْنِي أَنَّهُ قَبْلَ الْوَقْتِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ التَّيَمُّمِ، وَبَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ لَا يَمْنَعُهُ؟ وَهَذَا كُلُّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِلَّا بِدَلِيلٍ سَمْعِيٍّ، وَيَلْزَمُ عَلَى هَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ التَّيَمُّمُ إِلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ فَتَأَمَّلْهُ.

[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي صِفَةِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ]

ِ وَأَمَّا صِفَةُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ فَيَتَعَلَّقُ بِهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا الْبَابِ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حَدِّ الْأَيْدِي الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ بِمَسْحِهَا فِي التَّيَمُّمِ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ: الْقَوْلُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الْحَدَّ الْوَاجِبَ فِي ذَلِكَ هُوَ الْحَدُّ الْوَاجِبُ بِعَيْنِهِ فِي الْوُضُوءِ، وَهُوَ إِلَى الْمَرَافِقِ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ.

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْفَرْضَ هُوَ مَسْحُ الْكَفِّ فَقَطْ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: الِاسْتِحْبَابُ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ، وَالْفَرْضُ الْكَفَّانِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْفَرْضَ إِلَى الْمَنَاكِبِ، وَهُوَ شَاذٌّ وَرُوِيَ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ اشْتِرَاكُ اسْمِ الْيَدِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْيَدَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُقَالُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَعَانٍ: عَلَى الْكَفِّ فَقَطْ وَهُوَ أَظْهَرُهَا اسْتِعْمَالًا، وَيُقَالُ عَلَى الْكَفِّ وَالذِّرَاعِ، وَيُقَالُ عَلَى الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ وَالْعَضُدِ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عَمَّارٍ الْمَشْهُورَ، فِيهِ مِنْ طُرُقِهِ الثَّابِتَةِ «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدِكَ، ثُمَّ تَنْفُخَ فِيهَا، ثُمَّ تَمْسَحَ بِهَا وَجْهَكَ وَكَفَّيْكَ» . وَوَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَأَنْ تَمْسَحَ بِيَدَيْكَ إِلَى الْمَرْفِقَيْنِ» . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «التَّيَمُّمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى الْمِرْفِقَيْنِ» وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمِنْ طَرِيقِ غَيْرِهِ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَرْجِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى حَدِيثِ عَمَّارٍ الثَّابِتِ مِنْ جِهَةِ عَضُدِ الْقِيَاسِ لَهَا: أَعْنِي مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ التَّيَمُّمِ عَلَى الْوُضُوءِ وَهُوَ بِعَيْنِهِ حَمَلَهُمْ عَلَى أَنْ عَدَلُوا بِلَفْظِ اسْمِ الْيَدِ عَنِ الْكَفِّ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَظْهَرُ إِلَى الْكَفِّ وَالسَّاعِدِ.
وَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا بِالسَّوَاءِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي أَحَدِهِمَا أَظَهَرُ مِنْهُ فِي الثَّانِي فَقَطْ أَخْطَأَ، فَإِنَّ الْيَدَ وَإِنْ كَانَتِ اسْمًا مُشْتَرَكًا فَهِيَ فِي الْكَفِّ حَقِيقَةٌ، وَفِيمَا فَوْقَ الْكَفِّ مَجَازٌ، وَلَيْسَ كُلُّ اسْمٍ مُشْتَرَكٍ هُوَ مُجْمَلٌ، وَإِنَّمَا الْمُشْتَرَكُ الْمُجْمَلُ الَّذِي وُضِعَ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ مُشْتَرَكًا.
وَفِي هَذَا قَالَ الْفُقَهَاءُ: إِنَّهُ لَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ؛ وَلِذَلِكَ مَا نَقُول: ُ إِنَّ الصَّوَابَ هُوَ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ الْفَرْضَ إِنَّمَا هُوَ الْكَفَّانِ فَقَطْ، وَذَلِكَ أَنَّ اسْمَ الْيَدِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي الْكَفِّ أَظْهَرَ مِنْهُ فِي سَائِرِ الْأَجْزَاءِ أَوْ يَكُونَ دَلَالَتُهُ عَلَى سَائِرِ أَجْزَاءِ الذِّرَاعِ وَالْعَضُدِ بِالسَّوَاءِ، فَإِنْ كَانَ أَظْهَرَ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَى الْأَخْذِ بِالْأَثَرِ الثَّابِتِ، فَأَمَّا أَنْ يُغَلَّبَ الْقِيَاسُ هَاهُنَا عَلَى الْأَثَرِ فَلَا مَعْنًى لَهُ، وَلَا أَنْ تُرَجَّحَ بِهِ أَيْضًا أَحَادِيثُ لَمْ تَثْبُتْ بَعْدُ، فَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيِّنٌ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فَتَأَمَّلْهُ.

وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى الْآبَاطِ فَإِنَّمَا ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ: «تَيَمَّمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَمَسَحْنَا بِوُجُوهِنَا وَأَيْدِينَا إِلَى الْمَنَاكِبِ» . وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنْ يَحْمِلَ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ عَلَى النَّدْبِ، وَحَدِيثَ عَمَّارٍ عَلَى الْوُجُوبِ فَهُوَ مَذْهَبٌ حَسَنٌ إِذْ كَانَ الْجَمْعُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الْكَلَامِ الْفِقْهِيِّ، إِلَّا أَنَّ هَذَا إِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ إِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي عَدَدِ الضَّرَبَاتِ عَلَى الصَّعِيدِ لِلتَّيَمُّمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ وَاحِدَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ اثْنَتَيْنِ، وَالَّذِينَ قَالُوا اثْنَتَيْنِ، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ، وَهُمُ الْجُمْهُورُ وَإِذَا قُلْتُ الْجُمْهُورَ فَالْفُقَهَاءُ الثَّلَاثَةُ مَعْدُودُونَ: أَعْنِي مَالِكًا وَالشَّافِعِيَّ وَأَبَا حَنِيفَةَ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: ضَرْبَتَانِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَعْنِي لِلْيَدِ ضَرْبَتَانِ وَلِلْوَجْهِ ضَرْبَتَانِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ أَنَّ الْآيَةَ مُجْمَلَةٌ فِي ذَلِكَ، وَالْأَحَادِيثَ مُتَعَارِضَةٌ، وَقِيَاسُ التَّيَمُّمِ عَلَى الْوُضُوءِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، وَالَّذِي فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ الثَّابِتِ مِنْ ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لِلْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ مَعًا، لَكِنَّ هَاهُنَا أَحَادِيثَ فِيهَا ضَرْبَتَانِ، فَرَجَّحَ الْجُمْهُورُ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ لِمَكَانِ قِيَاسِ التَّيَمُّمِ عَلَى الْوُضُوءِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفَ الشَّافِعِيُّ مَعَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمَا فِي وُجُوبِ تَوْصِيلِ التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، فَلَمْ يَرَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاجِبًا وَلَا مَالِكٌ، وَرَأَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَاجِبًا.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ الِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي حَرْفِ " مِنْ " فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ [المائدة: 6] وَذَلِكَ أَنَّ " مِنْ " تَرِدُ لِلتَّبْعِيضِ، وَقَدْ تَرِدُ لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ، فَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا هَهُنَا لِلتَّبْعِيضِ أَوْجَبَ نَقْلَ التُّرَابِ إِلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا لِتَمْيِيزِ الْجِنْسِ قَالَ: لَيْسَ النَّقْلُ وَاجِبًا.
وَالشَّافِعِيُّ إِنَّمَا رَجَّحَ حَمْلَهَا عَلَى التَّبْعِيضِ مِنْ جِهَةِ قِيَاسِ التَّيَمُّمِ عَلَى الْوُضُوءِ، وَلَكِنْ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ عَمَّارٍ الْمُتَقَدِّمُ ; لِأَنَّ فِيهِ: ثُمَّ تَنْفُخُ فِيهَا، وَتَيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى الْحَائِطِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ تَعْلَمَ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي التَّيَمُّمِ وَوُجُوبِ الْفَوْرِ فِيهِ هُوَ بِعَيْنِهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ وَأَسْبَابُ الْخِلَافِ هُنَالِكَ هِيَ أَسْبَابُهُ هُنَا فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَتِهِ.

[الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا تُصْنَعُ بِهِ هَذِهِ الطَّهَارَةُ]

ُ وَفِيهِ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِهَا بِتُرَابِ الْحَرْثِ الطَّيِّبِ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ فِعْلِهَا بِمَا عَدَا التُّرَابَ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ الْمُتَوَلِّدَةِ عَنْهَا كَالْحِجَارَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ إِلَّا بِالتُّرَابِ الْخَالِصِ، وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِكُلِّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا فِي الْمَشْهُورِ عَنْه: ُ الْحَصَا وَالرَّمْلِ وَالتُّرَابِ، وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ: وَبِكُلِّ مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الْأَرْضِ مِنِ الْحِجَارَةِ مِثْلَ النَّوْرَةِ وَالزَّرْنِيخِ وَالْجَصِّ، وَالطِّينِ، وَالرُّخَامِ، وَمِنْهُمْ مَنْ شَرَطَ أَنْ يَكُونَ التُّرَابُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ، وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يَتَيَمَّمُ بِغُبَارِ الثَّوْبِ وَاللُّبَدِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاكُ اسْمِ الصَّعِيدِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ، فَإِنَّهُ مَرَّةً يُطْلَقُ عَلَى التُّرَابِ الْخَالِصِ، وَمَرَّةً يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ الظَّاهِرَةِ، حَتَّى إِنَّ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ حَمَلَهُمْ دَلَالَةُ اشْتِقَاقِ هَذَا الِاسْمِ - أَعْنِي: الصَّعِيدَ - أَنْ يُجِيزُوا فِي إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنْهُمُ التَّيَمُّمَ عَلَى الْحَشِيشِ، وَعَلَى الثَّلْجِ، قَالُوا: لِأَنَّهُ يُسَمَّى صَعِيدًا فِي أَصْلِ التَّسْمِيَةِ (أَعْنِي: مِنْ جِهَةِ صُعُودِهِ عَلَى الْأَرْضِ، وَهَذَا ضَعِيفٌ.
وَالسَّبَبُ الثَّانِي: إِطْلَاقُ اسْمِ الْأَرْضِ فِي جَوَازِ التَّيَمُّمِ بِهَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، وَتَقْيِيدُهَا بِالتُّرَابِ فِي بَعْضِهَا، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» فَإِنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» وَفِي بَعْضِهَا «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ لِي تُرْبَتُهَا طَهُورًا» وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكَلَامِ الْفِقْهِيِّ هَلْ يُقْضَى بِالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَوْ بِالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ؟ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنْ يُقْضَى بِالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَفِيهِ نَظَرٌ، وَمَذْهَبُ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ أَنْ يُقْضَى بِالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ; لِأَنَّ الْمُطْلَقَ فِيهِ زِيَادَةُ مَعْنًى، فَمَنْ كَانَ رَأْيُهُ الْقَضَاءَ بِالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ، وَحَمَلَ اسْمَ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ عَلَى التُّرَابِ لَمْ يُجِزِ التَّيَمُّمَ إِلَّا بِالتُّرَابِ، وَمَنْ قَضَى بِالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَحَمَلَ اسْمَ الصَّعِيدِ عَلَى كُلِّ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ أَجْزَائِهَا أَجَازَ التَّيَمُّمَ بِالرَّمْلِ وَالْحَصَى.
وَأَمَّا إِجَازَةُ التَّيَمُّمِ بِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا فَضَعِيفٌ إِذْ كَانَ لَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُ الصَّعِيدِ فَإِنَّ أَعَمَّ دَلَالَةِ اسْمِ الصَّعِيدِ أَنْ يَدُلَّ عَلَى مَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَرْضُ، لَا أَنْ يَدُلَّ عَلَى الزَّرْنِيخِ وَالنَّوْرَةِ، وَلَا عَلَى الثَّلْجِ، وَالْحَشِيشِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ، وَالِاشْتِرَاكُ الَّذِي فِي اسْمِ الطَّيِّبِ أَيْضًا مِنْ أَحَدِ دَوَاعِي الْخِلَافِ.

[الْبَابُ السَّادِسُ فِي نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ]

وَأَمَّا نَوَاقِضُ هَذِهِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُهَا مَا يَنْقُضُ الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْوُضُوءُ أَوِ الطُّهْرُ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَسْأَلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا هَلْ يَنْقُضُهَا إِرَادَةُ صَلَاةٍ أُخْرَى مَفْرُوضَةٍ غَيْرِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي تَيَمَّمَ لَهَا؟ . وَالْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: هَلْ يَنْقُضُهَا وُجُودُ الْمَاءِ أَمْ لَا؟ . أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فَذَهَبَ مَالِكٌ فِيهَا إِلَى أَنَّ إِرَادَةَ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ تَنْقُضُ طَهَارَةَ الْأُولَى، وَمَذْهَبُ غَيْرِهِ خِلَافُ ذَلِكَ، وَأَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ يَدُورُ عَلَى شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: هَلْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: 6] مَحْذُوفٌ مُقَدَّرٌ: أَعْنِي إِذَا قُمْتُمْ مِنَ النَّوْمِ، أَوْ قُمْتُمْ مُحْدِثِينَ، أَمْ لَيْسَ هُنَالِكَ مَحْذُوفٌ أَصْلًا؟ فَمَنْ رَأَى أَنْ لَا مَحْذُوفَ هُنَالِكَ قَالَ: ظَاهِرُ الْآيَةِ وُجُوبُ الْوُضُوءِ أَوِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ الْقِيَامِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، لَكِنْ خَصَّصَتِ السُّنَّةُ مِنْ ذَلِكَ الْوُضُوءَ فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى أَصْلِهِ، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْتَجَّ بِهَذَا لِمَالِكٍ فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ فِي الْآيَةِ مَحْذُوفًا عَلَى مَا رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ فِي مُوَطَّئِهِ.
وَأَمَّا السَّبَبُ الثَّانِي: فَهُوَ تَكْرَارُ الطَّلَبِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ وَهَذَا هُوَ أَلْزَمُ لِأُصُولِ مَالِكٍ أَعْنِي أَنْ يُحْتَجَّ لَهُ بِهَذَا) وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ عِنْدَهُ الطَّلَبُ، وَقَدَّرَ فِي الْآيَةِ مَحْذُوفًا لَمْ يَرَ إِرَادَةَ الصَّلَاةِ الثَّانِيَةِ مِمَّا يَنْقُضُ التَّيَمُّمَ.

وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: فَإِنَّ الْجُمْهُورَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ يَنْقُضُهَا.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ النَّاقِضَ لَهَا هُوَ الْحَدَثُ، وَأَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ هَلْ وُجُودُ الْمَاءِ يَرْفَعُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ الَّتِي كَانَتْ بِالتُّرَابِ، أَوْ يَرْفَعُ ابْتِدَاءَ الطَّهَارَةِ بِهِ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَرْفَعُ ابْتِدَاءَ الطَّهَارَةِ بِهِ قَالَ: لَا يَنْقُضُهَا إِلَّا الْحَدَثُ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ يَرْفَعُ اسْتِصْحَابَ الطَّهَارَةِ قَالَ: إِنَّهُ يَنْقُضُهَا، فَإِنَّ حَدَّ النَّاقِضِ هُوَ الرَّافِعُ لِلِاسْتِصْحَابِ.
وَقَدِ احْتَجَّ الْجُمْهُورُ لِمَذْهَبِهِمْ بِالْحَدِيثِ الثَّابِتِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ» وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ» يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ: فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ انْقَطَعَتْ هَذِهِ الطَّهَارَةُ وَارْتَفَعَتْ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ: فَإِذَا وَجَدَ الْمَاءَ لَمْ تَصِحَّ ابْتِدَاءً هَذِهِ الطَّهَارَةُ، وَالْأَقْوَى فِي عَضُدِ الْجُمْهُورِ هُوَ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، وَفِيهِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -

قَالَ: «فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ» فَإِنَّ الْأَمْرَ مَحْمُولٌ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ عَلَى الْفَوْرِ، وَإِنْ كَانَ أَيْضًا قَدْ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ الِاحْتِمَالُ الْمُتَقَدِّمُ فَتَأَمَّلْ هَذَا.
وَقَدْ حَمَلَ الشَّافِعِيَّ تَسْلِيمُهُ أَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ يَرْفَعُ هَذِهِ الطَّهَارَةَ أَنْ قَالَ: إِنَّ التَّيَمُّمَ لَيْسَ رَافِعًا لِلْحَدَثِ: أَيْ لَيْسَ مُفِيدًا لِلْمُتَيَمِّمِ الطَّهَارَةَ الرَّافِعَةَ لِلْحَدَثِ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبِيحٌ لِلصَّلَاةِ فَقَطْ مَعَ بَقَاءِ الْحَدَثِ، وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ، فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمَّاهُ طَهَارَةً، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ هَذَا الْمَذْهَبَ فَقَالُوا: إِنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ; لِأَنَّهُ لَوْ رَفَعَهُ لَمْ يَنْقُضْهُ إِلَّا الْحَدَثُ.
وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذِهِ الطَّهَارَةَ وُجُودُ الْمَاءِ فِي حَقِّهَا هُوَ حَدَثٌ خَاصٌّ بِهَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمَاءَ يَنْقُضُهَا، وَاتَّفَقَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ وُجُودَ الْمَاءِ يَنْقُضُهَا عَلَى أَنَّهُ يَنْقُضُهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ، وَبَعْدَ الصَّلَاةِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَنْقُضُهَا طُرُوُّهُ فِي الصَّلَاةِ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَدَاوُدُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَحْمَدُ، وَغَيْرُهُمَا إِلَى أَنَّهُ يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ وَهُمْ أَحْفَظُ لِلْأَصْلِ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَيْرُ مُنَاسِبٍ لِلشَّرْعِ أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَا يَنْقُضُ الطَّهَارَةَ فِي الصَّلَاةِ وَيَنْقُضُهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَبِمِثْلِ هَذَا شَنَّعُوا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا يَرَاهُ مِنْ أَنَّ الضَّحِكَ فِي الصَّلَاةِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ، مَعَ أَنَّهُ مُسْتَنِدٌ فِي ذَلِكَ إِلَى الْأَثَرِ فَتَأَمَّلْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهَا بَيِّنَةٌ، وَلَا حُجَّةَ فِي الظَّوَاهِرِ الَّتِي يُرَامُ الِاحْتِجَاجُ بِهَا لِهَذَا الْمَذْهَبِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] فَإِنَّ هَذَا لَمْ يُبْطِلِ الصَّلَاةَ بِإِرَادَتِهِ وَإِنَّمَا أَبْطَلَهَا طُرُوُّ الْمَاءِ كَمَا لَوْ أَحْدَثَ.

[الْبَابُ السَّابِعُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي اسْتِبَاحَتِهَا]

الْبَابُ السَّابِعُ فِي الْأَشْيَاءِ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا أَوْ فِي اسْتِبَاحَتِهَا وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي هَذِهِ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا هِيَ الْأَفْعَالُ الَّتِي الْوُضُوءُ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهَا مِنَ الصَّلَاةِ وَمَسِّ الْمُصْحَفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُسْتَبَاحُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطْ؟ فَمَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ بِهَا صَلَاتَانِ مَفْرُوضَتَانِ أَبَدًا، وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي الصَّلَاتَيْنِ الْمَقْضِيَّتَيْنِ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَتْ إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَرْضًا، وَالْأُخْرَى نَفْلًا أَنَّهُ إِذَا قَدَّمَ الْفَرْضَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ قَدَّمَ النَّفْلَ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُمَا.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلَوَاتٍ مَفْرُوضَةٍ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ.
وَأَصْلُ هَذَا الْخِلَافِ هُوَ: هَلِ التَّيَمُّمُ يَجِبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ أَمْ لَا؟ إِمَّا مِنْ قِبَلِ ظَاهِرِ الْآيَةِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ وُجُوبِ تَكْرَارِ الطَّلَبِ، وَإِمَّا مِنْ كِلَيْهِمَا.

[كِتَابُ الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ] ِ وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَقَوَاعِدِهَا يَنْحَصِرُ فِي سِتَّةِ أَبْوَابٍ:

الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ:

أَعْنِي فِي الْوُجُوبِ أَوْ فِي النَّدْبِ إِمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّهَا مُشْتَرَطَةٌ فِي الصَّلَاةِ.

الْبَابُ الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ.

الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ الْمَحَالِّ الَّتِي يَجِبُ إِزَالَتُهَا عَنْهَا.
الْبَابُ الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ الشَّيْءِ الَّذِي بِهِ تُزَالُ.
الْبَابُ الْخَامِسُ: فِي صِفَةِ إِزَالَتِهَا فِي مَحَلٍّ مَحَلٍّ.
الْبَابُ السَّادِسُ: فِي آدَابِ الْإِحْدَاثِ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ، أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ، فَآثَارٌ كَثِيرَةٌ ثَابِتَةٌ، مِنْهَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ» ، «وَمَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ» وَمِنْهَا «أَمْرُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَسْلِ دَمِ الْحَيْضِ مِنَ الثَّوْبِ» ، «وَأَمْرُهُ بِصَبِّ ذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ عَلَى بَوْلِ الْأَعْرَابِيِّ» وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: فِي صَاحِبَيِ الْقَبْرِ «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنَ الْبَوْلِ» . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ لِمَكَانِ هَذِهِ الْمَسْمُوعَاتِ عَلَى أَنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ مَأْمُورٌ بِهَا فِي الشَّرْعِ وَاخْتَلَفُوا: هَلْ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ الْمَذْكُورِ، وَهُوَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسُّنَّةِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ إِزَالَةَ النَّجَاسَاتِ وَاجِبَةٌ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِزَالَتُهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَلَيْسَتْ بِفَرْضٍ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هِيَ فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ، سَاقِطَةٌ مَعَ النِّسْيَانِ، وَكِلَا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رَاجِعٌ إِلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي قَوْلِهِ - تَبَارَكَ وَتَعَالَى -: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] هَلْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ؟ . وَالسَّبَبُ الثَّانِي: تَعَارُضُ ظَوَاهِرِ الْآثَارِ فِي وُجُوبِ ذَلِكَ.
وَالسَّبَبُ الثَّالِثُ: اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ الْوَارِدِ لِعِلَّةٍ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى، هَلْ تِلْكَ الْعِلَّةُ الْمَفْهُومَةُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ أَوِ النَّهْيِ، قَرِينَةٌ تَنْقُلُ الْأَمْرَ مِنَ الْوُجُوبِ إِلَى النَّدْبِ، وَالنَّهْيَ مِنَ الْحَظْرِ إِلَى الْكَرَاهَةِ؟ أَمْ لَيْسَتْ قَرِينَةً؟ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ الْمَعْقُولَةِ وَغَيْرِ الْمَعْقُولَةِ؟ وَإِنَّمَا صَارَ مَنْ صَارَ إِلَى الْفَرْقِ فِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْأَحْكَامَ الْمَعْقُولَةَ الْمَعَانِي فِي الشَّرْعِ أَكْثَرُهَا هِيَ مِنْ بَابِ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ أَوْ مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ، وَهَذِهِ فِي الْأَكْثَرِ هِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا، فَمَنْ حَمَلَ قَوْله تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4] عَلَى الثِّيَابِ الْمَحْسُوسَةِ قَالَ: الطَّهَارَةُ مِنَ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةٌ، وَمَنْ حَمَلَهَا عَلَى الْكِنَايَةِ عَنْ طَهَارَةِ الْقَلْبِ لَمْ يَرَ فِيهَا حُجَّةً.
وَأَمَّا الْآثَارُ الْمُتَعَارِضَةُ فِي ذَلِكَ، فَمِنْهَا حَدِيثُ صَاحِبَيِ الْقَبْرِ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلُهُ فِيهِمَا - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ، وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ، أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْزِهُ مِنْ بَوْلِهِ» فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ; لِأَنَّ الْعَذَابَ لَا يَتَعَلَّقُ إِلَّا بِالْوَاجِبِ، وَأَمَّا الْمُعَارِضُ لِذَلِكَ فَمَا ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ أَنَّهُ رُمِيَ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ سَلَا جَزُورٍ بِالدَّمِ وَالْفَرْثِ فَلَمْ يَقْطَعِ الصَّلَاةَ.
وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ إِزَالَةُ النَّجَاسَةِ وَاجِبَةً كَوُجُوبِ الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ لَقَطَعَ الصَّلَاةَ، وَمِنْهَا مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ فِي صَلَاةٍ مِنَ الصَّلَوَاتِ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ، فَطَرَحَ نَعْلَيْهِ، فَطَرَحَ النَّاسُ لِطَرْحِهِ نَعْلَيْهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَالَ: " إِنَّمَا خَلَعْتُهَا ; لِأَنَّ جِبْرِيلَ أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهَا قَذَرًا» . فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَمَا بَنَى عَلَى مَا مَضَى مِنَ الصَّلَاةِ.
فَمَنْ ذَهَبَ فِي هَذِهِ الْآثَارِ مَذْهَبَ تَرْجِيحِ الظَّوَاهِرِ قَالَ إِمَّا بِالْوُجُوبِ إِنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْوُجُوبِ، أَوْ بِالنَّدْبِ إِنْ رَجَّحَ ظَاهِرَ حَدِيثِ النَّدْبِ، أَعْنِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقْضِيَانِ أَنَّ إِزَالَتَهَا مِنْ بَابِ النَّدْبِ الْمُؤَكَّدِ) . وَمَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هِيَ فَرْضٌ مَعَ الذِّكْرِ وَالْقُدْرَةِ، سَاقِطَةٌ مَعَ النِّسْيَانِ وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هِيَ فَرْضٌ مُطْلَقًا وَلَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلٌ

رَابِعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إِنَّمَا تُزَالُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى وَبَيْنَ الْغَيْرِ مَعْقُولَتِهِ أَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ الْغَيْرَ مَعْقُولَةٍ آكَدَ فِي بَابِ الْوُجُوبِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، وَبَيْنَ الْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ ; لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَسِ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا النَّظَافَةُ، وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ.
وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ فَغَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي النِّعَالِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنْ أَنْ يُوطَأَ بِهَا النَّجَاسَاتُ غَالِبًا، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ عَنِ الْيَسِيرِ فِي بَعْضِ النَّجَاسَاتِ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ]

ِ وَأَمَّا أَنْوَاعُ النَّجَاسَاتِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا مِنْ أَعْيَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ: مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ، وَعَلَى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ بِأَيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ أَنْ تَذْهَبَ حَيَاتُهُ، وَعَلَى الدَّمِ نَفْسِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ انْفَصَلَ مِنَ الْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ مَسْفُوحًا أَعْنِي: كَثِيرًا وَعَلَى بَوْلِ ابْنِ آدَمَ وَرَجِيعِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى نَجَاسَةِ الْخَمْرِ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْقَوَاعِدُ مِنْ ذَلِكَ سَبْعُ مَسَائِلَ: الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: اخْتَلَفُوا فِي مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَا دَمَ لَهُ، وَفِي مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الْبَحْرِيِّ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ طَاهِرَةٌ، وَكَذَلِكَ مَيْتَةُ الْبَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ مَيْتَةِ ذَوَاتِ الدَّمِ وَالَّتِي لَا دَمَ لَهَا فِي النَّجَاسَةِ، وَاسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، إِلَّا مَا وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ مِثْلَ دُودِ الْخَلِّ، وَمَا يَتَوَلَّدُ فِي الْمَطْعُومَاتِ، وَسَوَّى قَوْمٌ بَيْنَ مَيْتَةِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَاسْتَثْنَوْا مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: 3] وَذَلِكَ أَنَّهُمْ فِيمَا أَحْسَبُ اتَّفَقُوا أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعَامِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، وَاخْتَلَفُوا أَيُّ خَاصٍّ أُرِيدَ بِهِ، فَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ، وَمَا لَا دَمَ لَهُ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ فَقَطْ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَثْنَى مَيْتَةَ مَا لَا دَمَ لَهُ فَقَطْ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتِ هُوَ سَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الدَّلِيلِ الْمَخْصُوصِ.
أَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَا دَمَ لَهُ، فَحُجَّتُهُ مَفْهُومُ الْأَثَرِ الثَّابِتِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «مِنْ أَمْرِهِ بِمَقْلِ الذُّبَابِ إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ» ، قَالُوا: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ الذُّبَابِ وَلَيْسَ لِذَلِكَ عِلَّةٌ إِلَّا أَنَّهُ غَيْرُ ذِي دَمٍ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَعِنْدَهُ أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالذُّبَابِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْأُخْرَى دَوَاءً» وَوَهَّنَ الشَّافِعِيُّ هَذَا الْمَفْهُومَ مِنَ الْحَدِيثِ بِأَنَّ ظَاهِرَ الْكِتَابِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحَرَّمَاتِ: أَحَدُهُمَا تَعْمَلُ فِيهِ التَّذْكِيَةُ وَهِيَ الْمَيْتَةُ، وَذَلِكَ فِي الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ الْأَكْلِ بِاتِّفَاقٍ، وَالدَّمُ لَا تَعْمَلُ فِيهِ التَّذْكِيَةُ فَحُكْمُهُمَا مُفْتَرِقٌ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ الدَّمَ هُوَ سَبَبُ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ؟ وَهَذَا قَوِيٌّ كَمَا تَرَى، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الدَّمُ هُوَ السَّبَبَ فِي تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ لَمَا كَانَتْ تَرْتَقِعُ الْحُرْمِيَّةُ عَنِ الْحَيَوَانِ بِالذَّكَاةِ، وَتَبْقَى حُرْمِيَّةُ الدَّمِ الَّذِي لَمْ يَنْفَصِلْ بَعْدُ عَنِ الْمُذَكَّاةِ، وَكَانَتِ الْحِلِّيَّةُ إِنَّمَا تُوجَدُ بَعْدَ انْفِصَالِ الدَّمِ عَنْهُ ; لِأَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ السَّبَبُ ارْتَفَعَ الْمُسَبَّبُ الَّذِي يَقْتَضِيهِ ضَرُورَةً ; لِأَنَّهُ إِنْ وُجِدَ السَّبَبُ وَالْمُسَبَّبُ غَيْرُ مَوْجُودٍ فَلَيْسَ لَهُ هُوَ سَبَبًا، وَمِثَالُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ارْتَفَعَ التَّحْرِيمُ عَنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَجَبَ ضَرُورَةً أَنْ يَرْتَفِعَ الْإِسْكَارُ إِنْ كُنَّا نَعْتَقِدُ أَنَّ الْإِسْكَارَ هُوَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ.
وَأَمَّا مَنِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَيْتَةَ الْبَحْرِ فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى الْأَثَرِ الثَّابِتِ فِي ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَفِيهِ «أَنَّهُمْ أَكَلُوا مِنَ الْحُوتِ الَّذِي رَمَاهُ الْبَحْرُ أَيَّامًا وَتَزَوَّدُوا مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَحْسَنَ فِعْلَهُمْ، وَسَأَلَهُمْ: هَلْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ؟» وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُجَوِّزْ لَهُمْ لِمَكَانِ ضَرُورَةِ خُرُوجِ الزَّادِ عَنْهُمْ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مِيتَتُهُ» . وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَرَجَّحَ عُمُومَ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْأَثَرِ، إِمَّا لِأَنَّ الْآيَةَ مَقْطُوعٌ بِهَا، وَالْأَثَرَ مَظْنُونٌ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ لَهُمْ، أَعْنِي حَدِيثَ جَابِرٍ أَوْ لِأَنَّهُ احْتَمَلَ عِنْدَهُ أَنْ يَكُونَ الْحُوتُ مَاتَ بِسَبَبٍ، وَهُوَ رَمْيُ الْبَحْرِ بِهِ إِلَى السَّاحِلِ ; لِأَنَّ الْمَيْتَةَ هُوَ مَا مَاتَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ خَارِجٍ، وَلِاخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ احْتِمَالُ عَوْدَةِ الضَّمِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] أَعْنِي: أَنْ يَعُودَ عَلَى الْبَحْرِ أَوْ عَلَى الصَّيْدِ نَفْسِهِ، فَمَنْ أَعَادَهُ عَلَى الْبَحْرِ قَالَ: طَعَامُهُ هُوَ الطَّافِي، وَمَنْ أَعَادَهُ عَلَى الصَّيْدِ قَالَ: هُوَ الَّذِي أُحِلَّ فَقَطْ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، مَعَ أَنَّ الْكُوفِيِّينَ أَيْضًا تَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِأَثَرٍ وَرَدَ فِيهِ تَحْرِيمُ الطَّافِي مِنَ السَّمَكِ، وَهُوَ عِنْدَهُمْ ضَعِيفٌ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَكَمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنْوَاعِ الْمَيْتَاتِ كَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي أَجْزَاءِ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ

مَيْتَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ اللَّحْمَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ مَيْتَةٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْعِظَامِ وَالشَّعْرِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ الْعَظْمَ وَالشَّعْرَ مَيْتَةٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُمَا لَيْسَا بِمَيْتَةٍ، وَذَهَبَ مَالِكٌ لِلْفَرْقِ بَيْنَ الشَّعْرِ وَالْعَظْمِ فَقَالَ: إِنَّ الْعَظْمَ مَيْتَةٌ وَلَيْسَ الشَّعْرُ مَيْتَةً.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ: هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَيَاةِ مِنْ أَفْعَالِ الْأَعْضَاءِ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ النُّمُوَّ وَالتَّغَذِّيَ هُوَ مِنْ أَفْعَالِ الْحَيَاةِ قَالَ: إِنَّ الشِّعْرَ وَالْعِظَامَ إِذَا فَقَدَتِ النُّمُوَّ وَالتَّغَذِّيَ فَهِيَ مَيْتَةٌ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الْحَيَاةِ إِلَّا عَلَى الْحِسِّ قَالَ: إِنَّ الشَّعْرَ وَالْعِظَامَ لَيْسَتْ بِمَيْتَةٍ ; لِأَنَّهَا لَا حِسَّ لَهَا.
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَوْجَبَ لِلْعِظَامِ الْحِسَّ وَلَمْ يُوجِبْ لِلشَّعْرِ.
وَفِي حِسِّ الْعِظَامِ اخْتِلَافٌ، وَالْأَمْرُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الْأَطِبَّاءِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّغَذِّيَ وَالنُّمُوَّ لَيْسَا هُمَا الْحَيَاةَ الَّتِي يُطْلَقُ عَلَى عَدَمِهَا اسْمُ الْمَيْتَةِ، أَنَّ الْجَمِيعَ قَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ أَنَّهُ مَيْتَةٌ لِوُرُودِ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهُوَ مَيْتَةٌ» ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الشَّعْرَ إِذَا قُطِعَ مِنَ الْحَيِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَلَوِ انْطَلَقَ اسْمُ الْمَيْتَةِ عَلَى مَنْ فَقَدَ التَّغَذِّيَ وَالنُّمُوَّ لَقِيلَ فِي النَّبَاتِ الْمَقْلُوعِ إِنَّهُ مَيْتَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّ النَّبَاتَ فِيهِ التَّغَذِّي وَالنُّمُوُّ، وَلِلشَّافِعِيِّ أَنْ يَقُولَ إِنَّ التَّغَذِّيَ الَّذِي يَنْطَلِقُ عَلَى عَدَمِهِ اسْمُ الْمَوْتِ هُوَ التَّغَذِّي الْمَوْجُودُ فِي الْحَسَّاسِ.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِهَا مُطْلَقًا دُبِغَتْ أَوْ لَمْ تُدْبَغْ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى خِلَافِ هَذَا، وَهُوَ أَلّا يُنْتَفَعَ بِهِ أَصْلًا وَإِنْ دُبِغَتْ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ تُدْبَغَ، وَأَلَا تُدْبَغَ، وَرَأَوْا أَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ لَهَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُطَهِّرُهَا، وَلَكِنْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْيَابِسَاتِ.
وَالَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِمَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ مِنَ الْحَيَوَانِ أَعْنِي الْمُبَاحَ الْأَكْلِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ مُطَهِّرٌ لِمَا تَعْمَلُ فِيهِ الذَّكَاةُ فَقَطْ، وَأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْهَا فِي إِفَادَةِ الطَّهَارَةِ.
وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى تَأْثِيرِ الدِّبَاغِ فِي جَمِيعِ مِيتَاتِ الْحَيَوَانِ مَا عَدَا الْخِنْزِيرَ.
وَقَالَ دَاوُدُ: تُطَهِّرُ حَتَّى جِلْدَ الْخِنْزِيرِ.

وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثِ مَيْمُونَةَ إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ أَنَّهُ مَرَّ بِمَيْتَةٍ، فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «هَلَّا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا؟» وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ مَنْعُ الِانْتِفَاعِ بِهَا مُطْلَقًا، وَذَلِكَ أَنَّ فِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَتَبَ: أَلَّا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ» قَالَ: وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ.
وَفِي بَعْضِهَا الْأَمْرُ بِالِانْتِفَاعِ بِهَا بَعْدَ الدِّبَاغِ وَالْمَنْعُ قَبْلَ الدِّبَاغِ، وَالثَّابِتُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ» فَلِمَكَانِ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْآثَارِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ الْجَمْعِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَعْنِي أَنَّهُمْ فَرَّقُوا فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا بَيْنَ الْمَدْبُوغِ وَغَيْرِ الْمَدْبُوغِ) وَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ النَّسْخِ فَأَخَذُوا بِحَدِيثِ ابْنِ عُكَيْمٍ لِقَوْلِهِ فِيهِ: قَبْلَ مَوْتِهِ بِعَامٍ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ مَيْمُونَةَ، وَرَأَوْا أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ زِيَادَةً عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَّ تَحْرِيمَ الِانْتِفَاعِ لَيْسَ يَخْرُجُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلَ الدِّبَاغِ ; لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ غَيْرُ الطَّهَارَةِ أَعْنِي كُلَّ طَاهِرٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ عَكْسُ هَذَا الْمَعْنَى (أَعْنِي أَنَّ كُلَّ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ هُوَ طَاهِرٌ.)

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ دَمَ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ نَجِسٌ، وَاخْتَلَفُوا فِي دَمِ السَّمَكِ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدَّمِ الْقَلِيلِ مِنْ دَمِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْبَحْرِيِّ، فَقَالَ قَوْمٌ: دَمُ السَّمَكِ طَاهِرٌ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ نَجِسٌ عَلَى أَصْلِ الدِّمَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ قَوْمٌ: إِنَّ قَلِيلَ الدِّمَاءِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الْقَلِيلُ مِنْهَا وَالْكَثِيرُ حُكْمُهُ وَاحِدٌ، وَالْأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ فِي دَمِ السَّمَكِ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَيْتَتِهِ، فَمَنْ جَعَلَ مَيْتَتَهُ دَاخِلَةً تَحْتَ عُمُومِ التَّحْرِيمِ جَعَلَ دَمَهُ كَذَلِكَ، وَمَنْ أَخْرَجَ مَيْتَتَهُ أَخْرَجَ دَمَهُ قِيَاسًا عَلَى الْمَيْتَةِ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرٌ ضَعِيفٌ وَهُوَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ، وَدَمَانِ الْجَرَادُ وَالْحُوتُ وَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ» .

وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي كَثِيرِ الدَّمِ وَقَلِيلِهِ فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْقَضَاءِ بِالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ أَوْ بِالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ تَحْرِيمُ الدَّمِ مُطْلَقًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: 3] وَوَرَدَ مُقَيَّدًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: 145] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145] . فَمَنْ قَضَى بِالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ قَالَ: الْمَسْفُوحُ هُوَ النَّجِسُ الْمُحَرَّمُ فَقَطْ، وَمَنْ قَضَى بِالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ; لِأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً قَالَ: الْمَسْفُوحُ وَهُوَ الْكَثِيرُ، وَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ وَهُوَ الْقَلِيلُ، كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَأَيَّدَ هَذَا بِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ نَجِسٌ لِعَيْنِهِ فَلَا يَتَبَعَّضُ.

الْمَسْأَلَةُ الخَامِسَةُ: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ ابْنِ آدَمَ وَرَجِيعِهِ إِلَّا بَوْلَ الصَّبِيِّ الرَّضِيعِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْحَيَوَانِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهَا كُلَّهَا نَجِسَةٌ.
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى طَهَارَتِهَا بِإِطْلَاقٍ أَعْنِي فَضْلَتَيْ سَائِرِ الْحَيَوَانِ، الْبَوْلَ وَالرَّجِيعَ وَقَالَ قَوْمٌ: أَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا تَابِعَةٌ لِلُحُومِهَا، فَمَا كَانَ مِنْهَا لُحُومُهَا مُحَرَّمَةً فَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا نَجِسَةٌ مُحَرَّمَةٌ، وَمَا كَانَ مِنْهَا لُحُومُهَا مَأْكُولَةً فَأَبْوَالُهَا وَأَرْوَاثُهَا طَاهِرَةٌ، مَا عَدَا الَّتِي تَأْكُلُ النَّجَاسَةَ، وَمَا كَانَ مِنْهَا مَكْرُوهًا فَأَبْوَالُهَا، وَأَرْوَاثُهَا مَكْرُوهَةٌ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِذَلِكَ فِي الْأَسْآرِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ «الْإِبَاحَةِ الْوَارِدَةِ فِي الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» ، «وَإِبَاحَتِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِلْعُرَنِيِّينَ شُرْبَ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا» ، وَفِي مَفْهُومِ «النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ» . وَالسَّبَبُ الثَّانِي: اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِ سَائِرِ الْحَيَوَانِ فِي ذَلِكَ عَلَى الْإِنْسَانِ، فَمَنْ قَاسَ سَائِرَ الْحَيَوَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ وَرَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ قِيَاسِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى لَمْ يَفْهَمْ مِنْ إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ طَهَارَةَ أَرْوَاثِهَا، وَأَبْوَالِهَا، وَجَعَلَ ذَلِكَ عِبَادَةً، وَمَنْ فَهِمَ مِنَ «النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ» النَّجَاسَةَ، وَجَعَلَ إِبَاحَتَهُ لِلْعُرَنِيِّينَ أَبْوَالَ الْإِبِلِ لِمَكَانِ الْمُدَاوَاةِ عَلَى أَصْلِهِ فِي إِجَازَةِ ذَلِكَ قَالَ: كُلُّ رَجِيعٍ وَبَوْلٍ فَهُوَ نَجِسٌ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ حَدِيثِ «إِبَاحَةِ الصَّلَاةِ فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ» طَهَارَةَ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا، وَكَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ الْعُرَنِيِّينَ وَجَعَلَ «النَّهْيَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ» عِبَادَةً أَوْ لِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى النَّجَاسَةِ، وَكَانَ الْفَرْقُ عِنْدَهُ بَيْنَ الْإِنْسَانِ وَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ أَنَّ فَضْلَتَيِ الْإِنْسَانِ مُسْتَقْذَرَةٌ بِالطَّبْعِ وَفَضْلَتَيْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ جَعَلَ الْفَضَلَاتِ تَابِعَةً لِلُّحُومِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

وَمَنْ قَاسَ عَلَى بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ غَيْرَهَا جَعَلَ الْفَضَلَاتِ كُلَّهَا مَا عَدَا فَضْلَتَيِ الْإِنْسَانِ غَيْرَ نَجِسَةٍ وَلَا مُحَرَّمَةٍ وَالْمَسْأَلَةُ مُحْتَمِلَةٌ، وَلَوْلَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِحْدَاثُ قَوْلٍ لَمْ يَتَقَدَّمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ فِي الْمَشْهُورِ، وَإِنْ كَانَتْ مَسْأَلَةً فِيهَا خِلَافٌ لَقِيلَ إِنَّ مَا يَنْتُنُ مِنْهَا وَيُسْتَقْذَرُ بِخِلَافِ مَا لَا يَنْتُنُ وَلَا يُسْتَقْذَرُ، وَبِخَاصَّةٍ مَا كَانَ مِنْهَا رَائِحَتُهُ حَسَنَةً لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى إِبَاحَةِ الْعَنْبَرِ وَهُوَ عِنْدَ أَكْثَرِ النَّاسِ فَضْلَةٌ مِنْ فَضَلَاتِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ، وَكَذَلِكَ الْمِسْكُ، وَهُوَ فَضْلَةُ دَمِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُوجَدُ الْمِسْكُ فِيهِ فِيمَا يُذْكَرُ.

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَلِيلِ النَّجَاسَاتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَوْمٌ رَأَوْا قَلِيلَهَا وَكَثِيرَهَا سَوَاءً، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ الشَّافِعِيُّ.
وَقَوْمٌ رَأَوْا أَنَّ قَلِيلَ النَّجَاسَاتِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَحَدُّوهُ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ أَبُو حَنِيفَةَ، وَشَذَّ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فَقَالَ: إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ رُبُعَ الثَّوْبِ فَمَا دُونَهُ جَازَتْ بِهِ الصَّلَاةُ.
وَقَالَ فَرِيقٌ ثَالِثٌ: قَلِيلُ النَّجَاسَاتِ وَكَثِيرُهَا سَوَاءٌ إِلَّا الدَّمَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَعَنْهُ فِي دَمِ الْحَيْضِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَشْهَرُ مُسَاوَاتُهُ لِسَائِرِ الدِّمَاءِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي قِيَاسِ قَلِيلِ النَّجَاسَةِ عَلَى الرُّخْصَةِ الْوَارِدَةِ فِي الِاسْتِجْمَارِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّ النَّجَاسَةَ هُنَاكَ بَاقِيَةٌ، فَمَنْ أَجَازَ الْقِيَاسَ عَلَى ذَلِكَ اسْتَجَازَ قَلِيلَ النَّجَاسَةِ، وَلِذَلِكَ حَدُّوهُ بِالدِّرْهَمِ قِيَاسًا عَلَى قَدْرِ الْمَخْرَجِ، وَمَنْ رَأَى أَنَّ تِلْكَ رُخْصَةٌ، وَالرُّخَصُ لَا يُقَاسُ عَلَيْهَا مَنَعَ ذَلِكَ.
وَأَمَّا سَبَبُ اسْتِثْنَاءِ مَالِكٍ مِنْ ذَلِكَ الدِّمَاءَ، فَقَدْ تَقَدَّمَ، وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ النَّجَاسَاتِ عِنْدَهُ تَنْقَسِمُ إِلَى مُغَلَّظَةٍ وَمُخَفَّفَةٍ، وَأَنَّ الْمُغَلَّظَةَ هِيَ الَّتِي يُعْفَى مِنْهَا عَنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ، وَالْمُخَفَّفَةَ هِيَ الَّتِي يُعْفَى مِنْهَا عَنْ رُبُعِ الثَّوْبِ، وَالْمُخَفَّفَةُ عِنْدَهُمْ مِثْلُ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ، وَمَا لَا تَنْفَكُّ مِنْهُ الطُّرُقُ غَالِبًا، وَتَقْسِيمُهُمْ إِيَّاهَا إِلَى مُغَلَّظَةٍ وَمُخَفَّفَةٍ حَسَنٌ جِدًّا.

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ: اخْتَلَفُوا فِي الْمَنِيِّ: هَلْ هُوَ نَجِسٌ أَمْ لَا؟ فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ نَجِسٌ، وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: اضْطِرَابُ الرِّوَايَةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَذَلِكَ أَنَّ فِي بَعْضِهَا: «كُنْتُ أَغْسِلُ ثَوْبَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْمَنِيِّ فَيَخْرُجُ إِلَى الصَّلَاةِ، وَإِنَّ فِيهِ لَبُقَعَ الْمَاءِ» .

فصول الكتاب · 4 فصل · 258 صفحة
جارٍ التحميل