وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُطْعِمُ إِلَّا مَسَاكِينَ مَكَّةَ.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ أَنَّ عَلَيْهِ الْجَزَاءَ ; لِلنَّصِّ فِي ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْحَلَالِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ فَقَالَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
وَقَالَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ.
وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْمُسْلِمُونَ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ وَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا﴾ [العنكبوت: 67] . وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» . وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إِذَا قَتَلَ الصَّيْدَ وَأَكَلَهُ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَائِفَةٍ أَنَّ فِيهِ كَفَارَّتَيْنِ.
فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَمَّا الْأَسْبَابُ الَّتِي دَعَتْهُمْ إِلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فَنَحْنُ نُشِيرُ إِلَى طَرَفٍ مِنْهَا فَنَقُولُ: أَمَّا مَنِ اشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ عَمْدًا فَحُجَّتُهُ أَنَّ اشْتِرَاطَ ذَلِكَ نَصٌّ فِي الْآيَةِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْعِقَابِ، وَالْكَفَّارَاتِ عِقَابٌ مَا.
وَأَمَّا مَنْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ مَعَ النِّسْيَانِ فَلَا حُجَّةَ لَهُ، إِلَّا أَنْ يُشَبِّهَ الْجَزَاءَ عِنْدَ إِتْلَافِ الصَّيْدِ بِإِتْلَافِ الْأَمْوَالِ؛ فَإِنَّ الْأَمْوَالَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ تُضَمَّنُ خَطَأً وَنَسِيَانًا.
لَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا الْقِيَاسَ اشْتِرَاطُ الْعَمْدِ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ، فَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا - أَيِ الْعَمْدِ - إِنَّمَا اشْتَرَطَ؛ لِمَكَانِ تَعَلُّقِ الْعِقَابِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ [المائدة: 95] . وَذَلِكَ لَا مَعْنَى لَهُ ; لِأَنَّ الْوَبَالَ الْمَذُوقَ هُوَ فِي الْغَرَامَةِ، فَسَوَاءٌ قَتَلَهُ مُخْطِئًا أَوْ مُتَعَمِّدًا قَدْ ذَاقَ الْوَبَالَ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ النَّاسِيَ غَيْرُ مُعَاقَبٍ.
وَأَكْثَرُ مَا تَلْزَمُ هَذِهِ الْحُجَّةُ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَصْلِهِ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ لَا تَثْبُتُ بِالْقِيَاسِ، فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ لِمَنْ أَثْبَتَهَا عَلَى النَّاسِي إِلَّا الْقِيَاسُ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمِثْلِ: هَلْ هُوَ الشَّبِيهُ؟ أَوِ الْمِثْلُ فِي الْقِيمَةِ؟ فَإِنَّ سَبَبَ الِاخْتِلَافِ أَنَّ الْمِثْلَ يُقَالُ عَلَى الَّذِي هُوَ مِثْلٌ، وَعَلَى الَّذِي هُوَ مِثْلٌ فِي الْقِيمَةِ، لَكِنَّ حُجَّةَ مَنْ رَأَى أَنَّ الشَّبِيهَ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ أَنَّ انْطِلَاقَ لَفْظِ الْمِثْلِ عَلَى الشَّبِيهِ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَظْهَرُ، وَأَظْهَرُ مِنْهُ عَلَى الْمِثْلِ فِي الْقِيمَةِ، لَكِنْ لِمَنْ حَمَلَ هَا هُنَا الْمِثْلَ عَلَى الْقِيمَةِ دَلَائِلُ حَرَّكَتْهُ إِلَى اعْتِقَادِ ذَلِكَ، أَحَدُهَا أَنَّ الْمِثْلَ الَّذِي هُوَ الْعَدْلُ هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمِثْلَ إِذَا حُمِلَ هَا هُنَا عَلَى التَّعْدِيلِ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ الصَّيْدِ، فَإِنَّ مِنَ الصَّيْدِ مَا لَا يُلْقَى لَهُ شَبِيهٌ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْمِثْلَ فِيمَا لَا يُوجَدُ لَهُ شَبِيهٌ هُوَ التَّعْدِيلُ، وَلَيْسَ يُوجَدُ لِلْحَيَوَانِ الْمَصِيدِ فِي الْحَقِيقَةِ شَبِيهٌ إِلَّا مِنْ جِنْسِهِ، وَقَدْ نَصَّ أَنَّ الْمِثْلَ الْوَاجِبَ فِيهِ هُوَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مِثْلَهُ فِي التَّعْدِيلِ وَالْقِيمَةِ.
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْحُكْمَ فِي الشَّبِيهِ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ.
فَأَمَّا الْحُكْمُ بِالتَّعْدِيلِ فَهُوَ شَيْءٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَوْقَاتِ، وَلِذَلِكَ هُوَ كُلُّ وَقْتٍ يَحْتَاجُ إِلَى الْحَكَمَيْنِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِمَا.
وَعَلَى هَذَا، يَأْتِي التَّقْدِيرُ فِي الْآيَةِ بِمُشَابِهٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ، أَوْ عَدْلُ الْقِيمَةِ طَعَامًا، أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ هَلِ الْمُقَدَّرُ هُوَ الصَّيْدُ؟ أَوْ مِثْلُهُ مِنَ النَّعَمِ إِذَا قُدِّرَ بِالطَّعَامِ؟ فَمَنْ قَالَ: الْمُقَدَّرُ هُوَ الصَّيْدُ - قَالَ: لِأَنَّهُ الَّذِي لَمَّا لَمْ يُوجَدْ مِثْلُهُ رَجَعَ إِلَى تَقْدِيرِهِ بِالطَّعَامِ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ الْمُقَدَّرَ هُوَ الْوَاجِبُ مِنَ النَّعَمِ - قَالَ: لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا تُقَدَّرُ قِيمَتُهُ إِذَا عُدِمَ بِتَقْدِيرِ مِثْلِهِ، أَعْنِي: شَبِيهَهُ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّ الْآيَةَ عَلَى التَّخْيِيرِ - فَإِنَّهُ الْتَفَتَ إِلَى حَرْفِ (أَوْ) ؛ إِذْ كَانَ مُقْتَضَاهَا فِي لِسَانِ الْعَرَبِ التَّخْيِيرَ.
وَأَمَّا مَنْ نَظَرَ إِلَى تَرْتِيبِ الْكَفَّارَاتِ فِي ذَلِكَ فَشَبَهُهَا فِي الْكَفَّارَاتِ الَّتِي فِيهَا التَّرْتِيبُ بِاتِّفَاقٍ، وَهِيَ كَفَّارَةُ الظِّهَارِ وَالْقَتْلِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يُسْتَأْنَفُ الْحُكْمُ فِي الصَّيْدِ الْوَاحِدِ الَّذِي قَدْ وَقَعَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنَ الصَّحَابَةِ - فَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلِ الْحُكْمُ شَرْعِيٌّ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى؟ أَمْ هَذَا مَعْقُولُ الْمَعْنَى؟ فَمَنْ قَالَ: هُوَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى - قَالَ: مَا قَدْ حُكِمَ فِيهِ فَلَيْسَ يُوجَدُ شَيْءٌ أَشْبَهُ بِهِ مِنْهُ، مِثْلُ النَّعَامَةِ فَإِنَّهُ لَا يُوجَدُ أَشْبَهُ بِهَا مِنَ الْبَدَنَةِ، فَلَا مَعْنَى لِإِعَادَةِ الْحُكْمِ.
وَمَنْ قَالَ: هُوَ عِبَادَةٌ - قَالَ: يُعَادُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْجَمَاعَةِ يَشْتَرِكُونَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ الْوَاحِدِ فَسَبَبُهُ هَلِ الْجَزَاءُ مُوجِبُهُ هُوَ التَّعَدِّي فَقَطْ؟ أَوِ التَّعَدِّي عَلَى جُمْلَةِ الصَّيْدِ؟ فَمَنْ قَالَ: التَّعَدِّي فَقَطْ - أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ الْقَاتِلَةِ لِلصَّيْدِ جَزَاءً.
وَمَنْ قَالَ: التَّعَدِّي عَلَى جُمْلَةِ الصَّيْدِ - قَالَ: عَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ شَبِيهَةٌ بِالْقِصَاصِ فِي النِّصَابِ فِي السَّرِقَةِ، وَفِي الْقِصَاصِ فِي الْأَعْضَاءِ، وَفِي الْأَنْفُسِ.
وَسَتَأْتِي فِي مَوَاضِعِهَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَتَفْرِيقُ أَبِي حَنِيفَةَ بَيْنَ الْمُحْرِمِينَ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُحْرِمِينَ الْقَاتِلِينَ فِي الْحَرَمِ عَلَى جِهَةِ التَّغْلِيظِ عَلَى الْمُحْرِمِينَ، وَمَنْ أَوْجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ جَزَاءً فَإِنَّمَا نَظَرَ إِلَى سَدِّ الذَّرَائِعِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ سَقَطَ عَنْهُمُ الْجَزَاءُ جُمْلَةً لَكَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَصِيدَ فِي الْحَرَمِ صَادَ فِي جَمَاعَةٍ.
وَإِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْجَزَاءَ هُوَ كَفَّارَةٌ لِلْإِثْمِ، فَيُشْبِهُ أَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ إِثْمُ قَتْلِ الصَّيْدِ بِالِاشْتِرَاكِ فِيهِ، فَيَجِبُ أَلَّا يَتَبَعَّضَ الْجَزَاءُ، فَيَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ كَفَّارَةٌ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ يَكُونُ أَحَدُ الْحَكَمَيْنِ قَاتِلَ الصَّيْدِ فَالسَّبَبُ فِيهِ مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ الظَّاهِرِ؛ لِمَفْهُومِ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ فِي الشَّرْعِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الْحَكَمَيْنِ إِلَّا الْعَدَالَةَ، فَيَجِبُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا أَنْ يَجُوزَ الْحُكْمُ مِمَّنْ يُوجَدُ فِيهِ هَذَا الشَّرْطُ، سَوَاءٌ كَانَ قَاتِلَ الصَّيْدِ أَوْ غَيْرَ قَاتِلٍ.
وَأَمَّا مَفْهُومُ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ فِي الشَّرْعِ فَهُوَ أَنَّ الْمَحْكُومَ عَلَيْهِ لَا يَكُونُ حَاكِمًا عَلَى نَفْسِهِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْمَوْضِعِ فَسَبَبُهُ الْإِطْلَاقُ، أَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ مَوْضِعٌ.
فَمَنْ شَبَّهَهُ بِالزَّكَاةِ فِي أَنَّهُ حَقٌّ لِلْمَسَاكِينِ فَقَالَ: لَا يُنْقَلُ مِنْ مَوْضِعِهِ.
وَأَمَّا مَنْ رَأَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الرِّفْقُ بِمَسَاكِينِ مَكَّةَ قَالَ: لَا يُطْعِمُ إِلَّا مَسَاكِينَ مَكَّةَ.
وَمَنِ اعْتَمَدَ ظَاهِرَ الْإِطْلَاقِ قَالَ: يُطْعِمُ حَيْثُ شَاءَ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَلَالِ يَقْتُلُ الصَّيْدَ فِي الْحَرَمِ هَلْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ؟ أَمْ لَا؟ فَسَبَبُهُ: هَلْ يُقَاسُ فِي الْكَفَّارَاتِ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ؟ وَهَلِ الْقِيَاسُ أَصْلٌ مَنْ أُصُولِ الشَّرْعِ عِنْدَ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ؟ فَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَنْفُونَ قِيَاسَ قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِمَنْعِهِمُ الْقِيَاسَ فِي الشَّرْعِ.
وَيَحِقُّ عَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنْ يَمْنَعَهُ لِمَنْعِهِ الْقِيَاسَ فِي الْكَفَّارَاتِ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي تَعَلُّقِ الِاسْمِ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: 67] . وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ» .
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ قَتَلَهُ، ثُمَّ أَكَلَهُ - هَلْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ وَاحِدٌ؟ أَمْ جَزَاءَانِ؟ فَسَبَبُهُ: هَلْ أَكْلُهُ تَعَدٍّ ثَانٍ عَلَيْهِ سِوَى تَعَدِّي الْقَتْلِ؟ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ تَعَدِّيًا عَلَيْهِ فَهَلْ هُوَ مُسَاوٍ لِلتَّعَدِّي الْأَوَّلِ؟ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ أَكَلَ أَثِمَ.
وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ فِي كَفَّارَةِ الْجَزَاءِ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ: مَعْرِفَةِ الْوَاجِبِ فِي ذَلِكَ، وَمَعْرِفَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَعْرِفَةِ الْفِعْلِ الَّذِي لِأَجْلِهِ يَجِبُ، وَمَعْرِفَةِ مَحَلِّ الْوُجُوبِ.
وَكَانَ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي أَكْثَرِ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ، وَبَقِيَ مِنْ ذَلِكَ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: اخْتِلَافٌ فِي بَعْضِ الْوَاجِبَاتِ مِنَ الْأَمْثَالِ فِي بَعْضِ الْمَصِيدَاتِ.
وَالثَّانِي: مَا هُوَ صَيْدٌ مِمَّا لَيْسَ بِصَيْدٍ.
يَجِبُ أَنْ يُنْظَرَ فِيمَا بَقِيَ عَلَيْنَا مِنْ ذَلِكَ.
فَمِنْ أُصُولِ هَذَا الْبَابِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " أَنَّهُ قَضَى فِي الضَّبُعِ بِكَبْشٍ، وَفِي الْغَزَالِ بِعَنْزٍ، وَفِي الْأَرْنَبِ بِعَنَاقٍِ، وَفِي الْيَرْبُوعِ بِجَفْرَةٍ ". وَالْيَرْبُوعُ: دُوَيْبَّةٌ لَهَا أَرْبَعُ قَوَائِمَ وَذَنَبٌ، تَجْتَرُّ كَمَا تَجْتَرُّ الشَّاةُ، وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْكُرُوشِ، وَالْعَنْزُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ الْمَعْزِ مَا قَدْ وُلِدَ أَوْ وُلِدَ مِثْلُهُ.
وَالْجَفْرَةُ وَالْعَنَاقُ مِنَ الْمَعْزِ، فَالْجَفْرَةُ مَا أَكَلَ وَاسْتَغْنَى عَنِ الرِّضَاعِ، وَالْعَنَاقُ قِيلَ: فَوْقَ الْجَفْرَةِ، وَقِيلَ: دُونَهَا.
وَخَالَفَ مَالِكٌ هَذَا الْحَدِيثَ، فَقَالَ فِي الْأَرْنَبِ وَالْيَرْبُوعِ: لَا يَقُومَانِ إِلَّا بِمَا يَجُوزُ هَدْيًا وَأُضْحِيَةً، وَذَلِكَ الْجَذَعُ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
وَحُجَّةُ مَالِكٍ قَوْله تَعَالَى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] .
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَنْ جَعَلَ عَلَى نَفْسِهِ هَدْيًا أَنَّهُ لَا يُجْزِيهِ أَقَلُّ مِنَ الْجَذَعِ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الضَّأْنِ، وَالثَّنِيِّ مَا سِوَاهُ.
وَفِي صِغَارِ الصَّيْدِ عِنْدَ مَالِكٍ مِثْلُ مَا فِي كِبَارِهِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُفْدَى صِغَارُ الصَّيْدِ بِالْمِثْلِ مِنْ صِغَارِ النَّعَمِ، وَكِبَارُ الصَّيْدِ بِالْكِبَارِ مِنْهَا.
وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ.
وَحُجَّتُهُ أَنَّهَا حَقِيقَةُ الْمِثْلِ، فَعِنْدَهُ فِي النَّعَامَةِ الْكَبِيرَةِ بَدَنَةٌ، وَفِي الصَّغِيرَةِ فَصِيلٌ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْقِيمَةِ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي حَمَامِ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فَقَالَ مَالِكٌ: فِي حَمَامِ مَكَّةَ شَاةٌ، وَفِي حَمَامِ الْحِلِّ حُكُومَةٌ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي حَمَامِ الْحَرَمِ غَيْرِ مَكَّةَ، فَقَالَ مَرَّةً: شَاةٌ كَحَمَامِ مَكَّةَ، وَمَرَّةً قَالَ: حُكُومَةٌ كَحَمَامِ الْحِلِّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي كُلِّ حَمَامٍ شَاةٌ، وَفِي حَمَامِ سِوَى الْحَرَمِ قِيمَتُهُ.
وَقَالَ دَاوُدُ: كُلُّ شَيْءٍ لَا مِثْلَ لَهُ فِي الصَّيْدِ فَلَا جَزَاءَ فِيهَا إِلَّا الْحَمَامُ فَإِنَّ فِيهِ شَاةً، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ
ذَلِكَ إِجْمَاعًا، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الطَّيْرِ شَاةٌ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ عُشْرُ ثَمَنِ الْبَدَنَةِ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي الْقِيمَةِ، وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ، أَعْنِي: جَزَاءَ النَّعَامَةِ.
وَاشْتَرَطَ أَبُو ثَوْرٍ فِي ذَلِكَ أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا ثُمَّ يَمُوتُ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ بِأَنْ يُرْسِلَ الْفَحْلُ عَلَى الْإِبِلِ، فَإِذَا تَبَيَّنَ لَقَاحُهَا سَمَّيْتَ مَا أَصَبْتَ مِنَ الْبَيْضِ.
فَقُلْتُ: وَهَذَا هَدْيٌ.
ثُمَّ لَيْسَ عَلَيْكَ ضَمَانٌ مَا فَسَدَ مِنَ الْحَمْلِ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: مَنْ كَانَتْ لَهُ إِبِلٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَإِلَّا فَفِي كُلِّ بَيْضَةٍ دِرْهَمَانِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فِي بَيْضِ النَّعَامَةِ يُصِيبُهُ الْمُحْرِمِ ثَمَنُهُ» مِنْ وَجْهٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ فِيهِ الْقِيمَةَ، قَالَ: وَفِيهِ أَثَرٌ ضَعِيفٌ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْجَرَادَ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ يَجِبُ عَلَى الْمُحْرِمِ فِيهِ الْجَزَاءُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ مِنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قَبْضَةٌ مِنْ طَعَامٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِنْ جَرَادَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْجَرَادِ قِيمَتُهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مِنْ حَفْنَةِ طَعَامٍ أَوْ تَمْرَةٍ فَهُوَ لَهُ قِيمَةٌ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ فِيهَا تَمْرَةً مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ: فِيهَا صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ، وَهُوَ شَاذٌّ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ فِيهَا شُوَيْهَةً، وَهُوَ أَيْضًا شَاذٌّ.
فَهَذِهِ هِيَ مَشْهُورَاتُ مَا اتَّفَقُوا عَلَى الْجَزَاءِ فِيهِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ الْجَزَاءُ فِيهِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا هُوَ صَيْدٌ مِمَّا لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَفِيمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ - فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْبَرِّ مُحَرَّمٌ عَلَى الْمُحْرِمِ إِلَّا الْخَمْسَ الْفَوَاسِقَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَلْحَقُ بِهِ مِمَّا لَيْسَ يَلْحَقُ.
وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ صَيْدَ الْبَحْرِ حَلَالًا كُلَّهُ لِلْمُحْرِمِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مِمَّا لَيْسَ مِنْهُ.
وَهَذَا كُلُّهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ [المائدة: 96] .
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَشْهُورَ مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَيْنِ الْجِنْسَيْنِ، وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ - فَنَقُولُ: ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ جُنَاحٌ فِي قَتْلِهِنَّ: الْغُرَابُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ» . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى الْقَوْلِ بِإِبَاحَةِ قَتْلِ مَا تَضَمَّنَهُ؛ لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِصَيْدٍ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهُمُ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَوْصَافًا مَا.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هَذَا بَابٌ مِنَ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ، أَوْ بَابٌ مِنَ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: هُوَ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ - اخْتَلَفُوا فِي أَيِّ عَامٍّ أُرِيدَ بِذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: الْكَلْبُ الْعَقُورُ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيثِ إِشَارَةٌ إِلَى كُلِّ سَبُعٍ عَادٍ، وَأَنَّ مَا لَيْسَ بِعَادٍ مِنَ السِّبَاعِ فَلَيْسَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُهُ.
وَلَمْ يَرَ قَتْلَ صِغَارِهَا الَّتِي لَا تَعْدُو، وَلَا مَا كَانَ مِنْهَا أَيْضًا لَا يَعْدُو.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي قَتْلِ الْحَيَّةِ وَالْأَفْعَى وَالْأَسْوَدِ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ النَّبِيِّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «تُقْتَلُ الْأَفْعَى وَالْأَسْوَدُ» .
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى قَتْلَ الْوَزَغِ، وَالْأَخْبَارَ بِقَتْلِهَا مُتَوَاتِرَةً، لَكِنْ مُطْلَقًا لَا فِي الْحَرَمِ، وَلِذَلِكَ تَوَقَّفَ فِيهَا مَالِكٌ فِي الْحَرَمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُقْتَلُ مِنَ الْكِلَابِ الْعَقُورَةِ إِلَّا الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ وَالذِّئْبُ.
وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ: لَا يُقْتَلُ إِلَّا الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: كُلُّ مُحَرَّمِ الْأَكْلِ فَهُوَ مَعْنِيٌّ فِي الْخَمْسِ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إِنَّمَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ مَا أُحِلَّ لِلْحَلَالِ.
وَأَنَّ الْمُبَاحَةَ الْأَكْلُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهَا بِإِجْمَاعٍ؛ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ صَيْدِ الْبَهَائِمِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يَفْهَمْ مِنِ اسْمِ الْكَلْبِ الْإِنْسِيَّ فَقَطْ، بَلْ مِنْ مَعْنَاهُ كُلُّ ذِئْبٍ وَحْشِيٍّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الزُّنْبُورِ فَبَعْضُهُمْ شَبَّهَهُ بِالْعَقْرَبِ، وَبَعْضُهُمْ رَأَى أَنَّهُ أَضْعَفُ نِكَايَةً مِنَ الْعَقْرَبِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا تَتَضَمَّنُ أَنْوَاعًا مِنَ الْفَسَادِ، فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ أَلْحَقَ بِوَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهَا مَا يُشْبِهُهُ إِنْ كَانَ لَهُ شَبَهٌ، وَمَنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ قَصَرَ النَّهْيَ عَلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ.
وَشَذَّتْ طَائِفَةٌ فَقَالَتْ: لَا يُقْتَلُ إِلَّا الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ.
فَخَصَّصَتْ عُمُومَ الِاسْمِ الْوَارِدِ
فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ بِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «خَمْسٌ يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ، فَذَكَرَ فِيهِنَّ الْغُرَابَ الْأَبْقَعَ» . وَشَذَّ النَّخَعِيُّ فَمَنَعَ الْمُحْرِمَ قَتْلَ الصَّيْدِ إِلَّا الْفَأْرَةَ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا هُوَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ مِمَّا لَيْسَ هُوَ مِنْهُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّمَكَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا السَّمَكَ، وَذَلِكَ بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ فَلَيْسَ مِنْ صَيْدِ الْبَحْرِ، وَأَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ مُحْرِمًا.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَ مَنْ يُحِلُّ جَمِيعَ مَا فِي الْبَحْرِ فِي أَنَّ صَيْدَهُ حَلَالٌ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِيمَا كَانَ مِنَ الْحَيَوَانِ يَعِيشُ فِي الْبِرِّ وَفِي الْمَاءِ بِأَيِّ الْحُكْمَيْنِ يُلْحَقُ؟ وَقِيَاسُ قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُلْحَقُ بِالَّذِي عَيْشُهُ فِيهِ غَالِبًا، وَهُوَ حَيْثُ يُولَدُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ طَيْرَ الْمَاءِ مَحْكُومٌ لَهُ بِحُكْمِ حَيَوَانِ الْبَرِّ.
وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي طَيْرِ الْمَاءِ: حَيْثُ يَكُونُ أَغْلَبُ عَيْشِهِ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي نَبَاتِ الْحَرَمِ هَلْ فِيهِ جَزَاءٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا جَزَاءَ فِيهِ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْإِثْمُ فَقَطْ؛ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ الْجَزَاءُ، فِي الدَّوْحَةِ بَقَرَةٌ، وَفِيمَا دُونَهَا شَاةٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا كَانَ مِنْ غَرْسِ الْإِنْسَانِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، وَكُلُّ مَا كَانَ نَابِتًا بِطَبْعِهِ فَفِيهِ قِيمَةٌ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ يُقَاسُ النَّبَاتُ فِي هَذَا عَلَى الْحَيَوَانِ؛ لِاجْتِمَاعِهِمَا فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا» .
فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي مَشْهُورِ مَسَائِلِ هَذَا الْجِنْسِ، فَلْنَقُلْ فِي حُكْمِ الْحَالِقِ رَأْسَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْحَلْقِ.
[الْقَوْلُ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى وَحُكْمُ الْحَالِقِ رَأْسَهُ قَبْلَ مَحَلِّ الْحَلْقِ]
ِ وَأَمَّا فِدْيَةُ الْأَذَى فَمُجْمَعٌ أَيْضًا عَلَيْهَا؛ لِوُرُودِ الْكِتَابِ بِذَلِكَ وَالسُّنَّةِ؛ أَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] . وَأَمَّا السُّنَّةُ فَحَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ «أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُحْرِمًا، فَآذَاهُ الْقَمْلُ فِي رَأْسِهِ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ لِكُلِّ إِنْسَانٍ، أَوِ انْسُكْ بِشَاةٍ.
أَيَّ ذَلِكَ فَعَلْتَ أَجْزَأَ عَنْكَ» .
وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ، وَعَلَى مَنْ لَا تَجِبُ.
وَإِذَا وَجَبَتْ فَمَا هِيَ الْفِدْيَةُ الْوَاجِبَةُ؟ وَفِي أَيِّ شَيْءٍ تَجِبُ الْفِدْيَةُ؟ وَلِمَنْ تَجِبُ، وَمَتَى تَجِبُ، وَأَيْنَ تَجِبُ؟
فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ الْفِدْيَةُ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مَنْ أَمَاطَ الْأَذَى مِنْ ضَرُورَةٍ لِوُرُودِ النَّصِّ بِذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَمَاطَهُ بِغَيْرِ ضَرُورَةٍ - فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ حَلَقَ دُونَ ضَرُورَةٍ فَإِنَّمَا عَلَيْهِ دَمٌ فَقَطْ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ مَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى أَنْ يَكُونَ مُتَعَمِّدًا؟ أَوِ النَّاسِي فِي ذَلِكَ وَالْمُتَعَمَّدُ سَوَاءٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: الْعَامِدُ فِي ذَلِكَ وَالنَّاسِي وَاحِدٌ.
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا فِدْيَةَ عَلَى النَّاسِي.
فَمَنِ اشْتَرَطَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ الضَّرُورَةَ فَدَلِيلُهُ النَّصُّ، وَمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ فَحُجَّتُهُ أَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُضْطَرِّ فَهِيَ عَلَى غَيْرِ الْمُضْطَرِّ أَوْجَبُ.
وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالنَّاسِي فَلِتَفْرِيقِ الشَّرْعِ فِي ذَلِكَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَلِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [الأحزاب: 5] ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» . وَمَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا فَقِيَاسًا عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَمْ يُفَرِّقِ الشَّرْعُ فِيهَا بَيْنَ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ.
وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِيهِ فِدْيَةُ الْأَذَى فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثُ خِصَالٍ عَلَى التَّخْيِيرِ: الصِّيَامُ، وَالْإِطْعَامُ، وَالنُّسُكُ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ [البقرة: 196] . وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْإِطْعَامَ هُوَ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ، وَأَنَّ النُّسُكَ أَقَلَّهُ شَاةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنُ، وَعِكْرِمَةَ وَنَافِعٍ - أَنَّهُمْ قَالُوا: الْإِطْعَامُ لِعَشَرَةِ مَسَاكِينَ، وَالصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ.
وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الثَّابِتُ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الصِّيَامُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ - فَقِيَاسًا عَلَى صِيَامِ التَّمَتُّعِ وَتَسْوِيَةِ الصِّيَامِ مَعَ الْإِطْعَامِ.
وَلِمَا وَرَدَ أَيْضًا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] .
وَأَمَّا كَمْ يُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مِنَ الْمَسَاكِينِ السِّتَّةِ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا النَّصُّ فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ فِي الْإِطْعَامِ فِي الْكَفَّارَاتِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمُ: الْإِطْعَامُ فِي ذَلِكَ مُدَّانِ بِمُدِّ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مِنَ الْبُرِّ نِصْفُ صَاعٍ، وَمِنَ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ وَالشَّعِيرِ صَاعٌ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَصْلُهُ فِي الْكَفَّارَاتِ.
وَأَمَّا مَا تَجِبُ فِيهِ الْفِدْيَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لِضَرُورَةِ مَرَضٍ أَوْ حَيَوَانٍ يُؤْذِيهِ فِي رَأْسِهِ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْمَرَضُ أَنْ يَكُونَ بِرَأْسِهِ قُرُوحٌ، وَالْأَذَى: الْقَمْلُ وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ عَطَاءٌ: الْمَرَضُ الصُّدَاعُ، وَالْأَذَى: الْقَمْلُ وَغَيْرُهُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا مُنِعَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ لِبَاسِ الثِّيَابِ الْمَخِيطَةِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ، أَنَّهُ إِذَا اسْتَبَاحَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، أَيْ: دَمٌ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ، أَوْ إِطْعَامٍ.
وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الضَّرَرِ وَغَيْرِهِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ.
وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُ الطِّيبِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ شَيْءٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: فِيهِ دَمٌ.
وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ مَنْعَ الْمُحْرِمِ قَصَّ الْأَظْفَارِ إِجْمَاعٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَخَذَ بَعْضَ أَظْفَارِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: إِنْ أَخَذَ وَاحِدًا أَطْعَمَ مِسْكِينًا وَاحِدًا، وَإِنْ أَخَذَ ظُفْرَيْنِ أَطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ، وَإِنْ أَخَذَ ثَلَاثًا فَعَلَيْهِ دَمٌ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُصَّهَا كُلَّهَا.
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ حَزْمٍ: يَقُصُّ الْمُحْرِمُ أَظْفَارَهُ وَشَارِبَهُ.
وَهُوَ شُذُوذٌ، وَعِنْدَهُ أَنْ لَا فِدْيَةَ إِلَّا مِنْ حَلْقِ الرَّأْسِ فَقَطْ لِلْعُذْرِ الَّذِي وَرَدَ فِيهِ النَّصُّ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى مَنْعِ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الشَّعْرِ مِنْ سَائِرِ الْجَسَدِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ فِيهِ الْفِدْيَةَ.
وَقَالَ دَاوُدُ: لَا فِدْيَةَ فِيهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَتَفَ مَنْ رَأَسَهُ الشَّعْرَةَ وَالشَّعْرَتَيْنِ أَوْ مِنْ لَحْمِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَى مَنْ نَتَفَ الشِّعْرَ الْيَسِيرَ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَاطَ بِهِ أَذًى فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَقَالَ الْحَسَنُ: فِي الشَّعْرَةِ مُدٌّ، وَفِي الشَّعْرَتَيْنِ مُدَّانِ، وَفِي الثَّلَاثَةِ دَمٌ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ صَاحِبُ مَالِكٍ: فِيمَا قَلَّ مِنَ الشَّعْرِ إِطْعَامٌ، وَفِيمَا كَثُرَ فِدْيَةٌ.
فَمَنْ فَهِمَ مِنْ مَنْعِ الْمُحْرِمِ حَلْقَ الشَّعْرِ أَنَّهُ عِبَادَةٌ سَوَّى بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ مَنْعَ النَّظَافَةِ وَالزَّيْنِ وَالِاسْتِرَاحَةِ الَّتِي فِي حَلْقِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ; لِأَنَّ الْقَلِيلَ لَيْسَ فِي إِزَالَتِهِ زَوَالُ أَذًى.
أَمَّا مَوْضِعُ الْفِدْيَةِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ أَيْنَ شَاءَ، بِمَكَّةَ وَبِغَيْرِهَا، وَإِنْ شَاءَ بِبَلَدِهِ.
وَسَوَاءٌ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ ذَبْحُ النُّسُكِ وَالْإِطْعَامُ وَالصِّيَامُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ.
وَالَّذِي عِنْدَ مَالِكٍ هَا هُنَا هُوَ نُسُكٌ وَلَيْسَ بِهَدْيٍ ; فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ: الدَّمُ وَالْإِطْعَامُ لَا يُجْزِيَانِ إِلَّا بِمَكَّةَ، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا كَانَ مِنْ دَمِهِ فَبِمَكَّةَ، وَمَا كَانَ مِنْ إِطْعَامٍ وَصِيَامٍ فَحَيْثُ شَاءَ.
وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِثْلُهُ.
وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ دَمَ الْإِطْعَامِ لَا يُجْزِئُ إِلَّا لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ اسْتِعْمَالُ قِيَاسِ دَمِ النُّسُكِ عَلَى الْهَدْيِ؛ فَمَنْ قَاسَهُ عَلَى الْهَدْيِ أَوْجَبَ فِيهِ شُرُوطَ الْهَدْيِ مِنَ الذَّبْحِ فِي الْمَكَانِ الْمَخْصُوصِ بِهِ، وَفِي مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنَّ الْهَدْيَ يَجُوزُ إِطْعَامُهُ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ.
وَالَّذِي يَجْمَعُ النُّسُكَ وَالْهَدْيَ هُوَ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِمَا مَنْفَعَةُ الْمَسَاكِينِ الْمُجَاوِرِينَ لِبَيْتِ اللَّهِ.
وَالْمُخَالِفُ يَقُولُ: إِنَّ الشَّرْعَ لَمَّا فَرَّقَ بَيْنَ اسْمِهِمَا؛ فَسَمَّى أَحَدَهُمَا نُسُكًا، وَسَمَّى الْآخَرَ هَدْيًا - وَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمَا مُخْتَلِفًا.
وَأَمَّا الْوَقْتُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا بَعْدَ إِمَاطَةِ الْأَذَى، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَدْخُلَهُ الْخِلَافُ قِيَاسًا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ.
فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ إِمَاطَةِ الْأَذَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي حَلْقِ الرَّأْسِ هَلْ هُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ؟ أَوْ هُوَ مِمَّا يُتَحَلَّلُ بِهِ مِنْهُ؟ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّهُ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ، وَأَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُمَّ، ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ! قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: وَالْمُقَصِّرِينَ» . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ لَا يَحْلِقْنَ، وَأَنَّ سَنَتَهُنَّ التَّقْصِيرُ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ نُسُكٌ يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ أَوْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: الْحِلَاقُ نُسُكٌ لِلْحَاجِّ وَلِلْمُعْتَمِرِ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، وَيَجِبُ عَلَى كُلِّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَأُحْصِرَ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ بِعُذْرٍ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا فِي الْمُحْصَرِ بِعَدُوٍّ؛ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ حِلَاقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ، وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ جَعَلَ الْحِلَاقَ أَوِ التَّقْصِيرَ نُسُكًا أَوْجَبَ فِي تَرْكِهِ الدَّمَ، وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ النُّسُكِ لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا.
[الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْمُتَمَتِّعِ]
ِ وَأَمَّا كَفَّارَةُ الْمُتَمَتِّعِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] الْآيَةَ، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْخِلَافِ.
وَالْقَوْلُ فِي هَذِهِ الْكَفَّارَةِ أَيْضًا يَرْجِعُ إِلَى تِلْكَ الْأَجْنَاسِ بِعَيْنِهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَمَا الْوَاجِبُ فِيهَا؟ وَمَتَى تَجِبُ؟ وَلِمَنْ تَجِبُ؟ وَفِي أَيِّ مَكَانٍ تَجِبُ؟
فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ فَعَلَى الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمُتَمَتِّعِ مَنْ هُوَ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْوَاجِبِ فَإِنَّ الْجُمْهُورَ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ هُوَ شَاةٌ، وَاحْتَجَّ مَالِكٌ فِي أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] ، وَمَعْلُومٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ قَدْ يَجِبُ فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ شَاةٌ، وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ إِلَى أَنَّ اسْمَ الْهَدْيِ لَا يَنْطَلِقُ إِلَّا عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَأَنَّ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] أَيْ: بَقَرَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَقَرَةٍ، وَبَدَنَةٌ أَدْوَنُ مِنْ بَدَنَةٍ.
وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَذِهِ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ فَعَلَيْهِ الصِّيَامُ، وَاخْتَلَفُوا فِي حَدِّ الزَّمَانِ الَّذِي يَنْتَقِلُ بِانْقِضَائِهِ فَرْضُهُ مِنَ الْهَدْيِ إِلَى الصِّيَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فَقَدِ انْتَقَلَ وَاجِبُهُ إِلَى الصَّوْمِ، وَإِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ وَجَدَ الْهَدْيَ فِي صَوْمِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ لَزِمَهُ، وَإِنْ وَجَدَهُ فِي صَوْمِ السَّبْعَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ نَظِيرُ مَسْأَلَةِ مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْمَاءُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُتَيَمِّمٌ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هُوَ هَلْ مَا هُوَ شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعِبَادَةِ هُوَ شَرْطٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا؟
وَإِنَّمَا فَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ؛ لِأَنَّ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامِ هِيَ عِنْدَهُ بَدَلٌ مِنَ الْهَدْيِ، وَالسَّبْعَةُ لَيْسَتْ بِبَدَلٍ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا صَامَ ثَلَاثَةَ الْأَيَّامَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ أَنَّهُ قَدْ أَتَى
بِهَا فِي مَحِلِّهَا؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 196] ، وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْعَشْرَ الْأُوَلِ مِنْ أَيَّامِ الْحَجِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ أَنْ يُهِلَّ بِالْحَجِّ، أَوْ صَامَهَا فِي أَيَّامِ مِنًى؛ فَأَجَازَ مَالِكٌ صِيَامَهَا فِي أَيَّامِ مِنًى، وَمَنْعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَقَالَ: إِذَا فَاتَتْهُ الْأَيَّامُ الْأُولَى وَجَبَ الْهَدْيُ فِي ذِمَّتِهِ.
وَمَنَعَهُ مَالِكٌ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي عَمَلِ الْحَجِّ، وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يَنْطَلِقُ اسْمُ الْحَجِّ عَلَى هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَإِنِ انْطَلَقَ فَهَلْ مِنْ شَرْطِ الْكَفَّارَةِ أَلَّا تُجْزِئَ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا؟ فَمَنْ قَالَ: لَا تُجْزِي كَفَّارَةٌ إِلَّا بَعْدَ وُقُوعِ مُوجِبِهَا - قَالَ: لَا يُجْزِي الصَّوْمُ إِلَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْحَجِّ، وَمَنْ قَاسَهَا عَلَى كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ قَالَ: يُجْزِي.
وَاتَّفَقُوا أَنَّهُ إِذَا صَامَ سَبْعَةَ الْأَيَّامَ فِي أَهْلِهِ أَجْزَأَهُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا صَامَهَا فِي الطَّرِيقِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: يُجْزِي الصَّوْمُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُجْزِي.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ الِاحْتِمَالُ الَّذِي فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: 196] فَإِنَّ اسْمَ الرَّاجِعِ يَنْطَلِقُ عَلَى مَنْ فَرَغَ مِنَ الرُّجُوعِ، وَعَلَى مَنْ هُوَ فِي الرُّجُوعِ نَفْسِهِ.
فَهَذِهِ هِيَ الْكَفَّارَةُ الَّتِي تَثْبُتْ بِالسَّمْعِ، وَهِيَ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا.
وَلَا خِلَافَ أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ بَعْدَ أَنْ شَرَعَ فِيهِ إِمَّا بِفَوْتِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ، وَإِمَّا مِنْ قِبَلِ غَلَطِهِ فِي الزَّمَانِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ جَهْلِهِ أَوْ نِسْيَانِهِ، أَوْ إِتْيَانِهِ فِي الْحَجِّ فِعْلًا مُفْسِدًا لَهُ - فَإِنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ إِذَا كَانَ حَجًّا وَاجِبًا.
وَهَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ مَعَ الْقَضَاءِ؟ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا فَهَلْ عَلَيْهِ قَضَاءٌ أَمْ لَا؟ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، لَكِنَّ الْجُمْهُورَ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ؛ لِكَوْنِ النُّقْصَانِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ مُشْعِرًا بِوُجُوبِ الْهَدْيِ، وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: لَا هَدْيَ أَصْلًا، وَلَا قَضَاءَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِي حَجٍّ وَاجِبٍ.
وَمِمَّا يَخُصُّ الْحَجَّ الْفَاسِدَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ دُونَ سَائِرِ الْعِبَادَاتِ أَنَّهُ يَمْضِي فِيهِ الْمُفْسِدُ لَهُ، وَلَا يَقْطَعُهُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا: هُوَ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ ظَاهِرُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196] . فَالْجُمْهُورُ عَمَّمُوا، وَالْمُخَالِفُونَ خَصَّصُوا قِيَاسًا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْعِبَادَاتِ إِذَا وَرَدَتْ عَلَيْهَا الْمُفْسِدَاتُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُفْسِدَ لِلْحَجِّ إِمَّا مِنَ الْأَفْعَالِ الْمَأْمُورِ بِهَا فَتَرْكُ الْأَرْكَانِ الَّتِي هِيَ شَرْطٌ فِي صِحَّتِهِ - عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ رُكْنٌ مِمَّا لَيْسَ بِرُكْنٍ -، وَإِمَّا مِنَ التُّرُوكِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا؛ فَالْجِمَاعُ وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي إِذَا وَقَعَ فِيهِ الْجِمَاعُ كَانَ مُفْسِدًا لِلْحَجِّ.
[الْقَوْلُ فِي كَفَّارَةِ الْجِمَاعِ فِي الْحَجِّ]
فَأَمَّا إِجْمَاعُهُمْ عَلَى إِفْسَادِ الْجِمَاعِ لِلْحَجِّ فَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197] ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ وَطِئَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ فَقَدْ أَفْسَدَ حَجَّهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَطِئَ مِنَ الْمُعْتَمِرِينَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ وَيَسْعَى.
وَاخْتَلَفُوا فِي فَسَادِ الْحَجِّ بِالْوَطْءِ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَقَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَبَعْدَ رَمْيِ الْجَمْرَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ الَّذِي هُوَ الْوَاجِبُ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَطِئَ قَبْلَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ
فَقَدْ فَسَدَ حَجُّهُ، وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ بَدَنَةً، وَحَجُّهُ تَامٌّ.
وَقَدْ رُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ مَالِكٍ.
وَقَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَطِئَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ - فَحَجُّهُ تَامٌّ.
وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْوَطْءَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ قَالَ الْجُمْهُورُ، وَيَلْزَمُهُ عِنْدَهُمُ الْهَدْيُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: مَنْ وَطِئَ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَسَدَ حَجُّهُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلًا يُشْبِهُ السَّلَامَ فِي الصَّلَاةِ، وَهُوَ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ الْإِفَاضَةُ، وَتَحَلُّلًا أَصْغَرَ.
وَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي إِبَاحَةِ الْجِمَاعِ تَحَلُّلَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا؟ وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ التَّحَلُّلَ الْأَصْغَرَ الَّذِي هُوَ رَمْيُ الْجَمْرَةِ يَوْمَ النَّحْرِ أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ الْحَاجُّ مِنْ كُلِّ شَيْءِ حَرُمَ عَلَيْهِ بِالْحَجِّ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ، وَقِيلَ عَنْهُ: إِلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ قَوْلِهِ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: 2] أَنَّهُ التَّحَلُّلُ الْأَكْبَرُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُعْتَمِرَ يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إِذَا طَافَ بِالْبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَلَقَ وَلَا قَصَّرَ؛ لِثُبُوتِ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ إِلَّا خِلَافًا شَاذًّا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَحِلُّ بِالطَّوَافِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَحِلُّ إِلَّا بَعْدَ الْحِلَاقِ، وَإِنْ جَامَعَ قَبْلَهُ فَسَدَتْ عُمْرَتُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي صِفَةِ الْجِمَاعِ الَّذِي يُفْسِدُ الْحَجَّ وَفِي مُقَدِّمَاتِهِ؛ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْتِقَاءَ الْخِتَانَيْنِ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَيَحْتَمِلُ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي وُجُوبِ الطُّهْرِ الْإِنْزَالَ مَعَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ فِي الْحَجِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِنْزَالِ الْمَاءِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْسِدُ الْحَجَّ إِلَّا الْإِنْزَالُ فِي الْفَرْجِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا يُوجِبُ الْحَدَّ يُفْسِدُ الْحَجَّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِنْزَالُ نَفْسُهُ يُفْسِدُ الْحَجَّ، وَكَذَلِكَ مُقَدِّمَاتُهُ مِنَ الْمُبَاشَرَةِ وَالْقُبْلَةِ.
وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ جَامَعَ دُونَ الْفَرَجِ أَنْ يَهْدِيَ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ مِرَارًا، فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَانَ عَلَيْهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَرَّرَهُ فِي مَجَالِسَ كَانَ عَلَيْهِ لِكُلِّ وَطْءٍ هَدْيٌ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يُجْزِيهِ هَدْيٌ وَاحِدٌ، وَإِنْ كَرَّرَ الْوَطْءَ مَا لَمْ يَهْدِ لِوَطْئِهِ الْأَوَّلِ.
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ الْأَقْوَالُ، إِلَّا أَنَّ الْأَشْهَرَ عَنْهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَطِئَ نَاسِيًا، فَسَوَّى مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالنِّسْيَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَى الْمَرْأَةِ هَدْيٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ طَاوَعَتْهُ فَعَلَيْهَا هَدْيٌ، وَإِنْ أَكْرَهَهَا فَعَلَيْهِ هَدْيَانِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا هَدْيٌ وَاحِدٌ، كَقَوْلِهِ فِي الْمُجَامِعِ فِي
رَمَضَانَ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُمَا إِذَا حَجَّا مِنْ قَابِلٍ تَفَرَّقَا، أَعْنِي: الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ -، وَقِيلَ: لَا يَفْتَرِقَانِ.
وَالْقَوْلُ بِأَنْ لَا يَفْتَرِقَا مَرْوِيٌّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ أَيْنَ يَفْتَرِقَانِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَفْسَدَا الْحَجَّ، وَقَالَ مَالِكٌ: يَفْتَرِقَانِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا، إِلَّا أَنْ يَكُونَا أَحْرَمَا قَبْلَ الْمِيقَاتِ.
فَمَنْ آخَذَهُمَا بِالِافْتِرَاقِ فَسَدًّا لِلذَّرِيعَةِ وَعُقُوبَةً، وَمَنْ لَمْ يُؤَاخِذْهُمَا بِهِ فَجَرْيًا عَلَى الْأَصْلِ، وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمٌ فِي هَذَا الْبَابِ إِلَّا بِسَمَاعٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْهَدْيِ الْوَاجِبِ فِي الْجِمَاعِ مَا هُوَ؟
قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ شَاةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تُجْزِئُهُ إِلَّا بَدَنَةٌ.
وَإِنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَتِ الْبَدَنَةُ دَرَاهِمَ، وَقُوِّمَتِ الدَّرَاهِمُ طَعَامًا.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، قَالَ: وَالْإِطْعَامُ وَالْهَدْيُ لَا يُجْزِي إِلَّا بِمَكَّةَ أَوْ بِمِنًى، وَالصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ نَقْصٍ دَخَلَ الْإِحْرَامَ مِنْ وَطْءٍ، أَوْ حَلْقِ شَعْرٍ، أَوْ إِحْصَارٍ - فَإِنَّ صَاحِبَهُ إِنْ لَمْ يَجِدِ الْهَدْيَ صَامَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ، وَلَا يَدْخُلُ الْإِطْعَامُ فِيهِ.
فَمَالِكٌ شَبَّهَ الدَّمَ اللَّازِمَ هَاهُنَا بِدَمِ الْمُتَمَتِّعِ، وَالشَّافِعِيُّ شَبَّهُهُ بِالدَّمِ الْوَاجِبِ فِي الْفِدْيَةِ.
وَالْإِطْعَامُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي كَفَّارَةِ الصَّيْدِ وَكَفَّارَةِ إِزَالَةِ الْأَذَى.
وَالشَّافِعِيُّ يَرَى أَنَّ الصِّيَامَ وَالْإِطْعَامَ قَدْ وَقَعَا بَدَلَ الدَّمِ فِي مَوْضِعَيْنِ، وَلَمْ يَقَعْ بَدَلَهُمَا إِلَّا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
فَقِيَاسُ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ بِهِ فِي الْإِطْعَامِ أَوْلَى، فَهَذَا مَا يَخُصُّ الْفَسَادَ بِالْجِمَاعِ.
[الْقَوْلُ فِي فَوَاتِ الْحَجِّ]
وَأَمَّا الْفَسَادُ بِفَوَاتِ الْوَقْتِ، وَهُوَ أَنْ يَفُوتَهُ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَوْمَ عَرَفَةَ - فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ إِحْرَامِهِ إِلَّا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالسَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ.
أَعْنِي أَنَّهُ يَحِلُّ وَلَا بُدَّ بِعُمْرَةٍ، وَأَنَّ عَلَيْهِ حَجَّ قَابِلٍ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ عَلَيْهِ هَدْيٌ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: عَلَيْهِ الْهَدْيُ.
وَعُمْدَتُهُمْ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَنْ حَبَسَهُ مَرَضٌ حَتَّى فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّ عَلَيْهِ الْهَدْيَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَتَحَلَّلُ بِعُمْرَةٍ، وَيَحُجُّ مِنْ قَابَلٍ، وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ.
وَحُجَّةُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْهَدْيِ إِنَّمَا هُوَ بَدَلٌ مِنَ الْقَضَاءِ، فَإِذَا كَانَ الْقَضَاءُ فَلَا هَدْيَ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ الْإِجْمَاعُ.
وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِيمَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَكَانَ قَارِنًا - هَلْ يَقْضِي حَجًّا مُفْرَدًا؟ أَوْ مَقْرُونًا بِعُمْرَةٍ؟ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يَقْضِي قَارِنًا؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا الْإِفْرَادُ ; لِأَنَّهُ قَدْ طَافَ لِعُمْرَتِهِ، فَلَيْسَ يَقْضِي إِلَّا مَا فَاتَهُ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ أَنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَى إِحْرَامِهِ ذَلِكَ إِلَى عَامٍ آخَرَ، وَهَذَا هُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّهُ أَجَازَ ذَلِكَ؛ لِيَسْقُطَ عَنْهُ الْهَدْيُ، وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ.
وَأَصْلُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ، فَمَنْ لَمْ
يَجْعَلْهُ مُحْرِمًا لَمْ يُجِزْ لِلَّذِي فَاتَهُ الْحَجُّ أَنْ يَبْقَى مُحْرِمًا إِلَى عَامٍ آخَرَ.
وَمَنْ أَجَازَ الْإِحْرَامَ فِي غَيْرِ أَيَّامِ الْحَجِّ أَجَازَ لَهُ الْبَقَاءَ مُحْرِمًا.
قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي الْكَفَّارَاتِ الْوَاجِبَةِ بِالنَّصِّ فِي الْحَجِّ، وَفِي صِفَةِ الْقَضَاءِ، وَفِي الْحَجِّ الْفَائِتِ وَالْفَاسِدِ، وَفِي صِفَةِ إِحْلَالِ مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
وَقُلْنَا قَبْلَ ذَلِكَ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، وَمَا أَلْحَقَ الْفُقَهَاءُ بِذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الْمُفْسِدِ حَجَّهُ.
وَبَقِيَ أَنْ نَقُولَ فِي الْكَفَّارَاتِ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا فِي تَرْكِ نُسُكٍ مِنْهَا مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ مِمَّا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ.
[الْقَوْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا في الحج]
الْقَوْلُ فِي الْكَفَّارَاتِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا
فَنَقُولُ: إِنَّ الْجُمْهُورَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النُّسُكَ ضَرْبَانِ: نَسُكٌّ هُوَ سُنَّةٌ مُوَكَّدَةٌ، وَنَسُكٌّ هُوَ مُرَغَّبٌ فِيهِ.
فَالَّذِي هُوَ سُنَّةٌ يَجِبُ عَلَى تَارِكِهِ الدَّمُ ; لِأَنَّهُ حَجٌّ نَاقِصٌ أَصْلُهُ الْمُتَمَتِّعُ وَالْقَارِنُ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ فَاتَهُ مِنْ نُسُكِهِ شَيْءٌ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ نَفْلٌ فَلَمْ يَرَوْا فِيهِ دَمًا، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا اخْتِلَافًا كَثِيرًا فِي تَرْكِ نُسُكِ نُسُكٍ هَلْ فِيهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ وَذَلِكَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِيهِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ؟ أَوْ نَفْلٌ؟
وَأَمَّا مَا كَانَ فَرْضًا فَلَا خِلَافَ عِنْدِهِمْ أَنْ لَا يُجْبَرَ بِالدَّمِ، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ نَفْسِهِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ فَرْضٌ؟ أَمْ لَا؟ وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ دَمًا إِلَّا حَيْثُ وَرَدَ النَّصُّ؛ لِتَرْكِهِمُ الْقِيَاسَ، وَبِخَاصَّةٍ فِي الْعِبَادَاتِ.
وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مِنَ التُّرُوكِ مَسْنُونًا، فَفُعِلَ - فَفِيهِ فِدْيَةُ الْأَذَى، وَمَا كَانَ مُرَغَّبًا فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْكِ فِعْلٍ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ؟ أَمْ لَا؟ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ لَا يُوجِبُونَ الْفِدْيَةَ إِلَّا فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمَشْهُورَ مِنِ اخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي تَرْكِ نُسُكٍ نُسُكٍ، أَعْنِي: فِي وُجُوبِ الدَّمِ، أَوْ لَا وُجُوبِهِ مِنْ أَوَّلِ الْمَنَاسِكِ إِلَى آخِرِهَا، وَكَذَلِكَ فِي فِعْلِ مَحْظُورٍ مَحْظُورٍ.
فَأَوَّلُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْمَنَاسِكِ مَنْ جَاوَزَ الْمِيقَاتِ فَلَمْ يُحْرِمْ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَا دَمَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ الدَّمُ وَإِنْ رَجَعَ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَرُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ رَجَعَ إِلَيْهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ فَعَلَيْهِ دَمٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، وَمَشْهُورُ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ رَجَعَ مُلَبِّيًا فَلَا دَمَ، وَإِنْ رَجَعَ غَيْرَ مُلَبٍّ كَانَ عَلَيْهِ الدَّمُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ فَرْضٌ، وَلَا يَجْبُرُهُ بِالدَّمِ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ غَسَلَ رَأْسَهُ بِالْخِطْمِيِّ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَفْتَدِي.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ فِي الْحَمَّامِ الْفِدْيَةَ، وَأَبَاحَهُ الْأَكْثَرُونَ.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ طَرِيقٍ ثَابِتٍ دُخُولُهُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَفْتَدِي مَنْ لَبِسَ مِنَ الْمُحْرِمِينَ مَا نُهِيَ عَنْ لِبَاسِهِ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ؛ لِعَدَمِ الْإِزَارِ هَلْ يَفْتَدِي؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَفْتَدِي.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَجِدُ إِزَارًا.
وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَ
النَّهْيُ الْمُطْلَقُ، وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يَرَ فِيهِ فِدْيَةً - حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ الْإِزَارَ، وَالْخُفُّ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ» .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ لَبِسَ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ مَعَ وُجُودِ النَّعْلَيْنِ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ.
وَالْقَوْلَانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي لُبْسِ الْمَرْأَةِ الْقُفَّازَيْنِ هَلْ فِيهِ فِدْيَةٌ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا كَثِيرًا مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَ التَّلْبِيَةَ: هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ نَسِيَ الطَّوَافَ، أَوْ نَسِيَ شَوْطًا مِنْ أَشْوَاطِهِ - أَنَّهُ يُعِيدُهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا بَلَغَ إِلَى أَهْلِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ: يُجْزِيهِ الدَّمُ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُعِيدُ، وَيَجْبُرُ مَا نَقَصَهُ، وَلَا يُجْزِيهِ الدَّمُ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ تَرَكَ الرَّمَلَ فِي ثَلَاثَةِ الْأَشْوَاطِ، وَبِالْوُجُوبِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا مَبْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ هَلْ هُوَ سُنَّةً؟ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ.
وَتَقْبِيلُ الْحَجَرِ أَوْ تَقْبِيلُ يَدِهِ بَعْدَ وَضْعِهَا عَلَيْهِ إِذَا لَمْ يَصِلِ الْحَجَرَ عِنْدَ كُلِّ مَنْ لَمْ يُوجِبِ الدَّمَ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَمَتِّعِ إِذَا تَرَكَهُ: فِيهِ دَمٌ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ نَسِيَ رَكْعَتَيِ الطَّوَافِ حَتَّى رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يَرْكَعُهُمَا مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَرْكَعُهُمَا حَيْثُ شَاءَ.
وَالَّذِينَ قَالُوا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِفَرْضٍ، اخْتَلَفُوا فِيمَنْ تَرَكَهُ، وَلَمْ تَتَمَكَّنْ لَهُ الْعَوْدَةُ إِلَيْهِ هَلْ عَلَيْهِ دَمٌ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا فَيَعُودَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ دَمٌ إِنْ لَمْ يَعُدْ، وَإِنَّمَا يَرْجِعُ عِنْدَهُمْ مَا لَمْ يَبْلُغِ الْمَوَاقِيتَ.
وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَرَهُ سُنَّةً مُؤَكَّدَةً سُقُوطُهُ عَنِ الْمَكِّيِّ وَالْحَائِضِ.
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْخِلِ الْحِجْرَ فِي الطَّوَافِ أَعَادَ مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مَكَّةَ، فَإِنْ خَرَجَ فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الطَّوَافِ الْمَشْيُ فِيهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مِنْ شَرْطِهِ كَالْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنْ عَجَزَ كَانَ كَصَلَاةِ الْقَاعِدِ، وَيُعِيدُ عِنْدَهُ أَبَدًا، إِلَّا إِذَا رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ دَمًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الرُّكُوبُ فِي الطَّوَافِ جَائِزٌ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طَافَ بِالْبَيْتِ رَاكِبًا مِنْ غَيْرِ مَرَضٍ، وَلَكِنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَشْرِفَ النَّاسُ إِلَيْهِ» . وَمَنْ لَمْ يَرَ السَّعْيَ وَاجِبًا فَعَلَيْهِ فِيهِ دَمٌ إِذَا انْصَرَفَ إِلَى بَلَدِهِ.
وَمَنْ رَآهُ تَطَوُّعًا لَمْ يُوجِبْ فِيهِ شَيْئًا.
وَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافَهُمْ أَيْضًا فِيمَنْ قَدَّمَ
السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ هَلْ فِيهِ دَمٌ إِذَا لَمْ يَعُدْ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ مَكَّةَ؟ أَمْ لَيْسَ فِيهِ دَمٌ؟ وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ عَلَى مَنْ دَفَعَ مِنْ عَرَفَةَ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إِنْ عَادَ، فَدَفَعَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ - فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ وَجَبَ عَلَيْهِ الدَّمُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ: عَلَيْهِ الدَّمُ رَجَعَ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ وَقَفَ مِنْ عَرَفَةَ بِعُرَنَةَ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا حَجَّ لَهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهِ دَمٌ.
وَسَبَبُ الِاخْتِلَافِ: هَلِ النَّهْيُ عَنِ الْوُقُوفِ بِهَا مِنْ بَابِ الْحَظْرِ؟ أَوْ مِنْ بَابِ الْكَرَاهِيَةِ؟ وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي بَابِ أَفْعَالِ الْحَجِّ إِلَى انْقِضَائِهَا كَثِيرًا مِنِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا فِي تَرْكِهِ دَمٌ، وَمَا لَيْسَ فِيهِ دَمٌ، وَإِنْ كَانَ التَّرْتِيبُ يَقْتَضِي ذِكْرَهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ، وَالْأَسْهَلُ ذِكْرُهُ هُنَالِكَ.
قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي وُجُوبِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَشُرُوطِ وُجُوبِهَا، وَمَتَى تَجِبُ؟ وَهِيَ الَّتِي تَجْرِي مَجْرَى الْمُقَدِّمَاتِ لِمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ.
وَقُلْنَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمَكَانِهَا، وَمَحْظُورَاتِهَا، وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَيْضًا مِنَ الْأَفْعَالِ فِي مَكَانٍ مَكَانٍ مِنْ أَمَاكِنِهَا، وَزَمَانٍ زَمَانٍ مِنْ أَزْمِنَتِهَا الْجُزْئِيَّةِ إِلَى انْقِضَاءِ زَمَانِهَا.
ثُمَّ قُلْنَا فِي أَحْكَامِ التَّحَلُّلِ الْوَاقِعِ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمَا يَقْبَلُ مِنْ ذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بِالْكَفَّارَاتِ، وَمَا لَا يَقْبَلُ الْإِصْلَاحَ بَلْ يُوجِبُ الْإِعَادَةَ.
وَقُلْنَا أَيْضًا فِي حُكْمِ الْإِعَادَةِ بِحَسَبِ مُوجِبَاتِهَا.
وَفِي هَذَا الْبَابِ يَدْخُلُ مَنْ شَرَعَ فِيهَا، فَأُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.
وَالَّذِي بَقِيَ مِنْ أَفْعَالِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ هُوَ الْقَوْلُ فِي الْهَدْيِ، وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْعِبَادَاتِ هُوَ جُزْءٌ مِنْ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُفْرَدَ بِالنَّظَرِ فَلْنَقُلْ فِيهِ.
[الْقَوْلُ فِي الْهَدْيِ]
فَنَقُولُ: إِنَّ النَّظَرَ فِي الْهَدْيِ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْرِفَةِ وُجُوبِهِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ جِنْسِهِ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ سِنِّهِ، وَكَيْفِيَّةِ سَوْقِهِ، وَمِنْ أَيْنَ يُسَاقُ؟ وَإِلَى أَيْنَ يَنْتَهِي بِسَوْقِهِ؟ وَهُوَ مَوْضِعُ نَحْرِهِ، وَحُكْمُ لَحْمِهِ بَعْدَ النَّحْرِ.
فَنَقُولُ: إِنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْهَدْيَ الْمَسُوقَ فِي هَذِهِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ وَاجِبٌ، وَمِنْهُ تَطَوُّعٌ؛ فَالْوَاجِبُ مِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ بِالنَّذْرِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ، وَمِنْهُ مَا هُوَ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ كَفَّارَةٌ.
فَأَمَّا مَا هُوَ وَاجِبٌ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ فَهُوَ هَدْيُ الْمُتَمَتِّعِ بِاتِّفَاقٍ، وَهَدْيُ الْقَارِنِ بِاخْتِلَافٍ.
وَأَمَّا الَّذِي هُوَ كَفَّارَةٌ فَهَدْيُ الْقَضَاءِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِيهِ الْهَدْيَ، وَهَدْيُ كَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَهَدْيُ إِلْقَاءِ الْأَذَى وَالتَّفَثِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْهَدْيِ الَّذِي قَاسَهُ الْفُقَهَاءُ فِي الْإِخْلَالِ بِنُسُكٍ نُسُكٍ مِنْهَا عَلَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
فَأَمَّا جِنْسُ الْهَدْيِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْهَدْيُ إِلَّا مِنَ الْأَزْوَاجِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا، وَأَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْهَدَايَا هِيَ الْإِبِلُ، ثُمَّ الْبَقَرُ، ثُمَّ الْغَنَمُ، ثُمَّ الْمَعْزُ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الضَّحَايَا.
وَأَمَّا الْأَسْنَانُ فَإِنَّهُمْ أَجْمَعُوا أَنَّ الثَّنِيَّ فَمَا فَوْقَهُ يُجْزِي مِنْهَا، وَأَنَّهُ لَا يُجْزِي الْجَذَعُ مِنَ
الْمَعْزِ فِي الضَّحَايَا وَالْهَدَايَا؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - لِأَبِي بُرْدَةَ: «تُجْزِي عَنْكَ، وَلَا تُجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ» .
وَاخْتَلَفُوا فِي الْجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ، فَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ بِجَوَازِهِ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا.
وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ: لَا يُجْزِي فِي الْهَدَايَا إِلَّا الثَّنِيُّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ، وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْأَغْلَى ثَمَنًا مِنَ الْهَدَايَا أَفْضَلُ.
وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ لِبَنِيهِ: يَا بَنِيَّ، لَا يُهْدِيَنَّ أَحَدُكُمْ لِلَّهِ مِنَ الْهَدْيِ شَيْئًا يَسْتَحْيِي أَنْ يُهْدِيَهُ لِكَرِيمِهِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ الْكُرَمَاءِ وَأَحَقُّ مَنِ اخْتِيرَ لَهُ.
«وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فِي الرِّقَابِ، وَقَدْ قِيلَ لَهُ أَيُّهَا أَفْضَلُ فَقَالَ: " أَغْلَاهَا ثَمَنًا، وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا» . وَلَيْسَ فِي عَدَدِ الْهَدْيِ حَدٌّ مَعْلُومٌ، وَكَانَ هَدْيُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةً.
وَأَمَّا كَيْفِيَّةُ سَوْقِ الْهَدْيِ فَهُوَ التَّقْلِيدُ وَالْإِشْعَارُ بِأَنَّهُ هَدْيٌ؛ «لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خَرَجَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الْهَدْيَ، وَأَشْعَرَهُ، وَأَحْرَمَ» . وَإِذَا كَانَ الْهَدْيُ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُقَلَّدُ نَعْلًا أَوْ نَعْلَيْنِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَجِدِ النِّعَالَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْلِيدِ الْغَنَمِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقَلَّدُ الْغَنَمُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُدُ: تُقَلَّدُ ; لِحَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَهْدَى إِلَى الْبَيْتِ مَرَّةً غَنَمًا، فَقَلَّدَهُ» .
وَاسْتَحَبُّوا تَوْجِيهَهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فِي حِينِ تَقْلِيدِهِ، وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ الْإِشْعَارَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ؛ لِمَا رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إِذَا أَهْدَى هَدْيًا مِنَ الْمَدِينَةِ قَلَّدَهُ وَأَشْعَرَهُ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، قَلَّدَهُ قَبْلَ أَنْ يُشْعِرَهُ، وَذَلِكَ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مُوَجَّهٌ لِلْقِبْلَةِ.
يُقَلِّدُهُ بِنَعْلَيْنِ، وَيُشْعِرُهُ مِنَ الشِّقِّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ يُسَاقُ مَعَهُ حَتَّى يُوقِفَ بِهِ مَعَ النَّاسِ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ يَدْفَعُ بِهِ مَعَهُمْ إِذَا دَفَعُوا.
وَإِذَا قَدِمَ مِنًى غَدَاةَ النَّحْرِ نَحَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ، وَكَانَ هُوَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ بِيَدِهِ يَصُفُّهُنَّ قِيَامًا، وَيُوَجِّهُهُنَّ لِلْقِبْلَةِ، ثُمَّ يَأْكُلُ وَيُطْعِمُ.
وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ الْإِشْعَارَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِبُدُنِهِ فَأَشْعَرَهَا مِنْ صَفْحَةِ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ، ثُمَّ سَلَتَ الدَّمَ عَنْهَا، وَقَلَّدَهَا بِنَعْلَيْنِ، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ.
فَلَمَّا اسْتَوَتْ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَّلَ بِالْحَجِّ» .
وَأَمَّا مِنْ أَيْنَ يُسَاقُ الْهَدْيُ؟ فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى أَنَّ مِنْ سُنَّتِهِ أَنْ يُسَاقَ مِنَ الْحِلِّ، وَلِذَلِكَ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنِ اشْتَرَى الْهَدْيَ بِمَكَّةَ، وَلَمْ يُدْخِلْهُ مِنَ الْحِلِّ - أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَعَلَيْهِ الْبَدَلُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ أَدْخَلَهُ مِنَ الْحِلِّ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ: وُقُوفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ سُنَّةٌ، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ لَمْ يَقِفْهُ، كَانَ دَاخِلًا مِنَ الْحِلِّ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ تَوْقِيفُ الْهَدْيِ بِعَرَفَةَ مِنَ السُّنَّةِ.
وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي إِدْخَالِ الْهَدْيِ مِنَ الْحِلِّ إِلَى الْحَرَمِ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَذَلِكَ فَعَلَ، وَقَالَ: «خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّعْرِيفُ سُنَّةٌ مِثْلُ التَّقْلِيدِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ التَّعْرِيفُ بِسُنَّةٍ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ لِأَنَّ مَسْكَنَهُ كَانَ خَارِجَ الْحَرَمِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ التَّخْيِيرُ فِي تَعْرِيفِ الْهَدْيِ أَوْ لَا تَعْرِيفِهِ.
وَأَمَّا مَحِلُّهُ فَهُوَ الْبَيْتُ الْعَتِيقُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 33] ، وَقَالَ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْكَعْبَةَ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ فِيهَا ذَبْحٌ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ، وَأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]- أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النَّحْرَ بِمَكَّةَ إِحْسَانًا مِنْهُ لِمَسَاكِينِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ.
وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: إِنَّمَا الْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]- مَكَّةُ، وَكَانَ لَا يُجِيزُ لِمَنْ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي الْحَرَمِ إِلَّا أَنْ يَنْحَرَهُ بِمَكَّةَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ نَحَرَهُ فِي غَيْرِ مَكَّةَ مِنَ الْحَرَمِ أَجْزَأَهُ.
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: يَجُوزُ نَحْرُ الْهَدْيِ حَيْثُ شَاءَ الْمُهْدِي إِلَّا هَدْيَ الْقِرَانِ وَجَزَاءَ الصَّيْدِ فَإِنَّهُمَا لَا يُنْحَرَانِ إِلَّا بِالْحَرَمِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّحْرُ بِمِنًى إِجْمَاعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَفِي الْعُمْرَةِ بِمَكَّةَ، إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ نَحْرِ الْمُحْصَرِ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ: إِنْ نَحَرَ لِلْحَجِّ بِمَكَّةَ، وَالْعُمْرَةِ بِمِنًى - أَجْزَأَهُ.
وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النَّحْرُ بِالْحَرَمِ إِلَّا بِمَكَّةَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «وَكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ وَطُرُقِهَا مَنْحَرٌ» . وَاسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ هَدْيَ الْفِدْيَةِ، فَأَجَازَ ذَبْحَهُ بِغَيْرِ مَكَّةَ.
وَأَمَّا مَتَى يَنْحَرُ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: إِنْ ذَبَحَ هَدْيَ التَّمَتُّعِ أَوِ التَّطَوُّعِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ لَمْ يُجْزِهِ.
وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي التَّطَوُّعِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ فِي كِلَيْهِمَا قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ.
وَلَا خِلَافَ عِنْدِ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَا عُدِلَ مِنَ الْهَدْيِ بِالصِّيَامِ أَنَّهُ يَجُوزُ حَيْثُ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِي ذَلِكَ لَا لِأَهْلِ الْحَرَمِ، وَلَا لِأَهْلِ مَكَّةَ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الصَّدَقَةِ الْمَعْدُولَةِ عَنِ الْهَدْيِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ وَالْحَرَمِ؛ لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ لَهُمْ.
وَقَالَ مَالِكٌ: الْإِطْعَامُ
كَالصِّيَامِ يَجُوزُ بِغَيْرِ مَكَّةَ.
وَأَمَّا صِفَةُ النَّحْرِ فَالْجُمْهُورُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ مُسْتَحَبَّةٌ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا زَكَاةٌ، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّ مَعَ التَّسْمِيَةِ التَّكْبِيرَ.
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَلِيَ نَحْرَ هَدْيِهِ بِيَدِهِ، وَإِنِ اسْتَخْلَفَ جَازَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي هَدْيِهِ.
وَمِنْ سُنَّتِهَا أَنْ تُنْحَرَ قِيَامًا؛ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: 36] . وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي صِفَةِ النَّحْرِ فِي كِتَابِ الذَّبَائِحِ.
وَأَمَّا مَا يَجُوزُ لِصَاحِبِ الْهَدْيِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهِ وَبِلَحْمِهِ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ مَسَائِلَ مَشْهُورَةً، أَحَدُهَا هَلْ يَجُوزُ لَهُ رُكُوبُ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ أَوِ التَّطَوُّعِ؟ فَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى أَنَّ رُكُوبَهُ جَائِزٌ مِنْ ضَرُورَةٍ وَمِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، وَبَعْضُهُمْ أَوْجَبَ ذَلِكَ، وَكَرِهَ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ رُكُوبَهَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ.
وَالْحُجَّةُ لِلْجُمْهُورِ مَا خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رُكُوبِ الْهَدْيِ - فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا» ". وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ الِانْتِفَاعَ بِمَا قُصِدَ بِهِ الْقِرْبَةُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَنْعُهُ مَفْهُومٌ مِنَ الشَّرِيعَةِ.
وَحُجَّةُ أَهْلِ الظَّاهِرِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فَقَالَ: ارْكَبْهَا! فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا هَدْيٌ! فَقَالَ: ارْكَبْهَا ... وَيْلَكَ فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ» .
وَأَجْمَعُوا أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهُ صَاحِبُهُ كَسَائِرِ النَّاسِ، وَأَنَّهُ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ.
وَزَادَ دَاوُدُ: وَلَا يُطْعِمُ مِنْهُ شَيْئًا أَهْلَ رُفْقَتِهِ؛ " لِمَا ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ بِالْهَدْيِ مَعَ نَاجِيَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَقَالَ لَهُ: إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَانْحَرْهُ، ثُمَّ اصْبُغْ نَعْلَيْهِ فِي دَمِهِ، وَخَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا الْحَدِيثُ، فَزَادَ فِيهِ «وَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ أَنْتَ، وَلَا أَهْلُ رُفْقَتِكَ» . وَقَالَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي ما يَجِبُ عَلَى مَنْ أَكَلَ مِنْهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَكَلَ مِنْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بَدَلُهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ: عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا أَكَلَ، أَوْ أَمَرَ بِأَكْلِهِ طَعَامًا يَتَصَدَّقُ بِهِ.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَمَا عَطِبَ فِي الْحَرَمِ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ مَكَّةَ فَهَلْ بَلَغَ مَحِلَّهُ؟ أَمْ لَا؟ فِيهِ الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ هَلِ الْمَحِلُّ هُوَ مَكَّةُ أَوِ الْحَرَمُ؟ وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ إِذَا عَطِبَ قَبْلَ مَحِلِّهِ فَإِنَّ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ لَهُ بَيْعَ لَحْمِهِ، وَأَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ فِي الْبَدَلِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْأَكْلِ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِذَا بَلَغَ مَحِلَّهُ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ كُلِّهِ، وَلَحْمُهُ كُلُّهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَكَذَلِكَ جِلُّهُ إِنْ كَانَ مُجَلَّلًا، وَالنَّعْلُ الَّذِي قُلِّدَ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُؤْكَلُ مِنْ كُلِّ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِلَّا جَزَاءَ الصَّيْدِ، وَنَذْرَ الْمَسَاكِينِ، وَفِدْيَةَ الْأَذَى.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُؤْكَلُ مِنَ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِلَّا هَدْيَ الْمُتْعَةِ، وَهَدْيَ الْقِرَانِ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ تَشْبِيهُ جَمِيعِ أَصْنَافِ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ بِالْكَفَّارَةِ، وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ فَلِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْهَدْيِ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ عِبَادَةٌ مُبْتَدَأَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ كَفَّارَةٌ.
وَأَحَدُ الْمَعْنَيَيْنِ فِي بَعْضِهَا أَظْهَرُ؛ فَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَهُ بِالْعِبَادَةِ عَلَى شَبَهِهِ بِالْكَفَّارَةِ فِي نَوْعٍ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَدْيِ كَهَدْيِ الْقِرَانِ وَهَدْيِ التَّمَتُّعِ، وَبِخَاصَّةٍ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ أَفْضَلُ - لَمْ يَشْتَرِطْ أَنْ لَا يَأْكُلَ؛ لِأَنَّ هَذَا الْهَدْيَ عِنْدَهُ هُوَ فَضِيلَةٌ لَا كَفَّارَةٌ تَدْفَعُ الْعُقُوبَةَ.
وَمَنْ غَلَّبَ شَبَهَهُ بِالْكَفَّارَةِ قَالَ: لَا يَأْكُلُهُ؛ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ صَاحِبُ الْكَفَّارَةِ مِنَ الْكَفَّارَةِ.
وَلَمَّا كَانَ هَدْيُ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَفِدْيَةُ الْأَذَى ظَاهِرٌ مِنْ أَمْرِهِمَا أَنَّهُمَا كَفَّارَةٌ لَمْ يَخْتَلِفْ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا.
قَالَ الْقَاضِي: فَقَدْ قُلْنَا فِي حُكْمِ الْهَدْيِ، وَفِي جِنْسِهِ، وَفِي سِنِّهِ، وَكَيْفِيَّةِ سَوْقِهِ، وَشُرُوطِ صِحَّتِهِ مِنَ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ، وَصِفَةِ نَحْرِهِ، وَحُكْمِ الِانْتِفَاعِ بِهِ.
وَذَلِكَ مَا قَصَدْنَاهُ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ.
وَبِتَمَامِ الْقَوْلِ فِي هَذَا بِحَسَبِ تَرْتِيبنَا تَمَّ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِحَسَبِ غَرَضِنَا، وَلِلَّهِ الشُّكْرُ وَالْحَمْدُ كَثِيرًا عَلَى مَا وَفَّقَ وَهَدَى وَمَنَّ بِهِ مِنَ التَّمَامِ وَالْكَمَالِ.
وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْهُ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ التَّاسِعَ مِنْ جُمَادَى الْأُولَى الَّذِي هُوَ عَامُ أَرْبَعَةٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ، وَهُوَ جُزْءٌ مِنْ كِتَابِ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي وَضَعْتُهُ مُنْذُ أَزْيَدَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا أَوْ نَحْوِهَا، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
كَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَزَمَ حِينَ تَأْلِيفِ الْكِتَابِ أَوَّلًا أَلَّا يُثْبِتَ كِتَابَ الْحَجِّ، ثُمَّ بَدَا لَهُ بَعْدُ فَأَثْبَتَهُ.
[كِتَابُ الْجِهَادِ]
[الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي مَعْرِفَةِ أَرْكَانِ الْحَرْبِ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الجهاد]
كِتَابُ الْجِهَادِ وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذَا الْبَابِ يَنْحَصِرُ فِي جُمْلَتَيْنِ:
الْجُمْلَةِ الْأُولَى فِي مَعْرِفَةِ أَرْكَانِ الْحَرْبِ.
الثَّانِيَةِ: فِي أَحْكَامِ أَمْوَالِ الْمُحَارِبِينَ إِذَا تَمَلَّكَهَا الْمُسْلِمُونَ.
الْجُمْلَةُ الْأُولَى
وَفِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ فُصُولٌ سَبْعَةٌ:
أَحَدُهَا: مَعْرِفَةُ حُكْمِ هَذِهِ الْوَظِيفَةِ، وَلِمَنْ تَلْزَمُ.
وَالثَّانِي: مَعْرِفَةُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ.
وَالثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ فِي صِنْفٍ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ أَهْلِ الْحَرْبِ مِمَّا لَا يَجُوزُ.
وَالرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ جَوَازِ شُرُوطِ الْحَرْبِ.
وَالْخَامِسُ: مَعْرِفَةُ الْعَدَدِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ عَنْهُمْ.
وَالسَّادِسُ: هَلْ تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ؟
وَالسَّابِعُ: لِمَاذَا يُحَارَبُونَ؟
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ هَذِهِ الْوَظِيفَةِ
فَأَمَّا حُكْمُ هَذِهِ الْوَظِيفَةِ فَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لَا فَرْضُ عَيْنٍ، إِلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَسَنِ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهَا تَطَوُّعٌ.
وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ لِكَوْنِهِ فَرْضًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] الْآيَةَ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ، أَعْنِي: إِذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ عَنِ الْبَعْضِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: 122] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: ﴿وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [النساء: 95] ، وَلَمْ يَخْرُجْ قَطُّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْغَزْوِ إِلَّا وَتَرَكَ بَعْضَ النَّاسِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ كَوْنَ هَذِهِ الْوَظِيفَةِ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ.
وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ فَهُمُ الرِّجَالُ الْأَحْرَارُ الْبَالِغُونَ الَّذِينَ يَجِدُونَ بِمَا يَغْزُونَ الْأَصِحَّاءُ لَا الْمَرْضَى وَلَا الزَّمْنَى، وَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِيهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلا عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ [الفتح: 17] ، وَقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: 91] الْآيَةَ.
وَأَمَّا كَوْنُ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ تَخْتَصُّ بِالْأَحْرَارِ فَلَا أَعْلَمُ فِيهَا خِلَافًا.
وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ إِذْنُ الْأَبَوَيْنِ فِيهَا، إِلَّا أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ فَرْضَ عَيْنٍ مِثْلَ أنْ لَا يَكُونَ هُنَالِكَ مَنْ يَقُومُ بِالْفَرْضِ إِلَّا بِقِيَامِ الْجَمِيعِ بِهِ.
وَالْأَصْلُ فِي هَذَا مَا ثَبَتَ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إِنِّي أُرِيدُ الْجِهَادَ، قَالَ: أَحَيٌّ وَالِدَاكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ» . وَاخْتَلَفُوا فِي إِذْنِ الْأَبَوَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي إِذْنِ الْغَرِيمِ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَقَدْ سَأَلَهُ الرَّجُلُ: «أَيُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ إِنْ مُتُّ صَابِرًا مُحْتَسِبًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، إِلَّا الدَّيْنَ، كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيلُ آنِفًا» . وَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَبِخَاصَّةٍ إِذَا تَخَلَّفَ وَفَاءٌ مِنْ دَيْنِهِ.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الَّذِينَ يُحَارَبُونَ]
َ فَأَمَّا الَّذِينَ يُحَارَبُونَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُمْ جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39] ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْحَبَشَةِ بِالْحَرْبِ وَلَا التَّرْكُ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «ذَرُوا الْحَبَشَةَ مَا وَذَرَتْكُمْ» . وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ صِحَّةِ هَذَا الْأَثَرِ، فَلَمْ يَعْتَرِفْ بِذَلِكَ، لَكِنْ قَالَ: لَمْ يَزَلِ النَّاسُ يَتَحَامَوْنَ غَزْوَهُمْ.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ بِالْعَدُوِّ]
وَأَمَّا مَا يَجُوزُ مِنَ النِّكَايَةِ بِالْعَدُوِّ فَإِنَّ النِّكَايَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَكُونَ فِي الْأَمْوَالِ، أَوْ فِي النُّفُوسِ، أَوْ فِي الرِّقَابِ، أَعْنِي: الِاسْتِعْبَادَ وَالتَّمَلُّكَ.
فَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي هِيَ الِاسْتِعْبَادُ فَهِيَ جَائِزَةٌ بِطَرِيقِ الْإِجْمَاعِ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُشْرِكِينَ، أَعْنِي: ذُكْرَانَهُمْ وَإِنَاثَهُمْ وَشُيُوخَهُمْ وَصِبْيَانَهُمْ صِغَارَهُمْ وَكِبَارَهُمْ إِلَّا الرُّهْبَانَ.
فَإِنَّ قَوْمًا رَأَوْا أَنْ يُتْرَكُوا وَلَا يُؤْسَرُوا، بَلْ يُتْرَكُوا دُونَ أَنْ يُعْرَضَ إِلَيْهِمْ لَا بِقَتْلٍ وَلَا بِاسْتِعْبَادٍ ; لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «فَذَرُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَيْهِ» . وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ أَبِي بَكْرٍ.
وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ فِي الْأُسَارَى فِي خِصَالٍ: مِنْهَا أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، وَمِنْهَا أَنْ يَسْتَعْبِدَهُمْ، وَمِنْهَا أَنْ يَقْتُلَهُمْ، وَمِنْهَا أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمُ الْفِدَاءَ، وَمِنْهَا أَنْ يَضْرِبَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ الْأَسِيرِ.
وَحَكَى الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ أَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ تَعَارُضُ الْآيَةِ فِي هَذَا الْمَعْنَى وَتَعَارُضُ الْأَفْعَالِ، وَمُعَارَضَةُ ظَاهِرِ الْكِتَابِ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَذَلِكَ أَنَّ ظَاهِرَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: 4] الْآيَةَ - أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِمَامِ بَعْدَ الْأَسْرِ إِلَّا الْمَنُّ أَوِ الْفِدَاءُ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67] الْآيَةَ.
وَالسَّبَبُ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ أَفْضَلُ مِنَ الِاسْتِعْبَادِ.
وَأَمَّا هُوَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَدَ قَتَلَ الْأُسَارَى فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ، وَقَدْ مَنَّ وَاسْتَعْبَدَ النِّسَاءَ.
وَقَدْ حَكَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَعْبِدْ أَحْرَارَ ذُكُورِ الْعَرَبِ، وَأَجْمَعَتِ الصَّحَابَةُ بَعْدَهُ عَلَى اسْتِعْبَادِ أَهْلِ الْكِتَابِ ذُكْرَانِهِمْ وَإِنَاثِهِمْ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْآيَةَ الْخَاصَّةَ بِفِعْلِ الْأُسَارَى نَاسِخَةً لِفِعْلِهِ قَالَ: لَا يُقْتَلُ الْأَسِيرُ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْآيَةَ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ لِقَتْلِ الْأَسِيرِ وَلَا الْمَقْصُودُ مِنْهَا حَصْرُ مَا يُفْعَلُ بِالْأُسَارَى، بَلْ فَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَهُوَ حُكْمٌ زَائِدٌ عَلَى مَا فِي الْآيَةِ، وَيَحُطُّ الْعُتْبَ الَّذِي وَقَعَ فِي تَرْكِ قَتْلِ أُسَارَى بَدْرٍ - قَالَ: بِجَوَازِ قَتْلِ الْأَسِيرِ.
وَالْقَتْلُ إِنَّمَا يَجُوزُ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ بَعْدَ تَأْمِينٍ، وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَنْ يَجُوزُ تَأْمِينُهُ مِمَّنْ لَا يَجُوزُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ تَأْمِينِ الْإِمَامِ.
وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ أَمَانِ الرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ يَرَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى إِذْنِ الْإِمَامِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَمَانِ الْعَبْدِ وَأَمَانِ الْمَرْأَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ، وَكَانَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ يَقُولَانِ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِذْنِ الْإِمَامِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ أَمَانُ الْعَبْدِ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْقِيَاسِ؛ أَمَّا الْعُمُومُ فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» فَهَذَا يُوجِبُ أَمَانَ الْعَبْدِ بِعُمُومِهِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لَهُ فَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْكَمَالُ، وَالْعَبْدُ نَاقِصٌ بِالْعُبُودِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْعُبُودِيَّةِ تَأْثِيرٌ فِي إِسْقَاطِهِ قِيَاسًا عَلَى تَأْثِيرِهَا فِي إِسْقَاطِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَأَنْ يُخَصَّصَ ذَلِكَ الْعُمُومُ بِهَذَا الْقِيَاسِ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَمَانِ الْمَرْأَةِ فَسَبَبُهُ اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» . وَقِيَاسُ الْمَرْأَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى الرَّجُلِ.
وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ فَهِمَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمَّ هَانِئٍ» إِجَازَةَ أَمَانِهَا لَا صِحَّتَهُ فِي نَفْسِهِ، وَأَنَّهُ لَوْلَا إِجَازَتُهُ لِذَلِكَ لَمْ يُؤَثِّرْ - قَالَ: لَا أَمَانَ لِلْمَرْأَةِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْإِمَامُ.
وَمَنْ فَهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ إِمْضَاءَهُ أَمَانَهَا كَانَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدِ انْعَقَدَ وَأُثِرَ، لَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ إِجَازَتَهُ هِيَ الَّتِي صَحَّحَتْ عَقْدَهُ - قَالَ: أَمَانُ الْمَرْأَةِ جَائِزٌ.
وَكَذَلِكَ مَنْ قَاسَهَا عَلَى الرَّجُلِ، وَلَمْ يَرَ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فِي ذَلِكَ - أَجَازَ أَمَانَهَا، وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا نَاقِصَةٌ عَنِ الرَّجُلِ لَمْ يُجِزْ أَمَانَهَا.
وَكَيْفَمَا كَانَ فَالْأَمَانُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي الِاسْتِعْبَادِ، وَإِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي الْقَتْلِ.
وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ نُدْخِلَ الِاخْتِلَافَ فِي هَذَا مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِهِمْ فِي أَلْفَاظِ جُمُوعِ الْمُذَكَّرِ هَلْ تَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ؟ أَمْ لَا؟ أَعْنِي: بِحَسَبِ الْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ.
وَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي النُّفُوسِ فَهِيَ الْقَتْلُ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الْحَرْبِ قَتْلُ الْمُشْرِكِينَ الذُّكْرَانَ الْبَالِغِينَ الْمُقَاتِلِينَ.
وَأَمَّا الْقَتْلُ بَعْدَ الْأَسْرِ فَفِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا.
وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ صِبْيَانِهِمْ وَلَا قَتْلُ نِسَائِهِمْ مَا لَمْ تُقَاتِلِ الْمَرْأَةُ وَالصَّبِيُّ، فَإِذَا قَاتَلَتِ الْمَرْأَةُ اسْتُبِيحَ دَمُهَا، وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ» ، وَقَالَ فِي امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ: «مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ» .
وَاخْتَلَفُوا فِي أَهْلِ الصَّوَامِعِ الْمُنْتَزِعِينَ عَنِ النَّاسِ، وَالْعُمْيَانِ وَالزَّمْنَى وَالشُّيُوخِ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ، وَالْمَعْتُوهِ وَالْحَرَّاثِ وَالْعَسِيفِ؛ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْتَلُ الْأَعْمَى وَلَا الْمَعْتُوهُ وَلَا أَصْحَابُ الصَّوَامِعِ، وَيُتْرَكُ لَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِقَدْرِ مَا يَعِيشُونَ بِهِ.
وَكَذَلِكَ لَا يُقْتَلُ الشَّيْخُ الْفَانِي عِنْدَهُ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ: لَا تُقْتَلُ الشُّيُوخُ فَقَطْ.
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا تُقْتَلُ الْحُرَّاثُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأَصَحِّ عَنْهُ: تُقْتَلُ جَمِيعُ هَذِهِ الْأَصْنَافِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ بَعْضِ الْآثَارِ بِخُصُوصِهَا لِعُمُومِ الْكِتَابِ، وَلِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الثَّابِتُ «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ اللَّهُ» الْحَدِيثَ، وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5]
يَقْتَضِي قَتْلَ كُلِّ مُشْرِكٍ رَاهِبًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» .
وَأَمَّا الْآثَارُ الَّتِي وَرَدَتْ بِاسْتِبْقَاءِ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «كَانَ إِذَا بَعَثَ جُيُوشَهُ قَالَ: لَا تَقْتُلُوا أَصْحَابَ الصَّوَامِعِ» ".
وَمِنْهَا أَيْضًا مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا، وَلَا طِفْلًا صَغِيرًا، وَلَا امْرَأَةً.
وَلَا تَغُلُّوا» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَمِنْ ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: " سَتَجِدُونَ قَوْمًا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ فَدَعُوهُمْ وَمَا حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لَهُ "، وَفِيهِ: " وَلَا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً وَلَا صَبِيًّا وَلَا كَبِيرًا هَرِمًا ".
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ السَّبَبُ الْأَمْلَكُ فِي الِاخْتِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُعَارَضَةَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190] ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] الْآيَةَ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ هَذِهِ نَاسِخَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190] ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ أَوَّلًا إِنَّمَا أُبِيحَ لِمَنْ يُقَاتِلُ - قَالَ: الْآيَةُ عَلَى عُمُومِهَا.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [البقرة: 190] ، وَهِيَ مُحْكَمَةٌ، وَأَنَّهَا تَتَنَاوَلُ هَؤُلَاءِ الْأَصْنَافَ الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ - اسْتَثْنَاهَا مِنْ عُمُومِ تِلْكَ.
وَقَدِ احْتَجَّ الشَّافِعِيُّ بِحَدِيثِ سَمُرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «اقْتُلُوا شُيُوخَ الْمُشْرِكِينَ، وَاسْتَحْيُوا شِرْخَهُمْ» . وَكَأَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِلْقَتْلِ عِنْدَهُ إِنَّمَا هِيَ الْكُفْرُ، فَوَجَبَ أَنْ تَطَّرِدَ هَذِهِ الْعِلَّةُ فِي جَمِيعِ الْكُفَّارِ.
وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الْحَرَّاثُ فَإِنَّهُ احْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: أَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَفِيهِ: " لَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا، وَاتَّقُوا اللَّهَ فِي الْفَلَّاحِينَ ".
وَجَاءَ فِي حَدِيثِ رَبَاحِ بْنِ رَبِيعَةَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الْعَسِيفِ الْمُشْرِكِ، وَذَلِكَ «أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَمَرَّ رَبَاحٌ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى امْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، فَوَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَيْهَا ثُمَّ قَالَ: مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ! ثُمَّ نَظَرَ فِي وُجُوهِ الْقَوْمِ فَقَالَ لِأَحَدِهِمُ: الْحَقْ بِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَلَا يَقْتُلَنَّ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفًا وَلَا امْرَأَةً» .
وَالسَّبَبُ الْمُوجِبُ بِالْجُمْلَةِ لِاخْتِلَافِهِمُ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلْقَتْلِ؛ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ الْمُوجِبَةَ لِذَلِكَ هِيَ الْكُفْرُ لَمْ يَسْتَثْنِ أَحَدًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ الْعِلَّةَ فِي ذَلِكَ إِطَاقَةُ الْقَتَّالِ لِلنَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ مَعَ أَنَّهُنَّ كُفَّارٌ - اسْتَثْنَى مَنْ لَمْ يُطِقِ الْقِتَالَ، وَمَنْ لَمْ يَنْصِبْ نَفْسَهُ إِلَيْهِ كَالْفَلَّاحِ وَالْعَسِيفِ.
وَصَحَّ النَّهْيُ عَنِ الْمُثْلَةِ.
وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ قَتْلِهِمْ بِالسِّلَاحِ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ؛ فَكَرِهَ قَوْمٌ تَحْرِيقَهُمْ بِالنَّارِ، وَرَمْيَهُمْ بِهَا، وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ، وَيُرْوَى عَنْ مَالِكٍ.
وَأَجَازَ ذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنِ ابْتَدَأَ الْعَدُوَّ بِذَلِكَ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْخُصُوصِ؛ أَمَّا الْعُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ، وَلَمْ يَسْتَثْنِ قَتْلًا مِنْ قَتْلٍ.
وَأَمَّا الْخُصُوصُ فَمَا ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ فِي رَجُلٍ: «إِنْ قَدَرْتُمْ عَلَيْهِ فَاقْتُلُوهُ، وَلَا تَحْرِقُوهُ بِالنَّارِ، فَإِنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ» .
وَاتَّفَقَ عَوَّامُ الْفُقَهَاءِ عَلَى جَوَازِ رَمْيِ الْحُصُونِ بِالْمَجَانِيقِ، سَوَاءً كَانَ فِيهَا نِسَاءٌ وَذُرِّيَّةٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ؛ لِمَا جَاءَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطَّائِفِ» .
وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحِصْنُ فِيهِ أُسَارَى مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطْفَالٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يَكُفُّ عَنْ رَمْيِهِمْ بِالْمَنْجَنِيقِ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: ذَلِكَ جَائِزٌ.
وَمُعْتَمَدُ مَنْ لَمْ يُجِزْهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: 25] الْآيَةَ.
وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى الْمَصْلَحَةِ.
فَهَذَا هُوَ مِقْدَارُ النِّكَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ بِهِمْ فِي نُفُوسِهِمْ وَرِقَابِهِمْ.
وَأَمَّا النِّكَايَةُ الَّتِي تَجُوزُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَذَلِكَ فِي الْمَبَانِي وَالْحَيَوَانِ وَالنَّبَاتِ - فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ فَأَجَازَ مَالِكٌ قَطْعَ الشَّجَرَةِ وَالثِّمَارِ وَتَخْرِيبَ الْعَامِرِ، وَلَمْ يُجِزْ قَتْلَ الْمَوَاشِي وَلَا تَحْرِيقَ النَّخْلِ.
وَكَرِهَ الْأَوْزَاعِيُّ قَطْعَ الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ وَتَخْرِيبَ الْعَامِرِ كَنِيسَةً كَانَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُحَرَّقُ الْبُيُوتُ وَالشَّجَرُ إِذَا كَانَتْ لَهُمْ مَعَاقِلَ، وَكَرِهَ تَخْرِيبَ الْبُيُوتِ وَقَطْعَ الشَّجَرِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعَاقِلَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُخَالَفَةُ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، ذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ " أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «حَرَّقَ نَخْلَ بَنِي النَّضِيرِ» . وَثَبَتَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَقْطَعَنَّ شَجَرًا، وَلَا تُخَرِّبَنَّ عَامِرًا "؛ فَمَنْ ظَنَّ أَنَّ فِعْلَ أَبِي بَكْرٍ هَذَا إِنَّمَا كَانَ لِمَكَانِ
عِلْمِهِ بِنَسْخِ ذَلِكَ الْفِعْلِ مِنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؛ إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنْ يُخَالِفَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِفِعْلِهِ.
أَوْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِبَنِي النَّضِيرِ لِغَزْوِهِمْ - قَالَ بِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ.
وَمَنِ اعْتَمَدَ فِعْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلَمْ يَرَ قَوْلَ أَحَدٍ وَلَا فِعْلَهُ حُجَّةً عَلَيْهِ - قَالَ بِتَحْرِيقِ الشَّجَرِ.
وَإِنَّمَا فَرَّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالشَّجَرِ؛ لِأَنَّ قَتْلَ الْحَيَوَانِ مُثْلَةٌ، وَقَدْ نُهِيَ عَنِ الْمُثْلَةِ.
وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَتَلَ حَيَوَانًا.
فَهَذَا هُوَ مَعْرِفَةُ النِّكَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ أَنْ تَبْلُغَ مِنَ الْكُفَّارِ فِي نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي شَرْطِ الْحَرْبِ]
ِ فَأَمَّا شَرْطُ الْحَرْبِ فَهُوَ بُلُوغُ الدَّعْوَةِ بِاتِّفَاقٍ، أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حِرَابَتُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا قَدْ بَلَغَتْهُمُ الدَّعْوَةُ، وَذَلِكَ شَيْءٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: 15] .
وَأَمَّا هَلْ يَجِبُ تَكْرَارُ الدَّعْوَةِ عِنْدَ تَكْرَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا، وَمِنْهُمْ مَنِ اسْتَحَبَّهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبْهَا وَلَا اسْتَحَبَّهَا.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْقَوْلِ لِلْفِعْلِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «كَانَ إِذَا بَعَثَ سَرِيَّةً قَالَ لِأَمِيرِهَا: " إِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ، فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ إِلَيْهَا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمُ:
ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ.
ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْلِمَهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَنَّ لَهُمْ مَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهَاجِرِينَ.
فَإِنْ أَبَوْا وَاخْتَارُوا دَارَهُمْ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الَّذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ هُمْ أَبَوْا فَادْعُهُمْ إِلَى إِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ أَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكُفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ أَبَوْا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُمْ» .
وَثَبَتَ مِنْ فِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنَّهُ كَانَ يُبَيِّتُ لِلْعَدُوِّ، وَيُغِيرُ عَلَيْهِمْ مَعَ الْغَدَوَاتِ» . فَمِنَ النَّاسِ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ - مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ فِعْلَهُ نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْتَشِرَ الدَّعْوَةُ، بِدَلِيلِ دَعْوَتِهِمْ فِيهِ إِلَى الْهِجْرَةِ.
وَمِنَ النَّاسِ مَنْ رَجَّحَ الْقَوْلَ عَلَى الْفِعْلِ، وَذَلِكَ بِأَنْ حَمَلَ الْفِعْلَ عَلَى الْخُصُوصِ.
وَمَنِ اسْتَحْسَنَ الدُّعَاءَ فَهُوَ وَجْهٌ مِنَ الْجَمْعِ.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي مَعْرِفَةِ الْعَدَدِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ عَنْهُمْ]
وَأَمَّا مَعْرِفَةُ الْعَدَدِ الَّذِينَ لَا يَجُوزُ الْفِرَارُ عَنْهُمْ فَهُمُ الضِّعْفُ، وَذَلِكَ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ [الأنفال: 66] الْآيَةَ.
وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ، وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الضِّعْفَ إِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِي الْقُوَّةِ لَا فِي الْعَدَدِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَفِرَّ الْوَاحِدُ عَنْ وَاحِدِ إِذَا كَانَ أَعْتَقَ جَوَادًا مِنْهُ وَأَجْوَدَ سِلَاحًا وَأَشَدَّ قُوَّةً.
[الْفَصْلُ السَّادِسُ فِي جَوَازِ الْمُهَادِنَةِ]
فَأَمَّا هَلْ تَجُوزُ الْمُهَادَنَةُ فَإِنَّ قَوْمًا أَجَازُوهَا ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ مُصْلِحَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
وَقَوْمٌ لَمْ يُجِيزُوهَا إِلَّا لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ إِمَّا بِشَيْءٍ يَأْخُذُونَهُ مِنْهُمْ لَا عَلَى حُكْمِ الْجِزْيَةِ؛ إِذْ كَانَتِ الْجِزْيَةُ إِنَّمَا شَرْطُهَا أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُمْ، وَهُمْ بِحَيْثُ تَنْفُذُ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُسْلِمِينَ.
وَإِمَّا بِلَا شَيْءٍ يَأْخُذُونَهُ مِنْهُمْ.
وَكَانَ الْأَوْزَاعِيُّ يُجِيزُ أَنْ يُصَالِحَ الْإِمَامُ الْكُفَّارَ عَلَى شَيْءٍ يَدْفَعُهُ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الْكُفَّارِ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ فِتْنَةٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الضَّرُورَاتِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعْطِي الْمُسْلِمُونَ الْكُفَّارَ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافُوا أَنْ يُصْطَلَمُوا لِكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَقِلَّتِهِمْ، أَوْ لِمِحْنَةٍ نَزَلَتْ بِهِمْ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِإِجَازَةِ الصُّلْحِ إِذَا رَأَى الْإِمَامُ ذَلِكَ مَصْلَحَةً مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الصُّلْحُ لِأَكْثَرَ مِنَ الْمُدَّةِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْكُفَّارَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِ الصُّلْحِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: 29] ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الأنفال: 61] .
فَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الْأَمْرِ بِالْقِتَالِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ نَاسِخَةٌ لِآيَةِ الصُّلْحِ - قَالَ: لَا يَجُوزُ الصُّلْحُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الصُّلْحِ مُخَصِّصَةٌ لِتِلْكَ قَالَ: الصُّلْحُ جَائِزٌ إِذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ، وَعَضَّدَ تَأْوِيلَهُ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَلِكَ أَنَّ صُلْحَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَكُنْ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَمَّا كَانَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ الْأَمْرَ بِالْقِتَالِ حَتَّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ، وَكَانَ هَذَا مُخَصَّصًا عِنْدَهُ بِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ - لَمْ يَرَ أَنْ يُزَادَ عَلَى الْمُدَّةِ الَّتِي صَالَحَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ، فَقِيلَ: كَانَتْ أَرْبَعَ سِنِينَ، وَقِيلَ: ثَلَاثًا، وَقِيلَ: عَشْرُ سِنِينَ.
وَبِذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا مَنْ أَجَازَ أَنْ يُصَالِحَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ بِأَنْ يُعْطِيَ لَهُمُ الْمُسْلِمُونَ شَيْئًا إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ فِتْنَةٌ أَوْ غَيْرُهَا، فَمَصِيرًا إِلَى مَا رُوِيَ " أَنَّهُ كَانَ - عَلَيْهِ
الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَدْ هَمَّ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ تَمْرِ الْمَدِينَةِ لِبَعْضِ الْكُفَّارِ الَّذِينَ كَانُوا فِي جُمْلَةِ الْأَحْزَابِ لِتَخْبِيبِهِمْ، فَلَمْ يُوَافِقْهُ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي كَانَ سَمَحَ لَهُ بِهِ مِنْ تَمْرِ الْمَدِينَةِ حَتَّى أَفَاءَ اللَّهُ بِنَصْرِهِ» . وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَخَافَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يُصْطَلَمُوا فَقِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعِهِمْ عَلَى جَوَازِ فِدَاءِ أُسَارَى الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا صَارُوا فِي هَذَا الْحَدِّ فَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْأُسَارَى.
[الْفَصْلُ السَّابِعُ لِمَاذَا يُحَارَبُونَ]
َ؟ فَأَمَّا لِمَاذَا يُحَارَبُونَ فَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْمُحَارَبَةِ لِأَهْلِ الْكِتَابِ، مَا عَدَا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ قُرَيْشٍ، وَنَصَارَى الْعَرَبِ - هُوَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ، وَإِمَّا إِعْطَاءُ الْجِزْيَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] .
وَكَذَلِكَ اتَّفَقَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَخْذِهَا مِنَ الْمَجُوسِ؛ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ» . وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَى أَهْلِ الْكِتَابِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ هَلْ تُقْبَلُ مِنْهُمُ الْجِزْيَةُ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ قَوْمٌ: تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَوْمٌ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ مُشْرِكِي الْعَرَبِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِلْخُصُوصِ؛ أَمَّا الْعُمُومُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ [الأنفال: 39] . وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ» .
وَأَمَّا الْخُصُوصُ فَقَوْلُهُ لِأُمَرَاءِ السَّرَايَا الَّذِينَ كَانَ يَبْعَثُهُمْ إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ - وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ غَيْرِ أَهْلِ كِتَابٍ -: «فَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكُ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ، فَذَكَرَ الْجِزْيَةَ فِيهَا» ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْعُمُومَ إِذَا تَأَخَّرَ عَنِ الْخُصُوصِ فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ قَالَ: لَا تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ مُشْرِكٍ مَا عَدَا أَهْلَ الْكِتَابِ ; لِأَنَّ الْآيَ الْآمِرَةَ بِقِتَالِهِمْ عَلَى الْعُمُومِ هِيَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ عَامَّةً هُوَ فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٌ "، ذَلِكَ عَامَ الْفَتْحِ.
وَذَلِكَ الْحَدِيثُ إِنَّمَا هُوَ قَبْلَ الْفَتْحِ، بِدَلِيلِ دُعَائِهِمْ فِيهِ لِلْهِجْرَةِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْعُمُومَ يُبْنَى عَلَى الْخُصُوصِ تَقَدَّمَ أَوْ تَأَخَّرَ، أَوْ جَهِلَ التَّقَدُّمَ وَالتَّأَخُّرَ بَيْنَهُمَا - قَالَ: تُقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ.
وَأَمَّا تَخْصِيصُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ سَائِرِ الْمُشْرِكِينَ فَخَرَجَ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ بِاتِّفَاقٍ بِخُصُوصِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: 29] . وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي الْجِزْيَةِ وَأَحْكَامِهَا فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ.
فَهَذِهِ هِيَ أَرْكَانُ الْحَرْبِ.
وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ النَّهْيُ عَنِ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ إِلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ، وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي الْعَسَاكِرِ الْمَأْمُونَةِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلِ النَّهْيُ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ؟ أَوْ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ؟
[الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ]
[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ]
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ
وَالْقَوْلُ الْمُحِيطُ بِأُصُولِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ يَنْحَصِرُ أَيْضًا فِي سَبْعَةِ فُصُولٍ:
الْأَوَّلُ: فِي حُكْمِ الْخُمُسِ.
الثَّانِي: فِي حُكْمِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ.
الثَّالِثُ: فِي حُكْمِ الْأَنْفَالِ.
الرَّابِعُ: فِي حُكْمِ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْكُفَّارِ.
الْخَامِسُ: فِي حُكْمِ الْأَرَضِينَ.
السَّادِسُ: فِي حُكْمِ الْفَيْءِ.
السَّابِعُ: فِي أَحْكَامِ الْجِزْيَةِ وَالْمَالِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُمْ عَلَى طَرِيقِ الصُّلْحِ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي
حُكْمِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ وَاتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ الَّتِي تُؤْخَذُ قَسْرًا مِنْ أَيْدِي الرُّومِ مَا عَدَا الْأَرَضِينَ أَنَّ خُمُسَهَا لِلْإِمَامِ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِلَّذِينِ غَنِمُوهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْخُمُسِ عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ مَشْهُورَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْخُمُسَ يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ عَلَى نَصِّ الْآيَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَخْمَاسٍ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41]- هُوَ افْتِتَاحُ كَلَامٍ، وَلَيْسَ هُوَ قَسْمًا خَامِسًا.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يُقَسَّمُ الْيَوْمَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ، وَأَنَّ سَهْمَ النَّبِيِّ وَذِي الْقُرْبَى سَقَطَا بِمَوْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ: أَنَّ الْخُمُسَ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ يُعْطَى مِنْهُ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
وَالَّذِينَ قَالُوا: يُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ أَوْ خَمْسَةً - اخْتَلَفُوا فِيمَا يُفْعَلُ بِسَهْمِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَسَهْمِ الْقَرَابَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ فَقَالَ قَوْمٌ: يُرَدُّ عَلَى سَائِرِ الْأَصْنَافِ الَّذِينَ لَهُمُ الْخُمُسُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُرَدُّ عَلَى بَاقِي الْجَيْشِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْإِمَامِ، وَسَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى لِقَرَابَةِ الْإِمَامِ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُجْعَلَانِ فِي السِّلَاحِ وَالْعِدَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَرَابَةِ مَنْ هُمْ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَلِ الْخُمُسُ يُقْصَرُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ؟ أَمْ يُعَدَّى لِغَيْرِهِمْ؟ - هُوَ هَلْ ذِكْرُ تِلْكَ الْأَصْنَافِ فِي الْآيَةِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا تَعْيِينُ الْخُمُسِ لَهُمْ؟ أَمْ قَصْدُ التَّنْبِيهِ بِهِمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْخَاصُّ قَالَ: لَا يَتَعَدَّى بِالْخُمُسِ تِلْكَ الْأَصْنَافَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهَا، وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَاصِّ أُرِيدَ بِهِ الْعَامُّ قَالَ: يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهَا فِيمَا يَرَاهُ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ.
وَاحْتَجَّ مَنْ رَأَى أَنَّ سَهْمَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْإِمَامِ بَعْدَهُ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَطْعَمَ اللَّهُ نَبِيًّا طُعْمَةً فَهُوَ لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ» . وَأَمَّا مَنْ صَرَفَهُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْبَاقِينَ أَوْ عَلَى الْغَانِمِينَ فَتَشْبِيهًا بِالصِّنْفِ الْمُحَبَّسِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: الْقَرَابَةُ هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ - فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: «قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنَ الْخُمُسِ» . قَالَ: «وَإِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ صِنْفٌ وَاحِدٌ» . وَمَنْ قَالَ: بَنُو هَاشِمٍ صِنْفٌ - فَلِأَنَّهُمُ الَّذِينَ لَا يَحِلُّ لَهُمُ الصَّدَقَةُ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنَ الْخُمُسِ; فَقَالَ قَوْمٌ: الْخُمُسُ فَقَطْ.
وَلَا خِلَافَ عِنْدِهِمْ فِي وُجُوبُ الْخُمُسِ لَهُ غَابَ عَنِ الْقِسْمَةِ أَوْ حَضَرَهَا.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الْخُمُسُ وَالصَّفِيُّ
(وَهُوَ سَهْمٌ مَشْهُورٌ لَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُوَ شَيْءٌ كَانَ يَصْطَفِيهِ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ فَرَسٌ أَوْ أَمَةٌ أَوْ عَبْدٌ) . وَرُوِيَ أَنَّ صَفِيَّةَ كَانَتْ مِنَ الصَّفِيِّ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الصَّفِيَّ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِلَّا أَبَا ثَوْرٍ فَإِنَّهُ قَالَ: يَجْرِي مَجْرَى سَهْمِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي حُكْمِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ]
ِ أَجْمَعَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِلْغَانِمِينَ إِذَا خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْخَارِجِينَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ، وَفِيمَنْ يَجِبُ لَهُ سَهْمُهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَمَتَى يَجِبُ، وَكَمْ يَجِبُ، وَفِيمَا يَجُوزُ لَهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ؟
فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِلَّذِينِ غَنِمُوهَا، خَرَجُوا بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا خَرَجَتِ السَّرِيَّةُ، أَوِ الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ - فَكُلُّ مَا سَاقَ نَفْلٌ يَأْخُذُهُ الْإِمَامُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يَأْخُذُهُ كُلَّهُ الْغَانِمُ.
فَالْجُمْهُورُ تَمَسَّكُوا بِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَهَؤُلَاءِ كَأَنَّهُمُ اعْتَمَدُوا صُورَةَ الْفِعْلِ الْوَاقِعِ مِنْ ذَلِكَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ السَّرَايَا إِنَّمَا كَانَتْ تَخْرُجُ عَنْ إِذْنهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، فَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ إِذْنَ الْإِمَامَ شَرْطٌ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا مَنْ لَهُ السَّهْمُ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى الذُّكْرَانِ الْأَحْرَارِ الْبَالِغِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَضْدَادِهِمْ أَعْنِي: فِي النِّسَاءِ، وَالْعَبِيدِ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الرِّجَالِ مِمَّنْ قَارَبَ الْبُلُوغَ.
فَقَالَ قَوْمٌ: لَيْسَ لِلْعَبِيدِ، وَلَا لِلنِّسَاءِ حَظٌّ مِنَ الْغَنِيمَةِ، وَلَكِنْ يُرْضَخُ لَهُمْ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُرْضَخُ، وَلَا لَهُمْ حَظُّ الْغَانِمِينَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ لَهُمْ حَظٌّ وَاحِدٌ مِنَ الْغَانِمِينَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الصَّبِيِّ الْمُرَاهِقِ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْسَمُ لَهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.
وَمِنْهُمْ مَنِ اشْتَرَطَ فِي ذَلِكَ أَنْ يُطِيقَ الْقِتَالَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٌ.
وَمِنْهُ مَنْ قَالَ: يُرْضَخُ لَهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْعَبِيدِ هُوَ هَلْ عُمُومُ الْخِطَابِ يَتَنَاوَلُ الْأَحْرَارَ وَالْعَبِيدَ مَعًا؟ أَمِ الْأَحْرَارَ فَقَطْ دُونَ الْعَبِيدِ؟ وَأَيْضًا فَعَمَلُ الصَّحَابَةِ مُعَارِضٌ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ انْتَشَرَ فِيهِمْ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّ الْغِلْمَانَ لَا سَهْمَ لَهُمْ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُمَا.
قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَصَحُّ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ مَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ: لَيْسَ أَحَدٌ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ.
وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يُقْسَمُ لَهَا وَيُرْضَخُ بِحَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ الثَّابِتِ، قَالَتْ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنُدَاوِي الْجَرْحَى، وَنُمَرِّضُ الْمَرْضَى، وَكَانَ يَرْضَخُ لَنَا مِنَ الْغَنِيمَةِ» .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَشْبِيهِ الْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ فِي كَوْنِهَا إِذَا غَزَتْ لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْحَرْبِ؟ أَمْ لَا؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ مُبَاحٌ لَهُنَّ الْغَزْوُ، فَمَنْ شَبَّهَهُنَّ بِالرِّجَالِ أَوْجَبَ لَهُنَّ نَصِيبًا فِي الْغَنِيمَةِ.
وَمَنْ رَآهُنَّ نَاقِصَاتٍ عَنِ الرِّجَالِ فِي هَذَا الْمَعْنَى إِمَّا لَمْ يُوجِبْ لَهُنَّ شَيْئًا، وَإِمَّا أَوْجَبَ لَهُنَّ دُونَ حَظِّ الْغَانِمِينَ، وَهُوَ الْأَرْضَاخُ، وَالْأَوْلَى اتِّبَاعُ الْأَثَرِ.
وَزَعَمَ الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْهَمَ لِلنِّسَاءِ بِخَيْبَرَ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي التُّجَّارِ وَالْأُجَرَاءِ هَلْ يُسْهَمُ لَهُمْ؟ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُسْهَمُ لَهُمْ إِلَّا أَنْ يُقَاتِلُوا.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ يُسْهَمُ إِذَا شَهِدُوا الْقِتَالَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ تَخْصِيصُ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] بِالْقِيَاسِ الَّذِي يُوجِبُ الْفَرْقَ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَسَائِرِ الْغَانِمِينَ، وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ التُّجَّارَ وَالْأُجَرَاءَ حُكْمُهُمْ حُكْمُ خِلَافِ سَائِرِ الْمُجَاهِدِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَقْصِدُوا الْقِتَالَ، وَإِنَّمَا قَصَدُوا إِمَّا التِّجَارَةَ وَإِمَّا الْإِجَارَةَ - اسْتَثْنَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْعُمُومِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْعُمُومَ أَقْوَى مِنْ هَذَا الْقِيَاسِ أَجْرَى الْعُمُومَ عَلَى ظَاهِرِهِ.
وَمِنْ حُجَّةِ مَنِ اسْتَثْنَاهُمْ مَا خَرَّجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ قَالَ لِرَجُلٍ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمْ، فَقَالَ: نَعَمْ، فَوَعَدَهُ.
فَلَمَّا حَضَرَ الْخُرُوجُ دَعَاهُ فَأَبَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ، وَاعْتَذَرَ لَهُ بِأَمْرِ عِيَالهِ وَأَهْلِهِ، فَأَعْطَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُ.
فَلَمَّا هَزَمُوا الْعَدُوَّ سَأَلَ الرَّجُلُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ نَصِيبَهُ مِنَ الْمَغْنَمِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: سَأَذْكُرُ أَمْرَكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَذَكَرَهُ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " تِلْكَ الثَّلَاثَةُ دَنَانِيرَ حَظُّهُ وَنَصِيبُهُ مِنْ غَزْوِهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ وَآخِرَتِهِ» . وَخَرَّجَ مِثْلَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنَبِّهٍ.
وَمَنْ أَجَازَ لَهُ الْقَسْمَ شَبَّهَهُ بِالْجَعَائِلِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يُعِينَ أَهْلُ الدِّيوَانِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، أَعْنِي: يُعِينُ الْقَاعِدُ مِنْهُمُ الْغَازِيَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْجَعَائِلِ، فَأَجَازَهَا مَالِكٌ، وَمَنَعَهَا غَيْرُهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ مِنَ السُّلْطَانِ فَقَطْ، أَوْ إِذَا كَانَتْ ضَرُورَةً، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ لِلْمُجَاهِدِ السَّهْمُ مِنَ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا شَهِدَ الْقِتَالَ وَجَبَ لَهُ السَّهْمُ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَأَنَّهُ إِذَا جَاءَ بَعْدَ الْقِتَالِ فَلَيْسَ لَهُ سَهْمٌ فِي الْغَنِيمَةِ.
وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا لَحِقَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ وَجَبَ لَهُ حَظُّهُ مِنَ الْغَنِيمَةِ إِنِ اشْتَغَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْبَابِهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ سَبَبَانِ: الْقِيَاسُ وَالْأَثَرُ.
أَمَّا الْقِيَاسُ فَهُوَ هَلْ يُلْحَقُ تَأْثِيرُ الْغَازِي فِي الْحِفْظِ بِتَأْثِيرِهِ فِي الْأَخْذِ؟ وَذَلِكَ أَنَّ الَّذِي شَهِدَ الْقِتَالَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْأَخْذِ، أَعْنِي: فِي أَخْذِ الْغَنِيمَةِ.
وَبِذَلِكَ اسْتَحَقَّ السَّهْمَ، وَالَّذِي جَاءَ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَى بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي الْحِفْظِ؛ فَمَنْ شَبَّهَ التَّأْثِيرَ فِي الْحِفْظِ بِالتَّأْثِيرِ فِي الْأَخْذِ قَالَ: يَجِبُ لَهُ السَّهْمُ، وَإِنْ لَمْ يَحْضُرِ الْقِتَالَ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْحِفْظَ أَضْعَفُ لَمْ يُوجِبْ لَهُ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ أَثَرَيْنِ مُتَعَارِضَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعَثَ أَبَانَ بْنَ سَعِيدٍ عَلَى سَرِيَّةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ قِبَلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أَبَانٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا فَتَحُوهَا، فَقَالَ أَبَانٌ: اقْسِمْ لَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَلَمْ يَقْسِمْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» .
وَالْأَثَرُ الثَّانِي: مَا رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ: «إِنَّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ، فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِسَهْمٍ، وَلَمْ يَضْرِبْ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْهَا» . قَالُوا: فَوَجَبَ لَهُ السَّهْمُ؛ لِأَنَّ اشْتِغَالَهُ كَانَ بِسَبَبِ الْإِمَامِ.
قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: وَثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: الْغَنِيمَةُ لِمَنْ شَهِدَ الْوَقِيعَةَ.
وَأَمَّا السَّرَايَا الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ الْعَسَاكِرِ فَتَغْنَمُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْعَسْكَرِ يُشَارِكُونَهُمْ فِيمَا غَنِمُوا، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدُوا الْغَنِيمَةَ وَلَا الْقِتَالَ، وَذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَتُرَدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعَدَتِهِمْ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَلِأَنَّ لَهُمْ تَأْثِيرًا أَيْضًا فِي أَخْذِ الْغَنِيمَةِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِذَا خَرَجَتِ السَّرِيَّةُ بِإِذْنِ الْإِمَامِ مِنْ عَسْكَرِهِ خَمَّسَهَا، وَمَا بَقِيَ فَلِأَهْلِ السَّرِيَّةِ.
وَإِنْ خَرَجُوا بِغَيْرِ إِذْنِهِ خَمَّسَهَا، وَكَانَ مَا بَقِيَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَيْشِ كُلِّهِ.
وَقَالَ النَّخَعِيُّ: الْإِمَامُ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ خَمَّسَ مَا تَرُدُّ السَّرِيَّةُ، وَإِنْ شَاءَ نَفَّلَهُ كُلَّهُ.
وَالسَّبَبُ أَيْضًا فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ هُوَ تَشْبِيهُ تَأْثِيرِ الْعَسْكَرِ فِي غَنِيمَةِ السَّرِيَّةِ بِتَأْثِيرِ مَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ بِهَا، وَهُمْ أَهْلُ السَّرِيَّةِ، فَإِذَنِ الْغَنِيمَةُ إِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِلْمُجَاهِدِ بِأَحَدِ شَرْطَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ حَضَرَ الْقِتَالَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ رِدْءًا لِمَنْ حَضَرَ الْقِتَالَ.
وَأَمَّا كَمْ يَجِبُ لِلْمُقَاتِلِ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي الْفَارِسِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لَهُ، وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلْفَارِسِ سَهْمَانِ: سَهْمٌ لِفَرَسِهِ، وَسَهْمٌ لَهُ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُ الْآثَارِ وَمُعَارَضَةُ الْقِيَاسِ لِلْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ خَرَّجَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَسْهَمَ لِرَجُلٍ وَفَرَسِهِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ: سَهْمَانِ لِلْفَرَسِ، وَسَهْمٌ لِرَاكِبِهِ» ". وَخَرَّجَ أَيْضًا عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَنْصَارِيِّ مِثْلَ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ الْمُعَارِضُ لِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ سَهْمُ الْفَرَسِ أَكْبَرَ مِنْ سَهْمِ الْإِنْسَانِ.
هَذَا الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي تَرْجِيحِ الْحَدِيثِ الْمُوَافِقِ لِهَذَا الْقِيَاسِ عَلَى الْحَدِيثِ الْمُخَالِفِ لَهُ، وَهَذَا الْقِيَاسُ لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ سَهْمَ الْفَرَسِ إِنَّمَا اسْتَحَقَّهُ الْإِنْسَانُ الَّذِي هُوَ الْفَارِسُ بِالْفَرَسِ، وَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يَكُونَ تَأْثِيرُ الْفَارِسِ بِالْفَرَسِ فِي الْحَرْبِ ثَلَاثَةَ أَضْعَافِ تَأْثِيرِ الرَّاجِلِ، بَلْ لَعَلَّهُ وَاجِبٌ، مَعَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَثْبَتُ.
وَأَمَّا مَا يَجُوزُ لِلْمُجَاهِدِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقَسْمِ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ اتَّفَقُوا عَلَى تَحْرِيمِ الْغُلُولِ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، مِثْلَ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَدِّ الْخَيْطَ وَالْمَخِيطَ؛ فَإِنَّ الْغُلُولَ عَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِبَاحَةِ الطَّعَامِ لِلْغُزَاةِ مَا دَامُوا فِي أَرْضِ الْغَزْوِ، فَأَبَاحَ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ قَوْمٌ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ شِهَابٍ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ الْآثَارِ الَّتِي جَاءَتْ فِي تَحْرِيمِ الْغُلُولِ لِلْآثَارِ الْوَارِدَةِ فِي إِبَاحَةِ أَكْلِ الطَّعَامِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ الْمُغَفَّلِ وَحَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى.
فَمَنْ خَصَّصَ أَحَادِيثَ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ بِهَذِهِ أَجَازَ أَكْلَ الطَّعَامِ لِلْغُزَاةِ، وَمَنْ رَجَّحَ أَحَادِيثَ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ عَلَى هَذَا لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ.
وَحَدِيثُ ابْنِ مُغَفَّلٍ هُوَ قَالَ: «أَصَبْتُ جِرَابَ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقُلْتُ: لَا أُعْطِي مِنْهُ شَيْئًا، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَبْتَسِمُ» خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ.
وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ: " كُنَّا نُصِيبُ فِي مُغَازِينَا الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ فَنَأْكُلُهُ وَلَا نَدْفَعُهُ " خَرَّجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي عُقُوبَةِ الْغَالِّ فَقَالَ قَوْمٌ: يُحْرَقُ رَحْلُهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَيْسَ لَهُ عِقَابٌ إِلَّا التَّعْزِيرُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِ حَدِيثِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ، عَنْ سَالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ غَلَّ فَأَحْرِقُوا مَتَاعَهُ» .
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي حُكْمِ الْأَنْفَالِ]
ِ وَأَمَّا تَنْفِيلُ الْإِمَامِ مِنَ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ شَاءَ أَعْنِي: أَنْ يَزِيدَهُ عَلَى نَصِيبِهِ - فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ يَكُونُ النَّفْلُ، وَفِي مِقْدَارِهِ؟ وَهَلْ يَجُوزُ الْوَعْدُ بِهِ قَبْلَ الْحَرْبِ؟ وَهَلْ يَجِبُ السَّلَبُ لِلْقَاتِلِ؟ أَمْ لَيْسَ يَجِبُ إِلَّا أَنْ يُنَفِّلَهُ لَهُ الْإِمَامُ؟ فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ هِيَ قَوَاعِدُ هَذَا الْفَصْلِ.
أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: النَّفْلُ يَكُونُ مِنَ الْخُمُسِ الْوَاجِبِ لِبَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ النَّفْلُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ، وَهُوَ حَظُّ الْإِمَامِ فَقَطْ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ النَّفْلُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَنِيمَةِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ أَجَازَ تَنْفِيلَ جَمِيعِ الْغَنِيمَةِ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هُوَ هَلْ بَيْنَ الْآيَتَيْنِ الْوَارِدَتَيْنِ فِي الْمَغَانِمِ تَعَارُضٌ؟ أَمْ هُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ؟ أَعْنِي: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] الْآيَةَ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: 41] نَاسِخًا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1]- قَالَ: لَا نَفْلَ إِلَّا مِنَ الْخُمُسِ، أَوْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْآيَتَيْنِ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُمَا عَلَى التَّخْيِيرِ أَعْنِي أَنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ مَنْ شَاءَ، وَلَهُ أَلَّا يُنَفِّلَ، بِأَنْ يُعْطِيَ جَمِيعَ أَرْبَاعِ الْغَنِيمَةِ لِلْغَانِمِينَ - قَالَ بِجَوَازِ النَّفْلِ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ.
وَلِاخْتِلَافِهِمْ أَيْضًا سَبَبٌ آخَرُ وَهُوَ اخْتِلَافُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا رَوَى مَالِكٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ، فَغَنِمُوا إِبِلًا كَثِيرَةً، فَكَانَ سُهْمَانُهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا» . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفْلَ كَانَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنَ الْخُمُسِ.
وَالثَّانِي: حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يُنَفِّلُ الرُّبُعَ مِنَ السَّرَايَا بَعْدَ الْخُمُسِ فِي الْبَدَاءَةِ، وَيُنَفِّلُهُمُ الثُّلُثَ بَعْدَ الْخُمُسِ فِي الرَّجْعَةِ» . يَعْنِي: فِي بَدَاءَةِ غَزْوِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَفِي انْصِرَافِهِ.
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ مَا مِقْدَارُ مَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُنَفِّلَ مِنْ ذَلِكَ؟ عِنْدَ الَّذِينَ أَجَازُوا النَّفْلَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ فَإِنَّ قَوْمًا قَالُوا: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ أَوِ الرُّبُعِ عَلَى حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ نَفَّلَ الْإِمَامُ السَّرِيَّةَ جَمِيعَ مَا غَنِمَتْ جَازَ، مَصِيرًا إِلَى أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ بَلْ مُحْكَمَةٌ، وَأَنَّهَا عَلَى عُمُومِهَا غَيْرُ مُخَصَّصَةٍ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا مُخَصَّصَةٌ بِهَذَا الْأَثَرِ قَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يُنَفِّلَ أَكْثَرَ مِنَ الرُّبُعِ أَوِ الثُّلُثِ.
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ هَلْ يَجُوزُ الْوَعْدُ بِالتَّنْفِيلِ قَبْلَ الْحَرْبِ؟ أَمْ لَيْسَ يَجُوزُ ذَلِكَ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَكَرِهُ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مُعَارَضَةُ مَفْهُومِ مَقْصِدِ الْغَزْوِ لِظَاهِرِ الْأَثَرِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْغَزْوَ إِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ الْعَظِيمِ، وَلِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا، فَإِذَا وَعَدَ الْإِمَامُ بِالنَّفْلِ قَبْلَ الْحَرْبِ خِيفَ أَنْ يَسْفِكَ دِمَاءَهُمْ الْغُزَاةُ فِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي يَقْتَضِي ظَاهِرُهُ جَوَازَ الْوَعْدِ بِالنَّفْلِ فَهُوَ حَدِيثُ حَبِيبِ بْنِ مَسْلَمَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ يُنَفِّلُ فِي الْغَزْوِ السَّرَايَا الْخَارِجَةَ مِنَ الْعَسْكَرِ الرُّبُعَ، وَفِي الْقُفُولِ الثُّلُثَ» . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا إِنَّمَا هُوَ التَّنْشِيطُ عَلَى الْحَرْبِ.
وأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ هَلْ يَجِبُ سَلَبُ الْمَقْتُولِ لِلْقَاتِلِ؟ أَوْ لَيْسَ يَجِبُ إِلَّا إِنْ نَفَّلَهُ لَهُ الْإِمَامُ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَسْتَحِقُّ الْقَاتِلُ سَلَبَ الْمَقْتُولِ إِلَّا أَنْ يُنَفِّلَهُ لَهُ الْإِمَامُ عَلَى جِهَةِ الِاجْتِهَادِ، وَذَلِكَ بَعْدَ الْحَرْبِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقُ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ: وَاجِبٌ لِلْقَاتِلِ، قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ.
وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ جَعَلَ السَّلَبَ لَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ فِي ذَلِكَ شَرْطًا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ السَّلَبُ إِلَّا إِذَا قَتَلَهُ مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَا يَكُونُ لَهُ السَّلَبُ إِلَّا إِذَا قَتَلَهُ مُقْبِلًا قَبْلَ مَعْمَعَةِ الْحَرْبِ أَوْ بَعْدَهَا.
وَأَمَّا إِنْ قَتَلَهُ فِي حِينِ الْمَعْمَعَةِ فَلَيْسَ لَهُ سَلَبٌ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: إِنِ اسْتَكْثَرَ الْإِمَامُ السَّلَبَ جَازَ أَنْ يُخَمِّسَهُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هُوَ احْتِمَالُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعْدَمَا بَرَدَ الْقِتَالُ: «مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ» - أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَلَى جِهَةِ النَّفْلِ، أَوْ عَلَى جِهَةِ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْقَاتِلِ.
وَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - قَوِيَ عِنْدَهُ أَنَّهُ عَلَى جِهَةِ النَّفْلِ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَلَا قَضَى بِهِ إِلَّا أَيَّامَ حُنَيْنٍ.
وَلِمُعَارَضَةِ آيَةِ الْغَنِيمَةِ لَهُ إِنْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْقَاقِ، أَعْنِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 41] الْآيَةَ.
فَإِنَّهُ لَمَّا نَصَّ فِي الْآيَةِ عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ لِلَّهِ عُلِمَ أَنَّ أَرْبَعَةَ الْأَخْمَاسِ وَاجِبَةٌ لِلْغَانِمِينَ، كَمَا أَنَّهُ لَمَّا نَصَّ عَلَى الثُّلُثِ لِلْأُمِّ فِي الْمَوَارِيثِ عُلِمَ أَنَّ الثُّلُثَيْنِ لِلْأَبِ.
قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَهَذَا الْقَوْلُ مَحْفُوظٌ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حُنَيْنٍ وَفِي بَدْرٍ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: " كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ".
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ» ". وَخَرَّجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ حَمَلَ عَلَى مَرْزُبَانَ يَوْمَ الدَّارَةِ، فَطَعَنَهُ طَعْنَةً عَلَى قَرَبُوسِ سَرْجِهِ، فَقَتَلَهُ.
فَبَلَغَ سَلَبُهُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَقَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: إِنَّا كُنَّا لَا نُخَمِّسُ السَّلَبَ، وَإِنَّ سَلَبَ الْبَرَاءِ قَدْ بَلَغَ مَالًا كَثِيرًا، وَلَا أُرَانِي إِلَّا خَمَّسْتُهُ.
قَالَ: قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: فَحَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّهُ أَوَّلُ سَلَبٍ خُمِّسَ فِي الْإِسْلَامِ.
وَبِهَذَا تَمَسَّكَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ السَّلَبِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي السَّلَبِ الْوَاجِبِ مَا هُوَ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: لَهُ جَمِيعُ مَا وَجَدَ عَلَى الْمَقْتُولِ، وَاسْتَثْنَى قَوْمٌ مِنْ ذَلِكَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ.
[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي حُكْمِ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ عِنْدَ الْكُفَّارِ]
وَأَمَّا أَمْوَالُ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي تُسْتَرَدُّ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ مَشْهُورَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ مَا اسْتَرَدَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لِأَرْبَابِهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَيْسَ لِلْغُزَاةِ الْمُسْتَرِدِّينَ لِذَلِكَ مِنْهَا شَيْءٌ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو ثَوْرٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ مَا اسْتَرَدَّ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ غَنِيمَةُ الْجَيْشِ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ شَيْءٌ، وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَا وُجِدَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ الْقَسْمِ فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِلَا ثَمَنٍ، وَمَا وُجِدَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ الْقَسْمِ فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ بِالْقِيمَةِ، وَهَؤُلَاءِ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ:
فَبَعْضُهُمْ رَأَى هَذَا الرَّأْيَ فِي كُلِّ مَا اسْتَرَدَّهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَيْدِي الْكُفَّارِ بِأَيِّ وَجْهٍ صَارَ ذَلِكَ إِلَى أَيْدِي الْكُفَّارِ، وَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَارَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ: مَالِكٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَبَعْضُهُمْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا صَارَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى أَيْدِي الْكُفَّارِ غَلَبَةً وَحَازُوهُ حَتَّى أَوْصَلُوهُ إِلَى دَارِ الْمُشْرِكِينَ، وَبَيْنَ مَا أُخِذَ مِنْهُمْ قَبْلَ أَنْ يَحُوزُوهُ وَيَبْلُغُوا بِهِ دَارَ الشِّرْكِ، فَقَالُوا: مَا حَازُوهُ فَحُكْمُهُ إِنْ أَلْفَاهُ صَاحِبُهُ قَبْلَ الْقَسْمِ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ أَلْفَاهُ بَعْدَ الْقَسْمِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ بِالثَّمَنِ.
قَالُوا: وَأَمَّا مَا لَمْ يَحُزْهُ الْعَدُوُّ بِأَنْ يَبْلُغُوا دَارَهُمْ بِهِ فَصَاحِبُهُ أَحَقُّ بِهِ قَبْلَ الْقَسْمِ وَبَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الرَّابِعُ.
وَاخْتِلَافُهُمْ رَاجِعٌ إِلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي هَلْ يَمْلِكُ الْكُفَّارُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَمْوَالَهُمْ إِذَا غَلَبُوهُمْ عَلَيْهَا أَمْ لَيْسَ يَمْلِكُونَهَا؟ .
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَعَارُضُ الْآثَارِ فِي هَذَا الْبَابِ وَالْقِيَاسِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَيْسَ يَمْلِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، وَهُوَ قَالَ: «أَغَارَ الْمُشْرِكُونَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ وَأَخَذُوا الْعَضْبَاءَ نَاقَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَامْرَأَةً مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا كَانَتْ ذَاتَ لَيْلَةٍ قَامَتِ الْمَرْأَةُ وَقَدْ نَامُوا، فَجَعَلَتْ لَا تَضَعُ يَدَهَا عَلَى بَعِيرٍ إِلَّا أَرْغَى حَتَّى أَتَتْ نَاقَةً ذَلُولًا فَرَكِبَتْهَا ثُمَّ تَوَجَّهَتْ قِبَلَ الْمَدِينَةِ، وَنَذَرَتْ لَئِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ الْمَدِينَةَ عُرِفَتِ النَّاقَةُ، فَأَتَوْا بِهَا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَأَخْبَرَتْهُ الْمَرْأَةُ بِنَذْرِهَا، فَقَالَ: " بِئْسَ مَا جَزَيْتِهَا، لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ، وَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ» . وَكَذَلِكَ يَدُلُّ ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَهُوَ أَنَّهُ أَغَارَ لَهُ فَرَسٌ فَأَخَذَهَا الْعَدُوُّ فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ، فَرُدَّتْ عَلَيْهِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهُمَا حَدِيثَانِ ثَابِتَانِ.
وَأَمَّا الْأَثَرُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْكُفَّارِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: فَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِلٍ» يَعْنِي: أَنَّهُ بَاعَ دُورَهُ الَّتِي كَانَتْ لَهُ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَتِهِ مِنْهَا - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ: فَإِنَّ مَنْ شَبَّهَ الْأَمْوَالَ بِالرِّقَابِ قَالَ: الْكُفَّارُ كَمَا لَا يَمْلِكُونَ رِقَابَهُمْ، فَكَذَلِكَ لَا يَمْلِكُونَ أَمْوَالَهُمْ، كَحَالِ الْبَاغِي مَعَ الْعَادِلِ أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ عَلَيْهِمُ الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.
وَمَنْ قَالَ: مَنْ لَيْسَ يَمْلِكُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِلشَّيْءِ إِنْ فَاتَتْ عَيْنُهُ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ ضَامِنِينَ لِأَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَلَزِمَ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ لَيْسُوا بِغَيْرِ مَالِكِينَ لِلْأَمْوَالِ، فَهُمْ مَالِكُونَ، إِذْ لَوْ كَانُوا غَيْرَ مَالِكِينَ لَضَمِنُوا.
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْحُكْمِ قَبْلَ الْغُنْمِ وَبَعْدَهُ; وَبَيْنَ مَا أَخَذَ الْمُشْرِكُونَ بِغَلَبَةٍ أَوْ بِغَيْرِ غَلَبَةٍ; بِأَنْ صَارَ إِلَيْهِمْ مِنْ تِلْقَائِهِ; مِثْلَ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَالْفَرَسِ الْعَائِدِ فَلَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ يَجِدُ وَسَطًا بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: إِمَّا أَنْ يَمْلِكَ الْمُشْرِكُ عَلَى الْمُسْلِمِ شَيْئًا، أَوْ لَا يَمْلِكَهُ، إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ سَمْعِيٌّ، لَكِنَّ أَصْحَابَ هَذَا الْمَذْهَبِ إِنَّمَا صَارُوا إِلَيْهِ لِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عُمَارَةَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ كَانَ الْمُشْرِكُونَ قَدْ أَصَابُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إِنْ أَصَبْتَهُ قَبْلَ أَنْ يُقْسَمَ فَهُوَ لَكَ، وَإِنْ أَصَبْتَهُ بَعْدَ الْقَسْمِ أَخَذْتَهُ بِالْقِيمَةِ» .
لَكِنَّ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ مُجْتَمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَتَرْكِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَالَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِيمَا أَحْسَبُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ قَضَاءُ عُمَرَ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ لَيْسَ يَجْعَلُ لَهُ أَخْذَهُ بِالثَّمَنِ بَعْدَ الْقَسْمِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِهِ، وَاسْتِثْنَاءُ أَبِي حَنِيفَةَ أُمَّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرَ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ لَا مَعْنَى لَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَرَى أَنَّ الْكُفَّارَ يَمْلِكُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ سَائِرَ الْأَمْوَالِ مَا عَدَا هَذَيْنِ، وَكَذَلِكَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي أُمِّ الْوَلَدِ: إِنَّهُ إِذَا أَصَابَهَا مَوْلَاهَا بَعْدَ الْقَسْمِ أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْدِيَهَا ; فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَجْبَرَ سَيِّدَهَا عَلَى فِدَائِهَا ; فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أُعْطِيَتْ لَهُ ; وَاتَّبَعَهُ الَّذِي أُخْرِجَتْ فِي نَصِيبِهِ بِقِيمَتِهَا دَيْنًا مَتَى أَيْسَرَ ; هُوَ قَوْلٌ أَيْضًا لَيْسَ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرِ، لِأَنَّهُ إِنْ لَمْ يَمْلِكْهَا الْكُفَّارُ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِنْ مَلَكُوهَا فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْأَمْوَالِ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ فِي ذَلِكَ سَمَاعٌ.
وَمِنْ هَذَا الْأَصْلِ أَعْنِي مِنَ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ يَمْلِكُ الْمُشْرِكُ مَالَ الْمُسْلِمِ أَوْ لَا يَمْلِكُ؟
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْكَافِرِ يُسْلِمُ وَبِيَدِهِ مَالُ مُسْلِمٍ هَلْ يَصِحُّ لَهُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ لَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَصْلِهِ لَا يَصِحُّ لَهُ.
وَاخْتَلَفَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ إِذَا دَخَلَ مُسْلِمٌ إِلَى الْكُفَّارِ عَلَى جِهَةِ التَّلَصُّصِ وَأَخَذَ مِمَّا فِي أَيْدِيهِمْ مَالَ مُسْلِمٍ.
فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ أَوْلَى بِهِ وَإِنْ أَرَادَهُ صَاحِبُهُ أَخَذَهُ بِالثَّمَنِ، وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ لِصَاحِبِهِ، فَلَمْ يَجْرِ عَلَى أَصْلِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحَرْبِيِّ يُسْلِمُ وَيُهَاجِرُ وَيَتْرُكُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَدَهُ وَزَوْجَهُ
وَمَالَهُ ; هَلْ يَكُونُ لِمَا تَرَكَ حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ وَزَوْجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ فَلَا يَجُوزُ تَمَلُّكُهُمْ لِلْمُسْلِمِينَ إِنْ غَلَبُوا عَلَى ذَلِكَ ; أَمْ لَيْسَ لِمَا تَرَكَ حُرْمَةٌ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لِكُلِّ مَا تَرَكَ حُرْمَةُ الْإِسْلَامِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ حُرْمَةٌ.
وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَالِ وَالزَّوْجَةِ وَالْوَلَدِ، فَقَالَ: لَيْسَ لِلْمَالِ حُرْمَةٌ، وَلِلْوَلَدِ وَالزَّوْجَةِ حُرْمَةٌ، وَهَذَا جَارٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَالْأَصْلُ أَنَّ الْمُبِيحَ لِلْمَالِ هُوَ الْكُفْرُ، وَأَنَّ الْعَاصِمَ لَهُ هُوَ الْإِسْلَامُ، كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ» . فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ هَاهُنَا مُبِيحًا لِلْمَالِ غَيْرَ الْكُفْرِ مِنْ تَمَلُّكِ عَدُوٍّ أَوْ غَيْرِهِ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ، وَلَيْسَ هَاهُنَا دَلِيلٌ تُعَارَضُ بِهِ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي حُكْمِ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْأَرْضِ عَنْوَةً]
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْأَرْضِ عَنْوَةً.
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا تُقَسَّمُ الْأَرْضُ، وَتَكُونُ وَقْفًا يُصْرَفُ خَرَاجُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَرْزَاقِ الْمُقَاتِلَةِ وَبَنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سُبُلِ الْخَيْرِ، إِلَّا أَنْ يَرَى الْإِمَامُ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي الْقِسْمَةَ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يُقَسِّمَ الْأَرْضَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْأَرَضُونَ الْمُفْتَتَحَةُ تُقَسَّمُ كَمَا تُقَسَّمُ الْغَنَائِمُ يَعْنِي: خَمْسَةَ أَقْسَامٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُقَسِّمَهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَوْ يَضْرِبَ عَلَى أَهْلِهَا الْكُفَّارِ فِيهَا الْخَرَاجَ وَيُقِرَّهَا بِأَيْدِيهِمْ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَا يُظَنُّ مِنَ التَّعَارُضِ بَيْنَ آيَةِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ، وَآيَةِ سُورَةِ الْحَشْرِ.
وَذَلِكَ أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ تَقْتَضِي بِظَاهِرِهَا أَنَّ كُلَّ مَا غُنِمَ يُخَمَّسُ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ [الأنفال: 41] ، وقَوْله تَعَالَى فِي آيَةِ الْحَشْرِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] عَطْفًا عَلَى ذِكْرِ الَّذِينَ أَوْجَبَ لَهُمُ الْفَيْءَ يُمْكِنُ أَنْ يُفْهَمَ مِنْهُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ الْحَاضِرِينَ وَالْآتِينَ شُرَكَاءُ فِي الْفَيْءِ كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: 10] ، مَا أَرَى هَذِهِ الْآيَةَ إِلَّا قَدْ عَمَّتِ الْخَلْقَ حَتَّى الرَّاعِيَ بِكَدَاءٍ، أَوْ كَلَامًا هَذَا مَعْنَاهُ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُقَسَّمِ الْأَرْضُ الَّتِي افْتُتِحَتْ فِي أَيَّامِهِ عَنْوَةً مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ وَمِصْرَ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْآيَتَيْنِ مُتَوَارِدَتَانِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَأَنَّ آيَةَ الْحَشْرِ مُخَصِّصَةٌ لِآيَةِ الْأَنْفَالِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْأَرْضَ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْآيَتَيْنِ لَيْسَتَا مُتَوَارِدَتَيْنِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، بَلْ رَأَى أَنَّ آيَةَ الْأَنْفَالِ فِي الْغَنِيمَةِ ; وَآيَةَ الْحَشْرِ فِي الْفَيْءِ عَلَى مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ ذَلِكَ قَالَ: تُخَمَّسُ الْأَرْضُ وَلَا بُدَّ، وَلَا سِيَّمَا أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «قَسَّمَ خَيْبَرَ بَيْنَ الْغُزَاةِ» . قَالُوا: فَالْوَاجِبُ أَنْ تُقَسَّمَ الْأَرْضُ لِعُمُومِ