بداية المجتهد ونهاية المقتصدصفحات 153-192
أهل الأثرالأرشيف العلمي

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ فِيهِ التفاضل والنساء]

الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا وَأَمَّا مَا يَجُوزُ فِيهِ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا (أَعْنِي: التَّفَاضُلَ وَالنَّسَاءَ، فَمَا لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ.
وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ فَمَا لَمْ يَكُنْ رِبَوِيًّا وَلَا كَانَ صِنْفًا وَاحِدًا مُتَمَاثِلًا، أَوْ صِنْفًا وَاحِدًا بِإِطْلَاقٍ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ يُعْتَبَرُ الصِّنْفُ الْمُؤَثِّرُ فِي التَّفَاضُلِ فِي الرِّبَوِيَّاتِ، وَفِي النَّسَاءِ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ اتِّفَاقُ الْمَنَافِعِ، وَاخْتِلَافُهَا، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ جَعَلَهَا صِنْفَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الِاسْمُ وَاحِدًا، وَأَبُو حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ الِاسْمَ وَكَذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ الصِّنْفُ عِنْدَهُ مُؤَثِّرًا إِلَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ فَقَطْ (أَعْنِي: أَنَّهُ يَمْنَعُ التَّفَاضُلَ فِيهِ) ، وَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ عِلَّةً لِلنَّسَاءِ أَصْلًا، فَهَذَا هُوَ تَحْصِيلُ مَذَاهِبِ هَؤُلَاءِ الْفُقَهَاءِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ الثَّلَاثِةِ.
فَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا تَجُوزُ فِيهَا النَّسِيئَةُ فَإِنَّهَا قِسْمَانِ: مِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا، وَمِنْهَا مَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ.
فَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ: فَعِلَّةُ امْتِنَاعِ النَّسِيئَةِ فِيهَا هُوَ الطُّعْمُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ الطُّعْمُ فَقَطْ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مَطْعُومَاتُ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ، فَإِذَا اقْتَرَنَ بِالطُّعْمِ اتِّفَاقُ الصِّنْفِ حُرِّمَ التَّفَاضُلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَإِذَا اقْتَرَنَ وَصْفٌ ثَالِثٌ وَهُوَ الِادِّخَارُ حُرِّمَ التَّفَاضُلُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصِّنْفُ جَازَ التَّفَاضُلُ وَحُرِّمَتِ النَّسِيئَةُ.
وَأَمَّا الْأَشْيَاءُ الَّتِي لَيْسَ يُحَرَّمُ التَّفَاضُلُ فِيهَا عِنْدَ مَالِكٍ فَإِنَّهَا صِنْفَانِ: إِمَّا مَطْعُومَةٌ، وَإِمَّا غَيْرُ مَطْعُومَةٍ.
فَأَمَّا الْمَطْعُومَةُ فَالنَّسَاءُ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ الطُّعْمُ; وَأَمَّا غَيْرُ الْمَطْعُومَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ فِيهَا النَّسَاءُ عِنْدَهُ فِيمَا اتَّفَقَتْ مَنَافِعُهُ مَعَ التَّفَاضُلِ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ وَاحِدَةٌ بِشَاتَيْنِ إِلَى أَجَلٍ إِلَّا أَنْ تَكُونَ إِحْدَاهُمَا حَلُوبَةً وَالْأُخْرَى أَكُولَةً، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ; وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الْمَنَافِعِ دُونَ التَّفَاضُلِ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ حَلُوبَةٌ بِشَاةٍ حَلُوبَةٍ إِلَى أَجَلٍ.
فَأَمَّا إِذَا اخْتَلَفَتِ الْمَنَافِعُ فَالتَّفَاضُلُ وَالنَّسِيئَةُ عِنْدَهُ جَائِزَانِ، إِنْ كَانَ الصِّنْفُ وَاحِدًا; وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ اتِّفَاقُ الْأَسْمَاءِ مَعَ اتِّفَاقِ الْمَنَافِعِ، وَالْأَشْهَرُ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ; وَقَدْ قِيلَ: يُعْتَبَرُ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَالْمُعْتَبَرُ عِنْدَهُ فِي مَنْعِ النَّسَاءِ مَا عَدَا الَّتِي لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ فِيهَا التَّفَاضُلُ هُوَ اتِّفَاقُ الصِّنْفِ اتَّفَقَتِ الْمَنَافِعُ، أَوِ اخْتَلَفَتْ، فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُ شَاةٌ بِشَاةٍ وَلَا بِشَاتَيْنِ نَسِيئَةً وَإِنِ اخْتَلَفَتْ مَنَافِعُهَا.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَكُلُّ مَا لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ عِنْدَهُ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ يَجُوزُ فِيهِ النَّسَاءُ، فَيُجِيزُ شَاةً بِشَاتَيْنِ نَسِيئَةً وَنَقْدًا، وَكَذَلِكَ شَاةٌ بِشَاةٍ، وَدَلِيلُ الشَّافِعِيِّ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ

الْعَاصِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ فِي قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى الصَّدَقَةِ» ، قَالُوا: فَهَذَا التَّفَاضُلُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مَعَ النَّسَاءِ.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَاحْتَجَّتْ بِحَدِيثِ الْحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ» ، قَالُوا: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْثِيرِ الْجِنْسِ عَلَى الِانْفِرَادِ فِي النَّسِيئَةِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ، فَعُمْدَتُهُ فِي مُرَاعَاةِ مَنْعِ النَّسَاءِ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْأَغْرَاضِ سَدُّ الذَّرِيعَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ سَلَفٍ يَجُرُّ نَفْعًا وَهُوَ يَحْرُمُ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ أَصْلٌ بِنَفْسِهِ، وَقَدْ قِيلَ عَنِ الْكُوفِيِّينَ: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً اخْتَلَفَ الْجِنْسُ، أَوِ اتَّفَقَ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ سَمُرَةَ، فَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ ذَهَبَ مَذْهَبَ التَّرْجِيحِ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، وَالْحَنَفِيَّةَ لِحَدِيثِ سَمُرَةَ مَعَ التَّأْوِيلِ لَهُ، لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَجُوزَ الْحَيَوَانُ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً اتَّفَقَ الْجِنْسُ أَوِ اخْتَلَفَ، وَكَأَنَّ مَالِكًا ذَهَبَ مَذْهَبَ الْجَمْعِ، فَحَمَلَ حَدِيثَ سَمُرَةَ عَلَى اتِّفَاقِ الْأَغْرَاضِ، وَحَدِيثَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَلَى اخْتِلَافِهَا.
وَسَمَاعُ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وَلَكِنْ صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَيَشْهَدُ لِمَالِكٍ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ، لَا يَصْلُحُ النَّسَاءُ وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ» ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدَيْنِ، وَاشْتَرَى جَارِيَةً بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ» ، وَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ يَكُونُ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ لَا مِنْ قِبَلِ سَدِّ ذَرِيعَةٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ نَسَاءً، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فِي سَائِرِ الرِّبَوِيَّاتِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ فِي الْمُصَارَفَةِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» ، فَمَنْ شَرَطَ فِيهَا التَّقَابُضَ فِي الْمَجْلِسِ شَبَّهَهَا بِالصَّرْفِ، وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ قَالَ: إِنَّ الْقَبْضَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْبُيُوعِ إِلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وَلَمَّا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى الصَّرْفِ فَقَطْ بَقِيَتْ سَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ عَلَى الْأَصْلِ.

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ فِي مَعْرِفَةِ مَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا وَمَا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا]

وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا، وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي التَّفَاضُلِ مِمَّا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي صِفَاتِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ الْمُؤَثِّرِ فِي التَّفَاضُلِ، هَلْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَخْتَلِفَ بِالْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ، وَلَا بِالْيُبْسِ وَالرُّطُوبَةِ؟ فَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِيمَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا مِمَّا لَا يُعَدُّ صِنْفًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْقَمْحُ وَالشَّعِيرُ، صَارَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُمَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَصَارَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُمَا صِنْفَانِ، فَبِالْأَوَّلِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَحَكَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; وَبِالثَّانِي قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعُمْدَتُهُمَا السَّمَاعُ، وَالْقِيَاسُ.
أَمَّا السَّمَاعُ، فَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تَبِيعُوا الْبُرَّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، فَجَعَلَهُمَا صِنْفَيْنِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ: «وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ كَيْفَ شِئْتُمْ، وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَوَكِيعٌ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَصَحَّحَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ التِّرْمِذِيُّ.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَلِأَنَّهُمَا شَيْئَانِ اخْتَلَفَتْ أَسْمَاؤُهُمَا وَمَنَافِعُهُمَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَا صِنْفَيْنِ، أَصْلُهُ الْفِضَّةُ، وَالذَّهَبُ، وَسَائِرُ الْأَشْيَاءِ الْمُخْتَلِفَةِ فِي الِاسْمِ وَالْمَنْفَعَةِ.
وَأَمَّا عُمْدَةُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ عَمَلُ سَلَفِهِ بِالْمَدِينَةِ.
وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ أَيْضًا السَّمَاعَ وَالْقِيَاسَ.
أَمَّا السَّمَاعُ فَمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، فَقَالُوا: اسْمُ الطَّعَامِ يَتَنَاوَلُ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ، وَهَذَا ضَعِيفٌ، فَإِنَّ هَذَا عَامٌّ يُفَسِّرُهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ.
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ: فَإِنَّهُمْ عَدَّدُوا كَثِيرًا مِنَ اتِّفَاقِهِمَا فِي الْمَنَافِعِ، وَالْمُتَّفِقَةُ الْمَنَافِعِ لَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهَا بِاتِّفَاقٍ، وَالسُّلْتُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَالشَّعِيرُ صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَأَمَّا الْقُطْنِيَّةُ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ، وَعَنْهُ فِي الْبُيُوعِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَالْأُخْرَى أَنَّهَا أَصْنَافٌ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ تَعَارُضُ اتِّفَاقِ الْمَنَافِعِ فِيهَا وَاخْتِلَافُهَا، فَمَنْ غَلَّبَ الِاتِّفَاقَ قَالَ: صِنْفٌ وَاحِدٌ، وَمَنْ غَلَّبَ الِاخْتِلَافَ قَالَ: صِنْفَانِ أَوْ أَصْنَافٌ، وَالْأُرْزُ، وَالدُّخْنُ، وَالْجَاوَرْسُ عِنْدَهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ.

مَسْأَلَةٌ وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ اللَّحْمِ الَّذِي لَا يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، فَقَالَ مَالِكٌ: اللُّحُومُ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: فَلَحْمُ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ، وَلَحْمُ ذَوَاتِ الْمَاءِ صِنْفٌ، وَلَحْمُ الطَّيْرِ كُلُّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَيْضًا، وَهَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَصْنَافُ مُخْتَلِفَةٌ يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ هُوَ أَنْوَاعٌ كَثِيرَةٌ، وَالتَّفَاضُلُ فِيهِ جَائِزٌ إِلَّا فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْآخَرُ أَنَّ جَمِيعَهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ.
وَأَبُو حَنِيفَةَ يُجِيزُ لَحْمَ الْغَنَمِ بِالْبَقَرِ مُتَفَاضِلًا، وَمَالِكٌ لَا يُجِيزُهُ، وَالشَّافِعِيُّ لَا يُجِيزُ بَيْعَ لَحْمِ الطَّيْرِ بِلَحْمِ الْغَنَمِ مُتَفَاضِلًا، وَمَالِكٌ يُجِيزُهُ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» ، وَلِأَنَّهَا إِذَا فَارَقَتْهَا الْحَيَاةُ زَالَتِ الصِّفَاتُ الَّتِي كَانَتْ بِهَا تَخْتَلِفُ، وَيَتَنَاوَلُهَا اسْمُ اللَّحْمِ تَنَاوُلًا وَاحِدًا.
وَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ هَذِهِ أَجْنَاسٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَحْمُهَا مُخْتَلِفًا.
وَالْحَنَفِيَّةُ تَعْتَبِرُ الِاخْتِلَافَ الَّذِي فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ هَذِهِ وَتَقُولُ: إِنَّ الِاخْتِلَافَ الَّذِي بَيْنَ الْأَنْوَاعِ الَّتِي فِي الْحَيَوَانِ، (أَعْنِي: فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْهُ) كَأَنَّكَ قُلْتَ: الطَّائِرُ هُوَ وَزَانُ الِاخْتِلَافِ الَّذِي بَيْنَ التَّمْرِ وَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَكُلُّ طَائِفَةٍ تَدَّعِي أَنَّ وَزَانَ الِاخْتِلَافِ الَّذِي بَيْنَ الْأَشْيَاءِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا هُوَ الِاخْتِلَافُ الَّذِي تَرَاهُ فِي اللَّحْمِ، وَالْحَنَفِيَّةُ أَقْوَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى، لِأَنَّ تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ اتِّفَاقِ الْمَنْفَعَةِ.

مَسْأَلَةٌ وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْمَيِّتِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ بِإِطْلَاقٍ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَاللَّيْثِ ; وَقَوْلٌ إِنَّهُ يَجُوزُ فِي الْأَجْنَاسِ الْمُخْتَلِفَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا التَّفَاضُلُ، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الْمُتَّفِقَةِ (أَعْنِي: الرِّبَوِيَّةَ) ، لِمَكَانِ الْجَهْلِ الَّذِي فِيهَا مِنْ طَرِيقِ التَّفَاضُلِ، وَذَلِكَ فِي الَّتِي الْمَقْصُودِ مِنْهَا الْأَكْلُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، فَلَا يَجُوزُ شَاةٌ مَذْبُوحَةٌ بِشَاةٍ تُرَادُ لِلْأَكْلِ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ، حَتَّى أَنَّهُ لَا يُجِيزُ الْحَيَّ بِالْحَيِّ إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ الْأَكْلَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَهِيَ عِنْدُهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، (أَعْنِي: أَنَّ امْتِنَاعَ ذَلِكَ عِنْدَهُ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا، وَالْمُزَابَنَةِ) ; وَقَوْلٌ ثَالِثٌ: إِنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ الْأُصُولِ فِي هَذَا الْبَابِ لِمُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ» فَمَنْ لَمْ تَنْقَدِحْ عِنْدَهُ مُعَارَضَةُ هَذَا الْحَدِيثِ لِأَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْبُيُوعِ الَّتِي تُوجِبُ التَّحْرِيمَ قَالَ بِهِ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّ الْأُصُولَ مُعَارِضَةٌ لَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يُغَلِّبَ الْحَدِيثَ فَيَجْعَلَهُ أَصْلًا زَائِدًا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَرُدَّهُ لِمَكَانِ مُعَارَضَةِ الْأُصُولِ لَهُ.
فَالشَّافِعِيُّ غَلَّبَ الْحَدِيثَ، وَأَبُو حَنِيفَةَ غَلَّبَ الْأُصُولَ، وَمَالِكٌ رَدَّهُ إِلَى أُصُولِهِ فِي الْبُيُوعِ، فَجَعَلَ الْبَيْعَ فِيهِ مِنْ بَابِ الرِّبَا، (أَعْنِي: بِيعَ الشَّيْءِ الرِّبَوِيِّ بِأَصْلِهِ) ، مِثْلَ بَيْعِ الزَّيْتِ بِالزَّيْتُونِ.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ، فَإِنَّهُ الَّذِي يُعَرِّفُهُ الْفُقَهَاءُ بِالْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الرِّبَا بِجِهَةٍ، وَفِي الْغَرَرِ بِجِهَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّهَا مَمْنُوعَةٌ فِي الرِّبَوِيَّاتِ مِنْ جِهَةِ الرِّبَا، وَالْغَرَرِ، وَفِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ مِنْ جِهَةِ الْغَرَرِ فَقَطْ، الَّذِي سَبَّبَهُ الْجَهْلُ بِالْخَارِجِ عَنِ الْأَصْلِ.

مَسْأَلَةٌ وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الدَّقِيقِ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَالْأَشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي مُوَطَّئِهِ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ، وَابْنِ الْمَاجِشُونِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ ; وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ: لَيْسَ هُوَ اخْتِلَافًا مِنْ قَوْلِهِ، وَإِنَّمَا رِوَايَةُ الْمَنْعِ إِذَا كَانَ اعْتِبَارُ الْمِثْلِيَّةِ بِالْكَيْلِ، لِأَنَّ الطَّعَامَ إِذَا صَارَ دَقِيقًا اخْتَلَفَ كَيْلُهُ، وَرِوَايَةُ الْجَوَازِ إِذَا كَانَ الِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَالْمَنْعُ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ أَنَّ أَحَدَهُمَا مَكِيلٌ، وَالْآخَرُ مَوْزُونٌ.
وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ الْكَيْلَ، أَوِ الْوَزْنَ فِيمَا جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يُكَالَ، أَوْ يُوزَنَ، وَالْعَدَدُ فِيمَا لَا يُكَالُ، وَلَا يُوزَنُ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَا تَدْخُلُهُ الصَّنْعَةُ مِمَّا أَصْلُهُ مَنْعُ الرِّبَا فِيهِ مِثْلُ الْخُبْزِ بِالْخُبْزِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ ذَلِكَ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا، لِأَنَّهُ قَدْ خَرَجَ بِالصَّنْعَةِ عَنِ الْجِنْسِ الَّذِي فِيهِ الرِّبَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا فَضْلًا عَنْ مُتَفَاضِلٍ، لِأَنَّهُ قَدْ غَيَّرَتْهُ الصَّنْعَةُ تَغَيُّرًا جُهِلَتْ بِهِ مَقَادِيرُهُ الَّتِي تُعْتَبَرُ فِيهَا الْمُمَاثَلَةُ.
وَأَمَّا مَالِكٌ: فَالْأَشْهَرُ فِي الْخُبْزِ عِنْدَهُ أَنَّهُ يَجُوزُ مُتَمَاثِلًا، وَقَدْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ التَّفَاضُلُ، وَالتَّسَاوِي.
وَأَمَّا الْعَجِينُ بِالْعَجِينِ فَجَائِزٌ عِنْدَهُ مَعَ الْمُمَاثَلَةِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلِ الصَّنْعَةُ تَنْقُلُهُ مِنْ جِنْسِ الرِّبَوِيَّاتِ، أَوْ لَيْسَ تَنْقُلُهُ؟ وَإِنْ لَمْ تَنْقُلْهُ فَهَلْ تُمْكِنُ الْمُمَاثَلَةُ فِيهِ أَوْ لَا تُمْكِنُ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَنْقُلُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَنْقُلُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِمْكَانِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِمَا، فَكَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ اعْتِبَارَ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْخُبْزِ، وَاللَّحْمِ بِالتَّقْدِيرِ، وَالْحَزْرِ فَضْلًا عَنِ الْوَزْنِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الرِّبَوِيَّيْنِ لَمْ تَدْخُلْهُ صَنْعَةٌ وَالْآخَرُ قَدْ دَخَلَتْهُ الصَّنْعَةُ، فَإِنَّ مَالِكًا يَرَى فِي كَثِيرٍ مِنْهَا أَنَّ الصَّنْعَةَ تَنْقُلُهُ مِنَ الْجِنْسِ (أَعْنِي: مِنْ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا وَاحِدًا) فَيُجِيزُ فِيهَا التَّفَاضُلَ، وَفِي بَعْضِهَا لَيْسَ يُرَى ذَلِكَ، وَتَفْصِيلُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ عَسِيرُ الِانْفِصَالِ، فَاللَّحْمُ الْمَشْوِيُّ وَالْمَطْبُوخُ عِنْدَهُ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، وَالْحِنْطَةُ الْمَقْلُوَّةُ عِنْدَهُ وَغَيْرُ الْمَقْلُوَّةِ جِنْسَانِ، وَقَدْ رَامَ أَصْحَابُهُ التَّفْصِيلَ فِي ذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ قَانُونٌ مِنْ قَوْلِهِ حَتَّى يَنْحَصِرَ فِيهِ أَقْوَالُهُ فِيهَا، وَقَدْ رَامَ حَصْرَهَا الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى، وَكَذَلِكَ أَيْضًا يَعْسُرُ حَصْرُ الْمَنَافِعِ الَّتِي تُوجِبُ عِنْدَهُ الِاتِّفَاقَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَجْنَاسِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا التَّعَامُلُ، وَتَمْيِيزُهَا مِنَ الَّتِي لَا تُوجِبُ ذَلِكَ (أَعْنِي: فِي الْحَيَوَانِ، وَالْعُرُوضِ، وَالنَّبَاتِ) . وَسَبَبُ الْعُسْرِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ أَشْيَاءَ مُتَشَابِهَةٍ فِي

أَوْقَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ قَانُونٌ يَعْمَلُ عَلَيْهِ فِي تَمْيِيزِهَا إِلَّا مَا يُعْطِيهِ بَادِئُ النَّظَرِ فِي الْحَالِ جَاوَبَ فِيهَا بِجَوَابَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ، فَإِذَا جَاءَ مِنْ بَعْدِهِ أَحَدٌ فَرَامَ أَنْ يُجْرِيَ تِلْكَ الْأَجْوِبَةَ عَلَى قَانُونٍ وَاحِدٍ وَأَصْلٍ وَاحِدٍ عَسُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَأَنْتَ تَتَبَيَّنُ ذَلِكَ مِنْ كُتُبِهِمْ، فَهَذِهِ هِيَ أُمَّهَاتُ هَذَا الْبَابِ.

[فَصْلٌ بَيْعُ الرِّبَوِيِّ الرَّطْبِ بِجِنْسِهِ مِنَ الْيَابِسِ]

فَصْلٌ ; وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الرِّبَوِيِّ الرَّطْبِ بِجِنْسِهِ مِنَ الْيَابِسِ مَعَ وُجُودِ التَّمَاثُلِ فِي الْقَدْرِ وَالتَّنَاجُزِ، فَإِنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ مَا رَوَى مَالِكٌ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُسْأَلُ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ؟ " فَقَالُوا: نَعَمْ.
فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ» ، فَأَخَذَ بِهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ عَلَى حَالِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَغَيْرِهِمَا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ، وَأَبُو يُوسُفَ.
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ بِقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ ظَاهِرِ حَدِيثِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ لَهُ، وَاخْتِلَافُهُمْ فِي تَصْحِيحِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ عُبَادَةَ اشْتَرَطَ فِي الْجَوَازِ فَقَطِ الْمُمَاثَلَةَ، وَالْمُسَاوَاةَ، وَهَذَا يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ حَالَ الْعَقْدِ لَا حَالَ الْمَآلِ; فَمَنْ غَلَّبَ ظَوَاهِرَ أَحَادِيثِ الرِّبَوِيَّاتِ رَدَّ هَذَا الْحَدِيثَ; وَمَنْ جَعَلَ هَذَا الْحَدِيثَ أَصْلًا بِنَفْسِهِ قَالَ: هُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ وَمُفَسِّرٌ لِأَحَادِيثِ الرِّبَوِيَّاتِ.
وَالْحَدِيثُ أَيْضًا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَصْحِيحِهِ، وَلَمْ يُخَرِّجْهُ الشَّيْخَانِ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: خُولِفَ فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ، فَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ عَنْهُ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ نَسِيئَةً» ، وَقَالَ: إِنَّ الَّذِي يَرْوِي عَنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ هُوَ مَجْهُولٌ، لَكِنَّ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ صَارُوا إِلَى الْعَمَلِ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ قِيَاسًا بِهِ عَلَى تَعْلِيلِ الْحُكْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ، وَكَذَلِكَ كُلُّ رَطْبٍ بِيَابِسٍ مِنْ نَوْعِهِ حَرَامٌ (يَعْنِي: مَنْعَ الْمُمَاثَلَةِ) كَالْعَجِينِ بِالدَّقِيقِ، وَاللَّحْمِ الْيَابِسِ بِالرَّطْبِ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيِ الْمُزَابَنَةِ عِنْدَ مَالِكٍ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا عِنْدَهُ، وَالْعَرِيَّةُ عِنْدَهُ مُسْتَثْنَاةٌ مِنْ هَذَا الْأَصْلِ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَالْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ هِيَ بَيْعُ التَّمْرِ عَلَى الْأَرْضِ بِالتَّمْرِ فِي رُءُوسِ النَّخِيلِ لِمَوْضِعِ الْجَهْلِ بِالْمِقْدَارِ الَّذِي بَيْنَهُمَا (أَعْنِي: بِوُجُودِ التَّسَاوِي) . وَطَرَدَ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْعِلَّةَ فِي الشَّيْئَيْنِ الرَّطْبَيْنِ، فَلَمْ يُجِزْ بَيْعَ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ، وَلَا الْعَجِينِ بِالْعَجِينِ مَعَ التَّمَاثُلِ، لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّ التَّفَاضُلَ يُوجَدُ بَيْنَهُمَا عِنْدَ الْجَفَافِ.
وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ جُلُّ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْحَدِيثِ.

وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِ الْجَيِّدِ بِالرَّدِيءِ فِي الْأَصْنَافِ الرِّبَوِيَّةِ، فَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِأَنْ يُبَاعَ مِنْهَا صِنْفٌ وَاحِدٌ وَسَطٌ فِي الْجَوْدَةِ بِصِنْفَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَجْوَدُ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ، وَالْآخَرُ أَرْدَأُ، مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ مُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ وَسَطٍ بِمُدَّيْنِ مِنْ تَمْرٍ أَحَدُهُمَا أَعْلَى مِنَ الْوَسَطِ، وَالْآخَرُ أَدْوَنُ مِنْهُ، فَإِنَّ مَالِكًا يَرُدُّ هَذَا لِأَنَّهُ يَتَّهِمُّهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَصَدَ أَنْ يَدْفَعَ مُدَّيْنِ مِنَ الْوَسَطِ فِي مُدٍّ مِنَ الطَّيِّبِ، فَجَعَلَ مَعَهُ الرَّدِيءَ ذَرِيعَةً إِلَى تَحْلِيلِ مَا لَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ، وَوَافَقَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا، وَلَكِنَّ التَّحْرِيمَ عِنْدَهُ لَيْسَ هُوَ فِيمَا أَحْسَبُ لِهَذِهِ التُّهْمَةِ، لِأَنَّهُ لَا يُعْمِلُ التُّهَمَ، وَلَكِنْ يُشْبِهُ أَنْ يَعْتَبِرَ التَّفَاضُلَ فِي الصِّفَةِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَتَى لَمْ تَكُنْ زِيَادَةُ الطَّيِّبِ عَلَى الْوَسَطِ مِثْلَ نُقْصَانِ الرَّدِيءِ عَنِ الْوَسَطِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ هُنَاكَ مُسَاوَاةٌ فِي الصِّفَةِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي جَوَازِ بَيْعِ صِنْفٍ مِنَ الرِّبَوِيَّاتِ بِصِنْفٍ مِثْلِهِ وَعَرَضٍ، أَوْ دَنَانِيرَ، أَوْ دَرَاهِمَ إِذَا كَانَ الصِّنْفُ الَّذِي يُجْعَلُ مَعَهُ الْعَرْضُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الصِّنْفِ الْمُفْرَدِ، أَوْ يَكُونُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَرَضٌ وَالصِّنْفَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي الْقَدْرِ، فَالْأَوَّلُ مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ كَيْلَيْنِ مِنَ التَّمْرِ بِكَيْلٍ مِنَ التَّمْرِ وَدِرْهَمٍ، وَالثَّانِي مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ كَيْلَيْنِ مِنَ التَّمْرِ وَثَوْبًا بِثَلَاثَةِ أَكْيَالٍ مِنَ التَّمْرِ وَدِرْهَمٍ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَاللَّيْثُ: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْكُوفِيُّونَ: إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ.
فَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ مَا يُقَابِلُ الْعَرَضَ مِنَ الْجِنْسِ الرِّبَوِيِّ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُسَاوِيًا لَهُ فِي الْقِيمَةِ أَوْ يَكْفِي فِي ذَلِكَ رِضَا الْبَائِعِ؟ فَمَنْ قَالَ الِاعْتِبَارَ بِمُسَاوَاتِهِ فِي الْقِيمَةِ قَالَ: لَا يَجُوزُ لِمَكَانِ الْجَهْلِ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْعَرَضُ مُسَاوِيًا لِفَضْلِ أَحَدِ الرِّبَوِيَّيْنِ عَلَى الثَّانِي كَانَ التَّفَاضُلُ ضَرُورَةً، مِثَالُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إِنْ بَاعَ كَيْلَيْنِ مِنْ تَمْرٍ بِكَيْلٍ وَثَوْبٍ فَقَدْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الثَّوْبِ تُسَاوِي الْكَيْلَ، وَإِلَّا وَقَعَ التَّفَاضُلُ ضَرُورَةً.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَكْتَفِي فِي ذَلِكَ بِأَنْ يَرْضَى بِهِ الْمُتَبَايِعَانِ، وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ أَيْضًا فِي هَذَا سَدَّ الذَّرِيعَةِ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا جَعَلَ جَاعِلٌ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى بَيْعِ الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مُتَفَاضِلًا فَهَذِهِ مَشْهُورَاتُ مَسَائِلِهِمْ فِي هَذَا الْجِنْسِ.

بَابٌ فِي بُيُوعِ الذَّرَائِعِ الرِّبَوِيَّةِ وَهُنَا شَيْءٌ يَعْرِضُ لِلْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، وَلِلْمُتَبَايِعَيْنِ إِذَا اشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ الشَّيْءَ الَّذِي بَاعَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَهُوَ أَنْ يُتَصَوَّرَ بَيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى ذَلِكَ تَبَايُعٌ رِبَوِيٌّ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ إِنْسَانٌ مِنْ إِنْسَانٍ سِلْعَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا، ثُمَّ يَشْتَرِيهَا مِنْهُ بِعِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ، فَإِذَا أُضِيفَتِ الْبَيْعَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الْأُولَى اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ عَلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا دَفَعَ عَشَرَةَ

دَنَانِيرَ فِي عِشْرِينَ إِلَى أَجَلٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعْرَفُ بِبُيُوعِ الْآجَالِ.
فَنَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَسْأَلَةً فِي الْإِقَالَةِ، وَمَسْأَلَةً مِنْ بُيُوعِ الْآجَالِ إِذْ كَانَ هَذَا الْكِتَابُ لَيْسَ الْمَقْصُودُ بِهِ التَّفْرِيعَ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ فِيهِ تَحْصِيلُ الْأُصُولِ.
مَسْأَلَةٌ ; لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ مَنْ بَاعَ شَيْئًا مَا كَأَنَّكَ قُلْتَ عَبْدًا بِمِائَةِ دِينَارٍ مَثَلًا إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ نَدِمَ الْبَائِعُ فَسَأَلَ الْمُبْتَاعَ أَنْ يَصْرِفَ إِلَيْهِ مَبِيعَهُ، وَيَدْفَعَ إِلَيْهِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مَثَلًا نَقْدًا، أَوْ إِلَى أَجَلٍ، أَنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَأَنَّ الْإِقَالَةَ عِنْدَهُمْ إِذَا دَخَلَتْهَا الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ هِيَ بَيْعٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَلَا حَرَجَ فِي أَنْ يَبِيعَ الْإِنْسَانُ الشَّيْءَ بِثَمَنٍ ثُمَّ يَشْتَرِيَهُ بِأَكْثَرَ مِنْهُ، لِأَنَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اشْتَرَى مِنْهُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ الْعَبْدَ الَّذِي بَاعَهُ بِالْمِائَةِ الَّتِي وَجَبَتْ لَهُ وَبِالْعَشَرَةِ مَثَاقِيلَ الَّتِي زَادَهَا نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ بِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى أَجَلٍ، وَعَشَرَةَ مَثَاقِيلَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ.
وَأَمَّا إِنْ نَدِمَ الْمُشْتَرِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَسَأَلَ الْإِقَالَةَ عَلَى أَنْ يُعْطِيَ الْبَائِعَ الْعَشَرَةَ الْمَثَاقِيلَ نَقْدًا أَوْ إِلَى أَجَلٍ أَبْعَدَ مِنَ الْأَجَلِ الَّذِي وَجَبَتْ فِيهِ الْمَسْأَلَةُ، فَهُنَا اخْتَلَفُوا، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ; وَوَجْهُ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ أَنَّ ذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إِلَى قَصْدِ بَيْعِ الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ إِلَى أَجَلٍ، وَإِلَى بَيْعِ ذَهَبٍ وَعَرَضٍ بِذَهَبٍ، لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ دَفَعَ الْعَشَرَةَ مَثَاقِيلَ، وَالْعَبْدَ فِي الْمِائَةِ دِينَارٍ الَّتِي عَلَيْهِ، وَأَيْضًا يَدْخُلُهُ بَيْعٌ وَسَلَفٌ كَأَنَّ الْمُشْتَرِيَ بَاعَهُ الْعَبْدَ بِتِسْعِينَ وَأَسْلَفَهُ عَشَرَةً إِلَى الْأَجَلِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ قَبْضُهَا مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَهَذَا عِنْدَهُ كُلُّهِ جَائِزٌ لِأَنَّهُ شِرَاءٌ مُسْتَأْنَفٌ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيْنَ أَنْ تَكُونَ لِرَجُلٍ عَلَى رَجُلٍ مِائَةُ دِينَارٍ مُؤَجَّلَةٌ، فَيَشْتَرِي مِنْهُ غُلَامًا بِالتِّسْعِينَ دِينَارًا الَّتِي عَلَيْهِ وَيَتَعَجَّلُ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعٍ.
قَالَ: وَحَمْلُ النَّاسِ عَلَى التُّهَمِ لَا يَجُوزُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْبَيْعُ الْأَوَّلُ نَقْدًا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَيْسَ يَدْخُلُهُ بَيْعُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ نَسِيئَةً، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَ ذَلِكَ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِينَةِ (أَعْنِي: الَّذِي يُدَايِنُ النَّاسَ) ، لِأَنَّهُ عِنْدَهُ ذَرِيعَةٌ لِسَلَفٍ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ يَتَوَصَّلَانِ إِلَيْهِ بِمَا أَظْهَرَا مِنَ الْبَيْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ لَهُ حَقِيقَةٌ.

; وَأَمَّا الْبُيُوعُ الَّتِي يُعَرِّفُوهَا بِبُيُوعِ الْآجَالِ، فَهِيَ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ سِلْعَةً بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ ثُمَّ يَشْتَرِيهَا بِثَمَنٍ آخَرَ إِلَى أَجَلٍ آخَرَ أَوْ نَقْدًا.
وَهُنَا تِسْعُ مَسَائِلَ - إِذَا لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ زِيَادَةُ عَرَضٍ - اخْتُلِفَ مِنْهَا فِي مَسْأَلَتَيْنِ، وَاتُّفِقَ فِي الْبَاقِي، وَذَلِكَ أَنَّهُ مَنْ بَاعَ شَيْئًا إِلَى أَجَلٍ، ثُمَّ اشْتَرَاهُ، فَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ إِلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ بِعَيْنِهِ أَوْ قَبْلَهُ، أَوْ بَعْدَهُ، وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ إِمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَهُ بِهِ مِنْهُ، وَإِمَّا بِأَقَلَّ،

وَإِمَّا بِأَكْثَرَ يُخْتَلَفُ مِنْ ذَلِكَ فِي اثْنَيْنِ ; وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِيَهَا قَبْلَ الْأَجَلِ نَقْدًا بِأَقَلَّ مِنَ الثَّمَنِ، أَوْ إِلَى أَبْعَدِ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ.
فَعِنْدَ مَالِكٍ، وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَدَاوُدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ: يَجُوزُ.
فَمَنْ مَنَعَهُ فَوَجْهُ مَنْعِهِ اعْتِبَارُ الْبَيْعِ الثَّانِي بِالْبَيْعِ الْأَوَّلِ، فَاتَّهَمَهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا قَصَدَ دَفْعَ دَنَانِيرَ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا إِلَى أَجَلٍ، وَهُوَ الرِّبَا الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، فَزَوَّرَ لِذَلِكَ هَذِهِ الصُّورَةَ لِيتَوصَّلَا بِهَا إِلَى الْحَرَامِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ لِآخَرَ: أَسْلِفْنِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ إِلَى شَهْرٍ، وَأَرُدُّ إِلَيْكَ عِشْرِينَ دِينَارًا، فَيَقُولُ: هَذَا لَا يَجُوزُ، وَلَكِنْ أَبِيعُ مِنْكَ هَذَا الْحِمَارَ بِعِشْرِينَ إِلَى شَهْرٍ، ثُمَّ أَشْتَرِيهِ مِنْكَ بِعَشَرَةٍ نَقْدًا.
وَأَمَّا فِي الْوُجُوهِ الْبَاقِيَةِ فَلَيْسَ يُتَّهَمُ فِيهَا لِأَنَّهُ إِنْ أَعْطَى أَكْثَرَ مِنَ الثَّمَنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ لَمْ يُتَّهَمْ.
وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَاهَا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَمِنَ الْحُجَّةِ لِمَنْ رَأَى هَذَا الرَّأْيَ حَدِيثُ أَبِي الْعَالِيَةِ، عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا سَمِعَتْهَا وَقَدْ قَالَتْ لَهَا امْرَأَةٌ كَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لِزَيْدِ بْنِ أَرْقَمْ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ، إِنِّي بِعْتُ مِنْ زَيْدٍ عَبْدًا إِلَى الْعَطَاءِ بِثَمَانِمَائَةٍ فَاحْتَاجَ إِلَى ثَمَنِهِ، فَاشْتَرَيْتُهُ مِنْهُ قَبْلَ مَحِلِّ الْأَجَلِ بِسِتِّمِائَةٍ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا شَرَيْتِ، وَبِئْسَمَا اشْتَرَيْتِ، أَبْلِغِي زَيْدًا أَنَّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنْ لَمْ يَتُبْ، قَالَتْ: أَرَأَيْتِ إِنْ تَرَكْتُ وَأَخَذْتُ السِّتَّمِائَةِ دِينَارٍ؟ قَالَتْ: فَهُوَ، ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: 275] » . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُهُ: لَا يَثْبُتُ حَدِيثُ عَائِشَةَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ زَيْدًا قَدْ خَالَفَهَا، وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الصَّحَابَةُ فَمَذْهَبُنَا الْقِيَاسُ، وَرُوِيَ مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَأَمَّا إِذَا حَدَثَ بِالْمَبِيعِ نَقْصٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ، فَإِنَّ الثَّوْرِيَّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْكُوفِيِّينَ أَجَازُوا لِبَائِعِهِ بِالنَّظِرَةِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ نَقْدًا بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ الثَّمَنِ، وَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ.
وَالصُّوَرُ الَّتِي يَعْتَبِرُهَا مَالِكٌ فِي الذَّرَائِعِ فِي هَذِهِ الْبُيُوعِ هِيَ أَنْ يَتَذَرَّعَ مِنْهَا إِلَى: أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ، أَوْ إِلَى بَيْعِ مَا لَا يَجُوزُ مُتَفَاضِلًا، أَوْ بَيْعِ مَا لَا يَجُوزُ نَسَاءً، أَوْ إِلَى بَيْعٍ، وَسَلَفٍ، أَوْ إِلَى ذَهَبٍ، وَعَرَضٍ بِذَهَبٍ، أَوْ إِلَى: ضَعْ وَتَعَجَّلْ، أَوْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، أَوْ بِيعٍ وَصَرْفٍ، فَإِنَّ هَذِهِ هِيَ أُصُولُ الرِّبَا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنْ بَاعَ طَعَامًا بِطَعَامٍ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، فَمَنَعَهُ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ، وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَحُجَّةُ مَنْ كَرِهَهُ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِبَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ نَسَاءً، وَمَنْ أَجَازَهُ لَمْ يَرَ ذَلِكَ فِيهِ اعْتِبَارًا بِتَرْكِ الْقَصْدِ إِلَى ذَلِكَ.

وَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِيمَنِ اشْتَرَى طَعَامًا بِثَمَنٍ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الْبَائِعِ طَعَامٌ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، فَاشْتَرَى مِنَ الْمُشْتَرِي طَعَامًا بِثَمَنٍ يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ مَكَانَ طَعَامِهِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ فَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْتَرِيَ الطَّعَامَ مِنْ غَيْرِ الْمُشْتَرِي الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَلَيْهِ، أَوْ مِنَ الْمُشْتَرِي نَفْسِهِ; وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ، وَرَآهُ مِنَ الذَّرِيعَةِ إِلَى بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ، لِأَنَّهُ رَدَّ إِلَيْهِ الطَّعَامَ الَّذِي كَانَ تَرَتَّبَ فِي ذِمَّتِهِ، فَيَكُونُ قَدْ بَاعَهُ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ.
وَصُورَةُ الذَّرِيعَةِ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَشْتَرِيَ رَجُلٌ مِنْ آخَرَ طَعَامًا إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَالَ الَّذِي عَلَيْهِ الطَّعَامُ: لَيْسَ عِنْدِي طَعَامٌ، وَلَكِنْ أَشْتَرِي مِنْكَ الطَّعَامَ الَّذِي وَجَبَ لَكَ عَلَيَّ، فَقَالَ: هَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ بِيعَ الطَّعَامُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ فَيَقُولُ لَهُ: فَبِعْ طَعَامًا مِنِّي وَأَرُدُّهُ عَلَيْكَ، فَيَعْرِضُ مِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرْنَاهُ، (أَعْنِي: أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ الطَّعَامَ الَّذِي أُخِذَ مِنْهُ، وَيُبْقِيَ الثَّمَنَ الْمَدْفُوعَ إِنَّمَا هُوَ ثَمَنُ الطَّعَامِ الَّذِي هُوَ فِي ذِمَّتِهِ) . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ: فَلَا يَعْتَبِرُ التُّهَمَ كَمَا قُلْنَا، وَإِنَّمَا يُرَاعِي فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ مِنَ الْبُيُوعِ مَا اشْتَرَطَا وَذَكَرَاهُ بِأَلْسِنَتِهِمَا وَظَهَرَ مِنْ فِعْلِهِمَا لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّرَاهِمَ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا، وَأَنْظِرُكَ بِهَا حَوْلًا، أَوْ شَهْرًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَوْ قَالَ لَهُ: أَسْلِفْنِي دَرَاهِمَ، وَأَمْهِلْنِي بِهَا حَوْلًا أَوْ شَهْرًا جَازَ، فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا إِلَّا اخْتِلَافُ لَفْظِ الْبَيْعِ، وَقَصْدِهِ، وَلَفَظِ الْقَرْضِ وَقَصْدِهِ.
وَلَمَّا كَانَتْ أُصُولُ الرِّبَا كَمَا قُلْنَا خَمْسَةً: أَنْظِرْنِي أَزِدْكَ، وَالتَّفَاضُلُ، وَالنَّسَاءُ، وَضَعْ وَتَعَجَّلْ، وَبَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ؛ فَإِنَّهُ يُظَنُّ أَنَّهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، إِذْ فَاعِلُ ذَلِكَ يَدْفَعُ دَنَانِيرَ وَيَأْخُذُ أَكْثَرَ مِنْهَا مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفِ فِعْلٍ، وَلَا ضَمَانٍ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ نَذْكُرَ هَاهُنَا هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ.
أَمَّا ضَعْ وَتَعَجَّلْ: فَأَجَازَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَزُفَرُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَمَنَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ، فَأَجَازَ مَالِكٌ، وَجُمْهُورُ مَنْ يُنْكِرُ: ضَعْ وَتَعَجَّلْ، أَنْ يَتَعَجَّلَ الرَّجُلُ فِي دَيْنِهِ الْمُؤَجَّلِ عَرَضًا يَأْخُذُهُ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ.
وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ ضَعْ وَتَعَجَّلْ: أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالزِّيَادَةِ مَعَ النَّظِرَةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَوَجْهُ شَبَهِهِ بِهَا أَنَّهُ جَعَلَ لِلزَّمَانِ مِقْدَارًا مِنَ الثَّمَنِ بَدَلًا مِنْهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ جَمِيعًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ هُنَالِكَ لَمَّا زَادَ لَهُ فِي الزَّمَانِ زَادَ لَهُ عَرَضُهُ ثَمَنًا، وَهُنَا لَمَّا حَطَّ عَنْهُ الزَّمَانَ حَطَّ عَنْهُ فِي مُقَابَلَتِهِ ثَمَنًا.
وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا أَمَرَ بِإِخْرَاجِ بَنِي النَّضِيرِ جَاءَهُ نَاسٌ مِنْهُمْ، فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنَّكَ أَمَرْتَ بِإِخْرَاجِنَا، وَلَنَا عَلَى النَّاسِ دُيُونٌ لَمْ تَحِلَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: ضَعُوا وَتَعَجَّلُوا» ، فَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ قِيَاسِ الشَّبَهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ.

[بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ]

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ مِنَ الْمَبِيعَاتِ] وَأَمَّا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ إِلَّا مَا يُحْكَى عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ.
وَإِنَّمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ لِثُبُوتِ النَّهْيِ عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَقْبِضَهُ» . وَاخْتُلِفَ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: أَحَدُهَا: فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ مِنَ الْمَبِيعَاتِ.
وَالثَّانِي: فِي الِاسْتِفَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا الْقَبْضُ مِنَ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ.
وَالثَّالِثُ: فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُبَاعُ مِنَ الطَّعَامِ مَكِيلًا وَجُزَافًا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ فُصُول

ٍ: الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَبْضُ مِنَ الْمَبِيعَاتِ

وَأَمَّا بَيْعُ مَا سِوَى الطَّعَامِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي إِجَازَتِهِ وَأَمَّا الطَّعَامُ الرِّبَوِيُّ فَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِهِ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي بَيْعِهِ.
وَأَمَّا غَيْرُ الرِّبَوِيِّ مِنَ الطَّعَامِ فَعَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا الْمَنْعُ وَهِيَ الْأَشْهَرُ، وَبِهَا قَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، إِلَّا أَنَّهُمَا اشْتَرَطَا مَعَ الطُّعْمِ الْكَيْلَ، وَالْوَزْنَ.
وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الْجَوَازُ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ: فَالْقَبْضُ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي كُلِّ بِيعٍ مَا عَدَا الْمَبِيعَاتِ الَّتِي لا تَنْتَقِلُ وَلَا تُحَوَّلُ مِنَ الدُّورِ، وَالْعَقَارِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّ الْقَبْضَ عِنْدَهُ شَرْطٌ فِي كُلِّ مَبِيعٍ، وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ، وَإِسْحَاقُ: كُلُّ شَيْءٍ لَا يُكَالُ، وَلَا يُوزَنُ فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَاشْتَرَطَ هَؤُلَاءِ الْقَبْضَ فِي الْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ، وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، وَرَبِيعَةُ، وَزَادَ هَؤُلَاءِ مَعَ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ الْمَعْدُودَ.
فَيَتَحَصَّلُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ: الْأَوَّلُ: فِي الطَّعَامِ الرِّبَوِيِّ فَقَطْ.
وَالثَّانِي: فِي الطَّعَامِ بِإِطْلَاقٍ.
الثَّالِثُ: فِي الطَّعَامِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
الرَّابِعُ: فِي كُلِّ شَيْءٍ يُنْقَلُ.
الْخَامِسُ: فِي كُلِّ شَيْءٍ.

السَّادِسُ: فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ.
السَّابِعُ: فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ.
أَمَّا عُمْدَةُ مَالِكٍ فِي مَنْعِهِ مَا عَدَا الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ: فَدَلِيلُ الْخِطَابِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَأَمَّا عُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ فِي تَعْمِيمِ ذَلِكَ فِي كُلِّ بَيْعٍ فَعُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ» . وَهَذَا مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا لَمْ يُضْمَنْ، وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي دُخُولِ الْمَبِيعِ فِي ضَمَانِ الْمُشْتَرِي، وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. إِنِّي أَشْتَرِي بُيُوعًا فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْهَا وَمَا يَحْرُمُ؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي، إِذَا اشْتَرَيْتَ بَيْعًا فَلَا تَبِعْهُ حَتَّى تَقْبِضَهُ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ: حَدِيثُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عِصْمَةَ حَدَّثَهُ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ قَالَ: وَيُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِصْمَةَ لَا أَعْرِفُ لَهُمَا جُرْحَةً، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُمَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ فَقَطْ، وَذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ بِجُرْحَةٍ، وَإِنْ كَرِهَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ.
وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ بَيْعَ مَا لَمْ يُقْبَضْ يُتَطَرَّقُ مِنْهُ إِلَى الرِّبَا، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مَا يُحَوَّلُ، وَيُنْقَلُ عِنْدَهُ مِمَّا لَا يُنْقَلُ، لِأَنَّ مَا يُنْقَلُ الْقَبْضُ عِنْدَهُ فِيهِ هِيَ التَّخْلِيَةُ.
وَأَمَّا مَنِ اعْتَبَرَ الْكَيْلَ، وَالْوَزْنَ، فَلِاتِّفَاقِهِمْ أَنَّ الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ لَا يَخْرُجُ مِنْ ضَمَانِ الْبَائِعِ إِلَى ضَمَانِ الْمُشْتَرِي إِلَّا بِالْكَيْلِ، أَوِ الْوَزْنِ، وَقَدْ نُهِيَ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُضْمَنْ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي الِاسْتِفَادَاتِ الَّتِي يُشْتَرَطُ فِي بَيْعِهَا الْقَبْضُ مِنَ الَّتِي لَا يُشْتَرَطُ]

وَأَمَّا مَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِ مِمَّا لَا يُعْتَبَرُ، فَإِنَّ الْعُقُودَ تَنْقَسِمُ أَوَّلًا إِلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ يَكُونُ بِمُعَاوَضَةٍ، وَقِسْمٌ يَكُونُ بِغَيْرِ مُعَاوَضَةٍ كَالْهِبَاتِ وَالصَّدَقَاتِ.
وَالَّذِي يَكُونُ بِمُعَاوَضَةٍ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: يَخْتَصُّ بِقَصْدِ الْمُغَابَنَةِ وَالْمُكَايَسَةِ، وَهِيَ الْبُيُوعُ، وَالْإِجَارَاتُ، وَالْمُهُورُ، وَالصُّلْحُ، وَالْمَالُ الْمَضْمُونُ بِالتَّعَدِّي وَغَيْرِهِ.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: لَا يَخْتَصُّ بِقَصْدِ الْمُغَابَنَةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ عَلَى جِهَةِ الرِّفْقِ وَهُوَ الْقَرْضُ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: فَهُوَ مَا يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا (أَعْنِي: عَلَى قَصْدِ الْمُغَابَنَةِ، وَعَلَى قَصْدِ الرِّفْقِ) ، كَالشَّرِكَةِ، وَالْإِقَالَةِ، وَالتَّوْلِيَةِ.
وَتَحْصِيلُ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْأَقْسَامِ: أَمَّا مَا كَانَ بَيْعًا وَبِعِوَضٍ فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ فِيهِ، وَذَلِكَ فِي الشَّيْءِ الَّذِي يَشْتَرِطُ فِيهِ الْقَبْضَ وَاحِدٌ وَاحِدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِلرِّفْقِ (أَعْنِي: الْقَرْضَ) ، فَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا فِي بَيْعِهِ (أَعْنِي: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَبِيعَ الْقَرْضَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ) . وَاسْتَثْنَى أَبُو حَنِيفَةَ مِمَّا يَكُونُ بِعِوَضٍ الْمَهْرَ، وَالْخُلْعَ، فَقَالَ: يَجُوزُ بَيْعُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ.
وَأَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي تَتَرَدَّدُ بَيْنَ قَصْدِ الرِّفْقِ وَالْمُغَابَنَةِ (وَهِيَ التَّوْلِيَةُ، وَالشَّرِكَةُ، وَالْإِقَالَةُ) ، فَإِذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ الرِّفْقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ الْإِقَالَةُ، أَوِ التَّوْلِيَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَلَا خِلَافَ أَعْلَمُهُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا تَجُوزُ الشَّرِكَةُ، وَلَا التَّوْلِيَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ عِنْدَهُمَا لِأَنَّهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَسْخُ بَيْعٍ لَا بَيْعٌ.
فَعُمْدَةُ مَنِ اشْتَرَطَ الْقَبْضَ فِي جَمِيعِ الْمُعَاوَضَاتِ أَنَّهَا فِي مَعْنَى الْبَيْعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ التَّوْلِيَةَ، وَالْإِقَالَةَ، وَالشَّرِكَةَ لِلْأَثَرِ وَالْمَعْنَى.
أَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رَوَاهُ مِنْ مُرْسَلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ شَرِكَةٍ، أَوْ تَوْلِيَةٍ، أَوْ إِقَالَةٍ» . وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى: فَإِنَّ هَذِهِ إِنَّمَا يُرَادُ بِهَا الرِّفْقُ لَا الْمُغَابَنَةُ إِذَا لَمْ تَدْخُلْهَا زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ، وَإِنَّمَا اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ الصَّدَاقَ، وَالْخُلْعَ، وَالْجُعْلَ، لِأَنَّ الْعِوَضَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ بَيِّنًا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَيْنًا.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ مَا يُبَاعُ مِنَ الطَّعَامِ مَكِيلًا وَجُزَافًا]

وَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْقَبْضِ فِيمَا بِيعَ مِنَ الطَّعَامِ جُزَافًا، فَإِنَّ مَالِكًا رَخَّصَ فِيهِ وَأَجَازَهُ، وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَحُجَّتُهُمَا عُمُومُ الْحَدِيثِ الْمُتَضَمِّنِ لِلنَّهْي عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، لِأَنَّ الذَّرِيعَةَ مَوْجُودَةٌ فِي الْجُزَافِ، وَغَيْرِ الْجُزَافِ.
وَمِنَ الْحُجَّةِ لَهُمَا مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَبْتَاعُ الطَّعَامَ جُزَافًا، فَبَعَثَ إِلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنَ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ» . قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَإِنْ كَانَ مَالِكٌ لَمْ يَرْوِ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرَ الْجُزَافِ، فَقَدْ رَوَتْهُ جَمَاعَةٌ وَجَوَّدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَغَيْرُهُ، وَهُوَ مُقَدَّمٌ فِي حِفْظِ حَدِيثِ نَافِعٍ.

وَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْجُزَافَ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ مِنْ ضَمَانِ الْمُشْتَرِي بِنَفْسِ الْعَقْدِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْقِيَاسِ الْمَظْنُونِ الْعِلَّةِ، وَقَدْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ الرَّجُلِ شَيْئًا لَا يَمْلِكُهُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى عِينَةً عِنْدَ مَنْ يَرَى نَقْلَهُ مِنْ بَابِ الذَّرِيعَةِ إِلَى الرِّبَا.
وَأَمَّا مَنْ رَأَى مَنْعَهُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ قَدْ لَا يُمْكِنُهُ نَقْلُهُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي بُيُوعِ الْغَرَرِ.
وَصُورَةُ التَّذَرُّعِ مِنْهُ إِلَى الرِّبَا الْمَنْهِيِّ عَنْهُ: أَنْ يَقُولَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: أَعْطِنِي عَشَرَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَنْ أَدْفَعَ لَكَ إِلَى مُدَّةِ كَذَا ضِعْفَهَا، فَيَقُولُ لَهُ: هَذَا لَا يَصْلُحُ، وَلَكِنْ أَبِيعُ مِنْكَ سِلْعَةَ كَذَا لِسِلْعَةٍ يُسَمِّيهَا لَيْسَتْ عِنْدَهُ بِهَذَا الْعَدَدِ، ثُمَّ يَعْمِدُ هُوَ فَيَشْتَرِي تِلْكَ السِّلْعَةَ فَيَقْبِضُهَا لَهُ بَعْدَ أَنْ كَمُلَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، وَتِلْكَ السِّلْعَةُ قِيمَتُهَا قَرِيبٌ مِمَّا كَانَ سَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ مِنَ الدَّرَاهِمِ قَرْضًا فَيَرُدُّ عَلَيْهِ ضِعْفَهَا، وَفِي الْمَذْهَبِ فِي هَذَا تَفْصِيلٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهِ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا غَيْرُ جَائِزَةٍ فِي الْمَذْهَبِ (أَعْنِي: إِذَا تَقَارَّا عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي يَأْخُذُ بِهِ السِّلْعَةَ قَبْلَ شِرَائِهَا) . وَأَمَّا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ، فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَنْعِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ هَلْ هِيَ مِنْهُ أَمْ لَيْسَتْ مِنْهُ؟ مِثْلُ مَا كَانَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُجِيزُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ غَرِيمِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ تَمْرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ، وَلَا سُكْنَى دَارٍ، وَلَا جَارِيَةً تَتَوَاضَعُ، وَيَرَاهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
وَكَانَ أَشْهَبُ يُجِيزُ ذَلِكَ وَيَقُولُ: لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَإِنَّمَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ، وَهُوَ قِيَاسُ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَمِمَّا أَجَازَهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَخَالَفَهُ فِيهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مَا قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَبِيعُونَ اللَّحْمَ بِسِعْرٍ مَعْلُومٍ، وَالثَّمَنُ إِلَى الْعَطَاءِ، فَيَأْخُذُ الْمُبْتَاعُ كُلَّ يَوْمٍ وَزْنًا مَعْلُومًا قَالَ: وَلَمْ يَرَ النَّاسُ بِذَلِكَ بَأْسًا، وَكَذَلِكَ كَلُّ مَا يُبْتَاعُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِيمَا خُشِيَ عَلَيْهِ الْفَسَادُ مِنَ الْفَوَاكِهِ إِذَا أُخِذَ جَمِيعُهُ.
وَأَمَّا الْقَمْحُ وَشِبْهُهُ فَلَا، فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ هَذَا الْبَابِ، وَهَذَا الْبَابُ كُلُّهُ إِنَّمَا حُرِّمَ فِي الشَّرْعِ لِمَكَانِ الْغَبْنِ الَّذِي يَكُونُ طَوْعًا وَعَنْ عِلْمٍ.

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا بِسَبَبِ الْغَرَرِ]

[الْبُيُوعُ الْمَنْطُوقُ بِهَا أَوِ الْمَسْمُوعَةُ]

الْبَابُ الثَّالِثُ [فِي الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا] وَهِيَ الْبُيُوعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا مِنْ قِبَلِ الْغَبْنِ الَّذِي سَبَبُهُ الْغَرَرُ، وَالْغَرَرُ يُوجَدُ فِي الْمَبِيعَاتِ مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ عَلَى أَوْجُهٍ: إِمَّا مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ بِتَعْيِينِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، أَوْ تَعْيِينِ الْعَقْدِ، أَوْ مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ بِوَصْفِ الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ الْمَبِيعِ، أَوْ بِقَدْرِهِ، أَوْ بِأَجَلِهِ إِنْ كَانَ هُنَالِكَ أَجَلٌ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ بِوُجُودِهِ، أَوْ تَعَذُّرِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ، وَإِمَّا مِنْ جِهَةِ الْجَهْلِ بِسَلَامَتِهِ (أَعْنِي: بَقَاءَهُ) ، وَهَاهُنَا بُيُوعٌ تَجَمَعُ أَكْثَرَ هَذِهِ أَوْ بَعْضَهَا.

وَمِنَ الْبُيُوعِ الَّتِي تُوجَدُ فِيهَا هَذِهِ الضُّرُوبُ مِنَ الْغَرَرِ: بُيُوعٌ مَنْطُوقٌ بِهَا، وَبُيُوعٌ مَسْكُوتٌ عَنْهَا، وَالْمَنْطُوقُ بِهِ أَكْثَرُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُخْتَلَفُ فِي شَرْحِ أَسْمَائِهَا، وَالْمَسْكُوتُ عَنْهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ أَوَّلًا الْمَنْطُوقَ بِهِ فِي الشَّرْعِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْفِقْهِ، ثُمَّ نَذْكُرُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ مَا شَهُرَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لِيَكُونَ كَالْقَانُونِ فِي نَفْسِ الْفِقْهِ (أَعْنِي: فِي رَدِّ الْفُرُوعِ إِلَى الْأُصُولِ) . فَأَمَّا الْمَنْطُوقُ بِهِ فِي الشَّرْعِ فَمِنْهُ: «نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ» ، وَمِنْهَا: «نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ» ، «وَعَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِي» ، «وَعَنْ بَيْعِ الْمُلَامَسَةِ، وَالْمُنَابَذَةِ» ، «وَعَنْ بَيْعِ الْحَصَاةِ» ، وَمِنْهَا: «نَهْيُهُ عَنِ الْمُعَاوَمَةِ» ، «وَعَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» ، «وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ، «وَعَنْ بَيْعٍ، وَسَلَفٍ» ، «وَعَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَالْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ» ، «وَنَهْيُهُ عَنِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ» . أَمَّا بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ: فَكَانَتْ صُورَتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَلْمِسَ الرَّجُلُ الثَّوْبَ وَلَا يَنْشُرَهُ، أَوْ يَبْتَاعَهُ لَيْلًا وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ الْجَهْلُ بِالصِّفَةِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْمُنَابَذَةِ: فَكَانَ أَنْ يَنْبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ إِلَى صَاحِبِهِ الثَّوْبَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَ أَنَّ هَذَا بِهَذَا، بَلْ كَانُوا يَجْعَلُونَ ذَلِكَ رَاجِعًا إِلَى الِاتِّفَاقِ.
وَأَمَّا بَيْعُ الْحَصَاةِ: فَكَانَتْ صُورَتُهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَقُولَ الْمُشْتَرِي: أَيُّ ثَوْبٍ وَقَعَتْ الْحَصَاةُ مِنْ يَدِي فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ وَهَذَا قِمَارٌ.

وَأَمَّا بَيْعُ حَبَلِ الْحَبَلَةِ: فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهَا كَانَتْ بُيُوعًا يُؤَجِّلُونَهَا إِلَى أَنْ تُنْتِجَ النَّاقَةُ مَا فِي بَطْنِهَا، ثُمَّ يَنْتِجُ مَا فِي بَطْنِهَا، وَالْغَرَرُ مِنْ جِهَةِ الْأَجَلِ فِي هَذَا بَيِّنٌ; وَقِيلَ: إِنَّمَا هُوَ بَيْعُ جَنِينِ النَّاقَةِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الْمَضَامِينِ، وَالْمَلَاقِيحِ.
(وَالْمَضَامِينُ: هِيَ مَا فِي بُطُونِ الْحَوَامِلِ، وَالْمَلَاقِيحُ: مَا فِي ظُهُورِ الْفُحُولِ) ، فَهَذِهِ كُلُّهَا بُيُوعُ جَاهِلِيَّةٍ مُتَّفَقٌ عَلَى تَحْرِيمِهَا، وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
وَأَمَّا بَيْعُ الثِّمَارِ: فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِهَا حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا وَحَتَّى تُزْهِيَ» . وَيَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ نَذْكُرُ مِنْهَا نَحْنُ عُيُونَهَا.
وَذَلِكَ أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّقَ أَوْ بَعْدَ أَنْ تُخَلَّقَ، ثُمَّ إِذَا خُلِّقَتْ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الصِّرَامِ أَوْ قَبْلَهُ، ثُمَّ إِذَا كَانَ قَبْلَ الصِّرَامِ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ أَوْ بَعْدَ أَنْ تُزْهِيَ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا مُطْلَقًا أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، أَوْ بِشَرْطِ الْقَطْعِ.
أَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ (وَهُوَ بَيْعُ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُخَلَّقَ) : فَجَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مُطْبِقُونَ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَمِنْ بَابِ بَيْعِ السِّنِينَ وَالْمُعَاوَمَةِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ، وَعَنْ بَيْعِ الْمُعَاوَمَةِ» ، وَهِيَ بَيْعُ الشَّجَرِ أَعْوَامًا.
إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُمَا كَانَا يُجِيزَانِ بَيْعَ الثِّمَارِ سِنِينَ.
وَأَمَّا بَيْعُهَا بَعْدَ الصِّرَامِ: فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ.
وَأَمَّا بَيْعُهَا بَعْدَ أَنْ خُلِّقَتْ: فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ الَّذِي نَذْكُرُهُ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ الصِّرَامِ، فَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ: إِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الصِّرَامِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ بَعْدَ أَنْ تُزْهِيَ أَوْ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ، وَقَدْ قُلْنَا: إِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَيْعًا مُطْلَقًا، أَوْ بَيْعًا بِشَرْطِ الْقَطْعِ، أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ.
فَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ: فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ مَنْعِ ذَلِكَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ.
وَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ: فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إِلَّا مَا ذَكَرَهُ اللَّخْمِيُّ مِنْ جَوَازِهِ تَخْرِيجًا عَلَى الْمَذْهَبِ.
وَأَمَّا بَيْعُهَا قَبْلَ الزَّهْوِ مُطْلَقًا: فَاخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ، فَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ: مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَاللَّيْثُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَغَيْرُهُمْ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُشْتَرِيَ عِنْدَهُ فِيهِ الْقَطْعُ لَا مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ بَلْ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ عِنْدَهُ فِي بَيْعِ الثَّمَرِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَعْدُ.
أَمَّا دَلِيلُ الْجُمْهُورِ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا مُطْلَقًا قَبْلَ الزَّهْوِ، فَالْحَدِيثُ الثَّابِتُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ " فَعُلِمَ أَنَّ مَا بَعْدَ الْغَايَةِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ الْغَايَةِ، وَأَنَّ هَذَا النَّهْيَ يَتَنَاوَلُ الْبَيْعَ الْمُطْلَقَ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَلَمَّا ظَهَرَ لِلْجُمْهُورِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي هَذَا خَوْفُ مَا يُصِيبُ الثِّمَارَ مِنَ الْجَائِحَةَ غَالِبًا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ الزَّهْوِ «أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» لَمْ يَحْمِلِ الْعُلَمَاءُ النَّهْيَ فِي هَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ (أَعْنِي: النَّهْيَ عَنِ الْبَيْعِ قَبْلَ الْإِزْهَاءِ) بَلْ رَأَى أَنَّ مَعْنَى النَّهْيِ هُوَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إِلَى الْإِزْهَاءِ، فَأَجَازُوا بَيْعَهَا قَبْلَ الْإِزْهَاءِ بِشَرْطِ الْقَطْعِ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَرَدَ الْبَيْعُ مُطْلَقًا فِي هَذِهِ الْحَالِ: هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْقَطْعِ وَهُوَ الْجَائِزُ، أَوْ عَلَى التَّبْقِيَةِ الْمَمْنُوعَةِ؟ فَمَنْ حَمَلَ الْإِطْلَاقَ عَلَى التَّبْقِيَةِ، أَوْ رَأَى أَنَّ النَّهْيَ يَتَنَاوَلُهُ بِعُمُومِهِ قَالَ: لَا يَجُوزُ; وَمَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْقَطْعِ قَالَ: يَجُوزُ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِطْلَاقَ مَحْمُولٌ عَلَى التَّبْقِيَةِ، وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَطْعِ.
وَأَمَّا الْكُوفِيُّونَ فَحُجَّتُهُمْ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ مُطْلَقًا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّابِتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ بَاعَ نَخْلًا قَدْ أُبِّرَتْ فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْمُبْتَاعُ» ، قَالُوا: فَلَمَّا جَازَ أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ جَازَ بِيعُهُ مُفْرَدًا، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ الْوَارِدَ بِالنَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ عَلَى النَّدْبِ، وَاحْتَجُّوا لِذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: «كَانَ النَّاسُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَتَبَايَعُونَ الثِّمَارَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، فَإِذَا جَدَّ النَّاسُ وَحَضَرَ تَقَاضِيهِمْ قَالَ الْمُبْتَاعُ: أَصَابَ الثَّمَرَ الزَّمَانُ، أَصَابَهُ مَا أَضَرَّ بِهِ قُشَامٌ وَمُرَاضٌ (لِعَاهَاتٍ يَذْكُرُونَهَا) ، فَلَمَّا كَثُرَتْ خُصُومَتُهُمْ عِنْدَ النَّبِيِّ قَالَ كَالْمَشُورَةِ يُشِيرُ بِهَا عَلَيْهِمْ: لَا تَبِيعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا» ، وَرُبَّمَا قَالُوا: إِنَّ الْمَعْنَى الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ فِي قَوْلِهِ: «حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ» هُوَ ظُهُورُ الثَّمَرَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَرَأَيْتَ إِنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ فَبِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟» . وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَى مَنْ قَالَ مِنَ الْكُوفِيِّينَ بِهَذَا الْقَوْلِ، وَلَمْ يَكُنْ يَرَى رَأْيَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ بَيْعِ الثِّمَارِ الْقَطْعَ أَنْ يُجِيزَ بَيْعَ الثَّمَرِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا عَلَى شَرْطِ التَّبْقِيَةِ، فَالْجُمْهُورُ يَحْمِلُونَ جَوَازَ بَيْعِ الثِّمَارِ بِالشَّرْطِ قَبْلَ الْإِزْهَاءِ عَلَى الْخُصُوصِ (أَعْنِي: إِذَا بِيعَ الثَّمَرُ مَعَ الْأَصْلِ) . وَأَمَّا شِرَاءُ الثَّمَرِ مُطْلَقًا بَعْدَ الزَّهْوِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَالْإِطْلَاقُ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يَقْتَضِي التَّبْقِيَةَ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَرَأَيْتَ إِنْ مَنْعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ..» الْحَدِيثَ.
وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْهُ أَنَّ الْجَوَائِحَ إِنَّمَا تَطْرَأُ فِي الْأَكْثَرِ عَلَى الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَأَمَّا بَعْدَ

بُدُوِّ الصَّلَاحِ فَلَا تَظْهَرُ إِلَّا قَلِيلًا، وَلَوْ لَمْ يَجِبْ فِي الْمَبِيعِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ جَائِحَةٌ تُتَوَقَّعُ، وَكَانَ هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلًا.
وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَهُمْ بَيْعُ الثَّمَرِ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَالْإِطْلَاقُ عِنْدَهُمْ كَمَا قُلْنَا مَحْمُولٌ عَلَى الْقَطْعِ، وَهُوَ خِلَافُ مَفْهُومِ الْحَدِيثِ، وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ نَفْسَ بَيْعِ الشَّيْءِ يَقْتَضِي تَسْلِيمَهُ وَإِلَّا لَحِقَهُ الْغَرَرُ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُبَاعَ الْأَعْيَانُ إِلَى أَجَلٍ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الثِّمَارِ مُسْتَثْنًى مِنْ بَيْعِ الْأَعْيَانِ إِلَى أَجَلٍ، لِكَوْنِ الثَّمَرِ لَيْسَ يُمْكِنُ أَنْ يَيْبَسَ كُلُّهُ دُفْعَةً، فَالْكُوفِيُّونَ خَالَفُوا الْجُمْهُورَ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي جَوَازِ بَيْعِهَا قَبْلَ أَنْ تُزْهِيَ.
وَالثَّانِي: فِي مَنْعِ تَبْقِيَتِهَا بِالشَّرْطِ بَعْدَ الْإِزْهَاءِ، أَوْ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، وَخِلَافُهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ أَقْوَى مِنْ خِلَافِهِمْ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي (أَعْنِي: فِي شَرْطِ الْقَطْعِ وَإِنْ أُزْهِيَ) ، وَإِنَّمَا كَانَ خِلَافُهُمْ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ أَقْرَبَ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، لِأَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَأَمَّا بُدُوُّ الصَّلَاحِ الَّذِي جَوَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْعَ بَعْدَهُ، فَهُوَ أَنْ يَصْفَرَّ فِيهِ الْبُسْرُ، وَيَسْوَدَّ فِيهِ الْعِنَبُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَسْوَدُّ، وَبِالْجُمْلَةِ أَنْ تَظْهَرَ فِي الثَّمَرِ صِفَةُ الطِّيبِ، هَذَا هُوَ قَوْلُ جَمَاعَةِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لِمَا رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ حَتَّى يُزْهِيَ، فَقَالَ: حَتَّى يَحْمَرَّ» ، وَرُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَالْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» ، وَكَانَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْهُ لَا يَبِيعُ ثِمَارَهُ حَتَّى تَطْلُعَ الثُّرَيَّا، وَذَلِكَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ أَيَارَ وَهُوَ مَايُو، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا " سُئِلَ عَنْ «قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تَنْجُوَ مِنَ الْعَاهَاتِ» ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: ذَلِكَ وَقْتُ طُلُوعِ الثُّرَيَّا " وَرُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «إِذَا طَلَعَ النَّجْمُ صَبَاحًا رُفِعَتِ الْعَاهَاتُ عَنْ أَهْلِ الْبَلَدِ» ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ، عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُبَاعَ الْحَائِطُ، وَإِنْ لَمْ يَزْهَ إِذَا أَزْهَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْحِيطَانِ إِذَا كَانَ الزَّمَانُ قَدْ أُمِنَتْ فِيهِ الْعَاهَةُ، يُرِيدُ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - طُلُوعَ الثُّرَيَّا، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ حَائِطٌ حَتَّى يَبْدُوَ فِيهِ الزَّهْوُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ مَعَ الْإِزْهَاءِ طُلُوعُ الثُّرَيَّا.
فَالْمُحَصَّلُ فِي بُدُوِّ الصَّلَاحِ لِلْعُلَمَاءِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قَوْلٌ: إِنَّهُ الْإِزْهَاءُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَقَوْلٌ: إِنَّهُ طُلُوعُ الثُّرَيَّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَائِطِ فِي حِينِ الْبَيْعِ إِزْهَاءٌ; وَقَوْلٌ: الْأَمْرَانِ جَمِيعًا.
وَعَلَى

الْمَشْهُورِ مِنِ اعْتِبَارِ الْإِزْهَاءِ، يَقُولُ مَالِكٌ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي الْحَائِطِ الْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ أَجْنَاسٌ مِنَ الثَّمَرِ مُخْتَلِفَةُ الطِّيبِ لَمْ يُبَعْ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهَا إِلَّا بِظُهُورِ الطِّيبِ فِيهِ، وَخَالَفَهُ فِي ذَلِكَ اللَّيْثُ.
وَأَمَّا الْأَنْوَاعُ الْمُتَقَارِبَةُ الطِّيبِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِطِيبِ الْبَعْضِ، وَبُدُوُّ الصَّلَاحِ الْمُعْتَبَرُ عَنْ مَالِكٍ فِي الصِّنْفِ الْوَاحِدِ مِنَ الثَّمَرِ هُوَ وُجُودُ الْإِزْهَاءِ فِي بَعْضِهِ لَا فِي كُلِّهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْإِزْهَاءُ مُبَكِّرًا فِي بَعْضِهِ تَبْكِيرًا يَتَرَاخَى عَنْهُ الْبَعْضُ بَلْ إِذَا كَانَ مُتَتَابِعًا، لِأَنَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَنْجُو الثَّمَرَةُ فِيهِ فِي الْغَالِبِ مِنَ الْعَاهَاتِ هُوَ إِذَا بَدَأَ الطِّيبُ فِي الثَّمَرَةِ ابْتِدَاءً مُتَنَاسِقًا غَيْرَ مُنْقَطِعٍ.
وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا بَدَا الطِّيبُ فِي نَخْلَةِ بُسْتَانٍ جَازَ بَيْعُهُ وَبَيْعُ الْبَسَاتِينِ الْمُجَاوِرَةِ لَهُ إِذَا كَانَ نَخْلُ الْبَسَاتِينِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ إِلَّا بَيْعُ نَخْلِ الْبُسْتَانِ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ الطِّيبُ فَقَطْ.
وَمَالِكٌ اعْتَبَرَ الْوَقْتَ الَّذِي تُؤْمَنُ فِيهِ الْعَاهَةُ إِذَا كَانَ الْوَقْتُ وَاحِدًا لِلنَّوْعِ الْوَاحِدِ.
وَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ نُقْصَانَ خِلْقَةِ الثَّمَرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَطِبْ كَانَ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَذَلِكَ أَنَّ صِفَةَ الطِّيبِ فِيهِ وَهِيَ مُشْتَرَاةٌ لَمْ تُخَلَّقْ بَعْدُ، لَكِنَّ هَذَا كَمَا قَالَ لَا يُشْتَرَطُ فِي كُلِّ الثَّمَرَةِ بَلْ فِي بَعْضِ ثَمَرَةِ جَنَّةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ، فَهَذَا هُوَ مَشْهُورُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ.
وَمِنَ الْمَسْمُوعِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا جَاءَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مِنَ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ، وَالْعِنَبِ حَتَّى يَسْوَدَّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْحِنْطَةِ فِي سُنْبُلِهَا دُونَ السُّنْبُلِ، لِأَنَّهُ بِيعَ مَا لَمْ تُعْلَمْ صِفَتُهُ وَلَا كَثْرَتُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ السُّنْبُلِ نَفْسِهِ مَعَ الْحَبِّ، فَجَوَّزَ ذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ: مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ السُّنْبُلِ نَفْسِهِ وَإِنِ اشْتَدَّ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ، وَقِيَاسًا عَلَى بَيْعِهِ مَخْلُوطًا بِتَبْنِهِ بَعْدَ الدَّرْسِ.
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ شَيْئَانِ: الْأَثَرُ وَالْقِيَاسُ: فَأَمَّا الْأَثَرُ فَمَا رُوِيَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ النَّخِيلِ حَتَّى تُزْهِيَ، وَعَنِ السُّنْبُلِ حَتَّى تَبْيَضَّ، وَتَأْمَنَ الْعَاهَةَ، نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ» وَهِيَ زِيَادَةٌ عَلَى مَا رَوَاهُ مَالِكٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ، وَالزِّيَادَةُ إِذَا كَانَتْ مِنَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمَّا وَصَلَتْهُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ الْحَدِيثِ.
وَأَمَّا بَيْعُ السُّنْبُلِ إِذَا أُفْرِكَ وَلَمْ يَشْتَدَّ فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ إِلَّا عَلَى الْقَطْعِ.
وَأَمَّا بَيْعُ السُّنْبُلِ غَيْرَ مَحْصُودٍ، فَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ، إِلَّا إِذَا كَانَ فِي حُزَمِهِ.
وَأَمَّا بَيْعُهُ فِي تِبْنِهِ بَعْدَ الدَّرْسِ فَلَا يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ فِيمَا أَحْسَبُ، هَذَا إِذَا كَانَ جُزَافًا، فَأَمَّا إِذَا كَانَ مَكِيلًا فَجَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا أَعْرِفُ فِيهِ قَوْلًا لِغَيْرِهِ.
وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ أَجَازُوا بَيْعَ السُّنْبُلِ إِذَا

طَابَ عَلَى مَنْ يَكُونُ حَصَادُهُ وَدَرْسُهُ; فَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: عَلَى الْبَائِعِ حَتَّى يَعْمَلَهُ حَبًّا لِلْمُشْتَرِي; وَقَالَ غَيْرُهُمْ: هُوَ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا ثَبَتَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ» ، وَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَكُلُّهَا مِنْ نَقْلِ الْعُدُولِ، فَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى الْقَوْلِ بِمُوجَبِ هَذَا الْحَدِيثِ عُمُومًا; وَاخْتَلَفُوا فِي التَّفْصِيلِ، (أَعْنِي: فِي الصُّورَةِ الَّتِي يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا هَذَا الِاسْمُ مِنَ الَّتِي لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا) ، وَاتَّفَقُوا أَيْضًا عَلَى بَعْضِهَا، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ عَلَى وُجُوهٍ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا إِمَّا فِي مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، أَوْ مَثْمُونٍ وَاحِدٍ بِثَمَنَيْنِ، أَوْ مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ عَلَى الْبَيْعَيْنِ قَدْ لَزِمَ.
أَمَّا فِي مَثْمُونَيْنِ بِثَمَنَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِثَمَنِ كَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذِهِ الدَّارَ بِثَمَنِ كَذَا; وَالثَّانِي أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ أَوْ هَذِهِ الْأُخْرَى بِدِينَارَيْنِ.
وَأَمَّا بَيْعُ مَثْمُونٍ وَاحِدٍ بِثَمَنَيْنِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ أَيْضًا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الثَّمَنَيْنِ نَقْدًا وَالْآخَرُ نَسِيئَةً، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِثَمَنِ كَذَا عَلَى أَنْ أَشْتَرِيَهُ مِنْكَ إِلَى أَجَلِ كَذَا بِثَمَنِ كَذَا.
وَأَمَّا مَثْمُونَانِ بِثَمَنٍ وَاحِدٍ، فَمِثْلُ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ بِثَمَنِ كَذَا.
أَمَّا الْوَجْهُ الْأَوَّلُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَنِي هَذَا الْغُلَامَ بِكَذَا، فَنَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ الثَّمَنَ فِي كِلَيْهِمَا يَكُونُ مَجْهُولًا، لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ الْمَبِيعَيْنِ لَمْ يَتَّفِقَا فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الثَّمَنِ الَّذِي اتَّفَقَا عَلَيْهِ فِي الْمَبِيعَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَأَصْلُ الشَّافِعِيِّ فِي رَدِّ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ إِنَّمَا هُوَ جَهْلُ الثَّمَنِ، أَوِ الْمَثْمُونِ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَبِيعُكَ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِدِينَارٍ أَوْ هَذِهِ الْأُخْرَى بِدِينَارَيْنِ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ لَزِمَ فِي أَحَدِهِمَا فَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَسَوَاءٌ كَانَ النَّقْدُ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا; وَخَالَفَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ، فَأَجَازَهُ إِذَا كَانَ النَّقْدُ وَاحِدًا أَوْ مُخْتَلِفًا، وَعِلَّةُ مَنْعِهِ عِنْدَ الْجَمِيعِ الْجَهْلُ; وَعِنْدَ مَالِكٍ مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرَائِعِ لِأَنَّهُ مُمْكِنٌ أَنْ يَخْتَارَ فِي نَفْسِهِ أَحَدَ الثَّوْبَيْنِ، فَيَكُونُ قَدْ بَاعَ ثَوْبًا وَدِينَارًا بِثَوْبٍ وَدِينَارٍ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ.
وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّالِثُ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لَهُ: أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا أَوْ نَسِيئَةً بِكَذَا، فَهَذَا إِذَا

كَانَ الْبَيْعُ فِيهِ وَاجِبًا فَلَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَيْعُ لَازِمًا فِي أَحَدِهِمَا فَأَجَازَهُ مَالِكٌ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَلَى ثَمَنٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ; وَجَعَلَهُ مَالِكٌ مِنْ بَابِ الْخِيَارِ، لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ عَلَى الْخِيَارِ لَمْ يُتَصَوَّرْ فِيهِ نَدَمٌ يُوجِبُ تَحْوِيلَ أَحَدِ الثَّمَنَيْنِ فِي الْآخَرِ، وَهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ هُوَ الْمَانِعُ، فَعِلَّةُ امْتِنَاعِ هَذَا الْوَجْهِ الثَّالِثِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ مِنْ جِهَةِ جَهْلِ الثَّمَنِ، فَهُوَ عِنْدَهُمَا مِنْ بُيُوعِ الْغَرَرِ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا; وَعِلَّةُ امْتِنَاعِهِ عِنْدَ مَالِكٍ سَدُّ الذَّرِيعَةِ الْمُوجِبَةِ لِلرِّبَا لِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الَّذِي لَهُ الْخِيَارُ قَدِ اخْتَارَ أَوَّلًا إِنْفَاذَ الْعَقْدِ بِأَحَدِ الثَّمَنَيْنِ الْمُؤَجَّلِ أَوِ الْمُعَجَّلِ ثُمَّ بَدَا لَهُ وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ، فَيَكُونُ قَدْ تَرَكَ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ لِلثَّمَنِ الثَّانِي، فَكَأَنَّهُ بَاعَ أَحَدَ الثَّمَنَيْنِ بِالثَّانِي، فَيَدْخُلُهُ ثَمَنٌ بِثَمَنٍ نَسِيئَةً، أَوْ نَسِيئَةً وَمُتَفَاضِلًا، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ الثَّمَنُ نَقْدًا، وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ غَيْرَ نَقْدٍ بَلْ طَعَامًا دَخَلَهُ وَجْهٌ آخَرُ، وَهُوَ بَيْعُ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ مُتَفَاضِلًا.
وَأَمَّا إِذَا قَالَ: أَشْتَرِي مِنْكَ هَذَا الثَّوْبَ نَقْدًا بِكَذَا عَلَى أَنْ تَبِيعَهُ مِنِّي إِلَى أَجَلٍ، فَهُوَ عِنْدَهُمْ لَا يَجُوزُ بِإِجْمَاعٍ، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْعِينَةِ (وَهُوَ بَيْعُ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ) ، وَيَدْخُلُهُ أَيْضًا عِلَّةُ جَهْلِ الثَّمَنِ.
وَأَمَّا إِذَا قَالَ لَهُ: أَبِيعُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ بِدِينَارٍ، وَقَدْ لَزِمَهُ أَحَدُهُمَا أَيُّهُمَا يَخْتَارُ، وَافْتَرَقَا قَبْلَ الْخِيَارِ، فَإذَا كَانَ الثَّوْبَانِ مِنْ صِنْفَيْنِ وَهُمَا مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يُسْلَمَ أَحَدُهُمَا فِي الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنِ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ فِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ; وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ: إِنَّهُ يَجُوزُ، وَعِلَّةُ الْمَنْعِ الْجَهْلُ، وَالْغَرَرُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَا مِنْ صِنْفٍ وَاحِدٍ فَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ ; وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ أَجَازَهُ لِأَنَّهُ يُجِيزُ الْخِيَارَ بَعْدَ عَقْدِ الْبَيْعِ فِي الْأَصْنَافِ الْمُسْتَوِيَةِ لِقِلَّةِ الْغَرَرِ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ; وَأَمَّا مَنْ لَا يُجِيزُهُ فَيَعْتَبِرُهُ بِالْغَرَرِ الَّذِي لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُمَا افْتَرَقَا عَلَى بَيْعٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالْفُقَهَاءُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْغَرَرَ الْكَثِيرَ فِي الْمَبِيعَاتِ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّ الْقَلِيلَ يَجُوزُ.
وَيَخْتَلِفُونَ فِي أَشْيَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ الْغَرَرِ، فَبَعْضُهُمْ يُلْحِقُهَا بِالْغَرَرِ الْكَثِيرِ، وَبَعْضُهُمْ يُلْحِقُهَا بِالْغَرَرِ الْقَلِيلِ الْمُبَاحِ لِتَرَدُّدِهَا بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ.
فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، فَقَبْضُ الثَّوْبَيْنِ مِنَ الْمُشْتَرِي عَلَى أَنْ يَخْتَارَ فَهَلَكَ أَحَدُهُمَا أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ فَمَنْ يُصِيبُهُ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: تَكُونُ الْمُصِيبَةُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: بَلْ يَضْمَنُهُ كُلَّهُ الْمُشْتَرِي، إِلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى هَلَاكِهِ; وَقِيلَ: فَرْقٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الثِّيَابِ وَمَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ وَبَيْنَ مَا لَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ كَالْعَبْدِ، فَيُضَمَّنُ فِيمَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ، وَلَا يُضَمَّنُ فِيمَا لَا يَغْلُبُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا هَلْ يَلْزَمُهُ أَخْذُ الْبَاقِي؟ قِيلَ: يَلْزَمُ، وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُ، وَهَذَا يُذْكَرُ فِي أَحْكَامِ الْبُيُوعِ.
وَيَنْبَغِي أَنْ نَعْلَمَ أَنَّ الْمَسَائِلَ الدَّاخِلَةَ فِي هَذَا الْمَعْنَى هِيَ: أَمَّا عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَمِنْ بَابِ الْغَرَرِ; وَأَمَّا عِنْدَ مَالِكٍ فَمِنْهَا مَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ ذَرَائِعِ الرِّبَا، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ،

فَهَذِهِ هِيَ الْمَسَائِلُ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْمَنْطُوقِ بِهِ فِي هَذَا الْبَابِ.
وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الثُّنْيَا، وَعَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ سَبَبُهُ الْغَرَرُ فَالْأَشْبَهُ أَنْ نَذْكُرَهَا فِي الْمَبِيعَاتِ الْفَاسِدَةِ مِنْ قِبَلِ الشُّرُوطِ.

[فَصْلٌ الْبُيُوعُ الْمَسْكُوتُ عَنْهَا]

فَصْلٌ وَأَمَّا الْمَسَائِلُ الْمَسْكُوتُ عَنْهَا فِي هَذَا الْبَابِ الْمُخْتَلَفُ فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فَكَثِيرَةٌ، لَكِنْ نَذْكُرُ مِنْهَا أَشْهَرَهَا لِتَكُونَ كَالْقَانُونِ لِلْمُجْتَهِدِ النَّظَّارِ.
مَسْأَلَةٌ ; الْمَبِيعَاتُ عَلَى نَوْعَيْنِ: مَبِيعٌ حَاضِرٌ مَرْئِيٌّ، فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي بَيْعِهِ.
وَمَبِيعٌ غَائِبٌ أَوْ مُتَعَذِّرُ الرُّؤْيَةِ، فَهُنَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ; فَقَالَ قَوْمٌ: بَيْعُ الْغَائِبِ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ لَا مَا وُصِفَ وَلَا مَا لَمْ يُوصَفْ، وَهَذَا أَشْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ، (أَعْنِي أَنَّ بَيْعَ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ لَا يَجُوزُ) ; وَقَالَ مَالِكٌ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ عَلَى الصِّفَةِ إِذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ مِمَّا يُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ صِفَتُهُ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْغَائِبَةِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ، ثُمَّ لَهُ إِذَا رَآهَا الْخِيَارُ، فَإِنْ شَاءَ أَنْفَذَ الْبَيْعَ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ.
وَكَذَلِكَ الْمَبِيعُ عَلَى الصِّفَةِ مِنْ شَرْطِهِ عِنْدَهُمْ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَإِنْ جَاءَ عَلَى الصِّفَةِ; وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا جَاءَ عَلَى الصِّفَةِ فَهُوَ لَازِمٌ; وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ أَصْلًا فِي الْمَوْضِعَيْنِ; وَقَدْ قِيلَ فِي الْمَذْهَبِ: يَجُوزُ بَيْعُ الْغَائِبِ مِنْ غَيْرِ صِفَةٍ عَلَى شَرْطِ الْخِيَارِ خِيَارِ الرُّؤْيَةِ، وَقَعَ ذَلِكَ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَنْكَرَهُ عَبْدُ الْوَهَّابِ، وَقَالَ: هُوَ مُخَالِفٌ لِأُصُولِنَا.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلْ نُقْصَانُ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالصِّفَةِ عَنِ الْعِلْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْحِسِّ هُوَ جَهْلٌ مُؤَثِّرٌ فِي بَيْعِ الشَّيْءِ فَيَكُونُ مِنَ الْغَرَرِ الْكَثِيرِ، أَمْ لَيْسَ بِمُؤَثِّرٍ، وَأَنَّهُ مِنَ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ؟ فَالشَّافِعِيُّ رَآهُ مِنَ الْغَرَرِ الْكَثِيرِ; وَمَالِكٌ رَآهُ مِنَ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ; وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ أَنَّهُ لَا غَرَرَ هُنَاكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ رُؤْيَةٌ; وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَأَى أَنَّ الْجَهْلَ الْمُقْتَرِنَ بِعَدَمِ الصِّفَةِ مُؤَثِّرٌ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ، وَلَا خِلَافَ عِنْدِ مَالِكٍ أَنَّ الصِّفَةَ إِنَّمَا تَنُوبُ عَنِ الْمُعَايَنَةِ لِمَكَانِ غَيْبَةِ الْمَبِيعِ، أَوْ لِمَكَانِ الْمَشَقَّةِ الَّتِي فِي نَشْرِهِ، وَمَا يُخَافُ أَنْ يَلْحَقَهُ مِنَ الْفَسَادِ بِتَكْرَارِ النَّشْرِ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا أَجَازَ الْبَيْعَ عَلَى الْبَرْنَامَجِ عَلَى الصِّفَةِ، وَلَمْ يَجُزْ عَنْدَهُ بَيْعُ السِّلَاحِ فِي جِرَابِهِ، وَلَا الثَّوْبِ الْمَطْوِيِّ فِي طَيِّهِ حَتَّى يُنْشَرَ، أَوْ يُنْظَرَ إِلَى مَا فِي جِرَابِهَا.
وَاحْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: وَدِدْنَا أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ تَبَايَعَا حَتَّى نَعْلَمَ أَيُّهُمَا أَعْظَمُ جِدًّا فِي التِّجَارَةِ، فَاشْتَرَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فَرَسًا بِأَرْضٍ لَهُ أُخْرَى بِأَرْبَعِينَ أَلْفًا أَوْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، فَذَكَرَ تَمَامَ الْخَبَرِ، وَفِيهِ بَيْعُ الْغَائِبِ مُطْلَقًا، وَلَا بُدَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ مِنَ اشْتِرَاطِ الْجِنْسِ.
وَيَدْخُلُ الْبَيْعُ عَلَى الصِّفَةِ، أَوْ عَلَى خِيَارِ الرُّؤْيَةِ مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ غَائِبٌ غَرَرٌ آخَرُ، وَهُوَ هَلْ هُوَ مَوْجُودٌ وَقْتَ الْعَقْدِ أَوْ مَعْدُومٌ؟ وَلِذَلِكَ اشْتَرَطُوا فِيهِ أَنْ يَكُونَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَأْمُونًا كَالْعَقَارِ، وَمِنْ هَاهُنَا

أَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ الشَّيْءِ بِرُؤْيَةٍ مُتَقَدِّمَةٍ، (أَعْنِي: إِذَا كَانَ مِنَ الْقُرْبِ بِحَيْثُ يُؤْمَنُ أَنْ تَتَغَيَّرَ فِيهِ) فَاعْلَمْهُ.
مَسْأَلَةٌ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْأَعْيَانِ إِلَى أَجَلٍ، وَأَنَّ مِنْ شَرْطِهَا تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُبْتَاعِ بِأَثَرِ عَقْدِ الصَّفْقَةِ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا، وَرَبِيعَةَ، وَطَائِفَةً مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَجَازُوا بَيْعَ الْجَارِيَةِ الرَّفِيعَةِ عَلَى شَرْطِ الْمُوَاضَعَةِ، وَلَمْ يُجِيزُوا فِيهَا النَّقْدَ كَمَا لَمْ يُجِزْهُ مَالِكٌ فِي بَيْعِ الْغَائِبِ، وَإِنَّمَا مَنَعَ ذَلِكَ الْجُمْهُورُ لِمَا يَدْخُلُهُ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَمِنْ عَدَمِ التَّسْلِيمِ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ مِنْ هَذَا الْبَابِ، (أَعْنِي: لِمَا يَتَعَلَّقُ بِالْغَرَرِ مِنْ عَدَمِ التَّسْلِيمِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ) لَا مِنْ بَابِ الرِّبَا، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي عِلَّةِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا كَانَ يَرَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ مِنْ غَرِيمِهِ فِي دَيْنٍ لَهُ عَلَيْهِ ثَمْرًا قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ، وَيَرَاهُ مِنْ بَابِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، وَكَانَ أَشْهَبَ يُجِيزُ ذَلِكَ، وَيَقُولُ: إِنَّمَا الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ مَا لَمْ يَشْرَعْ فِي قَبْضِ شَيْءٍ مِنْهُ، (أَعْنِي: أَنَّهُ كَانَ يَرَى أَنَّ قَبْضَ الْأَوَائِلِ مِنَ الْأَثْمَانِ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِ الْأَوَاخِرِ) ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيِّينَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.

مَسْأَلَةٌ ; أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى بَيْعِ التَّمْرِ الَّذِي يُثْمِرُ بَطْنًا وَاحِدًا يَطِيبُ بَعْضُهُ وَإِنْ لَمْ تَطِبْ جُمْلَتُهُ مَعًا; وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يُثْمِرُ بُطُونًا مُخْتَلِفَةً; وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْبُطُونَ الْمُخْتَلِفَةَ لَا تَخْلُو أَنْ تَتَّصِلَ أَوْ لَا تَتَّصِلَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْعُ مَا لَمْ يُخَلَّقْ مِنْهَا دَاخِلًا فِيمَا خُلِّقَ، كَشَجَرِ التِّينِ يُوجَدُ فِيهِ الْبَاكُورُ وَالْعَصِيرُ، ثُمَّ إِنِ اتَّصَلَتْ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَتَمَيَّزَ الْبُطُونُ أَوْ لَا تَتَمَيَّزُ، فَمِثَالُ الْمُتَمَيِّزِ: جَزُّ الْقَصِيلِ الَّذِي يُجَزُّ مُدَّةً بَعْدَ مُدَّةٍ.
وَمِثَالُ غَيْرِ الْمُتَمَيِّزِ: الْمَبَاطِخُ، وَالْمَقَاثِئُ، وَالْبَاذِنْجَانُ، وَالْقَرْعُ، فَفِي الَّذِي يَتَمَيَّزُ عَنْهُ وَيَنْفَصِلُ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا الْجَوَازُ، وَالْأُخْرَى الْمَنْعُ.
وَفِي الَّذِي يَتَّصِلُ وَلَا يَتَمَيَّزُ قَوْلٌ وَاحِدٌ وَهُوَ الْجَوَازُ، وَخَالَفَهُ الْكُوفِيُّونَ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي هَذَا كُلِّهِ، فَقَالُوا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَطْنٍ مِنْهَا بِشَرْطِ بَطْنٍ آخَرَ.
وَحُجَّةُ مَالِكٍ فِيمَا لَا يَتَمَيَّزُ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ حَبْسُ أَوَّلِهِ عَلَى آخِرِهِ، فَجَوَازُ أَنْ يُبَاعَ مَا لَمْ يُخَلَّقْ مِنْهَا مَعَ مَا خُلِّقَ وَبَدَا صَلَاحُهُ، أَصْلُهُ جَوَازُ بَيْعِ مَا لَمْ يَطِبْ مِنَ الثَّمَرِ مَعَ مَا طَابَ، لِأَنَّ الْغَرَرَ فِي الصِّفَةِ شَبَّهَهُ بِالْغَرَرِ فِي عَيْنِ الشَّيْءِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الرُّخْصَةَ هَاهُنَا يَجِبُ أَنْ تُقَاسَ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي بَيْعِ الثِّمَارِ، (أَعْنِي: مَا طَابَ مَعَ مَا لَمْ يَطِبْ) لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَالْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ مِنَ الْغَرَرِ مَا يَجُوزُ لِمَوْضِعِ الضَّرُورَةِ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عِنْدَهُ بَيْعُ الْقَصِيلِ بَطْنًا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ هُنَاكَ إِذَا كَانَ مُتَمَيِّزًا.
وَأَمَّا وَجْهُ الْجَوَازِ فِي الْقَصِيلِ فَتَشْبِيهًا لَهُ بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ وَهُوَ ضَعِيفٌ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُخَلَّقْ، وَمِنْ بَابِ النَّهْيِ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ مُعَاوَمَةً.
وَاللِّفْتُ، وَالْجَزَرُ، وَالْكُرُنْبُ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعُهُ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ وَهُوَ اسْتِحْقَاقُهُ لِلْأَكْلِ،

وَلَمْ يُجِزْهُ الشَّافِعِيُّ إِلَّا مَقْلُوعًا، لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ بَيْعِ الْمُغَيَّبِ; وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ، وَالْبَاقِلَّا فِي قِشْرِهِ، أَجَازَهُ مَالِكٌ، وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ.
وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلَافِهِمْ هَلْ هُوَ مِنَ الْغَرَرِ الْمُؤَثِّرِ فِي الْبُيُوعِ أَمْ لَيْسَ مِنَ الْمُؤَثِّرِ؟ وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا أَنَّ الْغَرَرَ يَنْقَسِمُ بِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ، وَأَنَّ غَيْرَ الْمُؤَثِّرِ هُوَ الْيَسِيرُ أَوِ الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ، أَوْ مَا جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ السَّمَكِ فِي الْغَدِيرِ، أَوِ الْبُرْكَةِ اخْتَلَفُوا فِيهِ أَيْضًا، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ، وَمَنَعَهُ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ فِيمَا أَحْسَبُ، وَهُوَ الَّذِي تَقْتَضِي أُصُولُهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ بَيْعُ الْآبِقِ أَجَازَهُ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ، وَمَنَعَهُ قَوْمٌ بِإِطْلَاقٍ وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ ; وَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا كَانَ مَعْلُومَ الصِّفَةِ مَعْلُومَ الْمَوْضِعِ عِنْدَ الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي جَازَ، وَأَظُنُّهُ اشْتَرَطَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْإِبَاقِ وَيَتَوَاضَعَانِ الثَّمَنَ، (أَعْنِي: أَنَّهُ لَا يَقْبِضُهُ الْبَائِعُ حَتَّى يَقْبِضَهُ الْمُشْتَرِي) ، لِأَنَّهُ يَتَرَدَّدُ عِنْدَ الْعَقْدِ بَيْنَ بَيْعٍ وَسَلَفٍ، وَهَذَا أَصْلٌ مِنْ أُصُولِهِ يَمْنَعُ بِهِ النَّقْدَ فِي بَيْعِ الْمُوَاضَعَةِ وَفِي بَيْعِ الْغَائِبِ غَيْرِ الْمَأْمُونِ، وَفِيمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْجِنْسِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِجَوَازِ بَيْعِ الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ.
وَالْحُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ حَدِيثُ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ شِرَاءِ الْعَبْدِ الْآبِقِ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي بُطُونِ الْأَنْعَامِ حَتَّى تَضَعَ، وَعَنْ شِرَاءِ مَا فِي ضُرُوعِهَا، وَعَنْ شِرَاءِ الْغَنَائِمِ حَتَّى تُقَسَّمَ» ، وَأَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ لَبَنِ الْغَنَمِ أَيَّامًا مَعْدُودَةً إِذَا كَانَ مَا يُحْلَبُ مِنْهَا مَعْرُوفًا فِي الْعَادَةِ، وَلَمْ يُجِزْ ذَلِكَ فِي الشَّاةِ الْوَاحِدَةِ; وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إِلَّا بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ بَعْدَ الْحَلْبِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَنَعَ مَالِكٌ بَيْعَ اللَّحْمِ فِي جِلْدِهِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْمَرِيضِ: أَجَازَهُ مَالِكٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْئُوسًا مِنْهُ; وَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهِيَ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَنْهُ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ تُرَابِ الْمَعْدِنِ، وَالصَّوَّاغِينَ، فَأَجَازَ مَالِكٌ بَيْعَ تُرَابِ الْمَعْدِنِ بِنَقْدٍ يُخَالِفُهُ، أَوْ بِعَرَضٍ، وَلَمْ يُجْزِ بَيْعَ تُرَابِ الصَّاغَةِ; وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ الْبَيْعَ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا; وَأَجَازَهُ قَوْمٌ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
فَهَذِهِ هِيَ الْبُيُوعُ الَّتِي يُخْتَلَفُ فِيهَا، أَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْجَهْلِ بِالْكَيْفِيَّةِ.
وَأَمَّا اعْتِبَارُ الْكَمِّيَّةِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبَاعَ شَيْءٌ مِنَ الْمَكِيلِ، أَوِ الْمَوْزُونِ، أَوِ الْمَعْدُودِ، أَوِ الْمَسْمُوحِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْقَدْرِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي; وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعِلْمَ الَّذِي يَكُونُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ قِبَلِ الْكَيْلِ الْمَعْلُومِ، أَوِ الصُّنُوجِ الْمَعْلُومَةِ مُؤَثِّرٌ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ، وَفِي كُلِّ مَا كَانَ غَيْرَ مَعْلُومِ الْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي مِنْ جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ الْمَكِيلَةِ وَالْمَوْزُونَةِ، وَالْمَعْدُودَةِ، وَالْمَمْسُوحَةِ، وَأَنَّ الْعِلْمَ بِمَقَادِيرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْحَزْرِ، وَالتَّخْمِينِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ الْجُزَافَ يَجُوزُ فِي أَشْيَاءَ وَيُمْنَعُ فِي أَشْيَاءَ.

وَأَصْلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ يَجُوزُ فِي كُلِّ مَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْكَثْرَةُ لَا آحَادٌ وَهُوَ عِنْدَهُ أَصْنَافٌ: مِنْهَا مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ وَيَجُوزُ جُزَافًا، وَهِيَ الْمَكِيلَاتُ، وَالْمَوْزُونَاتُ; وَمِنْهَا مَا أَصْلُهُ الْجُزَافُ وَيَكُونُ مَكِيلًا، وَهِيَ الْمَمْسُوحَاتُ كَالْأَرَضِينَ، وَالثِّيَابِ; وَمِنْهَا مَا لَا يَجُوزُ فِيهَا التَّقْدِيرُ أَصْلًا بِالْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ، بَلْ إِنَّمَا يَجُوزُ فِيهَا الْعَدَدُ فَقَطْ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا جُزَافًا، وَهِيَ كَمَا قُلْنَا الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا آحَادُ أَعْيَانِهَا.
وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ التِّبْرَ وَالْفِضَّةَ الَغَيْرَ الْمَسْكُوكَيْنِ يَجُوزُ بَيْعُهُمَا جُزَافًا، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ، وَيُكْرَهُ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تُبَاعَ الصُّبْرَةُ الْمَجْهُولَةُ عَلَى الْكَيْلِ (أَيْ: كُلُّ كَيْلٍ مِنْهَا بِكَذَا) ، فَمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الْأَكْيَالِ وَقَعَ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ بَعْدَ كَيْلِهَا وَالْعِلْمِ بِمَبْلَغِهَا; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَلْزَمُ إِلَّا فِي كَيْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الَّذِي سَمَّيَاهُ.
وَيَجُوزُ هَذَا الْبَيْعُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْعَبِيدِ وَالثِّيَابِ، وَفِي الطَّعَامِ، وَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الثِّيَابِ، وَالْعَبِيدِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ فِي الْكُلِّ فِيمَا أَحْسَبُ لِلْجَهْلِ بِمَبْلَغِ الثَّمَنِ.
وَيَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَصْدُقَ الْمُشْتَرِي الْبَائِعَ فِي كَيْلِهَا إِذَا لَمْ يَكُنِ الْبَيْعُ نَسِيئَةً، لِأَنَّهُ يَتَّهِمُهُ أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً لِيُنْظِرَهُ بِالثَّمَنِ; وَعِنْدَ غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يَكْتَالَهَا الْمُشْتَرِي لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى تَجْرِيَ فِيهِ الصِّيعَانُ; وَأَجَازَهُ قَوْمٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ; وَمِمَّنْ مَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ ; وَمِمَّنْ أَجَازَهُ بِإِطْلَاقٍ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ، وَابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ ; وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَعْلَمَ الْبَائِعُ الْكَيْلَ وَيَبِيعَ الْمَكِيلَ جُزَافًا مِمَّنْ يَجْهَلُ الْكَيْلَ; وَلَا يَجُوزُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَالْمُزَابَنَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا هِيَ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَهِيَ بَيْعُ مَجْهُولِ الْكَمِّيَّةِ بِمَجْهُولِ الْكَمِّيَّةِ، وَذَلِكَ أَمَّا فِي الرِّبَوِيَّاتِ فَلِمَوْضِعِ التَّفَاضُلِ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ فَلِعَدَمِ تَحَقُّقِ الْقَدْرِ.

[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بُيُوعِ الشُّرُوطِ والثُّنْيَا]

[بُيُوعُ الشُّرُوطِ]

الْبَابُ الرَّابِعُ فِي بُيُوعِ الشُّرُوطِ والثُّنْيَا وَهَذِهِ الْبُيُوعُ الْفَسَادُ يَكُونُ فِيهَا هُوَ رَاجِعٌ إِلَى الْفَسَادِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ قِبَلِ الْغَرَرِ، وَلَكِنْ لَمَّا تَضَمَّنَهَا النَّصُّ أَنْ تَجْعَلَ قِسْمًا مِنْ أَقْسَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ عَلَى حِدَةٍ.
وَالْأَصْلُ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ: أَحْدُهَا: حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ: «ابْتَاعَ مِنِّي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَعِيرًا وَشَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ» وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ.

وَالْحَدِيثُ الثَّانِي: حَدِيثٌ بَرِيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَلَوْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» ، وَالْحَدِيثُ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ.
وَالثَّالِثُ: حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الْمُحَاقَلَةِ، وَالْمُزَابَنَةِ، وَالْمُخَابَرَةِ، وَالْمُعَاوَمَةِ، وَالثُّنْيَا، وَرَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» ، وَهُوَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحِ خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَوَى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ» ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ لِتَعَارُضِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي بَيْعٍ، وَشَرْطٍ، فَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ فَاسِدٌ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ ; وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ، وَالشَّرْطُ جَائِزٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ابْنُ أَبِي شُبْرُمَةَ ; وَقَالَ قَوْمٌ: الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ابْنُ أَبِي لَيْلَى ; وَقَالَ أَحْمَدُ: الْبَيْعُ جَائِزٌ مَعَ شَرْطٍ وَاحِدٍ، وَأَمَّا مَعَ شَرْطَيْنِ فَلَا.
فَمَنْ أَبْطَلَ الْبَيْعَ، وَالشَّرْطَ أَخَذَ بِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنْ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَلِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنِ الثُّنْيَا; وَمَنْ أَجَازَهُمَا جَمِيعًا أَخَذَ بِحَدِيثِ عُمَرَ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ الْبَيْعُ وَالشَّرْطُ; وَمَنْ أَجَازَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ أَخَذَ بِعُمُومِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ ; وَمَنْ لَمْ يُجِزِ الشَّرْطَيْنِ وَأَجَازَ الْوَاحِدَ احْتَجَّ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَحِلُّ سَلَفٌ وَبَيْعٌ، وَلَا يَجُوزُ شَرْطَانِ فِي بَيْعٍ، وَلَا رِبْحُ مَا لَمْ تَضْمَنْ، وَلَا بَيْعُ مَا لَيْسَ هُوَ عِنْدَكَ» . وَأَمَّا مَالِكٌ فَالشُّرُوطُ عِنْدَهُ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ: شُرُوطٌ تَبْطُلُ هِيَ وَالْبَيْعُ مَعًا; وَشُرُوطٌ تَجُوزُ هِيَ وَالْبَيْعُ مَعًا; وَشُرُوطٌ تَبْطُلُ وَيَثْبُتُ الْبَيْعُ; وَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ عِنْدَهُ قِسْمًا رَابِعًا، وَهُوَ أَنَّ مِنَ الشُّرُوطِ مَا إِنْ تَمَسَّكَ الْمُشْتَرِطُ بِشَرْطِهِ بَطَلَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَرَكَهُ جَازَ الْبَيْعُ، وَإِعْطَاءُ فُرُوقٍ بَيِّنَةٍ فِي مَذْهَبِهِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَصْنَافِ الْأَرْبَعَةِ عَسِيرٌ، وَقَدْ رَامَ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنَّمَا هِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى كَثْرَةِ مَا يَتَضَمَّنُ الشُّرُوطَ مِنْ صِنْفَيِ الْفَسَادِ الَّذِي يُخِلُّ بِصِحَّةِ الْبُيُوعِ وَهُمَا الرِّبَا، وَالْغَرَرُ، وَإِلَى قِلَّتِهِ، وَإِلَى التَّوَسُّطِ بَيْنَ ذَلِكَ، أَوْ إِلَى مَا يُفِيدُ نَقْصًا فِي الْمِلْكِ، فَمَا كَانَ دُخُولُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِيهِ كَثِيرًا مِنْ قَبْلِ الشَّرْطِ أَبْطَلَهُ وَأَبْطَلَ الشَّرْطَ، وَمَا كَانَ قَلِيلًا أَجَازَهُ وَأَجَازَ الشَّرْطَ فِيهَا، وَمَا كَانَ مُتَوَسِّطًا أَبْطَلَ الشَّرْطَ، وَأَجَازَ الْبَيْعَ، وَيَرَى أَصْحَابُهُ أَنَّ مَذْهَبَهُ هُوَ أَوْلَى الْمَذَاهِبِ، إِذْ بِمَذْهَبِهِ تَجْتَمِعُ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا، وَالْجَمْعُ

عِنْدَهُمْ أَحْسَنُ مِنَ التَّرْجِيحِ، وَلِلْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلَاتٌ مُتَقَارِبَةٌ، وَأَحَدُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ جَدِّي، وَالْمَازِرِيُّ، وَالْبَاجِيُّ، وَتَفْصِيلُهُ فِي ذَلِكَ أَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّرْطَ فِي الْمَبِيعِ يَقَعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَوَّلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمِلْكِ، مِثْلُ مَنْ يَبِيعُ الْأَمَةَ أَوِ الْعَبْدَ، وَيَشْتَرِطُ أَنَّهُ مَتَى عُتِقَ كَانَ لَهُ وَلَاؤُهُ دُونَ الْمُشْتَرِي، فَمِثْلُ هَذَا قَالُوا: يَصِحُّ فِيهِ الْعَقْدُ، وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ لِحَدِيثِ بَرِيرَةَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ شَرْطًا يَقَعُ فِي مُدَّةِ الْمِلْكِ، وَهَذَا قَالُوا: يَنْقَسِمُ إِلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: إِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ فِي الْمَبِيعِ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ; وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْمُشْتَرِي مَنْعًا مِنْ تَصَرُّفٍ عَامٍّ أَوْ خَاصٍّ; وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ إِيقَاعَ مَعْنًى فِي الْمَبِيعِ، وَهَذَا أَيْضًا يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ.
وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ مَعْنًى لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْبِرِّ شَيْءٌ.
فَأَمَّا إِذَا اشْتَرَطَ لِنَفْسِهِ مَنْفَعَةً يَسِيرَةً لَا تَعُودُ بِمَنْعِ التَّصَرُّفِ فِي أَصْلِ الْمَبِيعِ، مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ الدَّارَ وَيَشْتَرِطَ سُكْنَاهَا مُدَّةً يَسِيرَةً مِثْلَ الشَّهْرِ، وَقِيلَ: السَّنَةُ، فَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى حَدِيثِ جَابِرٍ.
وَأَمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مَنْعًا مِنْ تَصَرُّفٍ خَاصٍّ، أَوْ عَامٍّ، فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مِنَ الثُّنْيَا، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْأَمَةَ عَلَى أَنْ لَا يَطَأَهَا أَوْ لَا يَبِيعَهَا، وَإِمَّا أَنْ يَشْتَرِطَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الْبِرِّ مِثْلَ الْعِتْقِ، فَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ تَعْجِيلَهُ جَازَ عِنْدَهُ، وَإِنْ تَأَخَّرَ لَمْ يَجُزْ لِعِظَمِ الْغَرَرِ فِيهِ.
وَبِقَوْلِ مَالِكٍ فِي إِجَازَةِ الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْعِتْقِ الْمُعَجَّلِ قَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ مِنْ قَوْلِهِ مَنْعَ بَيْعٍ وَشَرْطٍ، وَحَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَهُ مُضْطَرِبُ اللَّفْظِ، لِأَنَّ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ «أَنَّهُ بَاعَهُ وَاشْتَرَطَ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ» ، وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ أَعَارَهُ ظَهْرَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَمَالِكٌ رَأَى هَذَا مِنْ بَابِ الْغَرَرِ الْيَسِيرِ فَأَجَازَ فِي الْمُدَّةِ الْقَلِيلَةِ وَلَمْ يُجِزْهُ فِي الْكَثِيرَةِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَعَلَى أَصْلِهِ فِي مَنْعِ ذَلِكَ.
وَأَمَّا إِنِ اشْتَرَطَ مَعْنًى فِي الْمَبِيعِ لَيْسَ بِبِرٍّ مِثْلَ أَنْ لَا يَبِيعَهَا، فَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقِيلَ عَنْهُ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ، وَقِيلَ: بَلْ يَبْطُلُ الشَّرْطُ فَقَطْ.
وَأَمَّا مَنْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ: مَتَى جِئْتُكَ بِالثَّمَنِ رَدَدْتَ عَلَيَّ الْمَبِيعَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ يَكُونُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْبَيْعِ وَالسَّلَفِ; إِنْ جَاءَ بِالثَّمَنِ كَانَ سَلَفًا، وَإِنْ لَمْ يَجِئْ كَانَ بَيْعًا.
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ هَلْ يَجُوزُ فِي الْإِقَالَةِ أَمْ لَا؟ فَمَنْ رَأَى أَنَّ الْإِقَالَةَ بَيْعٌ فَسَخَهَا عِنْدَهُ مَا يَفْسَخُ سَائِرَ الْبُيُوعِ; وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا فَسْخٌ فَرَّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْبُيُوعِ.
وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِيمَنْ بَاعَ شَيْئًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ حَتَّى يَنْتَصِفَ مِنَ الثَّمَنِ، فَقِيلَ عَنْ مَالِكٍ يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الرَّهْنِ،

وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرَّهْنُ هُوَ الْمَبِيعُ، أَوْ غَيْرُهُ; وَقِيلَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَمْنَعُ الْمُبْتَاعَ التَّصَرُّفَ فِي الْمَبِيعِ بِالْمُدَّةِ الْبَعِيدَةِ الَّتِي لَا يَجُوزُ لِلْبَائِعِ اشْتِرَاطُ الْمَنْفَعَةِ فِيهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَمْنَعَ صِحَّةَ الْبَيْعِ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: إِنَّهُ جَائِزٌ فِي الْأَمَدِ الْقَصِيرِ.
وَمِنَ الْمَسْمُوعِ فِي هَذَا الْبَابِ «نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعٍ وَسَلَفٍ» اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا تَرَكَ الشَّرْطَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَمَنَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ، وَأَجَازَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ إِلَّا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ; وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ يَتَضَمَّنُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَعَ أَنَّ الثَّمَنَ يَكُونُ فِي الْمَبِيعِ مَجْهُولًا لِاقْتِرَانِ السَّلَفِ بِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَهْلٍ الْبَرْمَكِيَّ سَأَلَ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنَ إِسْحَاقَ الْمَالِكِيَّ، فَقَالَ لَهُ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْبَيْعِ، وَبَيْنَ رَجُلٍ بَاعَ غُلَامًا بِمِائَةِ دِينَارٍ وَزِقِّ خَمْرٍ فَلَمَّا عَقَدَ الْبَيْعَ قَالَ: أَنَا أَدَعُ الزِّقَّ، قَالَ: وَهَذَا الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بِإِجْمَاعٍ، فَأَجَابَ إِسْمَاعِيلُ عَنْ هَذَا بِجَوَابٍ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ، وَهُوَ أَنْ قَالَ لَهُ: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ مُشْتَرِطَ السَّلَفِ هُوَ مُخَيَّرٌ فِي تَرْكِهِ، أَوْ عَدَمِ تَرْكِهِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَسْأَلَةُ زِقِّ الْخَمْرِ، وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ نَفْسُ الشَّيْءِ الَّذِي طُولِبَ فِيهِ بِالْفَرْقِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: لِمَ كَانَ هُنَا مُخَيَّرًا، وَلَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مُخَيَّرًا فِي أَنْ يَتْرُكَ الزِّقَّ، وَيَصِحَّ الْبَيْعُ؟ وَالْأَشْبَهُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ التَّحْرِيمَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ بِعَيْنِهِ وَهُوَ السَّلَفُ، لِأَنَّ السَّلَفَ مُبَاحٌ، وَإِنَّمَا وَقَعَ التَّحْرِيمُ مِنْ أَجْلِ الِاقْتِرَانِ (أَعْنِي: اقْتِرَانَ الْبَيْعِ بِهِ) ، وَكَذَلِكَ الْبَيْعُ فِي نَفْسِهِ جَائِزٌ، وَإِنَّمَا امْتُنِعَ مِنْ قِبَلِ اقْتِرَانِ الشَّرْطِ بِهِ، وَهُنَالِكَ إِنَّمَا امْتَنَعَ الْبَيْعُ مِنْ أَجْلِ اقْتِرَانِ شَيْءٍ مُحَرَّمٍ لِعَيْنِهِ بِهِ، لَا أَنَّهُ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ.
وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ هَلْ إِذَا لَحِقَ الْفَسَادُ بِالْبَيْعِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ إِذَا ارْتَفَعَ الشَّرْطُ أَمْ لَا يَرْتَفِعُ، كَمَا لَا يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ اللَّاحِقُ لِلْبَيْعِ الْحَلَالِ مِنْ أَجْلِ اقْتِرَانِ الْمُحَرَّمِ الْعَيْنِ بِهِ؟ وَهَذَا أَيْضًا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ آخَرَ هُوَ هَلْ هَذَا الْفَسَادُ حُكْمِيٌّ، أَوْ مَعْقُولٌ؟ فَإِنْ قُلْنَا: حُكْمِيٌّ لَمْ يَرْتَفِعْ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ، وَإِنْ قُلْنَا: مَعْقُولٌ ارْتَفَعَ بِارْتِفَاعِ الشَّرْطِ; فَمَالِكٌ رَآهُ مَعْقُولًا، وَالْجُمْهُورُ رَأَوْهُ غَيْرَ مَعْقُولٍ، وَالْفَسَادُ الَّذِي يُوجَدُ فِي بُيُوعِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ هُوَ أَكْثَرُ ذَلِكَ حُكْمِيٌّ، وَلِذَلِكَ لَيْسَ يَنْعَقِدُ عِنْدَهُمْ أَصْلًا، وَإِنْ تَرَكَ الرِّبَا بَعْدَ الْبَيْعِ، أَوِ ارْتَفَعَ الْغَرَرُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِهِ إِذَا وَقَعَ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ بَيْعُ الْعُرْبَانِ: فَجُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ; وَحُكِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّهُمْ أَجَازُوهُ، مِنْهُمْ مُجَاهِدٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَنَافِعُ بْنُ الْحَارِثِ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ،

وَصُورَتُهُ: أَنْ يَشْتَرِيَ الرَّجُلُ شَيْئًا فَيَدْفَعُ إِلَى الْمُبْتَاعِ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ الْمَبِيعِ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ إِنْ نَفَذَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ الْمَدْفُوعُ مِنْ ثَمَنِ السِّلْعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْفَذْ تَرَكَ الْمُشْتَرِي بِذَلِكَ الْجُزْءَ مِنَ الثَّمَنِ عِنْدَ الْبَائِعِ وَلَمْ يُطَالِبْهُ بِهِ; وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِهِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ وَالْمُخَاطَرَةِ، وَأَكْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَكَانَ زَيْدٌ يَقُولُ: أَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَقَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ: ذَلِكَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

[بُيُوعُ الثُّنْيَا]

; وَفِي الِاسْتِثْنَاءِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، (أَعْنِي: هَلْ تَدْخُلُ تَحْتَ النَّهْيِ عَنِ الثُّنْيَا، أَوْ لَيْسَتْ تَدْخُلُ؟) . فَمِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ حَامِلًا وَيَسْتَثْنِيَ مَا فِي بَطْنِهَا، فَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ; وَقَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ: هَلِ الْمُسْتَثْنَى مَبِيعٌ مَعَ مَا اسْتُثْنِيَ مِنْهُ، أَمْ لَيْسَ بِمَبِيعٍ وَإِنَّمَا هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ؟ فَمَنْ قَالَ: مَبِيعٌ قَالَ: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ مِنَ الثُّنْيَا الْمَنْهِيِّ عَنْهَا، لِمَا فِيهَا مِنَ الْجَهْلِ بِصِفَتِهِ، وَقِلَّةِ الثِّقَةِ بِسَلَامَةِ خُرُوجِهِ; وَمَنْ قَالَ: هُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْبَائِعِ أَجَازَ ذَلِكَ.
وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِيمَنْ بَاعَ حَيَوَانًا، وَاسْتَثْنَى بَعْضَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ شَائِعًا، أَوْ مُعَيَّنًا، أَوْ مُقَدَّرًا، فَإِنْ كَانَ شَائِعًا فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ مِثْلَ أَنْ يَبِيعَ عَبْدًا إِلَّا رُبْعَهُ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مُغَيَّبًا مِثْلَ الْجَنِينِ، أَوْ يَكُونَ غَيْرَ مُغَيَّبٍ، فَإِنْ كَانَ مُغَيَّبًا فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُغَيَّبٍ كَالرَّأْسِ، وَالْيَدِ، وَالرِّجْلِ، فَلَا يَخْلُو الْحَيَوَانُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُهُ، أَوْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَحَدٌ غُلَامًا وَيَسْتَثْنِيَ رِجْلَهُ، لِأَنَّ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَمَيِّزٍ، وَلَا مُتَبَعِّضٍ، وَذَلِكَ مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْحَيَوَانُ مِمَّا يُسْتَبَاحُ ذَبْحُهُ، فَإِنْ بَاعَهُ وَاسْتَثْنَى مِنْهُ عُضْوًا لَهُ قِيمَةٌ بِشَرْطِ الذَّبْحِ، فَفِي الْمَذْهَبِ فِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ ; وَالثَّانِي يَجُوزُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ: جَوَّزَ بَيْعَ الشَّاةِ مَعَ اسْتِثْنَاءِ الْقَوَائِمِ وَالرَّأْسِ.
وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ الْمُسْتَثْنَى قِيمَةً فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ فِي الْمَذْهَبِ، وَوَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ اسْتِثْنَاؤُهُ بِجِلْدِهِ فَمَا تَحْتَ الْجِلْدِ مُغَيَّبٌ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَثْنِهِ بِجِلْدِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي بِأَيِّ صِفَةٍ يَخْرُجُ لَهُ بَعْدَ كَشْطِ الْجِلْدِ عَنْهُ.
وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ اسْتَثْنَى عُضْوًا مُعَيَّنًا مَعْلُومًا، فَلَمْ يَضُرَّهُ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْجِلْدِ أَصْلُهُ شِرَاءُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ، وَالْجَوْزِ فِي قِشْرِهِ.
وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْمُسْتَثْنَى مِنَ الْحَيَوَانِ بِشَرْطِ الذَّبْحِ إِمَّا عُرْفًا وَإِمَّا مَلْفُوظًا بِهِ جُزْءًا مُقَدَّرًا مِثْلَ أَرْطَالٍ مِنْ جَزُورٍ، فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ:

إِحْدَاهُمَا الْمَنْعُ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ ; وَالثَّانِيَةُ الْإِجَازَةُ فِي الْأَرْطَالِ الْيَسِيرَةِ فَقَطْ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
وَأَجْمَعُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرَّجُلِ ثَمَرَ حَائِطِهِ، وَاسْتِثْنَاءِ نَخَلَاتٍ مُعَيَّنَاتٍ مِنْهُ قِيَاسًا عَلَى جَوَازِ شِرَائِهَا.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَثْنِيَ مِنْ حَائِطٍ لَهُ عِدَّةَ نَخَلَاتٍ غَيْرَ مُعَيَّنَاتٍ إِلَّا بِتَعَيُّنِ الْمُشْتَرِي لَهَا بَعْدَ الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُتَبَايِعَانِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ الْحَائِطَ وَيَسْتَثْنِي مِنْهُ عِدَّةَ نَخَلَاتٍ بَعْدَ الْبَيْعِ، فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ لِمَكَانِ اخْتِلَافِ صِفَةِ النَّخِيلِ; وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ إِجَازَتُهُ; وَمَنَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ قَوْلَهُ فِي النَّخَلَاتِ، وَأَجَازَهُ فِي اسْتِثْنَاءِ الْغَنَمِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ فِي شِرَاءِ نَخَلَاتٍ مَعْدُودَةٍ مِنْ حَائِطِهِ عَلَى أَنْ يُعَيِّنَهَا بَعْدَ الشِّرَاءِ الْمُشْتَرِي فَأَجَازَهُ مَالِكٌ، وَمَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا اسْتَثْنَى الْبَائِعُ مَكِيلَهُ مِنْ حَائِطٍ; قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: فَمَنَعَ ذَلِكَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ الَّذِينَ تَدُورُ الْفَتْوَى عَلَيْهِمْ، وَأَلَّفْتُ الْكِتَابَ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ لِنَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنِ الثُّنْيَا فِي الْبَيْعِ، لِأَنَّهُ اسْتِثْنَاءُ مَكِيلٍ مِنْ جُزَافٍ; وَأَمَّا مَالِكٌ، وَسَلَفُهُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ أَجَازُوا ذَلِكَ فِيمَا دُونَ الثُّلُثِ وَمَنَعُوهُ فِيمَا فَوْقَهُ، وَحَمَلُوا النَّهْيَ عَلَى الثُّنْيَا عَلَى مَا فَوْقَ الثُّلُثِ، وَشَبَّهُوا بَيْعَ مَا عَدَا الْمُسْتَثْنَى بِبَيْعِ الصُّبْرَةِ الَّتِي لَا يُعْلَمُ مَبْلَغُ كَيْلِهَا فَتُبَاعُ جُزَافًا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا كَيْلٌ مَا، وَهَذَا الْأَصْلُ أَيْضًا مُخْتَلَفٌ فِيهِ، (أَعْنِي: إِذَا اسْتُثْنِيَ مِنْهَا كَيْلٌ مَعْلُومٌ) . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ مَعًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَأَجَازَهُ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُجِزْهُ الْكُوفِيُّونَ وَلَا الشَّافِعِيُّ، لِأَنَّ الثَّمَنَ يَرَوْنَ أَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ مَجْهُولًا، وَمَالِكٌ يَقُولُ: إِذَا كَانَتِ الْإِجَارَةُ مَعْلُومَةً لَمْ يَكُنِ الثَّمَنُ مَجْهُولًا، وَرُبَّمَا رَآهُ الَّذِينَ مَنَعُوهُ مِنْ بَابِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةٍ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ السَّلَفُ أَوِ الْبَيْعُ كَمَا قُلْنَا.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي إِجَازَةِ السَّلَفِ وَالشَّرِكَةِ، فَمَرَّةً أَجَازَ ذَلِكَ، وَمَرَّةً مَنَعَهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا لِاخْتِلَافِهَا بِالْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ فِي وُجُودِ عِلَلِ الْمَنْعِ فِيهَا الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا، فَمَنْ قَوِيَتْ عِنْدَهُ عِلَّةُ الْمَنْعِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْهَا مَنْعَهَا، وَمَنْ لَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ أَجَازَهَا، وَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى ذَوْقِ الْمُجْتَهِدِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْمَوَادَّ يُتَجَاذَبُ الْقَوْلُ فِيهَا إِلَى الضِّدَّيْنِ عَلَى السَّوَاءِ عِنْدَ النَّظَرِ فِيهَا، وَلَعَلَّ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَوَادِّ يَكُونُ الْقَوْلُ بِتَصْوِيبِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ صَوَابًا، وَلِهَذَا ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ إِلَى التَّخْيِيرِ.

[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْبُيُوعِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا مِنْ أَجْلِ الضَّرَرِ أَوِ الْغَبْنِ]

[فَصْلٌ بَيْعُ الرَّجُلِ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ]

ِ وَالْمَسْمُوعُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا ثَبَتَ مِنْ نَهْيِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ، وَعَنْ أَنْ يَسُومَ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ، وَنَهْيِهِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ، وَنَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَنَهْيِهِ عَنِ النَّجْشِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَفْصِيلِ مَعَانِي هَذِهِ الْآثَارِ اخْتِلَافًا لَيْسَ بِمُتَبَاعِدٍ، فَقَالَ مَالِكٌ: مَعْنَى قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ، وَمَعْنَى نَهْيِهِ عَنْ أَنْ يَسُومَ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَاحِدٌ، وَهِيَ فِي الْحَالَةِ الَّتِي إِذَا رَكَنَ الْبَائِعُ فِيهَا إِلَى السَّائِمِ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا شَيْءٌ يَسِيرٌ مِثْلُ اخْتِيَارِ الذَّهَبِ، أَوِ اشْتِرَاطِ الْعُيُوبِ، أَوِ الْبَرَاءَةِ مِنْهَا، وَبِمِثْلِ تَفْسِيرِ مَالِكٍ فَسَّرَ أَبُو حَنِيفَةَ هَذَا الْحَدِيثَ.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: مَعْنَى «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ» ، أَنْ لَا يَطْرَأَ رَجُلٌ آخَرُ عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ فَيَقُولَ: عِنْدِي خَيْرٌ مِنْ هَذِهِ السِّلْعَةِ وَلَمْ يَحُدَّ وَقْتَ رُكُونٍ وَلَا غَيْرَهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا تَمَّ الْبَيْعُ بِاللِّسَانِ، وَلَمْ يَفْتَرِقَا، فَأَتَى أَحَدٌ يَعْرِضُ عَلَيْهِ سِلْعَةً لَهُ هِيَ خَيْرٌ مِنْهَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أَنَّ الْبَيْعَ إِنَّمَا يَلْزَمُ بِالِافْتِرَاقِ فَهُوَ وَمَالِكٌ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا يَتَنَاوَلُ حَالَةَ قُرْبِ لُزُومِ الْبَيْعِ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ.
وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْبَيْعَ يُكْرَهُ، وَإِنْ وَقَعَ مَضَى لِأَنَّهُ سَوْمٌ عَلَى بَيْعٍ لَمْ يَتِمَّ; وَقَالَ دَاوُدُ، وَأَصْحَابُهُ: إِنْ وَقَعَ فَسْخٌ فِي أَيِّ حَالَةٍ وَقَعَ تَمَسُّكًا بِالْعُمُومِ; وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فَسْخُهُ مَا لَمْ يَفُتْ; وَأَنْكَرَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ فَقَالَ: وَإِنَّمَا قَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ الذِّمِّيِّ فِي النَّهْيِ عَنْ سَوْمِ غَيْرِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَغَيْرِهِ; وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا بَأْسَ بِالسَّوْمِ عَلَى سَوْمِ الذِّمِّيِّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَخِي الْمُسْلِمِ، وَقَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَسُمْ أَحَدٌ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ» ، وَمِنْ هُنَا مَنَعَ قَوْمٌ بَيْعَ الْمُزَايَدَةِ، وَإِنْ كَانَ الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِهِ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ هَلْ يُحْمَلُ هَذَا النَّهْيُ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْحَظْرِ، ثُمَّ إِذَا حُمِلَ عَلَى الْحَظْرِ فَهَلْ يُحْمَلُ عَلَى جَمِيعِ الْأَحْوَالِ، أَوْ فِي حَالَةٍ دُونَ حَالَةٍ؟

[فَصْلٌ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ لِلْبَيْعِ]

فَصْلٌ ; وَأَمَّا نَهْيُهُ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ لِلْبَيْعِ، فَاخْتَلَفُوا فِي مَفْهُومِ النَّهْيِ مَا هُوَ؟ فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِذَلِكَ أَهْلُ الْأَسْوَاقِ لِئَلَّا يَنْفَرِدَ الْمُتَلَقِّي بِرُخْصِ السِّلْعَةِ، دُونَ أَهْلِ الْأَسْوَاقِ، وَرَأَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ أَحَدٌ سِلْعَةً حَتَّى تَدْخُلَ السُّوقَ، هَذَا إِذَا كَانَ التَّلَقِّي قَرِيبًا، فَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَحَدُّ الْقُرْبِ فِي الْمَذْهَبِ بِنَحْوٍ مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ، وَرَأَى أَنَّهُ إنْ وَقَعَ جَازَ، وَلَكِنْ يُشْرِكُ الْمُشْتَرِي أَهْلَ الْأَسْوَاقِ فِي تِلْكَ السِّلْعَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُوقَهَا.

وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ، فَقَالَ: إِنَّ الْمَقْصُودَ بِالنَّهْيِ إِنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الْبَائِعِ لِئَلَّا يَغْبِنَهُ الْمُتَلَقِّي، لِأَنَّ الْبَائِعَ يَجْهَلُ سِعْرَ الْبَلَدِ، وَكَانَ يَقُولُ: إِذَا وَقَعَ فَرَبُّ السِّلْعَةِ بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَنْفَذَ الْبَيْعَ، أَوْ رَدَّهُ.
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ هُوَ نَصٌّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا تَتَلَقَّوُا الْجَلَبَ، فَمَنْ تَلَقَّى مِنْهُ شَيْئًا فَاشْتَرَاهُ فَصَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إِذَا أَتَى السُّوقَ» خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ، وَغَيْرُهُ.

[فَصْلٌ بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي]

فَصْلٌ وَأَمَّا نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَبِعْ أَهْلُ الْحَضَرِ لِأَهْلِ الْبَادِيَةِ قَوْلًا وَاحِدًا.
وَاخْتُلِفَ عَنْهُ فِي شِرَاءِ الْحَضَرِيِّ لِلْبَدَوِيِّ، فَمَرَّةً أَجَازَهُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ ; وَمَرَّةً مَنَعَهُ، وَأَهْلُ الْحَضَرِ عِنْدَهُ هُمُ الْأَمْصَارُ; وَقَدْ قِيلَ عَنْهُ إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ أَهْلُ الْقُرَى لِأَهْلِ الْعَمُودِ الْمُنْتَقِلِينَ، وَبِمِثْلِ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي وَيُخْبِرَهُ بِالسِّعْرِ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ، (أَعْنِي: أَنْ يُخْبِرَ الْحَضَرِيُّ الْبَادِيَ بِالسِّعْرِ) ، وَأَجَازَهُ الْأَوْزَاعِيُّ.
وَالَّذِينَ مَنَعُوهُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقَصْدَ بِهَذَا النَّهْيِ هُوَ إِرْفَاقُ أَهْلِ الْحَضَرِ، لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ أَيْسَرُ مِنْ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ، وَهِيَ عِنْدَهُمْ أَرْخَصُ، بَلْ أَكْثَرُ مَا يَكُونُ مَجَّانًا عِنْدَهُمْ (أَيْ: بِغَيْرِ ثَمَنٍ) ، فَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يَنْصَحَ الْحَضَرِيُّ لِلْبَدَوِيِّ، وَهَذَا مُنَاقِضٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» وَبِهَذَا تَمَسَّكَ فِي جَوَازِهِ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَبِعْ حَاضِرٌ لَبَادٍ، ذَرُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ انْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُدَ فِيمَا أَحْسَبُ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ غَبْنِ الْبَدَوِيِّ لِأَنَّهُ يَرِدُ وَالسِّعْرُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ، إِلَّا أَنْ تَثْبُتَ هَذِهِ الزِّيَادَةُ، وَيَكُونَ عَلَى هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ مَعْنَى النَّهْيِ عَنْ تَلَقِّي الرُّكْبَانِ عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ الشَّافِعِيُّ: إِذَا وَقَعَ فَقَدْ تَمَّ وَجَازَ الْبَيْعُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ اللَّهُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ» ، وَاخْتَلَفَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَصْحَابُ مَالِكٍ ; فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يُفْسَخُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يُفْسَخُ.

[فَصْلٌ بَيْعُ النَّجْشِ]

فَصْلٌ ; وَأَمَّا نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنِ النَّجْشِ، فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَأَنَّ

النَّجْشَ هُوَ أَنْ يَزِيدَ أَحَدٌ فِي سِلْعَةٍ، وَلَيْسَ فِي نَفْسِهِ شِرَاؤُهَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَنْفَعَ الْبَائِعَ وَيَضُرَّ الْمُشْتَرِيَ ; وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَ هَذَا الْبَيْعُ، فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: هُوَ فَاسِدٌ، وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ كَالْعَيْبِ، وَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكَ أَمْسَكَ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: وَإِنْ وَقَعَ أَثِمَ، وَجَازَ الْبَيْعُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلْ يَتَضَمَّنُ النَّهْيُ فَسَادَ الْمَنْهِيِّ؟ وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ لَيْسَ فِي نَفْسِ الشَّيْءِ بَلْ مِنْ خَارِجٍ; فَمَنْ قَالَ يَتَضَمَّنُ فَسْخَ الْبَيْعِ لَمْ يُجِزْهُ; وَمَنْ قَالَ لَيْسَ يَتَضَمَّنُ أَجَازَهُ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ إِذَا وَرَدَ لِمَعْنًى فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْفَسَادَ مِثْلَ النَّهْيِ عَنِ الرِّبَا وَالْغَرَرِ، وَإِذَا وَرَدَ الْأَمْرُ مِنْ خَارِجٍ لَمْ يَتَضَمَّنِ الْفَسَادَ.
وَيُشْبِهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا الْبَابِ نَهْيُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: «إِنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ» ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ، وَنَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ "، وَقَالَ: لَا يُمْنَعُ وَهُوَ بِئْرٌ وَلَا بَيْعُ مَاءٍ» . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا النَّهْيِ، فَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى عُمُومِهِ، فَقَالُوا: لَا يَحِلُّ بَيْعُ الْمَاءِ بِحَالٍ كَانَ مِنْ بِئْرٍ، أَوْ غَدِيرٍ، أَوْ عَيْنٍ فِي أَرْضٍ مُمَلَّكَةٍ، أَوْ غَيْرِ مُمَلَّكَةٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ مُتَمَلَّكًا كَانَ أَحَقَّ بِمِقْدَارِ حَاجَتِهِ مِنْهُ، وَبِهِ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى قَالَ: أَرْبَعٌ لَا أَرَى أَنْ يُمْنَعْنَ: الْمَاءُ، وَالنَّارُ، وَالْحَطَبُ، وَالْكَلَأُ.
وَبَعْضُهُمْ خَصَّصَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ بِمُعَارَضَةِ الْأُصُولِ لَهَا، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ مَالُ أَحَدٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ كَمَا قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -، وَانْعَقَدَ عَلَيْهِ الْإِجْمَاعُ، وَالَّذِينَ خَصَّصُوا هَذَا الْمَعْنَى اخْتَلَفُوا فِي جِهَةِ تَخْصِيصِهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْبِئْرَ يَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ يَسْقِي هَذَا يَوْمًا فَيَرْوِي زَرْعَ أَحَدِهِمَا فِي بَعْضِ يَوْمِهِ، وَلَا يَرْوِي فِي الْيَوْمِ الَّذِي لِشَرِيكِهِ زَرْعَهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَ شَرِيكَهُ مِنَ الْمَاءِ بَقِيَّةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا تَأْوِيلُ ذَلِكَ فِي الَّذِي يَزْرَعُ عَلَى مَائِهِ فَتَنْهَارُ بِئْرُهُ وَلِجَارِهِ فَضْلُ مَاءٍ أَنَّهُ لَيْسَ لِجَارِهِ أَنْ يَمْنَعَهُ فَضْلَ مَائِهِ إِلَى أَنْ يُصْلِحَ بِئْرَهُ، وَالتَّأْوِيلَانِ قَرِيبَانِ، وَوَجْهُ التَّأْوِيلَيْنِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْمُطْلَقَ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الْمَاءِ مُطْلَقًا، ثُمَّ نَهَى عَنْ مَنْعِ فَضْلِ الْمَاءِ، فَحَمَلُوا الْمُطْلَقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَقَالُوا: الْفَضْلُ هُوَ الْمَمْنُوعُ فِي الْحَدِيثَيْنِ، وَأَمَّا مَالِكٌ فَأَصْلُ مَذْهَبِهِ أَنَّ الْمَاءَ مَتَى كَانَ فِي أَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ مَنِيعَةٍ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ لَهُ بَيْعُهُ

وَمَنْعُهُ، إِلَّا أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَيَخَافُ عَلَيْهِمُ الْهَلَاكَ، وَحُمِلَ الْحَدِيثُ عَلَى آبَارِ الصَّحْرَاءِ الَّتِي تُتَّخَذُ فِي الْأَرَضِينَ الْغَيْرِ مُتَمَلِّكَةٍ، فَرَأَى أَنَّ صَاحِبَهَا (أَعْنِي: الَّذِي حَفَرَهَا) أَوْلَى بِهَا، فَإِذَا رَوَتْ مَاشِيَتُهُ تَرَكَ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ، وَكَأَنَّهُ رَأَى أَنَّ الْبِئْرَ لَا تُتَمَلَّكُ بِالْإِحْيَاءِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى مَنْعِ التَّفْرِقَةِ فِي الْمَبِيعِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا، لِثُبُوتِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَاخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ: فِي وَقْتِ جَوَازِ التَّفْرِقَةِ، وَفِي حُكْمِ الْبَيْعِ إِذَا وَقَعَ.
فَأَمَّا حُكْمُ الْبَيْعِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يُفْسَخُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يُفْسَخُ، وَأَثِمَ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ هَلِ النَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ إِذَا كَانَ لِعِلَّةٍ مِنْ خَارِجٍ؟ وَأَمَّا الْوَقْتُ الَّذِي يَنْتَقِلُ فِيهِ الْمَنْعُ إِلَى الْجَوَازِ; فَقَالَ مَالِكٌ: حَدُّ ذَلِكَ الْإِثْغَارُ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدُّ ذَلِكَ سَبْعُ سِنِينَ أَوْ ثَمَانٍ; وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: حَدُّهُ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا نَفَعَ نَفْسَهُ وَاسْتَغْنَى فِي حَيَاتِهِ عَنْ أُمِّهِ.
وَيَلْحَقُ بِهَذَا الْبَابِ إِذَا وَقَعَ فِي الْبَيْعِ غَبْنٌ لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ هَلْ يَفْسَخُ الْبَيْعَ أَمْ لَا؟ فَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنْ لَا يَفْسَخَ.
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ: إِذَا كَانَ فَوْقَ الثُّلُثِ رُدَّ، وَحَكَاهُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ مَالِكٍ ; وَجَعَلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْخِيَارَ لِصَاحِبِ الْجَلَبِ إِذَا تَلَقَّى خَارِجَ الْمِصْرِ دَلِيلًا عَلَى اعْتِبَارِ الْغَبْنِ، وَكَذَلِكَ مَا جَعَلَ لِمُنْقِذِ بْنِ حِبَّانَ مِنَ الْخِيَارِ ثَلَاثًا لِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ يَغِبْنُ فِي الْبُيُوعِ، وَرَأَى قَوْمٌ مِنَ السَّلَفِ الْأَوَّلِ أَنَّ حُكْمَ الْوَالِدِ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْوَالِدَةِ، وَقَوْمٌ رَأَوْا ذَلِكَ فِي الْإِخْوَةِ.

[الْبَابُ السَّادِسِ فِي النَّهْيِ مِنْ قِبَلِ وَقْتِ الْعِبَادَاتِ]

ِ وَذَلِكَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي الشَّرْعِ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الْمَشْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9] ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا أَحْسَبُ، (أَعْنِي مَنْعَ الْبَيْعِ عِنْدَ الْأَذَانِ الَّذِي يَكُونُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ) . وَاختَلَفُوا فِي حُكْمِهِ إِذَا وَقَعَ هَلْ يُفْسَخُ أَمْ لَا؟ فَإِنْ فُسِخَ فَعَلَى مَنْ يُفْسَخُ؟ وَهَلْ يَلْحَقُ سَائِرُ الْعُقُودِ فِي هَذَا الْمَعْنَى بِالْبَيْعِ أَمْ لَا يَلْحَقُ؟ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ يُفْسَخُ، وَقَدْ قِيلَ: لَا يُفْسَخُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيفَةَ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ كَمَا قُلْنَا غَيْرَ مَا مَرَّةٍ هَلِ النَّهْيُ الْوَارِدُ لِسَبَبٍ مِنْ خَارِجٍ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أَوْ لَا يَقْتَضِيهِ؟ وَأَمَّا عَلَى مَنْ يُفْسَخُ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مَنْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ لَا عَلَى مَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الظَّاهِرِ فَتَقْتَضِي أُصُولُهُمْ أَنْ يُفْسَخَ عَلَى كُلِّ بَائِعٍ.

وَأَمَّا سَائِرُ الْعُقُودِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَلْحَقَ بِالْبُيُوعِ، لِأَنَّ فِيهَا الْمَعْنَى الَّذِي فِي الْبَيْعِ مِنَ الشُّغْلِ بِهِ لِأَنَّهَا تَقَعُ فِي هَذَا الْوَقْتِ نَادِرًا بِخِلَافِ الْبُيُوعِ.
وَأَمَّا سَائِرُ الصَّلَوَاتِ فَيُمْكِنُ أَنْ تَلْحَقَ بِالْجُمُعَةِ عَلَى جِهَةِ النَّدْبِ لِمُرْتَقِبِ الْوَقْتِ، فَإِذَا فَاتَ فَعَلَى جِهَةِ الْحَظْرِ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِي مَبْلَغٍ عِلْمِيٍّ، وَلِذَلِكَ مَدَحَ اللَّهُ تَارِكِي الْبُيُوعِ لِمَكَانِ الصَّلَاةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ﴾ [النور: 37] . وَإِذْ قَدْ أُثْبِتَتْ أَسْبَابُ الْفَسَادِ الْعَامَّةِ لِلْبُيُوعِ فَلْنَصِرْ إِلَى ذِكْرِ الْأَسْبَابِ وَالشُّرُوطِ الْمُصَحِّحَةِ لَهُ، وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّانِي مِنَ النَّظَرِ الْعَامِّ فِي الْبُيُوعِ.

[الْجُزْءُ الثَّالِثُ أَسْبَابُ الصِّحَّةِ فِي الْبُيُوعِ الْمُطْلَقَةِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَلْفَاظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ]

الْقِسْمُ الثَّانِي: وَالْأَسْبَابُ وَالشُّرُوطُ الْمُصَحِّحَةُ لِلْبَيْعِ هِيَ بِالْجُمْلَةِ ضِدُّ الْأَسْبَابِ الْمُفْسِدَةِ لَهُ، وَهِيَ مُنْحَصِرَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَجْنَاسٍ: النَّظَرُ الْأَوَّلُ: فِي الْعَقْدِ.
وَالثَّانِي: فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
وَالثَّالِثُ: فِي الْعَاقِدِينَ.
فَفِي هَذَا الْقِسْمِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ لَا يَصِحُّ إِلَّا بِأَلْفَاظِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ الَّتِي صِيغَتُهَا مَاضِيَةٌ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ الْبَائِعُ: قَدْ بِعْتُ مِنْكَ، وَيَقُولُ الْمُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ، وَإِذَا قَالَ لَهُ: بِعْنِي سِلْعَتَكَ بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: قَدْ بِعْتُهَا.
فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الْبَيْعَ قَدْ وَقَعَ وَقَدْ لَزِمَ الْمُسْتَفْهِمَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ فِي ذَلِكَ بِعُذْرٍ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ الْبَيْعُ حَتَّى يَقُولَ الْمُشْتَرِي: قَدِ اشْتَرَيْتُ، وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ: بِكَمْ تَبِيعُ سِلْعَتَكَ؟ فَيَقُولُ الْمُشْتَرِي بِكَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: قَدِ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ.
اخْتُلِفَ هَلْ يَلْزَمُ الْبَيْعُ أَمْ لَا حَتَّى يَقُولَ: قَدْ بِعْتُهَا مِنْكَ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقَعُ الْبَيْعُ بِالْأَلْفَاظِ الصَّرِيحَةِ وَبِالْكِنَايَةِ، وَلَا أَذْكُرُ لِمَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلًا، وَلَا يَكْفِي عِنْدَ الشَّافِعِيِّ الْمُعَاطَاةُ دُونَ قَوْلٍ.
وَلَا خِلَافَ فِيمَا أَحْسَبُ أَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ الْمُؤَثِّرَيْنِ فِي اللُّزُومِ لَا يَتَرَاخَى أَحَدُهُمَا عَنِ الثَّانِي حَتَّى يَفْتَرِقَ الْمَجْلِسُ، (أَعْنِي: أَنَّهُ مَتَى قَالَ لِلْبَائِعِ: قَدْ بِعْتُ سِلْعَتِي بِكَذَا وَكَذَا فَسَكَتَ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَقْبَلِ الْبَيْعَ حَتَّى افْتَرَقَا، ثُمَّ أَتَى بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: قَدْ قَبِلْتُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ ذَلِكَ الْبَائِعَ) . وَاخْتَلَفُوا مَتَى يَكُونُ اللُّزُومُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُمَا، وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ: إِنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ فِي الْمَجْلِسِ بِالْقَوْلِ، وَإِنْ لَمْ يَفْتَرِقَا; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ، وَابْنُ عُمَرَ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -: الْبَيْعُ لَازِمٌ بِالِافْتِرَاقِ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَأَنَّهُمَا مَهْمَا لَمْ يَفْتَرِقَا، فَلَيْسَ يَلْزَمُ الْبَيْعُ وَلَا يَنْعَقِدُ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَسَوَّارٍ الْقَاضِي، وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي، وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَعُمْدَةُ الْمُشْتَرِطِينَ

لِخِيَارِ الْمَجْلِسِ: حَدِيثُ مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ «الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ» ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الْحَدِيثِ: «إِلَّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ» ، وَهَذَا حَدِيثٌ إِسْنَادُهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ مِنْ أَوْثَقِ الْأَسَانِيدِ، وَأَصَحِّهَا، حَتَّى لَقَدْ زَعَمَ أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْإِسْنَادِ يُوقِعُ الْعِلْمَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ طَرِيقِ الْآحَادِ.
وَأَمَّا الْمُخَالِفُونَ فَقَدِ اضْطَرَبَ بِهِمْ وَجْهُ الدَّلِيلِ لِمَذْهَبِهِمْ فِي رَدِّ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
فَالَّذِي اعْتَمَدَ عَلَيْهِ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي رَدِّ الْعَمَلِ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يُلْفِ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهُ عِنْدَهُ مَا رَوَاهُ مِنْ مُنْقَطِعِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا بَيِّعَيْنِ تَبَايَعَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» ، فَكَأَنَّهُ حَمَلَ هَذَا عَلَى عُمُومِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي الْمَجْلِسِ، وَبَعْدَ الْمَجْلِسِ، وَلَوْ كَانَ الْمَجْلِسُ شَرْطًا فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ لَمْ يَكُنْ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَبْيِينِ حُكْمِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَجْلِسِ لِأَنَّ الْبَيْعَ بَعْدُ لَمْ يَنْعَقِدْ، وَلَا لَزِمَ بَلْ بِالِافْتِرَاقِ مِنَ الْمَجْلِسِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ مُنْقَطِعٌ، وَلَا يُعَارَضُ بِهِ الْأَوَّلُ، وَبِخَاصَّةٍ أَنَّهُ لَا يُعَارِضُهُ إِلَّا مَنْ تَوَهَّمَ الْعُمُومَ فِيهِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَنْبَنِيَ هَذَا عَلَى ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَمْ يُخْرِجْهُ أَحَدٌ مُسْنَدًا فِيمَا أَحْسَبُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ مَالِكٍ فَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ظَوَاهِرَ سَمْعِيَّةٍ، وَعَلَى الْقِيَاسِ، فَمِنْ أَظْهَرِ الظَّاهِرِ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] ، وَالْعَقْدُ هُوَ الْإِيجَابُ، وَالْقَبُولُ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ، وَخِيَارُ الْمَجْلِسِ يُوجِبُ تَرْكَ الْوَفَاءِ بِالْعَقْدِ، لِأَنَّ لَهُ عِنْدَهُمْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْبَيْعِ بَعْدَ مَا أَنْعَمَ مَا لَمْ يَفْتَرِقَا.
وَأَمَّا الْقِيَاسُ فَإِنَّهُمْ قَالُوا: عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ لِخِيَارِ الْمَجْلِسِ فِيهِ أَثَرٌ أَصْلُهُ سَائِرُ الْعُقُودِ، مِثْلُ النِّكَاحِ، وَالْكِتَابَةِ، وَالْخُلْعِ، وَالرُّهُونِ، وَالصُّلْحِ عَلَى دَمِ الْعَمْدِ، فَلَمَّا قِيلَ لَهُمْ: إِنَّ الظَّوَاهِرَ الَّتِي تَحْتَجُّونَ بِهَا يُخَصِّصُهَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ، فَلَمْ يَبْقَ لَكُمْ فِي مُقَابَلَةِ الْحَدِيثِ إِلَّا الْقِيَاسُ، فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا أَنْ تَكُونُوا مِمَّنْ يَرَى تَغْلِيبَ الْقِيَاسِ عَلَى الْأَثَرِ، وَذَلِكَ مَذْهَبٌ مَهْجُورٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ تَغْلِيبُ الْقِيَاسِ عَلَى السَّمَاعِ، مِثْلُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، فَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ رَدِّ الْحَدِيثِ بِالْقِيَاسِ، وَلَا تَغْلِيبٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ تَأْوِيلِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ.
قَالُوا: وَتَأْوِيلُ الظَّاهِرِ بِالْقِيَاسِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ.

قَالُوا: وَلَنَا فِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ هُمَا الْمُتَسَاوِمَانِ اللَّذَانِ لَمْ يَنْفَذْ بَيْنَهُمَا الْبَيْعُ، فَقِيلَ لَهُمْ: إِنَّهُ يَكُونُ الْحَدِيثُ عَلَى هَذَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ إِذْ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ بِالْقَوْلِ.
وَأَمَّا التَّأْوِيلُ الْآخَرُ، فَقَالُوا: إِنَّ التَّفَرُّقَ هَاهُنَا إِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ الِافْتِرَاقِ بِالْقَوْلِ لَا التَّفَرُّقِ بِالْأَبْدَانِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: 130] ، وَالِاعْتِرَاضُ عَلَى هَذَا أَنَّ هَذَا مَجَازٌ لَا حَقِيقَةٌ، وَالْحَقِيقَةُ هِيَ التَّفَرُّقُ بِالْأَبْدَانِ، وَوَجْهُ التَّرْجِيحِ أَنْ يُقَاسَ بَيْنَ ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ، وَالْقِيَاسِ فَيُغَلَّبُ الْأَقْوَى، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ هِيَ لِمَوْضِعِ النَّدَمِ، فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ الرُّكْنِ الْأَوَّلِ الَّذِي هُوَ الْعَقْدُ.

[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ]

وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّانِي الَّذِي هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ سَلَامَتُهُ مِنَ الْغَرَرِ وَالرِّبَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْمُخْتَلَفُ فِي هَذِهِ مِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ، وَأَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ، فَلَا مَعْنَى لِتَكْرَارِهِ.
وَالْغَرَرُ يَنْتَفِي عَنِ الشَّيْءِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْلُومَ الْوُجُودِ، مَعْلُومَ الصِّفَةِ، مَعْلُومَ الْقَدْرِ، مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَذَلِكَ فِي الطَّرَفَيْنِ الثَّمَنِ وَالْمَثْمُونِ، مَعْلُومَ الْأَجَلِ أَيْضًا إِنْ كَانَ بَيْعًا مُؤَجَّلًا.

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْعَاقِدَيْنِ]

وَأَمَّا الرُّكْنُ الثَّالِثُ وَهُمَا الْعَاقِدَانِ، فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا مَالِكَيْنِ تَامَّيِ الْمِلْكِ، أَوْ وَكِيلَيْنِ تَامَّيِ الْوَكَالَةِ بَالْغَبْنِ، وَأَنْ يَكُونَا مَعَ هَذَا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِمَا، أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا، إِمَّا لِحَقِّ أَنْفُسِهِمَا كَالسَّفِيهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى التَّحْجِيرَ عَلَيْهِ، أَوْ لِحَقِّ الْغَيْرِ كَالْعَبْدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْعَبْدُ مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا فِي بَيْعِ الْفُضُولِيِّ، هَلْ يَنْعَقِدُ أَمْ لَا؟ وَصُورَتُهُ أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ مَالَ غَيْرِهِ بِشَرْطِ إِنْ رَضِيَ بِهِ صَاحِبُ الْمَالِ أُمْضِيَ الْبَيْعُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فُسِخَ، وَكَذَلِكَ فِي شِرَاءِ الرَّجُلِ لِلرَّجُلِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، عَلَى أَنَّهُ إِنْ رَضِيَ الْمُشْتَرِي صَحَّ الشِّرَاءُ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ، فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا، وَأَجَازَهُ مَالِكٌ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا; وَفَرَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ، فَقَالَ: يَجُوزُ فِي الْبَيْعِ، وَلَا يَجُوزُ فِي الشِّرَاءِ.
وَعُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ: مَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَفَعَ إِلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ دِينَارًا، وَقَالَ: اشْتَرِ لَنَا مِنْ هَذَا الْجَلَبِ شَاةً "، قَالَ: فَاشْتَرَيْتُ شَاتَيْنِ بِدِينَارٍ، وَبِعْتُ إِحْدَى الشَّاتَيْنِ بِدِينَارٍ، وَجِئْتُ بِالشَّاةِ وَالدِّينَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.. هَذِهِ شَاتُكُمْ، وَدِينَارُكُمْ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ» ، وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمْ يَأْمُرْهُ فِي الشَّاةِ الثَّانِيَةِ لَا بِالشِّرَاءِ وَلَا بِالْبَيْعِ، فَصَارَ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي صِحَّةِ الشِّرَاءِ لِلْغَيْرِ، وَعَلَى الشَّافِعِيِّ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا.

وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَالْمَالِكِيَّةُ تَحْمِلُهُ عَلَى بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَقَضِيَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ.
وَسَبَبُ الْخِلَافِ الْمَسْأَلَةُ المَشْهُورَةُ، هَلْ إِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَلَى سَبَبٍ حُمِلَ عَلَى سَبَبِهِ أَوْ يَعُمُّ؟ فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ هَذَا الْقِسْمِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ هُوَ مُنْطَوقٌ بِالْقُوَّةِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ الصِّنَاعِيَّ الْفِقْهِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يُفْرَدَ بِالتَّكَلُّمِ فِيهِ.
وَإِذْ قَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَذَا الْجُزْءِ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فَلْنَصِرْ إِلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْقَوْلُ فِي الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ.

[الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ]

[الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي أَحْكَامِ وُجُودِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعَاتِ]

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَحْكَامِ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ]

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ وَهَذَا الْقِسْمُ تَنْحَصِرُ أُصُولُهُ الَّتِي لَهَا تَعَلُّقٌ قَرِيبٌ بِالْمَسْمُوعِ فِي أَرْبَعِ جُمَلٍ: الْجُمْلَةُ الْأُولَى: فِي أَحْكَامِ وُجُودِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعَاتِ.
وَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ: فِي الضَّمَانِ فِي الْمَبِيعَاتِ مَتَى يَنْتَقِلُ مِنْ مِلْكِ الْبَائِعِ إِلَى مِلْكِ الْمُشْتَرِي.
وَالثَّالِثَةُ: فِي مَعْرِفَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَتْبَعُ الْمَبِيعَ مِمَّا هِيَ مَوْجُودَةٌ فِيهِ فِي حِينِ الْبَيْعِ مِنَ الَّتِي لَا تَتْبَعُهُ.
وَالرَّابِعَةُ: فِي اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْأَلْيَقُ بِهِ كِتَابَ الْأَقْضِيَةِ.
وَكَذَلِكَ أَيْضًا مِنْ أَبْوَابِ أَحْكَامِ الْبُيُوعِ الِاسْتِحْقَاقُ، وَكَذَلِكَ الشُّفْعَةُ هِيَ أَيْضًا مِنَ الْأَحْكَامِ الطَّارِئَةِ عَلَيْهِ، لَكِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يُفْرَدَ لَهَا كِتَابٌ.
الْجُمْلَةُ الْأُولَى وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ فِيهَا بَابَانِ: الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي أَحْكَامِ وُجُودِ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ.
وَالْبَابُ الثَّانِي: فِي أَحْكَامِهِمَا فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ.
الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَحْكَامِ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُودِ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29] ، وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ الْمَشْهُورُ.
وَلَمَّا كَانَ الْقَائِمُ بِالْعَيْبِ لَا يَخْلُو أَنْ يَقُومَ فِي عَقْدٍ يُوجِبُ الرَّدَّ، أَوْ يَقُومَ فِي عَقْدٍ لَا يُوجِبُ ذَلِكَ، ثُمَّ إِذَا قَامَ فِي عَقْدٍ يُوجِبُ الرَّدَّ، فَلَا يَخْلُو أَيْضًا أَنْ يَقُومَ بِعَيْبٍ يُوجِبُ حُكْمًا، أَوْ لَا يُوجِبُهُ، ثُمَّ إِنْ قَامَ بِعَيْبٍ يُوجِبُ حُكْمًا فَلَا يَخْلُو الْمَبِيعُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ قَدْ حَدَثَ فِيهِ تَغَيُّرٌ بَعْدَ الْبَيْعِ، أَوْ لَا يَكُونُ، فَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْدُثْ فَمَا حُكْمُهُ؟ وَإِنْ كَانَ حَدَثَ فِيهِ فَكَمْ أَصْنَافُ التَّغْيِيرَاتِ وَمَا حُكْمُهَا؟ كَانَتِ الْفُصُولُ الْمُحِيطَةُ بِأُصُولِ هَذَا الْبَابِ خَمْسَةٌ:

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ حُكْمٌ، مِنَ الَّتِي لَا يَجِبُ ذَلِكَ فِيهَا.
الثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ، وَمَا شَرْطُهَا الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِيهَا؟ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِ الْعَيْبِ الْمُوجِبِ إِذَا كَانَ الْمَبِيعُ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
الرَّابِعُ: فِي مَعْرِفَةِ أَصْنَافِ التَّغْيِيرَاتِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَحُكْمِهَا.
الْخَامِسُ: فِي الْقَضَاءِ فِي هَذَا الْحُكْمِ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، وَإِنْ كَانَ أَلْيَقَ بِكِتَابِ الْأَقْضِيَةِ.

[الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الْعُقُودِ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ حُكْمٌ مِنَ الَّتِي لَا يَجِبُ فِيهَا]

أَمَّا الْعُقُودُ الَّتِي يَجِبُ فِيهَا بِالْعَيْبِ حُكْمٌ بِلَا خِلَافٍ، فَهِيَ الْعُقُودُ الَّتِي الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمُعَاوَضَةُ، كَمَا أَنَّ الْعُقُودَ الَّتِي لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا الْمُعَاوَضَةَ لَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّهُ لَا تَأْثِيرَ لِلْعَيْبِ فِيهَا، كَالْهِبَاتِ لِغَيْرِ الثَّوَابِ، وَالصَّدَقَةِ ; وَأَمَّا مَا بَيْنَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الْعُقُودِ، (أَعْنِي: مَا جَمَعَ قَصْدَ الْمُكَارَمَةِ، وَالْمُعَاوَضَةِ، مِثْلُ هِبَةِ الثَّوَابِ) ، فَالْأَظْهَرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ فِيهَا بِوُجُودِ الْعَيْبِ، وَقَدْ قِيلَ: يُحْكَمُ بِهِ إِذَا كَانَ الْعَيْبُ مُفْسِدًا.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ وَمَا شَرْطُهَا الْمُوجِبُ لِلْحُكْمِ فِيهَا]

؟ وَفِي هَذَا الْفَصْلِ نَظَرَانِ: أَحَدُهُمَا: فِي الْعُيُوبِ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ.
وَالنَّظَرُ الثَّانِي: فِي الشَّرْطِ الْمُوجِبِ لَهُ.
النَّظَرُ الْأَوَّلُ فَأَمَّا الْعُيُوبُ الَّتِي تُوجِبُ الْحُكْمَ: فَمِنْهَا عُيُوبٌ فِي النَّفْسِ; وَمِنْهَا عُيُوبٌ فِي الْبَدَنِ، وَهَذِهِ مِنْهَا مَا هِيَ عُيُوبٌ بِأَنْ تَشْتَرِطَ أَضْدَادَهَا فِي الْمَبِيعِ، وَهِيَ تُسَمَّى عُيُوبًا مِنْ قِبَلِ الشَّرْطِ; وَمِنْهَا مَا هِيَ عُيُوبٌ تُوجِبُ الْحُكْمَ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ وُجُودُ أَضْدَادِهَا فِي الْمَبِيعِ، وَهَذِهِ هِيَ الَّتِي فَقْدُهَا نَقْصٌ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ; وَأَمَّا الْعُيُوبُ الْأُخَرُ فَهِيَ الَّتِي أَضْدَادُهَا كِمَالَاتٌ، وَلَيْسَ فَقْدُهَا نَقْصًا مِثْلُ الصَّنَائِعِ، وَأَكْثَرُ مَا يُوجَدُ هَذَا الصِّنْفُ فِي أَحْوَالِ النَّفْسِ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي أَحْوَالِ الْجِسْمِ.
وَالْعُيُوبُ الْجُسْمَانِيَّةُ: مِنْهَا مَا هِيَ فِي أَجْسَامِ ذَوَاتِ الْأَنْفُسِ، وَمِنْهَا مَا هِيَ فِي غَيْرِ ذَوَاتِ الْأَنْفُسِ.
وَالْعُيُوبُ الَّتِي لَهَا تَأْثِيرٌ فِي الْعَقْدِ هِيَ عِنْدَ الْجَمِيعِ مَا نَقَصَ عَنِ الْخِلْقَةِ الطَّبِيعِيَّةِ، أَوْ عَنِ

الْخُلُقِ الشَّرْعِيِّ نُقْصَانًا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَزْمَانِ، وَالْعَوَائِدِ، وَالْأَشْخَاصِ، فَرُبَّمَا كَانَ النَّقْصُ فِي الْخِلْقَةِ فَضِيلَةً فِي الشَّرْعِ، كَالْخِفَاضِ فِي الْإِمَاءِ، وَالْخِتَانِ فِي الْعَبِيدِ.
وَلِتَقَارُبِ هَذِهِ الْمَعَانِي فِي شَيْءٍ مِمَّا يَتَعَامَلُ النَّاسُ بِهِ وَقَعَ الْخِلَافُ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَا اشْتَهَرَ الْخِلَافُ فِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لِيَكُونَ مَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْفَقِيهِ يَعُودُ كَالْقَانُونِ وَالدُّسْتُورِ الَّذِي يَعْمَلُ عَلَيْهِ فِيمَا لَمْ يَجِدْ فِيهِ نَصًّا عَمَّنْ تَقَدَّمَهُ، أَوْ فِيمَا لَمْ يَقِفْ عَلَى نَصٍّ فِيهِ لِغَيْرِهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ وُجُودُ الزِّنَا فِي الْعَبِيدِ.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ; فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هُوَ عَيْبٌ; وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ بِعَيْبٍ، وَهُوَ نَقْصٌ فِي الْخُلُقِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ الْعِفَّةُ.
وَالزَّوَاجُ عِنْدَ مَالِكٍ عَيْبٌ، وَهُوَ مِنَ الْعُيُوبِ الْعَائِقَةِ عَنْ الِاسْتِعْمَالِ، وَكَذَلِكَ الدِّينُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْعَيْبَ بِالْجُمْلَةِ هُوَ مَا عَاقَ فِعْلَ النَّفْسِ، أَوْ فِعْلَ الْجِسْمِ، وَهَذَا الْعَائِقُ قَدْ يَكُونُ فِي الشَّيْءِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ خَارِجٍ; وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ الدِّينُ وَلَا الزَّوَاجُ بِعَيْبٍ فِيمَا أَحْسَبُ.
وَالْحَمْلُ فِي الرَّائِعَةِ عَيْبٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَفِي كَوْنِهِ عَيْبًا فِي الْوَخْشِ خِلَافٌ فِي الْمَذْهَبِ.
وَالتَّصْرِيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ عَيْبٌ، وَهُوَ حَقْنُ اللَّبَنِ فِي الثَّدْيِ أَيَّامًا حَتَّى يُوهِمَ ذَلِكَ أَنَّ الْحَيَوَانَ ذُو لَبَنٍ غَزِيرٍ، وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ الْمَشْهُورِ، وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا تُصَرُّوا الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا، وَإِنْ شَاءَ رَدَّهَا وَصَاعًا مِنْ تَمْرٍ» ، قَالُوا: فَأَثْبَتَ لَهُ الْخِيَارَ بِالرَّدِّ مَعَ التَّصْرِيَةِ، وَذَلِكَ دَالٌّ عَلَى كَوْنِهِ عَيْبًا مُؤَثِّرًا.
قَالُوا: وَأَيْضًا فَإِنَّهُ مُدَلِّسٌ، فَأَشْبَهَ التَّدْلِيسَ بِسَائِرِ الْعُيُوبِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ: لَيْسَتِ التَّصْرِيَةُ عَيْبًا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا اشْتَرَى شَاةً فَخَرَجَ لَبَنُهَا قَلِيلًا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِعَيْبٍ.
قَالُوا: وَحَدِيثُ الْمُصَرَّاةِ يَجِبُ أَنْ لَا يُوجِبَ عَمَلًا لِمُفَارَقَتِهِ الْأُصُولَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ مُفَارِقٌ لِلْأُصُولِ مِنْ وُجُوهٍ: فَمِنْهَا: أَنَّهُ مَعَارِضٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» وَهُوَ أَصْلٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَمِنْهَا: أَنَّ فِيهِ مُعَارَضَةَ مَنْعِ بَيْعِ طَعَامٍ بِطَعَامٍ نَسِيئَةً، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ بِاتِّفَاقٍ.
وَمِنْهَا: أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمُتْلَفَاتِ إِمَّا الْقِيَمُ وَإِمَّا الْمِثْلُ، وَإِعْطَاءُ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ فِي لَبَنٍ لَيْسَ قِيمَةً وَلَا مِثْلًا.
وَمِنْهَا: بَيْعُ الطَّعَامِ الْمَجْهُولِ (أَيْ: الْجُزَافُ) بِالْمَكِيلِ الْمَعْلُومِ، لِأَنَّ اللَّبَنَ الَّذِي دَلَّسَ بِهِ الْبَائِعُ غَيْرُ مَعْلُومِ الْقَدْرِ، وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَقِلُّ وَيَكْثُرُ، وَالْعِوَضُ هَاهُنَا مَحْدُودٌ.
وَلَكِنَّ الْوَاجِبَ أَنْ يُسْتَثْنَى هَذَا مِنْ هَذِهِ الْأُصُولِ كُلِّهَا لِمَوْضِعِ صِحَّةِ الْحَدِيثِ، وَهَذَا كَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ خَاصٌّ.

فصول الكتاب · 4 فصل · 258 صفحة
جارٍ التحميل