بداية المجتهد ونهاية المقتصدصفحات 165-204
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كِتَابُ الْإِجَارَاتِ

صفحات 165-204

وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي أُمِّ وَلَدِ الْمُكَاتَبِ إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَتَرَكَ بَنِينَ وَوَفَّاهُ كِتَابَتَهُ، هَلْ تُعْتَقُ أُمُّ وَلَدِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا كَانَ مَعَهَا وَلَدٌ عُتِقَتْ وَإِلَّا رَقَّتْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: تُعْتَقُ عَلَى كُلِّ حَالٍ.
وَعَلَى أَصْلِ الشَّافِعِيِّ كُلُّ مَا تَرَكَ الْمُكَاتَبُ مَالٌ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَنُونَ فِي أَدَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابَتِهِ كَانُوا مَعَهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ، أَوْ كَانُوا وُلِدُوا فِي الْكِتَابَةِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِمُ السَّعْيُ.
وَعَلَى أَصْلِ أَبِي حَنِيفَةَ يَكُونُ حُرًّا وَلَا بُدَّ، وَمَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَأَنَّهُ اسْتِحْسَانٌ.

الْجِنْسُ الرَّابِعُ وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَنْ يَدْخُلُ مَعَهُ فِي عَقْدِ الْكِتَابَةِ وَمَنْ لَا يَدْخُلُ وَاتَّفَقُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّ وَلَدَ الْمُكَاتَبِ لَا يَدْخُلُ فِي كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ إِلَّا بِالشَّرْطِ ; لِأَنَّهُ عَبْدٌ آخَرُ لِسَيِّدِهِ.
وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى دُخُولِ مَا وُلِدَ لَهُ فِي الْكِتَابَةِ فِيهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي أُمِّ الْوَلَدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي دُخُولِ مَالِهِ أَيْضًا بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَدْخُلُ مَالُهُ فِي الْكِتَابَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَدْخُلُ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَدْخُلُ بِالشَّرْطِ أَعْنِي: إِذَا اشْتَرَطَهُ الْمُكَاتِبُ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى: هَلْ يَمْلِكُ الْعَبْدُ أَمْ لَا يَمْلِكُ، هَلْ يَتْبَعُهُ مَالُهُ فِي الْعِتْقِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ.

الْجِنْسُ الْخَامِسُ وَهُوَ النَّظَرُ فِيمَا يُحْجَرُ فِيهِ عَلَى الْمُكَاتَبِ مِمَّا لَا يُحْجَرُ وَمَا بَقِيَ مِنْ أَحْكَامِ الْعَبْدِ فِيهِ فَنَقُولُ: إِنَّهُ قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ مِنْ هَذَا الْبَابِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَهَبَ مِنْ مَالِهِ شَيْئًا لَهُ قَدْرٌ، وَلَا يُعْتِقَ وَلَا يَتَصَدَّقَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ، فَإِنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَأَشْبَاهِهَا (أَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ يَدِهِ شَيْئًا مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ) ، وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فُرُوعٍ: مِنْهَا: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ السَّيِّدُ بِهِبَتِهِ أَوْ بِعِتْقِهِ إِلَّا بَعْدَ أَدَاءِ كِتَابَتِهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ ذَلِكَ نَافِذٌ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ.
وَعُمْدَةُ مَنْ مَنَعَهُ أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي حَالَةٍ لَا يَجُوزُ وُقُوعُهُ فِيهَا فَكَانَ فَاسِدًا.
وَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَهُ أَنَّ السَّبَبَ الْمَانِعَ مِنْ ذَلِكَ قَدِ ارْتَفَعَ وَهُوَ مَخَافَةُ أَنْ يَعْجِزَ الْعَبْدُ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ هَلْ إِذْنُ السَّيِّدِ مِنْ شَرْطِ لُزُومِ الْعَقْدِ أَوْ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِ؟ فَمَنْ قَالَ مِنْ شَرْطِ الصِّحَّةِ لَمْ يُجِزْهُ وَإِنْ عَتَقَ، وَمَنْ قَالَ مِنْ شَرْطِ لُزُومِهِ قَالَ: يَجُوزُ إِذَا عَتَقَ ; لِأَنَّهُ وَقَعَ عَقْدًا صَحِيحًا، فَلَمَّا ارْتَفَعَ الْإِذْنُ الْمُرْتَقَبُ فِيهِ صَحَّ الْعَقْدُ كَمَا لَوْ أَذِنَ.
هَذَا كُلُّهُ عِنْدَ مَنْ أَجَازَ عِتْقَهُ إِذَا أَذِنَ السَّيِّدُ، فَإِنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي ذَلِكَ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِتْقُهُ إِذَا لَمْ يَأْذَنِ السَّيِّدُ، فَقَالَ قَوْمٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يَجُوزُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبِالْجَوَازِ قَالَ مَالِكٌ،

وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا.
وَالَّذِينَ أَجَازُوا ذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي وَلَاءِ الْمُعْتَقِ لِمَنْ يَكُونُ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ مَاتَ الْمُكَاتَبُ قَبْلَ أَنْ يُعْتَقَ كَانَ وَلَاءُ عَبْدِهِ لِسَيِّدِهِ، وَإِنْ مَاتَ وَقَدْ عُتِقَ الْمُكَاتَبُ كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ.
وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ هَؤُلَاءِ: بَلْ وَلَاؤُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ لِسَيِّدِهِ.
وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ عِتْقَ الْمُكَاتَبِ أَنَّ الْوَلَاءَ يَكُونُ لِلْمُعْتِقِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «إِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» وَلَا وَلَاءَ لِلْمُكَاتَبِ فِي حِينِ كِتَابَتِهِ فَلَمْ يَصِحَّ عِتْقُهُ.
وَعُمْدَةُ مَنْ رَأَى أَنَّ الْوَلَاءَ لِلسَّيِّدِ أَنَّ عَبْدَ عَبْدِهِ بِمَنْزِلَةِ عَبْدِهِ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَ ذَلِكَ فَهُوَ اسْتِحْسَانٌ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يَنْكِحَ أَوْ يُسَافِرَ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ؟ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْكِحَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَأَبَاحَ بَعْضُهُمُ النِّكَاحَ لَهُ.
وَأَمَّا السَّفَرُ فَأَبَاحَهُ لَهُ جُمْهُورُهُمْ وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَبَاحَهُ سَحْنُونٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَلَمْ يُجِزْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُكَاتَبِ، وَأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي السَّفَرِ الْقَرِيبِ.
وَالْعِلَّةُ فِي مَنْعِ النِّكَاحِ أَنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إِلَى عَجْزِهِ.
وَالْعِلَّةُ فِي جَوَازِ السَّفَرِ أَنْ بِهِ يَقْوَى عَلَى التَّكَسُّبِ فِي أَدَاءِ كِتَابَتِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَلِلْعُلَمَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُسَافِرَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُسَافِرَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.
الْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ بِمُطْلَقِ عَقْدِ الْكِتَابَةِ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ أَنْ لَا يُسَافِرَ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي هَلْ لِلْمُكَاتَبِ أَنْ يُكَاتِبَ عَبْدًا لَهُ؟ فَأَجَازَ ذَلِكَ مَالِكٌ مَا لَمْ يُرَدْ بِهِ الْمُحَابَاةُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا إِثْبَاتُ الْكِتَابَةِ، وَالْآخَرُ إِبْطَالُهَا.
وَعُمْدَةُ الْجَمَاعَةِ أَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ الْمَقْصُودُ مِنْهُ طَلَبُ الرِّبْحِ فَأَشْبَهَ سَائِرَ الْعُقُودِ الْمُبَاحَةِ مِنَ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ وَلَا وَلَاءَ لِلْمُكَاتَبِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بَحُرٍّ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ وَلَا الِانْتِفَاعُ مِنْهُ بِشَيْءٍ.
وَاخْتَلَفُوا فِي وَطْءِ السَّيِّدِ أَمَتَهُ الْمُكَاتَبَةَ، فَصَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى مَنْعِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ مِنَ التَّابِعِينَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إِذَا اشْتَرَطَهُ عَلَيْهَا.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ وَطْءٌ تَقَعُ

الْفُرْقَةُ فِيهِ إِلَى أَجَلٍ آتٍ فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ إِلَى أَجَلٍ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي تَشْبِيهُهَا بِالْمُدَبَّرَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا إِنْ عَجَزَتْ حَلَّ وَطْؤُهَا.
وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ مَنَعُوا ذَلِكَ إِذَا وَطِئَهَا هَلْ عَلَيْهِ حَدٌّ أَمْ لَا؟ فَقَالَ جُمْهُورُهُمْ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ وَطْءٌ بِشُبْهَةٍ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَلَيْهِ الْحَدُّ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِيجَابِ الصَّدَاقِ لَهَا، وَالْعُلَمَاءُ فِيمَا أَعْلَمُ عَلَى أَنَّهُ فِي أَحْكَامِهِ الشَّرْعِيَّةِ عَلَى حُكْمِ الْعَبْدِ مِثْلُ الطَّلَاقِ وَالشَّهَادَةِ وَالْحَدِّ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْعَبِيدُ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي بَيْعِهِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُبَاعُ الْمُكَاتَبُ إِلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَبْقَى عَلَى كِتَابَتِهِ عِنْدَ مُشْتَرِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَيْعُهُ جَائِزٌ مَا لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ ; لِأَنَّ بَرِيرَةَ بِيعَتْ وَلَمْ تَكُنْ أَدَّتْ مِنْ كِتَابَتِهَا شَيْئًا، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا رَضِيَ الْمُكَاتِبُ بِالْبَيْعِ جَازَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ بِعَقْدٍ لَازِمٍ فِي حَقِّ الْعَبْدِ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ بَرِيرَةَ إِذْ بِيعَتْ وَهِيَ مُكَاتَبَةٌ.
وَعُمْدَةُ مَنْ لَمْ يُجِزْ بَيْعَ الْمُكَاتَبِ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْوَفَاءِ بِهِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَلِ الْكِتَابَةُ عَقْدٌ لَازِمٌ أَمْ لَا؟ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي بَيْعِ الْكِتَابَةِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَأَجَازَهَا مَالِكٌ وَرَأَى الشُّفْعَةَ فِيهَا لِلْمُكَاتَبِ.
وَمَنْ أَجَازَ ذَلِكَ شَبَّهَ بَيْعَهَا بِبَيْعِ الدَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ رَآهُ مِنْ بَابِ الْغَرَرِ.
وَكَذَلِكَ شَبَّهَ مَالِكٌ الشُّفْعَةَ فِيهَا بِالشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - (أَعْنِي: فِي الشُّفْعَةِ فِي الدَّيْنِ) ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ فِي بَيْعِ الْكِتَابَةِ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ بِذَهَبٍ أَنَّهَا تَجُوزُ بِعَرَضٍ مُعَجَّلٍ لَا مُؤَجَّلَ لِمَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِنَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
وَإِنْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِعَرَضٍ كَانَ شِرَاؤُهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ مُعَجَّلَيْنِ أَوْ بِعَرَضٍ مُخَالِفٍ، وَإِذَا أُعْتِقَ فَوَلَاؤُهُ لِلْمُكَاتِبِ لَا لِلْمُشْتَرِي.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ هَلْ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُجْبِرَ الْعَبْدَ عَلَى الْكِتَابَةِ أَمْ لَا؟

[شُرُوطُ الْكِتَابَةِ]

وَأَمَّا شُرُوطُ الْكِتَابَةِ فَمِنْهَا شَرْعِيَّةٌ هِيَ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْعَقْدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ ذِكْرِ أَرْكَانِ الْكِتَابَةِ.
وَمِنْهَا شُرُوطٌ بِحَسَبِ التَّرَاضِي، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ الْعَقْدَ، وَمِنْهَا مَا إِذَا تُمُسِّكَ بِهِ أَفْسَدَتِ الْعَقْدَ وَإِذَا تُرِكَتْ صَحَّ الْعَقْدُ، وَمِنْهَا شُرُوطٌ جَائِزَةٌ غَيْرُ لَازِمَةٍ، وَمِنْهَا شُرُوطٌ لَازِمَةٌ، وَهَذِهِ كُلُّهَا هِيَ مَبْسُوطَةٌ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ، وَلَيْسَ كِتَابُنَا هَذَا كِتَابَ فَرَوْعٍ، وَإِنَّمَا هُوَ كِتَابُ أُصُولٍ.
وَالشُّرُوطُ الَّتِي تُفْسِدُ الْعَقْدَ بِالْجُمْلَةِ هِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي هِيَ ضِدُّ شُرُوطِ الصِّحَّةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الْعَقْدِ.
وَالشُّرُوطُ الْجَائِزَةُ هِيَ الَّتِي لَا تُؤَدِّي إِلَى إِخْلَالٍ بِالشُّرُوطِ الْمُصَحِّحَةِ لِلْعَقْدِ وَلَا تُلَازِمُهَا، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ لَيْسَ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِيهَا، وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُونَ فِي الشُّرُوطِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ مِنْهَا شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ أَوْ لَيْسَ مِنْهَا، وَهَذَا يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مِنْ إِخْلَالِهَا

بِشُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ مَالِكًا جِنْسًا ثَالِثًا مِنَ الشُّرُوطِ، وَهِيَ الشُّرُوطُ الَّتِي إِنْ تَمَسَّكَ بِهَا الْمُشْتَرِطُ فَسَدَ الْعَقْدُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَسَّكْ بِهَا جَازَ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْهَمَهُ فِي سَائِرِ الْعُقُودِ الشَّرْعِيَّةِ.
فَمِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةِ فِي هَذَا الْبَابِ إِذَا اشْتَرَطَ فِي الْكِتَابَةِ شَرْطًا مِنْ خِدْمَةٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ نَحْوِهِ وَقَوِيَ عَلَى أَدَاءِ نُجُومِهِ قَبْلَ مَحَلِّ أَجَلِ الْكِتَابَةِ هَلْ يُعْتَقُ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ: ذَلِكَ الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَيُعْتَقُ إِذَا أَدَّى جَمِيعَ الْمَالِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: لَا يُعْتَقُ حَتَّى يُؤَدِّيَ جَمِيعَ الْمَالِ، وَيَأْتِيَ بِذَلِكَ الشَّرْطِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ أَعْتَقَ رَقِيقَ الْإِمَارَةِ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَخْدِمُوا الْخَلِيفَةَ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَلَى أَنْ يَخْدِمَهُ سِنِينَ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ عِتْقُهُ إِلَّا بِخِدْمَةِ تِلْكَ السِّنِينَ، وَلِذَلِكَ الْقِيَاسِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الشَّرْطَ لَازِمٌ.
فَهَذِهِ الْمَسَائِلُ الْوَاقِعَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي أُصُولِ هَذَا الْكِتَابِ.
وَهَاهُنَا مَسَائِلُ تُذْكَرُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَهِيَ مِنْ كُتُبٍ أُخْرَى، وَذَلِكَ أَنَّهَا إِذَا ذُكِرَتْ فِي هَذَا الْكِتَابِ ذُكِرَتْ عَلَى أَنَّهَا فُرُوعٌ تَابِعَةٌ لِلْأُصُولِ فِيهِ، وَإِذَا ذُكِرَتْ فِي غَيْرِهِ ذُكِرَتْ عَلَى أَنَّهَا أُصُولٌ، وَلِذَلِكَ كَانَ الْأَوْلَى ذِكْرُهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ.
فَمِنْ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ إِذَا زَوَّجَ السَّيِّدُ بِنْتَهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ، ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ وَوَرِثَتْهُ الْبِنْتُ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ ; لِأَنَّهَا مَلَكَتْ جُزْءًا مِنْهُ، وَمِلْكُ يَمِينِ الْمَرْأَةِ مُحَرَّمٌ عَلَيْهَا بِإِجْمَاعٍ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَصِحُّ النِّكَاحُ ; لِأَنَّ الَّذِي وَرِثَتْ إِنَّمَا هُوَ مَالٌ فِي ذِمَّةِ الْمُكَاتَبِ لَا رَقَبَةَ الْمُكَاتِبِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَحَقُّ بِكِتَابِ النِّكَاحِ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ إِذَا مَاتَ الْمُكَاتَبُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَبَعْضُ الْكِتَابَةِ هَلْ يَحَاصُّ سَيِّدُهُ الْغُرَمَاءَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ الْجُمْهُورُ: لَا يُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ، وَقَالَ شُرَيْحٌ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَضْرِبُ السَّيِّدُ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا أَفْلَسَ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَا بِيَدِهِ، هَلْ يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى رَقَبَتِهِ؟ فَقَالَ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَا سَبِيلَ لَهُمْ إِلَى رَقَبَتِهِ، وَقَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ: يَأْخُذُونَهُ إِلَّا أَنْ يَفْتَكَّهُ السَّيِّدُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا عَجَزَ عَنْ عَقْلِ الْجِنَايَاتِ أَنَّهُ يُسَلَّمُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَعْقِلَ عَنْهُ سَيِّدُهُ، وَالْقَوْلُ فِي هَلْ يَحَاصُّ سَيِّدُهُ الْغُرَمَاءَ أَوْ لَا يَحَاصُّ هُوَ مِنْ كِتَابِ التَّفْلِيسِ، وَالْقَوْلُ فِي جِنَايَتِهِ هُوَ مِنْ بَابِ الْجِنَايَاتِ.
وَمِنْ مَسَائِلِ الْأَقْضِيَةِ الَّتِي هِيَ فُرُوعٌ فِي هَذَا الْبَابِ وَأَصْلٌ فِي بَابِ الْأَقْضِيَةِ اخْتِلَافُهُمْ فِي الْحُكْمُ عِنْدَ اخْتِلَافِ السَّيِّدِ وَالْمُكَاتَبِ فِي مَالِ الْكِتَابَةِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكَاتَبِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمُحَمَّدٌ، وَأَبُو يُوسُفَ يَتَحَالَفَانِ وَيَتَفَاسَخَانِ قِيَاسًا عَلَى الْمُتَبَايِعَيْنِ.
وَفُرُوعُ

هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ، لَكِنَّ الَّذِي حَضَرَ مِنْهَا الْآنَ فِي الذِّكْرِ هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَمَنْ وَقَعَتْ لَهُ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَسَائِلُ مَشْهُورَةٌ الْخِلَافُ بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنَ الْمَسْمُوعِ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُثْبَتَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إِذْ كَانَ الْقَصْدُ إِنَّمَا هُوَ إِثْبَاتَ الْمَسَائِلِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي وَقَعَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مَعَ الْمَسَائِلِ الْمَنْطُوقِ بِهَا فِي الشَّرْعِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَصْدَنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ كَمَا قُلْنَا غَيْرَ مَرَّةٍ: إِنَّمَا هُوَ أَنْ نُثْبِتَ الْمَسَائِلَ الْمَنْطُوقَ بِهَا فِي الشَّرْعِ الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا وَالْمُخْتَلَفَ فِيهَا، وَنَذْكُرُ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمَسْكُوتِ عَنْهَا الَّتِي شُهِرَ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ; فَإِنَّ مَعْرِفَةَ هَذَيْنِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الْمَسَائِلِ هِيَ الَّتِي تَجْرِي لِلْمُجْتَهِدِ مَجْرَى الْأُصُولِ فِي الْمَسْكُوتِ عَنْهَا وَفِي النَّوَازِلِ الَّتِي لَمْ يَشْتَهِرِ الْخِلَافُ فِيهَا بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ سَوَاءٌ نُقِلَ فِيهَا مَذْهَبٌ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَوْ لَمْ يُنْقَلْ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَنْ تَدَرَّبَ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَفَهِمَ أَصُولَ الْأَسْبَابِ الَّتِي أَوْجَبَتْ خِلَافَ الْفُقَهَاءِ فِيهَا أَنْ يَقُولَ مَا يَجِبُ فِي نَازِلَةٍ مِنَ النَّوَازِلِ (أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِيهَا عَلَى مَذْهَبِ فَقِيهٍ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، أَعْنِي: فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ بِعَيْنِهَا) ، وَيُعْلَمُ حَيْثُ خَالَفَ ذَلِكَ الْفَقِيهُ أَصْلَهُ وَحَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ، وَذَلِكَ إِذَا نَقَلَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَتْوَى.
فَأَمَّا إِذَا لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ فَتْوَى أَوْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ النَّاظِرَ فِي هَذِهِ الْأُصُولِ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْجَوَابِ بِحَسَبِ أُصُولِ الْفَقِيهِ الَّذِي يُفْتِي عَلَى مَذْهَبِهِ، وَبِحَسَبِ الْحَقِّ الَّذِي يُؤَدِّيهِ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ.
وَنَحْنُ نَرُومُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدَ فَرَاغِنَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ نَضَعَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ كِتَابًا جَامِعًا لِأُصُولِ مَذْهَبِهِ وَمَسَائِلِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي تَجْرِي فِي مَذْهَبِهِ مَجْرَى الْأُصُولِ لِلتَّفْرِيعِ عَلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَمِلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، فَإِنَّهُ جَاوَبَ فِيمَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ عَلَى قِيَاسِ مَا كَانَ عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ الْجِنْسِ مِنْ مَسَائِلِ مَالِكٍ الَّتِي هِيَ فِيهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْأُصُولِ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِنَ الِاتِّبَاعِ وَالتَّقْلِيدِ فِي الْأَحْكَامِ وَالْفَتْوَى، بَيْدَ أَنَّ فِي قُوَّةِ هَذَا الْكِتَابِ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ الْإِنْسَانُ كَمَا قُلْنَا رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ إِذَا تَقَدَّمَ، فَعَلِمَ مِنَ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ وَعَلِمَ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ مَا يَكْفِيهِ فِي ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ رَأَيْنَا أَنَّ أَخَصَّ الْأَسْمَاءِ بِهَذَا الْكِتَابِ أَنْ نُسَمِّيَهُ كِتَابَ: [بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ وَكِفَايَةِ الْمُقْتَصِدِ] .

[كِتَابُ التَّدْبِيرِ]

والنظَرِ فِي التَّدْبِيرِ: فِي أَرْكَانِهِ، وَفِي أَحْكَامِهِ.
أَمَّا الْأَرْكَانُ فَهِيَ أَرْبَعَةٌ: الْمَعْنَى، وَاللَّفْظُ، وَالْمُدَبِّرُ، وَالْمُدَبَّرُ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَصِنْفَانِ: أَحْكَامُ الْعَقْدِ، وَأَحْكَامُ الْمُدَبَّرِ.
الرُّكْنُ الْأَوَّلُ فَنَقُولُ: أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ التَّدْبِيرِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ السَّيِّدُ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ عَنْ دُبُرٍ مِنِّي، أَوْ يُطْلِقَ فَيَقُولُ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ، وَهَذَانِ هَمَّا عِنْدَهُمْ لَفْظَا التَّدْبِيرِ بِاتِّفَاقٍ.
وَالنَّاسُ فِي التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ عَلَى صِنْفَيْنِ: مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ التَّدْبِيرِ وَالْوَصِيَّةِ بِأَنْ جَعَلَ التَّدْبِيرَ لَازِمًا وَالْوَصِيَّةَ غَيْرَ لَازِمَةٍ.
وَالَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَهُمَا اخْتَلَفُوا فِي مُطْلَقِ لَفْظِ الْحُرِّيَّةِ بَعْدَ الْمَوْتِ هَلْ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْوَصِيَّةِ؟ أَوْ حُكْمَ التَّدْبِيرِ؟ (أَعْنِي: إِذَا قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي) ، فَقَالَ مَالِكٌ: إِذَا قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ وَصِيَّةٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ، وَيَجُوزُ رُجُوعُهُ فِيهَا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ التَّدْبِيرَ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ التَّدْبِيرُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَبِقَوْلِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبُقُولِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ أَشْهَبُ قَالَ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى الْوَصِيَّةِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَفَرٍ أَوْ يَكُونَ مَرِيضًا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ أَنْ يَكْتُبَ النَّاسُ فِيهَا وَصَايَاهُمْ.
فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْوَصِيَّةِ وَالتَّدْبِيرِ - وَهُوَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ - هَذَا اللَّفْظُ هُوَ مِنْ أَلْفَاظِ صَرِيحِ التَّدْبِيرِ.
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُفَرِّقُ فَهُوَ إِمَّا مِنْ كِنَايَاتِ التَّدْبِيرِ، وَإِمَّا لَيْسَ مِنْ كِنَايَاتِهِ وَلَا مِنْ صَرِيحِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْوَصِيَّةِ فَلَيْسَ هُوَ عِنْدَهُ مِنْ كِنَايَاتِهِ وَلَا مِنْ صَرِيحِهِ، وَمَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى التَّدْبِيرِ وَيَنْوِيهِ فِي الْوَصِيَّةِ فَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ كِنَايَاتِهِ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي يَقْبَلُ هَذَا الْعَقْدَ هُوَ كُلُّ عَبْدٍ صَحِيحِ الْعُبُودِيَّةِ لَيْسَ يَعْتِقُ عَلَى سَيِّدِهِ سَوَاءٌ مُلِكَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي حُكْمِ مِنْ مَلَكَ بَعْضًا فَدَبَّرَهُ: فَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ ذَلِكَ، وَلِلَّذِي لَمْ يُدَبِّرْ حَظَّهُ خِيَارَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَقَاوَمَاهُ، فَإِنِ اشْتَرَاهُ الَّذِي دَبَّرَهُ كَانَ مُدَبَّرًا كُلَّهُ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِهِ انْتَقَضَ التَّدْبِيرُ.

وَالْخِيَارُ الثَّانِي أَنْ يُقَوِّمَهُ عَلَيْهِ الشَّرِيكُ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لِلشَّرِيكِ الَّذِي لَمْ يُدَبِّرْ ثَلَاثَ خِيَارَاتٍ: إِنْ شَاءَ اسْتَمْسَكَ بِحِصَّتِهِ، وَإِنْ شَاءَ اسْتَسْعَى الْعَبْدَ فِي قِيمَةِ الْحِصَّةِ الَّتِي لَهُ فِيهِ وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا عَلَى شَرِيكِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا اسْتَسْعَى الْعَبْدَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ التَّدْبِيرُ وَلَا يَلْزَمُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، وَيَبْقَى الْعَبْدُ الْمُدَبَّرُ نِصْفُهُ أَوْ ثُلُثُهُ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَإِذَا مَاتَ مُدَبِّرُهُ عُتِقَ مِنْهُ ذَلِكَ الْجُزْءُ وَلَمْ يُقَوَّمِ الْجُزْءُ الْبَاقِي مِنْهُ عَلَى السَّيِّدِ عَلَى مَا يُفْعَلُ فِي سُنَّةِ الْعِتْقِ ; لِأَنَّ الْمَالَ قَدْ صَارَ لِغَيْرِهِ وَهُمُ الْوَرَثَةُ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ مِنَ الْأَحْكَامِ لَا مِنَ الْأَرْكَانِ (أَعْنِي: أَحْكَامَ الْمُدَبَّرِ) ، فَلْتَثْبُتْ فِي الْأَحْكَامِ.
وَأَمَّا الْمُدَبَّرُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا تَامَّ الْمِلْكِ غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ سَوَاءٌ أَكَانَ صَحِيحًا أَوْ مَرِيضًا، وَإِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مِمَّنْ أَحَاطَ الدَّيْنُ بِمَالِهِ ; لِأَنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ يُبْطِلُ التَّدْبِيرَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي تَدْبِيرِ السَّفِيهِ.
فَهَذِهِ هِيَ أَرْكَانُ هَذَا الْبَابِ.

وَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَأُصُولُهَا رَاجِعَةٌ إِلَى أَجْنَاسٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: مِمَّاذَا يَخْرُجُ الْمُدَبَّرُ، هَلْ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ أَوِ الثُّلُثِ؟ وَالثَّانِي: مَا يَبْقَى فِيهِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّقِّ مِمَّا لَيْسَ يَبْقَى فِيهِ (أَعْنِي: مَا دَامَ مُدَبَّرًا) . وَالثَّالِثُ: مَا يَتْبَعُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ مِمَّا لَيْسَ يَتْبَعُهُ.
وَالرَّابِعُ: مُبْطِلَاتُ التَّدْبِيرِ الطَّارِئَةُ عَلَيْهِ.
وَالْخَامِسُ: فِي أَحْكَامِ تَبْعِيضِ التَّدْبِيرِ.
الْجِنْسُ الْأَوَّلُ فَأَمَّا مِمَّاذَا يُخْرَجُ الْمُدَبَّرُ إِذَا مَاتَ الْمُدَبِّرُ؟ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنَ الثُّلُثِ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: هُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، مُعْظَمُهُمْ أَهْلُ الظَّاهِرِ.
فَمَنْ رَأَى أَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ شَبَّهَهُ بِالْوَصِيَّةِ ; لِأَنَّهُ حُكْمٌ يَقَعُ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «الْمُدَبَّرُ مِنَ الثُّلُثِ» إِلَّا أَنَّهُ أَثَرٌ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ; لِأَنَّهُ رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَعَلِيُّ بْنُ ظَبْيَانَ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ.
وَمَنْ رَآهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ شَبَّهَهُ بِالشَّيْءِ يُخْرِجُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ مَالِهِ فِي حَيَاتِهِ فَأَشْبَهَ الْهِبَةَ.
وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ مِنَ الثُّلُثِ فِي فُرُوعٍ، وَهُوَ إِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ غُلَامًا لَهُ فِي صِحَّتِهِ، وَأَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ عَنْهُ غُلَامًا آخَرَ فَضَاقَ الثُّلُثُ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَقَالَ مَالِكٌ: يُقَدَّمُ

الْمُدَبَّرُ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الصِّحَّةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُقَدَّمُ الْمُعْتَقُ الْمُبَتَّلُ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ رَدُّهُ، وَمِنْ أَصْلِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ عِنْدَهُ رَدُّ التَّدْبِيرِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَحَقُّ بِكِتَابِ الْوَصَايَا.

وَأَمَّا الْجِنْسُ الثَّانِي فَأَشْهَرُ مَسْأَلَةٍ فِيهِ هِيَ: هَلْ لِلْمُدَبِّرِ أَنْ يَبِيعَ الْمُدَبَّرَ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ: لَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَبِيعَ مُدَبَّرَهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ، وَأَبُو ثَوْرٍ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَبِيعَ مُدَبَّرَهُ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يُبَاعُ إِلَّا مِنْ رَجُلٍ يُرِيدُ عِتْقَهُ.
وَاخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ مِنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي فُرُوعٍ وَهُوَ إِذَا بِيعَ فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي، فَقَالَ مَالِكٌ: يَنْفُذُ الْعِتْقُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيُّونَ: الْبَيْعُ مَفْسُوخٌ سَوَاءٌ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ لَمْ يُعْتِقْهُ وَهُوَ أَقْيَسُ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ مَمْنُوعٌ عِبَادَةً.
فَعُمْدَةُ مَنْ أَجَازَ بَيْعَهُ مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَاعَ مُدَبَّرًا» وَرُبَّمَا شَبَّهُوهُ بِالْوَصِيَّةِ.
وَأَمَّا عُمْدَةُ الْمَالِكِيَّةِ فَعُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] لِأَنَّهُ عِتْقٌ إِلَى أَجَلٍ فَأَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ أَوْ أَشْبَهَ الْعِتْقَ الْمُطْلَقَ.
فَكَانَ سَبَبُ الِاخْتِلَافِ هَاهُنَا مُعَارَضَةَ الْقِيَاسِ لِلنَّصِّ، أَوِ الْعُمُومِ لِلْخُصُوصِ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْمُدَبَّرَ أَحْكَامُهُ فِي حُدُودِهِ وَطَلَاقِهِ وَشَهَادَاتِهِ وَسَائِرِ أَحْكَامِهِ أَحْكَامُ الْعَبِيدِ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي جَوَازِ وَطْءِ الْمُدَبَّرَةِ، فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ وَطْئِهَا، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ مَنْعُ ذَلِكَ، وَعَنِ الْأَوْزَاعِيِّ كَرَاهِيَةُ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ وَطِئَهَا قَبْلَ التَّدْبِيرِ.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ تَشْبِيهُهَا بِأُمِّ الْوَلَدِ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ ذَلِكَ شَبَّهَهَا بِالْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ، وَمَنْ مَنَعَ وَطْءَ الْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ شَبَّهَهَا بِالْمَنْكُوحَةِ إِلَى أَجَلٍ، وَهِيَ الْمُتْعَةُ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِلسَّيِّدِ فِي الْمُدَبَّرِ الْخِدْمَةَ، وَلِسَيِّدِهِ أَنْ يَنْتَزِعَ مَالَهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ كَالْحَالِ فِي الْعَبْدِ، قَالَ مَالِكٌ: إِلَّا أَنْ يَمْرَضَ مَرَضًا مَخُوفًا فَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ.

الْجِنْسُ الثَّالِثُ فَأَمَّا مَا يَتْبَعُهُ فِي التَّدْبِيرِ مِمَّا لَا يَتْبَعُهُ، فَإِنَّ مِنْ مَسَائِلِهِمُ الْمَشْهُورَةَ فِي هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي وَلَدِ الْمُدَبَّرَةِ الَّذِينَ تَلِدُهُمْ بَعْدَ تَدْبِيرِ سَيِّدِهَا مِنْ نِكَاحٍ أَوْ زِنًا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: وَلَدُهَا بَعْدَ تَدْبِيرِهَا بِمَنْزِلَتِهَا يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا وَيَرِقُّونَ بِرِقِّهَا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْمُخْتَارِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ: إِنَّهُمْ لَا يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَعْتَقَهَا سَيِّدُهَا فِي حَيَاتِهِ أَنَّهُمْ يُعْتَقُونَ بِعِتْقِهَا.

وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يُعْتَقُوا فِي الْعِتْقِ الْمُنَجَّزِ فَأَحْرَى أَنْ لَا يُعْتَقُوا فِي الْعِتْقِ الْمُؤَجَّلِ بِالشَّرْطِ.
وَاحْتَجَّ أَيْضًا بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُوصَى لَهَا بِالْعِتْقِ لَا يَدْخُلُ فِيهِ بَنُوهَا.
وَالْجُمْهُورُ رَأَوْا أَنَّ لِلتَّدْبِيرَ حُرْمَةٌ مَا، فَأَوْجَبُوا اتِّبَاعَ الْوَلَدِ تَشْبِيهًا بِالْكِتَابَةِ، وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُثْمَانَ، وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ، وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمَكْحُولٍ.
وَتَحْصِيلُ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَنَّ كُلَّ امْرَأَةٍ فَوَلَدُهَا تَبَعٌ لَهَا، إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَحُرٌّ، وَإِنْ كَانَتْ مُكَاتَبَةً فَمُكَاتَبٌ، وَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً فَمُدَبَّرٌ، أَوْ مُعْتَقَةً إِلَى أَجَلٍ فَمُعْتَقٌ إِلَى أَجَلٍ، وَكَذَلِكَ أُمُّ الْوَلَدِ وَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَهْلُ الظَّاهِرِ، وَكَذَلِكَ الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ كُلَّ وَلَدٍ مِنْ تَزْوِيجٍ فَهُوَ تَابِعٌ لِأُمِّهِ فِي الرِّقِّ وَالْحُرِّيَّةِ وَمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْعُقُودِ الْمُفْضِيَةِ إِلَى الْحُرِّيَّةِ إِلَّا مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَمِنْ أَمَةٍ زَوْجُهَا عَرَبِيٌّ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ كُلَّ وَلَدٍ مِنْ مِلْكِ يَمِينٍ أَنَّهُ تَابِعٌ لِأَبِيهِ، إِنْ حُرًّا فَحُرٌّ، وَإِنْ عَبْدًا فَعَبْدٌ، وَإِنْ مُكَاتَبًا فَمُكَاتَبٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُدَبَّرِ إِذَا تَسَرَّى فَوُلِدَ لَهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: حُكْمُهُ حُكْمُ الْأَبِ (يَعْنِي: أَنَّهُ مُدَبَّرُ) ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ يَتْبَعُهُ وَلَدُهُ فِي التَّدْبِيرِ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ تَابِعٌ لِلْأَبِ مَا عَدَا الْمُدَبَّرَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ قِيَاسِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ عَلَى مَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ وَلَدَ الْمُدَبَّرِ مَالٌ مِنْ مَالِهِ، وَمَالَ الْمُدَبَّرِ لِلسَّيِّدِ انْتِزَاعُهُ مِنْهُ وَلَيْسَ يُسَلَّمُ لَهُ أَنَّهُ مَالٌ مِنْ مَالِهِ، وَيَتْبَعُهُ فِي الْحُرِّيَّةِ مَالُهُ عِنْدَ مَالِكٍ.

الْجِنْسُ الرَّابِعُ وَأَمَّا النَّظَرُ فِي تَبْعِيضِ التَّدْبِيرِ فَقَدْ قُلْنَا فِيمَنْ دَبَّرَ لَهُ حَظًّا فِي عَبْدِهِ دُونَ أَنْ يُدَبِّرَ شَرِيكُهُ، وَنَقْلُهُ إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى، فَلْيُنْقَلْ إِلَيْهِ.
وَأَمَّا مَنْ دَبَّرَ جُزْءًا مِنْ عَبْدٍ هُوَ لَهُ كُلُّهُ، فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِتَدْبِيرِ الْكُلِّ، قِيَاسًا عَلَى مَنْ بَعَّضَ الْعِتْقَ عِنْدَ مَالِكٍ.

وَأَمَّا الْجِنْسُ الْخَامِسُ وَهُوَ مُبْطِلَاتُ التَّدْبِيرِ فَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي إِبْطَالِ الدَّيْنِ لِلتَّدْبِيرِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: الدَّيْنُ يُبْطِلُهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَيْسَ يُبْطِلُهُ وَيَسْعَى فِي الدَّيْنِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لِلْقِيمَةِ أَوْ لِبَعْضِهَا.

وَمِنْ هَذَا الْبَابِ اخْتِلَافُهُمْ فِي النَّصْرَانِيِّ يُدَبِّرُ عَبْدًا لَهُ نَصْرَانِيًّا، فَيُسْلِمُ الْعَبْدُ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُبَاعُ عَلَيْهِ سَاعَةَ يُسْلِمُ وَيَبْطُلُ تَدْبِيرُهُ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَيِّدِهِ وَيُخَارَجُ عَلَى سَيِّدِهِ النَّصْرَانِيِّ، وَلَا يُبَاعُ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِينَ أَمْرُ سَيِّدِهِ ; فَإِنْ مَاتَ عُتِقَ الْمُدَبَّرُ مَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: إِذَا أَسْلَمَ مُدَبَّرُ النَّصْرَانِيِّ قُوِّمَ وَسَعَى الْعَبْدُ فِي قِيمَتِهِ، وَمُدَبَّرُ الصِّحَّةِ يُقَدَّمُ عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى مُدَبَّرِ الْمَرَضِ إِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا.

[كِتَابُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ]

ِ وَأُصُولُ هَذَا الْكِتَابِ النَّظَرُ فِي: هَلْ تُبَاعُ أُمُّ الْوَلَدِ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَتْ لَا تُبَاعُ فَمَتَى تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ، وَبِمَاذَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ، وَمَا يَبْقَى فِيهَا لِسَيِّدِهَا مِنْ أَحْكَامِ الْعُبُودِيَّةِ، وَمَتَى تَكُونُ حُرَّةً؟ أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الأُولَى: فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا سَلَفُهُمْ وَخَلَفُهُمْ، فَالثَّابِتُ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَضَى بِأَنَّهَا لَا تُبَاعُ وَأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ رَأْسِ مَالِ سَيِّدِهَا إِذَا مَاتَ، وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ التَّابِعِينَ وَجُمْهُورِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ وَعَلِيٌّ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا - وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ الزُّبَيْرِ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ يُجِيزُونَ بَيْعَ أُمِّ الْوَلَدِ، وَبِهِ قَالَتِ الظَّاهِرِيَّةُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، وَقَالَ جَابِرٌ، وَأَبُو سَعِيدٍ: «كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ وَالنَّبِيُّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِينَا لَا يَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا» ، وَاحْتَجُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: «كُنَّا نَبِيعُ أُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ، ثُمَّ نَهَانَا عُمَرُ عَنْ بَيْعِهِنَّ» . وَمِمَّا اعْتَمَدَ عَلَيْهِ أَهْلُ الظَّاهِرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ الَّذِي يُعْرَفُ بِاسْتِصْحَابِ حَالِ الْإِجْمَاعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لَمَّا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ قَبْلَ الْوِلَادَةِ، وَجَبَ أَنْ تَكُونَ كَذَلِكَ بَعْدَ الْوِلَادَةِ إِلَى أَنْ يَدُلَّ الدَّلِيلُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ تَبَيَّنَ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ قُوَّةُ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ دَلِيلًا بِحَسَبِ رَأْيِ مَنْ يُنْكِرُ الْقِيَاسَ.
وَرُبَّمَا احْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَيْهِمْ بِمِثْلِ احْتِجَاجِهِمْ، وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُونَهُ بِمُقَابَلَةِ الدَّعْوَى بِالدَّعْوَى، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: أَلَيْسَ تَعْرِفُونَ أَنَّ الْإِجْمَاعَ قَدِ انْعَقَدَ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَسْتَصْحِبَ حَالَ هَذَا الْإِجْمَاعِ بَعْدَ وَضْعِ الْحَمْلِ، إِلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَحْدَثُوا فِي هَذَا الْأَصْلِ نَقْضًا، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُسَلِّمُونَ مَنْعَ بَيْعِهَا حَامِلًا.
وَمِمَّا اعْتَمَدَهُ الْجُمْهُورُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَثَرِ مَا رُوِيَ عَنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أَنَّهُ قَالَ: فِي مَارِيَةَ سُرِّيَّتِهِ لَمَّا وَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ: " أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا» ، وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -

أَنَّهُ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ وَلَدَتْ مِنْ سَيِّدِهَا فَإِنَّهَا حُرَّةٌ إِذَا مَاتَ» ، وَكِلَا الْحَدِيثَيْنِ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، حَكَى ذَلِكَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ.
وَرُبَّمَا قَالُوا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّهَا قَدْ وَجَبَتْ لَهَا حُرْمَةٌ وَهُوَ اتِّصَالُ الْوَلَدِ بِهَا وَكَوْنُهُ بَعْضًا مِنْهَا، وَحَكَوْا هَذَا التَّعْلِيلَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حِينَ رَأَى أَنْ لَا يُبَعْنَ، فَقَالَ: خَالَطَتْ لُحُومُنَا لُحُومَهُنَّ، وَدِمَاؤُنَا دِمَاءَهُنَّ.

مَتَى تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ؟ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا مَلَكَهَا قَبْلَ حَمْلِهَا مِنْهُ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا مَلَكَهَا وَهِيَ حَامِلٌ مِنْهُ أَوْ بَعْدَ أَنْ وَلَدَتْ مِنْهُ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ إِذَا وَلَدَتْ مِنْهُ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا، ثُمَّ مَلَكَهَا وَوَلَدَهَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ إِذَا مَلَكَهَا وَهِيَ حَامِلٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ أُمَّ وَلَدٍ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ إِذْ كَانَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ أَنْ يَبِيعَ الْمَرْءُ أُمَّ وَلَدِهِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» .

وَأَمَّا بِمَاذَا تَكُونُ أُمَّ وَلَدٍ؟ فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: كُلُّ مَا وَضَعَتْ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ كَانَتْ مُضْغَةً أَوْ عَلَقَةً، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا بُدَّ أَنْ يُؤَثِّرَ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مِثْلُ الْخِلْقَةِ وَالتَّخْطِيطِ.
وَاخْتِلَافُهُمْ رَاجِعٌ إِلَى مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوِلَادَةِ أَوْ مَا يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ مَوْلُودٌ.

وَأَمَّا مَا بَقِيَ فِيهَا مِنْ أَحْكَامِ الْعُبُودِيَّةِ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا فِي شَهَادَتِهَا وَحُدُودِهَا وَدِيَتِهَا وَأَرْشِ جِرَاحِهَا كَالْأَمَةِ.
وَجُمْهُورُ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا لَيْسَ يَرَوْنَ هَاهُنَا سَبَبًا طَارِئًا عَلَيْهَا يُوجِبُ بَيْعَهَا إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهَا إِذَا زَنَتْ رُقَّتْ.
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيُّ هَلْ لِسَيِّدِهَا اسْتِخْدَامُهَا طُولَ حَيَاتِهِ وَاغْتِلَالُهُ إِيَّاهَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا لَهُ فِيهَا الْوَطْءُ فَقَطْ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَهُ ذَلِكَ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يَمْلِكْ رَقَبَتَهَا بِالْبَيْعِ لَمْ يَمْلِكْ إِجَارَتَهَا، إِلَّا أَنَّهُ يَرَى أَنَّ إِجَارَةَ بَنِيهَا مِنْ غَيْرِهِ جَائِزَةٌ ; لِأَنَّ حُرْمَتَهُمْ عِنْدَهُ أَضْعَفُ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ وَطْؤُهَا.
فَسَبَبُ الْخِلَافِ تَرَدُّدُ إِجَارَتِهَا بَيْنَ أَصْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا وَطْؤُهَا، وَالثَّانِي بَيْعُهَا.
فَيَجِبُ أَنْ يُرَجَّحَ أَقْوَى الْأَصْلَيْنِ شَبَهًا.

وَأَمَّا مَتَى تَكُونُ حُرَّةً، فَإِنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ آنَ ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ إِذَا مَاتَ السَّيِّدُ، وَلَا أَعْلَمُ الْآنَ أَحَدًا قَالَ تُعْتَقُ مِنَ الثُّلُثِ، وَقِيَاسُهَا عَلَى الْمُدَبَّرِ ضَعِيفٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْمُدَبَّرَ يُعْتَقُ مِنَ الثُّلُثِ.

[كِتَابُ الْجِنَايَاتِ]

ِ وَالْجِنَايَاتُ الَّتِي لَهَا حُدُودٌ مَشْرُوعَةٌ أَرْبَعٌ: جِنَايَاتٌ عَلَى الْأَبْدَانِ وَالنُّفُوسِ وَالْأَعْضَاءِ وَهُوَ الْمُسَمَّى قَتْلًا وَجَرْحًا.
وَجِنَايَاتٌ عَلَى الْفُرُوجِ وَهُوَ الْمُسَمَّى زِنًا وَسِفَاحًا.
وَجِنَايَاتٌ عَلَى الْأَمْوَالِ، وَهَذِهِ مَا كَانَ مِنْهَا مَأْخُوذًا بِحَرْبٍ سُمِّيَ حِرَابَةً إِذَا كَانَ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ، بِتَأْوِيلٍ سُمِّيَ بَغْيًا، وَإِنْ كَانَ مَأْخُوذًا عَلَى وَجْهِ الْمُعَافَصَةِ مِنْ حِرْزٍ يُسَمَّى سَرِقَةً، وَمَا كَانَ مِنْهَا يَعُلُو مَرْتَبَةٍ وَقُوَّةِ سُلْطَانٍ سُمِّيَ غَصْبًا.
وَجِنَايَاتٌ عَلَى الْأَعْرَاضِ، وَهُوَ الْمُسَمَّى قَذْفًا.
وَجِنَايَاتٌ بِالتَّعَدِّي عَلَى اسْتِبَاحَةِ مَا حَرَّمَهُ الشَّرْعُ مِنَ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، وَهَذِهِ إِنَّمَا يُوجَدُ فِيهَا حَدٌّ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ فِي الْخَمْرِ فَقَطْ، وَهُوَ حَدٌّ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَعْدَ صَاحِبِ الشَّرْعِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه.
فَلْنَبْتَدِئْ مِنْهَا بِالْحُدُودِ الَّتِي فِي الدِّمَاءِ فَنَقُولُ: إِنَّ الْوَاجِبَ فِي إِتْلَافِ النُّفُوسِ وَالْجَوَارِحِ هُوَ إِمَّا قِصَاصٌ وَإِمَّا مَالٌ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى الدِّيَةَ، فَإِذَنْ النَّظَرُ أَوَّلًا فِي هَذَا الْكِتَابِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: النَّظَرُ فِي الْقِصَاصِ، وَالنَّظَرُ فِي الدِّيَةِ.
وَالنَّظَرُ فِي الْقِصَاصِ يَنْقَسِمُ إِلَى الْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ، وَإِلَى الْقِصَاصِ فِي الْجَوَارِحِ.
وَالنَّظَرُ أَيْضًا فِي الدِّيَاتِ يَنْقَسِمُ إِلَى النَّظَرِ فِي دِيَاتِ النُّفُوسِ، وَإِلَى النَّظَرِ فِي دِيَاتِ قَطْعِ الْجَوَارِحِ وَالْجِرَاحِ.
فَيَنْقَسِمُ أَوَّلًا هَذَا الْكِتَابُ إِلَى كِتَابَيْنِ: أَوَّلُهُمَا: يُرْسَمُ عَلَيْه

ِ كِتَابُ الْقِصَاصِ.

وَالثَّانِي: يُرْسَمُ عَلَيْهِ كِتَابُ الدِّيَاتِ.

[كِتَابُ الْقِصَاصِ]

[الْقِسْمُ الْأَوَّلُ النَّظَرُ فِي مُوجِبِ الْقِصَاصِ]

ِ وَهَذَا الْكِتَابُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: الْأَوَّلُ: النَّظَرُ فِي الْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ.
وَالثَّانِي: النَّظَرُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْجَوَارِحِ، فَلْنَبْدَأْ مِنَ الْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ.
كِتَابُ الْقِصَاصِ فِي النُّفُوسِ وَالنَّظَرُ أَوَّلًا فِي هَذَا الْكِتَابِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: إِلَى النَّظَرِ فِي الْمُوجِبِ (أَعْنِي: لِلْقِصَاصِ) ، وَإِلَى النَّظَرِ فِي الْوَاجِبِ (أَعْنِي: الْقِصَاصَ) وَفِي إِبْدَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ.
فَلْنَبْدَأْ أَوَّلًا بِالنَّظَرِ فِي الْمُوجِبِ.
وَالنَّظَرُ فِي الْمُوجِبِ يَرْجِعُ إِلَى النَّظَرِ فِي صِفَةِ الْقَتْلِ وَالْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ الَّتِي يَجِبُ بِمَجْمُوعِهَا الْقِصَاصُ، فَإِنَّهُ لَيْسَ أَيُّ قَاتِلٍ اتَّفَقَ يُقْتَصُّ مِنْهُ، وَلَا بِأَيِّ قَتْلٍ اتَّفَقَ، وَلَا مِنْ أَيِّ مَقْتُولٍ اتَّفَقَ، بَلْ مِنْ قَاتِلٍ مَحْدُودٍ وَمَقْتُولٍ مَحْدُودٍ، إِذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ فِي هَذَا الْبَابِ إِنَّمَا هُوَ الْعَدْلُ.
فَلْنَبْدَأْ مِنَ النَّظَرِ فِي الْقَاتِلِ، ثُمَّ فِي الْقَتْلِ، ثُمَّ فِي الْمَقْتُولِ.
الْقَوْلُ فِي الشُّرُوطِ فَنَقُولُ: إِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْقَاتِلَ الَّذِي يُقَادُ مِنْهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ بِاتِّفَاقٍ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا مُخْتَارًا لِلْقَتْلِ مُبَاشِرًا غَيْرَ مُشَارِكٍ لَهُ فِيهِ غَيْرَهُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُكْرِهِ وَالْمُكْرَهِ، وَبِالْجُمْلَةِ الْآمِرُ وَالْمُبَاشِرُ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَجَمَاعَةٌ: الْقَتْلُ عَلَى الْمُبَاشِرِ دُونَ الْآمِرِ، وَيُعَاقَبُ الْآمِرُ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُقْتَلَانِ جَمِيعًا، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِكْرَاهٌ وَلَا سُلْطَانٌ لِلْآمِرِ عَلَى الْمَأْمُورِ.
وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِلْآمِرِ سُلْطَانٌ عَلَى الْمَأْمُورِ (أَعْنِي: الْمُبَاشِرَ) ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ قَوْمٌ: يُقْتَلُ الْآمِرُ دُونَ الْمَأْمُورِ، وَيُعَاقَبُ الْمَأْمُورُ، وَبِهِ قَالَ دَاوُدُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.

وَقَالَ قَوْمٌ: يُقْتَلُ الْمَأْمُورُ دُونَ الْآمِرِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يُقْتَلَانِ جَمِيعًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ.
فَمَنْ لَمْ يُوجِبْ حَدًّا عَلَى الْمَأْمُورِ اعْتَبَرَ تَأْثِيرَ الْإِكْرَاهِ فِي إِسْقَاطِ كَثِيرٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ فِي الشَّرْعِ، لِكَوْنِ الْمُكْرَهِ يُشْبِهُ مَنْ لَا اخْتِيَارَ لَهُ.
وَمَنْ رَأَى عَلَيْهِ الْقَتْلَ غَلَّبَ عَلَيْهِ حُكْمَ الِاخْتِيَارِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمُكْرَهَ يُشْبِهُ مِنْ جِهَةٍ الْمُخْتَارَ،

وَيُشْبِهُ مِنْ جِهَةٍ الْمُضْطَرَّ الْمَغْلُوبَ، مِثْلَ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ عُلُوٍّ، وَالَّذِي تَحْمِلُهُ الرِّيحُ مِنْ مَوْضِعٍ إِلَى مَوْضِعٍ.
وَمَنْ رَأَى قَتْلَهُمْ جَمِيعًا لَمْ يَعْذُرِ الْمَأْمُورَ بِالْإِكْرَاهِ وَلَا الْآمِرَ بِعَدَمِ الْمُبَاشَرَةِ.
وَمَنْ رَأَى قَتْلَ الْآمِرِ فَقَطْ شَبَّهَ الْمَأْمُورَ بِالْآلَةِ الَّتِي لَا تَنْطِقُ.
وَمَنْ رَأَى الْحَدَّ عَلَى غَيْرِ الْمُبَاشِرِ اعْتَمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ قَاتِلٍ إِلَّا بِالِاسْتِعَارَةِ.
وَقَدِ اعْتَمَدَتِ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَتْلِ الْمُكْرَهِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْقَتْلِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ مِنْ مَخْمَصَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْتُلَ إِنْسَانًا فَيَأْكُلَهُ.
وَأَمَّا الْمُشَارِكُ لِلْقَاتِلِ عَمْدًا فِي الْقَتْلِ، فَقَدْ يَكُونُ الْقَتْلُ عَمْدًا وَخَطَأً، وَقَدْ يَكُونُ الْقَاتِلُ مُكَلَّفًا وَغَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَسَنَذْكُرُ الْعَمْدَ عِنْدَ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ.
وَأَمَّا إِذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ عَامِدٌ وَمُخْطِئٌ أَوْ مُكَلَّفٌ وَغَيْرُ مُكَلَّفٍ، مِثْلَ عَامِدٍ وَصَبِيٍّ أَوْ مَجْنُونٍ، أَوْ حُرٍّ وَعَبْدٍ فِي قَتْلِ عَبْدٍ عِنْدَ مَنْ لَا يُقِيدُ مِنَ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ: فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: عَلَى الْعَامِدِ الْقِصَاصُ، وَعَلَى الْمُخْطِئِ وَالصَّبِيِّ نِصْفُ الدِّيَةِ، إِلَّا أَنَّ مَالِكًا يَجْعَلُهُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَالشَّافِعِيَّ فِي مَالِهِ عَلَى مَا يَأْتِي، وَكَذَلِكَ قَالَا فِي الْحُرِّ وَالْعَبْدِ يَقْتُلَانِ الْعَبْدَ عَمْدًا أَنَّ الْعَبْدَ يُقْتَلُ، وَعَلَى الْحُرِّ نِصْفُ الْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ يُقْتَلَانِ جَمِيعًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِذَا اشْتَرَكَ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ مَعَ مَنْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، فَلَا قِصَاصَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَلَيْهِمَا الدِّيَةُ.
وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ هَذِهِ شُبْهَةٌ، فَإِنَّ الْقَتْلَ لَا يَتَبَعَّضُ وَمُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ إِفَاتَةُ نَفْسِهِ مِنْ فِعْلِ الَّذِي لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ كَإِمْكَانِ ذَلِكَ مِمَّنْ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ» ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ الدَّمُ وَجَبَ بَدَلُهُ، وَهُوَ الدِّيَةُ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي النَّظَرُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الَّتِي تَقْتَضِي التَّغْلِيظَ لِحَوْطَةِ الدِّمَاءِ، فَكَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا انْفَرَدَ بِالْقَتْلِ فَلَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ، وَفِيهِ ضَعْفٌ فِي الْقِيَاسِ.

وَأَمَّا صِفَةُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ الْعَمْدُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ صِنْفَانِ: عَمْدٌ، وَخَطَأٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي هَلْ بَيْنَهُمَا وَسَطٌ أَمْ لَا؟ وَهُوَ الَّذِي يُسَمُّونَهُ شِبْهَ الْعَمْدِ، فَقَالَ بِهِ جُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ.
وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ نَفْيُهُ إِلَّا فِي الِابْنِ مَعَ أَبِيهِ.
وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ يَتَخَرَّجُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ رِوَايَةٌ أُخْرَى، وَبِإِثْبَاتِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَلِيٌّ، وَعُثْمَانُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَالْمُغِيرَةُ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَالَّذِينَ قَالُوا بِهِ فَرَّقُوا فِيمَا هُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ مِمَّا لَيْسَ

بِعَمْدٍ، وَذَلِكَ رَاجِعٌ فِي الْأَغْلَبِ إِلَى الْآلَاتِ الَّتِي يَقَعُ بِهَا الْقَتْلُ، وَإِلَى الْأَحْوَالِ الَّتِي كَانَ مِنْ أَجْلِهَا الضَّرْبُ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: كُلُّ مَا عَدَا الْحَدِيدَ مِنَ الْقُضُبِ أَوِ النَّارِ وَمَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: شِبْهُ الْعَمْدِ مَا لَا يَقْتُلُ مِثْلُهُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: شِبْهُ الْعَمْدِ مَا كَانَ عَمْدًا فِي الضَّرْبِ خَطَأً فِي الْقَتْلِ (أَيْ: مَا كَانَ ضَرْبًا لَمْ يُقْصَدْ بِهِ الْقَتْلُ فَتَوَلَّدَ عَنْهُ الْقَتْلُ) . وَالْخَطَأُ مَا كَانَ خَطَأً فِيهِمَا جَمِيعًا.
وَالْعَمْدُ مَا كَانَ عَمْدًا فِيهِمَا جَمِيعًا، وَهُوَ حَسَنٌ.
فَعُمْدَةُ مَنْ نَفَى شِبْهَ الْعَمْدِ أَنَّهُ لَا وَاسِطَةَ بَيْنَ الْخَطَأِ وَالْعَمْدِ (أَعْنِي: بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الْقَتْلَ أَوْ لَا يَقْصِدَهُ) . وَعُمْدَةُ مَنْ أَثْبَتَ الْوَسَطَ أَنَّ النِّيَّاتِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَإِنَّمَا الْحُكْمُ بِمَا ظَهَرَ.
فَمَنْ قَصَدَ ضَرْبَ آخَرَ بِآلَةٍ لَا تَقْتُلُ غَالِبًا كَانَ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الْغَالِبِ (أَعْنِي: حُكْمَ مَنْ قَصَدَ الْقَتْلَ فَقَتَلَ بِلَا خِلَافٍ) . وَمَنْ قَصَدَ ضَرْبَ رَجُلٍ بِعَيْنِهِ بِآلَةٍ لَا تَقْتُلُ غَالِبًا كَانَ حُكْمُهُ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَهَذَا فِي حَقِّنَا لَا فِي حَقِّ الْآمِرِ نَفْسِهِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
أَمَّا شُبْهَةُ الْعَمْدِ فَمِنْ جِهَةِ مَا قَصَدَ ضَرْبَهُ.
وَأَمَّا شَبَهُهُ لِلْخَطَأِ فَمِنْ جِهَةِ أَنَّهُ ضَرَبَ بِمَا لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقَتْلَ.
وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا إِنَّ قَتْلَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا وَالْحَجَرِ دِيَتُهُ مُغَلَّظَةٌ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» إِلَّا أَنَّهُ حَدِيثٌ مُضْطَرِبٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَا يَثْبُتُ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ فِيمَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَإِنْ كَانَ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ قَدْ خَرَّجَهُ، فَهَذَا النَّحْوُ مِنَ الْقَتْلِ عِنْدَ مَنْ لَا يُثْبِتُهُ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ، وَعِنْدَ مَنْ أَثْبَتَهُ تَجِبُ بِهِ الدِّيَةُ، وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الضَّرْبَ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ وَالنَّائِرَةِ يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي يَكُونُ عَمْدًا عَلَى جِهَةِ اللَّعِبِ، أَوْ عَلَى جِهَةِ الْأَدَبِ لِمَنْ أُبِيحَ لَهُ الْأَدَبُ.

وَأَمَّا الشَّرْطُ الَّذِي يَجِبُ بِهِ الْقِصَاصُ فِي الْمَقْتُولِ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُكَافِئًا لِدَمِ الْقَاتِلِ.
وَالَّذِي بِهِ تَخْتَلِفُ النُّفُوسُ هُوَ الْإِسْلَامُ وَالْكُفْرُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعُبُودِيَّةُ وَالذُّكُورِيَّةُ وَالْأُنُوثِيَّةُ وَالْوَاحِدُ وَالْكَثِيرُ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمَقْتُولَ إِذَا كَانَ مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهُ يَجِبُ الْقِصَاصُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ إِذَا لَمْ تَجْتَمِعْ.
أَمَّا الْحُرُّ إِذَا قَتَلَ الْعَبْدَ عَمْدًا، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ إِلَّا عَبْدَ نَفْسِهِ، وَقَالَ قَوْمٌ: يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَبْدَ الْقَاتِلِ أَوْ عَبْدَ غَيْرِ الْقَاتِلِ، وَبِهِ قَالَ النَّخَعِيُّ.
فَمَنْ قَالَ: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ احْتَجَّ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] ، وَمَنْ

قَالَ: بِقْتَلِ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ احْتَجَّ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ» . فَسَبَبُ الْخِلَافِ مُعَارَضَةُ الْعُمُومِ لِدَلِيلِ الْخِطَابِ، وَمَنْ فَرَّقَ فَضَعِيفٌ.
وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْعَبْدَ يُقْتَلُ بِالْحُرِّ، وَكَذَلِكَ الْأَنْقَصُ بِالْأَعْلَى.
وَمِنَ الْحُجَّةِ أَيْضًا لِمَنْ قَالَ: يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ بِهِ» وَمِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى قَالُوا: وَلَمَّا كَانَ قَتْلُهُ مُحَرَّمًا كَقَتْلِ الْحُرِّ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْقِصَاصُ فِيهِ كَالْقِصَاصِ فِي الْحُرِّ.
وَأَمَّا قَتْلُ الْمُؤْمِنِ بِالْكَافِرِ الذِّمِّيِّ، فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُدُ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ قَوْمٌ: يُقْتَلُ بِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى.
وَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: لَا يُقْتَلُ بِهِ إِلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ غِيلَةً (وَقَتْلُ الْغِيلَةِ أَنْ يُضْجِعَهُ فَيَذْبَحَهُ وَبِخَاصَّةٍ عَلَى مَالِهِ) . فَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّهُ سَأَلَهُ قَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ، وَالْأَشْتَرُ: هَلْ عَهِدَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إِلَى النَّاسِ قَالَ: لَا، إِلَّا مَا فِي كِتَابِي هَذَا، وَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ فَإِذَا فِيهِ: «الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ، مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ» خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِالْحَرْبِيِّ الَّذِي أُمِّنَ.
وَأَمَّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَاعْتَمَدُوا فِي ذَلِكَ آثَارًا مِنْهَا حَدِيثٌ يَرْوِيهِ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمَانِيِّ، قَالَ: «قَتَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَالَ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ وَفَّى بِعَهْدِهِ» وَرَوَوْا ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، قَالُوا: وَهَذَا مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ» أَيْ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ دُونَ الْكَافِرِ الْمُعَاهَدِ، وَضَعَّفَ أَهْلُ الْحَدِيثِ حَدِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السَّلْمَانِيِّ، وَمَا رَوَوْا مِنْ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ.
وَأَمَّا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلَى إِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَنَّ يَدَ الْمُسْلِمِ تُقْطَعُ إِذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الذِّمِّيِّ، قَالُوا: فَإِذَا كَانَتْ حُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ مَالِ الْمُسْلِمِ فَحُرْمَةُ دَمِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، فَسَبَبُ الْخِلَافِ تَعَارُضُ الْآثَارِ وَالْقِيَاسِ.
وَأَمَّا قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، فَإِنَّ جُمْهُورَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالُوا تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ، سَوَاءٌ كَثُرَتِ الْجَمَاعَةُ أَوْ قَلَّتْ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ حَتَّى رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ: لَوْ تَمَالَأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ جَمِيعًا.
وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ جَابِرٍ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَ هَذِهِ الطَّائِفَةِ لَا تُقْطَعُ أَيْدٍ بِيَدٍ (أَعْنِي: إِذَا اشْتَرَكَ اثْنَانِ فَمَا فَوْقَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ يَدٍ) ، وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: تُقْطَعُ الْأَيْدِي بِالْيَدِ، وَفَرَّقَتِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ، فَقَالُوا: تُقْتَلُ الْأَنْفُسُ بِالنَّفْسِ، وَلَا يُقْطَعُ بِالطَّرَفِ إِلَّا طَرَفٌ وَاحِدٌ، وَسَيَأْتِي هَذَا فِي بَابِ الْقِصَاصِ مِنَ الْأَعْضَاءِ.
فَعُمْدَةُ مَنْ قَتَلَ بِالْوَاحِدِ الْجَمَاعَةَ النَّظَرُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ، فَإِنَّهُ مَفْهُومٌ أَنَّ الْقَتْلَ إِنَّمَا شُرِعَ لِنَفْيِ الْقَتْلِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 179] وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَوْ لَمْ تُقْتَلِ الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ لَتَذَرَّعَ النَّاسُ إِلَى الْقَتْلِ بِأَنْ يَتَعَمَّدُوا قَتْلَ الْوَاحِدِ بِالْجَمَاعَةِ، وَلَكِنْ لِلْمُعْتَرِضِ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذَا إِنَّمَا كَانَ يَلْزَمُ لَوْ لَمْ يَقْتُلْ مِنَ الْجَمَاعَةِ أَحَدٌ، فَأَمَّا إِنْ قَتَلَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ وَهُوَ الَّذِي مِنْ قَتْلِهِ يُظَنُّ إِتْلَافُ النَّفْسِ غَالِبًا عَلَى الظَّنِّ، فَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَبْطُلَ الْحَدُّ حَتَّى يَكُونَ سَبَبًا لِلتَّسْلِيطِ عَلَى إِذْهَابِ النُّفُوسِ.
وَعُمْدَةُ مَنْ قَتَلَ الْوَاحِدَ بِالْوَاحِدِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ [المائدة: 45] . وَأَمَّا قَتْلُ الذَّكَرِ بِالْأُنْثَى، فَإِنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ ذَكَرَ الْخِلَافَ حَكَى أَنَّهُ إِجْمَاعٌ، إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَعَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ أَنَّهُ إِذَا قُتِلَ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ كَانَ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَرْأَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ.
وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ فِي الْمُنْتَقَى عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ الذَّكَرُ بِالْأُنْثَى، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ، وَهُوَ شَاذٌّ، وَلَكِنَّ دَلِيلَهُ قَوِيٌّ لِقَوْلِهِ

تَعَالَى: ﴿وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى﴾ [البقرة: 178] وَإِنْ كَانَ يُعَارِضُ دَلِيلَ الْخِطَابِ هَاهُنَا الْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45] لَكِنْ يَدْخُلُهُ أَنَّ هَذَا الْخِطَابَ وَارِدٌ فِي غَيْرِ شَرِيعَتِنَا، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا (أَعْنِي: هَلْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا أَمْ لَا؟) ، وَالِاعْتِمَادُ فِي قَتْلِ الرَّجُلِ بِالْمَرْأَةِ هُوَ النَّظَرُ إِلَى الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْأَبِ وَالِابْنِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُقَادُ الْأَبُ بِالِابْنِ إِلَّا أَنْ يُضْجِعَهُ فَيَذْبَحَهُ، فَأَمَّا إِنْ حَذَفَهُ بِسَيْفٍ أَوْ عَصًا فَقَتَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ، وَكَذَلِكَ الْجَدُّ عِنْدَهُ مَعَ حَفِيدِهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ: لَا يُقَادُ الْوَالِدُ بِوَلَدِهِ وَلَا الْجَدُّ بِحَفِيدِهِ إِذَا قَتَلَهُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ أَوْجُهِ الْعَمْدِ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ.
وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَالَ: «لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ وَلَا يُقَادُ بِالْوَلَدِ الْوَالِدُ» . وَعُمْدَةُ مَالِكٍ عُمُومُ الْقِصَاصِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ مَا رَوَوْهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ يُقَالُ لَهُ: قَتَادَةُ حَذَفَ ابْنًا لَهُ بِالسَّيْفِ فَأَصَابَ سَاقَهُ، فَنُزِفَ جُرْحُهُ فَمَاتَ، فَقَدِمَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: اعْدُدْ عَلَى مَاءِ قُدَيْدٍ عِشْرِينَ وَمِائَةَ بَعِيرٍ حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ عُمَرُ أَخَذَ مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، ثُمَّ قَالَ: أَيْنَ أَخُو الْمَقْتُولِ، فَقَالَ: هأَنذَا، قَالَ: خُذْهَا، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: " لَيْسَ لِقَاتِلٍ شَيْءٌ» . فَإِنَّ مَالِكًا حَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَمْدًا مَحْضًا، وَأَثْبَتَ مِنْهُ شِبْهَ الْعَمْدِ فِيمَا بَيْنَ الِابْنِ وَالْأَبِ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ فَحَمَلُوهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ أَنَّهُ عَمْدٌ لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّ مَنْ حَذَفَ آخَرَ بِسَيْفٍ فَقَتَلَهُ فَهُوَ عَمْدٌ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَرَأَى لِمَا لِلْأَبِ مِنَ التَّسَلُّطِ عَلَى تَأْدِيبِ ابْنِهِ وَمِنَ الْمَحَبَّةِ لَهُ أَنْ حَمَلَ الْقَتْلَ الَّذِي يَكُونُ فِي أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ، وَلَمْ يَتَّهِمْهُ إِذْ كَانَ لَيْسَ بِقَتْلِ غِيلَةٍ، فَإِنَّمَا يُحْمَلُ فَاعِلُهُ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الْقَتْلَ مِنْ جِهَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ وَقُوَّةِ التُّهْمَةِ، إِذْ كَانَتِ النِّيَّاتُ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، فَمَالِكٌ لَمْ يَتَّهِمِ الْأَبَ حَيْثُ اتَّهَمَ الْأَجْنَبِيَّ، لِقُوَّةِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْأَبِ وَالِابْنِ.

وَالْجُمْهُورُ إِنَّمَا عَلَّلُوا دَرْءَ الْحَدِّ عَنِ الْأَبِ لِمَكَانِ حَقِّهِ عَلَى الِابْنِ، وَالَّذِي يَجِيءُ عَلَى أُصُولِ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنْ يُقَادَ، فَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ فِي الْمُوجِبِ.

[الْقِسْمُ الثَّانِي النَّظَرُ فِي الْوَاجِبِ فِي الْقِصَاصِ]

وَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْوَاجِبِ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَحَدَ شَيْئَيْنِ: الْقِصَاصُ، أَوِ الْعَفْوُ إِمَّا عَلَى الدِّيَةِ وَإِمَّا عَلَى غَيْرِ الدِّيَةِ.
وَاخْتَلَفُوا هَلِ الِانْتِقَالُ مِنَ الْقِصَاصِ إِلَى الْعَفْوِ عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ هُوَ حَقٌّ وَاجِبٌ لِوَلِيِّ الدَّمِ دُونَ أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ خِيَارٌ لِلْمُقْتَصِّ مِنْهُ، أَمْ لَا تَثْبُتُ الدِّيَةُ إِلَّا بِتَرَاضِي الْفَرِيقَيْنِ (أَعْنِي: الْوَلِيَّ وَالْقَاتِلَ) ، وَأَنَّهُ إِذَا لَمْ يُرِدِ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ أَنْ يُؤَدِّيَ الدِّيَةَ لَمْ يَكُنْ لِوَلِيِّ الدَّمِ إِلَّا الْقِصَاصُ مُطْلَقًا أَوِ الْعَفْوُ.
فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجِبُ لِلْوَلِيِّ إِلَّا أَنْ يَقْتَصَّ أَوْ يَعْفُوَ عَنْ غَيْرِ دِيَةٍ إِلَّا أَنْ يَرْضَى بِإِعْطَاءِ الدِّيَةِ لِلْقَاتِلِ، وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ وَأَكْثَرُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ: وَلِيُّ الدَّمِ بِالْخِيَارِ إِنْ شَاءَ اقْتَصَّ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ الدِّيَةَ، رَضِيَ الْقَاتِلُ أَوْ لَمْ يَرْضَ، وَرَوَى ذَلِكَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ، إِلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ هِيَ الرِّوَايَةُ الْأُولَى.
فَعُمْدَةُ مَالِكٍ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ سِنِّ الرُّبَيِّعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ» فَعَلِمَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْقِصَاصُ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الثَّانِي حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّابِتُ: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ وَبَيْنَ أَنْ يَعْفُوَ» ، هُمَا حَدِيثَانِ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِمَا، الْأَوَّلُ ضَعِيفُ الدَّلَالَةِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْقِصَاصُ.
وَالثَّانِي نَصٌّ فِي أَنَّ لَهُ الْخِيَارَ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا يُمْكِنُ إِذَا رُفِعَ دَلِيلُ الْخِطَابِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ وَاجِبًا وَمُمْكِنًا فَالْمَصِيرُ إِلَى الْحَدِيثِ الثَّانِي وَاجِبٌ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْجَمْعَ وَاجِبٌ إِذَا أَمْكَنَ وَأَنَّهُ أَوْلَى مِنَ التَّرْجِيحِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّهَ - عَزَّ وَجَلَّ - يَقُولُ: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: 29] وَإِذَا عُرِضَ عَلَى الْمُكَلَّفِ فِدَاءُ نَفْسِهِ بِمَالٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَفْدِيَهَا، أَصْلُهُ إِذَا وَجَدَ الطَّعَامَ فِي مَخْمَصَةٍ بِقِيمَةِ مِثْلِهِ وَعِنْدَهُ مَا يَشْتَرِيهِ (أَعْنِي: أَنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِشِرَائِهِ) ، فَكَيْفَ بِشِرَاءِ نَفْسِهِ؟ وَيَلْزَمُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إِذَا كَانَ لِلْمَقْتُولِ أَوْلِيَاءُ صِغَارٌ وَكِبَارٌ أَنْ يُؤَخِّرَ الْقَتْلَ إِلَى أَنْ يَكْبَرَ الصِّغَارُ فَيَكُونَ لَهُمُ الْخِيَارُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ الصِّغَارُ يَحْجُبُونَ الْكِبَارَ مِثْلَ الْبَنِينَ مَعَ الْإِخْوَةِ.
قَالَ الْقَاضِي: وَقَدْ كَانَتْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بِقُرْطُبَةَ حَيَاةَ جَدِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، فَأَفْتَى أَهْلُ

زَمَانِهِ بِالرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ، وَهُوَ أَنْ لَا يُنْتَظَرَ الصَّغِيرُ، فَأَفْتَى هُوَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - بِانْتِظَارِهِ عَلَى الْقِيَاسِ، فَشَنَّعَ أَهْلُ زَمَانِهِ ذَلِكَ عَلَيْهِ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ شِدَّةِ التَّقْلِيدِ حَتَّى اضْطُرَّ أَنْ يَضَعَ فِي ذَلِكَ قَوْلًا يَنْتَصِرُ فِيهِ لِهَذَا الْمَذْهَبِ وَهُوَ مَوْجُودٌ بِأَيْدِي النَّاسِ.
وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ فِي قِسْمَيْنِ: فِي الْعَفْوِ وَالْقِصَاصِ.

وَالنَّظَرُ فِي الْعَفْوِ فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِيمَنْ لَهُ الْعَفْوُ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ، وَتَرْتِيبُ أَهْلِ الدَّمِ فِي ذَلِكَ.
وَهَلْ يَكُونُ لَهُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ أَمْ لَا؟ وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَلْ لَهُ الْعَفْوُ عَلَى الدِّيَةِ؟ وَأَمَّا مَنْ لَهُمُ الْعَفْوُ بِالْجُمْلَةِ فَهُمُ الَّذِينَ لَهُمُ الْقِيَامُ بِالدَّمِ، وَالَّذِينَ لَهُمُ الْقِيَامُ بِالدَّمِ هُمُ الْعَصَبَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَعِنْدَ غَيْرِهِ: كُلُّ مَنْ يَرِثُ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَقْتُولَ عَمْدًا إِذَا كَانَ لَهُ بَنُونَ بَالِغُونَ فَعَفَا أَحَدُهُمْ أَنَّ الْقِصَاصَ قَدْ بَطَلَ وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي اخْتِلَافِ الْبَنَاتِ مَعَ الْبَنِينَ فِي الْعَفْوِ أَوْ فِي الْقِصَاصِ.
وَكَذَلِكَ الزَّوْجَةُ أَوِ الزَّوْجُ وَالْأَخَوَاتُ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلْبَنَاتِ وَلَا الْأَخَوَاتِ قَوْلٌ مَعَ الْبَنِينَ وَالْإِخْوَةِ فِي الْقِصَاصِ أَوْ ضِدِّهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي الزَّوْجَةِ وَالزَّوْجِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ كُلُّ وَارِثٍ يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فِي إِسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَفِي إِسْقَاطِ حَظِّهِ مِنَ الدِّيَةِ، وَفِي الْأَخْذِ بِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: الْغَائِبُ مِنْهُمْ وَالْحَاضِرُ وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ سَوَاءٌ.
وَعُمْدَةُ هَؤُلَاءِ اعْتِبَارُهُمُ الدَّمَ بِالدِّيَةِ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْوِلَايَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلذُّكْرَانِ دُونَ الْإِنَاثِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَقْتُولِ عَمْدًا إِذَا عَفَا عَنْ دَمِهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ هَلْ ذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ؟ وَكَذَلِكَ فِي الْمَقْتُولِ خَطَأً إِذَا عَفَا عَنِ الدِّيَةِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِذَا عَفَا الْمَقْتُولُ عَنْ دَمِهِ فِي الْعَمْدِ مَضَى ذَلِكَ، وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: لَا يَلْزَمُ عَفْوُهُ، وَلِلْأَوْلِيَاءِ الْقِصَاصُ أَوِ الْعَفْوُ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ أَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ بِالْعِرَاقِ.
وَعُمْدَةُ هَذِهِ الطَّائِفَةِ أَنَّ اللَّهَ خَيَّرَ الْوَلِيَّ فِي ثَلَاثٍ: إِمَّا الْعَفْوُ، وَإِمَّا الْقِصَاصُ، وَإِمَّا الدِّيَةُ.
وَذَلِكَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَقْتُولٍ سَوَاءٌ عَفَا عَنْ دَمِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ أَوْ لَمْ يَعْفُ.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي جُعِلَ لِلْوَلِيِّ إِنَّمَا هُوَ حَقُّ الْمَقْتُولِ، فَنَابَ فِيهِ مَنَابَهُ، وَأُقِيمَ مَقَامَهُ، فَكَانَ الْمَقْتُولُ أَحَقَّ بِالْخِيَارِ مِنَ الَّذِي أُقِيمَ مَقَامَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ.
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُتَصَدِّقِ هَاهُنَا هُوَ الْمَقْتُولُ يَتَصَدَّقُ بِدَمِهِ.

وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْ يَعُودُ الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: 45] قِيلَ عَلَى الْقَاتِلِ لِمَنْ رَأَى لَهُ تَوْبَةً، وَقِيلَ عَلَى الْمَقْتُولِ مِنْ ذُنُوبِهِ وَخَطَايَاهُ.
وَأَمَّا اخْتِلَافُهُمْ فِي عَفْوِ الْمَقْتُولِ خَطَأً عَنِ الدِّيَةِ، فَقَالَ: مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ: إِنَّ عَفْوَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي ثُلُثِهِ إِلَّا أَنْ يُجِيزَهُ الْوَرَثَةُ، وَقَالَ قَوْمٌ: يَجُوزُ فِي جَمِيعِ مَالِهِ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ طَاوُسٌ، وَالْحَسَنُ.
وَعُمْدَةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ وَاهِبٌ مَالًا لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَمْ يَجُزْ إِلَّا فِي الثُّلُثِ، أَصْلُهُ الْوَصِيَّةُ.
وَعُمْدَةُ الْفِرْقَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الدَّمِ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْمَالِ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ هِيَ أَخَصُّ بِكِتَابِ الدِّيَاتِ.
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ إِذَا عَفَا الْمَجْرُوحُ عَنِ الْجِرَاحَاتِ، فَمَاتَ مِنْهَا هَلْ لِلْأَوْلِيَاءِ أَنْ يُطَالِبُوا بِدَمِهِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَقُولَ عَفَوْتُ عَنِ الْجِرَاحَاتِ وَعَمَّا تَئُولُ إِلَيْهِ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ: إِذَا عَفَا عَنِ الْجِرَاحَةِ وَمَاتَ فَلَا حَقَّ لَهُمْ، وَالْعَفْوُ عَنِ الْجِرَاحَاتِ عَفْوٌ عَنِ الدَّمِ، وَقَالَ قَوْمٌ: بَلْ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ إِذَا عَفَا عَنِ الْجِرَاحَاتِ مُطْلَقًا، وَهَؤُلَاءِ اخْتَلَفُوا: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: تَلْزَمُ الْجَارِحَ الدِّيَةُ كُلُّهَا، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ مِنْ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَلْزَمُ مِنَ الدِّيَةِ مَا بَقِيَ مِنْهَا بَعْدَ إِسْقَاطِ دِيَةِ الْجُرْحِ الَّذِي عَفَا عَنْهُ، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ.
وَأَمَّا مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يَعْفُو عَنِ الدَّمِ فَلَيْسَ يُتَصَوَّرُ مَعَهُ خِلَافٌ فِي أَنَّهُ لَا يُسْقِطُ ذَلِكَ طَلَبَ الْوَلِيِّ الدِّيَةَ ; لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ عَفْوُهُ عَنِ الدَّمِ لَا يُسْقِطُ حَقَّ الْوَلِيِّ، فَأَحْرَى أَنْ لَا يُسْقِطَ عَفْوَهُ عَنِ الْجُرْحِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَاتِلِ عَمْدًا يُعْفَى عَنْهُ، هَلْ يَبْقَى لِلسُّلْطَانِ فِيهِ حَقٌّ أَمْ لَا؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ: إِنَّهُ يُجْلَدُ مِائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ (الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ) : لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: إِلَّا أَنْ يَكُونَ يُعْرَفُ بِالشَّرِّ فَيُؤَدِّبُهُ الْإِمَامُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى.
وَلَا عُمْدَةَ لِلطَّائِفَةِ الْأُولَى إِلَّا أَثَرٌ ضَعِيفٌ.
وَعُمْدَةُ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ ظَاهِرُ الشَّرْعِ وَأَنَّ التَّحْدِيدَ فِي ذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ، وَلَا تَوْقِيفَ ثَابِتٌ فِي ذَلِكَ.

وَالنَّظَرُ فِي الْقِصَاصِ هُوَ فِي صِفَةِ الْقِصَاصِ، وَمِمَّنْ يَكُونُ؟ ، وَمَتَى يَكُونُ؟ فَأَمَّا صِفَةُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْتَصُّ مِنَ الْقَاتِلِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي قَتَلَ، فَمَنْ قَتَلَ تَغْرِيقًا قُتِلَ تَغْرِيقًا، وَمَنْ قَتَلَ بِضَرْبٍ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، قَالُوا: إِلَّا أَنْ يَطُولَ تَعْذِيبُهُ بِذَلِكَ فَيَكُونَ السَّيْفُ لَهُ أَرْوَحَ.
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِيمَنْ حَرَقَ آخَرَ، هَلْ يُحْرَقُ مَعَ مُوَافَقَتِهِمْ لِمَالِكٍ فِي احْتِذَاءِ صُورَةِ الْقَتْلِ؟ وَكَذَلِكَ فِيمَنْ قَتَلَ بِالسَّهْمِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: بِأَيِّ وَجْهٍ قَتَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ إِلَّا بِالسَّيْفِ.
وَعُمْدَتُهُمْ مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا قَوَدَ إِلَّا بِحَدِيدَةٍ» . وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ حَدِيثُ أَنَسٍ «أَنَّ يَهُودِيًّا رَضَخَ رَأْسَ امْرَأَةٍ بِحَجَرٍ، فَرَضَخَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَأَسَهُ بِحَجَرٍ، أَوْ قَالَ: بَيْنَ حَجَرَيْنِ» ، وقَوْله تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] وَالْقِصَاصُ يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ.
وَأَمَّا مِمَّنْ يَكُونُ الْقِصَاصُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ وَلِيِّ الدَّمِ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ لِمَكَانِ الْعَدَاوَةِ مَخَافَةَ أَنْ يَجُورَ فِيهِ.
وَأَمَّا مَتَى يَكُونُ الْقِصَاصُ فَبَعْدَ ثُبُوتِ مُوجِبَاتِهِ، وَالْإِعْذَارِ إِلَى الْقَاتِلِ فِي ذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا.
وَاخْتَلَفُوا هَلْ مِنْ شَرْطِ الْقِصَاصِ أَنْ لَا يَكُونَ الْمَوْضِعُ الْحَرَمَ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْحَامِلَ إِذَا قَتَلَتْ عَمْدًا أَنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْقَاتِلِ بِالسُّمِّ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ: لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - سُمَّ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَنْ سَمَّهُ.
كَمُلَ كِتَابُ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ.

[كِتَابُ الْجِرَاحِ]

وَالْجِرَاحُ صِنْفَانِ: مِنْهَا مَا فِيهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ أَوِ الْعَفْوُ.
وَمِنْهَا مَا فِيهِ الدِّيَةُ أَوِ الْعَفْوُ.
وَلْنَبْدَأْ بِمَا فِيهِ الْقِصَاصُ، وَالنَّظَرُ أَيْضًا هَاهُنَا فِي شُرُوطِ الْجَارِحِ وَالْجُرْحِ الَّذِي بِهِ يَحِقُّ الْقِصَاصُ وَالْمَجْرُوحُ، وَفِي الْحُكْمِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الْقِصَاصُ، وَفِي بَدَلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ.
الْقَوْلُ فِي الْجَارِحِ وَيُشْتَرَطُ فِي الْجَارِحِ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا كَمَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْقَاتِلِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا عَاقِلًا، وَالْبُلُوغُ يَكُونُ بِالِاحْتِلَامِ وَالسِّنِّ بِلَا خِلَافٍ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ فِي مِقْدَارِهِ، فَأَقْصَاهُ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَأَقَلُّهُ خَمْسَ عَشَرَةَ سَنَةً، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْوَاحِدَ إِذَا قَطَعَ عُضْوَ إِنْسَانٍ وَاحِدٍ اقْتُصَّ مِنْهُ إِذَا كَانَ مِمَّا فِيهِ الْقِصَاصُ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا قَطَعَتْ جَمَاعَةٌ عُضْوًا وَاحِدًا، فَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا تُقْطَعُ يَدَانِ فِي يَدٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: تُقْطَعُ الْأَيْدِي بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ، كَمَا تُقْتَلُ عِنْدَهُمُ الْأَنْفُسُ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ، وَفَرَّقَتِ الْحَنَفِيَّةُ بَيْنَ النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ، فَقَالُوا: لَا تُقْطَعُ أَعْضَاءٌ بِعُضْوٍ، وَتُقْتَلُ أَنْفُسٌ بِنَفْسٍ، وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَطْرَافَ تَتَبَعَّضُ، وَإِزْهَاقَ النَّفْسِ لَا يَتَبَعَّضُ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْإِنْبَاتِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ بُلُوغٌ بِإِطْلَاقٍ.
وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِيهِ فِي الْحُدُودِ، هَلْ هُوَ بُلُوغٌ فِيهَا أَمْ لَا؟ وَالْأَصْلُ فِي هَذَا كُلِّهِ حَدِيثُ بَنِي قُرَيْظَةَ «أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَتَلَ مِنْهُمْ مَنْ أَنْبَتَ وَجَرَى عَلَيْهِ الْمَوَاسِي» ، كَمَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي السِّنِّ «حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَقَبِلَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً» .

الْقَوْلُ فِي الْمَجْرُوحِ وَأَمَّا الْمَجْرُوحُ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ دَمُهُ مُكَافِئًا لِدَمِ الْجَارِحِ وَالَّذِي يُؤَثِّرُ فِي التَّكَافُؤِ الْعُبُودِيَّةُ وَالْكُفْرُ.
أَمَّا الْعَبْدُ وَالْحُرُّ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا فِي الْجُرْحِ كَاخْتِلَافِهِمْ فِي النَّفْسِ، فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ لَا يُقْتَصُّ مِنَ الْحُرِّ لِلْعَبْدِ، وَيُقْتَصُّ لِلْحُرِّ مِنَ الْعَبْدِ كَالْحَالِ فِي النَّفْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقْتَصُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْجُرْحِ وَالنَّفْسِ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ، فَقَالَ: يُقْتَصُّ مِنَ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى فِي النَّفْسِ وَالْجُرْحِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يُقْتَصُّ مِنَ النَّفْسِ دُونَ الْجُرْحِ، وَعَنْ مَالِكٍ الرِّوَايَتَانِ.
وَالصَّوَابُ كَمَا يُقْتَصُّ مِنَ النَّفْسِ أَنْ يُقْتَصَّ مِنَ الْجُرْحِ، فَهَذِهِ هِيَ حَالُ الْعَبِيدِ مَعَ الْأَحْرَارِ.
وَأَمَّا حَالُ الْعَبِيدِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ، فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِيهِمْ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ الْقِصَاصَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْسِ وَمَا دُونَهَا، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا قِصَاصَ بَيْنَهُمْ لَا فِي النَّفْسِ وَلَا فِي الْجَرْحِ، وَأَنَّهُمْ كَالْبَهَائِمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنُ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَجَمَاعَةٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْقِصَاصَ بَيْنَهُمْ فِي النَّفْسِ دُونَ مَا دُونَهَا، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ [البقرة: 178] . وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ مَا رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ «أَنَّ عَبْدًا لِقَوْمٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ عَبْدٍ لِقَوْمٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمْ يَقْتَصَّ مِنْهُ» فَهَذَا هُوَ حُكْمُ النَّفْسِ.

الْقَوْلُ فِي الْجَرْحِ وَأَمَّا الْجَرْحُ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ (أَعْنِي: الْجَرْحَ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْقِصَاصُ) ، وَالْجَرْحُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ يُتْلِفُ جَارِحَةً مِنْ جَوَارِحِ الْمَجْرُوحِ أَوْ لَا يُتْلِفُ: فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُتْلِفُ جَارِحَةً فَالْعَمْدُ فِيهِ هُوَ أَنْ يَقْصِدَ ضَرْبَهُ عَلَى وَجْهِ الْغَضَبِ بِمَا يَجْرَحُ غَالِبًا.
وَأَمَّا إِنْ جَرَحَهُ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ أَوِ اللَّعِبِ بِمَا لَا يُجْرَحُ بِهِ غَالِبًا أَوْ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ، فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي يَقَعُ فِي الْقَتْلِ الَّذِي يَتَوَلَّدُ عَنِ الضَّرْبِ فِي اللَّعِبِ وَالْأَدَبِ بِمَا لَا يَقْتُلُ غَالِبًا، فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَعْتَبِرُ الْآلَةَ حَتَّى يَقُولَ: إِنَّ الْقَاتِلَ بِالْمُثَقَّلِ لَا يُقْتَلُ وَهُوَ شُذُوذٌ مِنْهُ (أَعْنِي: بِالْخِلَافِ هَلْ فِيهِ الْقِصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ إِنْ كَانَ الْجُرْحُ مِمَّا فِيهِ الدِّيَةُ) .

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الْجُرْحُ قَدْ أَتْلَفَ جَارِحَةً مِنْ جَوَارِحِ الْمَجْرُوحِ، فَمِنْ شَرْطِ الْقِصَاصَ فِيهِ الْعَمْدُ أَيْضًا بِلَا خِلَافٍ، وَفِي تَمْيِيزِ الْعَمْدِ مِنْهُ مِنْ غَيْرِ الْعَمْدِ خِلَافٌ.
أَمَّا إِذَا ضَرَبَهُ عَلَى الْعُضْوِ نَفْسِهِ فَقَطَعَهُ وَضَرَبَهُ بِآلَةٍ تَقْطَعُ الْعُضْوَ غَالِبًا، أَوْ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْهِ النَّائِرَةِ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهِ الْقِصَاصَ.
وَأَمَّا إِنْ ضَرَبَهُ بِلَطْمَةٍ أَوْ سَوْطٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا الظَّاهِرُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ إِتْلَافَ الْعُضْوِ مِثْلَ أَنْ يَلْطِمَهُ فَيَفْقَأَ عَيْنَهُ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ شِبْهُ الْعَمْدِ وَلَا قِصَاصَ فِيهِ، وَفِيهِ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِهِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْعِرَاقِيِّينَ عَنْ مَالِكٍ، وَالْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقِصَاصُ إِلَّا فِي الْأَبِ مَعَ ابْنِهِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ شِبْهَ الْعَمْدِ إِنَّمَا هُوَ فِي النَّفْسِ لَا فِي الْجَرْحِ.
وَأَمَّا إِنْ جَرَحَهُ فَأَتْلَفَ عُضْوًا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وُجُوبُ الْقِصَاصِ، وَالثَّانِي نَفْيُهُ.
وَمَا يَجِبُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ قِيلَ الدِّيَةُ مُغَلَّظَةٌ، وَقِيلَ دِيَةُ الْخَطَأِ (أَعْنِي: فِيمَا فِيهِ دِيَةٌ) ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ فَفِيهِ الْخِلَافُ.
وَأَمَّا مَا يَجِبُ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ إِذَا وَقَعَتْ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَهُوَ الْقِصَاصُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45] وَذَلِكَ فِيمَا أَمْكَنَ الْقِصَاصُ فِيهِ مِنْهَا، وَفِيمَا وُجِدَ مِنْهُ مَحَلُّ الْقِصَاصِ وَلَمْ يُخْشَ مِنْهُ تَلَفُ النَّفْسِ.
وَإِنَّمَا صَارُوا لِهَذَا لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَفَعَ الْقَوَدَ فِي الْمَأْمُومَةِ وَالْمُنَقِّلَةِ وَالْجَائِفَةِ» ، فَرَأَى مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أَنَّ هَذَا حُكْمُ مَا كَانَ فِي مَعْنَى هَذِهِ مِنَ الْجِرَاحِ الَّتِي هِيَ مَتَالِفُ، مِثْلُ كَسْرِ عَظْمِ الرَّقَبَةِ وَالصُّلْبِ وَالصَّدْرِ وَالْفَخِذِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمُنَقِّلَةِ، فَمَرَّةً قَالَ: بِالْقِصَاصِ، وَمَرَّةً قَالَ بِالدِّيَةِ.
وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّسَاوِي فِي الْقِصَاصِ مِثْلُ الِاقْتِصَاصِ مِنْ ذَهَابِ بَعْضِ النَّظَرِ أَوْ بَعْضِ السَّمْعِ، وَيَمْنَعُ الْقِصَاصَ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ عَدَمُ الْمِثْلِ مِثْلَ أَنْ يَفْقَأَ أَعْمَى عَيْنَ بَصِيرٍ.
وَاخْتَلَفَ مِنْ هَذَا فِي الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ عَمْدًا، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: إِنْ أَحَبَّ الصَّحِيحُ أَنْ يَسْتَقِيدَ مِنْهُ فَلَهُ الْقَوَدُ، وَاخْتَلَفُوا إِذَا عَفَا عَنِ الْقَوَدِ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ أَحَبَّ فَلَهُ الدِّيَةُ كَامِلَةً أَلْفُ دِينَارٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَقِيلَ لَيْسَ لَهُ إِلَّا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ أَيْضًا مَنْقُولٌ

عَنْ مَالِكٍ، وَبِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَبِالْقَوْلِ الْآخَرِ قَالَ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَابْنُ دِينَارٍ.
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: لَيْسَ لِلصَّحِيحِ الَّذِي فُقِئَتْ عَيْنُهُ إِلَّا الْقَوَدُ أَوْ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، وَقَدْ قِيلَ لَا يَسْتَقِيدُ مِنَ الْأَعْوَرِ وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً، رُوِيَ هَذَا عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعَنْ عُثْمَانَ.
وَعُمْدَةُ صَاحِبِ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ عَيْنَ الْأَعْوَرِ بِمَنْزِلَةِ عَيْنَيْنِ، فَمَنْ فَقَأَهَا فِي وَاحِدَةٍ فَكَأَنَّهُ اقْتَصَّ مِنِ اثْنَيْنِ فِي وَاحِدَةٍ، وَإِلَى نَحْوِ هَذَا ذَهَبَ مَنْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْقَوَدَ أَنَّ لَهُ دِيَةً كَامِلَةً، وَيَلْزَمُ حَامِلَ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ لَا يَسْتَقِيدَ ضَرُورَةً، وَمَنْ قَالَ بِالْقَوَدِ وَجَعَلَ الدِّيَةَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَهُوَ أَحْرَزُ لِأَصْلِهِ، فَتَأَمَّلْهُ فَإِنَّهُ بَيَّنَ بِنَفْسِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا هَلِ الْمَجْرُوحُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقِصَاصِ وَأَخْذِ الدِّيَةِ، أَمْ لَيْسَ لَهُ إِلَّا الْقِصَاصُ فَقَطْ إِلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى أَخْذِ الدِّيَةِ؟ فَفِيهِ الْقَوْلَانِ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَتْلِ، وَكَذَلِكَ أَحَدُ قَوْلَيْ مَالِكٍ فِي الْأَعْوَرِ يَفْقَأُ عَيْنَ الصَّحِيحِ: أَنَّ الصَّحِيحَ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَ الْأَعْوَرِ أَوْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ أَلْفَ دِينَارٍ أَوْ خَمْسَمِائَةٍ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا مَتَى يُسْتَقَادُ مِنَ الْجُرْحِ؟ فَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُسْتَقَادُ مِنْ جُرْحٍ إِلَّا بَعْدَ انْدِمَالِهِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْفَوْرِ، فَالشَّافِعِيُّ تَمَسَّكَ بِالظَّاهِرِ.
وَمَالِكٌ رَأَى أَنْ يُعْتَبَرَ مَا يَئُولُ إِلَيْهِ أَمْرُ الْجُرْحِ مَخَافَةَ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى إِتْلَافِ النَّفْسِ.
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُقْتَصِّ مِنَ الْجُرْحِ يَمُوتُ الْمُقْتَصُّ مِنْهُ ذَلِكَ الْجُرْحِ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا شَيْءَ عَلَى الْمُقْتَصِّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ، وَبِهِ قَالَ: أَحْمَدُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَدَاوُدُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَجَمَاعَةٌ: إِذَا مَاتَ وَجَبَ عَلَى عَاقِلَةِ الْمُقْتَصِّ الدِّيَةُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ فِي مَالِهِ.
وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: يَسْقُطُ عَنْهُ مِنَ الدِّيَةِ قَدْرُ الْحَاجَةِ الَّتِي اقْتَصَّ مِنْهَا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ.
فَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ إِجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا مَاتَ مِنْ قَطْعِ يَدِهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي قَطَعَ يَدَهُ.
وَعُمْدَةُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَتْلُ خَطَأٍ وَجَبَتْ فِيهِ الدِّيَةُ.
وَلَا يُقَادُ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْحَرِّ الشَّدِيدِ وَلَا الْبَرْدِ الشَّدِيدِ، وَيُؤَخَّرُ ذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَمُوتَ الْمُقَادُ مِنْهُ، وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ الْمَكَانَ شَرْطٌ فِي جَوَازِ الْقِصَاصِ وَهُوَ غَيْرُ الْحَرَمِ، فَهَذَا هُوَ حُكْمُ الْعَمْدِ فِي الْجِنَايَاتِ عَلَى النَّفْسِ وَفِي الْجِنَايَاتِ عَلَى أَعْضَاءِ الْبَدَنِ، وَيَنْبَغِي أَنْ نَصِيرَ إِلَى حُكْمِ الْخَطَأِ فِي ذَلِكَ، وَنَبْتَدِئَ بِحُكْمِ الْخَطَأِ فِي النَّفْسِ.

[كِتَابُ الدِّيَاتِ فِي النُّفُوسِ]

وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ [النساء: 92] . وَالدِّيَاتُ تَخْتَلِفُ فِي الشَّرِيعَةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الدِّمَاءِ، وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِ الَّذِينَ تَلْزَمُهُمُ الدِّيَةُ، وَأَيْضًا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ الْعَمْدِ إِذَا رَضِيَ بِهَا الْفَرِيقَانِ، وَأَمَّا مَنْ لَهُ الْقَوَدُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ.
وَالنَّظَرُ فِي الدِّيَةِ هُوَ فِي مُوجِبِهَا (أَعْنِي: فِي أَيِّ قَتْلٍ تَجِبُ) ، ثُمَّ فِي نَوْعِهَا وَفِي قَدْرِهَا، وَفِي الْوَقْتِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ.
فَأَمَّا فِي أَيِّ قَتْلٍ تَجِبُ، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا تَجِبُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ، وَفِي الْعَمْدِ الَّذِي يَكُونُ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ مِثْلِ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ، وَفِي الْعَمْدِ الَّذِي تَكُونُ حُرْمَةُ الْمَقْتُولِ فِيهِ نَاقِصَةً عَنْ حُرْمَةِ الْقَاتِلِ، مِثْلَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ.
وَمِنْ قَتْلِ الْخَطَأَ مَا اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ خَطَأٌ، وَمِنْهُ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ صَدْرٌ مِنْ ذَلِكَ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَضْمِينِ الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ.
وَأَمَّا قَدْرُهَا وَنَوْعُهَا، فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَهِيَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ثَلَاثُ دِيَاتٍ: دِيَةُ الْخَطَأِ، وَدِيَةُ الْعَمْدِ إِذَا قُبِلَتْ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ.
وَهِيَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الْأَشْهَرِ عَنْهُ مِثْلُ فِعْلِ الْمُدْلِجِيِّ بِابْنِهِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَالدِّيَةُ عِنْدَهُ اثْنَانِ فَقَطْ: مُخَفَّفَةٌ وَمُغَلَّظَةٌ.
فَالْمُخَفَّفَةُ دِيَةُ الْخَطَأِ، وَالْمُغَلَّظَةُ دِيَةُ الْعَمْدِ وِدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَالدِّيَاتُ عِنْدَهُ اثْنَانِ أَيْضًا: دِيَةُ الْخَطَأِ، وَدِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ دِيَةٌ فِي الْعَمْدِ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عِنْدَهُ فِي الْعَمْدِ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ وَهُوَ حَالٌّ عَلَيْهِ غَيْرُ مُؤَجَّلٍ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ الْمَشْهُورِ ; لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ تَلْزَمْهُ الدِّيَةُ عِنْدَهُ إِلَّا بِاصْطِلَاحٍ فَلَا مَعْنَى لِتَسْمِيَتِهَا دِيَةً إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا تَكُونُ مُؤَجَّلَةً كَدِيَةِ الْخَطَأِ فَهُنَا يَخْرُجُ حُكْمُهَا عَنْ حُكْمِ الْمَالِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ، وَدِيَةُ الْعَمْدِ عِنْدَهُ أَرْبَاعٌ: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ، وَالدِّيَةُ الْمُغَلَّظَةُ عِنْدَهُ أَثْلَاثًا: ثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً (وَهِيَ الْحَوَامِلُ) ، وَلَا تَكُونُ الْمُغَلَّظَةُ عِنْدَهُ فِي الْمَشْهُورِ إِلَّا فِي مِثْلِ فِعْلِ الْمُدْلِجِيِّ بِابْنِهِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَكُونُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ أَثْلَاثًا أَيْضًا، وَرَوَى ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: الدِّيَةُ فِي الْعَمْدِ إِذَا عَفَا وَلِيُّ الدَّمِ أَخْمَاسًا كَدِيَةِ الْخَطَأِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَسْنَانِ الْإِبِلِ فِي دِيَةِ الْخَطَأِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ: هِيَ أَخْمَاسٌ: عِشْرُونَ

ابْنَةَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَةَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ ذَكَرًا، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، أَعْنِي: التَّخْمِيسَ، إِلَّا أَنَّهُمْ جَعَلُوا مَكَانَ ابْنِ لَبُونٍ ذَكَرٍ ابْنَ مَخَاضٍ ذَكَرًا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْوَجْهَانِ جَمِيعًا.
وَرُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِيٍّ أَنَّهُ جَعَلَهَا أَرْبَاعًا، أَسْقَطَ مِنْهَا الْخَمْسَ وَالْعِشْرِينَ بَنِي لَبُونٍ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَلَا حَدِيثَ فِي ذَلِكَ مُسْنَدٌ، فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَمَا قَالَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ.
وَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٌ، وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ حِقَّةً» وَاعْتَلَّ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَبُو عُمَرَ بِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ حَنِيفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ (وَهُوَ مَجْهُولٌ) قَالَ: وَأَحَبُّ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ عَلَيْهِ كَمَا اخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ.
وَخَرَّجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَضَى أَنَّ مَنْ قُتِلَ خَطَأً فَدِيَتُهُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ: ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَعَشَرَةُ بَنِي لَبُونٍ ذُكُورٍ» . قَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْحَدِيثَ لَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ الْمَشْهُورِينَ قَالَ بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ أَخْمَاسٌ، وَإِنْ كَانُوا اخْتَلَفُوا فِي الْأَصْنَافِ.
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ مُرَبَّعَةٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ، وَهُمُ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ، وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ.
وَهَؤُلَاءِ جَعَلُوهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ حِقَّةً، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسًا وَعِشْرِينَ بَنَاتِ مَخَاضٍ.
كَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُدَ.
وَإِنَّمَا صَارَ الْجُمْهُورُ إِلَى تَخْمِيسِ دِيَةِ الْخَطَأِ: عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذَكَرٍ.
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَتَّفِقُوا عَلَى بَنِي الْمَخَاضِ؛ لِأَنَّهَا

لَمْ تُذْكَرْ فِي أَسْنَانٍ فِيهَا.
وَقِيَاسُ مَنْ أَخَذَ بِحَدِيثِ التَّخْمِيسِ فِي الْخَطَأِ، وَحَدِيثِ التَّرْبِيعِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ إِنْ ثَبَتَ هَذَا.
النَّوْعُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقُولَ فِي دِيَةِ الْعَمْدِ بِالتَّثْلِيثِ، كَمَا قَدْ رَوَى ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِالتَّثْلِيثِ شَبَّهَ الْعَمْدَ بِمَا دُونَهُ.
فَهَذَا هُوَ مَشْهُورُ أَقَاوِيلِهِمْ فِي الدِّيَةِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ.
وَأَمَّا أَهْلُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ أَهْلُ الْعِرَاقِ: عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بِمِصْرَ: لَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذَّهَبِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْوَرِقِ إِلَّا قِيمَةُ الْإِبِلِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَقَوْلُهُ بِالْعِرَاقِ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ تَقْوِيمُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْمِائَةَ مِنَ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ بِأَلْفِ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ.
وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ مَا رَوَوْا أَيْضًا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَوَّمَ الدِّينَارَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَى تَقْوِيمِ الْمِثْقَالِ بِهَا فِي الزَّكَاةِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَيَقُولُ: إِنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّيَةِ إِنَّمَا هُوَ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَعُمَرُ إِنَّمَا جَعَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ، وَاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ قِيمَةَ الْإِبِلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ فِي زَمَانِهِ، وَالْحُجَّةُ لَهُ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ قَالَ: «كَانَتِ الدِّيَاتُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثَمَانَمِائَةِ دِينَارٍ وَثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ.
قَالَ: فَكَانَ ذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ، فَقَامَ خَطِيبًا، فَقَالَ: إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ، فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ.
وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْ فِيهَا شَيْئًا» . وَاحْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ لِمَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَقْوِيمُ عُمَرَ بَدَلًا لَكَانَ دَيْنًا بِدَيْنٍ؛ لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّ الدِّيَةَ فِي الْخَطَأِ مُؤَجَّلَةٌ لِثَلَاثِ سِنِينَ.
وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنَ الْإِبِلِ أَوِ الذَّهَبِ أَوِ الْوَرِقِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَالْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ الْمَدَنِيُّونَ: يُوضَعُ عَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَا

شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبُرُودِ مِائَتَا حُلَّةٍ.
وَعُمْدَتُهُمْ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ الْمُتَقَدِّمِ.
وَمَا أَسْنَدَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطَاءٍ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَضَعَ الدِّيَةَ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ مَا كَانَتْ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاةِ أَلْفَا شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَا بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْبُرُودِ مِائَتَا حُلَّةٍ» . وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْأَجْنَادِ أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِائَةَ بَعِيرٍ.
قَالَ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَصَابَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ فَدِيَتُهُ مِنَ الْإِبِلِ، لَا يُكَلَّفُ الْأَعْرَابِيُّ الذَّهَبَ وَلَا الْوَرِقَ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْأَعْرَابِيُّ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ فَعَدْلُهَا مِنَ الشَّاةِ أَلْفَ شَاةٍ.
وَلِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ أَيْضًا رَوَوْا عَنْ عُمَرَ مِثْلَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ نَصًّا.
وَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَوْ جَازَ أَنْ تُقَوَّمَ بِالشَّاةِ وَالْبَقَرِ لَجَازَ أَنْ تُقَوَّمَ بِالطَّعَامِ عَلَى أَهْلِ الطَّعَامِ، وَبِالْخَيْلِ عَلَى أَهْلِ الْخَيْلِ، وَهَذَا لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ.
وَالنَّظَرُ فِي الدِّيَةِ كَمَا قُلْتُ هُوَ فِي نَوْعِهَا، وَفِي مِقْدَارِهَا، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَفِيمَا تَجِبُ، وَمَتَى تَجِبُ؟ أَمَّا نَوْعُهَا وَمِقْدَارُهَا فَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِيهِ فِي الذُّكُورِ الْأَحْرَارِ الْمُسْلِمِينَ.
وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ تَجِبُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ مَخْصُوصٌ مِنْ عُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164] وَمِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: لِأَبِي رَمْثَةَ وَوَلَدِهِ: «لَا يَجْنِي عَلَيْكَ، وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ» . وَأَمَّا دِيَةُ الْعَمْدِ فَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ - أَنَّهُ قَالَ: " لَا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ عَمْدًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا صُلْحًا فِي عَمْدٍ ". وَجُمْهُورُهُمْ عَلَى أَنَّهَا لَا تَحْمِلُ مَنْ أَصَابَ نَفْسَهُ خَطَأً، وَشَذَّ الْأَوْزَاعِيُّ فَقَالَ: مَنْ ذَهَبَ يَضْرِبُ الْعَدُوَّ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ - فَعَلَى عَاقِلَتِهِ الدِّيَةُ.
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ فِي قَطْعِ الْأَعْضَاءِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا فَقَأَ عَيْنَ نَفْسِهِ خَطَأً، فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بِدِيَتِهَا عَلَى عَاقِلَتِهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَفِي الدِّيَةِ الْمُغَلَّظَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ مَا جَنَاهُ الْمَجْنُونُ وَالصَّبِيُّ عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ: إِنَّهُ كُلُّهُ يُحْمَلُ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَمْدُ الصَّبِيِّ فِي مَالِهِ.
وَسَبَبُ اخْتِلَافِهِمْ تَرَدُّدُ فِعْلِ الصَّبِيِّ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالْمُخْطِئِ؛ فَمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهِ شِبْهَ الْعَمْدِ أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي مَالِهِ، وَمَنْ غَلَّبَ عَلَيْهِ شِبْهَ الْخَطَأِ أَوْجَبَهَا عَلَى

الْعَاقِلَةِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا إِذَا اشْتَرَكَ فِي الْقَتْلِ عَامِدٌ وَصَبِيٌّ، وَالَّذِينَ أَوْجَبُوا عَلَى الْعَامِدِ الْقِصَاصَ وَعَلَى الصَّبِيِّ الدِّيَةَ اخْتَلَفُوا عَلَى مَنْ تَكُونُ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَصْلِهِ: فِي مَالِ الصَّبِيِّ.
وَقَالَ مَالِكٌ: عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَرَى أَنْ لَا قِصَاصَ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا مَتَى تَجِبُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَأَمَّا دِيَةُ الْعَمْدِ فَحَالَّةٌ إِلَّا أَنْ يَصْطَلِحَا عَلَى التَّأْجِيلِ.
وَأَمَّا مَنْ هُمُ الْعَاقِلَةُ فَإِنَّ جُمْهُورَ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْعَاقِلَةَ هِيَ الْقَرَابَةُ مِنْ قِبَلِ الْأَبِ، وَهُمُ الْعَصَبَةُ دُونَ أَهْلِ الدِّيوَانِ.
وَتَحْمِلُ الْمَوَالِي الْعَقْلَ عِنْدَ جُمْهُورِهِمْ إِذَا عَجَزَتْ عَنْهُ الْعَصَبَةُ، إِلَّا دَاوُدَ فَإِنَّهُ لَمْ يَرَ الْمَوَالِيَ عَصَبَةً.
وَلَيْسَ فِيمَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَدٌّ عِنْدِ مَالِكٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: عَلَى الْغَنِيِّ دِينَارٌ وَعَلَى الْفَقِيرِ نِصْفُ دِينَارٍ.
وَهِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مُرَتَّبَةٌ عَلَى الْقَرَابَةِ بِحَسَبِ قُرْبِهِمْ؛ فَالْأَقْرَبُ مِنْ بَنِي أَبِيهِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي جَدِّهِ، ثُمَّ مِنْ بَنِي بَنِي أَبِيهِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: الْعَاقِلَةُ هُمْ أَهْلُ دِيوَانِهِ إِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ دِيوَانٍ.
وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْحِجَازِ أَنَّهُ تَعَاقَلَ النَّاسُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَفِي زَمَانِ أَبِي بَكْرٍ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ دِيوَانٌ، وَإِنَّمَا كَانَ الدِّيوَانُ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
وَاعْتَمَدَ الْكُوفِيُّونَ حَدِيثَ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا يَزِيدُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا قُوَّةً» . وَبِالْجُمْلَةِ فَتَمَسَّكُوا فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ تَمَسُّكِهِمْ فِي وُجُوبِ الْوَلَاءِ لِلْحُلَفَاءِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي جِنَايَةِ مَنْ لَا عَصَبَةَ لَهُ وَلَا مَوَالِيَ (وَهُمُ السَّائِبَةُ) إِذَا جَنَوْا خَطَأً هَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ عَقْلٌ؟ أَمْ لَا؟ وَإِنْ كَانَ فَعَلَى مَنْ يَكُونُ؟ فَقَالَ مَنْ لَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ مَوَالِيَ: لَيْسَ عَلَى السَّائِبَةِ عَقْلٌ، وَكَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ الْعَقْلَ عَلَى الْمَوَالِي، وَهُوَ دَاوُدُ وَأَصْحَابُهُ.
وَقَالَ: مَنْ جَعَلَ وَلَاءَهُ لِمَنْ أَعْتَقَهُ عَلَيْهِ عَقْلُهُ، وَقَالَ: مَنْ جَعَلَ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ عَقْلُهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
وَمَنْ قَالَ: إِنَّ لِلسَّائِبَةِ أَنْ يُوَالِيَ مَنْ شَاءَ - جَعَلَ عَقْلَهُ لِمَنْ وَلَّاهُ.
وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ قَدْ حُكِيَتْ عَنِ السَّلَفِ وَالدِّيَاتُ تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْمُودَى فِيهِ، وَالْمُؤَثِّرُ فِي نُقْصَانِ الدِّيَةِ هِيَ الْأُنُوثَةُ وَالْكُفْرُ وَالْعُبُودِيَّةُ.
أَمَّا دِيَةُ الْمَرْأَةِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ فَقَطْ.
وَاخْتَلَفُوا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ مِنَ الشِّجَاجِ وَالْأَعْضَاءِ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ فِي دِيَاتِ الْجُرُوحِ وَالْأَعْضَاءِ.
أَمَّا دِيَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِذَا قُتِلُوا خَطَأً فَإِنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: دِيَتُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ذُكْرَانُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذُكْرَانِ الْمُسْلِمِينَ،

وَنِسَاؤُهُمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ نِسَائِهِمْ.
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَعَلَى هَذَا تَكُونُ دِيَةُ جِرَاحِهِمْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ دِيَتَهُمْ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ.
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ دِيَتَهُمْ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَقَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ.
فَعُمْدَةُ الْفَرِيقِ الْأَوَّلِ مَا رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: «دِيَةُ الْكَافِرِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» . وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: 92] . وَمِنَ السُّنَّةِ مَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ وَكُلِّ ذِمِّيٍّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
قَالَ: وَكَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيٍّ حَتَّى كَانَ مُعَاوِيَةُ، فَجَعَلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ نِصْفَهَا، وَأَعْطَى أَهْلَ الْمَقْتُولِ نِصْفَهَا.
ثُمَّ قَضَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِنِصْفِ الدِّيَةِ، وَأَلْغَى الَّذِي جَعَلَهُ مُعَاوِيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَلَمْ يُقْضَ لِي أَنْ أُذَكِّرَ بِذَلِكَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ، فَأُخْبِرَهُ أَنَّ الدِّيَةَ كَانَتْ تَامَّةً لِأَهْلِ الذِّمَّةِ.
وَأَمَّا إِذَا قُتِلَ الْعَبْدُ خَطَأً أَوْ عَمْدًا عَلَى مَنْ لَا يَرَى الْقِصَاصَ فِيهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: عَلَيْهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَإِنْ زَادَتْ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمُحَمَّدٌ: لَا يَتَجَاوَزُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ الدِّيَةَ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْكُوفَةِ: فِيهِ الدِّيَةُ، وَلَكِنْ لَا يَبْلُغُ بِهِ دِيَةَ الْحُرِّ، يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْئًا.
وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الرِّقَّ حَالُ نَقْصٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُ عَلَى دِيَةِ الْحُرِّ.
وَعُمْدَةُ مَنْ أَوْجَبَ فِيهِ الدِّيَةَ وَلَكِنْ نَاقِصَةً عَنْ دِيَةِ الْحُرِّ أَنَّهُ مُكَلَّفٌ نَاقِصٌ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ نَاقِصًا عَنِ الْحُرِّ لَكِنَّ وَاحِدًا بِالنَّوْعِ.
أَصْلُهُ الْحَدُّ فِي الزِّنَى وَالْقَذْفِ وَالْخَمْرِ وَالطَّلَاقِ.
وَلَوْ قِيلَ فِيهِ: إِنَّهَا تَكُونُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الْحُرِّ - لَكَانَ قَوْلًا لَهُ وَجْهٌ، أَعْنِي: فِي دِيَةِ الْخَطَأِ، لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهُ مَالٌ قَدْ أُتْلِفَ، فَوَجَبَ فِيهِ الْقِيمَةُ، أَصْلُهُ سَائِرُ الْأَمْوَالِ.
وَاخْتُلِفَ فِي الْوَاجِبِ فِي الْعَبْدِ عَلَى مَنْ يَجِبُ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ عَنِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ عَلَى الْقَاتِلِ نَفْسِهِ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ تَشْبِيهُ الْعَبْدِ بِالْعُرُوضِ.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ قِيَاسُهُ عَلَى الْحُرِّ.

وَمِمَّا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ دِيَةُ الْجَنِينِ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّ سُقُوطَ الْجَنِينِ عَنِ الضَّرْبِ لَيْسَ هُوَ عَمْدًا مَحْضًا، وَإِنَّمَا هُوَ عَمْدٌ فِي أُمِّهِ خَطَأٌ فِيهِ.
وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ أَيْضًا فِي الْوَاجِبِ فِي ضُرُوبِ الْأَجِنَّةِ، وَفِي صِفَةِ الْجَنِينِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ الْوَاجِبُ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَلِمَنْ يَجِبُ، وَفِي شُرُوطِ الْوُجُوبِ.
فَأَمَّا الْأَجِنَّةُ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي جَنِينِ الْحُرَّةِ وَجَنِينِ الْأَمَةِ مِنْ سَيِّدِهَا هُوَ غُرَّةٌ؛ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى، فَطَرَحَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغُرَّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ» . وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ قِيمَةَ الْغُرَّةِ الْوَاجِبَةَ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ رَأَى أَنَّ الْغُرَّةَ فِي ذَلِكَ مَحْدُودَةٌ بِالْقِيمَةِ - وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ - هِيَ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ أُمِّهِ، إِلَّا أَنَّ مَنْ رَأَى أَنَّ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ عَلَى أَهْلِ الدَّرَاهِمِ هِيَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ - قَالَ: دِيَةُ الْجَنِينِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَمَنْ رَأَى أَنَّهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ قَالَ: سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ.
وَالَّذِينَ لَمْ يَحُدُّوا فِي ذَلِكَ حَدًّا، أَوْ لَمْ يَحُدُّوهَا مِنْ جِهَةِ الْقِيمَةِ، وَأَجَازُوا إِخْرَاجَ قِيمَتِهَا عَنْهَا - قَالُوا: الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ قِيمَةُ الْغُرَّةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ.
وَقَالَ دَاوُدُ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ: كُلُّ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ غُرَّةٍ أَجْزَأَ، وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ فِيمَا أَحْسَبُ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَاجِبِ فِي جَنِينِ الْأَمَةِ وَفِي جَنِينِ الْكِتَابِيَّةِ، فَذَهَبَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ جَنِينَ الْأَمَةِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى يَوْمَ يُجْنَى عَلَيْهِ، وَفَرَّقَ قَوْمٌ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ كَانَ أُنْثَى فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ أُمِّهِ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا فَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَلَا خِلَافَ عِنْدِهِمْ أَنَّ جَنِينَ الْأَمَةِ إِذَا سَقَطَ حَيًّا أَنَّ فِيهِ قِيمَتَهُ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: فِي جَنِينِ الْأَمَةِ إِذَا سَقَطَ مَيِّتًا مِنْهَا مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ أُمِّهِ.
وَأَمَّا جَنِينُ الذِّمِّيَّةِ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: فِيهِ عُشْرُ دِيَةِ أُمِّهِ، لَكِنْ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ دِيَةُ الْمُسْلِمِ، وَالشَّافِعِيُّ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَمَالِكٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي أَنَّ دِيَةَ الذِّمِّيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ.
وَأَمَّا صِفَةُ الْجَنِينِ الَّذِي تَجِبُ فِيهِ فَإِنَّهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِهِ أَنْ يَخْرُجَ الْجَنِينُ مَيِّتًا، وَلَا تَمُوتَ أُمُّهُ مِنَ الضَّرْبِ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا مَاتَتْ أُمُّهُ مِنَ الضَّرْبِ، ثُمَّ سَقَطَ الْجَنِينُ مَيِّتًا - فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ: لَا شَيْءَ فِيهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: فِيهِ الْغُرَّةُ.
وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ، وَرَبِيعَةُ، وَالزُّهْرِيُّ.
وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي فُرُوعٍ، وَهِيَ الْعَلَامَةُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى سُقُوطِهِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؛ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إِلَى أَنَّ عَلَامَةَ الْحَيَاةِ الِاسْتِهْلَالُ بِالصِّيَاحِ أَوِ الْبُكَاءِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ: كُلُّ مَا عُلِمَتْ بِهِ الْحَيَاةُ فِي الْعَادَةِ مِنْ حَرَكَةٍ أَوْ عُطَاسٍ أَوْ تَنَفُّسٍ فَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ الْحَيِّ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ.

وَاخْتَلَفُوا مِنْ هَذَا الْبَابِ فِي الْخِلْقَةِ الَّتِي تُوجِبُ الْغُرَّةَ، فَقَالَ مَالِكٌ: كُلُّ مَا طَرَحَتْهُ مِنْ مُضْغَةٍ أَوْ عَلَقَةٍ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ وَلَدٌ فَفِيهِ الْغُرَّةُ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا شَيْءَ فِيهِ حَتَّى تَسْتَبِينَ الْخِلْقَةُ.
وَالْأَجْوَدُ أَنْ يُعْتَبَرَ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ، أَعْنِي: أَنْ يَكُونَ تَجِبُ فِيهِ الْغُرَّةُ إِذَا عُلِمَ أَنَّ الْحَيَاةَ قَدْ كَانَتْ وُجِدَتْ فِيهِ.
وَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ؛ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: هِيَ فِي مَالِ الْجَانِي.
وَقَالَ آخَرُونَ: هِيَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَمِمَّنْ قَالَ بِذَلِكَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ وَجَمَاعَةٌ.
وَعُمْدَتُهُمْ أَنَّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ فَوَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَمَا رُوِيَ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - جَعَلَ فِي الْجَنِينِ غُرَّةً عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ، وَبَدَأَ بِزَوْجِهَا وَوَلَدِهَا» . وَأَمَّا مَالِكٌ فَشَبَّهَهَا بِدِيَةِ الْعَمْدِ إِذَا كَانَ الضَّرْبُ عَمْدًا.
وَأَمَّا لِمَنْ تَجِبُ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ، وَحُكْمُهَا حُكْمُ الدِّيَةِ فِي أَنَّهَا مَوْرُوثَةٌ.
وَقَالَ رَبِيعَةُ وَاللَّيْثُ: هِيَ لِلْأُمِّ خَاصَّةً.
وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَبَّهُوا جَنِينَهَا بِعُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهَا.
وَمِنَ الْوَاجِبِ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ فِي الْجَنِينِ مَعَ وُجُوبِ الْغُرَّةِ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ، فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّ فِيهِ الْكَفَّارَةَ وَاجِبَةٌ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ، وَاسْتَحْسَنَهَا مَالِكٌ وَلَمْ يُوجِبْهَا.
فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ أَوْجَبَهَا؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عِنْدَهُ وَاجِبَةٌ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ.
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ غَلَّبَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْعَمْدِ، وَالْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِي الْعَمْدِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَمَّا كَانَتِ الْكَفَّارَةُ لَا تَجِبُ عِنْدَهُ فِي الْعَمْدِ، وَتَجِبُ فِي الْخَطَأِ، وَكَانَ هَذَا مُتَرَدِّدًا عِنْدَهُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ - اسْتَحْسَنَ فِيهِ الْكَفَّارَةَ، وَلَمْ يُوجِبْهَا.

وَمِنْ أَنْوَاعِ الْخَطَأِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ اخْتِلَافُهُمْ فِي تَضْمِينِ الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ وَالْقَائِدِ، فَقَالَ الْجُمْهُورُ: هُمْ ضَامِنُونَ لِمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ.
وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ بِقَضَاءِ عُمَرَ عَلَى الَّذِي أَجْرَى فَرَسَهُ فَوَطِئَ آخَرَ بِالْعَقْلِ.
وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ: لَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ فِي جُرْحِ الْعَجْمَاءِ.
وَاعْتَمَدُوا الْأَثَرَ الثَّابِتَ فِيهِ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ، وَالْبِئْرُ جُبَارٌ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» . فَحَمَلَ الْجُمْهُورُ الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالدَّابَّةِ رَاكِبٌ وَلَا سَائِقٌ وَلَا قَائِدٌ؛ لِأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّهُ إِذَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ أَحَدًا وَعَلَيْهَا رَاكِبٌ، أَوْ لَهَا قَائِدٌ أَوْ سَائِقٌ - فَإِنَّ الرَّاكِبَ لَهَا أَوِ السَّائِقَ أَوِ الْقَائِدَ هُوَ الْمُصِيبُ وَلَكِنْ خَطَأً.

وَاخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ فِيمَا أَصَابَتِ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ فِيهِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ صَاحِبُ الدَّابَّةِ بِالدَّابَّةِ شَيْئًا يَبْعَثُهَا بِهِ عَلَى أَنْ تَرْمَحَ بِرِجْلِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُضَمَّنُ الرَّاكِبُ مَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ بِرِجْلِهَا.
وَبِهِ قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَسَوَّيَا بَيْنَ الضَّمَانِ بِرِجْلِهَا أَوْ بِغَيْرِ رِجْلِهَا.
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، إِلَّا أَنَّهُ اسْتَثْنَى الرَّمْحَةَ بِالرِّجْلِ أَوْ بِالذَّنَبِ.
وَرُبَّمَا احْتَجَّ مَنْ لَمْ يُضَمِّنْ رِجْلَ الدَّابَّةِ بِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الرِّجْلُ جُبَارٌ» ، وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَرَدَّهُ.
وَأَقَاوِيلُ الْعُلَمَاءِ فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا، فَوَقَعَ فِيهِ إِنْسَانٌ - مُتَقَارِبَةٌ.
وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ حَفَرَ فِي مَوْضِعٍ جَرَتِ الْعَادَةُ الْحَفْرُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يُضَمَّنْ، وَإِنْ تَعَدَّى فِي الْحَفْرِ ضُمِّنَ.
وَقَالَ اللَّيْثَ: إِنْ حَفَرَ فِي أَرْضٍ يَمْلِكُهَا لَمْ يُضَمَّنْ، وَإِنْ حَفَرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ ضُمِّنَ، فَمَنْ ضَمِنَ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ نَوْعِ الْخَطَأِ.
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدَّابَّةِ الْمَوْقُوفَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنْ أَوْقَفَهَا بِحَيْثُ يَجِبُ لَهُ أَنْ يُوقِفَهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ضَمِنَ.
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَضْمَنُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَلَيْسَ يُبَرِّئُهُ أَنْ يَرْبُطَهَا بِمَوْضِعٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْبُطَهَا فِيهِ، كَمَا لَا يُبَرِّئُهُ رُكُوبُهَا مِنْ ضَمَانِ مَا أَصَابَتْهُ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ مُبَاحًا.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْفَارِسَيْنِ يَصْطَدِمَانِ، فَيَمُوتُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا - فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا دِيَةُ الْآخَرِ، وَذَلِكَ عَلَى الْعَاقِلَةِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَعُثْمَانُ الْبَتِّيُّ: عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ دِيَةِ صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَاتَ مِنْ فِعْلِ نَفْسِهِ وَفِعْلِ صَاحِبِهِ.

وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطَّبِيبَ إِذَا أَخْطَأَ لَزِمَتْهُ الدِّيَةُ، مِثْلَ أَنْ يَقْطَعَ الْحَشَفَةَ فِي الْخِتَانِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْجَانِي خَطَأً.
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ: أَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ عِنْدَهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ مَعَ الْإِجْمَاعِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «مَنْ تَطَبَّبَ، وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ الطِّبُّ - فَهُوَ ضَامِنٌ» . وَالدِّيَةُ فِيمَا أَخْطَأَهُ الطَّبِيبُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ جَعَلَهُ فِي مَالِ الطَّبِيبُ.
وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ أَنَّهَا فِي مَالِهِ عَلَى ظَاهِرِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ.

وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ الْكَفَّارَةَ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا فِي قَتْلِ الْحُرِّ خَطَأً وَاجِبَةٌ.
وَاخْتَلَفُوا فِي قَتْلِ الْعَمْدِ هَلْ فِيهِ كَفَّارَةٌ؟ وَفِي قَتْلِ الْعَبْدِ خَطَأً، فَأَوْجَبَهَا مَالِكٌ فِي قَتْلِ الْحُرِّ فَقَطْ فِي الْخَطَأِ دُونَ الْعَمْدِ، وَأَوْجَبَهَا الشَّافِعِيُّ فِي الْعَمْدِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى.
وَعِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الْعَمْدَ فِي هَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْخَطَأِ.

وَاخْتَلَفُوا فِي تَغْلِيظِ الدِّيَةِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ مَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا تُغَلَّظُ الدِّيَةُ فِيهِمَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُغَلَّظُ فِيهِمَا فِي النَّفْسِ وَفِي الْجِرَاحِ.
وَرُوِيَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَابْنِ شِهَابٍ وَغَيْرِهِمْ - أَنَّهُ يُزَادُ فِيهَا مِثْلُ ثُلُثِهَا.
وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَكَذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَنْ قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مُحَرَّمٍ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ عُمُومُ الظَّاهِرِ فِي تَوْقِيتِ الدِّيَاتِ، فَمَنِ ادَّعَى فِي ذَلِكَ تَخْصِيصًا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ مَعَ أَنَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا تُغَلَّظُ الْكَفَّارَةُ فِيمَنْ قُتِلَ فِيهِمَا.
وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَإِذَا رُوِيَ عَنِ الصَّحَابَةِ شَيْءٌ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى التَّوْقِيفِ، وَوَجْهُ مُخَالَفَتِهِ لِلْقِيَاسَ أَنَّ التَّغْلِيظَ فِيمَا وَقَعَ خَطَأً بَعِيدٌ عَنْ أُصُولِ الشَّرْعِ.
وَلِلْفَرِيقِ الثَّانِي أَنْ يَقُولَ: إِنَّهُ قَدْ يَنْقَدِحُ فِي ذَلِكَ قِيَاسٌ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الشَّرْعِ مِنْ تَعْظِيمِ الْحَرَمِ وَاخْتِصَاصِهِ بِضَمَانِ الصُّيُودِ فِيهِ.

[كِتَابُ الدِّيَاتِ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ]

[وَالْأَشْيَاءُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ]

[الْقَوْلُ فِي دِيَاتِ الشِّجَاجِ]

ِ وَالْأَشْيَاءُ الَّتِي تَجِبُ فِيهَا الدِّيَةُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ

هِيَ شِجَاجٌ وَأَعْضَاءٌ، فَلْنَبْدَأْ بِالْقَوْلِ فِي الشِّجَاجِ.
وَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْبَابِ فِي مَحَلِّ الْوُجُوبِ، وَشَرْطِهِ، وَفِي قَدْرِهِ الْوَاجِبِ، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ؟ وَمَتَى تَجِبُ؟ وَلِمَنْ تَجِبُ؟ فَأَمَّا مَحَلُّ الْوُجُوبِ فَهِيَ الشِّجَاجُ أَوْ قَطْعُ الْأَعْضَاءِ، وَالشِّجَاجُ عَشَرَةٌ فِي اللُّغَةِ وَالْفِقْهِ: أَوَّلُهَا الدَّامِيَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُدْمِي الْجِلْدَ.
ثُمَّ الْخَارِصَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَشُقُّ الْجِلْدَ.
ثُمَّ الْبَاضِعَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُبَضِّعُ اللَّحْمَ: أَيْ تَشُقُّهُ.
ثُمَّ الْمُتَلَاحِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي أَخَذَتْ فِي اللَّحْمِ.
ثُمَّ السَّمْحَاقُ، وَهِيَ الَّتِي تَبْلُغُ السَّمْحَاقَ، وَهُوَ الْغِشَاءُ الرَّقِيقُ بَيْنَ اللَّحْمِ وَالْعَظْمِ، وَيُقَالُ لَهَا: الْمَلْطَاءُ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ.
ثُمَّ الْمُوضِحَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُوَضِّحُ الْعَظْمَ أَيْ: تَكْشِفُهُ.
ثُمَّ الْهَاشِمَةُ، وَهِيَ الَّتِي تُهَشِّمُ الْعَظْمَ.
ثُمَّ الْمُنَقِّلَةُ، وَهِيَ الَّتِي يَطِيرُ الْعَظْمُ مِنْهَا.
ثُمَّ الْمَأْمُومَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ أُمَّ الدِّمَاغِ.
ثُمَّ الْجَائِفَةُ، وَهِيَ الَّتِي تَصِلُ إِلَى الْجَوْفِ.
وَأَسْمَاءُ هَذِهِ الشِّجَاجِ مُخْتَصَّةً بِمَا وَقَعَ بِالْوَجْهِ مِنْهَا وَالرَّأْسِ دُونَ سَائِرِ الْبَدَنِ، وَاسْمُ الْجُرْحِ يَخْتَصُّ بِمَا وَقَعَ فِي الْبَدَنِ.
فَهَذِهِ أَسْمَاءُ هَذِهِ الشِّجَاجِ.
فَأَمَّا أَحْكَامُهَا، أَعْنِي: الْوَاجِبَ فِيهَا - فَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْعَقْلَ وَاقِعٌ فِي عَمْدِ الْمُوضِحَةِ وَمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ خَطَأً.
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ خَطَأُ عَقْلٍ، وَإِنَّمَا فِيهَا حُكُومَةٌ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أُجْرَةُ الطَّبِيبِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمَا قَضَيَا فِي السِّمْحَاقِ بِنِصْفِ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ.
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَضَى فِيهَا بِأَرْبَعٍ مِنَ الْإِبِلِ.
وَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي الدَّامِيَةِ بَعِيرٌ، وَفِي الْبَاضِعَةِ بَعِيرَانِ، وَفِي الْمُتَلَاحِمَةِ ثَلَاثَةُ أَبْعِرَةٍ، وَفِي السَّمْحَاقِ أَرْبَعَةٌ.
وَالْجُمْهُورُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْجِرَاحِ الْحُكُومَةُ إِلَّا مَا وَقَّتَتْ فِيهِ السُّنَّةُ حَدًّا.
وَمَالِكٌ يَعْتَبِرُ فِي إِلْزَامِ الْحُكُومَةِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ أَنْ تَبْرَأَ عَلَى شَيْنٍ، وَالْغَيْرُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ يُلْزِمُ فِيهَا الْحُكُومَةَ بَرِئَتْ عَلَى شَيْنٍ أَوْ لَمْ تَبْرَأْ، فَهَذِهِ هِيَ أَحْكَامُ مَا دُونَ الْمُوضِحَةِ.
فَأَمَّا الْمُوضِحَةُ فَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ فِيهَا إِذَا كَانَتْ خَطَأً خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كِتَابِهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ.
وَمِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» يَعْنِي مِنَ الْإِبِلِ.

وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَوْضِعِ الْمُوضِحَةِ مِنَ الْجَسَدِ بَعْدَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى مَا قُلْنَا، أَعْنِي عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْعَمْدِ، وَوُجُوبِ الدِّيَةِ فِي الْخَطَأِ مِنْهَا؛ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ الْمُوضِحَةُ إِلَّا فِي جِهَةِ الرَّأْسِ وَالْجَبْهَةِ وَالْخَدَّيْنِ وَاللَّحْيِ الْأَعْلَى، وَلَا تَكُونُ فِي اللَّحْيِ الْأَسْفَلِ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْعُنُقِ وَلَا فِي الْأَنْفِ.
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَالْمُوضِحَةُ عِنْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِي الْجَسَدِ، وَقَالَ اللَّيْثُ وَطَائِفَةٌ: تَكُونُ فِي الْجَنْبِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إِذَا كَانَتْ فِي الْجَسَدِ كَانَتْ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَتِهَا فِي الْوَجْهِ وَالرَّأْسِ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: فِي مُوضِحَةِ الْجَسَدِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ.
وَغَلَّظَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي مُوضِحَةِ الْوَجْهِ تَبْرَأُ عَلَى شَيْنٍ، فَرَأَى فِيهَا مِثْلَ نِصْفِ عَقْلِهَا زَائِدًا عَلَى عَقْلِهَا.
وَرَوَى ذَلِكَ مَالِكٌ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ.
وَاضْطَرَبَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ؛ فَمَرَّةً قَالَ بِقَوْلِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَمَرَّةً قَالَ: لَا يُزَادُ فِيهَا عَلَى عَقْلِهَا شَيْءٌ.
وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ.
وَقَدْ قِيلَ عَنْ مَالِكٍ إِنَّهُ قَالَ: إِذَا شَانَتِ الْوَجْهَ كَانَ فِيهَا حُكُومَةٌ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَمَعْنَى الْحُكُومَةِ عِنْدَ مَالِكٍ مَا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ أَنْ لَوْ كَانَ عَبْدًا.
وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ فَفِيهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: الْهَاشِمَةُ هِيَ الْمُنَقِّلَةُ وَشَذَّ.
وَأَمَّا الْمُنَقِّلَةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّ فِيهَا عُشْرَ الدِّيَةِ وَنِصْفَ الْعُشْرِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ عَمْدًا فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنْ لَيْسَ فِيهَا قَوَدٌ لِمَكَانِ الْخَوْفِ.
وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ أَقَادَ مِنْهَا وَمِنَ الْمَأْمُومَةِ.
وَأَمَّا الْهَاشِمَةُ فِي الْعَمْدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا قَوَدٌ.
وَمَنْ أَجَازَ الْقَوَدَ مِنَ الْمُنَقِّلَةِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يُجِيزَ ذَلِكَ مِنَ الْهَاشِمَةِ.
وَأَمَّا الْمَأْمُومَةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يُقَادُ مِنْهَا، وَأَنَّ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَأَمَّا الْجَائِفَةُ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا مِنْ جِرَاحِ الْجَسَدِ لَا مِنْ جِرَاحِ الرَّأْسِ، وَأَنَّهَا لَا يُقَادُ مِنْهَا، وَأَنَّ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ، وَأَنَّهَا جَائِفَةٌ مَتَى وَقَعَتْ فِي الظَّهْرِ وَالْبَطْنِ.
وَاخْتَلَفُوا إِذَا وَقَعَتْ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَعْضَاءِ، فَنَفَذَتْ إِلَى تَجْوِيفِهِ - فَحَكَى مَالِكٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ فِي كُلِّ جِرَاحَةٍ نَافِذَةٍ إِلَى تَجْوِيفِ عُضْوٍ مِنَ الْأَعْضَاءِ - أَيِّ عُضْوٍ كَانَ - ثُلُثَ دِيَةِ ذَلِكَ الْعُضْوِ.
وَحَكَى ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى ذَلِكَ، وَهُوَ الَّذِي اخْتَارَهُ مَالِكٌ؛ لِأَنَّ الْقِيَاسَ عِنْدَهُ فِي هَذَا لَا يَسُوغُ.
وَإِنَّمَا سَنَدُهُ فِي ذَلِكَ الِاجْتِهَادُ مِنْ غَيْرِ تَوْقِيفٍ، وَأَمَّا سَعِيدٌ فَإِنَّهُ قَاسَ ذَلِكَ عَلَى الْجَائِفَةِ عَلَى نَحْوِ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي مُوضِحَةِ الْجَسَدِ.
وَأَمَّا الْجِرَاحَاتُ الَّتِي تَقَعُ فِي سَائِرِ الْجَسَدِ فَلَيْسَ فِي الْخَطَأِ مِنْهَا إِلَّا الْحُكُومَةُ.

الْقَوْلُ فِي دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَصْلُ فِيمَا فِيهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ إِذَا قُطِعَ خَطَأً مَالٌ مَحْدُودٌ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى دِيَةً، وَكَذَلِكَ مِنَ الْجِرَاحَاتِ وَالنُّفُوسِ -حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الْعُقُولِ " أَنَّ فِي النَّفْسِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا اسْتُوعِبَ جَدْعًا مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ مِثْلُهَا وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ.
وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ.
وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَاكَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ وَالْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» . وَكُلُّ هَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إِلَّا السِّنَّ وَالْإِبْهَامَ، فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ.
وَمِنْهَا مَا اتَّفَقُوا عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ هَاهُنَا قِيَاسًا عَلَى مَا ذُكِرَ، فَنَقُولُ: إِنَّ الْعُلَمَاءَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ فِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةَ كَامِلَةً.
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نِصْفَ الدِّيَةِ، وَرُوِيَ عَنْ قَوْمٍ مِنَ التَّابِعِينَ أَنَّ فِي السُّفْلَى ثُلُثَيِ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهَا تَحْبِسُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ حَرَكَتَهَا وَالْمَنْفَعَةَ بِهَا أَعْظَمُ مِنْ حَرَكَةِ الشَّفَةِ الْعُلْيَا، وَهُوَ مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَجَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ وَأَئِمَّةُ الْفَتْوَى مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ زَوْجٍ مِنَ الْإِنْسَانِ الدِّيَةَ مَا خَلَا الْحَاجِبَيْنِ وَثَدْيَيِ الرَّجُلِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي الْأُذُنَيْنِ مَتَى تَكُونُ فِيهِمَا الدِّيَةُ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالثَّوْرِيُّ، وَاللَّيْثُ: إِذَا اصْطُلِمَتَا كَانَ فِيهِمَا الدِّيَةُ.
وَلَمْ يَشْتَرِطُوا إِذْهَابَ السَّمْعِ، بَلْ جَعَلُوا فِي ذَهَابِ السَّمْعِ الدِّيَةَ مُفْرَدَةً.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ فِي الْأُذُنَيْنِ الدِّيَةُ إِلَّا إِذَا ذَهَبَ سَمْعُهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ فَفِيهِ حُكُومَةٌ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَضَى فِي الْأُذُنَيْنِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يَضُرَّانِ السَّمْعَ، وَيَسْتُرُهُمَا الشَّعْرُ أَوِ الْعِمَامَةُ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَزَيْدٍ أَنَّهُمْ قَضَوْا فِي الْأُذُنِ إِذَا اصْطُلِمَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ.
وَأَمَّا الْجُمْهُورُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَلَا خِلَافَ عِنْدَهُمْ أَنَّ فِي ذَهَابِ السَّمْعِ الدِّيَةَ.
وَأَمَّا الْحَاجِبَانِ فَفِيهِمَا عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ حُكُومَةٌ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: فِيهِمَا الدِّيَةُ.
وَكَذَلِكَ فِي أَشْفَارِ الْعَيْنِ، وَلَيْسَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ إِلَّا حُكُومَةٌ.
وَعُمْدَةُ الْحَنَفِيَّةِ مَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: فِي كُلِّ اثْنَيْنِ مِنَ الْإِنْسَانِ الدِّيَةُ وَتَشْبِيهُهُمَا بِمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ الْمُثَنَّاةِ.
وَعُمْدَةُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا مَجَالَ فِيهِ لِلْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا

فصول الكتاب · 4 فصل · 258 صفحة
جارٍ التحميل