أي هذا ما يتعلق بمسائل البيوع، وهو جمع، ويطلق على الشراء كما يأتي، أي ما يشتمل على أحكامه من معرفة أركانه وشروطه ولوازمه، وشروط العاقد من البائع والمشتري، وما يتعلق بالثمن والمثمن، وما يتعلق ببيع المرابحة والمساومة والخيار والعهدة، ومسائل الصرف والبدل والمراطلة، وما يتعلق بذلك من أحكام الربا في النقود والمطعومات، وما يتعلق بأحكام الكراء والإجازة والجعل، وأحكام السلف والسلم والديون مما يجوز من ذلك وما لا يجوز منها، وستقف على جميع ذلك إن شاء الله تعالى.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا﴾ [البقرة: 275] البيع لغة: المبادلة، وشرعاً: مقابلة مال بمال مع إيجاب وقبول، وحكمته: تمام نظام الحياة فإن الإنسان لا يمكنه الانفراد بما يحتاج إليه، وربما لا يسمح له به من هو في يده، فشرع البيع لبلوغ المراد بسلام، قاله في غاية المأمول.
وقال الصاوي في بلغة السالك: وهو ما يتعين الاهتمام به وبمعرفة أحكامه، لعموم الحاجة إليه والبلوى به، إذ لا يخلو المكلف غالباً من بيع أو شراء، فيجب أن يعلم حكم الله فيه قبل التلبس به.
والبيع والنكاح عقدان يتعلق بهما قوام العالم؛ لأن الله خلق الإنسان محتاجاً إلى الغذاء مفتقراً للنساء، وخلق له ما في الأرض جميعاً، ولم يتركه سدى يتصرف كيف شاء باختيار، فيجب على كل أحد أن يتعلم ما يحتاج إليه، ثم يجب على كل شخص العمل بما علمه الله من أحكامه ويجتهد في ذلك ويحترز عن إهماله له فيتولى أمر بيعه وشرائه بنفسه إن قدر، وإلا فغيره بمشاورته، ولا يتكل في ذلك على من لا يعرف الأحكام، أو يعرفها ويتساهل في العمل بمقتضاها، لغلبة الفساد وعمومه في هذا الزمان كما في المدخل.
وحكمة مشروعيته: الوصول إلى ما في يد الغير على وجه الرضا، وذلك مفض إلى
الجزء: 2 - الصفحة: 219
عدم المنازعة والمقاتلة والسرقة والخيانة والحيل وغير ذلك.
وهو لغة: مصدر باع الشيء أخرجه عن ملكه أو أدخله فيه بعوض، فهو من أسماء الأضداد يطلق على البيع والشراء، كالقرء للطهر والحيض.
وأما شرى فيستعمل بمعنى باع كما في قوله تعالى: ﴿وشروه بثمن بخس﴾ [يوسف: 20] أي باعوه ففرق بين
شرى واشترى.
وأما معناه شرعاً فوقوعه ووجوده كما اصطلح عليها العلماء تقريباً للفهم اهـ بحذف.
ثم اعلم أنه اتفق الأئمة الأربعة على جواز البيع وتحريم الربا، وعلى أنه ينعقد بما يدل على الرضا بإيجاب وقبول، كقول البائع: بعت وقول المشتري: اشتريت، وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: " وهو يلزم بالقول الدال على الرضا الباطن وبالاستيجاب والمعاطاة " يعني أن البيع ينعقد ويلزم بالقول الذي يدل على الرضا كما يلزم بالإيجاب والقبول، وبالمعاطاة عند الجمهور خلافاً للشافعي.
قال الدردير معرفاً عليه: البيع عقد معاوضة على غير منافع، وركنه عاقد ومعقود عليه وما دل على الرضا وإن معاطاة، كاشتريتها منك بكذا، أو بعتها ويرضى الآخر، وكأبيعها أو أشتريها، أو بعني، أو اشتر مني فرضي، فإن قال: لم أرده صدق أي في صيغتي الأمر والمضارع فيصدق بيمين فيهما، كأن تسوق بها فقال بكم فقال بكذا فقال أخذتها به، فقال لم أرده اهـ. قال العلامة أحمد النفراوي في الفواكه:
تنبيه: لم يتعرض المصنف هنا لأركان البيع ولا لشروط عاقده ولا المعقود عليه.
وأركانه ثلاثة: العاقد والمعقود عليه والصيغة.
وشرط صحة عقد العاقد من بائع أو مشتر التمييز بأن يفهم السؤال ويرد جوابه ولو صبياً أو عبداً.
وشرط اللزوم التكليف بمعنى الرشد والطوع، فلا يلزم بيع الصبي ولا السفيه ولا المكره إكراهاً حراماً، وإن لزم من جهة المشتري حيث كان رشيداً.
قال خليل: وشرط عاقده تمييز، ولزومه تكليف، لا إن أجبر عليه جبراً حراماً، ورد عليه بلا ثمن.
ولا يشترط إسلام العاقد ولو كان المعقود عليه مسلماً أو مصحفاً، بل يقع العقد لازماً ويجبر غير المسلم على
الجزء: 2 - الصفحة: 220
إخراجه من تحت يده، وإنما الإسلام شرط في جواز إدامة الملك.
وشرط المعقود عليه ثمناً أو مثمناً الطهارة الأصلية، والقدرة على تسليمه، والعلم بالمعقود عليه كمية وكيفية حيث وقع العقد على اللزوم، وإلا جاز ولو لم يذكر جنسه ولا نوعه، وعدم النهي عن بيعه، وأن يكون منتفعاً به ولو في المستقبل، والركن الثالث: الصيغة، ويكفي فيها كل ما يدل على الرضا ولو معاطاة اهـ. قال الباجي: البيع يفتقر إلى إيجاب وقبول، ويلزم بوجودهما بلفظ الماضي، وإذا قال بعني فيقول البائع بعتك لزم البيع، وإليه ذهب الإمام وأكثر أصحابه، انظره في الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " غير موقوف على قبض ولا خيار مجلس، فما كان فيه حق توفيه أجبر البائع على إقباضه، وغيره على التخلية بينه وبينه متمكناً منه " يعني أنه إذا تم البيع بما تقدم ذكره من الصيغة انعقد ولزم على كل من البائع
والمشتري دفع ما لزمه من العوض إن لم يكن البيع على الخيار بأن كان بتاً صحيحاً غير مؤجل ولا موقوف لقبض الثمن، أما لو كان موقوفاً للثمن فكالرهن كما سيأتي.
قال ابن جزي في القوانين الفقهية: يجب على المشتري تسليم الثمن، وعلى البائع تسليم المثمن.
فإن قال أحدهما: لا أسلم ما بيدي حتى أقبض ما عاوضت عليه أجبر المشتري على تسليم الثمن ثم أخذ المثمن من البائع وفاقاً لأبي حنيفة.
وقال الشافعي: يجبر البائع ثم المشتري.
وقال مالك: للبائع أن يتمسك بالمبيع حتى يقبض الثمن اهـ. وقوله فما كان فيه حق توفية إلخ أي من مكيل أو موزون أو معدود أجبر البائع على لإقباضه لوجوب التوفية فيه.
وأما غير الذي فيه حق التوفية كالحيوان والعقار فيجبر عليه أيضاً على التخلية بينه وبين مشتريه إذا كان البيع صحيحاً باتاً؛ لأنه بمجرد العقد ينتقل الضمان فيه إلى المشتري، لا إن وقع على الخيار فيكون الضمان من البائع مدة الخيار كما سيأتي اهـ. ومعنى التخلية: التمكين من القبض والتصرف وإنزاله منزلته.
قال في مختصر المتيطة: ويلزم البائع إنزال المبتاع
الجزء: 2 - الصفحة: 221
في البيع فيقول: أنزله في منزلته، فإن تأخر إنزاله عن وقت البيع أنزله بعد ذلك، ومعناه مكنه من قبضه وحوزه إياه اهـ الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " وله حبسه رهناً بالثمن " وتقدم قول مالك: إن للبائع أن يتمسك بالمبيع حتى يقبض الثمن.
قال ابن رشد: المشهور من قول ابن القاسم أن السلعة المبيعة المحبوسة بالثمن رهن به تكون مصيبتها من المشتري إن قامت بينة بتلفها، وإن لم تقم بينة لم يصدق البائع في ذلك ولزمه قيمتها اهـ. وعبارة الخرشي: والمعنى أن السلعة الحبوسة لإتيان المشتري بثمنها الحال، أو المحبوسة لأجل أن يشهد البائع على تسليم المبيع للمبتاع، أو على أن الثمن حال في ذمته ولم يقبضه منه.
أو مؤجل فإن ضمان ذلك على بائعه، ويضمنه ضمان الرهان، فيفرق فيه بين ما يغاب عليه وما لا يغاب عليه، فما لا يغاب عليه لا ضمان عليه فيه إذا ادعى تلفه أو هلاكه إلا أن يظهر كذبه، وما يغاب عليه هو في ضمانه إلا أن يقيم بينة أنه تلف بغير سببه فإنه لا ضمان عليه حينئذ اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتلفه قبل قبضه منه، فإن قبضه وتركه عنده فهو وديعة " الضمير في قوله: وتلفه راجع إلى المبيع، وفي منه راجع إلى البائع، والمعنى إذا تلف المبيع قبل أن يقبضه المشتري فضمانه على البائع، وإن قبضه المشتري وتركه وديعة عند البائع فحكمه حكم الوديعة فيصدق بلا يمين في تلفه إلا أن يتهم فيستحلف، وإلا ضمن كما يضمن بالتعدي، وإن لم يقبضه المشتري أصلاً فضمانه على البائع كما تقدم سواء مما كان فيه حق التوفية أو غيره بشرط أن يكون
بيعاً صحيحاً بتاً، وسواء أتلفه البائع عمداً أم لا، حبسه للثمن أم لا، وأما إن قبضه المشتري فالضمان عليه إن كان لازماً، قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: وانتقل الضمان إلى المشتري بالعقد الصحيح اللازم إلا فيما فيه حق توفية من مكيل أو موزون أو معدود فعلى البائع لقبضه.
واستمر بمعياره ولو تولاه المشتري والأجرة عليه، بخلاف القرض فعلى المقترض، وإلا المحبوسة للثمن أو الغائب فبالقبض
الجزء: 2 - الصفحة: 222
كالفاسد، وإلا المواضعة فبرؤية الدم، وإلا الثمار فللأمن من الجائحة، وإلا عهدة الثلاث فبانتهائها اهـ. قوله كالفاسد قال في الرسالة: وكل بيع فاسد فضمانه من البائع، فإن قبضه المبتاع فضمانه من المبتاع من يوم قبضه، فإن حال سوقه أو تغير في بدنه فعليه قيمته يوم قبضه اهـ.
ثم انتقل يتكلم في الصرف وأحكامه ونحوه كالمبادلة والمراطلة.
فقال رحمه الله تعالى: " ويشترط في الصرف المناجزة وإن اختلف الجنس، والمماثلة في الجنس مراطلة أو بصنجة " والصنجة بفتح الصاد والسين وهو معروف، يعني يشترط في جواز الصرف شيئان: المناجزة والمماثلة في الجنس الواحد، سواء طعاماً أو نقوداً، أما إذا اختلقت الأجناس وجبت المناجزة دون المماثلة.
قال الشرنوبي في الكواكب الدرية: وعند اختلاف الجنسين يجوز التفاضل إذا كان يداً بيد اهـ. قال ابن جزي: تحرم النسئية إجماعاً في بيع الذهب بالفضة وهو الصرف، وفي بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة، سواء كان ذلك مبادلة في المسكوك أو مرطلة في المسكوك أو المصوغ أو النقار، فلا يجوز التأخير في شيء من ذلك كله، بل يجب أن يكون يداً بيد، فيتصور في ذلك ثلاث أحوال: حالة الكمال وهي أن يبرز كل واحد من المتعاقدين ما عنده من ذهب أو فضة ثم يعقدا عليه ثم يتقابضا، وحالة الجواز وهي أن يعقدا والذهب أو الفضة في الكم أو في التابوت الحاضر ثم يخرجاه ويتقابضا، وحالة لا تجوز هي أن يعقدا عليه وهو غائب في الدار أو غيرها فلا يجوز، وكذلك لا يجوز أن يعقدا عليه ويتأخر التقابض ولو ساعة، هذا مذهب الإمام مالك، وأجاز أبو حنيفة والشافعي تأخير القبض ما لم يتفرقا من المجلس اهـ. قال العلامة عبد الرحمن الجزيري على المذاهب الأربعة: فإذا اختلف الجنس فإنه يصح فيه البيع والشراء بالزيادة على قيمته وبنقصها.
فيصح أن يشتري الجنية الذي قيمته مائة قرش بمائة وعشرين مثلاً، كما يصح أن يصرفه بخمسة وتسعين قرشاً وهكذا، ويسمى هذا صرفاً ولكن يشترط فيه التقابض،
الجزء: 2 - الصفحة: 223
فلا يصح صرف جنيه بفضة إلا إذا كان كل واحد يأخذ ماله في المجلس، فإذا أخذ تسعين قرشاً وأجل عشرة قروش مثلاً حرم، وكذلك في الطعام أعني البر والشعير
إلخ ما يذكر في الحديث؛ فإنه يشترط فيه التقابض إذا كان البدلان طعامين، كما إذا باع قمحاً بأرز، أما إذا كان أحد البدلين نقداً والآخر طعاماً فإنه يصح فيه التأخير سواء كان الطعام مبيعاً كما إذا اشترى قمحاً بجنيهات لأجل، أو كان الطعام ثمناً كما إذا اشترى خمسة جنيهات بخمسة أرادب من القمح يدفعها في وقت كذا، وهذا هو السلم.
ثم قال: ولا خلاف بين أئمة المسلمين في تحريم ربا النسيئة وربا الفضل، وهي كبيرة بلا نزاع لقول الله عز وجل: ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون﴾ [البقرة: 275 - 279] وفي الحديث الصحيح عنه عليه الصلاة والسلام: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلاً بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)
وفي رواية: (لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز) متفق عليه.
قوله: ولا تشفوا بضم التاء وكسر الشين أي لا تزيدوا اهـ بتصرف.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتمنع فيه الحوالة والحمالة والرهن والخيار " يعني كما قال ابن جزي في الفروع: الفرع الأول، لا يجوز أن يؤخذ في الصرف والمبادلة والمراطلة ضامن ولا رهن لما يؤدي إليه من التأخير اهـ. قال ابن رشد في المقدمات: ولا يجوز في
الجزء: 2 - الصفحة: 224
الصرف ولا في بيع الذهب بالذهب والفضة بالفضة مواعدة ولا خيار ولا كفالة ولا حوالة، ولا يصح إلا بالمناجزة لا يفارق صاحبه وبينه وبينه عمل، ثم ذكر الحديث المتقدم.
وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه: وإن استنظرك إلى أن يلج بيته فلا تنظره إني أخاف عليكم الرماء، والرماء هو الربا ومثله في الموطأ اهـ. قال مالك في المدونة: ولا يصلح أن تدفع إليه الدينار فيخلطه بدنانيره ثم يخرج الدراهم فيدفعها إليك اهـ. قال أبو محمد في الرسالة: فيجوز ولو اختلفا في الوزن والعدد لما تقدم من قوله عليه الصلاة والسلام، فإذا اختلف الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد اهـ النفراوي.
ثم بالغ في وجوب المماثلة وعدم التأخير في النقدين فقال رحمه الله تعالى:
" جيد الجنس ورديه وتبره ومضروبه وصحيحه ومكسوره سواء " يعني أن الجيد والردئ من الذهب والفضة تبره ومضروبه، صحيحه ومكسوره سواء لا يجوز فيه التفاضل في صرفه بجنسه كما لا يجوز فيه التأخير بل وجب فيه المناجزة والمماثلة كما في الحديث، وتقدم في الزكاة مثل هذه المبالغة بقوله: إنها تجب في أوانيهما وحلي التجارة، وآنية ما لا تجوز تحليته، والمتخذ ذخيرة إلى أن قال: جيد الجنس ورديئة، تبره ومضروبه، صحيحه ومغشوشه ومكسوره سواء فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله: " ويجوز تطارح ما في ذمتيهما صرفاً بشرط حلولهما وتماثلهما واقتضاء أحدهما من الآخر بشرط الحلول وقبض الجميع في الفور " يعني أنه يجوز قضاء ما في الذمة بمثله إذا كملت الشروط الآتية، وهذه المسألة تسمى بالمقاصات أي المتاركات.
قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: المقاصة متاركة مدينين بمتماثلين عليهما كل ماله ما عليه أي كل واحد منهما يترك حقه في نظير الحق الذي عليه،
الجزء: 2 - الصفحة: 225
وتجوز في ديني العين مطلقاً إن اتحدا قدراً وصفة، حلا أو أحدهما أو لا، أو اختلفا صفة أو نوعاً إن حلا، أو قدراً وهماً من بيع وحلا وإلا فلا.
والطعامان من قرض كذلك، ومنعا من بيع مطلقاً كأن اختلفا من بيع وقرض إن اختلفا صفة أو قدراً أو لم يحلا وإلا بأن حلا معاً واتفقا جازت، وفي العرضين مطلقاً إن اتحدا نوعاً وصفة أو اختلفا وحلا، أو اتفقا أجلا اهـ. انظر حاشية الصاوي عليه.
وبيان ذلك كما في عبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: فإذا كان لرجل على آخر دين وكان لذلك الآخر عليه دين فأراد اقتطاع أحد الدينين من الآخر لتقع البراءة بذلك ففي ذلك تفصيل، وذلك أنه لا يخلو أن يتفق جنس الدينين أو يختلفا، فإن اختلفا جازت المقاصة مثل أن يكون أحد الدينين عيناً والآخر طعاماً أو عرضاً، أو يكون أحدهما عرضاً واآخر طعاماً، وإن اتفق جنس الدينين فلا يخلو أن يكون كل واحد من الدينين عيناً أو طعاماً أو عروضاً، فإن كان الدينان عيناً فلا يخلو أن يكونا ذهبين أو فضتين أو أحدهما ذهباً والآخر فضة، فإن كان أحدهما ذهباً والآخر فضة جازت المقاصة إن كانا قد حلا معاً، ولم يجز إن لم يحلا أو حل أحدهما دون الآخر، لأنه صرف مستأجر، وإن كانا ذهبين أو فضتين جازت المقاصة إذا كان أجل الدينين قد حل، فإن لم يحل أجلهما أو حل أجل الواحد منهما دون الآخر ففي ذلك قولان، والمشهور الجواز بناء على أنها متاركة تبرأ بها الذمم، ونظراً إلى بعد التهمة.
وقيل: تمنع لأنها مبادلة مستأخرة، وإن كان الدينان طعاماً فلا يخلو أو يكونا من بيع أو قرض، فإن كانا من بيع لم تجز المقاصة سواء حل الأجل أو لم يحل لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، وإن كانا من
قرض جاز حل الأجل أو لم يحل، وإن كان الدينان عرضين فتجوز المقاصة إذا اتفقا في الجنس والصفة سواء حل الأجل أو لم يحل اهـ.
قال رحمه الله تعالى عاطفاً على ما يجوز: " وبيع الحلي جزافاً بخلاف جنسه كتراب المعادن لا الدراهم والدنانير " يعني ويجوز بيع الحلي جزافاً كالخلخال والقرط
الجزء: 2 - الصفحة: 226
والسوار وغيرها مما يتزين به النساء سواء كان ذلك ذهباً أو فضة أو غيرهما، صحيحاً او مكسوراً، جيداً أو رديئاً فغنه يجوز بيعه جزافاً بغير جنسه وبشرط المناجزة.
والجزاف مثلث الجيم وهو ما جهل قدره أو وزنه أو كيله أو عدده، وبعبارة: وهو المبيع من غير وزن ولا كيل ولا عد سواء من جنس ما يوزن أو يكال أم لا.
قال في الرسالة: ولا بأس بشراء الجزاف فيما يكال أو يوزن سوى الدنانير والدراهم ما كان مسكوكاً، وأما نقار الذهب والفضة فذلك فيهما جائز اهـ. والمعنى لا يجوز بيع الذهب والفضة جزافاً ما دامت مسكوكة، أما نقار الذهب والفضة أي قطعة من أحدهما فجائز بيعه جزافاً.
من المدونة قلت: أيصلح أن أبيع الذهب جزافاً بالفضة جزافاً؟ قال مالك: لا بأس بذلك ما لم تكن سكة مضروبة، فإن كانت سكة مضروبة دراهم ودنانير فلا خير في ذلك؛ لأن ذلك يصير مخاطرة وقماراً إذا كان ذلك سكة مضروبة دراهم ودنانير اهـ. وفيها أيضاً: من اشترى فلوساً أي من نحاس بدراهم أو بخاتم فضة أو ذهب أو تبر ذهب أو فضة فافترقا قبل أن يتقابضا لم يجز لأن الفلوس لا خير فيها نظرة أي تأخيراً بالذهب ولا بالورق.
قال مالك: وليست بحرام بين وو لكن أكره التأخير.
وقال فيها أيضاً: ولا يصلح الفلوس بالفلوس جزافاً ولا وزناً ولا كيلاً مثلاً بمثل يداً بيد، ولا إلى أجل، ولا يجوز إلا عدداً فلساً بفلس يداً بيد، ولا يصلح فلس بفلسين، ولا يداً بيدين إلى أجل.
والفلوس في العدد بمنزلة الدنانير والدراهم في الوزن، وإنما كره ذلك مالك في الفلوس ولم يحرمه كتحريم الدنانير والدراهم اهـ. قرة العين.
قال رحمه الله تعالى عاطفاً على ما يجوز: " وإبدال الناقص بالوازن معروفاً لا صرفاً " يعني يجوز مبادلة الناقص بالوازن إذا كان على وجه المعروف لا على وجه الصرف ولا وجه البيع كما يأتي، فإنه لا يجوز.
قال العلامة ابن جزي: لا يجوز إبدال الدراهم الوازن بالناقص إلا على وجه المعروف إن تساويا في الجودة أو كان الوازن
الجزء: 2 - الصفحة: 227
أطيب، ولا يجوز إن كان الناقص أطيب لأنه خرج من المعروف.
ومنعه الظاهرية مطلقاً اهـ. قال في أقرب المسالك: فشرط الجواز القلة ستة فأقل والعدد، وأن تكون الزيادة في الوزن فقط، وأن تكون السدس فأقل في كل دينار أو درهم، وأن يكون أي عقد المبادلة على وجه المعروف، وأن يكون بلفظ البدل دون البيع اهـ بإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " فإن وجد أحدهما زائفاً فرضي به وإلا بطل إلا أن يسميا لكل دينار ثمناً فيبطل فيه، فإن زاد المردود عليه ففي ثان.
وقيل يبطل فيما قابل الزائف فقط " يعني كما في قرة العين نقلاً عن الدردير " مسألة " إن وجد أحد المتصارفين عيباً في دراهمه أو دنانيره من نقص عدد أو وزن أو غش بأن وجدها مخلوطة بنحاس مثلاً أو وجدها رصاصاً أو نحاساً خالصين، فإن كان ذلك بحضرة الصرف من غير مفارقة ولا طول في المجلس جاز له الرضا بما وجده مما ذكر وصح الصرف، وله عدم الرضا وطلب الإتمام في الناقص عدداً ووزناً، أو طلب البدل فيما وجد مغشوشاً، أو وجد رصاصاً أو نحاساً خالصين، ويجبر على الإتمام أو رد البدل من أباه إن لم تعين الدراهم والدنانير، فإن عينت من الجانبين كهذه الدنانير في هذه الدراهم فلا جبر، بل إما أن يرضى وإما أن يرد المعيب ويأخذ ما خرج من يده، وإن كان وجود العيب بعد مفارقة أو طول في مجلس، فإن رضي واجد الغش أو من وجدها نحو رصاص خالص صح الصرف، وإلا يرضى نقض الصرف وأخذ كل منهما ما خرج من يده، وأما إن وجدها ناقصة وزناً أو عدداً بعد مفارقة أو طول فإن الصرف ينقض مطلقاً رضي واجد النقص به أم لا، ومتى قلنا بنقض الصرف فالذي يتعلق به النقض أصغر الدنانير لا جميعاً إلا أن يتعدى النقص أصغر الدنانير فالأكبر هو الذي ينقض دون الأصغر، وأما إن تساوت في الصغر والكبر والجودة والرداءة فينقض واحد منهما ما لم يزد عليه موجب النقض فإن زاد فينقض دينار آخر وإن لم يستغرق المعيب جميعه، وإذا كان فيها أعلى وأدنى فيفسخ
الجزء: 2 - الصفحة: 228
الجميع على الأرجح ويأخذ كل واحد منهما ما خرج من يده، ثم إذا وجد أحد المتصارفين الغش فيما أخذه، أو وجده نحو رصاص وأراد البدل فيشترط فيه التعجيل لأنه إذا لم يعجل البدل يلزم عليه ربا النساء.
ويشترط أيضاً أن يكون البدل من نوع المبدل فلا يجوز أن يأخذ بدل المعيب عرضاً لئلا يلزم عليه اجتماع البيع والصرف إلا أن يجتمعا في دينار فيجوز اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " لا بيعهما بأحدهما ولا أعلى وأدنى بدينارين وسطاً " الضمير في بيعهما راجع إلى الناقص والوازن من النقدين، المعنى: لا يجوز بيع الدينار الناقص بالوازن ولا الدرهم الناقص بالوازن لما فيه من دوران الفضل من الجانبين.
قال خليل: والأجود أنقص أو أجود سكة ممتنع.
قال الخرشي: أي والنقد الأجود جوهرية حالة كونه أنقص وزناً ممتنع إبداله بأردأ جوهرية كاملاً وزناً اتفاقاً لدوران الفضل من الجانبين؛ لأن صاحب الأجود يرغب للأدنى لكماله
وصاحب الأردأ الكامل يرغب للناقص لجودته، وكذلك يمتنع النقد الأجود سكة الأنقص وزناً برديء السكة الكامل الوزن لدوران الفضل من الجانبين لكن هذا مع الخلاف.
قال الصاوي:
تنبيه: هل الأجود سكة أو صياغة كالأجود جوهرية فيدور الفضل بسببهما أو لا، الأكثر من أهل العلم عدم اعتبارهما، وأنهما ليسا كالجودة في الجوهرية فلا يدور بهما فضل خلافاً لما مشى عليه خليل اهـ. وقوله: ولا أعلى وأدنى بدينارين وسطاً، يعني لا يجوز بيع أعلى الدينار وأدناه في مقابل الدينارين أحدهما متوسط في الجودة والآخر دونه.
وعبارة الدردير عند قول خليل لا أدنى وأجود أي بعضه أدنى من مقابله وبعضه الآخر أجود منه كمصري وبندقي يقابلان بمغربي فالمغربي متوسط والمصري أدنى والبندقي أعلى فيمنع لدوران الفضل من الجانبين اهـ وعبارة الخرشي: أي لا إن كان أحدهما أدنى والآخر أجود كدراهم
الجزء: 2 - الصفحة: 229
مغربية وسكندرية تراطل بمصري لأنه في فرضهم - أي عرفهم كما في الحاشية - أن في المغربية أجود والسكندرية أدنى والمصرية متوسطة فرب المصرية تغتفر جودتها بالنسبة لرداءة السكندرية نظراً لجودة المغربية، ورب المغربية تغتفر جودة بعضها لجودة المصرية بالنسبة للسكندرية، فلا يجوز لدوران الفضل من جانبين والظاهر ولو قل الرديء الذي مع الجيد وهو ما عليه ابن رشد والأكثر اهـ بحذف.
قال الصاوي: والحاصل أن القواعد تقتضي منع المبادلة ولو تمحض الفضل من جهة واحدة لكن الشارع أباحها حينئذ بشروطها ما لم يخرجا عن المعروف بدوران الفضل من الجانبين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا درهم وصاع بدرهمين وصاعين " يعني لا يجوز دفع درهم وصاع ليأخذ بدلهما درهمين أو يأخذ بدلهما صاعين قال العلامة الدردير: لا يجوز ذهب وفضة من جانب بمثلهما من الجانب الآخر ولو تساويا، إلى أن قال أو أحدهما وعرض من جانب، كدينار وثوب بمثلهما، أو درهم وشاه بمثلهما.
ثم قال: اعلم أن قاعدة المذهب سد الذرائع فالفضل المتوهم كالمحقق، فتوهم الربا كتحقيقه فلا يجوز أن يكون مع أحد النقدين أو مع واحد منهما غير نوعه أو سلعة لأن ذلك يوهم القصد إلى التفاضل كما قاله ابن شاش، إذ ربما كان أحد الثوبين أقل قيمة من الدينار الآخر أو أكثر فتأتي المفاضلة.
قال الصاوي: حاصله أن ما صاحب أحد النقدين من العرض يقدر من جنس التقد المصاحب له فيأتي الشك في التماثل، والمنع في هذه مطلق ولو تحقق تماثل الدينارين وتماثل قيمة العرضين.
ثم قال: واعلم أن مالكاً منع الصورتين وأبا حنيفة أجازهما، وفرق الشافعي بينهما فأجاز الأولى ومنع الثانية، وتسمى عند الشافعية بمسألة درهم ومد
عجوة اهـ. قال ابن جزي: الفرع السادس لا يجوز زيادة غير الجنس كبيع مد بمد من صنفه ودرهم، فإن الدرهم تفاضل بينهما خلافاً لأبي حنيفة اهـ. فهذه النصوص دلت على عدم الجواز في المذهب في بيع درهم وصاع بدرهمين أو بصاعين.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يضم إلى أحدهما غيره إلا أن يعجز يسيراً ولا كسور
الجزء: 2 - الصفحة: 230
لهم ولا يمكن كسر السكة فيدفع عوضه عرضاً " هذا صريح في عدم الجواز في المسألة التي قبلها مع زيادة الشروط في هذه عند العجز وعدم القدرة على أي حيلة شرعية.
فيجوز حينئذ دفع العوض من غير جنس المبيع للضرورة؛ لأن الضرورات تبيح المحظورات فافهم هذا.
وأصل قول مالك في المدونة أن الفضة بالفضة مع إحدى الفضتين سلعة أو مع الفضتين جميعاً مع كل واحدة منهما سلعة من السلع إن ذلك باطل ولا يجوز اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن ثبت في ذمته نقد معين فبطل التعامل به لزمه مثله فإن عدم فقيمته " يعني كما قال خليل: وإن بطلت فلوس فالمثل، أو عدمت فالقيمة وقت اجتماع الاستحقاق والعدم.
قال العلامة الشيخ حسين بن إبراهيم المغربي مفتي السادة المالكية بمكة سابقاً في فتاويه المسمى بقرة العين: " ما قولكم " في الدراهم أو الدنانير أو الفلوس وهي الجدد النحاس ومثلها الخمسات والعشرات والعشرينات والقروش النحاس الموجودة في زماننا الآن إذا ترتب شيء من تلك المذكورات على آخر من قرض أو بيع ثم بطلت المعاملة بها أو تغير التعامل بها بزيادة أو نقص فأي شيء يجب في قضائها؟ ثم قال: " الجواب " الواجب قضاء المثل على من ترتبت في ذمته إن كانت موجودة في بلد المعاملة، ويجب المثل ولو كانت مائة بدرهم ثم صارت ألفاً بدرهم، أو بالعكس، وكذا لو كان الريال حين العقد بتسعين ثم صار بمائة وسبعين وبالعكس، وكذا لو كان المحبوب بمائة وعشرين ثم صار بمائتين، أو بالعكس.
وهكذا.
وإن لم تكن موجودة في بلد المعاملة.
وإن وجدت في غيرها.
فالواجب القيمة وتعتبر يوم الحكم، والظاهر أن طلبها بمنزلة التحاكم وحينئذ فتعتبر القيمة يوم طلبها فيدفع له قيمتها بعين مما تجدد وظهر، فيقال: ما قيمة العشرة دراهم التي عدمت بهذه الدراهم التي جددت؟ فيقال: ثمانية دراهم مثلاً، فيدفع المدين الثمانية مما تجدد، وإن قيل: اثنا عشر دفعها مما تجدد.
وتعتبر القيمة في بلد المعاملة وإن كان القبض في غيرها.
وهذا مقيد بما إذا لم يحصل من المدين مطل وإلا وجب
الجزء: 2 - الصفحة: 231
عليه ما آل إليه من المعاملة الجديدة الزائدة على القيمة، وإلا فالقيمة، فله الأحوط، كمن عليه طعام امتنع ربه من أخذه حتى غلا فليس لربه إلا قيمته يوم امتناعه.
اهـ ملخصاً من شرح خليل.
قال رحمه الله تعالى: " ومن دفع درهماً ليأخذ ببعضه سلعة ويأخذ باقية جاز في نصفه فدونه إذا لم يمكن كسره، فإن كان يتعامل بالفلوس فالأولى التنزه " يعني كما قال ابن جزي في الفرع الرابع في رد البعض، وذلك أن يدفع للبائع درهماً فيشتري منه سلعة ببعضه ويرد عليه بعضه فيجوز ذلك بأربعة شروط، وهي: أن تدعوه لذلك ضرورة، وأن يكون ذلك في درهم واحد، وأن يكون المردود نصف الدرهم فأقل، وأن يقع التقابض في الدرهم وفي البعض المقبوض وفي السلعة، فإن تأخر أحد الثلاثة لم يجز.
وقيل: لا يجوز مطلقاً اهـ. قال في قرة العين: مسألة، يجوز للشخص أن يدفع لآخر درهماً شرعياً أو ما يروج رواجه، سواء زاد وزن ذلك الرائج عن الشرعي أو نقص، فالزائد في الوزن كثمن ريال، والناقص كزلاطة بثمانية أي يدفع ما ذكر ليأخذ منه بنصف تلك الدراهم طعاماً أو فلوساً ويأخذ النصف الآخر فضة، وجواز هذه المسألة بشروط سبعة، أولها: أن يكون ذلك في درهم واحد، فلو اشترى بدرهم ونصف درهم لم يجز أن يدفع درهمين ويأخذ نصفاً.
ثانيهما: أن يكون المردود النصف فدونه ليعلم أن الشراء هو المقصود.
ثالثهما: أن يكون ذلك في بيع أو منفعة كإجارة أو كراء، وأما في غيره كقرض وصدقة فلا يجوز، مثاله في القرض عند الاقتضاء أي عند دفع ما عليه أن يدفع المقترض عن الدرهم الذي اقترضه نصف درهم وعرضاً فلا يجوز، ومثاله عند دفع المقرض للمقترض أن يدفع المقرض للمقترض درهماً والمقترض لا يريد إلا نصفه ويرد للمقرض الآن نصفه أو غير ذلك فلا يجوز.
ومثاله في الصدقة أن يدفع شخص لآخر درهماً على أن يكون له نصفه صدقة ويرد للمتصدق النصف الآخر فضة فلا يجوز.
ومثال الإجازة الجائزة أن تستأجر صانعاً على أن يصلح لك
الجزء: 2 - الصفحة: 232
دلواً مثلاً فتدفع له الدلو وبعد إصلاحه تدفع له درهماً كبيراً نصفه في مقابلة أجرته ويرد عليك الصانع النصف الآخر حالاً.
وأما لو دفعت له الدرهم وأخذت منه نصفه وتركت دلوك عنده ليصلحه لم يجز؛ لأن من شروط الجواز انتقاد الجميع، ولا يكون ذلك إلا بعد تمام العمل.
رابعهما: أن يكون المأخوذ والمدفوع مسكوكين.
خامسها: أن يتعامل بالدرهم والنصف وإن كان التعامل بأحدهما أكثر من الآخر.
سادسها: أن يكون الدرهم والنصف قد عرف الوزن فيهما بأن يكونا في الرواج هذا درهم وهذا نصفه ولو كان الوزن مختلفاً لأن أصل الجواز في المسألة الضرورة.
سابعها: أن يعجل الدرهم والنصف والسلعة المشتراة بنصف الدرهم الآخر لئلا يلزم البدل المؤخر.
ويستفاد من هذه الشروط عدم الجواز إذا كان بدل الدرهم ريالاً أو نصف ريال أو ربع ريال، ولكن أجاز بعضهم ذلك في الريال
الواحد أو نصفه أو ربعه للضرورة كما أجيز صرف الريال الواحد بالفضة العديدة كما تقدم اهـ ملخصاً من الدردير والدسوقي بتوضيح، انظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " والمنصوص كراهة التفاضل والنساء في الفلوس " أي في بعضها ببعض وحينئذ لا يحرم فيها التفاضل والنسيئة لأن الكراهة لا تنافي الجواز، لكن حمل بعض أئمة المذهب الكراهة على التحريم وأرجو أن يكون هو الراجح لقول مالك في المدونة: لا يجوز فلس بفلسين، ولا تجوز الفلوس بالذهب والفضة، ولا بالدنانير نظرة أي تأخيراً، وفيها أيضاً عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: الفلوس بالفلوس بينهما فضل فهو لا يصلح في عاجل بآجل ولا عاجل بعاجل، ولا يصلح بعض ذلك ببعض إلا هاء وهات.
وفيها أيضاً عن يحيى بن سعيد وربيعة أنهما كرها الفلوس بالفلوس وبينهما فضل أو نظرة، وقالا: إنها صارت سكة مثل سكة الدنانير والدراهم.
وعن يزيد بن أبي حبيب وعبيد الله بن أبي جعفر قالا: وشيوخنا كلهم أنهم كانوا يكرهون صرف الفلوس بالدنانير والدراهم إلا يداً بيد وقال يحيى بن سعيد: إذا صرفت درهماً فلوساً فلا
الجزء: 2 - الصفحة: 233
تفارقه حتى تأخذه كله اهـ. وتقدم نحوه عند قوله: وبيع الحلي جزافاً إلخ فراجعه إن شئت.
ولما أنهى الكلام على ربا النقدين وما يتعلق بهما من أحكام الصرف والمبادلة انتقل يتكلم على أحكام الربا في المطعومات وغيرها، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
أي في بيان ما يتعلق بأحكام الربا في المطعومات، أي في بيان جميع ما يتخذه الآدمي طعاماً ويطعمه من الربوي وغيره على الجملة، فتخل الفواكه والخضر والبقول والحلبة ولو يابسة فيمنع بعضه ببعض إلى أجل كما سينص عليه.
ويجوز التفاضل ولو بالجنس الواحد في غير الربوي يداً بيد.
وأما الربوي فلا يجوز فيه التفاضل في الجنس.
قال رحمه الله تعالى: " يحرم الربا في جميع المطعومات
حتى الملح والأبازيز إلا ما يتداوى به كالصبر والسقمونيا ونحوهما.
ويشترط في بيع بعضها ببعض من التماثل والتناجز ما تقدم في النقد " يعني أن ربا الفضل والنساء يدخل في جميع المطعومات الربوية كالقمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والعلس وجميع القطاني السبعة، والتمر والزبيب والتين على المشهور، كذوات الزيوت نحو زيتون كلها ربوية.
ولا يجوز فيها النسيئة ولا التفاضل في الجنس الواحد كما
يأتي ذلك في محله على التفضيل.
قال الدردير: وعلة ربا الفضل فيه أي الربوي اقتيات وادخار، كبر وشعير وسلت وهي جنس.
وعلس وذرة ودخن وأرز، وهي أجناس.
والقطاني، وهي أجناس.
وتمر وزبيب وتين وهي أجناس.
وذوات الزيت ومنها بزر الكتان، وهي أجناس كزيوتها، والعسول، بخلاف الخلول والأنبذة فجنس.
والأخبار ولو بعضها من قطنية جنس إلا بإبزار وبيض وهو جنس، فتتحرى المساواة، ويستثنى قشر بيض النعام فإنه عرض، وسكر وهو جنس، ومطلق لبن وهو جنس.
ولحم طير وهو جنس ولو اختلفت
الجزء: 2 - الصفحة: 234
مرقته، ودواب الماء وهي جنس، كمطلق ذوات الأربع وإن وحشياً.
والجراد وفي جنسية المطبوخ من جنسين بإبزار خلاف.
والمرق والعظم والجلد كاللحم، ومصلحه كملح وبصل وثوم وتابل من فلفل وكزبرة وكرويا وشمار وكمونين وآنيسون، وهي أجناس.
وخردل.
لا فواكه ولو أدخرت بقطر كتفاح ولوز وبندق ودواء وحلبة وبلح أصفر وماء.
وجازا بطعام لأجل كالأدوية اهـ. وقوله رحمه الله: حتى ملح والأبازير جمع أبزار وهو من مصلحات الطعام كالتوابل.
وقوله: إلا ما يتدواى به كالصبر.
قال في المصباح: والصبر الدواء المر بكسر الباء في الأشهر وسكونها للتخفيف وقوله: والسقمونيا وهو اسم للدواء أيضاً.
وفي المصباح والسقمونيا بفتح السين والقاف والمد معروفة، قيل يونانية وقيل سريانية.
قال رحمه الله تعالى: " والصحيح أن الماء ليس ربوياً " يعني أن الصحيح من أقوال الأئمة في المذهب أن الماء ليس بربوي بل ولا طعام سواء كان عذباً أو ملحاً وهما جنسان.
قال الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: وأما بيع المالح بالحلو وعكسه فيجوز بأي حال لاختلاف الأجناس وعدم كونه ربوياً وطعاماً اهـ. قال النفراوي عند قول صاحب الرسالة إلا الماء وحده فيجوز بيع بعضه ببعض ولو متفاضلاً، كما يجوز بيعه بالطعام لأجل ولو ماء زمزم لأنه ليس من الطعام، ثم قال: واعلم أن الماء على قسمين: أحدهما: العذب وهو ما يمكن شربه ولو عند الضرورة، وهو جنس واحد.
وثانيهما: الأجاج وهو ما لا يشرب لمرارته كالبحر المالح وهو جنس آخر فيجوز بيع أحد الجنسين بالآخر ولو متفاضلاً إلى أجل.
وأما بيع الماء بماء من جنسه فإن كانا متساويين جاز ولو إلى أجل وأما عند اختلافهما بالقلة والكثرة فلا يجوز إلا يداً بيد، ويمتنع إلى أجل لأن القليل إن كان هو المعجل ففيه سلف جر نفعاً، وإن كان المعجل هو الكثير ففيه تهمة ضمان بجعل، وهكذا يقال في كل ما اتحد جنسه وهو غير ربوي اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 235
ثم ذكر الربوي وما هو جنس منه أو أجناس، فقال رحمه الله تعالى: " فالبر
والشعير والسلت جنس، كالقطاني، والتوابل والدخن والذرة والأرز أجناس.
والتمر جنس، كالزبيب.
ولحوم ذوات الأربع جنس، إنسيها ووحشيها كالطير، ودواب الماء والجراد جنس.
والأخباز كلها جنس.
كالألبان والخلول والزيوت أجناس كأصولها " يعني كما تقدم أن الربوي بعضه متحد الجنس فلا يجوز التفاضل فيه، وبعضه أجناس يجوز فيه التفاضل إذا كان يداً بيد.
وفي الحديث (فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) وفي الرسالة: وما اختلفت أجناسه من ذلك ومن سائر الحبوب والثمار والطعام فلا بأس بالتفاضل فيه يداً بيد.
ولا يجوز التفاضل في الجنس الواحد منه إلا في الخضر والفواكه.
ثم قال: والقمح والشعير والسلت كجنس واحد فيما يحل منه ويحرم.
والزبيب كله صنف.
والقطنية أصناف في البيوع.
واختلف فيها قول مالك، ولم يختلف قوله في الزكاة أنها صنف واحد.
ولحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحش صنف.
ولحوم الطير كله صنف.
ولحوم دواب الماء كلها صنف.
وما تولد من لحوم الجنس الواحد من شحم فهو كلحمه.
وألبان ذلك الصنف وجبنه وسمنه صنف اهـ. ومثله في القوانين بزيادة إيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز التفاضل في البقول إلا البصل والثوم " يعني أنه يجوز التفاضل في جميع البقول إلا في البصل والثوم فلا يجوز التفاضل في كل واحد من جنسيهما.
قال في جواهر الإكليل: لا خلاف في ربوية الثوم والبصل وهما جنسان عند الإمام، ولم يظهر خلاف في الملح وهو جنس آخر اهـ. قال زروق في شرح الرسالة: ومن الإدام البصل والثوم، والمشهور ربويتهما اهـ. قال في المواق: قال ابن المواز: قال مالك: الثوم والبصل ك أي هما ربويان، بخلاف البقول، والغالب فيهما أن ذلك ييبس ويدخر فلا يصلح التفاضل في رطبه ولا يابسه.
قال ابن حبيب: وهما جنسان مختلفان.
اهـ قال الخرشي: البصل والثوم الأخضر واليابس يمتنع فيه التفاضل اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 236
قال رحمه الله تعالى: " والمشهور منع الدقيق متفاضلاً، وجوازه متماثلاً وزناً لا كيلاً، ويعتبر التماثل بمعيار الشرع كالمكيال والميزان " يعني أن المشهور في المذهب منع بيع الدقيق بالدقيق متفاضلاً ويجوز متماثلاً وزناً يداً بيد، ويكون ذلك بمعيار الشرع كالمكيال والميزان المعروفين شرعاً، وكذلك يجوز بيع قمح ودقيق متماثلاً.
قال خليل: وجاز قمح بدقيق، وهل إن وزنا تردد، واعتبر المماثلة بمعيار الشرع وإلا فبالعادة، فإن عسر الوزن جاز التحري إن لم يقدر على تحريه لكثرته اهـ. وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وجاز قمح بدقيق وتعتبر المماثلة بالكيل
فيما يكال والوزن فيما يوزن، وبالتحري في غيرهما وزناً كالبيض اهـ. قال ابن جزي في الفرع الثاني: يجوز بيع الدقيق من صنف واحد إذا استويا في صفة الطحن، ومنعه الشافعي، وقال في الفرع الثالث: يجوز بيع الخبز بالخبز بالتحري من غير وزن، ومنعه الشافعي بالوزن والتحري اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز قسمة الخبز واللحم تحرياً عند تعذر الميزان ويسهم عليه " يعني كما تقدم آنفاً قول خليل، فإن عسر الوزن جاز التحري.
ونقل الحطاب عن المصنف أنه قال في العمدة: ويجوز قسمة الخبز.
واللحم ونحو ذلك على التحري عند تعذر الموازين ويسهم عليه اهـ. قال في أقرب المسالك: وجاز التحري فيما يوزن، فإن تعذر منع، أي فإن تعذر التحري فيما يجوز فيه التحري منع لكثرته جداً.
قال أي الدردير: وحاصل النقل عن ابن القاسم أن كل ما يباع وزناً ولا يباع كيلاً مما هو ربوي تجوز فيه المبادلة والقسمة على التحري، وهو في المدونة في السلم الثاني منها، وكل ما يباع كيلاً لا وزناً مما هو ربوي فلا تجوز فيه المبادلة ولا القسمة بالتحري بلا خلاف.
وأما غير الربوي فاختلف في جواز القسمة فيه والمبادلة على التحري على ثلاثة أقوال، الأول: الجواز فيما يباع وزناً لا كيلاً وهو لابن القاسم، والثاني: الجواز مطلقاً وهو لأشهب، والثالث: المنع مطلقاً أي وهو
الجزء: 2 - الصفحة: 237
الذي في كتاب السلم الثالث من المدونة اهـ منقول من الدردير والصاوي.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز بيع المطعومات كيلاً أو وزناً وجزافاً لا ملء غرارة فارغة حباً أو قارورة زيتاً بخلافها مملوءة " يعني يجوز بيع جميع المطعومات مطلقاً، أي سواء كان ربوياً أم لا، كان مما يكال أو مما يوزن، كان البيع جزافاً ولو لم يكن في الكيل أو الوزن مشقة؛ لأن الكيل والوزن مظنة المشقة، وبعبارة: لأن العد متيسر لكل أحد بخلاف الكيل والوزن الشرعيين اهـ.
أما الجزاف فعرفه الدردير بقوله: وهو بيع ما يكال أو يوزن أو يعد جملة بلا كيل ولا وزن ولا عد.
والأصل فيه المنع للجهل، لكن أجازه الشارع للضرورة والمشقة، فيجوز بشروط سبعة وهي إن رئي ولم يكثر جداً، وجهلاه، وحزراه، أي خمنا قدره، واستوت أرضه، وشق عده، ولم يقصد أفراده إلا أن يقل ثمنهما كرمان فيجوز، وإلا أن يكون مكيالاً معلوماً حاضراً مرئياً مملوءاً فيجوز، لكن هذا لا يسمى بيع الجزاف.
وأما قوله: لا ملء غرارة فارغة حباً إلخ فهذا مما اختلف فيه في الجواز وعدمه إذا كان جزافاً، والأرجح عدم الجواز في الغرارة الفارغة وجوازه في القارورة كما نص عليه بعض الأئمة.
قال خليل: لا غير مرئي وإن ملء ظرف
ولو ثانياً بعد تفريغه إلا في كسلة تين أي وكسلة زبيب مما جرى العرف بجعله كالمكيال المعلوم فيجوز بيع ملئه فارغاً وبيع ملئه الحاضر مع ملئه ثانياً بعد تفريغه لأنه بمنزلة المكيال المعلوم.
وفي المواق: سمع أبو زيد: لو واحد عنده سلة مملوءة تيناً فقال أنا آخذها منك بكذا وأملؤها ثانية بدرهم فهو خفيف، بخلاف غرارة القمح.
وقال ابن يونس: وكذا عندي هذه القارورة المملوءة بدرهم ويملؤها له ثانية بدرهم فهو خفيف لأنه كالمرئي المقدر.
ولو قال قائل في الغرارة ما بعد، ولكنه في القارورة أبين لأنه لا يختلف ملؤها فليس فيه كبير خطر، والغرر اليسير إذا
الجزء: 2 - الصفحة: 238
انضاف إلى أصل جائز جاز، بخلافه إذا انفرد اهـ انظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " ومن ملك طعاماً وزناً أو كيلاً بمعاوضة لم يجز أن يعاوض عليه قبل قبضه، ويجوز هبته وصدقته وقرضه ودفعه بدل مقترض كالإقالة والشركة والتولية بمثل الثمن " يعني كما في الرسالة ومن ابتاع طعاماً فلا يجوز بيعه قبل أن يستوفيه إذا كان شراؤه ذلك على وزن أو كيل أو عدد بخلاف الجزاف.
ثم قال: ولا بأس بالشركة والتولية والإقالة في الطعام المكيل قبل قبضه.
قال الشارح: وإنما جازت تلك المذكورات في طعام المعاوضة قبل قبضه لشبهها بالقرض في المعروف، لخبر أبي داود وغيره عنه عليه الصلاة والسلام: (من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه إلا ما كان من شركة وتولية وإقالة) وهي ترك المبيع لبائعه بثمنه، لكن شرط أهل المذهب لجواز الإقالة من طعام المعاوضة قبل قبضه أن تقع من جميعه، وأما لو وقعت الإقالة من بعضه فلا تجوز إلا إذا كان رأس المال عرضاً يعرف بعينه مطلقاً أو كان عيناً أو طعاماً لم يقبض أو قبض ولم يغب عليه، أو غاب غيبة لم يمكن الانتفاع به فيها.
وأما لو غاب به غيبة يمكنه الانتفاع به فيها لم تجز من البعض والطعام وغيره في ذلك سواء اهـ انظر النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " وصفة عقده كالموروث بعد استيفائه " يعني وصفة عقد بيع طعام المعاوضة كصفة العقد في بيع شيء موروث في أنه لا يتم ولا يلزم المشتري ضمانه إلا بعد الاستيفاء بالقبض.
قال ابن جزي: فإن هلك المكيل أو الموزون بعد امتلاء الكيل واستواء الميزان وقبل التفريغ في وعاء المشتري فاختلف هل يضمنه البائع أو المشتري؟ فأجاب الشيخ أحمد الدردير بقوله: واعلم أن الصور هنا أربع: الأولى: أن يتولى البائع أو نائبه الوزن أو الكيل ثم يأخذ الموزون أو المكيل ليفرغه في ظرف المشتري فيسقط من يده أو يتلف فضمانه من البائع.
الثانية: مثلها ولكن الذي تولى تفريغه في الظرف هو المشتري فضمانه من المشتري لأنه حين أخذه من الميزان أو المكيال ليفرغه في ظرفه فقد
الجزء: 2 - الصفحة: 239
تولى قبضه فضمانه
منه.
قال ابن رشد باتفاق فيهما.
ونازعه ابن عرفه في الأولى بوجود الخلاف فيها.
الثالثة: أن يتولى المشتري الوزن أو الكيل والتفريغ فيسقط من يده فقال مالك وابن القاسم مصيبته من البائع ولم يقبض لنفسه حتى يصل لظرفه، وقال سحنون من المشتري.
الرابعة: أن لا يحضر ظرف المشتري وإنما يحصل ذلك في ظرف البائع بعد وزنه أو كيله ليفرغه في ظرفه ببيته مثلاً فيسقط منه أو يتلف فضمانه من المشتري لأن قبضه بعد الفراغ من وزنه قبض لنفسه في ظرف البائع، ويجوز له بيعه بذلك قبل وصوله لداره وليس فيه بيع الطعام قبل قبضه لأنه قد وجد القبض منه.
هذا تحرير الفقه.
قاله بعض المحققين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومستثنى معلوم من ثمرة " معطوف على ما بعد كاف التشبيه وهو الموروث المشبه به في جواز عقد بيعه بعد استيفائه، والمعنى يجوز لمستثن لشيء معلوم من ثمره كائنة في حائطه أن يقضي ما عليه من قرض، أو أن يدفعه قرضاً، أو يبيعه لغيره ولو لمشتري الحائط لأن المستثنى شيء معلوم لم يدخل في بيع الحائط وليس في ذلك توالي عقدتي بيع لم يتخللهما قبض، فلم يؤد إلى بيع الطعام قبل قبضه، ولأن البائع ما باع ذلك الشيء المستثنى المعلوم بل تركه لنفسه، فله أن يفعل به ما شاء.
قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا باع ثمر حائطه أن له أن يستثني من ثمر حائطه ما بينه وبين ثلث الثمر لا يجاوز ذلك، وما كان دون الثلث فلا بأس بذلك اهـ. انظر المنتقى للباجي.
قال رحمه الله تعالى: " وينزل من صار إليه منزلة المنتقل عنه " هذا ظاهر شامل لكل من انتقل إله التصرف سواء كان الانتقال بالإقالة أو التولية أو بالشراء أو القرض أو بغير ذلك فينزل من صار إليه منزلة المنتقل عنه في التصرف بالتمكن في ذلك كما تقدم.
الجزء: 2 - الصفحة: 240
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز بيع المبتاع جزافاً قبل نقله " يعني يجوز بيع الشيء المشترى جزافاً قبل نقله عن محل الشراء لأنه بالعقد دخل في ضمان المبتاع فيجوز له بيعه قبل نقله على المشهور، بخلاف المكيل أو الموزون فلا يجوز بيعه قبل قبضه كما تقدم في طعام المعاوضة إلا فيما استثنى فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وما كانت آحاده مقصودة فلا يجوز بيعه جزافاً " يعني إذا كانت آحاد المبيع جزافاً هو المقصود بالشراء فلا يجوز بيعه جزافاً.
قال العدوي على حاشية الخرشي: فإذا قصدت أفراده فلا يجوز إلا إن قل ثمنه.
وقال الخرشي فإن قصدت الأفراد كالثياب والعبيد فلا يجوز بيعه جزافاً إلا أن يقل ثمن أفراد الشيء الجزاف أي كالبطيخ والأترج والرمان والقثاء والموز فلا يضر فيه قصد
قال رحمه الله تعالى: " بخلاف المقصود جملة " فيجوز بيعه جزافاً.
قال رحمه الله تعالى: " بشرط جهلهما بكميته " كما قال خليل في شروط بيع الجزاف: وجهلاه، أي جهل العاقدان كيله أو وزنه أو عده.
قال رحمه الله تعالى: " فما علمه البائع فإن كتمه ثبت الخيار وإن أخبره فصدقه ثم وجد نقصاً فإن كان يسيراً فلا مقال له وإن كان كثير وثبت فله الرجوع " وقوله: وإن كان كثير إلخ كما في بيع الخيار.
وعبارة مالك في الموطأ: ومن صبر صبرة طعام وقد علم كيلها ثم باعها جزافاً وكتم على المشتري كيلها فإن ذلك لا يصلح، فإن أحب المشتري أن يرد ذلك الطعام على البائع رده بما كتمه كيله وغره، وكذلك كل ما علم البائع كيله وعدده من الطعام وغيره ثم باعه جزافاً ولم يعلم المشتري بذلك فإن المشتري إن أحب أن يرد ذلك على البائع رده، ولم يزل أهل العلم ينهون عن ذلك اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 241
قال رحمه الله تعالى: " واشتراط عدم إخباره مبطل " يعني إذا اشترط البائع على المشتري في بيع الجزاف بأن لا يخبره بكمية كيله أو وزنه أو عدده فإن شرط ذلك مبطل للبيع، أما إن لم يشترط عليه ذلك مع علمه هو فللمشتري الخيار إذا علم أن البائع عالم بمقداره وكتم عنه، وإن أعلمه أولاً ثم وقع البيع جزافاً بعد علمهما فإنه يكون فاسداً للغرر.
قال خليل: فإن علم أحدهما بعلم الآخر بقدره خير، وإن أعلمه أولاً فسد اهـ. قال الحطاب فيفسخ البيع إن كان قائماً وإن فات ففيه القيمة ما بلغت كالبيع الفاسد.
قاله في التوضيح عن ابن رشد اهـ.
بيع المزابنة
ولما أنهى الكلام على أحكام ربا المطعومات انتقل يتكلم في ما يتعلق بالمزابنة وهي من المنهيات لما فيها من الغرر المنهي عنه شرعاً وطبعاً.
قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يتعلق ببيع المزابنة
أي في بيان ما يتعلق بأحكام بيع المزابنة وما يضارعها من البيوع الفاسدة، وعرفها المصنف كغيره بقوله: " لا تجوز المزابنة وهي بيع مجهول بمجهول أو معلوم من جنس " أي واحد، يعني أنه لا يجوز بيع المزابنة لحديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع التمر بالتمر كيلاً وبيع الكرم بالزبيب كيلاً.
رواه مالك في الموطأ.
قال الباجي: المزابنة اسم لبيع التمر بالتمر، والزبيب بالكرم، ورطب كل جنس بيابسه، ومجهول منه بمعلوم اهـ قلت قد فسر الإمام حقيقة المزابنة وكيفيتها في كل شيء من المبيع ذكر ذلك في
موطأه في باب ما جاء في المزابنة والمحاقلة فراجعه هناك إن شئت.
قال ابن جزي في القوانين: لا تجوز المزابنة وهي بيع شيء رطب بيابس من جنسه
الجزء: 2 - الصفحة: 242
سواء كان ربوياً أو غير ربوي، فتمتنع بالربوي لتوقع التفاضل والغرر، وتمتنع في غير الربوي للنهي الوارد عنها في الحديث وللغرر.
فمنها بيع التمر بالرطب، وبيع الزبيب بالعنب، وبيع القمح بالعجين النيئ، وبيع اللبن بالجبن، وبيع القديد باللحم، وبيع القمح المبلول باليابس، وأجاز أبو حنيفة ذلك كله.
ويجوز أيضاً في المذهب إذا تحقق التفاضل في غير الربوي، ويجوز بيع الرطب بالرطب بالوزن في المشهور خلافاً للشافعي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومنها رطب كل جنس بيابسه وحب بدهنه، ولبن بجبن أو زبد أو سمن إلا المخيض ولبن الإبل، ودقيق بعجين " يعني كل ذلك لا يجوز فيه التفاضل إلا ما استثني.
قال رحمه الله تعالى: " وحيوان بلحم من جنسه " قال في الرسالة: ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان من جنسه، قال شارحها: ولو كان الحيوان يراد للقنية للمزابنة، وهي بيع معلوم بمجهول.
قال خليل: وفسد منهي عنه إلا بدليل، كحيوان بلحم جنسه إن لم يطبخ، وأما بيع اللحم بحيوان من غير جنسه فيجوز كبيع لحم طير بحيوان من ذوات الأربع؛ لما مر من أن ذوات الأربع جنس، والطير كله جنس آخر.
وقيد أهل المذهب منع بيع اللحم بحيوان من جنسه بما إذا لم يطبخ اللحم، وإلا جاز بيعه بحيوان من جنسه، وظاهر كلام أهل المذهب لو كان الطبخ بغير أبزار، واشتراط الأبزار في انتقال اللحم إنما ذلك في انتقاله عن اللحم لا عن الحيوان، وإذا بيع المطبوخ بالحيوان من جنسه فشرط جوازه التعجيل، وأما إلى أجل فيحرم إلا إذا كان الحيوان يراد للقنية كجمل أو ثور، ومثل اللحم في منع البيع بالحيوان الحيوان الذي لا تطول حياته أو لا منفعة فيه إلا اللحم، أو قلت لا يجوز بيع واحد منها بالآخر لأنه يقدر أحدها لحماً.
وأما حيوان يراد للقنية مثلاً فيجوز ولو
الجزء: 2 - الصفحة: 243
لأجل كجواز بيع حيوان القنية بلحم من غير جنسه ولو لأجل، بخلاف حيوان غير القنية فيشترط في جواز بيعه بلحم من غير جنسه التعجيل.
وأما بيع اللحم باللحم فيجوز مثلاً بمثل يداً بيد حيث كانا من جنس واحد اهـ. انظر حاصل المسألة في النفراوي.
ثم قال رحمه الله تعالى عاطفاً على رطب كل جنس: " وطري حوت بمالح
إلا ما نقلته صنعة كالمطبوخ بالنيئ، وحنطة مقلوة بنيئة، أو سويق أو عجين بخبز " يعني أن هذه الأشياء لا يجوز منها رطب بيابسه لا متماثلاً ولا متفاضلاً، ولا جنساً منها بجنس متفاضلاً للمزابنة ما لم تنقله عن أصله صنعة معتبرة فيجوز التفاضل في الجنس يداً بيد.
قال الدردير في أقرب المسالك: ولا ينقل طحن وعجن وصلق لغير ترمس، أو تقديد أي بلا أبزار وتسمين ونبذ لكتمر عن أصل، أي لا تنقل واحدة منها عن أصله، ولا يجوز فيها التفاضل، بخلاف خبز فإنه ناقل عن الدقيق، كالعجين وتخليل، أي لنبيذ وقلي وسويق، أي إنه ناقل، وطبخ غير لحم، أو لحم بأبزار وشيته أي بالنار مع الأبزار فإنه ناقل، وتجفيفه بها أي بأبزار فيجوز التفاضل بأصلها يداً بيد.
وجاز تمر أي بتمر ولو قدم، وحليب، ورطب، ومشوي، وقديد، وعفن، وزبد، وسمن، وجبن، وأقط، ومغلوث قل غلثه، وزيتون ولحم مثلها، أي كيلاً أو وزناً مناجزة، أي يداً بيد راجع للجميع اهـ بإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " والملامسة، وهي لزوم البيع باللمس، والمنابذة وهي لزومه بالنبذ، وبيع الحصاة وهو لزومه بسقوطها من يده أو فيما تسقط عليه " يعني كما في الدردير عاطفاً على المنهي عنه: وكمنابذة الثوب أو لمسه.
قال الصاوي عليه إنما كان منهياً عنه لما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الملامسة والمنابذة، فكان الرجلان في الجاهلية يساومان السلعة فغذا لمسها المشتري أو نبذها إليه البائع لزم البيع.
قال مالك: والملامسة شراؤك الثوب لا تنشره ولا تعلم ما فيه، أو تبتاعه ليلاً ولا تتأمله، أو
الجزء: 2 - الصفحة: 244
ثوباً مدرجاً لا ينشر من جرابه - بكسر الجيم - اسم وعاء من جلد.
والمنابذة أن تبيعه ثوبك فتنبذه إليه، وينبذه إليك من غير تأمل منكما على الإلزام.
وأما لو كان على الخيار لجاز اهـ.
ومن المنهي عنه بيع الحصاة، وحقيقته - كما قال المصنف - لزومه بسقوط الحصى من يده أو فيما تسقط عليه فيلزم البيع بذلك، وكل ذلك باطل لا ينعقد البيع بتلك الصفات، ولا عبرة بها شرعاً، وهو بيع فاسد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وبيعتان في بيعة واحدة، وهو لزومه بأحد الثمنين مختلفتين في مثمن واحد، أو أحد مثمنين مختلفين بثمن واحد " يعني كما في القوانين لابن جزي في بيع الغرر أنه قال: النوع السادس بيعتان في بيعة، وهو أن يبيع مثموناً واحداً بأحد ثمنين مختلفين، أو بيع أحد مثمونين بثمن واحد، فالأول: أن يقول بعتك هذا الثوب بعشرة نقداً أو بعشرين إلى أجل على أن البيع قد لزم في أحدهما، أي أحد الثمنين.
والثاني: أن يقول بعتك أحد هذين الثوبين بكذا على أن
البيع قد لزم في أحدهما، أي أحد الثوبين اهـ. وقد اقتصر صاحب الرسالة على أحد المثالين، ونصها: ولا بيعتان في بيعة وذلك أن يشتري سلعة إما بخمسة نقداً أو عشرة إلى أجل قد لزمته بأحد الثمنين اهـ. قال خليل مشبهاً بالمنهي عنه: وكبيعتين في بيعة يبيعها بالإلزام بعشرة نقداً أو أكثر لأجل، أو سلعتين مختلفتين إلا بجودة ورداءة وإن اختلفت قيمتهما، لا طعام وإن مع غيره اهـ. انظر في جميع ذلك الموطأ وشراح خليل.
ثم قال عاطفاً على المنهي عنه: " ودين بدين " أي كالئ بكالئ، من الكلاءة بكسر الكاف أي الحفظ وفي الحديث: (اللهم كلاءة ككلاءة الوليد) أي اللهم إنا نسألك حفظاً منك لأنفسنا كحفظ والدي المولود للمولود.
فوليد بمعنى مولود قاله الصاوي.
قال الله تعالى: ﴿قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن﴾ [الأنبياء: 42] وقال اللغويون:
الجزء: 2 - الصفحة: 245
الكالئ بالكالئ وهو النسيئة بالنسيئة أي الدين بالدين، وهو عند الفقهاء عبارة عن ثلاثة أشياء: بيع الدين بالدين، وابتداء الدين بالدين، وفسخ الدين في الدين: فأول الثلاثة وهو بيع الدين بالدين لا يتصور في أقل من ثلاثة أشخاص أو أربعة؛ لأنه لا بد فيه من تقدم عمارة ذمة أو ذمتين على البيع.
مثاله أن يكون لك على شخص مائة شقة مثلاً إلى أجل، فتبيعها من شخص آخر بمائة إلى أجل.
ومثاله في أربعة أشخاص: أن يكون لشخص منهم على آخر دين، والثالث على رابع دين، فباع كل من صاحبي الدينين ما يملكه من الدين بالدين الذي هو للآخر، قال بعضهم: مثاله بكر له دين على زيد، وخال له دين على عمرو، فيبيع خالد دينه الذي على عمرو بدين بكر الذي على زيد، وهذه الصورة تأتي في مواضعها زيادة على ما تقدم، وكلها ممتنعة، ولو كان كل من الدينين حالاً لعدم تأتي الحوالة هنا فتأمل اهـ قاله الصاوي مع طرف من النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " وبيع وشرط مناقض " يعني من المنهي عنه البيع مع شرط يناقض المقصود من البيع، كأن يبيعها بشرط ألا يركبها، أو لا يبيعها، أو لا يلبسها، أو لا يسكنها، أو لا يتخذها أم ولد، فهذه الأشياء إذا شرط البائع واحده منها يفسخ البيع على الأصح.
قال المواق: اختلف فيه إذا وقع، فقيل إنه يفسخ ما دام البائع متمسكاً بشرطه، فإن ترك الشرط صح البيع، وهذا هو المشهور في المذهب إلا في مسألة واحدة وهي شراء الرجل السلعة على أنه فيها خيار على أجل بعيد فإنه يفسخ فيها البيع على كل حال ولا يمضي إن رضي مشترط الخيار بترك الشرط؛ لأن رضاه بذلك ليس بترك منه للشرط، وإنما هو مختار للبيع على
الخيار الفاسد الذي اشترط اهـ. وقد ذكر ابن جزي في القوانين ككلام بعض أئمة المذاهب ثم قال: وفي المذهب تفصيل: فإن كان الشرط يقتضي التحجير على المشتري بطل الشرط والبيع إلا أن يسقط عن المشتري شرطه فيجوز البيع، وذلك مثل أن يشترط عليه أن لا يبيع ولا يهب، أو يشترط في الأمة أن
الجزء: 2 - الصفحة: 246
لا يتخذها أم ولد، أو ألا يسافر بها، فإن اشترط منفعة لنفسه كركوب الدابة أو سكنى الدار مدة معلومة جاز البيع والشرط، وإن شرط ما لا يجوز إلا أنه خفيف جاز البيع والشرط.
مثل أن يشترط غاية النهاية لم يأته بالثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما، فإن قال البائع: متى جئتك بالثمن رددت إلي المبيع لم يجز، واختلف في من شرط على المشتري ألا يبيع حتى ينصف من الثمن، ومن هذا النوع البيع باشتراط السلف من أحد المتنايعين، وهو لا يجوز بإجماع إذا عزم مشترطه عليه، فإن أسقطه جاز البيع خلافاً لهم أي للأئمة الثلاثة اهـ.
قال رحمه الله تعالى ك " وبيع وسلف، فإن رد السلف قبل فسخه مضى " تقدم الكلام عن هذه الجملة فيما قبلها في آخر كلام ابن جزي المتقدم آنفاً من قوله: ومن هذا النوع البيع باشتراط السلف إلخ، وهو مما نهى عنه؛ لأنه لا يجوز لأحد المتبايعين أن يشترط على صاحبه سلفاً؛ لأن اشتراط السلف عند البيع يخل بالثمن وهو منهي.
قال النفراوي: ومعنى إخلاله بالثمن أنه يقتضي إما كثرته إن كان الشرط من المشتري، أو نقصه إن كان الشرط من البائع.
وأما اجتماع البيع والسلف من غير شرط فلا يمتنع على المعتمد، ولو اتهما عليه، خلافاً لما جرى عليه خليل في بيوع الآجال اهـ. قال مالك في المدونة في البيع والسلف: إذا ترك الذي اشترط أخذ السلف ما اشترط صحت العقدة.
قال وهو مخالف لبعض البيوع الفاسدة كلها اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: أو يخل بالثمن، كبيع بشرط سلف، وصح إن حذف الشرط ولو غاب عليه.
وفيه إن فات الأكثر من الثمن والقيمة يوم قبضه إن أسلف المشتري، أي إن كان المشتري هو الدافع للسلف وإلا فالعكس، يعني بأن أسلف البائع للمشتري فينعكس الحكم فيلزم المشتري أقل من الثمن والقيمةاهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " وبيع العربان وهو دفع بعض الثمن على أنه إن لم
الجزء: 2 - الصفحة: 247
يتم البيع لم يرجع به " يعني أن بيع العربان من البيوع المنهي عنها.
عن مالك في الموطأ بإسناده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربان " قال مالك: وذلك فيما نرى - والله أعلم - أن يشتري الرجل العبد أو الوليدة، أو يتكارى الدابة ثم يقول للذي اشترى منه أو تكارى منه: أعطيك ديناراً أو درهماً أو أكثر من ذلك أو أقل على أني
إن أخذت السلعة أو ركبت ما تكاريت منك فالذي أعطيتك هو من ثمن السلعة أو من كراء الدابة، وإن تركت ابتياع السلعة أو كراء الدابة فما أعطيتك لك باطل بغير شيء اهـ قال ابن جزي: النوع الثالث بيع العربان وهو ممنوع إن كان على ألا يرد البائع العربان إلى المشتري إذا لم يتم البيع بينهما، فإن كان على أن يرده إليه إذا لم يتم البيع فهو جائز اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والنجش وهو أن يزيد ليغر غيره " يعني من المنهي عنه النجش، يقال نجش الرجل نجشاً - قال في المصباح: من باب قتل - إذا زاد في سلعة أكثر من ثمنها وليس قصده أن يشتريها بل ليغر غيره فيوقعه فيه، وكذلك في النكاح وغيره.
والاسم النجش بفتحتين، والفاعل ناجش ونجاش مبالغة.
وفي الحديث (لا تناشجوا) أي لا تفعلوا ذلك.
وأصل النجش الاستتار لأنه يستر قصده.
ومنه يقال للصائد ناجش لاستتاره اهـ. قال ابن جزي: ويحرم النجش في المزايدة، وهو أن يزيد الرجل في السلعة وليس له حاجة بها إلا ليغلي ثمنها ولينفع صاحبها اهـ. قال العلامة الجزيري في الفقه: البيوع المنهي عنها نهياً لا يستلزم بطلانها كثيرة، ومنها بيع النجش بفتح النون وسكون الجيم، وهو الزيادة في البيع، بأن يزيد الشخص في السلعة على قيمتها من غير أن يكون له حاجة إليها، ولكنه يريد أن يوقع غيره في شرائها، وهو حرام نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى في الموطأ عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: " نهى عن بيع النجش " فإن كان البائع متواطئاً مع الناجش كما يفعل بعض التجار فإن
الجزء: 2 - الصفحة: 248
الإثم يكون عليهما معاً، وإلا فإن الإثم يكون على الناجش وحده، أما إذا لم تزد السلعة على قيمتها فإنه لا يكون حراماً.
قال المالكية: إذا علم البائع بالناجش ورضي عن فعله فسكت حتى تم البيع كان البيع صحيحاً، ولكن للمشتري الخيار في أن يمسك المبيع أو يرده، فإن ضاع المبيع وهو عنده قبل أن يرده للبائع فإنه يلزمه أن يدفع الأقل من الثمن والقيمة، وتعتبر القيمة يوم العقد لا يوم القبض، أما إذا لم يكن البائع عالماً فإنه لا خيار للمشتري على أي حال اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والسوم على سوم أخيه بعد الركون إلى الأول " يعني من المنهي عنه السوم على سوم أخيه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يسوم الرجل على سوم أخيه) رواه الشيخان.
وفي رواية في الموطأ: (لا يبع بعضكم على بيع بعض ولا يسم على سومه) قال مالك: وتفسير قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما نرى والله أعلم لا يبع بعضكم على بيع بعض أنه إنما نهى عن أن يسوم الرجل على سوم أخيه إذا ركن البائع إلى السائم وجعل يشترط وزن الدراهم ويتبرأ من العيوب وما أشبه ذلك مما
يعرف به أن البائع ركن إلى المشتري، فهذا الذي نهى عنه.
والله أعلم.
أما قبل التراكن والتقارب فجائز لأنه لو ترك لدخل الضرر على الباعة في سلعهم؛ لأنه يؤدي إلى بخسها وبيعها بالنقص اهـ. قال العلامة عبد الرحمن الجزيري في الفقه: السوم على السوم المنهي عنه هو أن يتفق المتبايعان على بيع سلعة بثمن ويتراضيا عليه مبدئياً فيأتي رجل آخر فيساوم المالك بسعر أكثر من السعر الذي رضي به، كأن يقول له: لا تبعه وأنا أشتريه منك بأكثر من السعر الذي رضيت به.
ومثله ما إذا رضي المشتري بالبيع مبدئياً فجاء آخر وقال له رده وأنا أعطيك أحسن منه، أو أعطيك بثمن أقل، وهذا هو المنهي عنه.
قال النفراوي: ومثاله أيضاً أن يحضر شخص لصاحب سلعة يريد شراءها منه، فيأتي شخص آخر بسلعة ويقول لمن يريد الشراء المذكور: سلعتي هذه خير لك من سلعة فلان التي أردت شراءها، وأنا أرضى منك بما أعطيت في
الجزء: 2 - الصفحة: 249
سلعة فلان.
ولا شك في حرمة هذا لأنه يؤدي إلى التباغض.
وكل ذلك إذا ركنا وتقاربا لا في أول التساوم فتأمل اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وأما المزايدة فهي أن ينادى على السلعة ويزيد الناس فيها بعضهم على بعض حتى تقف على أخر زائد فيها فيأخذها، وليس هذا مما نهى عنه من مساومة الرجل على سوم أخيه؛ لأنه لم يقع هنا ركون ولا تقارب.
ثم قال: فإن أعطى رجلان في سلعة ثمناً واحداً تشاركا فيها.
وقيل إنها للأول اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والساج مدرجاً والثوب مطوياً " يعني من البيع المنهي عنه بيع الساج مدرجاً والثوب مطوياً.
قال في الرسالة: ولا يجوز شراء ثوب لا ينشر ولا يوصف أو في ليل مظلم اهـ. والمضر اشتراط لزوم البيع بمجرد حضور السلعة عند المشتري بدون نشرها ولا تأمل، ولا على خيار، أما لو وقع العقد على الخيار بالرؤية والتأمل لجاز ولو لم يذكر نوعه ولا جنسه.
قوله: مطوياً أما لو نشر لجاز الشراء بلا خلاف ولو على اللزوم.
أما الوصف فقط فلا يجوز على أحد قولين لمالك في الشيرج المدرج في جرابه اهـ. وفي شرح ابن ناجي على الرسالة نقلاً عن ابن المواز قال: اختلف قول مالك هل يجوز بيع الساج المدرج في جرابه على الصفة أم لا على قولين، قال ابن عبد البر: بيع الثوب في طيه دون أن ينظر إليه لا يجوز عند الجميع لأنه من معنى بيع الملامسة، فإن عرف ذرعه طولاً وعرضاً ونظر إلى الشيء منه واشترى على ذلك جاز، فإذا خالف كان له القيام كالعيب لأنها مسألة أخرى، ولذلك لم يحك فيه خلافاً، وعرضت هذه على بعض من لقيناه فأقره واستحسنه اهـ. قال ابن جزي: يجوز بيع ما في الأعدال من الثياب
على وصف البرنامج، بخلاف الثوب المطوي دون تقليب ونشر اهـ. قال زروق في شرحه على الرسالة: وفي الموطأ جواز بيع البرنامج، بخلاف الساج المدرج، قال وفرق بينهما عمل الماضين ومعرفته في صدور الناس.
وعن ابن حبيب فرق
الجزء: 2 - الصفحة: 250
بينهما كثرة الثياب وعظم المؤونة في الفتح.
قال أبو عمر: إذا خرج طرف الثوب أجزأه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " بخلاف أعدال البز على البرنامج " فيجوز.
قال خليل: وجاز برؤية بعض المثلي والصوان، وعلى البرنامج، ثم قال: وحلف مدع لبيع برنامج أنه موافق للمكتوب.
قال مالك في الموطأ في الرجل يقدم له أصناف من البز ويحضره السوام، ويقرأ عليهم برنامجه ويقول: في كل عدل كذا وكذا ملحفة بصرية، وكذا وكذا ريطة سابرية ذرعها كذا وكذا، ويسمي لهم أصنافاً من البز بأجناسه، ويقول اشتروا مني على هذه الصفة فيشترون الأعدال على ما وصف لهم، ثم يفتحونها فيستغلونها ويندمون، قال مالك: وهذا الأمر الذي لم يزل عليه الناس عندما يجيزونه بينهم إذا كان المتاع موافقاً للبرنامج ولم يكن مخالفاً له اهـ. ومثله في المدونة.
وفيها: فكفى بقول مالك حجة، فكيف وقد أخبر أنه فعل الناس مع ما ذكرنا من الآثار أي من حديث أبي هريرة اهـ.
ثم ذكر جملة من بيوع الغرر فقال رحمه الله تعالى: " ولا بيع الغرر وهو ما يتعذر تسليمه أو لا ينتفع به كالمشرف، ولا مجهول كشاه من شياه، وعبد من عبيد، ولحم في جلده، وحب في سنبله، أو مختلط بتبنه " يعني مما نهى عنه واتفق على منعه أهل العلم بيع الغرر إلا إذا كان الغرر يسيراً جداً فيغتفر، وتقدم كثير من أحكامه.
وعن مالك في الموطأ بإسناده عن سعيد بن المسيب " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر " قال مالك: ومن الغرر والمخاطرة أن يعمد الرجل قد ضلت دابته أو أبق غلامه، وثمن الشيء من ذلك خمسون ديناراً، فيقول رجل أنا آخذه منك بعشرين ديناراً، فإن وجده المبتاع ذهب من البائع ثلاثون ديناراً، وإن لم
الجزء: 2 - الصفحة: 251
يجده ذهب البائع من المبتاع بعشرين ديناراً، قال مالك: وفي ذلك عيب آخر أن تلك الضالة غاية النهاية وجدت لم يدر أزادت أم نقصت أم ما حدث بها من العيوب، فهذا أعظم ما في المخاطرة.
قال مالك: والأمر عندنا أن من المخاطرة والغرر اشتراء ما في بطون الإناث من النساء والدواب؛ لأنه لا يدري أيخرج أم لا يخرج، وإن خرج لم يدر أيكون حسناً أم قبيحاً، أم تاماً أم ناقصاً، أم ذكراً أم أنثى، وذلك كله يتفاضل إن كان على كذا فقيمته كذا، وإن كان على كذا فقيمته كذا اهـ.
ومن الغرر بيع ما يتعذر تسليمه كالبعير الشارد، والعبد الآبق كما تقدم،
والطير في الهواء، والسمك في الماء.
ومن ذلك ما لا ترجى سلامته ولا ينتفع به بعد الشراء، وذلك كالمريض المشرف.
ومن الغرر المنهي عنه الجهل بعين المثمون كبيع شاة من شياه غير معينة أو عبد من عبيد غير معين، أو بيع لحم في جلده قبل سلخ الشاة، وكل ذلك ممنوع للغرر.
وتقدم الكلام في بيع الحيوان باللحم فراجعه إن شئت في الكلام على المزابنة.
وكذلك من الغرر المنهي عنه الجهل بالثمن، أي كما لا يجوز البيع لجهل المثمون كذلك لا يجوز إذا جهل مقدار الثمن، وذلك كقول البائع للمشتري: بعتك سلعتي هذه بسعر اليوم، أو بما يبيع الناس، أو بما يقول فلان، إلا بيع الجزاف، وقد تقدم حكمه.
قال ابن جزي وغيره: ولا يجوز بيع القمح في سنبله للجهل به.
ويجوز بيعه مع سنبله، وكذلك لا يجوز بيعه في تبنه ويجوز بيعه مع تبنه، ولا يجوز بيع تراب الصاغة، ولا يجوز بيعه بعد تصفيته لنفي علة الجهل بالمثمون فيها.
ومن المنهي عنه الجهل بالأجل، ولا يجوز البيع لأجل مجهول كما تقدم، وذلك مثل قدوم زيد، أو يوم موت عمرو، أو حتى تمطر السماء، كل ذلك مما لا يجوز للجهل
الجزء: 2 - الصفحة: 252
والغرر، ويجوز أن يقول إلى الحصاد، أو إلى معظم الدراس، أو إلى شهر كذا ونحوه، ويحمل على وسطه اهـ بتصرف وإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز أذرع من ثوب أو قفيز من صبرة معينة " يعني يجوز بيع أذرع من جملة الثياب أو بيع قفيز أو صاع من صبرة معينة.
قال الدردير في أقرب المسالك عاطفاً على الجائزات: وصاع، أو كل صاع من صبرة، أو كل ذراع من شقة، أو كل رطل من زيت إن أريد الكل أو عين قدر وإلا فلا اهـ. وقد تبع في اشتراط الكل خليلاً: إلا أنه لما عين القدر المعلوم من الصبرة المعينة كما قال المصنف، أو من الشقة المعينة، أو من الزيت المعين جاز البيع بالتعيين وانتفت العلة المانعة وهي الجهل بالثمن والمثمون.
ولا فرق في ذلك بين المكيلات والموزونات والمقيسات، فيجوز شراء ذلك من الصبرة المعيينة، أو الشقة المعينة إذا عين قدراً معلوماً كصاع، أو عشرة أصوع بكذا، أو ذراع أو عشرة أذرع، أو رطل أو عشرة أرطال، أو نحو ذلك اهـ بحذف.
وفي المواق: قال ابن عرفه: الروايات معها جواز بيع عدد آصع أو أقفزة من صبرة أو كلها على الكيل كل صاع أو قفيز بكذا اهـ. قال الخرشي يعني أنه يجوز بيع عدد أصوع من صبرة معلومة الصيعان أو مجهولتها، وكذا شراء كل صاع بكذا من هذه الصبرة والمشتري جميعها، سواء كانت معلومة الصيعان أو مجهولتها على المذهب اهـ.
قال رحمه الله تعالى ك " ولا بيع حاضر لباد بخلاف شرائه " يعني من المنهي
عنه أن بيع الحاضر لباد، بخلاف شراء الحاضر له فيجوز كما يأتي.
وفي الصحيح عن أبي هريرة قال: " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبيع حاضر لباد " وعن طاوس عن ابن عباس بلفظ " ولا بيع حاضر لباد، قلت لابن عباس: ما قوله ولا بيع حاضر لباد؟ قال لا يكون له سمساراً " متفق عليه.
قال ابن جزي في القوانين: النوع الرابع: بيع حاضر لباد من الذين لا يعرفون الأسعار.
وقيل لكل وارد على مكان وإن كان
الجزء: 2 - الصفحة: 253
من مدينة، وتعريفه بالسعر كالبيع فلا يجوز، واختلف في شرائه له اهـ. قال العلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري في الفقه: منها أي من البيوع المنهي عنها بيع الحاضر للبادي، وهو أن يتولى شخص من سكان الحضر السلعة التي يأتي بها البدوي من البادية بقصد بيعتها دفعة واحدة، فبيعها الحضري على مثله تدرجاً، فيضيق على الناس ويرفع ثمن السلعة.
وعند السادة المالكية: لا يجوز أن يتولى أحد من سكان الحضر بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية بشرطين: أحدهما: أن يكون البيع لحاضر، فإذا باع لبدوي مثله فإنه يجوز.
ثانيهما: أن يكون ثمن السلعة غير معروف بالحاضرة، فإن كان معروفاً فإنه يصح، وذلك لأن علة النهي تركهم يبيعون للناس برخص فينتفع الناس منهم، فغذا كانوا عارفين بالأسعار فإنه لا فرق حينئذ بين أن يبيعوا بأنفسهم وبين أن يبيع لهم السماسرة.
وقيل لا يجوز مطلقاً.
أما شراء ساكن الحاضرة لأهل البادية فإنه يجوز وهل سكان القرى الصغيرة مثل سكان البوادي؟ قولان، أظهرهما أنه يجوز أن يتولى سكان الحاضرة بيع السلع التي يأتي بها سكان البادية مع وجود الشرطين المذكورين فإن البيع يفسخ ويرد المبيع لبائعه ما لم يكن قد استهلكه فإنه ينفذ بالثمن، ويكون كل من البائع والمشتري والسمسار قد ارتكب معصية يؤدب عليها، ويعذر فاعلها بالجهل بالتحريم اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يتلقى الأقوياء الركب ليختصوا بشراء ما جلبوه، ويخير أهل البلد في مشاركتهم، وفي فسخها خلاف " يعني من المنهي عنه الخروج لتلقي الركبان.
وفي الموطأ عن مالك بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تلقوا الركبان للبيع) الحديث.
قال ابن جزي في القوانين:
الجزء: 2 - الصفحة: 254
النوع الخامس: أي من البيوع المنهي عنه تلقي السلعة على ميل، وقيل على فرسخين، وقيل على مسيرة يوم فأكثر قبل أن تصل إلى الأسواق، وهو لا يجوز لحق أهل الأسواق، فإن وقع اختلف في تأديب المتلقي وفي اشتراك أهل السوق معه.
قال الشافعي: إنما يمنع لحق صاحب السلعة فهو بالخيار، وأجازه أبو حنيفة اهـ. وحاصل فقه المسألة
على المشهور في المذهب أنه: لا يجوز تلقي السلع التي ترد إلى بلد من البلدان لتباع فيها، فلا يحل لشخص أن يقف خارج البلدة ويتلقى البائعين الذين يحضرون بسلعهم فيشتريها منهم؛ لأن في ذلك إضراراً بأهل البلدة وتضييقاً عليهم، فإذا ابتعد عن البلدة مسافة ستة أميال فإنه يصح له حينئذ أن يشتري من تلك السلع ما يشاء، سواء كان لتجارة أو لقوت، وسواء كانت البلدة الواردة إليها السلع لها سوق أو لا على المعتمد.
أما من كان على مسافة أقل من ستة أميال فإن كان للبلد سوق فإنه لا يجوز له أن يشتري للتجارة، أما للقوت فإنه يجوز، وإن لم يكن لها سوق فإنه يجوز أن يشتري للتجارة والقوت، فإذا وصلت السلع إلى البلد فإن كان لها سوق فلا يجوز الأخذ منها مطلقاً إلا إذا وصلت إلى السوق، وإن لم يكن لها سوق جاز الأخذ منها مطلقاً للتجارة والقوت.
وإذا كان صاحب السلعة في البلد والسلعة في بلد آخر وكان يريد أن يأتي بها ليبيعها في سوق البلدة الموجود فيها فإنه لا يجوز شراؤها منه بالوصف قبل وصولها أيضاً.
وشراء السلعة الممنوع تلقيها صحيح، ويضمن المشتري بعد شرائها أو يلزم بعرضها على أهل السوق ليشاركه فيها من يشاء؟ قولان مشهوران.
ويستثنى من هذه السلع الثمار والخبز وحمال الساقيين اهـ. قاله الجزيري فراجعه إن شئت.
ثم ذكر العينة، وهو من المنهي عنه.
قال رحمه الله تعالى: " وتمنع العينة وهو أن يقول اشتر لي من مالك بعشرة وهي لي باثني عشرة إلى أجل كذا، فإن فاتت في يده لزمه ما اشتريت به وسقط الزائد والأجل " يعني كما قال الدردير،
الجزء: 2 - الصفحة: 255
وإنما تمنع العينة لما فيها من تهمة سلف جر نفعاً؛ لأنه كأنه سلفه عشرة ثمن السلعة يأخذ عنها بعد الأجل اثني عشر.
قال ابن جزي في القوانين: النوع الثاني: - أي من المنهي عنه -: العينة، وهو أن يظهرا فعل ما يجوز ليتوصلا به إلى ما لا يجوز، فيمنع للتهمة سداً للذرائع، خلافاً لهم.
وهي ثلاثة أقسام: الأول: أن يقول رجل لآخر اشتر لي سلعة بكذا وأربحك فيها كذا، مثل أن يقول اشترها بعشرة وأعطيك فيها خمسة عشر إلى أجل، فإن هذا يؤول إلى الربا؛ لأن مذهب مالك أن ينظر ما خرج من اليد ودخل فيها ويلغي الوسائط، فكأن هذا الرجل أعطى لأحد عشرة دنانير وأخذ منه خمسة عشر ديناراً إلى أجل، والسلعة واسطة فتلغى.
الثاني: لو قال له اشتر لي سلعة وأنا أربحك فيها، ولم يسم الثمن، فهذا مكروه وليس بحرام.
الثالث: أن يطلب السلعة عنده فلا يجدها، ثم يشتريها الآخر من غير أمره، ويقول قد اشتريت السلعة التي طلبت مني فاشتر مني إن شئت فيجوز أن
يبيعها منه نقداً أو نسيئة بمثل ما اشتراها به أقل أو أكثر اهـ. وإلى هذا القسم أشار خليل بقوله: جاز لمطلوب منه سلعة أن يشتريها ليبيعها بمال ولو بمؤجل بعضه، وكره خذ بمائة ما بثمانين إلخ.
وفي الرسالة: ولا يجوز بيع ما ليس عندك على أن يكون عليك حالاً، وأصله ما في الموطأ من قول عبد الله بن عمر للمبتاع: لا تبتع منه ما ليس عنده، وقال للبائع: لا تبع ما ليس عندك فراجعه إن شئت.
ثم نذكر هنا بعض ما تقدم من الغرر وما سيأتي مما ذكره صاحب الرسالة من قوله: وكل عقد بيع أو إجارة أو كراء يخطر أو غرر في ثمن أو مثمون أو أجل فلا يجوز.
ولا يجوز بيع الغرر، ولا بيع شيء مجهول، ولا إلى أجل مجهول ولا يجوز في البيوع التدليس، ولا الغش، ولا الخلابة، ولا الخديعة، ولا كتمان العيوب، ولا خلط دنيء بجديد، ولا أن يكتم من أمر سلعته ما إذا ذكره كرهه المبتاع، أو كان ذكره أبخس له في الثمن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن باع سلعة إلى أجل لم يجز له شراؤها بأقل من
الجزء: 2 - الصفحة: 256
الثمن، نقداً أو إلى أجل أدنى، أو بأكثر إلى أبعد، بخلافة بمثله أو أكثر نقداً " يعني كما في الرسالة، ونصها: وإذا بعت سلعة بثمن مؤجل فلا تشترها بأقل منه نقداً، أو إلى أجل دون الأجل الأول، ولا بأكثر منه على أبعد من أجله.
وأما إلى الأجل نفسه فذلك كله جائز وتكون مقاصة اهـ. انظر تفصيل ذلك في الباب الحادي عشر من كتاب القوانين الفقهية لابن جزي، وفيه غنية لهذه المسألة.
قال رحمه الله تعالى: " ويمنع البيع يوم الجمعة ما بين النداء وانقضائها ممن تلزمه " يعني لا يجوز عقد البيع ما بين النداء والصلاة يوم الجمعة لمن تلزمه الجمعة، للنهي الوارد في ذلك.
قال سبحانه وتعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذالكم خير لكم إن كنتم تعلمون فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون﴾ [الجمعة: 9، 10] أي تفوزون بالجنة، قد أمر الله تعالى بترك عقد البيع عند النداء في يوم الجمعة، وأمر أيضاً بالسعي إلى الصلاة اعتناء بشأنها، حتى إن من عقد البيع وقت النهي يعاقب عليه بفسخه عند إمامنا مالك، خلافاً للشافعي، إلا أنه فعل ما حرم الله تعالى، ولا يفسخ عنده.
قال العلامة الصاوي في حاشيته على الجلالين: فالمراد بالبيع العقد بتمامه، فهو خطاب لكل من البائع والمشتري.
ومثل البيع والشراء الإجازة والشفعة، والتولية، والإقالة، فإن وقعت حرمت وفسخت عند مالك.
وعند الشافعي تحرم ولا تفسخ اهـ. وفي تفسير ابن جزي عند قوله تعالى: ﴿وذروا البيع﴾ [الجمعة: 9] أمر بترك البيع يوم الجمعة إذا أخذ
المؤذنون في الأذان، وذلك على الوجوب، فيقتضي تحريم البيع.
واختلف في البيع الذي يعقد في ذلك الوقت هل يفسخ أم لا؟ واختلف في بيع من لا تلزمهم الجمعة من النساء والعبيد هل يجوز في ذلك الوقت أم لا؟ والأظهر
الجزء: 2 - الصفحة: 257
جوازه لأنه إنما منع منه من يدعى إلى الجمعة، ويجري النكاح في ذلك الوقت مجرى البيع في المنع اهـ.
قوله: ويجري النكاح إلخ، قال الدردير في المسالك: وفسخ بيع ونحوه بأذان ثان، فإن فات فالقيمة حين القبض.
قال: ومفهوم بيع ونحوه أن النكاح والهبة والصدقة والكتابة لا تفسخ إن وقعت عند الأذان الثاني وإن حرم اهـ. وفي القوانين أيضاً لابن جزي أنه قال: النوع السابع - أي من البيوع المنهي عنها - البيع يوم الجمعة من حين يصعد الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، ويفسخ في المشهور خلافاً لهما اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وبيع الملاهي وآلات القمار " يعني من المنهي عنه بيع الملاهي فلا يجوز بيع آلة اللهو كالعود والمزمار وجميع آلات اللهو التي تشغل عن ذكر الله وعن الصلاة.
ولا يجوز بيع آلة القمار وهو ما يأخذه الشخص من غيره بسبب المغالبة عند اللعب بنحو الشطرنج أو النرد أو الطاب أو المسابقة على غير الوجه الشرعي.
ولا يجوز بيع آلة الغناء، ولا جارية مغنية.
وقال بهرام في الشامل: وترد شهادة المغني والمغنية، والنائح والنائحة.
وسماع العود حرام على الأصح إلا في عرس أو صنيع ليس فيه شراب مسكر فإنه يكره فقط، وغير العود من بقية الآلات التي يلعب بها يجري فيها ما في العود اهـ. نقله النفراوي.
قال في الرسالة: ولا يحل لك أن تتعمد سماع الباطل كله، ولا أن تتلذذ بسماع كلام امرأة لا تحل لك، ولا سماع شيء من الملاهي والغناء، ولا قراءة القرآن باللحون المرجعة كترجيع الغناء، وليجل كتاب الله العزيز أن يتلى إلا بسكينة ووقار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وأعيان النجس " وفي نسخة النجسة بالتاء المكفوفة والأولى حذفها هنا.
والمعنى من البيوع المنهي عنها بيع أعيان النجس.
قال الجزيري: لا يصح بيع النجس عند المالكية، كعظم الميتة، وجلدها ولو دبغ لأنه لا يطهر بالدبغ:
الجزء: 2 - الصفحة: 258
كالخمر والخنزير، وزبل ما لا يؤكل لحمه سواء كان أكله محرماً كالخيل والبغال والحمير، أو مكروهاً كالسبع والضبع والثعلب والذئب والهر؛ فإن فضلات هذه الحيوانات ونحوها لا يصح بيعها، وكذلك لا يصح بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كزيت وعسل وسمن وقعت فيه نجاسة على المشهور، فإن الزيت لا يطهر بالغسل، وبعضهم يقول: إن بيع الزيت المتنجس ونحوه صحيح؛ لأن نجاسته لا توجب إتلافه؛ فإن بعضهم يقول: إن الزيت يمكن تطهيره بالغسل.
أما المتنجس الذي يمكن تطهيره كالثوب فإنه يجوز بيعه، ويجب على البائع أن يبين ما فيه من النجاسة فإن لم يبين كان للمشتري حق الخيار اهـ. بحذف.
وإلى ذلك أشار الدردير بقوله: فلا يباع كزبل وجلد ميتة ولو دبغ، وخمر وزيت تنجس اهـ. انظر شراح خليل.
وأما قول ابن عاصم في تحفة الحكام:
ونجس صفقته محظورة ... ورخصوا الزبل للضرورة
انظر الصاوي وغيره تجد فيه أقوال أئمة المذهب.
والله أعلم بالصواب.
قال رحمه الله تعالى: " وما لا منفعة فيه " يعني من المبيع المنهي عنه بيع ما لا منفعة فيه، وتقدم الكلام فيما لا ينتفع به بعد وقوع البيع فيه كالمريض المشرف على الموت فإنه لا يجوز بيعه لعدم الانتفاع به.
قال الدردير عاطفاً على ما لا يجوز بيعه: ولا يصح أن يباع ما بلغ السياق: أي نزع الروح بحيث لا يدرك بزكاة لو كان مباح الأكل، لعدم الانتفاع به.
وفي الحطاب: أما إذا بيع قبل أن يشرف فإنه يجوز بيعه ولو كان مرضه مخوفاً على الأصح اهـ. ومما لا يجوز بيعه القرد؛ لأنه لا ينتفع به انتفاعاً شرعياً.
قال الحطاب في الفرع الثالث: القرد مما لا منفعة فيه، فلا يصح بيعه ولا تملكه.
قال في أول البيوع من المتيطية: ما لا يصح ملكه ولا يصح بيعه إجماعاً كالحر، والخمر، والخنزير، والقرد، والدم، والميتة، وما أشبه ذلك اهـ. وفي المسائل الملقوطة: لا يجوز بيع الحر والخنزير والقرد والخمر والدم، والميتة والنجاسة وما لا منفعة فيه كخشاش الأرض والحيات
الجزء: 2 - الصفحة: 259
والكلاب غير المأذون في اتخاذها، وتراب الصواغين، وآلة اللاهي والأحباس، ولحوم الضحايا، والمدبر والمكاتب، والحيوان المريض مرضاً مخوفاً، والأمة الحامل بعد ستة أشهر، والحيوان بشرط الحمل، وما في بطون الحيوان واستثناؤه، والطير في الهواء، والسمك في الماء، والعبد الآبق، والجمل الشارد، والغائب على غير صفة، والبيع بغير تقليب، وملك الغير، والمغضوب، وكل ما فيه خصومة، والدين على الميت والغائب، وما لم يبد صلاحه، والدار بشرط سكناها أكثر من سنة، والدابة بشرط ركوبها أياماً كثيرة، والبيع بثمن مجهول، وإلى أجل مجهول، وفي وقت صلاة الجمعة.
اختصرت ذلك من وثائق الغرناطي.
انتهى كلامه.
والمقصود منه الكلام على منع بيع القرد وبقية ذلك أو أكثر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " أو فيه ضرر من الخشاش والحيوانات " يعني من المنهي عنه بيع ما فيه ضرر كالحيوانات ذات السم كالعقرب، والحيات، وجميع الخشاش التي تضر الإنسان يتألم بلدغها ويتأذى بها في جسده أو عقله فإنه لا يجوز بيعها لضررها وعدم نفعها بل وجب اجتنابها لحفظ النفس الذي هو واجب على
الإنسان، كما يجب عليه دفع الصائل وقتل كل مؤذ إن قدر عليه لدفع أذيته.
قال رحمه الله تعالى: " بخلاف الهر " بكسر الهاء وتشديد الراء، يعني أنه يجوز بيع الهر، قال ابن ناجي: ولا أعلم فيه خلافاً.
قال خليل: وجاز هر وسبع للجلد.
وقال الجزولي في شرح الرسالة: وأما السنور فقيل: يكره بيعه وهو الصحيح اهـ. قال المواق في المدونة: قال مالك: يجوز بيع الهر اهـ. قال ابن القاسم في المدونة: أما بيع السباع أحياء، والفهود، والنمور، والذئاب وشبهها، فإن كانت إنما تشترى وتذكى لجلدها فلا بأس بذلك؛ لأن مالكاً قال: إذا ذكيت السباع جاز لباس جلودها والصلاة عليها.
قال ابن القاسم: وجاز بيعها اهـ. ومثله في الرسالة.
ونصها:
الجزء: 2 - الصفحة: 260
ولا بأس بالصلاة على جلود السباع إذا ذكيت وبيعها اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وفي الكلب خلاف " يعني اختلف أئمة المذهب في بيع الكلب.
قال ابن عرفة: الكلب المنهي عن اتخاذه لا يجوز بيعه اتفاقاً، وفي غيره سبعة أقوال انظره في المواق.
قال مالك في الموطأ: أكره ثمن الكلب الضاري وغير الضاري، لنهي رسول الله صلى الله تعالى عليه وعلى آله وسلم عن ثمن الكلب.
قال بعضهم: وينبغي أن يلحق بيع الكلب بالممنوع اهـ. ثم إن المأذون في اتخاذه يجوز أخذه لزرع أو ماشية أو لصيد؛ لما ورد في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: (من اقتنى كلباً لا لصيد أو زرع أو ماشية نقص من أجره كل يوم قيراط) وفي رواية: " قيراطان " فلذا قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد في الرسالة: ولا يتخذ كلب في الدور في الحضر ولا في دور البادية إلا لزرع أو ماشية يصحبها في الصحراء، ثم يروح معها أو لصيد يصطاده لعيشه.
قال شارحها النفراوي: ولا حرج في اتخاذه لواحد من هذه الثلاثة.
ثم قال:
تنبيهات: الأول: ما ذكره المصنف من عدم جواز اتخاذ الكلاب في غير المسائل الثلاث مقيد بما إذا لم يضطر إلى اتخاذها لحفظ محله أو حفظ نفسه وإلا جاز، كما وقع للمصنف، يعني به صاحب الرسالة حين سقط حائط داره وكان يخاف على نفسه من الشيعة، فاتخذ كلباً، ولما قيل له: كيف تتخذه ومالك نهى عن اتخاذ الكلاب في غير المواضع الثلاثة؟ فقال: لو أدرك مالك زماننا لاتخذ أسداً ضارياً.
ولا ضمان على صاحب المأذون في اتخاذه فيما أتلفه إلا أن يصير أن يصير عقوراً وينذر صاحبه على يد بينة.
وقيل: لا بد من الإنذار على يد القاضي على قولين في المسألة فيضمن جميع ما يتلفه بعد الإنذار.
وجناية غير العقور من فعل العجماء وهو جبار، قاله الأجهوري: وأما غير المأذون في اتخاذه فيضمن متخذه جميع ما أتلفه ولو لم يتقدم لمتخذه إنذار.
والثاني: أي من التنبيهات لم يتكلم
المصنف على حكم قتل الكلاب، ومحصله أن المأذون في اتخاذه لا يجوز قتله على مذهب
الجزء: 2 - الصفحة: 261
مالك وأصحابه وكثير من العلماء، وعلى قاتله غرم قيمته لصحة ملكه وإن حرم بيعه؛ لأنه لا تلازم بين حرمة البيع وعدم غرم القيمة كأم الولد ولحم الضحية فيحرم بيعهما وتلزم قيمتهما من أتلفهما.
وأما غير المأذون في اتخاذه فلا غرم على قاتله لعدم صحة تملكه وجوازه، بل ندب قتله اهـ. قال الصاوي في حاشيته على الجلالين في سورة المائدة عند ورد الحديث المتقدم: ويؤخذ من هذا الحديث أن قتل غير النافع من الكلاب مندوب إن لم يكن عقوراً يخشى منه الضرر ولا يندفع إلا بالقتل، وإلا وجب قتله عند مالك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويمنع الكافر شراء المصحف أو عبد مسلم، ويجبر على إزالة ملكه عنه " يعني كما قال خليل في المختصر: ومنع بيع مسلم ومصحف وصغير لكافر، وأجبر على إخراجه أي عن ملكه، ولا يفسخ ولو كان المبيع قائماً اهـ. وعبارة الدردير في أقرب المسالك أنه قال: ومنع بيع مسلم وصغير ومجوسي ومصحف وحديث لكافر، وأجبر على إخراجه عن ملكه ببيع أو عتق ناجز، أو هبة ولو لولد صغير، وجاز رده عليه بعيب كأن أسلم عنده، وباعه الحاكم إن بعدت غيبة السيد اهـ. قال الحطاب: وأما المسلم والمصحف فلا يصح تقرر ملك الكافر عليهما، فلا يجوز بيعهما منه بلا خلاف، فإن وقع ذلك فاختلف فيه، فمذهب المدونة أن البيع يمضي ويجبر الكافر إخراج ذلك عن ملكه.
قال في المدونة في كتاب التجارة لأرض الحرب: فإن ابتاع الذمي أو المعاهد مسلماً أو مصحفاً أجبر على بيعه من مسلم ولم ينقص شراؤه اهـ. ثم قال: ولو كان الكافر المشتري له عبداً لمسلم فإنه يجبر على بيعه؛ لأنه له حتى ينزعه سيده.
وصرح المأزري بأنه المشهور كما قال المأزري، وهو مذهب المدونة، ومقابله أنه يفسخ إذا كان المبيع قائماً، ونسبه سحنون لأكثر أصحاب
الجزء: 2 - الصفحة: 262
مالك.
قال ابن رشد: والخلاف مقيد بما إذا علم البائع أن المشتري كافر، أما إذا ظن أنه مسلم فإنه لا يفسخ بلا خلاف ويجبر على إخراجه من ملكه بالبيع ونحوه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يفرق بين أمة وولدها، ولو مسبية أو من زنا، ويقبل قولها إنه ولدها، قيل إلى الإثغار، وقيل إلى البلوغ " يعني أنه من المنهي عنه تفريق الأمة بينها وبين ولدها في البيع؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من فرق بين والة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة) اهـ. رواه أحمد.
قال ابن جزي في القوانين: النوع الثامن، أي من البيوع المنهي عنها بيع الأم دون ولدها الصغير، أو
بيعه دونها، فلا يجوز التفريق بينهما حتى يثغر الولد، ما لم يعجل الإثغار.
ويجوز التفريق بينه وبين والده اهـ. وفي الرسالة: ولا يفرق بين الأم وولدها في البيع حتى يثغر اهـ.
وحاصل فقه المسألة - على ما في الفواكه للنفراوي - أنه يحرم أن يفرق بين الأم العاقلة وبين ولدها الصغير في البيع ونحوه من كل عقد معاوضة، فيشمل أنه لو دفع الولد أو الأم أجرة أو صداقاً، أو وهب أحدهما للثواب.
والمراد الأم دنية.
وقيد بالمعاوضة احترازاً من غير المعاوضة كدفع أحدهما صدقة أو هبة لغير ثواب بل لوجه المعطي فلا حرمة، ويجبران على جمعهما في ملك واحد.
وقيل يكتفى بجمعهما في حوز.
ويجوز التفريق بالعتق ويكتفى بجمعهما في حوز اتفاقاً.
فإذا أعتق الولد وباع الأم فيشترط على المشتري الإنفاق على الولد وكسوته إلى حصول الإثغار، وإن أعتق الأم وباع الولد اشترط على مشتريه جمعه مع أمه ونفقة الأم على نفسها.
وإن دبر أحدهما لم يجز له بيع الآخر وحده ولا مع الآخر.
قاله في المدونة، بخلاف ما لو كاتب أحدهما ثم باع كتابته وجب عليه بيع غير المكاتب مع كتابة المكاتب، ويشترط على المشتري ألا يفرق بينمها إذا عتق المكاتب حتى يحصل الإثغار.
وقيدنا بدنية لأنه لا تحرم
الجزء: 2 - الصفحة: 263
التفرقة بين الجدة وولد ولدها، كما لا تحرم بين الأب وو لده، ولا بين الأم وولدها من الرضاع؛ لأن المراد بالأم من النسب.
وقلنا العاقلة لأن حرمة التفرقة مختصة بالعقلاء دون غيرها على المشهور.
وبالغ خليل في حرمة التفرقة بقوله: وإن بقسمة للإشارة إلى أن من مات عن جارية وأولادها الصغار لا يجوز لورثته أن يأخذ واحد الأم والآخر الولد.
وتستمر الحرمة حتى يثغر الولد، فإن أثغر أي سقطت رواضعه ونبت غيرها ولو لم يتكامل نباتها جازت التفرقة.
ويكتفي ببلوغ زمنه المعتاد وهو بعد السبع ولو لم يثغر بالفعل، بناء على المشهور من أن عدم التفرقة حق للأم، ومشى عليه خليل حيث قال: ما لم ترض الأم وإلا جازت، ولو لم يحصل زمن الإثغار.
وتقدم الحديث على حرمة التفرقة على أول المسألة، وظاهره سواء كانت الأم مسلمة أو كافرة، لكن غير حربية، وسواء كان ولدها من زوجها أو من زنا، ولو كان مجنوناً وأمه كذلك إلا أن يخاف من أحدهما على الآخر، وأما الحربية فلا تحرم التفرقة بينها وبين ولدها، فيجوز لبعض المجاهدين أخذ الأم دون ولدها أو الولد دون أمه.
والمسبية مع صغير تدعي أنه ولدها فيقبل قولها حيث قامت قرينة على صدقها.
قال ابن عرفة: وتثبت البنوة المانعة للتفرقة بالبينة أو بإقرار مالكيها أو دعوى
الأم مع قرينة صدقها.
وتصديق المسبية إنما هو من جهة التفرقة فقط، لا في غيرها من أحكام البنوة، فلا يختلي بها إن كبر، ولا ترث من أقرت به، وأما هو فيرثها إن لم يكن لها وارث يحوز جميع المال.
وأما لو حصلت التفرقة على وجه الممنوع فالحكم فيه الفسخ إن لم يجمعاهما في ملك، إلا أن يمضي زمن الحرمة بأن لم يطلع على ذلك حتى حصل اإثغار المعتاد وإلا مضى البيع.
وأما لو حصلت التفرقة بغير معاوضة فقيل لا بد من جمعهما في ملك.
وقيل يكفى
الجزء: 2 - الصفحة: 264
جمعهما في حوز ولا سبيل إلى الفسخ.
ويضرب بائع التفرقة ومبتاعها كما قاله مالك وجميع أصحابه ولو لم يعتاداه.
ومحل ضربهما إن علما حرمة التفرقة وإلا عذرا بالجهل اهـ بحذف وتصرف.
ولما أنهى الكلام على المزابنة وحقيقتها، وذكر بعض الممنوعات في البيوع انتقل يتكلم في مسائل الثمن والمثمن، ويعبر عنهما بالعوضين لأن كل واحد من المتبايعين يأخذ ما بيد صاحبه عوضاً عما بيده ليحصل كل واحد منهما مراده بنيل ما بيد صاحبه على وجه الشرع كما في أول الكتاب.
ولذا قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يتعلق بالثمن والمثمن
أي في بيان ما يتعلق بمسائل الثمن والمثمن، وما فيهما من اختلاف المتبايعين، وبدأ بالكلام على الثمن والمثمن فقال رحمه الله تعالى:
" الثمن أحد العوضين، فيشترط نفي الغرر والجهالة عنه كالآخر " والمراد بالآخر: هو المثمن الذي هو أحد العوضين.
والمعنى أنه يشترط في الثمن والمثمن نفي الغرر ونفي الجهالة عن كل واحد منهما كما تقدم في بيع المزابنة.
قال ابن جزي في الممنوعات من بيوع الغرر: النوع الثاني: الجهل بجنس الثمن أو المثمن، كقوله بعتك ما في كمي فإنه لا يجوز.
النوع الثالث: الجهل بصفة أحدهما كقوله: بعتك ثوباً من منزلي، أو بيع شيء من غير تقليب ولا وصف فلا يجوز كما تقدم.
وقال في بيع الجزاف: غاية النهاية اشتراط عدم الإخبار أي بكمية كيله أو وزنه أو عدده مبطل للبيع.
قال أبو الحسن الأزهري: الثالث - أي من أركان البيع - المعقود عليه وهو الثمن والمثمن، ويشترط فيهما خمسة شروط إلى أن قال: والعلم بكل من الثمن والمثمن: فالجهل بهما أو بأحدهما مبطل، مثل أن يشتري بزنة حجر مجهول، وتراب الصواغين، وكذا تراب حانوت العطار لشدة الغرر، فإنه لا يدري ما يخرج منه اهـ مع طرف من الشرنوبي.
الجزء: 2 - الصفحة: 265
قال رحمه الله تعالى: " ويلزم بإطلاقه نقد البلد، فإن اختلف فالغالب، فإن
لم يكن لزمه تعيينه " يعني إذا وقع البيع بين المتبايعين ولم يذكرا النقد المضروب بعينه، بل وقع البيع على الإطلاق، كأن يقول البائع بعتك هذه السلعة بعشرين ريالاً مثلاً، ويقول المشتري اشتريت، فالعبرة بنقد البلد الذي وقع فيه البيع، فإن كانت في تلك البلدة أنواع مضروبات وكلها تروج ويتعاملون بها فالعبرة حينئذ بالغالب تعاملاً، فإن لم يكن الغالب لزم عليهما البيان وتعيين النقد الذي وقع به البيع، وإلا فسخ للجهل والغرر.
قال خليل: وجهل بثمن أو مثمن ولو تفصيلاً.
قال الحطاب: يعني أن من شرط صحة البيع أن يكون معلوم العوضين، فإن جهل الثمن أو المثمن لم يصح البيع.
وظاهر كلامه أنه متى حصل الجهل بأحد العوضين من المتبايعين أو من أحدهما فسد البيع، وصرح بذلك الشارح في الكبير، وهو ظاهر التوضيح أيضاً اهـ انظر فيه كلام ابن رشد.
قال الخرشي: ومما يشترط في البيع عدم الجهل بالمثمن والثمن، فلا بد من كونهما معلومين للبائع والمبتاع وإلا فسد البيع.
وجهل أحدهما كجهلهما على المذهب.
وقيل يخير الجاهل اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن اختلفا في جنسه تحالفا وتفاسخا، وأيهما نكل لزمه ما ادعاه الآخر " يعني كما في الرسالة، ونصها: وإذا اختلف المتبايعان استحلف البائع ثم يأخذ المبتاع، أو يحلف ويبرأ.
قال شارحها: استحلف البائع أولاً جبراً عليه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (فالقول ما قاله البائع) وفي رواية عن ابن مسعود قال: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة فالقول ما يقول رب السلعة أو يتتاركا) رواه الخمسة.
ثم إن حلف لزم البيع بما حلف عليه من جنس، أو نوع، أو قدر ثمن أو مثمن أو رهن، أو حميل فيأخذ المبتاع السلعة بما حلف عليه البائع، أو يحلف المبتاع إن نكل البائع ليبرأ مما ادعاه البائع، وحينئذ لكل الخيار بين
الجزء: 2 - الصفحة: 266
التمسك بما ادعاه خصمه والفسخ لكن بحكم حاكم، فلو نكل المبتاع أيضاً فإن العقد يفسخ أيضاً إن حكم به، ولا ينظر لشبه ولا عدمه، ولا لقيام السلعة وفواتها إذا كان الاختلاف في جنس الثمن أو المثمن، أو نوعهما، وإليه الإشارة بقول خليل: إن اختلف المتبايعان في جنس الثمن أو نوعه حلفا وفسخ، وترد السلعة مع القيام، وقيمتها أو مثلها مع الفوات اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " أو في قدره كذلك ما لم يفت المبيع بيد المشتري فيقبل قوله مع يمينه، وإن نكلا ترادا.
وقيل يلزم ما ادعاه البائع " قال النفراوي: وأما لو كان الاختلاف في قدر الثمن أو المثمن أو الرهن، أو الأجل، أو الحميل فكذلك إن كانت السلعة قائمة، ولا ينظر لسبه ولا عدمه.
وأما بعد فواتها فالقول للمشتري إن أشبه، فإن انفرد البائع بالشبه فالقول قوله بيمينه، وإن لم يشبها
فالفسخ إن حلفا أو نكلا.
قال خليل: وفي قدره كمثمونة، أو قدر أجل، أو رهن، أو حميل حلفاً وفسخ إن حكم به، ويكون الفسخ في الظاهر والباطن في جميع مسائل الفسخ، ثم قال أي خليل: وصدق مشتر ادعى الأشبه، وحلف إن فات، وإن لم يشبها حلفا وفسخ، وترد قيمة السلعة يوم فواتها، فتلخص أن الفسخ في الاختلاف في جنس المعقود عليه أو نوعه مطلق.
وفي الاختلاف في قدره أو في قدر الرهن أو لأجل مقيد بعدم فوات السلعة، وإلا صدق المشتري إن أشبه وحلف، فإن انفرد البائع بالشبه فالقول قوله بيمينه، فإن لم يوجد الشبه منهما فالفسخ إن حلفا أو نكلا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإن اختلفا في صفة العقد ففي الخيار قول منكره، وفي الصحة قول مدعيها، وفي التأجيل يرجع إلى عرف المبيع.
ولا يجوز البيع إلى أجل مجهول " قال النفراوي: فروع: الأول: لو اختلفا في الصحة والفساد فالقول قول مدعي الصحة، إلا عند غلبة الفساد فيكون القول لمدعيه، كادعاء أحدهما صحة الصرف
الجزء: 2 - الصفحة: 267
والآخر فساده؛ لأن الغالب فساد الصرف، ومثله السلم.
الثاني: إذا اختلفا في الخيار والبت فالقول لمدعي البت ولو مع قيام السلعة إلا لعرف بالخيار.
الثالث: لو ختلفا في قبض الثمن أو المثمن فالأصل البقاء، إلا لعرف كلحم أو بقل بان به.
الرابع: لو اختلفا في انقضاء الأجل المضروب لقبض الثمن فالقول لمن ادعى البقاء حيث فاتت السلعة وأشبه مدعيه، وأما مع قيامها فإنهما يتحالفان ويتفاسخان اهـ. وأما قوله: ولا يحوز البيع على أجل مجهول، وهو كذلك نحو قول أحدهما إلى المسيرة أو قدوم زيد، أو إلى موت عمرو، هذا أجل مجهول، فالجهل بالأجل مبطل للعقد في البيع كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والفاسد لا ينقل الملك، فإن فات بيد المشتري ضمن المثلي بمثله، والمقوم بقيمته، ولا يلزمه رد غلته " يعني أن المبيع بيعاً فاسداً لا ينقل عن ملك صاحبه، كما لا ينقل الملك عن البائع في بيع الخيار قبل مضي مدته.
قال ابن جزي: والفاسد ما أخل فيه شرط من شروط الصحة فيفسخ وترد السلعة إن كانت قائمة، فإن فاتت رد مثلها فيما له مثل، وهو المكيل والمعدود والموزون، ورد قيمتها فيما لا مثل له.
ويحصل الفوات بالأشياء الآتية: كتغير الذات، وتلفها كالموت، والعتق وهدم الدار، وغرس الأرض، وقلع غرسها، وفناء الشيء كأكل الطعام، وحوالة
الأسواق في غير الرباع.
قال في الرسالة: ولا تفيت الرباع حوالة الأسواق.
قال شارحها ولا بد من ردها لفساد بيعها.
فالحاصل أن المثليات والعقارات لا تفوت بحوالة الأسواق.
قال خليل في تصوير الفوات بتغير سوق غير مثلي وعقار، وبطول زمان حيوان، وفيها شهر وشهران، واختار أنه خلاف: وقال بل في شهادة، وبنقل عرض ومثلي لبلد بكلفة، وبتغير ذات غير مثلي كالهدم والبناء وكبر صغير الحيوان، وهزاله، وبالخروج عن يد
الجزء: 2 - الصفحة: 268
مشتريه بأن باع ما اشتراه، أو وهبه، أو وقفه، وبتعلق حق الغير به بأن رهنه أو آجره.
قال النفراوي: قد قدمنا أن المبيع بيعاً فاسداً باق على ملك بائعه؛ لأن العقد الفاسد لا ينقل الملك على الصحيح لوجوب فسخه شرعاً قبل الفوات.
قال الفاكهاني: جعل الضمان من البائع صريحاً في أن الفاسد لا ينقل الملك، وجعل الضمان بعد القبض من المشتري يقتضي أن الفاسد ينقل، وهو مشكل، فأجيب بأنه لا ملازمة بين نقل الملك والضمان، إذ قد يوجد الضمان من غير تقدم ملك، كمن أتلف شيء غيره من غير تقدم سبب ملك، فإنه يضمن لتعديه، والمشتري هنا متعد بقبض المشتري شراء فاسداً، فمحصل الجواب أن ضمان المشتري إنما هو لتعديه بالقبض لما يجب فسخ عقده قبل فواته، ويدلك على ما قلنا أنه يضمن بعد القبض ولو بأمر سماوي، ولا حاجة إلى بناء الضمان بعد القبض على القول بأن الفاسد ينقل الملك لما ذكرنا.
ثم قال: إذا ردت السلعة بسبب الفساد يفوز مشتريها بغلتها.
قال خليل بعد قوله وإنما ينتقل ضمان الفاسد بالقبض: ورد ولا غلة، أي لا تصحبه الغلة في الرد، بل يفوز بها المشتري؛ لأن الضمان كان منه، والخراج بالضمان كما قدمنا في الرد بالعيب.
وظاهر كلام أهل المذهب ولو علم المشتري بالفساد، وبوجوب الفسخ، ولو في الثنيا الممنوعة على الراجح، إلا في مسألة: وهي من اشترى شيئاً موقوفاً شراء فاسداً مع علمه بأنه وقف فإنه لا يفوز بالغلة بل يجب ردها حيث كان على غير معين، أو على معين غير رشيد، وأما لو كان موقوفاً على معين وباعه ذلك المعين فإنه يفوز المشتري بغلته ولو علم بأنه وقف حيث كان ذلك البائع رشيداً.
واعلم أن المشتري كما يفوز بالغلة لا يرجع على البائع بكلفة الحيوان إذا كانت الغلة قدر الكلفة أو أكثر، وأما لو زادت الكلفة على الغلة، أو كان لا غلة فإنه يرجع على البائع بالكلفة؛ لأنه قام عن البائع بما لا بد له منه.
وأشار إلى هذا بعض الفضلاء بقوله: واعلم
الجزء: 2 - الصفحة: 269
أن كل من أنفق على ما اشتراه وله غلة تبتغي كالغنم والدواب والعبيد، ثم رده بعيب أو استحقاق، أو فساد لا يرجع بنفقته، بخلاف ما
ليس له غلة تبتغي كالنخل إذا ردت مع ثمارها فإنه يرجع بقيمة سقيها وعلاجها، وهذا كله في غير ماله عين قائمة، وأما النفقة فيما له عين قائمة كالبناء والصباغ فإنه يرجع بها وله الغلة، كسكنى الدار، نقل جميعه الأجهوري اهـ.
ولما أنهى الكلام على البحث في الثمن والمثمن وما في ذلك من اختلاف المتبايعين انتقل يتكلم فيما يتبع العقار وهي الأرض وما عليها من البناء والأشجار.
فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيع العقار وما يتبعها
أي في بيان ما يتعلق بالعقار وما يتبعه بعد العقد وغيره.
قال رحمه الله تعالى: " يتبع العقار كل ما هو ثابت من مرافقه كالأبواب، والرفوف، والسلالم المؤبدة، والأخصاص والميازيب " الرفوف جمع رف، وهو خشب أو غيره يسمر في جدار البيت يوضع عليه متاع البيت.
والسلالم جمع سلم وهو معروف.
والأخصاص جمع خص قال في المصباح: الخص: البيت من القصب، والجمع أخصاص، مثل قفل وأقفال.
والميازيب جمع ميزاب وهو مجرى الماء والمعنى أنه يتبع العقار كل ما هو ثابت من تلك المذكورات وغيرها.
قال الدردير: والدار الثابت، كباب ورف وسلم سمر، ورحى مبنية.
قال الجزيري في الفقه: وإذا اشترى داراً فإن العقد يتناول الشيء الأبواب المركبة والشبابيك والسلالم المثبتة سواء كانت حجراً أو خشباً، أما السلالم الخشب التي لم تسمر فقيل يتناولها إن كان لا بد منها في الوصول إلى غرف الدار.
وقيل لا يتناولها إلا بالشرط، وكذلك يتناول السقف والمجاري وغير ذلك من الأشياء المثبتة في حيطانه أو أرضه ببناء أو تسمير اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 270
قال رحمه الله تعالى: " لا منقول إلا المفاتيح " يعني لا يتناول العقد الأشياء المنقولة إلا ما لا بد منه كالمفاتيح التي يفتح بها الأبواب فإن العقد يتناولها وإن لم يشترطها؛ لأنها مما لا بد منه.
قال الجزيري في الفقه: أما المنقولات التي لم تثبت فإنه لا يتناولها، فلو كان بالدار أبواب وشبابيك مهيئة للتركيب ولكنها لم تركب فإن العقد لا يتناولها إلا بالنص عليها، ومثلها الأحجار والبلاط والمونة وغير ذلك مما هو لازم لعمارة الدار، فإنه لا يدخل في المبيع بدون ذكر ما دام غير مثبت اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والرقيق ثيابه المعتادة لا ماله إلا أن يشترطه " يعني أن العقد على العبد أو الأمة يتناول ثياب الخلقة، وأم ثياب الزينة فلا تدخل إلا بشرط أو عرف.
قاله الخرشي.
ومثله في الدردير اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويصح استثناء جلد الشاة، وأكارعها، وسواقطها، ما لم تكثر قيمتها، وأرطال معلومة لا تزيد على الثلث " والأكارع قوائم الدابة، والسواقط فسروها بالرأس والأكارع.
قال الحطاب عند قول خليل وجلد وساقط: الساقط هو الرأس والأكارع فقط، ولا يدخل في ذلك الكرش والفؤاد كما تقدم عن المدونة أنه لا يجوز أن يستثنى البطن أو الكبد، وإنما نبهت على ذلك لدخول هذه الأشياء في السقط في العرف، بل هي المتبادر، خصوصاً وقد استدل ابن يونس للمدونة بأن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر اشتريا شاة في مسيرهما إلى المدينة من راع وشرطا له سلبها، والسلب في اللغة يطلق على ذلك كما قاله في القاموس اهـ. ومعنى تلك الجملة أنه يجوز للبائع أن يستثنى الجلد عند العقد، ومثل الجلد الأكارع، وأرطال يسيرة معلومة من اللحم ما لم تكثر قيمة ذلك ولم يجاوز ثلث الشاة.
قال خليل عاطفاً على الجائزات: وشاة واستثناء أربعة أرطال، قال الشارح: أي جاز بيع شاة حية أو مذبوحة قبل سلخها واستثناء أربعة أرطال ونحوها مما لم يبلغ الثالث، فإن بيعت بعد سلخها جاز استثناء قدر
الجزء: 2 - الصفحة: 271
الثلث فقط، قال الحطاب: التحديد بأربعة أي من الأرطال هو الذي في أكثر الروايات، وفي بعضها ثلاثة، وبعضها خمسة أو ستة أو أكثر مما دون الثلث اهـ الخليل.
تنبيه: لا يجوز بيع شاة للجزار بدراهم، ثم يأخذ بدل الدراهم لحماً أو طعاماً لإلغاء الدراهم المتوسطة بين العقد والقبض، فكأنه من أول الأمر باع الشاة باللحم أو الطعام، وهذا بخلاف الحيوان الذي يراد للقنية لكثرة منفعته فإنه يجوز بيعه بطعام ولو لأجل، ويجوز كراء الأرض به، وأخذه قضاء عما أكريت به الأرض، وأخذ الطعام قضاء عن ثمنه لأنه ليس طعاماً حقيقة ولا حكماً اهـ من حاشية الصاوي على الدردير.
قال رحمه الله تعالى: " وركوب الدابة إلى موضع معين، وسكنى شهر أو نحوه " يعني يصح استثناء ركوب الدابة وسكنى البيت بعد انعقاد البيع.
قال ابن جزي في القوانين: فإن اشترط منفعة لنفسه كركوب الدابة أو سكنى الدار مدة معلومة جاز البيع والشرط اهـ. قال العلامة ابن رشد في المقدمات: والثالث يجوز فيه البيع والشرط، وذلك إذا كان الشرط صحيحاً ولم يؤل البيع به إلى غرر ولا فساد في ثمن ولا مثمن، ولا إلى ما أشبه ذلك من الإخلال بشرط من الشرائط المشترطة في صحة البيع، وذلك مثل أن يبيع الرجل الدار ويشترط سكناها أشهراً معلومة، أو يبيع الدابة ويشترط ركوبها أياماً يسيرة أو إلى مكان قريب، أو يشترط شرطاً يوجبه الحكم وما أشبه ذلك اهـ. قال في المدونة: أرأيت الدار يشتريها
الرجل على أن للبائع سكناها سنة أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: قال مالك: ذلك جائز إذا اشترط البائع سكناها الأشهر أو السنة ليست ببعيدة، وكره ما يتباعد من ذلك.
وفيها أيضاً: أرأيت إن بعت دابتي هذه واشترطت ركوبها شهراً أيجوز هذا في قول مالك؟ قال: قال مالك: لا خير فيه، وإنما يجوز ذلك في قول مالك اليوم واليومين وما أشبهها، وأما الشهر والأمر المتباعد فلا خير فيه اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالعقار مما هو ثابت عليها انتقل يتكلم على صحة بيع المميز،
الجزء: 2 - الصفحة: 272
وغير المالك، والعبد بعد الإجازة والإذن.
قال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان بيع المميز والعبد المأذون وغيره
أي في بيان ما يتعلق ببيع المميز والعبد غير المأذون سواء كان صبياً أو كبيراً، وحكم المأذون في التجارة، وبيع غير المالك كالسمسار، وغير المأذون له في بيع السلعة وهو المعبر عنه بالفضولي.
وهؤلاء بيعهم موقوف على الإجازة.
قال رحمه الله تعالى: " يصح بيع مميز موقوفاً على إجازة وليه، وبيع الفضولي وابتياعه موقوفاً على إجازة المالك " يعني أن غير المميز لا يصح بيعه ولا شراؤه.
قال ابن بزيزة: ولم يختلف العلماء أن بيع الصغير والمجنون باطل لعدم التمييز ولتوقف انتقال الملك على الرضا وهو مفقود من غير المميز.
قال الدردير: شرط صحة العاقد تمييز فلا يصح من غير مميز لصغر أو جنون أو إغماء أو سكر ليس بحرام، وكذا بحرام، إما اتفاقاً أو على المشهور.
وتقدم الكلام على التمييز عند ذكر شروط العاقد فراجعه إن شئت.
وأما بيع الفضولي فيتوقف على إجازة المالك.
قال ابن جزي: ينعقد بيع الفضولي ويتوقف على إذن ربه.
وقال الشافعي: لا ينعقد اهـ. قال في " قرة العين بفتاوى علماء الحرمين ": ما قولكم في رجل فضولي باع سلعة رجل آخر بغير إذنه، وصاحب السلعة حاضر ساكت، هل يكون البيع لازماً أم لا؟ الجواب: في أقرب المسالك، وصح بيع غير المالك للسلعة وهو المسمى بالفضولي، ولو علم المشتري أن البائع لا يملك المبتاع، والبيع لازم من جهة الفضولي منحل من جهة المالك، ووقف البيع على رضاه ما لم يقع البيع بحضرته وهو ساكت فيكون لازماً من جهته أيضاً، وصار الفضولي كالوكيل، وكذا
الجزء: 2 - الصفحة: 273
يكون البيع لازماً إذا بلغ المالك بيع الفضولي وسكت سنة كاملة من حين علمه من غير مانع يمنعه من القيام، ولا يعذر بجهل في سكوته اهـ. وإذا أمضى المالك بيع الفضولي فإن المالك يطالب الفضولي بالثمن ما لم يمض عام، فإن مضى وهو ساكت سقط حقه.
هذا إن بيع بحضرته، وأما إن بيع بغير
حضرته فلا يسقط ما لم تمض مدة الحيازة، وهي عشرة أعوام.
وظاهر كلامهم كان المبيع عقاراً أو غيره، ومحل كون المالك ينقض بيع الفضولي إن لم يفت المبيع، فإن فات بذهاب عينه فقط كان على الفضولي الأكثر من ثمنه وقيمته، ولا فرق بين كون الفضولي غاضباً أو غير غاضب.
اهـ. ملخصاً من الدسوقي والدردير.
قال رحمه الله تعالى: " فإن جمع ملكه وملك غيره وملك الغير هو المقصود لم يجز، وثبت للمشتري الخيار، وإلا لزم في ملكه بسقطه " يعني أن من باع ملكه وملك غيره في صفقة واحدة والحال أم ملك الغير هو المقصود بالبيع فهذا مما لا يجوز شرعاً، فللمشتري الخيار في الأخذ والترك؛ لأن البائع مدلس وهو فضولي أيضاً في ملك الغير.
وأما إن كان المقصود بيع ملكه فيلزمه في ملكه بقدر قسطه فقط.
قال في الرسالة: وإن باع الوديعة وهي عرض فربها مخير في الثمن أو القيمة يوم التعدي.
قال شارحها: أي مخير في إجازة البيع وأخذ الثمن الذي بيعت به، وعند فواتها يجب له الأكثر من الثمن أو القيمة لأنه فضولي وتقدم حكمه.
فالحاصل أنه عند قيام السلعة لربها إجازة البيع وأخذ الثمن، وله رد البيع وأخذ سلعته، وأما عند فواتها فيقضي له بأخذ الأكثر من الثمن أو قيمتها يوم التعدي، ومثله كل متعد بالبيع على سلعة غيره ولو غاضباً، وهكذا حكم بيع الوديعة من غير اتجار في ثمنها، وأما لو باعها على وجه التجارة ففي بيعها تفصيل اهـ. بتصرف انظر النفراوي.
الجزء: 2 - الصفحة: 274
قال رحمه الله تعالى: " وغير المأذون على إجازة سيده، فإن أذن له جازت تصرفاته غير موقوفة، لكن ليس له فعل ما لا مصلحة للمال فيه، وأجاز ابن القاسم قراضه " يعني يتوقف لزوم بيع غير المأذون على إجازة السيد قال ابن رشد في المقدمات: ولا يجوز له أن يتجر إلا أن يأذن له سيده في التجارة، فإن أذن له فيها جاز أن يتجر بالدين والنقد، وإن لم يأذن له في التجارة بالدين لزمه ما داين به في جميع أنواع التجارات، وإن لم يأذن له إلا في نوع واحد منها على مذهب ابن القاسم في المدونة، إذ لا فرق بين أن يحجر عليه في التجارة بالدين أو يحجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع، وهو قول أصبغ في التحجير في الدين.
وذهب سحنون إلى أنه ليس له أن يتجر بالدين إذا حجر عليه في التجارة به، وكذلك يلزم على قوله إذا حجر عليه في التجارة في نوع من الأنواع، إلا أن يشهر ذلك ويعلنه في الوجهين جميعاً فلا يلزمه، وهو صحيح في المعنى اهـ. بحذف.
وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وحجر على رقيق مطلقاً إلا بأذن في تجارة ولو في نوع.
قوله: إلا بأذن في تجارة ولو في نوع.
قوله: إلا بأذن في تجارة أي فتصرفه ماض ولو ضمنا، ككتابة فإنها إذن حكماً في التصرف.
والمأذون من أذن له سيده أن يتجر في مال نفسه والربح له أو لسيده، أو في مال السيد والربح للعبد.
وأما جعل الربح للسيد فهو وكيل حقيقة.
ثم قال: كوكيل مفوض.
وله أن يضع ويؤخر، ويضيف إن استألف، ويعتق برضى سيده، وأخذ قراض ودفعه، وتصرف فيه كهبة لا تبرع، ولغير مأذون قبول بلا إذن ولا يتصرف، والحجر على المأذون كالحر، وأخذ مما بيده وإن مستولدة أو هبة ونحوها، لا غلة وأرش جرحه ورقبته اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وما ادانه فهو فيما بيده وذمته، لا رقبته ولا على سيده إلا أن يتحمله، فإن عامله فهو أسوة غرمائه " يعني كما في القوانين لابن جزي
الجزء: 2 - الصفحة: 275
ونصه: المسألة الثالثة كل ما على المأذون له من ديون يؤديها من ماله، فإن لم يكن له مال يفي بها تعلقت بذمته، ولا يلزم السيد أداؤها عنه، ولا يباع فيها خلافاً لقوم اهـ. ومحل عدم اتباع السيد بما على المأذون ما لم يكن قال للغرماء عاملوه وجميع ما عاملتموه به علي وإلا اتبع لكونه يصير ضامناً.
تنبيه: كما لا تباع رقبة المأذون فيما عليه من الدين لأنها مملوكة لسيده كذلك ولده من أمته لا يباع لأنه ملك لسيده، كرقبة أبيه، ولا حق للغرماء فيها، ولذا لو قامت الغرماء علي قبل وضع أمته أخر بيعها حتى تضع؛ لأنه لا يجوز استثناؤه في البيع.
وعجز المأذون عن وفائه من الدين يتبع به إن عتق لأن السيد ليس له إسقاطه عنه، بخلاف غير المأذون إن أخذ من أحد شيئاً من غير إذن سيده واطلع عليه قبل عتقه فله أن يسقطه عنه ولا يتبع به إن عتق، كالمأذون يأخذ شيئاً غير المأذون فيه فإن لسيده إسقاطه عنه، وما لم يسقطه السيد مما له إسقاطه يتبع به الرقيق بعد عتقه اهـ. النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " وليس له انتزاع ماله، وله حجره بعد إذنه " يعني ليس للسيد انتزاع مال المأذون في التجارة بعد الإذن؛ لأنه كالمكاتب في تصرفاته بالمال، لكن السيد حجره بعد الإذن بخلاف المكاتب إلا إن عجز عن أداء الكتابة فللحاكم تعجيزه كما يأتي في العتق.
قال ابن جزي في معاملة العبيد: الفرع الثاني للسيد أن يحجر على عبده بعد إذنه له.
ويعرف السلطان بذلك ويوقفه للناس اهـ. وفي المدونة: ومن أراد أن يحجر على من له عليه ولاية فلا يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه السلطان للناس ويسمع به في محله ويشهد على ذلك، فمن باع منه أو ابتاع بعد ذلك فهو مردود، وكذلك العبد المأذون له في التجارة، ولا ينبغي لسيده أن يحجر عليه إلا عند السلطان فيوقفه للناس ويأمر به فيطاف به حتى يعلم ذلك اهـ. نقله الصاوي في الحاشية.
الجزء: 2 - الصفحة: 276
بيع الغائب ولما أنهى الكلام على ما يتعلق ببيع المميز والعبد المأذون وغيره انتقل يتكلم على بيع الغائب فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان بيع الغائب عن مجلس العقد
أي في بيان ما يتعلق ببيع الشيء الغائب وهو ضد الحاضر.
واعلم أن بيع الغائب على ثلاثة أقسام: أحدها: أن يباع بالصفة على اللزوم، وجوازه مشروط بغيبته، ويكفي غيبته ولو عن مجلس العقد، ولا يشترط أن يكون في رؤيته مشقة، ولا غيبته عن البلد المأخوذ من المدونة.
ثانيها: ألا يبعد مكانه جداً كخراسان من الأندلس، كما يشترط ذلك في كل مبيع على اللزوم، ومثل غيبته عن مجلس العقد حضوره به حيث كان في رؤيته مشقة أو فساد، وأما الحاضر بمجلس العقد ولا مشقة ولا فساد في رؤيته فلا بد في صحة العقد عليه من رؤيته حيث كان البيع على اللزوم.
وثالثها: أن يكون بوصف غير البائع إن اشترط نقد الثمن فيه وإلا جاز ولو بوصفه على المعتمد، وأن يكون المشتري يعرف ما وصف له معرفة تامة اهـ. قاله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " يجوز بيع الغائب على رؤية متقدمة.
فيما يؤمن تغيره، وعلى رؤية البعض، فإن خالف الباقي ثبت الخيار " يعني كما قال في الرسالة: ولا بأس ببيع الشيء الغائب على الصفة، ولا ينقد فيه بشرط إلا أن يقرب مكانه، أو يكون مما يؤمن تغيره من دار أو أرض أو شجر فيجوز النقد فيه اهـ. قال ابن جزي: يجوز في المذهب بيع الشيء الغائب على الصفة أو رؤية متقدمة، وأجازه أبو حنيفة من غير صفة ولا رؤية، ومنعه الشافعي مطلقاً.
ويشترط في المذهب في المبيع على الصفة خمسة شروط:
الجزء: 2 - الصفحة: 277
الأول: أن يكون بعيداً جداً كالأندلس وأفريقية.
الثاني: ألا يكون قريباً جداً كالحاضر في البلد.
الثالث: أن يصفه غير البائع.
الرابع: أن يحضر بالأوصاف المقصودة كلها.
الخامس: ألا ينقد ثمنه بشرط إلا في المأمون كالعقار، ويجوز النقد من غير شرط، ثم إن خرج المبيع على حسب الصفة والرؤية لزم البيع، وإن خرج على خلاف ذلك فللمشتري الخيار اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وكالعسل ونحوه في وعائه وما له صوان برؤيته كالبطيخ والرمان والجوز واللوز ونحوه " تشبيه على الرؤية.
والمعنى أنه يجوز بيع الشيء برؤية بعضه كالعسل والسمن في وعائه، سواء كان البيع بتاً أو على الخيار، ولو جزافاً لما مر أن رؤية البعض كافية فيه، كرؤية السمن في حلق الجرة مثلاً، ويشترط في رؤية ذلك
البعض في الجزاف أن يكون متصلاً كالمثال، أي كالباقي المبيع.
قاله الصاوي في حاشيته على الدردير اهـ. قوله وما له صوان إلخ، الصوان بكسر الصاد المهملة وضمها وتخفيف الواو: ما يصون الشيء كقشر الرمان والجوز واللوز، فلا يشترط كسر بعضه ليرى ما في داخله، ومن ذلك البطيخ ونحوه اهـ. الصاوي.
قال رحمه الله تعالى: " والغائب على الصفة فيما يغلب مصادفته عليها، ولا يمكن الاطلاع عليه حال العقد، فيذكر منها ما يميزه عن غيره وتختلف الأغراض والأثمان بها، فإن وافق لزم وإلا ثبت للمبتاع الخيار " يعني الشيء المبيع على الصفة يكون غالباً موافقاً على الصفة التي وصف بها، وكانوا يذكرون في حال العقد صفة السلع، كأن يقول البائع: إن فيه من الخز كذا، ومن الغوطة كذا وكذا، ومن الدبلان كذا وكذا، والفسطاطي كذا وكذا، ومن المروى كذا وكذا، كما في المدونة، كانوا يتبايعون على الصفة ويميزون كل سلعة على صفتها بنوعها، يصدقون ويأمنون بعضهم على بعض في ذلك، ويعرفون قيمة كل موصوف غلاء ورخصاً.
وتختلف فيه الأغراض
الجزء: 2 - الصفحة: 278
والأثمان، فإن وافق الموصوف لزم البيع وإلا بأن خالف ذلك فللمشتري الخيار.
وأم لو وجد زيادة فالحكم كما قال مالك في المدونة فيمن اشترى مائة ثوب من رجل في عدل على برنامج موصوف، أو على صفة كل ثوب بعشرة دراهم، على أن فيه من الخز كذا وكذا، ومن الفسطاطي كذا وكذا، ومن المروى كذا وكذا، فأصاب في العدل تسعة وتسعين ثوباً، وكان النقصان من الخز، قال أرى أن تحسب قيمة الثياب كلها، فينظر كم قيمة الخز منها فإن كان الربع أو الثلث من الثمن وعدة الخز عشرة وضع عنه عشر ربع الثمن، أو عشر ثلث الثمن؛ لأن القيمة تكون أكثر من الثمن أو أقل، وإنما يقسم الثمن على الأجزاء كلها ثم ينظر إلى ذلك الجزء الذي وجد فيه ذلك النقصان منه فإن كان جزءاً وضع عنه من الثمن قدر الذي أصابه من ذلك الجزء من الثمن اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والتلف قبل مجيئه من البائع، إلا أن يعلم أن العقد صادف الصفة فيكون من المبتاع كالمأمون تغيره " قال ابن القاسم في كتاب الغرر من المدونة: وما ثبت هلاكه من السلع الغائبة بعد الصفقة وقد كان يوم الصفقة على ما وصف المبتاع، أو على ما كان رأى فهي من البائع إلا أن يشترط أنها من المبتاع، وهو آخر قولي مالك، وكان مالك يقول: إنها من المبتاع إلا أن يشترط أنها من البائع حتى يقبضها ثم رجع إلى هذا.
والنقص والنماء كالهلاك في القولين.
وهذا في كل سلعة غائبة بعيدة الغيبة، أو قريبة الغيبة خلاف الدور والأرضين والعقار فإنها من المبتاع من يوم العقد في القولين وإن بعدت اهـ. انظر الحطاب.
وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وضمانه من المشتري إن كان عقاراً وأدركته الصفقة سالماً وإلا فمن البائع إلا لشرط فيهما، وقبضه على المشتري والنقد فيه تطوعاً كبشرط إن كان عقاراً أو قرب كيوم ونحوه اهـ. قال في حاشية الصاوي عليه: حاصله أن المبيع الغائب بالصفة على اللزوم يجوز النقد فيه تطوعاً، سواء كان عقاراً أو غيره، وإن كان على الخيار
الجزء: 2 - الصفحة: 279
منع النقد مطلقاً عقاراً أو غيره.
وهل يشترط في جواز النقد ولو تطوعاً إذا بيع على الصفة على اللزوم كون الواصف له غير البائع؛ لأن وصفه يمنع من جواز النقد ولو تطوعاً، وهو الذي ارتضاه في الحاشية كما تقدم، أو لا يشترط ذلك وهو المأخوذ من كلام البناني فإنه نازع في كون وصف البائع يمنع من جواز النقد تطوعاً.
وأما النقد بشرط فإن كان المبيع عقاراً فيجوز بثلاثة شروط: أن يكون على اللزوم، والواصف له غير بائعه، وألا يبعد جداً، وإن كان غير عقار فيجوز بأربعة شروط: أن تقرب غيبته كيومين، والبيع على اللزوم، والواصف له غير البائع، وليس فيه حق توفية، فإن تخلف شرط منها منع شرط النقد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن اختلفا في وجودها حال العقد فالقول قول البائع وفيها القول قول المشتري " يعني إن اختلفا المتبايعان في المبيع الغائب هل هو موجود حين العقد أم لا فقولان لمالك في المدونة: الأول: القول قول البائع، والثاني: القول قول المبتاع.
قال ابن رشد في المقدمات: وبيع الغائب على مذهب ابن القاسم جائز ما لم يتفاحش بعده، والعقد عليه صحيح وإن لم يعلم إن كان حين العقد قائماً أو تالفاً، فإن تلف قبل العقد انتقض البيع باتفاق، وإن تلف بعد العقد وقبل القبض، فاختلف قول مالك في ذلك، فمرة قال إن مصيبته من البائع وينتقض البيع اهـ. وأما إذا اختلفا في المبيع تقدمت رؤيته فقال المشتري إن صفته التي اشتريته عليها تغيرت، وقال البائع لم تتغير فإنه يسأل في ذلك أهل الخبرة هل المدة التي بين رؤيته قبل البيع ورؤيته بعده يتغير فيها المبيع عادة أو لا؟ فإن جزم بأنه يتغير كان القول للمشتري، وإن جزم بأنه لا يتغير كان القول للبائع، ولا يمين على واحد منهما: ومثل ذلك ما إذا رجح التغيير أو عدمه فإنه يكون القول للمشتري إذا قال أهل الخبرة إنه يظن أنه يتغير، ويكون القول للبائع إذا قال إنه يظن أنه لا يتغير، ولكن يحلف من رجح له في هذه الحالة.
وأما إذا شك أهل
الجزء: 2 - الصفحة: 280
الخبرة فلم يجزم بشيء ولم يرجحوا شيئاً كان على البائع أن يحلف بأن المبيع باق على الصفة التي رآها بها المشتري ويتم البيع.
وإن اختلفا أيضاً فيما اشتراه على وصفه على البرنامج فقال المشتري بعد غيبته به إنه وجده على غير المكتوب في
الدفتر، وقال البائع إن المبيع موافق لما كتبه في الدفتر وأن المشتري جاءه بغير المبيع كان القول للبائع بيمينه فيحلف بأن الذي باعه موافق للمكتوب، فإن حلف فلا شيء، وإن نكل حلف المشتري أنه لم يغير ما وجده، فإن حلف فله رده إلى البائع، وإن أبى لزمه ما أتى به ولا شيء له على البائع اهـ. ذكره الجزيري في الفقه.
وأصله في المدونة في الدعوى على بيع البرنامج، وإليه أشار خليل بقوله: وحلف مدع لبيع برنامج أن موافقته للمكتوب اهـ كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " ويوكل الأعمى إلا أن يعرف الصفة " يعني ما ذكرناه من الرؤية إنما ذلك بالنسبة للبصير، وأما الأعمى فإنه يوكل البصير في بيعه وشرائه وجميع ما يشترط فيه الرؤية، إلا إن سبق منه معرفة ذلك سواء مبيعاً أو غيره في ما لا يتغير مثله فيعمل به ويعتمد برؤيته السابقة.
قال خليل: ومن الأعمى، قال الخرشي: أي وجاز البيع والشراء وجميع المعاملات - إلا بيع الجزاف وشراؤه - من الأعمى غير الأصم للضرورة على المذهب، وسواء ولد أعمى، أو طرأ عماه في صغره، أو بعد كبره، خلافاً للأبهري في منعه بيع من ولد أعمى، وفي معناه من تقدم إبصاره في صغره بحيث لا يتخيل الألوان، والخلاف فيما لا يدرك إلا بحاسة البصر، ولا مانع فيما يدرك بغيرها من الحواس ولا تجوز معاملة الأعمى الأصم، بخلاف الأبكم الأصم.
اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز بيع المشاع " يعني يجوز بيع المشاع وهو غير المتميز على حدة كالنصف أو الثلث أو الربع، سواء كان عقاراً كالدار والأرض أو غيره كالعروض والحيوان مما هو شائع في جنسه أو نوعه.
وكما لا يجوز بيعه يجوز ارتهانه في حق، قال خليل: وصح مشاع وحيز بجميعه إن بقي فيه للراهن اهـ. قال ابن جزي في القوانين:
الجزء: 2 - الصفحة: 281
ويجوز رهن المشاع خلافاً لأبي حنيفة القائل لا يصح رهن المشاع لا هبته كما سيأتي في الرهن، وكذا يأتي في باب الإجازة قول المصنف وتجوز إجازة المشاع كبيعه.
بيع المرابحة
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق ببيع الغائب انتقل يتكلم على بيع المرابحة وأحكامه فقال رحمه تعالى:
فَصْلٌ
في أحكام بيع المرابحة
أي في بيان ما يتعلق ببيع المرابحة، وهو بيع ما اشترى بثمنه مع زيادة ربح معلوم للبائع وللمشتري على ما اتفق عليه، لكن بيع المزايدة والمساومة أحب إلى
أهل العلم.
قال أبو الحسن شارح الرسالة في متن العزية: وبيع المرابحة جائز، لكن الأحب خلافه لكثرة البيان على البائع فيه، فربما ينسى ما يضر أو يسهو فينتقل ذهنه من شيء إلى غيره اهـ. وعبارة ابن جزي: أما المرابحة فهي أن يعرف صاحب السلعة المشتري بكم اشتراها، ويأخذ منه ربحاً إما على الجملة مثل أن يقول اشتريتها بعشرة وتربحني ديناراً أو دينارين، وإما على التفصيل وهو أن يقول تربحني درهماً لكل دينار أو غير ذلك اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يشترط في المرابحة صدق البائع في إخباره ويلزم من الربح ما يتفقان عليه، وما له عين قائمة كالصبغ والطرز ونحوهما كرأس المال، وما ليس له عين فله ضمه، ولا يشترط الربح له ولا نفقته ومسكنه " يعني يشترط على البائع في بيع المرابحة أن يكون صادقاً في إخباره للمشتري في شأن سلعته، كما يجب عليه الصدق في جميع المعاملة، ويلزم المشتري دفع ما يتفقان عليه من الربح فيما له
الجزء: 2 - الصفحة: 282
عين قائمة، كما يلزمه رأس المال.
وأما الشيء الذي ليس له عين قائمة فيحسبه البائع في رأس ماله مجرداً عن الربح، كما لا يحسب ما فعله بنفسه.
وعبارة ابن جزي في الفروع: الأول إذا كان قد ناب صاحب السلعة زيادة على ثمنها، فإن كانت الزيادة مما لها عين قائمة حسبها صاحب السلعة مع الثمن، وجعل لها قسطاً من الربح، وذلك كالخياطة والصباغة والقصارة، وإن لم يكن لها عين قائمة وعملها بنفسه كالطي والنشر لم يحسبها في الثمن ولم يجعل لها قسطاً من الربح، فإن استأجر عليها حسبها في الثمن ولم يجعل لها قسطاً من الربح، ككراء نفس المتاع وشده.
ويجوز له أن يحسب ذلك كله إذا بينه للمشتري.
قال الدردير على أقرب المسالك: وحسب إن أطلق ربح ما له عين قائمة كصبغ وطرز وقصر وخياطة وفتل وكمد وتطرية وأصل ما زاد في الثمن كأجرة حمل وشد وطي اعتيد أجرتها وكراء بيت للسلعة فقط، وإلا فلا إن بين أو قال علي ربح العشرة أحد عشر ولم يبين ما له الربح من غيره من غيره وزيد عشر الأصل، أو قال في ربع العشرة اثني عشر وزيد خمس الأصل اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " فإن ظهر كذبه ففي قيام السلعة يثبت الخيار إلا أن يحط الزائد، وفي فواتها تلزم قيمته ما لم تزد على الكذب وربحه " يعني كما قال ابن جزي في الفروع: الثاني: لا يجوز الكذب في التعريف بالثمن، فإن كذب ثم أطلع المشتري على الزيادة في الثمن فالمشتري مخير بين أن يتمسك بجميع الثمن أو يرده، إلا أن يشاء البائع أن يحط عنه الزيادة وما ينويها من الربح فيلزمه الشراء.
قال أبو حنيفة: لا يلزمه اهـ. وفي " قرة العين بفتاوى الحرمين " مسألة: إن باع مرابحة وزاد في الثمن ولو خطأ لزم المشتري إن حط البائع ما زاده وربحه،
وإلا خير المشتري في التماسك والرد، كما أنه يخير في التماسك والرد إن غشه البائع، كأن وضع في يد العبد مداداً ليوهم أنه يكتب وإن فاتت السلعة ولو بحوالة سوق ففي الغش يلزم المشتري الأقل من الثمن
الجزء: 2 - الصفحة: 283
الذي وقع به البيع والقيمة، وفي الكذب يخير بين دفع الثمن الصحيح وربحه، أو القيمة يوم قبضه ولا ربح لها، ما لم تزد القيمة على الكذب وربحه وإلا لم يلزمه الزائد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " كما لو ثبت غلطه في نقص رأس ماله إلا أن يكون مثلياً فيضمن بالمثل " قال في قرة العين بفتاوى علماء الحرمين ": ما قولكم: في شخص باع سلعة على آخر مرابحة بخمسين على أن العشرة أحد عشرة، ثم ادعى الغلط وقال بل ثمنها الأصلي مائة وأتى ببينة تشهد له بذلك فهل للمشتري الرد؟ الجواب في أقرب المسالك: وإن غلط من باع مرابحة بنقص في الثمن بأن قال للمشتري منه مرابحة اشتريته بخمسين ثم ادعى الغلط وقال بل ثمنه الأصلي مائة وصدقه المشتري في ذلك أو لم يصدقه فأثبت ما ادعاه بالبينة فللمشتري الخيار إما أن يرد السلعة أو يدفع ما ادعاه البائع وربحه، وإن فاتت السلعة بيد المشتري لا بحوالة سوق خير بين دفع الثمن الذي ثبت بعد البيع وربحه، ودفع قيمة السلعة يوم البيع.
ومحل تخييره بين دفع الثمن الصحيح وربحه ودفع القيمة ما لم تنقص القيمة عن الغلط وربحه، وإلا فلا ينقص عن الغلط وربحه؛ لأنه قد رضي بدفعهما حين قال له بخمسين والعشرة أحد عشر.
ومعلوم أن الغلط وربحه أقل من الصحيح وربحه، والعاقل إذا خير بين دفع أحد أمرين إنما يختار دفع أقلهما، وحينئذ فتعين دفعه للغلط وربحه حيث نقصت القيمة عنهما، وأما حوالة السوق فلا يعد في الغلط فوتاً وحينئذ فللمشتري الرد أو دفع ما تبين وربحه كما تقدم صدر الجواب اهـ بتصرف من الدسوقي والصاوي ومثله في الموطأ.
وأما قوله: إلا أن يكون مثلياً إلخ قد تقدم الكلام في المثلي عند قوله رحمه الله: فإن فات بيد المشتري ضمن المثلي بمثله والمقوم بقيمته فراجعه إن شئت.
الجزء: 2 - الصفحة: 284
بيع الخيار ولما أنهى الكلام على بيع المرابحة وما يتعلق به انتقل يتكلم على أحكام بيع الخيار وما يتعلق به فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في مسائل الخيار
أي في بيان بيع الخيار وأحكامه وشروطه.
اعلم أن الخيار ينقسم إلى قسمين: الأول خيار الشرط ويسمى خيار التروي وهو النظر والتفكير في إمضاء العقد ورده.
الثاني خيار النقيصة ويسمى خيار الحكمي، وسببه ظهور عيب في
المبيع لتعلق حق الغير كالرهن والاستحقاق أو غيرهما، وحكمه الجواز قال في الرسالة: والبيع على الخيار جائز إذا ضربا لذلك أجلاً قريباً إلى ما تختبر فيه تلك السلعة أو ما تكون فيه المشهورة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يجوز اشتراط الخيار لكل من البائعين، ولا يتعين له مدة بل بحسب ما يختبر المبيع فيه أو يتفقان عليه فيثبت لمشترطه الرد، فإن اختلفا قدم الفسخ " وما ذكره من عدم التعيين لمدة الخيار مع قوله، بل بحسب ما يختبر المبيع فيه، هذا إشارة على وجوب التعيين كما عليه جمهور أهل المذهب.
قال الجزيري في الفقه: تنقسم مدة خيار الشرك بالنسبة للمبيع إلى أربعة أقسام: الأول: الخيار في بيع العقار وهو الأرض وما يتصل بها من بناء أو شجر، والخيار في هذا يمتد إلى ستة وثلاثين يوماً أو ثمانية وثلاثين يوماً على الأكثر، فإن زاد على ذلك فسد العقد، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخيار لاختيار حال المبيع أو للتروي في الثمن، وذلك فهو ثلاثة أيام.
الجزء: 2 - الصفحة: 285
الثاني: الخيار في عروض التجارة كالثياب ونحوها، والخيار في هذه من ثلاثة أيام إلى خمسة، فإن زاد عليها فسد العقد.
الثالث: الدواب وفيها تفصيل؛ لأنها إما أن تكون من الدواب التي ليس من شأنها أن تركب فإن كان الخيار فيها لمعرفة رخصها وغلائها وسمنها مع معرفة ركوبها أيضاً ونحو ذلك فهو من ثلاثة أيام إلى خمسة أيضاً، وإن كان الخيار فيها لمعرفة حال ركوبها فلا يخلو إما أن يكون ذلك في البلد أو خارج البلد، فإن كان من البلد فالخيار فيها مسافة بريدين لا أكثر، وبعضهم يقول: إن الخيار في الدواب ثلاثة أيام وما يقرب من الثلاثة مطلقاً سواء كان الخيار للركوب أو لغيره، أما اليوم والبريد فهو مخصوص بالركوب.
الرابع: الخيار في الرقيق وهو من ثمانية أيام إلى عشرة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويسقط بإسقاطه ومضي مدته وتصرفه اختياراً لا اعتباراً " والمعنى أنه يسقط الخيار بإسقاط من شرطه من المتابعين أم بأحد ثلاثة أمور، وهو قول أو فعل أو ترك، والترك هو عدم القول وعدم الفعل، كانقضاء مدة الخيار،
فالقول نحو أسقطت خياري أو رددته.
والفعل ما أشار إليه خليل: ورضي مشتر كاتب أو زوج ولو لعبداً أو قصد تلذذاً، أو رهن أو آجر أو أسلم للصنعة، أو تسوق، أو جنى إن تعمد، أو نظر الفرج، أو عرب دابة، أو ودجها، لا إن جرد جارية، وهو رد من البائع إلا الإجارة، ولا يقبل منه أنه اختار أو رد بعده إلا ببينة اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 286
قال رحمه الله تعالى: " واشتراط النقد فيه مبطل، لا التبرع به " قال الدردير عاطفاً على مفسدات بيع الخيار: وبشرط النقد، أي المتردد بين السليفة والثمينة، وإن لم ينقد بالفعل، بخلاف التطوع به بعد العقد، أي فإنه جائز كما في الحطاب، ولفظه: وفهم من قوله بشرط النقد جائز اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز النقد في الخيار، ولا في عدة الثلاث، ولا في المواضعة بشرط اهـ. قال ابن عرفة: شرط النقد في بيع الخيار مفسد اهـ نقله المواق.
قال رحمه الله تعالى: " والمبيع في مدته على ملك البائع، وما غاب المشتري عليه ضمنه كالتعدي في غيره " قال ابن رشد في المقدمات: والمبيع بالخيار في أمد الخيار على ملك البائع كان الخيار له أو للمبتاع أو لهما، فإن تلف فمصيبته منه، كان بيده أو بيد المبتاع، إلا أن يكون بيد المبتاع ويغيب عليه وهو مما يغاب عليه، ويدعي تلفه ولا يعرف ذلك إلا بقوله فلا يصدق في ذلك، ويكون عليه قيمة الثمن؛ لأنه يتهم أن يكون غيبه وحبسه عن صاحبه فذلك رضاً منه بالثمن.
وقد روي عن مالك أن الضمان من المشتري فيما بيع على الخيار إن كان الخيار له، ومن البائع إن كان الخيار له، وهو قول ابن كنانة اهـ. وقد بسط الجزيري بيان هذه المسألة في الفقه فراجعه إن شئت.
وأما عبارة ابن جزي في القوانين فهي: المسألة الرابعة المبيع في مدة الخيار على ملك البائع، فإن تلف فمصيبته منه إلا أن يقبضه المشتري فمصيبته منه إن كان مما يغاب عليه ولم تقم على تلفه بينة، وإن حدثت له علة في أمد الخيار فهي على البائع، وإن ولدت الأمة في أمد الخيار فولدها للمشتري عند ابن القاسم، وقال غيره للبائع كالغلة فهي له.
ولا يجوز للمشتري اشتراط الانتفاع بالمبيع في مدة الخيار إلا بقدر الاختيار، فإنه إن لم يتم البيع بينهما كان انتفاعه باطلاً من غير شيء، كما لا يجوز للبائع اشتراط النقد فإنه إن لم يتم البيع بينهما كان سلفاً، وإن تم كان ثمناً، فإن وقع على ذلك فسخ البيع سواء تمسك بشرطه أو أسقطه.
ويجوز النقد من غير شرط اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 287
قال رحمه الله تعالى: " ومن ابتاع من رجلين ثوبين بالخيار فالتبسا سقط " أي سقط الخيار.
ومثل التباسهما في إسقاط الخيار ضياعهما أو أحدهما، فيلزمه ثمن أحد الثوبين أو نصف أحدهما في ضياع الواحد.
قال خليل: وإن اشترى أحد
ثوبين وقبضهما ليختار فادعى ضياعهما ضمن واحد بالثمن فقط، ولو سأل في إقباضهما أو ضياع واحد ضمن نصفه، وله اختيار الباقي اهـ انظر شراحه.
قال رحمه الله تعالى: " ويثبت الرد بالغبن الفاحش كالجهل بالعيب حال العقد، وله الإمساك بجميع الثمن دون الأرش إلا أن يفوت بيده أو يبذل البائع " يعني يثبت رد المبيع بالغبن الفاحش وهو الثلث فأكثر، وكذلك يثبت الرد بالجهل بالعيب حال العقد.
قال ابن جزي أما عيب الرد فهو الفاحش الذي ينقص حظاً من الثمن ونقص العشر يوجب الرد عند ابن رشد، وقيل الثلث، فللمشتري في عيب الرد بالخيار بين أن يرده على بائعه أو يمسكه ولا أرش له على العيب.
وليس له أن يمسكه ويرجع بقيمة العيب إلا أن يفوت في يده اهـ. قال في الرسالة: ومن ابتاع عبداً فوجد به عيباً فله أن يحبسه ولا شيء له، أو يرده ويأخذ ثمنه، إلا أن يدخله عنده عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والتأريش أن يقوم سليماً ثم معيباً فيلزم ما نقصه العيب " قال ابن جزي: والأرش قيمة العيب.
والتأريش يعرف بتقويم المبيع.
وقال الصاوي فالقيمة ميزان يعرف بها نسبة النقص في الثمن.
قال الدردير: فيقوم المبيع سالماً عن العيب بعشرة مثلاً، ثم يقوم معيباً بثمانية مثلاً، ويؤخذ من الثمن الذي وقع به البيع النسبة، أي نسبة ما بين القيمتين، فنسبة الثمانية للعشرة أربعة أخماس فقد نقصت قيمته معيباً الخمس، فيرجع المشتري على البائع بخمس الثمن، فإذا كان الثمن مائة مثلاً رجع عليه بعشرين، هذا فيما خرج من يده بلا عوض وذلك في غير البيع، أما لو خرج من يده بعوض كما
الجزء: 2 - الصفحة: 288
لو باعه لأجنبي فلا يرجع بالأرش وكذا إذا باعه لبائعه اهـ الدردير.
قال رحمه الله تعالى: " وتصرفه مختاراً بعد علمه كرضاه " يعني إن تصرف المشتري بالمعيب مختاراً يعد رضاً منه به.
قال ابن جزي في مسقطات القيام بالعيب: أو تصرف في المبيع بعد الاطلاع على العيب كوطء الجارية، أو ركوب الدابة، ولبس الثوب، وحرث الفدان، وبنيان الدار إلى آخر ما قال من المسقطات.
وقال الخرشي: وأما لبس الثوب ووطء الأمة فرضاً باتفاق اهـ باختصار.
قال رحمه الله تعالى: " وفي بقائه مضطراً روايتان " قال المواق نقلاً عن ابن يونس: اختلف قول مالك في الدابة يسافر بها ثم يجد بها عيباً في سفره، فروى أشهب: إن حمل عليها بعد علمه بعيبها لزمته.
وروي عن ابن القاسم أن له ردها ولا شيء عليه في ركوبها بعد علمه، ولا عليه أن يكري غيرها ويسوقها وليركبها، فإن
وصلت بحال ردها، وإن عجفت ردها وما نقصها، أو يحبسها ويأخذ قيمة العيب.
قاله ابن القاسم.
وقال ابن يونس: وبه أقول.
ووجهه أن المضطر في حكم المكره، ولو تعرف مكرها لم يسقط خياره فكذلك مع الاضطرار، ألا ترى أن يحل له أكل مال غيره مع الاضطرار ففي هذا أحرى اهـ. ومثله في الخرشي انظره إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وللشريك رد ما يخصه " يعني للشريك في شراء السلعة أن يرد ما يخصه منها على البائع ولو لم يرض البائع ولو بغير إذن صاحبه كما في الصاوي على
الجزء: 2 - الصفحة: 289
الدردير قال: وحاصله أنه لو اشترى شخصان سلعة واحدة كعبد لخدمتهما أو سلعاً متعددة كل واحد يأخذ نصفها في صفقة واحدة لا على سبيل الشركة، ثم اطلع على عيب قديم فأراد أحد الشخصين أن يرد نصيبه ولو قال البائع لا أقبل إلا جميعه بناء على تعدد العقد بتعدد متعلقه، وإلى هذا رجع مالك واختاره ابن القاسم، وكان مالك يقول أولاً إنما لهما الرد معاً أو التماسك معاً، وليس لأحدهما أن يرد دون الآخر.
والقولان في المدونة.
وإلى ذلك أشار ابن جزي في القوانين: إذا اشترى رجلان شيئاً في صفقة واحدة فوجدا به عيباً فأراد أحدهما الرد والآخر الإمساك، فلمن أراد الرد أن يرد وفاقاً للشافعي.
وقيل ليس له الرد وفاقاً لأبي حنيفة.
وهذا في غير الشريكين في التجارة.
وأما الشريكان في التجارة إذا اشتريا معيباً في صفقة وأراد أحدهما الرد فلصاحبه منعه وقبول الجميع كما يأتي في الشركة، فإن كلاهما وكيل عن الآخر اهـ بحذف وإيضاح.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ودعوى عيب ظاهر لا يحدث مثله عنده يثبت له الرد إلا أن يقيم البائع بينة برضاه، فإن تعذرت أحلفه أنه لم يرض، فإن نكل ردت، فإن نكل أيضاً ثبت الرد " يعني إذا كانت الدعوى في عيب ظاهر لا يحدث مثله عند المشتري يثبت له الرد بلا يمين، إلا أن يقيم البائع بينة على رضا المشتري بالعيب، فإن لم تكن البينة بأن تعذرت أحلف البائع المشتري على عدم الرضا بالمبيع، فإن حلف ثبت له الرد، وإن نكل ردت اليمين على البائع، فإن نكل أيضاً ثبت الرد.
قال العلامة الجزيري: في مثل هذه الدعوى إذا قال البائع للمشتري إنك رأيت العيب وعلمت به ورضيت من قبل العقد، وقال المشتري لم أرده ولم أعلم به
ولم أرض فالقول في هذه الحالة يكون للمشتري فله رد المبيع بدون يمين عليه إلا إذا ادعى البائع أنه أطلعه على العيب وبينه له فإن في هذه الحالة تكون اليمين على المشتري، فإن حلف كان له
الجزء: 2 - الصفحة: 290
الحق في رد المبيع، وإن امتنع عن الحلف حلف البائع أن المشتري اطلع على العيب حين البيع، ولا يكون للمشتري الحق في الرد بعد حلف البائع.
ومثل ذلك ما إذا أشهد المشتري على نفسه أنه عاين المبيع وبحثه قبل العقد ولكنه لم يطلع على العيب الذي يريد رده به، وقال له البائع: بل اطلعت عليه ورأيته حين العقد.
وفي هذه الحالة فعلى المشتري أن يحلف بأنه ما رآه وله رده بعد الحلف، فإن لم يرض بالحلف حلف البائع بذلك ولزم المشتري المبيع اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإن أمكن حدوثه عنده وأنكره البائع حلف أنه لم يكن به في حال العقد، فإن نكل حلف المشتري وله الرد " يعني كما قال الخرشي أنه إذا تنازع البائع والمشتري في وجود العيب في المبيع وعدمه فقال المشتري به عيب، وقال البائع لا عيب به، فالقول في ذلك قول البائع ولا يمين عليه لأنه متمسك بالأصل وهو السلامة في الأشياء.
قال خليل: أو قدمه إلخ، يعني أو كان التنازع في حدوث العيب وقدمه بعد اتفاقهما على وجوده بأن يدعي البائع أيضاً إن شهدت له الع 8 ادة قطعاً أو رجحاناً أو شكاً، فإن شهدت العادة قطعاً أو رجحاناً للمشتري بالقدم فالقول قوله، لكن لا يمين على من قطعت العادة بصدقه من المتبايعين، وعلى من رجحت له اليمين، وإذا شكت فالقول للبائع بيمين اهـ بحذف واختصار.
قال رحمه الله تعالى: " وغير الظاهر لا يقبل إلا ببينة، فإن لم تكن حلف البائع في الظاهر على البت، والباطن على العلم " يعني أن هذه الحالة شبيهة بالتي قبلها لكن هذه لا تقبل دعوى المشتري إلا ببينة على قدم العيب الخفي وأن البائع علم به، فإن شهدت البينة بذلك فله الرد، وإلا حلف البائع في العيب الظاهر على البت، وفي الخفي على نفي العلم، ولا حق للمشتري في الرد بعد يمين البائع، بل ثبت البيع، وكان المشتري في هذه الحالة هو المدعي ولذا لزمته البينة، والبائع هو المدعي عليه ولذا لزمته اليمين لما في الحديث
الجزء: 2 - الصفحة: 291
(البينة على من المدعي واليمين على من أنكر) قال ابن رشد في المقدمات: فالعيوب تنقسم إلى ثلاثة أقسام: عيب قديم يعلم قدمه عند البائع ببينة تقوم على ذلك، أو بإقرار البائع به، أو بدليل العيان وعيب يعلم حدوثه عند المشتري ببينة تعلم ذلك، أو بإقرار المشتري بحدوثه عنده، أو بدليل العيان على ذلك.
وعيب مشكوك فيه يحتمل أن يكون قديماً عند البائع ويحتمل أن يكون حدث عند المشتري.
فأما العيب القديم فيجب الرد به في
القيام والرجوع بقيمته في الفوات على التقسيم الذي ذكرناه.
وأما الحادث فلا حجة للمبتاع فيه على البائع.
وأما المشكوك فيه فليس على البائع فيه إلا اليمين، قيل على البت وهو قول ابن نافع، وهي رواية يحيى عن ابن القاسم.
وقال أشهب يحلف على العلم في الظاهر والخفي.
وقال ابن القاسم أيضاً يحلف في الظاهر على البت وفي الخفي على العلم، فإن نكل عن اليمين رجعت على المبتاع في الوجهين جميعاً على العلم أنه ما حدث عنده.
ثم قال: وهذا في العيوب التي تكون ظاهرة في البدن.
وأما ما لا يظهر من الإباق والسرقة وما أشبه ذلك فادعى المبتاع أنه كان بالعبد قديماً، فقال ابن القاسم: يحلف البائع.
وقال أشهب لا يمين عليه اهـ بحذف واختصار.
قال رحمه الله تعالى: " فلو حدث آخر فله رده مع أرش الحادث والإمساك وأرش القديم إلا أن يدلس البائع فيرد بغير أرش، فإن تلف بمثل ما دلس به فهو منه وإن أمكن حدوث الثاني عنده فله الرد بالقديم ويحلف أن الثاني لم يحدث عنده ". يعني كما في القوانين.
قال ابن جزي: حدوث عيب آخر عند المشتري فهو بالخيار إن رده ورد أرش العيب الحادث عنده، وإن شاء تمسك به وأخذ أرش العيب القديم.
والأرش قيمة العيب.
وقال الشافعي وأبو حنيفة ليس له الرد، وإنما يأخذ أرش العيب القديم اهـ وتقدم كلام صاحب الرسالة من قوله ومن ابتاع عبداً فوجد به عيباً فله أن يحبسه ولا شيء له، أو يرده ويأخذ ثمنه إلا أن يدخله عنده
الجزء: 2 - الصفحة: 292
عيب مفسد فله أن يرجع بقيمة العيب القديم من الثمن، أو يرده ويرد ما نقصه العيب عنده اهـ.
قال النفراوي وهذا التخيير ثابت للمشتري سواء كان البائع مدلساً أو غير مدلس.
قال خليل: فله أخذ القديم ورده ودفع الحادث، وقوَّما بتقويم المبيع يوم ضمان المشتري، فيقوم سالماً من العيبين بعشرة مثلاً وبالقديم بثمانية، وبالحادث بستة، فإن رد دفع للبائع اثنين، وإن تماسك أخذ اثنين، وإن زاد الثمن أو نقص فبنسبة ذلك منه.
والحاصل أن أرش العيب القديم ينسب إلى ثمنه سليماً من العيبين وأرش الحادث إلى ثمنه معيباً بالقديم، ومحل هذا التخيير ما لم يقبله بالحادث، وإلا نزل الحادث عند المشتري بمنزلة العدم، فيخير المبتاع بين أن يتماسك ولا شيء له في القديم، أو يرد ولا شيء عليه في الحادث كما قال خليل: إلا أن يقبله بالحادث أو يقل فكالعدم اهـ بحذف.
انظر المقدمات في التدليس.
قال رحمه الله تعالى: " ثم العيب كل ما نقص الثمن أو المنفعة،
او كان علاقة، أو مخوف العاقبة.
وما اختلفا فيه نظره أرباب الخبرة وزواله قبل الرد
يسقطه إلا ألا يؤمن عوده " يعني أنه لما ذكر أحكام العيوب أراد أن يبينها بأنواعها.
قال ابن جزي في القوانين: المسألة الثالثة في أنواع العيوب، وهي ثلاثة: عيب ليس فيه شيء، وعيب فيه قيمة، وعيب رد، فأما الذي ليس فيه شيء فهو اليسير الذي لا ينقص من الثمن، وأما عيب القيمة فهو اليسير الذي ينقص من الثمن فيحط عن المشتري من الثمن بقدر نقص العيب، وذلك كالخرق في الثوب والصدع في حائط الدار.
وقيل إنه يوجب الرد في العروض بخلاف الأصول.
وأما عيب الرد فهو الفاحش الذي ينقص حظاً من الثمن، ونقص العشر يوجب الرد عند ابن رشد: وقيل الثلث.
فالمشتري في عيب الرد بالخيار بين أن يرده على بائعه أو يمسكه ولا أرش له على العيب،
الجزء: 2 - الصفحة: 293
وليس له أن يمسكه ويرجع بقيمة العيب إلا أن يفوت في يده اهـ كما تقدم.
قال الدردير في أقرب المسالك: وإن حدث بالمبيع عيب متوسط كعجف وعمى وعور وعرج وشلل وتزويج رقيق وافتضاض بكر فله التماسك وأخذ القديم، والرد ودفع الحادث، يقوم صحيحاً ثم بكل، إلا أن يقبله البائع بالحادث فكالعدم، كالقليل كوعك ورمد وصداع وقطع ظفر وخفيف حمى ووطء ثيب وقطع شقة كنصفين أو كقميص إن دلس.
والمخرج عن المقصود مفيت، كتقطيع غير معتاد، وكبر صغير، وهرم إلا أن يهلك بعيب التدليس أو بسماوي زمنه كموته في إباقه فالثمن.
وقوله: وما اختلفا فيه نظره أرباب الخبرة، يعني إذا اختلف البائع والمشتري في كون العيب قديماً أو حادثاً فإنه ينظر فيه أهل المعرفة.
قال ابن جزي يعرف حدوثه أو قدمه بالبينة أو باعتراف المحكوم عليه أو بالعيان، فإن لم يعرف بشيء من ذلك واختلف البائع والمشتري في قدمه وحدوثه نظر إليه أهل البصر ونفذ الحكم بما يقتضي قولهم، سواء كانوا مسلمين أو نصارى إذا لم يوجد غيرهم، وإلا حلف البائع على البت في الظاهر من العيوب، وعلى نفي العلم في الخفي.
وقيل على نفي العلم فيهما، وله رد اليمين على المشتري، وهل يحلف على البت أو على العلم قولان اهـ. وقوله: كانوا مسلمين إلخ وعبارة الجزيري في الفقه أنه قال: ولا يشترط في شهود قدم العيب أو حدوثه الإسلام ولا العدالة، ويكفي في الشهادة بهما شاهد واحد لأنهما خبر لا شهادة، إنما يشترط فيها عدم التجريح بالكذب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يلزمه رد غلة " يعني أنه تقدم في بيع الفاسد عند قول المصنف: ولا يلزمه رد غلة كما نقل عن الأجهوري.
ونصه: واعلم أن كل من أنفق على ما اشتراه وله غلة تبتغى كالغنم والدواب والعبد، ثم رده بعيب أو استحقاق أو
فساد لا يرجع بنفقته، بخلاف ما ليس له غلة تبتغى كالنخل إذا ردت مع ثمارها فإنه يرجع بقيمة سقيها وعلاجها، وهذا كله في غير ما له عين قائمة.
وأما النفقة فيما له عين قائمة
الجزء: 2 - الصفحة: 294
كالبناء والصباغ فإنه يرجع بها وله الغلة كسكنى الدار اهـ.
قال ابن جزي (فرع) من اشترى شيئاً فاستعمله ثم رد بعيب فالغلة له بالضمان، وكذلك إذا استحق من يده بعد أن استغله له اهـ. قال الدردير على أقرب المسالك: والغلة للمشتري للفسخ لا الولد، والثمر المؤثرة، والصوف التام، كشفعة واستحقاق وتغليس وفساد أي فهؤلاء الخمسة يفوزون بالغلة.
قال بعضهم:
والفائزون بغلة هم خمسة ... لا يطلبون بها على الإطلاق
الرد في عيب وبيع فاسد ... وشفعة فلس مع استحقاق
فالأولان بزهوها فاز بها ... والجد في فلس ويبس الباقي
وما أنفقوا قد ضاع تحت هلاكها ... وإذا انتفت رجعوا بكالإنفاق اهـ.
قال رحمه الله تعالى: (بخلاف الأولاد ومال العبد والصوف الكائن حال العقد) قال الخرشي والمعنى أن من اشترى إبلاً أو غنماً فولدت عنده ثم وجد بها عيباً فلا يردها إلا مع ولدها، ولا شيء عليه في الولادة إلا أن ينقصها ذلك فيرد معها ما نقصها.
قال ابن يونس: إن كان في الولد ما يجبر النقص جبره على قول ابن القاسم.
وسواء اشتراها حاملاً أو حملت عنده، خلافاً للسيوري في جعله الولد غلة اهـ. وقوله ومال العبد والصوف والكائن حال العقد، هما معطوفان على الأولاد.
وتقدم أن مال الرقيق للبائع إلا بشرط.
وفي الموطأ عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب قال: " من باع عبداً وله مال فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع ". قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن المبتاع إذا اشترط مال العبد فهو له نقداً كان أو ديناً أو عرضاً يعلم أو لا يعلم.
وإن كان للعبد من المال أكثر مما اشتُرِي به كان ثمنه نقداً أو ديناً أو عرضاً، وذلك أن مال العبد ليس على سيده فيه ذكاة اهـ.
وإذا رُد العبد أو الغنم بعيب فإن المشروط عند العقد من مال العبد يرد كالصوف
الجزء: 2 - الصفحة: 295
الكائن عند العقد والناشئ بعد العقد فمن الغلة يفوز بها المشتري.
وتقدم الكلام في النفقة والعلاج فراجعه إن شئت.
ثم انتقل يتكلم على بيان حكم الرد في عهدة الثلاث وعهدة السنة، فقال رحمه الله تعالى: " ويحكم بالعهدتين في الرقيق إن كانت عرفاً أو اشترطت في العقد، فعهدة الثلاث من سائر العيوب، والسنة من الجنون والجذام والبرص، ويثبت خيار الرد " معنى العهدة في الأصل: العهد وهو الإلزام والالتزام، وفي
العرف تعلق ضمان المبيع بالبائع في زمن معين، وهي قسمان: عهدة سنة وهي قليلة الضمان طويلة الزمان، وعهدة ثلاث، أي ثلاثة أيام، وهي قليلة الزمان كثيرة الضمان عكس الأولى، وهما خاصتان بالرقيق بالشرط أو العادة اهـ الدردير.
قال النفراوي في الفواكه: والدليل على مشروعية العهدتين عمل أهل المدينة.
وفي المدونة عن سحنون بإسناده عن عقبة بن عامر الجهني أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " عهدة الرقيق أربعة أيام أو ثلاثة ". وفي الموطأ أن أبان بن عثمان وهشام بن إسماعيل كانا يذكران في خطبتهما عهدة الرقيق في الأيام الثلاثة حين يشترى العبد أو الوليدة، وعهدة السنة.
ونقل ابن عبد البر أن عمر بن عبد العزيز قضى بها، وبها قال الفقهاء السبعة، وابن شعاب.
والقضاة ممن أدركنا يقضون بها وغير ذلك من الأحاديث اهـ. قال أبو محمد في الرسالة: والعهدة جائزة في الرقيق إن اشترطت أو كانت جارية بالبلد، فعهدة الثلاث الضمان فيها من البائع من كل شيء، وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص اهـ. قال خليل: ورد في عهدة الثلاث بكل حادث إلا أن يبيع ببراءة، ودخلت في الاستبراء، والنفقة عليه وله الأرش كالموهوب له إلا المستثنى ماله، وفي عهدة السنة بجذام وبرص وجنون بطبع أو مس جن، لا بكضربة إن شرطا، أو اعتيدا،
الجزء: 2 - الصفحة: 296
وللمشتري إسقاطهما، والمحتمل بعدهما منه أي من المشتري.
ثم قال: وسقطتا بكعتق فيهما.
وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وله الرد في عهدة الثلاث بكل حادث إلا أن يستثنى عيب معين، وعلى البائع فيها النفقة وله الأرش كالموهوب إلا أن يستثنى ماله.
وفي عهدة السنة بجذام أو برص أو جنون طبع أو مس جن لا بكضربة إن شرطا أو اعتيدا.
وسقطتا بكعتق وبإسقاطهما زمنهما وابتداؤهما أو النهار من المستقبل لا من العقد اهـ. قال ابن جزي في القوانين: " المسألة الرابعة " في العهدتين، وهما عهدة الثلاث من جميع الأدواء التي تطرأ على الرقيق، فما كان منها داخل ثلاثة أيام فهو من البائع وعليه النفقة والكسوة فيها والغلة ليست له.
وعهدة السنة من الجنون والجذام والبرص، فما حدث منها في السنة فهو من البائع وتدخل عهدة الثلاث في عهدة السنة، ويقضى بهما في كل بلد، وقيل لا يقضى بهما إلا حيث جرت العادة بهما، وتسقط العهدتان على البائع في بيع البراءة.
وانفرد مالك وأهل المدينة بالحكم بالعهدتين خلافاً لسائر العلماء اهـ.
ثم ذكر المصراة.
قال رحمه الله تعالى: " والتصرية عيب، فمن ابتاع مصراة جاهلاً فاحتلبها فله إمساكها، أو ردها وصاعاً من تمر أو غيره من غالب قوت البلد، لا يزاد لكثرة اللبن ولا ينقص لقلته، فإن علم تصريتها فاحتلبها ليختبرها أو
احتلبها ثانية لذلك فهو على خياره، فإن عاود سقط " يعني كأن سائلاً سأل ما التصرية وما حكمها إذا وقع؟ فقال: والتصرية عيب، وفي المدونة المصراة هي التي يترك اللبن في ضرعها ثم تباع وقد ردت لحلابها فلا يحلبوها، فهذه المصراة لأنهم تركوها حتى عظم ضرعها وحسن درها فأنفقوها بذلك، فالمشتري إذا حلبها إن رضي حلابها، وإلا ردها ورد معها مكان حلابها صاعاً من تمر أو من غالب قوت أهل البلد اهـ. قال الجزيري في الفقه على المذاهب الأربعة: مسألة المصراة هي التي أشرنا إليها في أول مبحث الرد بالعيب، وهي مأخوذة من التصرية، ومعناها جمع اللبن
الجزء: 2 - الصفحة: 297
وحبسه في ضرع الحيوان بفعل البائع ليكبر الضرع فيغتر المشتري ويشتريها ظناً منه أن عظم الضرع لسبب كثرة اللبن كثرة طبيعية، ويسمى هذا خيار التغرير الفعلي، وهو منهي عنه شرعاً فقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها إن شاء ردها وصاعاً من تمر) متفق عليه اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك عاطفاً على العيوب التي يرد بها المبيع: وتصرية حيوان، ويرد إن حلبه بصاع من غالب القوت، وحرم رد اللبن كغيره بدلاً عنه لا إن ردها بغير عيب التصرية أو قبل حلبها، وإن حلبت ثالثة فإن حصل الاختيار بالثانية فرضاً وإلا فله الثالثة، وحلف إن ادعى عليه الرضا ولا رد إن علم اهـ.
وحاصله أن المشتري إذا حلب المصراة أول مرة فلم يتبين له أمرها فحلبها ثانية ليختبرها فوجد لبنها ناقصاً فله ردها اتفاقاً فلو حلبها في اليوم الثالث فهو رضاً بها ولا رد له، ولا حجة عليه في الحلبة الثانية إذا بها يختبر أمرها، كذا لمالك في المدونة.
وفي الموازية عن مالك له حلبها ثالثة ويردها بعد حلفه أنه لم يرض بها، ولم يصرح في الموازية بأنه حصل له الاختيار بالحلبة الثانية اهـ قاله الصاوي في الحاشية.
بيع الثمار
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق ببيع الخيار وشروطه وأحكامه انتقل يتكلم على أحكام بيع الثمار والأشجار والنبات وما يتعلق بها من الأزهار، وبيع البقولات والمقثئة وما أشبه ذلك فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 2 - الصفحة: 298
فَصْلٌ
فيما يتعلق بأحكام بيع الثمار
أي في بيان بيع الثمار وشروطه وما يتعلق بذلك من الأحكام.
قال رحمه الله تعالى: " لا تباع الثمرة قبل زهوها إلا مع أصلها، أو على القطع، والإطلاق مبطل، كاشتراط التبقية، فزهو النخل الحمرة والصفرة، وغيرها طيب أكلة، فيباع
الجنس بطيب بعضه ولو في أصل واحد إذا كان متلاحقاً، لا بطيب مبكره، ولا شتوي بطيب صيفي " يعني أنه لا يجوز بيع الثمرة قبل زهوها إلا مع أصلها للنهي الوارد، وفي الموطأ عن مالك بإسناده " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها.
نهى البائع والمشتري " وعن أنس بن مالك " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تزهى فقيل له يا رسول الله وما تزهى؟ فقال: " حين تخمر " وفي رواية: " وعن بيع السنبل حتى يشتد ويطيب ويبيض ويأمن العاهة، وعن بيع العنب حتى يسود " وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا منع الله الثمرة فلم يستحل أحدكم مال أخيه) وعن عمرة بنت عبد الرحمن " أن رسوا الله صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الثمار حتى تنجو من العاهة " قال مالك: وبيع الثما قبل أن يبدو صلاحها من بيع الغرار اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز بيع ثمر أو حب لم يبد صلاحه، ويجوز بيعه إذا بدا صلاح بعضه، وإن نخلة من نخيل كثيرة.
قال الشارح: إذا لم تكن باكورة.
قال خليل: وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه إن لم تبكر، وأما الباكورة إذا بدا صلاحها وحدها فلا يجوز بيع غيرها ببدو صلاحها.
ويجوز بيع ثمرها وحدها اهـ النفراوي.
وعبارة الجزيري أنه قال: ولا يشترط في صحة بيع الثمار على شجرة أن يظهر صلاحه في جميع الشجر، فإذا كان عنده حديقة بها أشجار مختلفة من نخل ورمان وعنب وتين ومانجو وجوافة وغير ذلك إذا كانت في حديقة واحدة وظهر صلاح ثمر نوع منها ولو في شجرة واحدة فإنه يصح أن يبيع
الجزء: 2 - الصفحة: 299
باقي ثمار ذلك النوع وإن لم يبد صلاحها، فإذا ظهر صلاح الرمان في شجرة واحدة صح له أن يبيع جميع الرمان وإن لم يبد صلاحه إذا كان لا يفرغ رمان الشجرة التي ظهر صلاحها قبل ظهور صلاح ما يجاورها.
وأما إذا أثمرت شجرة مبكرة بحيث يستوي ثمرها قبل ظهور صلاح ثمر غيرها فإنه لا يجوز، وهكذا سائر الأجناس اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ولا يجوز بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، ويستوي في ذلك العنب والتمر وجميع الفواكه والمقاثي والخضراوات وجميع البقول والزروع.
وبدو الصلاح مختلف، ففي التمر أن يحمر ويصفر، وفي العنب أن يسود وتبدو فيه الحلاوة، وفي سائر الفواكه والبقول أن تطيب للأكل، وفي الزرع أن ييبس ويشتد، فإذا بدا الصلاح في صنف من ذلك جاز بيع جميع ما في البساتين منه اتفاقاً، ويجوز بيع ما يجاوره من البساتين خلافاً للشافعي، ولا يجوز بيع صنف لم يبد صلاحه ببدو صلاح صنف آخر كالبستان يكون فيه عنب ورمان فلا يجوز بيع الرمان حتى يبدو صلاحه خلافاً لبعضهم اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والورد ونحوه من النور بظهور بعضه، وله إلى آخر إبانه، والمقاثئ والمطابخ والمغيب كالجزر والفجل إذا أطعم، والموز إلى
أجل معلوم كالقصب، ويجوز جزءاً معلوماً أو حزماً، والبقل إذا أمكن جزه " يعني يجوز بيع الورد ونحوه كالزعفران وجميع ما له نور بظهور النور في بعضه.
والورد نبت معروف مشموم فيه رائحة طيبة.
والنور بفتح النون وهو الزهر، يقال أزهر النبات إذا ظهر نورها وانفتح.
قال خليل: وبدوه في بعض حائط كاف في جنسه إن لم تبكر لا بطن ثان بأول، وهو الزهو وظهور الحلاوة والتهيؤ للنضج، وفي ذي النور بانفتاحه، والبقول بإطعامها، وهل في البطيخ الاصفرار، أو التهيؤ للتبطخ قولان.
وللمشتري بطون كياسمين ومقثأة ولا يجوز بكشهر.
ووجب ضرب الأجل إن استمر كالموز.
ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 300
وحاصل ما نقله النفراوي عن شراح خليل في بدو الصلاح الذي يحل البيع في جميع الثمار والنباتات أنه قال: في البلح والزهو بضم الزاي والواو المشددة، وهو احمراره أو اصفراره، ويقوم مقام الزهو ظهور الحلاوة في البلح الخضاري، وأما بدوه في نحو الحب والتين والمشمش فظهور الحلاوة، وفي الموز بالتهيؤ للنضج، وفي ذي النور - بفتح النون - بانفتاحه كالورد والياسمين، وفي البقول واللفت والجزر والفجل والبصل بإطعامها واستقلال ورقها بحيث لا تفسد عند قلعها.
وأما البطيخ المعروف بالعبدلاوي والقاوون فاختلف فيه على قولين: أحدهما: أن يصفر، والثاني: يكتفى بتهيئه للاصفرار.
وأما البطيخ الأخضر فبدو صلاحه بتلون لبه بالسواد أو الحمرة.
وأما قصب السكر فبظهور حلاوته.
وأما الجوز واللوز وما شابههما فبأخذه في اليبس، وأما نحو القمح والفول والعدس ونحوها من بقية الحبوب فبدو صلاحه يبسه على المعتمد، فلو عقد عليه فريكاً فسخ إلا أن يفوت بقبضه بعد جزه.
قال خليل: ومضى بيع حب أفرك قبل يبسه بقبضه.
وأما الذي يطرح بطوناً ففيه تفصيل: محصله أن ما لا تتميز بطونه مما يخلف كالياسمين والمقاثي كالخيار فللمشتري جميع البطون ولو لم يشترط ذلك، لأنه لا يجوز شراء ما تطرحه المقثأة مدة نحو جمعة أو نصف شهر لعدم ضبط ذلك، وأما ما تتميز بطونه بأن تقطع البطن ثم تخلفها أخرى فحكمه أن تباع كل بطن على حدتها، ولا يكفي في حل بيع بطن بدو صلاح أخرى.
قال خليل: لا بطن ثان بأول.
. . هذا حكم البطون التي تأتي وتنقطع أصلاً وبقي حكم ما تستمر ثمرته زمناً طويلاً فهذا يجب عند بيعه ضرب الأجل.
قال خليل: ووجب ضرب الأجل إن استمر كالموز.
وأقول: الضابط الشامل لكل ما سبق أن يبلغ المعقود عليه الحالة التي ينتفع به فيها على الوجه الكامل من غير غرر ولا ضرر اهـ مع تصرف وإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " والقصيل حزماً أو مع الأرض أو بشرط القطع، لا على
الجزء: 2 - الصفحة: 301
التبقية، ولا الحب قبل يبسه واستغنائه عن الماء " والقصيل - كما في المصباح - هو الشعير يجذ أخضر لعلف الدواب، سمي قصيلاً لأنه يقصل وهو رطب، أو لسرعة انقصاله وهو رطب، ومعنى انقصاله أي انقطاعه.
والمعنى أن القصيل يجوز بيعه حزماً، أو مع الأرض، أو بشرط القطع، ولا يجوز بيعه على التبقية، وكذا لا يجوز بيع الحب قبل يبسه، فإن وقع فسخ إلا إذغ أفرك فيمضي بقبضه بعد الحصاد.
قال الدردير في أقرب المسالك: وفي الحب بيبسه، ومضى بيعه إن أفرك بقبضه.
قال في المدونة: أكرهه، فإن وقع وفات فلا أرى أن يفسخ.
قال الصاوي: يعني أن الحب إذا بيع قائماً مع سنبله جزافاً بعد إفراكه وقبل يبسه على التبقية، أو كان العرف ذلك فإن بيعه لا يجوز ابتداء، وإن وقع مضى بقبضه بحصاده اهـ كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والثمرة المؤبرة للبائع كالزرع الظاهر، وغيرهما تابع.
والتأبير تشقيق الطلع وتلقيحه، وغيره ظهور الثمرة من أكمامها " قد عقد ابن جزي فصلاً في القوانين في بيع الأرض وفيها زرع، والأشجار والبساتين وفيها ثمر، ثم قال: فمن باع أصول الأشجار وفيها ثمر فإن كان مأبوراً فهو للبائع سواء شرطه أو سكت عنه، ويكون للمشتري إن اشترطه، وإن كان لم يؤبر فهو للمشتري اشترطه أو لم يشترطه.
ولا يجوز أن يكون للبائع فإن أبر بعضه فالمأبور للبائع، وغير المأبور للمشتري.
والإبار في الثمر هو التذكير، وكذلك في كل ما يذكر.
والإبار فيما لا يذكر هو انعقاد الثمرة.
وإبار الزرع خروجه من الأرض.
ومن باع أرضاً وفيها زرع فإن لم يظهر فهو للمشتري شرطه أو لم يشترطه.
ولا يجوز أن يشترطه البائع لأنه كالجنين في بطن الجارية، وإن كان صغيراً قد ظهر فهو لمن اشترطه منهما، وإن سكتا عنه فقيل يكون للبائع، وقيل للمشتري.
وإن كان الزرع كبيراً قد بدا صلاحه فهو للبائع سواء شرطه أو سكت عنه، وإن اشترطه المشتري فهو له اهـ. وعبارة صاحب الرسالة
الجزء: 2 - الصفحة: 302
أنه قال: ومن باع نخلاً قد أبرت فثمرها للبائع إلا أن يشترطه المبتاع، وكذلك غيرها من الثمار، وأصله في الموطأ عن مالك.
والإبار التذكير.
وإبار الزرع خروجه من الأرض اهـ. يعني بالتذكير تعليق طلع الذكر على الأنثى لئلا تسقط ثمرتها.
ويقال له اللقاح.
وقيل شق الطلع عن الثمر.
وفي غير النخل كالخوخ والتين أن تبرز الثمرة عن موضعها وتتميز بحيث تظهر للناظر، وأما إبار الزرع فخروجه من الأرض، فمن ابتاع أرضاً ذات زرع ظاهر للناظر يكون زرعها لبائعها إلا أن يشترطه المشتري، كمن اشترى نخلاً مؤبراً كله أو جله، ومن اشترى أرضاً مبذورة لم يبرز زرعها فإنها للمشتري كما تقدم اهـ النفراوي بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز بيعها على أصولها جزافاً لا خرصاً، واستثناء جزء معلوم ما كان، وفي كيل أو أرطال أو نخلات ما لا يزيد على الثلث " يعني أنه يجوز بيع الثمر على رؤوس الأشجار جزافاً لا خرصاً، ويجوز لرب الحائط أن يستثني جزءاً معلوماً في حائطه ما لم يزد على الثلث، وفي الموطأ: " أن عمرة بنت عبد الرحمن كانت تبيع ثمارها وتستثني منها " قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل إذا باع ثمر حائطه أن له أن يستثني من ثمر حائطه ما بينه وبين ثلث الثمر ولا يجاوز ذلك، وما كان دون الثلث فلا بأس بذلك.
قال مالك: فأما الرجل يبيع ثمر حائطه ويستثني من ثمر حائطه نخلة أو نخلات يختارها ويسمي عددها فلا أرى بذلك بأساً، لأن رب الحائط إنما استثنى شيئاً من حائط نفسه، وإنما ذلك شيء احتبسه من حائطه وأمسكه ولم يبعه، وباع من حائطه ما سوى ذلك اهـ. وكذلك يجوز له أن يستثني في المكيلات والموزونات شيئاً معلوماً ما لم يزد على ثلث المبيع كما تقدم في الثمار.
قال رحمه الله تعالى: " وبيع قدر معلوم من حائط معين فإن نقدت ثمرته قبل استيفائه فهو مخير بين الرجوع ببقية رأس ماله، ويكون إقالة في البعض،
الجزء: 2 - الصفحة: 303
والتراضي على شيء عوضاً عنه لا عن الثمرة " يعني يجوز لصاحب الحائط أن يبيع قدراً معلوماً من حائطه المعين بعد بدو صلاحه، فإن نفدت ثمرته قبل أن يأخذ المشتري حقه فهو مخير بين رأس ماله وبين التراضي في شيء آخر يأخذه من صاحب الحائط معجلاً لا مؤخراً.
هذا وقد سئل مالك عن الرجل يشتري الرطب من صاحب الحائط فيسلفه الدينار ماذا له إذا ذهب رطب ذلك الحائط؟ قال مالك: يحاسب صاحب الحائط ثم يأخذ ما بقي له من ديناره، إن كان أخذ ثلثي ديناره رطباً أخذ ثلث الدينار والذي بقي له، وإن كان أخذ ثلاثة أرباع ديناره رطباً أخذ الربع الذي بقي له، أو يتراضيان بينهما فيأخذ بما بقي له من ديناره عند صاحب الحائط ما بدا له إن أحب أن يأخذ تمراً أو سلعة سوى التمر أخذها بما فضل له، فإن أخذ تمراً أو سلعة أخرى فلا يفارقه حتى يستوفي ذلك منه اهـ انظر نظائره في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز استثناء ما لا يجوز بيعه كالمجهول صفة وقدراً، والمحرم منفعة وعيناً " يعني أنه لا يجوز لمن باع شيئاً مما يجوز له بيعه أن يستثني منه شيئاً مما لا يجوز له بيعه كالأجنة في بطون الأمهات، سواء كان ذلك آدمياً أو غير الآدمي للنهي في ذلك، لأنه بيع الغرر.
قال مالك في الموطأ: ولا ينبغي بيع الإناث واستثناء ما في بطونها، وذلك أن يقول الرجل للرجل: ثمن شاتي الغريرة ثلاثة دنانير فهي لك بدينارين ولي ما في بطنها، فهذا مكروه، أي حرام، لأنه غرر ومخاطرة اهـ.
قال ابن رشد في المقدمات: والأشياء الموجودة بأيدي الناس تنقسم على قسمين: أحدهما ما لا يصح ملكه، والثاني ما يصح ملكه، فأما ما لا يصح ملكه لا يجوز بيعه بإجماع كالحر والخنزير والخمر والقرد والدم والميتة وما أشبه ذلك.
وأما ما يصح ملكه فإنه ينقسم على قسمين: أحدهما لا يصح بيعه إما لأنه على صفة لا يجوز بيعه عليها كالعبد
الجزء: 2 - الصفحة: 304
الآبق، والجمل الشارد، وتراب الصواغين وما أشبه ذلك، وإما لأن الشرع حرم بيعه كالأوقاف، ولحوم الضحايا عند جماعة العلماء، والمصحف عند بعضهم، والكلب المأذون في اتخاذه عند بعض أصحابنا.
والثاني يصح بيعه ما لم يقع على وجه يمنع الشرع منه اهـ. وتقدم كلام الجزيري في بيوع المنهيات عنها عند قول المصنف: والأعيان النجسة، فراجعه إن شئت.
وتلك الأشياء المذكورة مما لا يجوز بيعها، فاستثناؤها في البيع لغو، لأنها كالمعدوم في نظر الشارع، والمعدوم شرعاً كالمعدوم حساً.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا احتكار ما يضر احتكاره " يعني أنه لا يجوز احتكار ما يضر الناس في احتكاره.
قال ابن جزي في القوانين: ولا يجوز احتكار الطعام إذا أضر بأهل البلد.
واختلف هل يجبر الناس في الغلاء على إخراج الطعام أم لا؟ ولا يخرج الطعام من بلد إلى غيره إذا أضر بأهل البلد.
ومن جلب طعاماً خلي بينه وبينه، فإن شاء باعه وإن شاء احتكره اهـ. عن مالك أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قال: " لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق الله نزل بساحتنا فيحتكروه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء والصيف فذلك ضيف عمر فليبع كيف شاء الله وليمسك كيف شاء الله " رواه مالك في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يسعر على الناس، ومن نقص سعراً أمر أن يلحق بالناس أو يقام من السوق " يعني أنه لا يجوز التسعير، لما في الحديث أنه صلى الله عليه وسلم كان يكره التسعير إذا غلا القوت، ويقول لهم إذا قالوا سعر لنا: «إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال» اهـ. وقد قال عمر بن الخطاب لرجل وجده في السوق
الجزء: 2 - الصفحة: 305
يطفف: إما أن تزيد السعر وإما أن ترفع من سوقنا اهـ. رواه مالك بإسناده عن ابن المسيب.
قال ابن جزي في القوانين: لا يجوز التسعير على أهل الأسواق، ومن زاد في سعر أو نقص منه أمر بإلحاقه بسعر الناس، فإن أبى أخرج من السوق اهـ.
بيع العرية
ولما أنهى الكلام على بيع الثمار وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على العرية وأحكامها وشروطها فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في العرايا
أي في بيان ما يتعلق بالعرايا وأحكامها.
قال بعضهم: العرية هي أن يعري صاحب النخلة غيره نخلة ذات رطبة ليؤديها تمراً، ولها شروط وأحكام سنقف عليها إن شاء الله.
قال رحمه الله تعالى: " وتجوز العرية من كل ما يبس ويدخر من الثمار، وللموهوب له بيعها بعد زهوها من معريها بخرصها من متناهي جنسها، وفي خمسة أوسق فدونها يأخذه عند الجذاذ لا معجلاً، ومن غيره بما شاء من غير جنسها " يعني كما في الحديث، عن مالك بإسناده عن زيد بن ثابت " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أرخص لصاحب العرية أن يبيعها بخرصها " اهـ. قال في الرسالة: ومن أعري ثمر نخلات لرجل من جنانه فلا بأس أن يشتريها إذا أزهت بخرصها تمراً يعطيه ذلك عند الجذاذ إن كان فيها خمسة أوسق فأقل، ولا يجوز شراء أكثر من خمسة أوسق إلا بالعين والعروض اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وأما العرية فهي أن يهب له نخلة أو ثمر شجرة دون أصلها، ويجوز للمعري شراؤها منه بخرصها تمراً بأربعة شروط وهي: أن يبدو
الجزء: 2 - الصفحة: 306
صلاحها، وأن يكون خمسة أوسق فأقل، وأن يكون الثمن من نوع ثمر العرية، وأن يعطيه الثمر عند الجذاذ لا نقداً، وذلك مستثنًى من المزابنة.
وأجاز الشافعي بيعها من المعري وغيره ولم يجزها إلا في الثمر والعنب اهـ. قال الدردير: وجاز لمعرٍ وقائم مقامه اشتراء ثمرة أعراها تيبس بخرصها من نوعها، وفي الذمة لا على التخيل إن لفظ بالعرية، وبدا صلاحها، والمشتري خمسة أوسق فدون، وقصد المعروف أو دفع الضرر.
ولك شراء ثمر أصل لغيرك في حائطك بخرصه لقصد المعروف فقط.
وبطلت بمانع قبل حوزها بعد ظهور الثمر، وزكاتها وسقيها على المعري، وكملت أي إن نقصت عن النصاب اهـ بإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ومعري جماعة يشتري من كلٍّ خمسةَ أوسق كالجماعة الواحدة " واعلم أن ما تقدم من عدم الزيادة على شراء أكثر من خمسة أوسق محله إذا كان في العرية الواحدة أو في الحائط الواحد، وأما لو أعراه عرايا في حوائط في أوقات متعددة لجاز له شراء من كل حائط خمسة أوسق، كما لو كان أعرى للجماعة المتعددة فإن له أن يشتري من كلٍّ خمسة
أوسق، ما لم تكن العرايا في عقد واحد فتكون حينئذ كعرية واحدة، فلا يشتري منها إلا خمسة أوسق كما هو مفهوم في أول العبارة.
ولا فرق في هذا كله بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده اهـ النفراوي بتصرف وإيضاح.
قال الخرشي عند قول خليل: ولا يجوز أخذ زائد إلى قوله إلا لمن أعرى عرايا في حوائط وكل خمسة إلخ: هذا مستثنى من قوله خمسة أوسق فأقل، والواو من قوله وكل واو الحال.
وفي بعض النسخ فمن كل خمسة وهي أولى لموافقة قولها - أي المدونة -: ومن أعرى أناساً شتى من حائط أو من حوائط له في بلد أو بلدان شتى خمسة أوسق لكل واحد أو أقل أو أكثر جاز له أن يشتري من كل واحد خمسة أوسق فأدنى اهـ المدونة، ثم إن محل جواز الأخذ من كل عرية خمسة أوسق فأقل إن كان بألفاظ لا بلفظ واحد
الجزء: 2 - الصفحة: 307
على ما رجحه ابن الكاتب ونقله عنه ابن يونس، وظاهره أنه لا فرق بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده ولكنه خلاف ما للرجراجى من أنه لا فرق بين تعدد المعرى بالفتح واتحاده ولكنه خلاف ما للرجراجي من أنه إذا أعرى عرايا في حوائط لجماعة يجوز له أن يأخذ من كل حائط خمسة أوسق ولو وقعت بلفظ واحد اهـ الخرشي بحذف.
وقد عمت ما قدمناه في أول العبارة.
انظر ما حكاه القابسي في المواق وهو وجيه.
قال رحمه الله تعالى: " وسقيها وزكاتها على معريها " يعني كما في الخرشي، أي زكاة العرية إن بلغت نصاباً على المعري، وسقيها أي سقي شجر العرية أي إيصال الماء إليها على أي وجه كان بآلة أم لا على المعري، وما عداه من تقليم وتنقية وحراسة ونحو ذلك فهو على المعرى بالفتح، وإن قصرت العرية على النصاب وكان عند المعري بالكسر في حائطه ثمن يكملها نصاباً ضمت إليه وأخرج زكاة الجميع من ماله، ولا ينقص المعرى بالفتح عن عريته شيئاً اهـ. عبارة الحطاب أنه قال: يعني أن من أعرى شخصاً نخلاً أو نخلات من حائطه فإن على رب الحائط سقي تلك النخلة أو النخلات، وعليه زكاة ثمرتها، وسواء أعراه إياها قبل الزهو أو بعده، فإن كانت العرية دون خمسة أوسق فإن رب الحائط يضمها إلى باقي حائطه، فإن كان المجموع خمسة أوسق زكى ذلك.
قال في المدونة: وزكاة العرية وسقيها على رب الحائط، وإن لم تبع خمسة أوسق إلا مع بقية حائطه أعراه جزءاً شائعاً أو نخلاً معينة أو جميع حائطه.
قال أبو محمد: يريد يعطيه جميع ثمرة الحائط ويكون عليه أن يزكيه من غيره هذا بخلاف الواهب.
يعني أن من وهب لشخص ثمرة حائطه فإن سقيها وزكاتها على الموهوب له، يريد إلا أن تكون الهبة بعد الإزهاء فإن ذلك يكون على الواهب قاله في التوضيح اهـ بحذف.
الجزء: 2 - الصفحة: 308
أحكام الجائحة
ولما أنهى الكلام على العرايا وأحكامها انتقل يتكلم على ما يتعلق بالجائحة، وهي العاهة التي تصيب الثمار قبل بدو صلاحها.
فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في أحكام الجائحة في الثمار والزروع وغيرها
أي في بيان ما يتعلق بالجائحة في الثمار والزروع والبقول وغيرها مما يوضع عن المشتري قدر ما أجيح من الثمن.
قال رحمه الله تعالى: " الجائحة: الآفة السماوية، وفي الجيش قولان " يعني أن الجائحة أمر سماوي.
قال الدردير: وهي ما لا يستطاع دفعه من سماوي أو جيش، وفي السارق خلاف.
والسماوي هو الذي لا قدرة لأحد على دفعه، كبرد وثلج وغبار، وسموم أي ريح حار وجراد، وفأر ونار وجليد، ودود وطير، وغرق وغير ذلك من كل ما لا يستطاع دفعه.
والمشهور أن الجيش أمر سماوي توضع جائحته.
وعن مالك أنه بلغه أن عمر بن عبد العزيز قضى بوضع الجائحة.
قال مالك: وعلى ذلك الأمر عندنا.
قال مالك: والجائحة التي توضع عن المشتري الثلث فصاعداً، ولا يكون ما دون ذلك جائحة قاله في الموطأ اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا أتت على ثلث الثمر أو الزرع فصاعداً وجب وضع ما يقابله لا دونه، إلا أن يتلفها عطشاً فيوضع قليلها وكثيرها " يعني كما في الرسالة: فإن أجيح قدر الثلث فأكثر وضع عن المشتري قدر ذلك من الثمن، وما نقص عن الثلث فمن المبتاع اهـ. قال الدردير: وتوضع من العطش وإن قل، كالبقول على المعتمد والزعفران والريحان والقضب وهو علف الدواب، وورق التوت والفجل ونحوها قال الصاوي: والحاصل أن المقاثئ والباذنجان والقرع والفجل والجزر
الجزء: 2 - الصفحة: 309
والموز والياسمين، والعصفر والفول الأخضر، والجلبان حكمها حكم الثمار يراعى فيها ذهاب الثلث.
وعن أشهب أن المقاثئ كالبقول يوضع قليلها وكثيرها، والأول أشهر، وبه القضاء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا وضع بعد الجفاف " يعني لا توضع الجائحة بعد جفاف الزرع والثمار.
قال الشارح: كالقمح والفول وغيرهما من أنواع الحبوب، لأن ما ذكر لا يحل بيعه إلا بعد يبسه واستحصاده، فتأخيره محض تفريط من المشتري فلا يوضع عنه شيء من الثمن، ومثل الحبوب الثمار بعد تناهي طيبها، وفوات أوان قطعه على المعتاد.
قال خليل: وإن تناهت الثمرة فلا جائحة كالقصب الحلو ويابس الحب، لأن تأخير ما ذكر بعد زمان قطعه على العادة محض تفريط، فيجب
على المشتري جميع الثمن ولو أذهبت الجائحة جميعه.
وأما لو أصابته الجائحة؛ في الزمان الذي تقطع فيه على العادة لحطت عنه؛ لأن تأخيرها على هذا الوجه بمنزلة تأخيرها اتناهي طيبها اهـ. النفراوي.
وعبار ابن جزي في القوانين أنه قال: إذا بيع زرع بعد أن يبس واشتد، أو ثمر بعد تمام صلاح جميعه واستحقاقه للقطع ولم يكن في تبقيته فائدة ثم أصابته جائحة لم يوضع منها شيء اهـ. وعبارة الدردير: وإن انتهى طيبها فلا جائحة كالقصب الحلو ويابس الحب، وإن اختلفا فيها فقول البائع، وفي قدر المجاح فالمشتري اهـ.
أحكام السلم
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالجائحة انتقل يتكلم على السَّلَم وما يتعلق بأحكامه وشروطه وأركانه وغير ذلك مما هو لازم فيه.
قال رحمه الله تعالى:
الجزء: 2 - الصفحة: 310
فَصْلٌ
في السلم وأحكامه
أي في بيان ما يتعلق بالسلم، وهو السلف وأحكامه.
والسلم بيع شيء موصوف في الذمة بغير جنسهمؤجلاً.
قال الخرشي: هو والسلف واحدفي أن كلا منهما إثبات مال في الذمة مبذول في الحال.
ولذا قال القرافي: سمي سلماً لتسليم الثمن دون عوض، ولذلك سمي سلفاً اهـ. ويعني بقوله: دون عوض أي في الحال، فلا ينافي أن عوضه مؤجل كما في الصاوي، وحكمه الجواز، ودليل جوازه الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب فقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾ [البقرة:282] وأما السنة فمنها ما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم» وقد أجمع أئمة المسلمين على أن السلم جائز، ولذا قال رحمه الله تعالى: " ويجوز السلم في كل ما يضبط بالصفات التي تختلف الأغراض والأثمان باختلافها " يعني يجوز السلم في كل ما يمكن ضبطه كالأشياء التي تباع بالكيل أو بالوزن أو بالعد أو بالذرع، لأنها محدودة يمكن ضبطها بما ذكر وبصفة معلومة على اختلاف الأعراض والأغراض والأثمان، وكل منها بشرطها المعلوم في محله.
قال رحمه الله تعالى: " وشروطه الوصف وتقدير كميته وكونه في الذمة إلى أجل معلوم، والقدرة على تسليمه عند حلوله ونقد الثمن ويلزم تسليمه بسوقه إلا أن يعينا غيره " يعني أن شروط السلم سبعة: الأول تعجيل رأس المال، والثاني ألا يكون الثمن والمثمن طعامين ولا نقدين، الثالث أن يؤجل المسلم فيه بأجل معلوم كنصف شهر فأكثر لا أقل، الرابع أن يكون المسلم فيه في الذمة، الخامس أن
يضبط المسلم فيه بعادته التي جرى بها العرف في كيل أو وزن أو عد، السادس أن تبين الأوصاف التي
الجزء: 2 - الصفحة: 311
تختلف بها الأغراض عادة بياناً شافياً، السابع أن يوجد المسلم فيه عند حلوله غالباً اهـ بقرة العين، ملخصاً من أقرب المسالك والصاوي بتصرف وتوضيح قوله ويلزم تسليمه إلخ قال ابن جزي: الأحسن اشتراط مكان الدفع، وأوجبه أبو حنيفة، فإن لم يعينا في العقد مكاناً فمكان العقد، وإن عيناه تعين، ولا يجوز أن يقبضه بغير المكان المعين ويأخذ كراء مسافة ما بين المكانين لأنهما بمنزلة الأجلين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن أسلم طعاماً جاز أن يأخذ عند الحلول من جنسه معجلاً لا من غيره وقبل حلوله وفي غير المطعومات يأخذ ما شاء معجلاً " يعني من أسلم طعاماً جاز له أن يأخذ عند حلول الأجل من جنس ما أسلم معجلاً لا من غيره وقبل حلوله.
وفي غير المطعومات يأخذ ما شاء معجلاً، هذا معنى ما قاله المصنف.
انظر تفصيل ذلك في المقدمات.
وأما نص المدونة، قال مالك: كل من سلف طعاماً في طعام إلى أجل فلا يجوز إلا أن يقرض رجل رجلاً طعاماً في طعام مثله من نوعه لا يكون أجود منه ولا دونه، وإنما أراد بذلك المنفعة للذي أسلف، فهذا يجوز إذا أقرضه إلى أجله، وما سوى ذلك من الطعام قال لا يصلح أن يسلف بعضه في بعض إذا كان مما يؤكل أو يشرب، أو كان مما يكال أو يوزن أو يعد عداً، فإنه سواء لا يصلح الأجل فيما بين ذلك اهـ. قال في الرسالة: ولا يجوز أن يكون رأس المال من جنس ما أسلم فيه، ولا يسلم شيء في جنسه إلا أن يقرضه شيئاً في مثله صفة ومقداراً، والنفع للمستلف، ولا يجوز دين بدين وتأخير رأس المال بشرط إلى محل السلم، أو ما بعد من العقد من ذلك اهـ. قال شارحها: أما الطعامان والنقدان فيمتنع إذا وقع العقد بلفظ السلم أو البيع أو الإطلاق، وأما إن وقع بلفظ القرض فيجوز حيث تمحض النفع للمقترض اهـ ومثله في الخرشي.
وعبارة ابن جزي في القوانين أنه قال: من أسلم في طعام لم يجز له أن يأخذ عنه غير طعام، ولا أن يأخذ طعاماً من جنس آخر سواء كان ذلك قبل الأجل أو بعده، لأنه من بيع الطعام قبل قبضه، فإن أسلم في غير
الجزء: 2 - الصفحة: 312
طعام جاز أن يأخذ غيره إذا قبض الجنس الآخر مكانه، فإن تأخر القبض عن العقد لم يجز لمصيره إلى الدين بالدين، ويجوز أن يأخذ طعاماً من نوع آخر مع اتفاق الجنس كزبيب أبيض عن أسود إلا إن كان أحدهما أجود من الآخر أو أدنى فيجوز بعد الأجل، لأنه من الرفق والمسامحة، ولا يجوز قبله لأنه غب الدون وضع على التعجيل، وفي الأجود عوض عن الضمان اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وإن أتى بالمسلم فيه قبل حلوله لم يلزم بل يجوز قبضه ولا مطالبة له قبل حلوله " وفي نسخة: ولا مطالبته قبل حلوله، والمعنى كما في الدردير أنه لا يلزم دفعه ولا قبوله بغير محله ولو خف حمله كجوهر وثوب لطيف إلا أن يرضيا بذلك فيجوز إن حل الأجل انظر حاشية الصاوي عليه اهـ. وتقدم الكلام في نحو هذه المسألة عند قول المصنف: ويلزم تسليمه بسوقه فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز في زرع قرية أو ثمرة قرام بعينه إلا أن لا تختلف عن مثله غالباً " وفي نسخة: إلا أن يختلف عن مثله غالباً.
والقرام - بضم القاف -: المزرعة، وفي نسخة: القراح بالحاء بدل الميم، وهي المزرعة أيضاً.
قال في المصباح والقراح أيضاً المزرعة التي ليس فيها بناء ولا شجر، والجمع أقرحة.
فالمعنى كما في المدونة قال مالك: من سلف في ثمر هذه القرى العظام مثل خيبر ووادي القرى وذي المروة وما أشبهها من القرى فلا بأس أن يسلف قبل إبان الثمر، ويشترط أن يأخذ ذلك تمراً في أي الإبان شاء.
ويشترط أن يأخذ ذلك رطباً في إبان الرطب أو بسراً في إبان البسر، وكذلك القرى المأمونة التي لا ينقطع ثمرها من أيدي الناس أبداً، والقرى العظام التي لا ينقطع طعامها من أيدي الناس أبداً لا تخلو القرية من أن يكون فيها الطعام والثمر لكثرة نخيلها وزروعها فهذه مأمونة لا بأس أن يسلف فيها في أي إبان شاء، ويشترط أخذ ذلك تمراً أو حنطة أو شعيراً أو حبوباً أي الإبان شاء، وإن اشترط رطباً أو بسراً فليشترطه
الجزء: 2 - الصفحة: 313
في إبانه.
قال: وإنما هذه القرى العظام إذا سلف في طعامها أو في تمرها بمنزلة ما لو سلف في طعام مصر أو في تمر المدينة فهذا مأمون لا ينقطع من البلدة التي سلف فيها، وكذلك هذا في القرى العظام إذا كانت لا ينقطع الثمر منها لكثرة حيطانها، والقرى العظام التي لا تخلو من الحنطة والشعير والقطاني، فإن كانت قرى صغاراً أو قرى ينقطع طعامها منها في بعض السنة أو تمرها في بعض السنة فلا يصلح أن يسلف في هذه إلا أن يسلف في تمرها إذا أزهى.
ويشترط أخذ ذلك رطباً أو بسراً، ولا يؤخر الشرط حتى يكون تمراً ويأخذه تمراً، لأنه إذا كان بهذه المنزلة في صغار الحيطان وقلتها وصغار القرى وقلة الأرض فليس ذلك بمأمون قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: بلغني أن ابن عباس كان يقول: لا بأس بالسلف المضمون إلى أجل معلوم اهـ المدونة.
وقد ذكر الصاوي في حاشيته على الدردير عند قوله: وإن انقطع ماله إبان خير المشتري إلخ أي من السلم الحقيقي بأن كان غير محصور في قرية أو في قرية مأمونة، وأما إن انقطع ثمر الحائط المعين
الذي أسلم في كيل معلوم منه أو ثمر القرية غير المأمونة الذي أسلم في كيل معلوم منها، فإنه يرجع المسلم بحصة ما بقي له من السلم عاجلاً اتفاقاً، ولا يجوز التأخير لأنه فسخ دين في دين، وله أخذ بدله ولو طعاماً، وهل يرجع على حسب القيمة فينظر لقيمة كل مما قبض ومما لم يقبض في وقته ويقبض الثمن على ذلك، فإذا أسلم مائة دينار في مائة وسق من ثمر الحائط المعين ثم قبض من ذلك خمسين وسقاً وانقطع، فإذا كان قيمة المأخوذ مائة وقيمة الباقي خمسين فنسبة الباقي للمأخوذ الثلث فيرجع بثلث الثمن قل أو كثر وعليه الأكثر، أو يرجع على حسب الملكية فيرجع بنسبة ما بقي منها من غير تقويم فيرجع بنصف الثمن في المثال تأويلان اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز إسلام ما عدا النقد والمطعومات من العروض بعضها في بعض متفاضلاً إلى أجل بشرط اختلاف الجنس واختلاف الأغراض والمنافع، كالخلق والألوان، فيجوز عبد تاجر أو حاسب في أعبد سذج ونحو
الجزء: 2 - الصفحة: 314
ذلك، فإن اتحد الجنس منع التفاضل " قوله ما عدا النقد والمطعومات، وفي نسخة ما عدم التقدير والمطعومات، فالمعنى على ما في النسخة الأولى وهي الصحيحة أنه يجوز دفع رأس مال السلم من جميع أنواع العروض بعضها في بعض ما عدا النقد والمطعومات، ولا يجوز تسليم الذهب في الذهب ولا تسليم الفضة في الفضة ولا العكس، ولا تسليم الطعام في الطعام ولو اختلفا جنساً، لما في ذلك من الربا، وأما غيرهما فجائز تسليم العروض في غير جنسها أو في جنسها بشرط اختلاف الأغراض والمنافع حتى الحيوان بعضها في بعض إذا اختلفت المنافع والأغراض اختلافاً بيناً.
قال الدردير كما في المختصر: ولا يكونا طعامين ولا نقدين ولا شيئاً في أكثر منه أو أجود كالعكس، إلا أن تختلف المنفعة، كفاره الحمر في الأعرابية، وسابق الخيل في الحواشي، وجمل كثير الحمل أو سابق في غيره، وقوة البقرة وكثرة لبن الشاة إلا الضأن على الأصح اهـ قال ابن جزي في الشرط الثاني من شروط السلم: وأن يكونا مختلفين تجوز فيه النسيئة بينهما، فلا يجوز تسليم الذهب والفضة أحدهما في الآخر لأن ذلك رباً، وكذلك تسليم الطعام بعضه في بعض ممنوع على الإطلاق لأنه رباً، ويجوز تسليم الذهب والفضة في الحيوان والعروض والطعام، ويجوز تسليم العروض بعضها في بعض، وتسليم الحيوان بعضه في بعض بشرط أن تختلف الأغراض والمنافع، فلا يجوز مع اتفاق الأغراض والمنافع، لأنه يؤول إلى سلف جر منفعة.
ومنع أبو حنيفة السلم في الحيوان اهـ بحذف.
وهذا أصح وأبين مما يأتي في معنى عدم التقدير كما ستقف عليه عن قريب إن شاء الله.
وأما الكلام على ما في النسخة الثانية وهي قوله ويجوز إسلام ما عدم التقدير قلت: الشيء الذي عدم التقدير لا يجوز تسليمه بأن يكون رأس المال في السلم ولا في المسلم فيه، لأن بالتقدير يعلم قدر كل شيء، إما بالكيل في المكيل، وإما بالوزن في الموزون وإما بالعد في المعدود أو بالذرع في المذروع، وأيضاً عدم التقدير في رأس المال يؤدي إلى عدم الضبط في المسلم إليه، وإن كان الضبط يحصل بالوصف في الأشياء المذكورة
الجزء: 2 - الصفحة: 315
إلا أنه يؤدي إلى الجهل بالمقدار في تلك الأشياء كالجهل بالمعيار.
قال الدردير: وفسد بمعيار مجهول أي كزنة هذا الحجر أو ملء هذا الوعاء.
اللهم إذا قصد بعدم التقدير التحري عند عدم آلة الوزن أو الكيل في إسلام رأس مال السلم فيجوز حينئذ أن يضبط ذلك بالتحري لعدم آلة الكيل أو الوزن أو الذرع.
وحاصل ما ذكره الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك أنه قال: إذا فقدت آلة الوزن وكنا نعلم قدرها واحتجنا للسلم في اللحم مثلاً فيجوز أن يسلم الجزار في مائة قطعة مثلاً كل قطعة لو وزنت كانت رطلاً أو رطلين مثلاً، وكذلك إذا عدمت آلة الكيل وعلم قدرها واحتيج للسلم في الطعام فيقول المسلم للمسلم إليه: أسلمك ديناراً في قمح ملء زكيبتين مثلاً كل زكيبة لو كيلت كانت إردباً مثلاً آخذه منك في شهر كذا.
هذا معنى ضبط السلم بالتحري على أحد التأويلين.
والتأويل الثاني يقول: المراد أن تأتي للجزار بحجر أو بقطعة لحم مثلاً وتقول له: أسلمك في مائة قطعة من اللحم كل قطعة لو وزنت كانت قدر هذا الحجر أو قدر هذه القطعة، والفرض أنه لا يوزن اللحم بعد حضوره بهذا الحجر أصلاً بل إذا جاء أعطى المسلم
إليه للمسلم مائة قطعة مماثلة لذلك الحجر تحرياً بدون أن توزن وإلا فسد.
ومن ذلك لو أتى لصاحب القمح بقفة لا يعلم قدرها ويقول له أسلمك ديناراً في قمح لو كيل بهذه لكان ملأها مرة أو مرتين آخذه في يوم كذا.
ولا يكال بها عند حضوره بل تتحرى المماثلة كملئها مرة أو مرتين وإلا فسد للجهل.
فالتأويل الأول لابن أبي زمنين.
والثاني لابن زرب اهـ قال الجزيري: ويصح السلم في الخضر والحشائش كالبرسيم ويضبط بالحمل بكسر الحاء، كأن يقول له: أسلمك جنيهاً في مائة حمل برسيم كل حمل ملء هذا الحبل، ويوضع الحبل تحت يد أمين أو يقاس طوله وسمكه بمقياس مخصوص ويكتب في ورقة، ومثل ذلك الكراث والكزبرة، ولا بد من تكون آلة الكيل أو الوزن معلومة، فإذا ضبط بشيء مجهول كملء هذه القطعة مثلاً أو وزن هذا الحجر ولم يكن مقدراً
الجزء: 2 - الصفحة: 316
بمعيار مخصوص فإن السلم يفسد اهـ بحروفه.
أحكام القرض
ولما أنهى الكلام على السلم انتقل يتكلم على ما يتعلق بالقرض وأحكامه، وهو شبيه بالسلم لما فيهما من دفع معجل في غيره، ولذا ذيله به فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان ما يتعلق بالقرض وهو بمعنى السلف
أي في بيان ما يتعلق بالقرض وأحكامه، ويسمى سلفاً أيضاً وهو لغة أهل العراق، ويطلق على القرض فيما لا منفعة فيه للمقترض سوى الثواب من الله تعالى، وعلى المقترض رده كما أخذه.
وعرفه ابن عرفة بقوله: هو دفع متمول في عوض غير مخالف له لا عاجلاً تفضلاً فقط، لا يوجب إمكان عارية لا تحل متعلقاً بذمة اهـ. وبدأ المصنف بحكم القرض ولم يبدأ بتعريفه كما فعل غيره كالدردير في أقرب المسالك.
فإنه قال: القرض إعطاء متمول في عوض مماثل في الذمة لنفع المعطي فقط، وهو مندوب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويجوز قرض ما سوى الإماء، وأجازه ابن عبد الحكم من محرم وتلزم قيمتها بالوطء " يعني كما قال في الرسالة: والسلف جائز في كل شيء إلا في الجواري.
قال شارحها قوله: إلا في الجواري أي لمن تحل له على تقدير ملكها، فلا يجوز سلفها له، لما في ذلك من عارية الفروج، لأن المقترض يجوز له أن يرد نفس الذات المقترضة، وربما يكون ردها بعد التلذذ بها ولذا لا يحرم إقراضها لمن لا يتأتى منه الاستمتاع كصغير وشيخ فان، أو كان المقترض امرأة أو كانت الجارية لا تُشتهى، ولذا قال خليل: إلا جارية تحل للمستقرض، وردت إلا أن تفوت بمفوت البيع الفاسد فالقيمة ولا ترد كاستيلادها اهـ.
الجزء: 2 - الصفحة: 317
قال رحمه الله تعالى: " ويحرم اشتراط منفعة أو زيادة لا التبرع بها " يعني أنه يحرم للمقرض والمقترض اشتراط المنفعة والزيادة للنهي عنه، وأما لو حصلت زيادة غير مشروطة ولا وأي في ذلك بل تبرعاً لجاز وقيل مع الكراهة.
قال في الرسالة: ومن رد في القرض أكثر عدداً في مجلس القضاء فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة، فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم ولم يجزه اهـ. قال ابن جزي: السلف هو القرض، فحكمه الجواز، وهو فعل المعروف سواء كان بالحلول أو مؤخراً إلى أجل معلوم، وإنما يجوز بشرطين: أحدهما ألا يجر نفعاً، فإن كانت المنفعة للدافع منع اتفاقاً للنهي عنه وخروجه عن باب المعروف، وإن كانت للقابض جاز، وإن كانت بينهما لم يجز لغير ضرورة.
واختلف في الضرورة كمسألة السفاتج وسلف طعام مسوس أو معفون ليأخذ
سالماً، أو مبلول ليأخذ يابساً فيمنع في غير المسغبة اتفاقاً، ويختلف معها، والمشهور المنع، وكذلك من أسلف ليأخذه في موضع آخر يمنع في ما فيه مؤونة حمل، ويجوز أن يصطلحا على ذلك بعد الحلول لا قبله.
الشرط الثاني: ألا ينضم إلى السلف عقد آخر كالبيع وغيره اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: وحرم هديته، أي لمقرضه، كرب القراض، وعامله، والقاضي، وذي الجاه، إلا أن يتقدم مثلها أو يحدث موجب.
وكما تحرم هدية المقترض للمقرض يحرم بيعه مسامحة لذلك اهـ بإيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ويصح تأجيله ويلزم قبوله قبله بموضع القضاء فلو لقيه بغيره لم يلزمه الدفع، بل يخرج معه أو يوكل من يقضيه " وفي نسخة أو يوكل من يقبضه، فالمعنى يصح تأجيل القرض ويلزم على المقترض قبوله إذا دفعه له المقترض عند حلوله في موضع القضاء، ولا يلزم المقترض دفعه إذا لقيه بغير محل القضاء.
قال النفراوي: ويجوز ضرب الأجل في القرض عند مالك دون غيره من الأئمة، وإذا دفعه المقترض لزم المقرض قبوله ولو كان غير عين حيث دفعه له بمحله لا بغيره فلا يلزمه، بخلاف
الجزء: 2 - الصفحة: 318
العين فيلزمه القبول مطلقاً، إلا أن يكون المحل مخوفاً فلا يلزمه القبول قبل المحل كسائر الديون هذا هو الذي ينبغي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويمنع الوضع على التعجيل " يعني لا يجوز وضع بعض الدين المؤجل لتعجيل الباقي منه لأن ذلك منهي عنه.
قال في الرسالة: ولا تجوز الوضيعة من الدين على تعجيله، قال شارحها: أي لا تجوز الحطيطة من الدين سواء كان من بيع أو من قرض على شرط تعجيله قبل حلوله، كأن يكون لشخص على آخر دين عرض أو عين أو طعام لأجل كشهر مثلاً ويتفق مع من عليه الدين على إسقاط بعضه، ويعجل له الباقي قبل انتهاء الشهر فهذا حرام، وتسمى هذه الصورة بضع من حقك وتعجل، أي حط عني حصة منه وأعجل لك باقيه وحرمة ضع وتعجل عامة في دين البيع والقرض كما بينا وإنما امتنع لأدائه إلى سلف جر نفعاً، بيانه: أن من عجل شيئاً قبل وجوبه يعد مسلفاً لما عجله ليأخذ عنه بعد الأجل ما كان في ذمته وهو جميع الدين، فإن وقع ونزل رد إليه ما أخذه ويستحق جميع دينه عند حلول الأجل وإن لم نطلع عليه حتى انقضى الأجل وجب على من عليه الدين أن يدفع له الباقي الذي كان أسقطه عنه صاحب الدين اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وكره العمل بالسفاتج إلا أن يكون النفع للمقترض والله أعلم " يعني أنه يكره العمل بالسفاتج، وعبر بعضهم بالمنع إلا عند الضرورة فيجوز العمل بها.
والسفاتج جمع سفتجة قال في المصباح: فارسي معرب، أي
اسم فارسي، وفسرها لعضهم فقال: هي كتاب صاحب المال لوكيله أن يدفع مالاً قراضاً يأمن به من خطر الطريق، والجمع السفاتج اهـ. قال ابن جزي في الفروع: السادس مسألة السفاتج وهي سلف الخائف من غرر الطريق، يعطي بموضع ويأخذ حيث يكون متاع الآخر فينتفع الدافع والقابض في ذلك قولان اهـ. قال خليل عاطفاً على الممنوعات: أو عين عظم حملها
الجزء: 2 - الصفحة: 319
كسفتجة.
قال شراحه: السفتجة بفتح السين المهملة وسكون الفاء وفتح الفوقية والجيم- لفظ أعجمي، أي فارسي معرب -: ورقة يكتبها مقترض ببلد كمصر لوكيله ببلد آخر كمكة ليقضي عنه بها ما اقترضه بمصر مثلاً فيمنع لانتفاع المقرض بدفع كلفة ما أقرضه عن نفسه من مصر إلى مكة وغرره براً وبحراً إلا أن يعم الخوف في البر والبحر فيجوز للضرورة.
قال الدردير: كعموم الخوف على المالفي الطريق فيجوز أن يسلفه لمن علم أنه يسلم معه.
قال الصاوي: بل يجب، لأن حفظ المال واجب بأي وجه تيسر حفظه به، وكذلك يجب دفعه إن قام دليل على نفع المقترض فقط كمحاقة، أو كان بيع المسوس الآن أحظ للمسلف - بالفتح - لغلائه ورخص الجديد في إبانه فيجوز، بل يجب لوجود المواساة حينئذ اهـ بتوضيح.
ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بالقرض انتقل يتكلم على أحكام الإجارة وما يتعلق بها، فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 2 - الصفحة: 320