أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»كتاب النكاح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أي في بيان ما يتعلق بذكر مهماته ومسائله من صداق وطلاق وعدة ورجعة وخلع وظهار ولعان وإيلاء ونفقة ورضاع وغيرها من المسائل.
وهو باب مهم ينبغي زيادة الاعتناء به.
والنكاح لغة: حقيقة في الوطء مجاز في العقد.
وأما اصطلاحاً فعلى العكس، أي حقيقة في العقد مجاز في الوطء.
والأصل فيه الندب لما فيه من التناسل وبقاء النوع الإنساني وكف النفس عن الزنا الذي هو من الموبقات.
فبدأ رحمه الله ببعض مسائله فقال: " يباح النظر لإرادة النكاح " يعني اتفق الأئمة على جواز نظر وجه المخطوبة وكفيها قبل نكاحها، بل قال بعضهم: إن النظر قبل العقد مندوب، لكن المعتمد جواز ذلك كما يفيده النقل، انظره في حاشية الخرشي.
وفي الحديث عن أبي هريرة أنه قال: " كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل فأخبره أنه تزوج امرأة من الأنصار، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظرت إليها؟ قال: لا، قال: فاذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئاً " رواه مسلم والنسائي.
وعن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل " رواه أبو داود والشافعي والحاكم وصححه.
وعن المغيرة أنه خطب امرأة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما " رواه النسائي والترمذي وحسنه.
قال العلامة الشيخ منصور على في غاية المأمول: ففي هذه النصوص طلب النظر إلى المخطوبة، والمطلوب النظر إلى وجهها وكفيها فقط، فإن حسنهما يدل على بقية الجسم، وللزوجة أن تنظر من الرجل ذلك أيضاً.
ومن لم يمكنه النظر بنفسه فليرسل من تنظرها وتصفها له؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أم سليم لتنظر له امرأة يريد زواجها اهـ.

الجزء: 2 - الصفحة: 67

قال رحمه الله تعالى: " وخطبة جماعة امرأة " معطوف على النظر يعني ويباح للجماعة أن يخطبوا امرأة في أول أمرها قبل ركونها أو وليها إلى أحد من الخطاب: قال ابن رشد في المقدمات: لا بأس أن يجتمع الاثنان والثلاثة وأكثر على خطبة المرأة.
وقد روي أن جرير بن عبد الله البجلي سأل عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أن يخطب عليه امرأة من دوس ثم سأله مروان بن الحكم بعد ذلك أن يخطبها عليه، ثم سأله بعد ذلك ابنه عبد الله أن يخطبها عليه، فدخل على أهلها والمرأة جالسة في قبتها عليها سترها، فسلم عمر فردوا السلام وهشوا له وأجلسوه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وصلى على نبيه عليه الصلاة والسلام ثم قال: إن جرير بن عبد الله البجلي يخطب فلانة وهو سيد المشرق، ومروان بن الحكم يخطبها وهو سيد شباب قريش، وعبد الله بن عمر يخطبها وهو من قد علمتم، وعمر بن الخطاب يخطبها، فكشفت المرأة عن سترها وقالت: أجاء أمير المؤمنين؟ قال: نعم.
قالت: قد زوجت يا أمير المؤمنين زوجوه فزوجوه إياها فولدت له ولدين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإذا ركنت إلى أحدهم لم يجز لغيره إلا أن يرغب الأول عنها " لخبر: " لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له " رواه الخمسة عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال في الرسالة: ولا يخطب أحد على خطبة أخيه ولا يسوم على سومه.
وذلك إذا ركنا وتقاربا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والصحيح أنه لا يفسخ ولكن يتحلل منه، فإن أبى عليه استغفر الله " يعني أنه قد كثرت أقوال العلماء في فسخ هذا النكاح وعدم فسخه.
قال بعضهم: يفسخ قبل الدخول وبعده.
وقال بعض: يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده.
وقال بعض: يفسخ ما لم يطل.
وقال بعض: يفسخ ولو طال ولو ولدت الأولاد.
فأجاب المصنف بقوله: والصحيح أنه لا يفسخ إلخ، يعني الصحيح من أقوال العلماء أنه لا يفسخ النكاح المذكور، وغاية الأمر أن يرضيه ويحلله فيما أرتكبه من فعل المنهي عنه، فإن حلله وسامحه فلله الحمد وإلا فليستغفر الله تعالى ويتب إليه عن مثل ذلك.

الجزء: 2 - الصفحة: 68

ثم قال رحمه الله تعالى: " وينعقد بكل لفظ يدل على تأبيد ملك منافع البضع والاستيجاب ويكفي القابل قبلت " هذا شروع فيما ينعقد به النكاح من الصيغة وهي الإيجاب والقبول.
وهي اللفظ الدال على إثبات النكاح، ينشأ من ولي وزوج أو وكيليهما.
فالصيغة من الولي نحو أنكحتك أو زوجتك أو وهبتك، لكن لا بد في هذا الأخير أن يقرن بذكر الصداق المعين نحو وهبتك بنتي أو وليتي فلانة على أن تصدقها مائة دينار مثلاً أو ما اتفقا عليه، فإن لم يعين الصداق فلا ينعقد على المشهور.
ذكره بهرام وقيل ينعقد وهو لابن القصار.
أو يقول في صيغة الهبة وهبتها لك تفويضاً ويكون فيه صداق المثل.
ولا ينعقد بغير هذه الثلاثة على المذهب، يعني أنكحتك أو زوجتك، أو وهبتك.
فلو قال بعت، أو ملكت، أو أبحت أو حللت، أو أطلقت لك التصرف فيها، أو تصدقت، أو أعطيت، أو منحت، قاصداً بواحدة من هذه الصيغ النكاح، سواء سمى الصداق أم لا، وكذا وهبت إذا لم يذكر الصداق.
فالمذهب عدم الانعقاد.
وهذا كله مرور على طريقة صاحب الشامل اهـ ومقتضى ما ذكره المصنف وما مشى عليه الأجهوري أنه ينعقد بواحدة من تلك الصيغ كلها إذا اقترن بذكر الصداق.
قال خليل: وركنه ولي وصداق ومحل وصيغة بأنكحت وزوجت، وبصداق وهبت.
وهل كل لفظ يقتضي البقاء مدة الحياة كبعث كذلك، تردد اهـ. وأما الصيغة من الزوج تكون بنحو قبلت ورضيت.
هذا إذا كان الزوج هو القابل بنفسه.
وأما وكيله فيقول قبلت له نكاحها، أو قبلت لفلان.
ومثل اللفظ الإشارة للعاجز منهما كالأخرس اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والولي شرط وهو المسلم الذكر الحر المكلف الرشيد.
واختلف في العدالة والأظهر أنها شرط كمال " وما ذكره من أن الولي شرط في النكاح مثله لابن جزي، خلافاً لما في المختصر من أن الولي ركن في النكاح وهو المشهور.
قال خليل: وركنه ولي وصداق ومحل صيغة اهـ. فتحصل أن الولي ركن

الجزء: 2 - الصفحة: 69

على المشهور في المذهب، ومن صفته أن يكون مسلماً، فلا يزوج الكافر المسلمة، وأن يكون ذكراً فلا تصح ولاية الأنثى نفسها ولا على غيرها، وأما ولاية الزوج فلا يشترط فيها الذكورية.
وأن يكون حراً فلا تصح ولاية العبد ومن فيه شائبة رق.
ويفسخ ما عقده ولو بعد الدخول، ولها المهر المسيس.
وأن يكون مكلفاً فلا ولاية لمجنون ولا لصبي وأن لا يكون محرماً بحج أو عمرة، فلا تصح ولاية من أحرم بأحدهما حتى يتم أركان نسكه كالزوجين.
وأن يكون رشيداً فلا تصح ولاية السفيه إلا أن يكون إذا رأى وأذن له وليه.
واختلف في العدالة، قال المصنف: والأظهر أنها شرط كمال، وهو كذلك على المشهور.
قال الدردير: إذ فسقه لا يخرجه عن الولاية، فيتولى غير العدل عقد نكاح ابنته، أو ابنة أخيه، أو معتوقته إذا لم يوجد لها عاصب نسب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي قسمان: نسب وهم العصبات فيقدم أقواهم تعصيباً " يعني أن الولاية تنقسم على قسمين الأول النسب، والثاني السبب، وسيأتي الكلام عليه.
وأما النسب فيتولى العقد أقرب رجل للمرأة من عصبتها كما قال المصنف.
وقال أبو محمد في الرسالة: والابن أولى من الأب، والأب أولى من الأخ، ومن قرب من العصبة أحق.
وإن زوجها البعيد مضى ذلك.
يعني أن الابن أولى بتزويج أمه من الأب على المشهور لا أقوى العصبة، وأنه أحق بموالي مواليها من الأب، وأولى بالصلاة عليها منه ولأن الأب يكون معه صاحب فرض، وابن الابن وإن سفل مثل الابن في ذلك اهـ أبو الحسن: فإن لم يكن لها أب فأخوها ثم ابنه، ثم الجد، فالعم، ثم ابن العم، يقدم الأقرب فالأقرب هكذا.
قال رحمه الله تعالى: " وللأب إجبار البكر وإن بلغت، والثيب الصغيرة وفي العانس قولان " يعني للأب إجبار ثلاث من بناته الأولى البكر ولو عانساً على المشهور إلا إذا رشدها، أو أقامت سنة ببيت زوجها ثم تأيمت فلا جبر له عليها، الثانية بنته الثيب الصغيرة بأن تأيمت ورجعت إليه قبل البلوغ، بعد أن أزال الزوج بكارتها

الجزء: 2 - الصفحة: 70

فله جبرها.
الثالثة بنته المجنونة ولو كانت بالغاً ثيباً له جبر عليها، ولا كلام لولدها إن كان لها ولد رشيد اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا يمنعه الثيوبة بسقطة أو زناً كرجوع البكر قبل المسيس " يعني أن البكر إذا زالت بكارتها بعارض كسقطة أو زناً ولو تكرر، أو ضربة، أو حمل شيء ثقيل، أو بعود نحو ذلك فإن ذلك لا يمنع الأب عن إجبارها، بل له جبرها ولو عانساً.
وفي الرسالة: وللأب رإنكاح ابنته البكر بغير إذنها وإن بلغت، وإن شاء شاورها.
قال رحمه الله تعالى: " وغيره بالإذن في البالغة العاقلة، فإذن البكر صماتها والثيب نطق " يعني أن غير المجبر لا يزوج امرأة إلا بإذنها إن كانت بالغة عاقلة.
قال في الرسالة: ولا يزوج الثيب أب، ولا غيره إلا برضاها، وتأذن بالقول، وأما البكر فإذنها صماتها، كما في الحديث الصحيح عن مالك بإسناده عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صماتها " اهـ رواه في الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " والصحيح بطلان العقد على اليتيمة إلا أن يخاف عليها " قال الصاوي في حاشيته على الدردير.
واعلم أن البنت إذا مات أبوها أو غاب وكفلها رجل، أي قام بأمورها حتى بلغت عنده، أو خيف عليها الفساد سواء كان مستحقاً لحضانتها شرعاً أو كان أجنبياً فإنه يثبت له الولاية غليها، ويزوجها بإذنها أن لم يكن لها عصبة، وهل ذاك خاص بالدنيئة وهو ظاهر المدونة، فلذا اقتصر عليه الشارح، أو حتى في الشريفة خلاف قلت هذا ما لم يكن حاكم شرعي وإلا فالحاكم هو ولي من لا ولي له كما في الحديث.
قال ابن جزي في القوانين: وأما السلطان فيزوج البالغة عند عدم الولي أو عضله أو غيبته، ولا يزوج هو ولا غيره الصغيرة.
وقيل: يجوز له وللقرابة تزويجها إن دعتها

الجزء: 2 - الصفحة: 71

ضرورة ومستها حاجة وكان مثلها يوطأ اهـ. قال العلامة الدسوقي: والحاصل أن بلوغها عشراً مطلوب لمراعاة القول الآخر وهو مذهب المدونة ومثله في الرسالة، لأن اليتيمة لا تزوج إلا إذا بلغت.
وليس شرطاً يتوقف عليه تزوجها على القول الذي جرى به العمل بتزويجها، وكذلك مشاورة القاضي وإن كانت واجبة ليس شرعاً على ما علمت، فلذا قال العدوي: المعتمد في هذه المسألة ما ارتضاه المتأخرون من أن المدار على خيفة الفساد، فمتى خيف عليها الفساد في مالها أو في حالها زوجت، بلغت عشراً أو لا رضيت بالنكاح أم لا، فيجبرها وليها على التزويج، ووجب مشاورة القاضي في تزويجها، فإن لم يخف عليها الفساد وزوجت صح النكاح إن دخل وطال.
وإن خيف فسادها وزوجت من غير مشاورة القاضي صح إن دخل وإن لم يطل اهـ. هذا هو الحاصل في معنى قول خليل: إلا يتيمة خيف فسادها وبلغت عشراً وشور القاضي، وإلا صح إن دخل وطال اهـ انظر شراحه وإليه أشار الناظم رحمه مولاه بقوله: وزوجت يتيمة بالنطق ... من كفئها بالنقد خوف الفسق وشوور القاضي وعشراً بلغت ... بمهر مثل عجلوه قد ثبت قال رحمه الله تعالى: " فإن اجتمعوا قدم أرشدهم، فإن استووا فأسنهم، فإن استووا عقدوا جميعاً فإن عقد أحدهم مضى كعقد الأبعد، فإن تنازعوا فالسلطان، فإن عضل بعضهم عقد غيره كغيبة الأحق " يعني إذا تشاح الأولياء المتساوون في درجة واحدة كإخوة كلهم علماء نظر الحاكم فيمن يقدمه منهم، وإن لم يكن حاكم أقرع بينهم.
وقيل يعقدون معاً وعليه المصنف.
وفي حاشية الخرشي: فإن تنازعوا في العقد فيقدم السلطان أفضلهم، فإن تساووا فيه فأسنهم، فإن استووا فيه زوج الجميع.
وهذا هو الذي يجب المصير إليه اهـ. وأما إن عضل عليها بعضهم فإن العاضل يسقط حقه فيزوجها غيره على كفئها أو السلطان.
قال في المدونة: فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له، أو

الجزء: 2 - الصفحة: 72

يكون لها ولي فيمنعها عضلاً لها فإذا منعها فقد أخرد نفسه من الولاية بالعضل.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار " اهـ قال ابن جزي في القوانين: إن عضل الولي المرأة أمره السلطان بإنكاحها، فإن امتنع زوجها السلطان وذلك إذا دعيت إلى كفء وبصداق مثلها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو أذنت لوليين فزوجها كل جاهلاً بعقد الآخر فإن ظهر عليه قبل البناء وجهل السابق فسخا، وإن علم ثبت، وإن دخل الثاني جاهلاً فاتت الأول " هذه هي المسألة التي تسمى بذات الوليين، هي امرأة أذنت لوليها في عقد نكاحها، فعقد كل منهما برجل بدون علم الآخر ولا سابق في العقد، فالحكم فيه الفسخ معاً، هذا ما لم يعرف السابق في الدخول وإلا فالسابق بالدخول أحق بها إن دخل وهو جاهل بالأول.
قال في المدونة: وإذا وكلت المرأة كل واحد من ولييها فزوجها هذا من رجل وهذا من رجل فالنكاح لأولهما إذا عرف الأول، إلا أن يدخل بها الآخر فهو أحق بها أي ما لم يكن في عدة وفاة الأول حين دخوله بها فيفسخ لأنه ناكح في العدة، ولا يفسخ إذا طلق الأول قبل موته.
وقبل تلذذه بها لأنها في غير عدة اهـ مع طرف من المواق.
قال ابن جزي: إن زوجها وليان من رجلين فالداخل من الزوجين أولى إذا لم يعرف السابف اهـ. قال الدردير: وإن أذنت لوليين فعقدا فللأول إن لم يتلذذ بها الثاني غير عالم، وإلا فهي له أي الثاني إن لم يكن عقده في عدة وفاة الأول ولم يتلذذ بها قبله أي قبل تلذذ الثاني فتحصل أن شروط كونها للثاني ثلاثة: أن يتلذذ بها غير عالم بأنه ثان، وأن لا يكون عقده في عدة الأول، وأن لا يسبقه الأول بالتلذذ بها.
ثم قال وفسخ بلا طلاق إن عقدا بزمن واحد كنكاح الثاني إن شهدت بينة على إقراره فبل دخوله بها أنه ثان أي إذا شهدت بينة على الثاني أنه قبل دخوله عليها أقر على نفسه أنه ثان فإن نكاحه يفسخ بلا طلاق، وتكون للأول لأنه ثبت أنه تلذذ بها عالماً لا إن أقر بعد الدخول

الجزء: 2 - الصفحة: 73

فيفسخ بطلاق كجهل الزمن اهـ. ثم ذكر القسم الثاني من قسمي ولاية النكاح فقال رحمه الله تعالى: " الثاني سبب " يعني الثاني من قسمي الولاية السبب وهما ما يتوصل به إلى أمر من الأمور، وهو غير النسب، وكل من حصل له سبب من أسباب الولاية تثبت له الولاية بذلك السبب سواء كان السبب وصية أو غيرها مما هو سبب ولاية كالعتق.
ولما كان الوصي أقوى الأولياء، بدأ به رحمه الله تعالى: " فوصي الأب مقدم في البكر وفي الثيب إسوتهم، وذو الولاء عند عدم عصبة النسب، والمولاة تستخلف، ثم الحاكم، ثم العامة وهي ولاية الدين، فإن عقد مع وجود المجبر فباطل، ومع غيره يمضي في الدنية وفي غيرها للأخص الخيار " يعني أن وصي الأب مقدم على سائر الأولياء في تزويج البكر لأنه مجبر كالأب.
قال خليل: وجبر وصي أمره أب به، أو عين له الزوج، وإلا فخلاف اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وأما الوصي من قبل الأب ووصي فيقومان في العقد مقام الأب خلافاً للشافعي، وله الجبر والتزويج قبل البلوغ وبعده من غير استيمار إن جعل له الأب بذلك، وهو أولى من القرابة، واستحب بعض المتأخرين أن يعقد الولي بتقديم الوصي جمعاً بين الوجهين، فإن عقد الوصي جاز وإن لم يأذن الولي، وإن عقد الولي دون إذن الوصي جاز في الثيب لا في البكر.
وأما الوصي من القاضي فيعقد بعد البلوغ لا قبله، ولا يجبر ويجب استيمارها، وإن كان الوصي امرأة استخلفت من يعقد اهـ. وأما قوله وفي الثيب إسوتهم يعني ينبغي للأفضل من الأولياء أن يتقدم في تزويج الثيب بإذنها ورضاها بالقول كما تقدم.
ومما ينبغي الاعتناء به أن يقدم أولياء النسب على أولياء الولاء في المعتوقة.
قال ابن جزي: وأما المولى فهو المعتق فيعقد على من أعتقها إن لم يكن لها عصبة، وتستخلف المعتقة من يعقد على من أعتقها إن لم يكن لها عصبة.
ولا ولاية للمولى الأسفل أي مع الأعلى اهـ. وممن يستحق ولاية النكاح بالسبب الحاكم، فيتقدم في تزويج البالغة عند عدم الولي أو

الجزء: 2 - الصفحة: 74

عضله أو غيبته، ولا يزوج هو ولا غيره الصغيرة على ما تقدم بيانه في ذلك فراجعه إن شئت.
وأما الولاية العامة فهي آخر الرتبة في ولاية النكاح.
قال ابن جزي: فتجوز في المذاهب إذا تعذرت الولاية الخاصة، فأما مع وجودها فقيل لا تجوز أصلاً وفاقاً لهم أي لجمهور الأئمة.
وقيل تجوز في الدنية التي لا خطر لها وكل واحد كفؤ لها بخلاف غيرها اهـ. قوله بخلاف غيرها إشارة إلى الشريفة فإن زوجت مع وجود الولي الخاص فللولي أو الحاكم النظر في إمضائه ورده بحسبما تقدم، وأما مع وجود المجبر فيفسخ مطلقاً سواء دخل بها أو لم يدخل في الدنية أو الشريفة ولو أمضاه المجبر على المشهور إلا في حالة التفويض بأن شهدت البينة أن المجبر فوض جميع أموره له من إنكاح بناته وتصرف بماله فهذا إذا زوج فلا يفسخ ما عقد على بنات المجبر بشرط أن يكون المفوض عليه أباً للمجبر أو ابناً أو أخاً أو جداً، وأما إذا فوض الولي المجبر إلى أجنبي أموره فزوج بنته بدون إذنه غإنه لا يصح ويفسخ العقد ولو أجازه الولي.
قال في فقه المذاهب: وكذلك إذا فوض إلى أقاربه المذكورين بإقراره فإنه لا يعتبر بل لا بد أن يكون التفويض بالبينة اهـ أنظره.
قال رحمه الله تعالى: " وللولي فيما يباح له تولي طرفي العقد بإذنها ورضاها به " يعني يجوز على الولي أن يتولى عقد نكاح وليته لنفسه على نفسها برضاها وإذنها.
قال خليل: ولابن عم ونحوه تزويجها من نفسه إن عين بتزوجتك بكذا وترضى وتولي الطرفين اهـ. قال ابن جزي: الفرع الخامس يجوز لابن العم والمولى ووكيل الولي والحاكم أن يزوج المرأة من نفسها ويتولى طرفي العقد خلافاً للشافعي، وليشهد كل واحد منهم على رضاها خوفاً من منازعتها اهـ. قال بعضهم: ولا يحتاج لقوله قبلت لأن قوله تزوجتك فيه قبول.
وقال تاشيخ سالم: قوله تزوجتك بكذ إيجاب وقبول من جانبه، وكأنه قال: تزوجنك وقبلت اهـ من حاشية الخرشي.
قال رحمه الله تعالى: " ومعين المرأة كفؤاً أولى من معين الولي " يعني إذا عينت

الجزء: 2 - الصفحة: 75

المرأة كفؤاً لها، وعين الولي كفؤاً غيره فكفؤها مقدم على كفئه.
قال خليل: وعليه الإجابة لكفء، وكفؤها أولى، فيأمره الحاكم ثم زوج اهـ قال الخرشي: يعني أنه يجب على الولي غير الأب في البكر إجابة المرأة إلى كفء معين دعت إليه وهي بالغة لأنها لو لم تجب لذلك مع كونها مضطرة إلى عقده كان ذلك ضرراً بها، فإن دعا الولي إلى كفء غير كفئها أجيبت وكان كفؤها أولي من كفئه لأنه أدوم للعشرة فيأمره الحاكم أن يزوج من دعت إليه، فإن فعل فواضح وإن تمادى على الامتناع فيسأله عن وجهه، فإن رآه صواباً ردها إليه وإلا عد عاضلاً برد أول كفء، وحينئذ يزوجها الحاكم بعد ثبوت ثيوبتها عنده وملكها أمر نفسها، وإن المهر مهر مثلها وكفاءة الخاطب، وإن شاء رد العقد لغير العاضل من الأولياء إن كان اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " والكفاءة الدين، فالمنصوص أن المولى والعبد كفء للحرة العربية " يعني أن الكفاءة تعتبر بالدين والحال ولا تعتبر بالمال والنسب ولا بالحرية على المنصوص في المذهب.
فالحرة وذات مال وجاه لها ترك حقها من الكفاءة وتزوج بالعبد والفقير إذا اتفقت هي ووليها.
قال خليل: والمولى وغير الشريف والأقل جاهاً كفء.
قال الخرشي: يعني أن كل واحد من هذه الثلاثة كفء لمن هو دونها في المرتبة، فالمولى أي العتيق كفء للعربية، وغير الشريف كفء للشريفة، والأقل جاهاً كفء لمن هو أقوى منه جاهاً اهـ ثم قال: وفي العبد تأويلان.
وقد علمت أن لها وللأولياء ترك الكفاءة.
انظر الحطاب.
وأما كون الزوج غير فاسق وهو أيضاً حق المرأة والأولياء معاً.
فإن اتفقت معهم على أن تتزوج فاسقاً جاز وقد ظلمت هي وأولياؤها أنفسهم، هذا بشرط الأمن على نفسها منه، فإن لم يؤمن عليها فيجب على الحاكم رد النكاح ولو رضيت هي ووليها لأنه صار الحق لله تعالى لوجوب حفظ النفوس، ولا يلتفت لرضاها ورضا وليها اهـ.

الجزء: 2 - الصفحة: 76

قال رحمه الله تعالى: " وهو حق للمرأة والولي فيجوز اتفاقهما على تركها " يعني أن الكفاءة حق المرأة والأولياء، فإن اتفقت معهم على تركها ماعدا الإسلام جاز، وأما الإسلام فلا يجوز لأحد من الأولياء ولا المرأة تركها إجماعاً لأن الإسلام شرط صحة في نكاح المسلمة.
قال رحمه الله تعالى: " ولا ولاء لمسلم على كافرة إلا للسيد في أرقائه فله إجبارهم ولا يجبر هو " يعني أنه لا يجوز أن يكون المسلم ولياً في عقد نكاح الكافرة لقوله تعالى: ﴿ما لكم من ولايتهم من شيء﴾ [الأنفال: 72] إلا ما استثني للسيد في أرقائه فيجوز له تزويجهم وإجبارهم على ذلك سواء كانوا ذكوراً أو أناثاً، ولا يجبر على السيد في ذلك.
قال الخرشي: والمعنى أن المسلم إذا كانت له أمة كافرة أو معتقة كذلك، فإنه يجوز له أن يزوجها بشرط أن تكون المعتقة من غير نساء الرجال الذين يؤدون الجزية بأن أعتقها وهو مسلم ببلاد الإسلام فله تزويجها لمسلم أو كافر إن كانت كتابية، فإن كانت من نساء أهل الجزية بأن أعتقها مسلم ببلدهم أو أعتقها كافر ولو ببلد الإسلام ثم أسلم فلا يزوجها إلا أن تسلم اهـ مع طرف من الإكليل.
قال رحمه الله تعالى: " فإن تزوج العبد بغير إذن سيده فله إجازته، لا الأمة ثم ليس له منعه الرجعة ولا إجباره على الفرقة، ولا ينفسخ ببيعه " يعني إن تزوج العبد بغير إذن السيد فالحكم فيه في يد سيده، وأما الطلاق فليس للسيد فيه مدخل.
قال في الرسالة: ولا نكاح لعبد ولا لأمة إلا أن يأذن السيد.
وقال أيضاً: والطلاق بيد العبد دون السيد اهـ. قال خليل: وللسيد رد نكاح عبده بطلقة فقط بائنة إن لم يبعه.
يعني فإن باعه فليس له رد نكاحه لخروجه عن ملكه وليس للمشتري رده أيضاً لسبق النكاح لملكه إلا إذا رد العبد لبائعه حين ما اشتراه بغير علم بأنه متزوج فله رده اهـ. قال ابن جزي: فإن تزوج العبد بغير إذن سيده فإن شاء السيد أجازه أو فسخه

الجزء: 2 - الصفحة: 77

بطلقة أو طلقتين، وإن تزوجت الأمة بغير إذن سيدها لم يجز وإن أجازه السيد؛ لأنها لا تعقد نكاح نفسها اهـ وأما الرجعة أي ارتجاع زوجة العبد وليس أيضاً بيد السيد بل بيد العبد كالطلاق كما تقدم والله أعلم اهـ. ولما أنهى الكلام على بعض المسائل المهمات التي ابتدأ بها المصنف انتقل يتكلم على المحرمات من النساء اللاتي يحرم على الإنسان تزوجهن فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن

أي في بيان المحرمات اللاتي لا يصح العقد عليهن.
قال في الرسالة: وحرم الله سبحانه من النساء سبعاً بالقرابة وسبعاً بالرضاع والصهر، فقال عز وجل: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت﴾ [النساء: 23] فهؤلاء من القرابة، واللواتي من الرضاع والصهر قوله تعالى: ﴿وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسآئكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف﴾ [النساء: 23] وقال تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح ءابائكم من النساء﴾ [النساء: 22] وحرم النبي صلى الله عليه وسلم بالرضاع ما حرم من النسب اهـ. وعلى تفسير ذلك عقد المصنف هذا الفصل، وبدأ بما بدأ الله به فقال رحمه الله تعالى: " تحرم الأم وإن علت، والبنت وإن نزلت، ولو من الزنا عند ابن القاسم، وأجازه ابن الماجشون " يعني أن الله سبحانه حرم أصول الشخص وفروعه، فأما أصوله فهن أمهاته، فتحرم عليه أمه التي ولدته وجدته من كل جهة وإن علت، وأما فروعه فهن بناته، وبنات بناته وإن نزلن، ولو كانت البنت من زناً فهي حرام

الجزء: 2 - الصفحة: 78

عليه عند ابن القاسم.
وقال ابن الماجشون يجوز نكاحها.
قال خليل: وحرم أصوله وفصوله ولو خلقت من مائه.
قال الخرشي: يعني الرجل إذا زنى بامرأة فحملت منه بابنة فإنها تحرم عليه، كما يحرم عليه من بناته من ثبت نسبها منه لأن الجميع خلقن من مائه فهي بنت أو كالبنت على المشهور فتحرم عليه وعلى أصوله وفروعه، لا ربيبة، ومثل البنت الابن المخلوق من مائه فيحرم على صاحب الماء تزوج بنته اهـ قال الصاوي على الدردير: ورد بالمبالغة على ابن الماجشون حيث قال لا تحرم البنت التي خلقت من الماء المجرد عن الغقد وما يشبهه من الشبهة على صاحب الماء لأنها لو كانت بنتاً لورثته وورثها وجاز له الخلوة بها وإجبارها على النكاح، وذلك منتف عندنا.
ومثل من خلقت من ماء الزنا من شربت من لبن امرأة زنى بها إنسان فتحرم تلك البنت على ذلك الزاني الذي شربت من مائه، وهذا ما رجع إليه مالك وهو الأصح اهـ قال القرطبي في تفسير سورة الفرقان: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته أو أخته أو ابنة ابنه من الزنا، فحرم ذلك قوم منهم ابن القاسم وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي اهـ أنظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " والأخت وبنات الأخ وبنات الأخت وإن بعدن " يعني يحرم على الشخص فروع أبويه وهن أخواته فتحرم عليه أخته من كل حهة سواء كانت شقيقة أو لأب أو لأم، كما يحرم عليه بناتها وبنات أبنائها وبنات أخيه وإن نزلن، كلهن يحرمن عليه أبداً.
قال رحمه الله تعالى: " والعمات والخالات من جميع الجهات " يعني يحرم على الشخص فروع أجداده وجداته وهن عماته وخالاته سواء كن شقيقات لأبيه أو شقيقات لأمه أو ما فوق ذلك من عمات الآباء وخالاتهم، أو من عمات الأمهات وخالاتهن.
وتلخيص ذلك أن كل من ولده جدك أو جدتك وإن علوا سواء من قبل الآباء

الجزء: 2 - الصفحة: 79

أو من قبل الأمهات فهي عليك حرام، ولا يدخل في ذلك شيء من بناتهن أولئك حلال نكاحهن.
قال في الفقه: وإلى هنا ينتهي التحريم فلا تحرم عليه بنات عماته ولا بنات خالاته ولا بنات عمه فلا يحرم من فروع الأجداد والجدات إلا البطن الأولى اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وأم الزوجة بالعقد، وبناتها بالدخول بها، وتختص الحرمة بعينها أو كونها في حجره " يعني تحرم على الشخص أو زوجته بالعقد على بنتها، ولا يحرم عليه بناتها حتى يدخل بالأم لأن العقد على البنات يحرم الأمهات، والدخول بالأمهات يحرم البنات، قال في الفقه: وإذا عقد الشخص على امرأة حركت عليه أمها وإن علت، سواء دخل بها أو لم يدخل.
أما بنتها فإنها لا تحرم إلا بالدخول كما عرفت اهـ. قال في المقدمات: ويدخل في قوله وأمهات نسائكم أمهات الأمهات ومن فوقهن من الجدات وليس يدخل فيه بنات الأمهات ولا أخواتهن ولا عماتهن ولا خالاتهن، أولئك حل نكاحهن بعد موتهن أو فراقهن لأنهن ذوات محارم فإنما يحرم الجمع بينهن اهـ. هذا معنى قول المصنف وتختص الحرمة بعينها، أي تحرم على زوج بنتها هي وأمهاتها فتنبه.
وأما قوله أو كونها في حجره لا يشترط كونها في حجره بل لا فرق بين أن تكون في حجره أو لم تكن فيه لأن الآية خرجت مخرج الغالب، فإن الغالب عدم استغناء الربيبة عن أمها فهي في حجر زوجها.
قال رحمه الله تعالى: " وحلائل الآباء وإن علوا والأبناء وإن نزلوا " هذا تفسير قوله تعالى: " ولا تنكحوا ما نكح أبآؤكم " والمراد بالنكاح هنا العقد، فمتى عقد أحد من أصول الشخص على امرأة فلا يحل تزوجها لأبنائه وأبناء أبنائه وأبناء بناته، كما تحرم زوجة الابن على أبيه وأجداده وإن علوا بشرط أن يكون الابن ابن الصلب لقوله تعالى: " ﴿الذين من أصلابكم﴾ وخرج به الذي تبناه الأب فلا تحرم عليه زوجته إذا مات

الجزء: 2 - الصفحة: 80

أو طلق، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه تزوج زينب بنت جحش زوجة زيد بن حارثة الذي كان تبناه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال العلامة حسين بن إبراهيم في قرة العين: مسألة إذا عقد الأب نكاح امرأة ولو مختلفاً فيه كمحرم بأحد النسكين وسغار وتزويج المرأة نفسها حرمت على أولاده، وكذا عقد الابن ولو صغيرا يحرم على الأب، وأما عقد الشراء فلا يحرم فإذا اشترى الأب جارية فلا تحرم على ابنه بنفس عقد الشراء لأن التحريم في الملك إنما يكون بالتلذذ، وكذا يقال في الابن إذا اشترى أمة لا تحرم على الأب بعقد الشراء وإنما تحرم بالتلذذ إن كان الابن بالغاً، وأما إن كان غير بالغ فإنه لا يحرم على أبيه الأمة ولو مراهقاً لأن تلذذه ووطأه كلا وطء اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والنكاح المختلف فيه كالصحيح " يعني أن النكاح المختلف فيه حكمه كالصحيح، وذلك كنكاح المحرم بأحد النسكين فيفسخ بطلاق وتعتد المرأة كعدة الصحيح، وينشر الحرمة على أصوله وفروعه، وتستحق به الصداق إن دخل، ويلحق به الولد، ويدراً الحد على الزوجين، لكن لا تحل به لمن طلقها ثلاثاً.
قال في الرسالة: وما فسد من النكاح لصداقه فسخ قبل البناء فإن دخل بها مضى وكان فيه صداق المثل، وما فسد من النكاح لعقده وفسخ بعد البناء ففيه المسمى، وتقع به الحرمة كما تقع بالنكاح الصحيح، ولكن لا تحل به المطلقة ثلاثاً ولا يحصن به الزوجان اهـ. قال ابن جزي: فكل نكاح أجمع على تحريمه فسخ بغير طلاق، وما اختلف فيه فسخ بطلاق، وقيل كل نكاح يجوز للولي أو لأحد الزوجين إمضاؤه أو فسخه فسخ بطلاق، وكل ما يغلبون على فسخه ويفسخ قبل البناء وبعده فسخ طلاق، وفائدة الفرق أن الفسخ بطلاق يوقعه الزوج ويحسب في عدد التطليقات، والفسخ بغير طلاق يوقعه الحاكم ولا يحسب في عدد الطلقات، وتعتد من الفسخ كما تعتد من الطلاق.
ثم قال النكاح الفاسد الذي يفسخ بغير طلاق لا يكون فيه بين الزوجين توارث، والفاسد الذي يفسخ بطلاق

الجزء: 2 - الصفحة: 81

يتوارثان فيه إن مات أحدهما قبل الفسخ.
وكل نكاح يدرأ فيه الحد فالولد لاحق بالوطئ فلا يجوز للزوج أن يتزوجها في عدتها منه، وكل نكاح فسخ اختياراً من أحد الزوجين حيث لهما الخيار جاز أن يتزوجها في عدتها منه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والجمع بين الأختين، والمرأة وعمتها أو خالتها بملك أو نكاح " يعني يحرم على الشخص الجمع بين الأختين.
قال النفراوي: ولو من الرضاع وكذا يحرم الجمع بين المرأة وعمتها أو خالتها، لما في الحديث عنه عليه الصلاة والسلام قال: " لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها " رواه مالك في الموطأ.
وإليه أشار صاحب الرسالة بقوله: ونهى أن تنكح المرأة على عمتها أو خالتها.
قال النفراوي: أو على بنت أخيها أو بنت أختها.
وأشار إلى ذلك العلامة خليل بالعطف على المحرمات بقوله: وجمع خمس أو اثنتين لو قدرت أي ذكراً حرم، أي نكاح الأخرى، وهذا الضابط مقيد بما إذا كان امتناع الجمع بالقرابة والرضاع أو المصاهرة فلا يرد الجمع بين المرأة وأمتها، والجمع بين المرأة وبنت زوجها، والجمع بين المرأة وأم زوجها فإنه يجوز، لأن الحرمة من جانب واحد، بخلاف نحو المرأة وعمتها لو قدرت كل ذكراً حرم عليه نكاح الأخرى لأن الشخص يحرم عليه نكاح عمته، وكذلك المرأة وبنت أخيها لو قدرت المرأة ذكراً لحرم عليه بنت أخيه، ولو قدرت بنت الأخ ذكراً لحرم عليه نكاح عمته.
وضابط خليل ربما يشمل العمتين والخالتين والعمة والخالة.
ومثال العمتين يوجد في بنتي رجلين تزوج كل منهما أم الآخر، والخالتين يتصور في بنتي رجلين تزوج أحدهما أم الآخر والآخر بنت الآخر أنظر التتائي.
ومثله للأمير في المجموع نقلاً عن البرزلي كما ذكره الشيخ حسين بن إبراهيم في قرة العين.
قال رحمه الله تعالى: " والزيادة على أربع زوجات فإن طلق واحدة رجعياً لم

الجزء: 2 - الصفحة: 82

يحل له غيرها حتى تنقضي عدتها بخلاف البائن " يعني يحرم على الشخص المتزوج بأربع زوجات تزوج الخامسة.
قال خليل عاطفاً على المحرمات: وجمع خمس.
قال ابن عرفة تزويج الخامسة حرام إجماعاً لا ما دونها اهـ المواق.
فإذا تزوج الخامسة فالحكم فيه الفسخ بغير طلاق لأنه مجمع على فساده.
وأما إذا طلق ذو أربع زوجات واحدة طلاقاً رجعياً فلا يحل له تزوج الأخرى حتى تنقضي الأولى من عدة الطلاق الرجعي، أما لو كان طلاقها بائناً لجاز له التزوج بأخرى بدون تربص شيء.
قال العلامة الصاوي في حاشية الدردير: وهل منع الرجل من نكاح كأخت في عدة تلك المطلقة الطلاق الرجعي يسمى عدة أولاً قولان، وعلى الأول فهي إحدى المسائل التي يعتد فيها الرجل، إلى أن قال: ثانيها من تحته أربع زوجات فطلق واحدة وأراد أن يتزوج واحدة فلا بد من تربصه حتى تخرج الأولى من العدة إن كان طلاقها رجعياً اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومعتدة الغير والتصريح بخطبتها " يعني يحرم على الشخص عقد على معتدة الغير، بل لا يجوز للخاطب أن يصرح بالخطبة في العدة، سواء كانت المخطوبة مسلمة أو كتابية، حرة أو أمة.
وكما يحرم التصريح للمعتدة كذلك يحرم التصريح للمستبرأة.
وحاصل ما في الدسوقي أن المستبرأة من زناً منه أو من غيره أو من غصب أو من ملك أو شبهة ملك أو شبهة نكاح حكمها حكم المعتدة من طلاق أو وفاة في تحريم التصريح لها أو لوليها بالخطبة في زمن الاستبراء اهـ قال خليل عاطفاً على التحريم: وصريح خطبة معتدة.
قال الدردير: ويحرم التصريح بالخطبة في العدة اهـ أي سواء كانت عدة موت أو عدة طلاق ولو كان رجعياً إن كان الطلاق من غيره وإلا جاز له مراجعتها، وله عقد عليها برضاها إن كان طلاقه بائناً دون الثلاث كالخلع كما سيأتي.
والحكم فيمن خطب وعقد في العدة الفسخ بغير طلاق لأنه مجمع على فساده، وله تزوجها بعد تمام ما هي فيه من عدة أو استبراء إذا لم يحصل منه وطء ولا تلذذ بها قبل الفسخ وإلا تأبد التحريم عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 83

وعلى أصوله وفروعه إن لم يعلم بذلك وهذا إذا لم يكن استبراء من زناً منه، وأما إذا كان الاستبراء من زنا منه أو غصب، أو كانت ذات زوج أو مطلقة طلاقاً رجعياً فلا بد يتأبد التحريم اهـ. ثم ذكر التعريض فقال رحمه الله تعالى: " لا التعريض كإني فيك لراغب وعليك لحريص ونحوه " يعني أنه لا يحرم التعريض بالخطبة بل هو جائز.
قال الله تعالى: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم﴾ ﴿البقرة: 235﴾ الآية.
وقال تعالى: ﴿إلا أن تقولوا قولاً معروفاً﴾ ﴿البقرة: 235﴾ ومعنى ذلك كما في الموطأ أن يقول الرجل للمرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها: إنك علي لكريمة، وإني فيك لراغب، وإن الله لسائق إليك خيراً ورزقاً ونحو هذا من القول.
قال الباجي وما ذكر من قول الرجل للمرأة: إني فيك لراغب، وإني عليك لحريص تعريض بالنكاح، وهو الذي أباحه الباري تعالى بقوله: ﴿ولا جناح﴾ الآية اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن دخل جاهلاً بحرمتها حرمت أبداً.
وهل العالم مثله قولان " الضمير في قوله بحرمتها راجع إلى المعتدة، والمعنى فإن خطب وعقد على المعتدة ودخل بها جاهلاً بحرمة العقد في العدة حرمت عليه أبداً، وهل العالم بالحرمة كذلك، أو يحد؟ ففيه قولان.
قال في الإكليل: فإن كان عالماً حد في ذات المحرم والرضاع، وفي حده في نكاح المعتدة قولان.
وقال الدردير: فإن علم حد، إلا المعتدة قولان.
وفي قرة العين: مسألة إذا نكح شخص امرأة نكاحاً مجمعاً على فساده كنكاح معتدة وخامسة، فإن كان عالماً بذلك فلا يحرم أصولها وفصولها، ويحد لأنه زنى، وأما إن كان لا يعلم بأنها معتدة، أو يعتقد حل الخامسة لكونه حديث عهد بالإسلام فلا حد عليه.
وحرم عليه أصولها وفصولها.
وأما المختلف في فساده فهو كالصحيح، العقد فيه على البنات يحرم الأمهات، والدخول على الأمهات يحرم البنات.
ولو بالنظر لغير الوجه والكفين

الجزء: 2 - الصفحة: 84

إن وجد اللذة ولو لم يقصد، إلا إن قصد فقط، ولا إن تلذذ بالنظر للوجه والكفين فلا يحرم فيهما إلا اللذة بالمباشرة أو القبلة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمشهور تداخل العدتين " يعني أن المشهور من الأقوال أن العدة والاستبراء يدخل أحدهما في الآخر.
وقد عقد أهل المذهب فصولاً في تداخل العدتين كصاحب المختصر وابن جزي وغيرهما.
وعقد الدردير فصلاً في ذلك فقال: إن طرأ موجب عدة مطلقاً أو استبراء قبل تمام عدة واستبراء انهدم الأول واستأنفت إلا إذا كان الطارئ أو المطرو عليه عدة وفاة فأقصى الأجلين، كمتزوج بائن ثم يطلق بعد البناء أو يموت مطلقاً، وكمستبرأة من فاسد يطلقها أو يطأ بفاسد، وكمرتجع وإن لم يمس أو مات، وكمعتدة طلاق وطئت فاسداً وإن من المطلق وأما من موت فأقصى الأجلين كعكسه وكمشتراة في عدة ارتفع حيضها وهدم الوضع من نكاح صحيح غيره.
ومن فاسد إثره وعدة طلاق لا وفاة فالأقصى اهـ أي من الأجلين إما الوضع من الفاسد، أو إتمام عدة الوفاة.
ومثله في القوانين.
وقد ذكرنا في بدر الزوجين جميع ذلك مفصلاً أنظره إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والمبتوتة حتى يطأها زوج غيره وطئاً مباحاً في نكاح صحيح " معطوف على وتحرم الأم يعني وتحرم على الشخص المبتوتة، وهي المطلقة ثلاثاً التي قال تعالى في حقها: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ ﴿البقرة: 230﴾ الآية اتفق الجمهور على أن المبتوتة لا تحل إلا من بعد زوج بالغ مع إيلاج، في نكاح صحيح بغير قصد التحليل.
قال مالك في المحلل: إنه لا يقيم على نكاحه ذلك حتى يستقبل نكاحاً جديداً، فإن أصابها في ذلك فلها مهرها اهـ الموطأ.

الجزء: 2 - الصفحة: 85

قال رحمه الله تعالى: " وقصد حلها يمنعه لهما " وفي نسخة يمنعها، يعني قصد المحلل في تحليلها للأول يمنع أن تكون المرأة حلالاً لأحد منهما.
فلا تحل للمحلل، بل يفسخ نكاحه ولو بعد البناء، وتستبرئ منه، ولا تحل لمن طلقها ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً ويطؤها وطئاً مباحاً بغير إنكار منهما.
قال رحمه الله تعالى: " وتصادقهما على الوطء يحلها لا إنكارها " فالمطلوب تصادقهما على الوطء.
قال الدردير: فإن أنكرا أو أحدهما لم تحل.
وقال في أقري المسالك: والمبتوتة حتى تنكح غيره نكاحاً صحيحاً لازماً، ويولج بالغاً حشفته بانتشار في القبل بلا منع ولا نكرة فيه، مع علم خلوة ولو بامرأتين وزوجة فقط، لا بفاسد إن لم يثبت بعده بوطء ثان كمحلل، وهذا مثال الفاسد الذي لا يثبت بالدخول، وإن نوى الإمساك إن أعجبته، ونيتها كالمطلق لغو ومثله في المختصر.
اهـ. وقال بعض المحققين من أهل المذهب: إذا طلق الحر زوجته ثلاثاً سواء كانت حرة أو أمة، سواء كانت في كلمة أو متفرقة، وسواء كانت الزوجة مدخولاً بها أم لا لم تحل له حتى يتزوجها بالغ زواج رغبة ويولج فيها الحشفة، فإن تزوجها بقصد التحليل فالنكاح فاسد قبل الدخول وبعده ولم تحل للأول.
وأما إذا تزوجها زواج رغبة ولكنه رجل مطلاق وطلقها في مدة قليلة بعد أن أولج فيها حلت للأول، وتحرم زوجة العبد بطلقتين كذلك حرة كانت أو أمة سواء في كلمتين أو في كلمة مدخولاً بها أم لا تحل لهحتى تنكح زوجاً غيره في نكاح صحيح مباح كذلك اهـ. ولما أنهى الكلام على ذكر بعض المحرمات للقرابة والصهر انتقل يتكلم على المحرمات بالعارض والأسباب فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 2 - الصفحة: 86

فَصْلٌ

في نكاح الشغار وما يتعلق به من الأحكام

أي في بيان ما يتعلق بأحكام نكاح الشغار، وهو لغة مطلق الرفع، ويقال شغر الكلب إذا رفع رجله ليبول.
واستعمل هنا في رفع الصداق عن الزوجين: ولذا فسره عليه الصلاة والسلام بقوله وهو البضع بالبضع، أي الفرج بالفرج.
قال رحمه الله تعالى: " نكاح الشغار وهو أن يزوج كل وليته من الآخر على أن لا مهر " يعني أن نكاح الشغار المنهي عنه هو البضع بالبضع مع الشرط والالتزام، مثل أن يزوج الرجل ابنته لرجل على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق.
قال النفراوي: هذا صريح الشغار لأنه على ثلاثة أقسام: صريح، ووجه، ومركب: فالصريح الخالي من الصداق من الجانبين، والوجه المسمى فيه الصداق من الجانبين، والمركب المسمى فيه لواحدة دون الأخرى.
وحكم صريح الشغار الفسخ مطلقاً ولو ولدت الأولاد، ولا شيء للمرأة قبل الدخول ولها بعده صداق المثل، وهذا مما لا خلاف فيه، وإنما الخلاف في كون فسخه بطلاق، وبه قال مالك مرة، أو بغيره وهو الذي قاله سحنون قائلاً عليه أكثر الرواة.
وحكم الوجه أنه يفسخ قبله ولا شيء فيه للمرأة، ويثبت بعده بالأكثر من المسمى وصداق المثل.
وحكم المركب من الصريح والوجه فسخ نكاح كل قبل الدخول وأما بعده فيفسخ نكاح من لم يسم لها ولها مثلها، ويثبت نكاح المسمى لها بالأكثر من المسمى ومن صداق مثلها اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " والمتعة وهو المؤقت " قال ابن جزي في البيان: لفظ المتعة في الفقه يقع على أربعة معان: أحدها متعة الحج وقد ذكرت، الثاني النكاح إلى أجل، الثالث متعة المطلقة وستذكر، الرابع امتاع المرأة زوجها في مالها اهـ. والمراد هنا النكاح إلى أجل.
يعني من الممنوع عنه شرعاً نكاح المتعة، وهو نكاح إلى أجل بأن يعلم

الجزء: 2 - الصفحة: 87

الزوجة أو وليها بأنه ينكحها مدة من الزمان ثم يفارقها هذا هو المنهي عنه لما روي أنه صلى الله عليه وسلم نهى عام الفتح عن نكاح المتعة.
وحكى المأزري الإجماع على حرمته إلى يوم القيامة كما في روايات.
وحكم نكاح المتعة إن وقع يفسخ قبل البناء وبعده بغير طلاق على المشهور.
وقيل به قاله في التوضيح.
ويجب فيه بالدخول صداق المثل إلا أن يكون قد سمى لها صداقاً فلها المسمى.
ويسقط عنه الحد ولو عالماً بالحرمة على المذهب، لكن يعاقب العالم بحرمته والعالمة، قال بهرام وبعدم الحد يلحق به الولد، وعليها العدة كاملة فتعتد بثلاث حيض لا باستبراء فقط اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والسر وهو المتواصى على كتمانه " يعني ومن المنهي نكاح السر وهو كما فسره المصنف نكاح المتواصى على كتمانه، كأن يأمر الشهود بكتمان العقد، وهو نكاح فاسد.
ونص المدونة أرأيت الرجل ينكح ببينة ويأمرهم أن يكتموا ذلك أيجوز هذا النكاح في قول مالك؟ قال لا إذا أمر بكتمان ذلك أو كان على الكتمان فالنكاح فاسد اهـ. فالمطلوب الإعلان به لما في الحديث عن عاشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: أعلنوا هذا النكاح واجعلوه في المساجد واضربوا عليه بالدفوف " اهـ رواه أحمد والترمذي وفي رواية: " فضل ما بين الحلال والحرام الدف والصوت في النكاح " اهـ قال ابن رشد: واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر، واختلفوا إذا شهد شاهدين ووصيا بالكتمان هل هو سر أو ليس بسر؟ فقال مالك هو سر ويفسخ، وقال أبو حنيفة والشافعي ليس بسر اهـ أنظر سبب اختلافهم في بداية المجتهد.
قال الدردير في أقرب المسالك: وفسخ نكاح السر إن لم يدخل ويطل بالعرف أي لا بالولادة وهو

الجزء: 2 - الصفحة: 88

ما أوصى الزوج فيه الشهود بكتمه وإن من امرأة، أو أياً ما وعوقبا والشهود إن دخلا اهـ ومثله في المختصر.
قال رحمه الله تعالى: " والنهارية وهو المشترط إتيانها الزواج نهاراً باطل ويجب بالدخول المهر ويسقط الحد ويلحق الولد " يعني من النكاح المنهي عنه نكاح الشرط بأن يشترط أحد الزوجين عدم إتيانه الآخر إلا نهاراً فقط أو ليلاً فقط فإذا اشترطا ذلك أو أحدهما فالنكاح فاسد يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل لا بالمسمى ويدرأ عنه ويلحق به الولد.
قال خليل: وقبل الدخول وجوباً على أن تأتيه إلا نهاراً أو ليلاً، أو بخيار لأحدهما أو غير إلا خيار المجلس اهـ يعني يفسخ قبل الدخول إذا اشترط أن لا تأتيه إلا نهاراً كما إذا اشترط الخيار لأحد الزوجين، أو كان الخيار لأجنبي إلا إذا كان خيار المجلس.
قال مالك: لا خير في نهارية.
ونص المواق: قول مالك في النهارية وهي التي تتزوج على أن لا تأتيه أو يأتيها إلا نهاراً أو لا تأتيه إلا ليلاً لا خير فيه.
قال ابن القاسم: ويفسخ ما لم يدخل فإن دخل ثبت ولها صداق المثل، ويسقط الشرط وعليه أن يأتيها ليلاً ونهاراً.
وقال ابن سلمون: من الشروط التي تفسد النكاح مثل أن يتزوجها على أن لا ميراث بينهما، أو على أن الطلاق بيدها، أو على أن لا نفقة لها وشبه ذلك مما هو مناف لمقصود العقد ومخالفة للسنة.
فالنكاح بها فاسد يفسخ على كل حال، أي قبل البناء لا بعده على المشهور كما في الشامل اهـ بحذف.
قال رحمه الله تعالى: " ويشترط فى نكاح الحر الأمة عدم طول الحرة وخوف العنت وإسلامها " يعني أن الحر لا يحل له أن يتزوج الأمة إلا بثلاثة شروط: الأول عدم الطول، والثاني خوف العنت، والثالث كونها مسلمة.
قال النفراوي: والحاصل أن الحر الذي يولد له لا يحل له نكاح أمة غير أصله إلا بثلاثة شروط: أن يخشى العنت وأن

الجزء: 2 - الصفحة: 89

يعجز عن صداق الحرة، وأن تكون مسلمة.
أما لو كان لا يولد له أو كانت أمة أصله كأبيه أو أمه أو جده أو جدته الأحرار لجاز له نكاحها من غير شرط اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وعدم شبهة ملكها كالحرة للعبد " يعني من جملة شروط نكاح الأمة عدم شبهة ملكها.
قال في الرسالة: ولا تتزوج المرأة عبدها، ولا عبد ولدها، ولا الرجل أمته، ولا أمة ولده.
قال النفراوي: ولا فرق في حرمة تزوج الرجل بملكه بين الملك الكامل والمبعض، ولا بين القنة المحضة وذات الشائبة كأم الولد والمكاتبة، وإنما حرم ذلك لأن الملك سبب للإباحة فهو من موانع النكاح بالنسبة للمالك.
ولا فرق في الرجل بين كونه حراً أو عبداً، وإنما حرمت أمة الولد لأنها بمنزلة أمة نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم: " أنت ومالك لأبيك " ألا ترى أن الأب لا يقطع بسرقته من مال ابنه، ولا يحد بوطء أمته، وتجب نفقته عليه إن احتاج، فإن وقع هذا الممنوع بأن تزوج المالك أمته وأمه فرعه، أو تزوجت المرأة مملوكها أو مملوك فرعها فسخ من غير طلاق، كما يفسخ لو كان سابقاً وطرأ عليه الملك.
قال خليل: وفسخ وإن طرأ بلا طلاق.
كما إذا اشترى زوجته أو اشترت زوجها، أو ملك الزوج أو الزوجة الآخر بالهبة ونحوها، وملك البعض كملك الكل في الفسخ اهـ.

تنبيه

: قد ذكر ابن جزي في القوانين الفقهية جملة من أنكحة العالم ينبغي ذكرها هنا للمناسبة أنه قال: نكاح مسلم مسلمة، ونكاح كافر كافرة فهما جائزان.
ونكاح كافر مسلمة يحرم على الإطلاق بإجماع.
ونكاح مسلم كافرة فتجوز الكتابية بالنكاح والملك، ولا يحل غيرها من الكفار بنكاح ولا بملك.
وكره مالك الحربية لبقاء الولد بدار الحرب.
ومنع ابن عمر وابن عباس كل كافرة.
ثم قال أي انب جزي: ويتصور في الرق أربع صور: نكاح حر لحرة أو عبد لأمة فهما جائزان.
ونكاح عبد لحرة فيجوز برضاها، فإن غرها من نفسه فلها الخيار.
ونكاح حر لأمة يجوز بثلاثة شروط: الأول أن

الجزء: 2 - الصفحة: 90

تكون مسلمة، الثاني أن يعدم الطول وهو صداق الحرة وقيل النفقة.
الثالث أن يخاف العنت وهو الزنا، ولا يشترط عدم الطول ولا خوف العنت في نكاح العبد الأمة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويفسخ بتملك أحدهما الآخر " يعني إذا تملك أحد الزوجين صاحبه فسخ النكاح بلا طلاق، وذلك كأن كانت الحرة تحت عبد ثم ملكته إما بإرث أو هبة أو غير ذلك.
أو تكون الأمة تحت حر أو عبد ثم يملكها بشراء أو غيره من أسباب الملك انفسخ النكاح.
وفي الرسالة: ومن اشترى زوجته انفسخ نكاحه لأن النكاح والملك لا يجتمعان معاً فيفسخ قبل الدخول وبعده كما تقدم.
قال الدردير: فلا يتزوج الذكر أمته ولا الأنثى عبدها للإجماع على أن الزوجية والملك لا يجتمعان لتنافي الحقوق، إذ الأمة لا حق لها في الوطء ولا في القسمة بخلاف الزوجية.
وليست نفقتها كالزوجة ولا الخدمة كالزوجة اهـ قال النفراوي: والملك ينافي الزوجية.
ولا تتزوج المرأة عبدها لأنها تطالبه بنفقة الزوجية وخدمة الرق، وهو يطالبها بنفقة الرقية وخدمة الزوجية اهـ بتصرف.
ومثله في الصاوي.
قال رحمه الله تعالى: " لا وجود الحرة تحته فإن لم تغنه حل له المزيد ولو إلى أربع " يعني لا يمنع الحر نكاح الأمة إذا خشي العنت بوجود الحرة الواحدة تحته إذا لم تغنه واحدة حل له الزيادة إلى أربع.
قال مالك في المدونة: والحرة تكون عنده ليست بطول يمنع به من نكاح أمة إذا خشي العنت لأنها لا تتصرف تصرف المال فينكح بها.
وقال قبله بقليل: يجوز للحر أن ينكح أربعاً مملوكات إذا كان على ما ذكر الله في كتابه ﴿ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾ ﴿النساء: 25﴾ قال والطول عندنا المال، فمن لم يستطع الطول وخشي العنت فقد أرخص الله له في نكاح الأمة المؤمنة اهـ.

الجزء: 2 - الصفحة: 91

قال رحمه الله تعالى: " وإن تزوج حرة على أمة جاهلة ثبت لها الخيار بين الفسخ والإقامة لا عالمة " يعني كما قال الدردير في أقرب المسالك: وخبرت أمة مع حرة ألفت أمة أو علمت بواحدة فوجدت أكثر في نفسها بطلقة بائنة، كتزويج أمة عليها اهـ قال مالك: لا تنكح الأمة على الحرة، فإن فعل ذلك جاز النكاح وكانت الحرة بالخيار إن أحبت أن تقيم معه أقامت، وإن أحبت أن تختار نفسها اختارت، فإن أقامت معه كان القسم من نفسها بينهما بالسواء اهـ المدونة.
قال رحمه الله تعالى: " وتباح حرائر الكتابيات " يعني يجوز للمسلم نكاح حرائر أهل الكتاب.
قال الله سبحانه وتعالى فيما أحل لنا من النساء: ﴿والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم﴾ ﴿المائدة: 5﴾ الآية.
قال مالك في الموطأ: هن الحرائر من اليهوديات والنصرانيات.
وقال الشعراني في كشف الغمة كان الصحابة، رضي الله عنهم، يتزوجون من اليهود والنصارى كثيراً زمن الفتح بالكوفة حين قلت المسلمات.
قال جابر: فلما رجعنا طلقناهن.
وقال أنس: نكح عثمان نصرانية، ونكح طلحة يهودية.
قال ابن عباس: لا تحل الأمة الكتابية لمسلم أبداً اهـ قلت: وينبغي أن يستثنى السيد لأنه يحل له وطء أمته الكتابية بملك اليمين كما في الموطأ، لقوله تعالى: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ ﴿النساء: 24﴾ الآية وعن جابر بن عبد الله، رضي الله عنه، أنه قال نساؤهم لنا حلال ونساؤنا عليهم حرام اهـ وفي المدونة: وكره مالك نكاح نساء أهل الكتاب اليهودية والنصرانية من غير حرمة، وذلك أنها تأكل الخنزير وتشرب الخمر ويضلجعها ويقبلها وذلك في فيها، وتلد منه أولاداً فتغذي ولدها على دينها وتطعمه الحرام وتسقيه الخمر اهـ. وفي الرسالة: ويجوز للحر والعبد نكاح أربع حرائر مسلمات أو كتابيات، أي اتفاقاً في حق الحر، وعلى المشهور في حق العبد لعموم قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ ﴿النساء: 3﴾ الآية اهـ.

الجزء: 2 - الصفحة: 92

قال رحمه الله تعالى: " ومن بلغ به المرض حد الحجر منع النكاح فإن صح قبل فسخه ثبت، فإن فسخ قبل البناء فلا مهر، وبعده يلزمه في ثلثه، ولا ميراث للصحيح فلو برئ لورث من الصحيح " يعني كما في الرسالة: ولا يجوز نكاح المريض ويفسخ، وإن بنى فلها الصداق في الثلث مبدأ ولا ميراث لها اهـ أنظر النفراوي.
وقال في أقرب المسالك: ومنع مرض مخوف بأحدهما وإن احتاج أو أذن الوارث، وللمريضة بالدخول المسمى، وعلى المريض الأقل من ثلثه والمسمى وصداق المثل، وعجل بالفسخ إلا أن يصح المريض منهما.
ومنع نكاحه الكتابية والأمة على الأصح اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ثم كل نكاح أجمع المسلمون على بطلانه فالفرقة فيه فسخ، وما اختلف فيه فبطلاق " قد تقدم لنا الكلام في هذه الجملة عند قول المصنف: والنكاح المختلف فيه كالصحيح، فراجعه إن شئت.
ولما أنهى الكلام على ما تقدم ذكره من المحرمات انتقل يتكلم على الخيار بين الزوجين إذا اطلع أحدهما على عيب في الآخر.
فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في بيان العيوب التي توجب الخيار بين الزوجين

أي في بيان ما يتعلق بالعيوب التي توجب الخيار بين الزوجين إذا لم يسبق بها علم قبل العقد، أو لم يعلم بها غلا عند الدخول والحال أنه لم يرض بها حين علم بها.
وأما إن دخل بها بعد العلم بالعيب فلا خيار له، وكذلك الزوجة إذا اطلعت على عيب الزوج على ما سيأتي بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: " يثبت لكل الخيار بجهله بعيب الآخر حال العقد وطروه بعده لها دونه " يعني يثبت الخيار من أحد الزوجين بظهور عيب قبل العقد، أو بعده قبل الدخول، فإن طرأ بعد العقد لها الخيار دونه، وإن دخل ولم يعلم فله ردها كما مر آنفاً

الجزء: 2 - الصفحة: 93

والأصل في هذا الباب ما في جملة من الأحاديث الصحيحة، منها ما رواه أحمد والبيهقي والحاكم عن كعب بن زيد " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها فوضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر بكشحها بياضاً " أي برصاً " فانحاز عن الفراش، ثم قال: " خذي عليك ثيابك، ولم يأخذ مما آتاها شيئاً " اهـ. ومنها ما في الموطأ عن عمر بن الخطاب أنه قال: أيما رجل تزوج امرأة وبه جنون أو ضرر فإنها تخير، فإن شاءت قرت وإن شاءت فارقت.
وفي رواية: أيما رجل تزوج امرأة وبها جنون أو جذام أو برص فمسها فلها صداقاً كاملاً، وذلك لزوجها غرم على وليها اهـ. وقال مالك: إنما يكون ذلك إذا كان وليها الذي أنكحها هو أبوها أو أخوها أو من يرى أنه يعلم ذلك منها، فأما إذا كان الذي أنكحها ابن عم أو مولى من العشيرة ممن يرى أنه لا يعلم ذلك منها فليس عليه غرم، وترد تلك المرأة ما أخذت من صداقها، ويترك لها قدر تستحل به اهـ. ومنها عن سعيد بن المسيب أنه قال: من تزوج المرأة فلم يستطع أن يمسها فإنه يضرب له أجل سنة، فإن مسها وإلا فرق بينهما اهـ. قال في غاية المأمول: فمن تزوج امرأة ومسها أي جامعها ولو مرة ثم عجز عن جماعها فلا تفريق بينهما لأن الإحصان يحصل بالوطء ولو مرة، أما إذا لم يجامعها ولو مرة بأن كان عنيناً لا تنتشر آلته.
فلها رفع أمرها للحاكم الشرعي فيؤجله إلى سنة، فإن جامعها وإلا فرق بينهما.
ويثبت الجماع وعدمه بإقرارهما فتلك العيوب تثبت الخيار للطرف الآخر إذا ظهر أنها كانت عند الزواج، وهل حدوثها بعده كذلك؟ يراجع كلام الفقهاء اهـ. وحاصل ما هو مشهور في المذهب أن العيوب التي توجب الخيار بين الزوجين بلغت إلى ثلاثة عشر عيباً، يشتركان في أربعة، ويختص الرجل بأربعة، وتختص المرأة بخمسة.
قال رحمه الله تعالى: " وهو الجنون والجذام والبرص " هذا شروع في عد العيوب

الجزء: 2 - الصفحة: 94

التي بها الخيار.
وهذه الثلاثة هي المشتركة بين الذكر والأنثى، ولم يذكر المصنف عذيطة وهي مما يشتركان فيها، وهي خروج الغائط عند الجماع وهو عيب يوجب الخيار، وملخصه أن ما أحدث من الجذام والجنون والبرص وكذلك العذيطة فإن كان بالزوجة فلا خيار وهو مصيبة نزلت عليه، فإن كان بالزوج فلها الخيار لعدم صبرها بتلك العيوب لأن العصمة ليست بيدها بخلاف الزوج فإما أن يرضى أو يطلق.
وقيل حدوث العيوب بالزوجة بعد العقد كحدوثها بالزوج.
فله الخيار.
والراجح ما تقدم اهـ الدردير بحذف.
وإذا علمت هذا فاعلم أن الزوجة لها الخيار بهذه الأدواء قبل الدخول وبعده، وفي البرص بشرط أن يكون فاحشاً لا يسيراً والزوج كذلك على التفصيل المتقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والحب والخصاء والحصر والعنة والاعتراض " هذه العيوب الأربعة مما يختص بها الزوج.
والجب قطع الذكر والأنثيين معاً، فإنه موجب للخيار، وكذا مقطوع الأنثيين فقط إذا كان لا يمني وإلا فلا خيار به.
ومما يوجب الخيار الخصاء وهو قطع الذكر دون الأنثتين فإنه موجب للخيار إذا وجدته كذلك ومما يوجب الخيار العنة، هي صغر الذكر بحيث لا يتأتى الجماع فإنها موجبة للخيار، ومثل الصغر في كونها موجبة للخيار الغلظ المفرط المانع من الإيلاج.
وأما الطول فلا خيار به.
وأما الحصر وهو لغة المنع والحبس، بمعنى الممنوع عن الجماع كالمحبوس فيرجع إلى معنى الاعتراض ولذا عبرنا بالعيوب الأربعة وإلا لكانت خمسة، وإنما اعتبرنا الحصر والاعتراض شيئاً واحداً للخيار لها اهـ معناه.
قال رحمه الله تعالى: " والقرن والرتق والعفل والبخر والإفضاء " هذه العيوب

الجزء: 2 - الصفحة: 95

الخمسة مما تختص بها الزوجة وتسمى عيوب الفرج، القرن وهو شيء يبرز في فرج المرأة يشبه قرن الشاة يمنع لذة الجماع يكون لحماً غالباً فيمكن علاجه، وتارة يكون عظماً فلا يمكن علاجه، وللزوج به الخيار بين الرد والإمساك به.
والرتق وهو انسداد مسلك الذكر بحيث لا يمكن الجماع معه إلا أنه إن انسد بلحم أمكن علاجه.
وأما إن انسد بعظم فلا يمكن علاجه، وللزوج به الخيار بين الإقامة به والفراق.
والعفل وهو لحم يبرز في قبل المرأة يشبه الأدرة ولا يخلو عن رشح، وقيل رعوة تحدث في الفرج عند الجماع وللزوج به الخيار.
والبخر وهو نتن الفرج، وهو عيب وللزوج الخيار بخلاف نتن الفم فلا خيار له به.
والإفضاء وهو اختلاط مسلك البول والذكر.
وقيل اختلاط مسلك البول والغائط.
وقيل سبيل الحيض والغائط واحد، وعلى كل هو عيب وللزوج به الخيار اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن أمكنته عالمة أو بنى بها عالماً فلا خيار، والفراق فيه بطلاق، ولا مهر قبل الدخول " وفي نسخة والفراق فيه طلاق بحذف الباء وتقدم أن علماً بالعيب قبل الدخول مسقط للخيار وتمكينها له بعد علمها بعيبه يسقط خيارها وبناؤه بعد علمه بعيبها يسقط خياره، فوقوع الطلاق قبل الدخول طلاق بائن لا مهر فيه، وأعلم أن المرأة إذا ردها زوجها بعيب وجده معها فلا صداق لها مطلقاً ردت قبل البناء أو بعده، أما قبل البناء فظاهر، وأما بعده فلأنها غارة ولكن لها ربع دينار حيث كان بعد البناء.
قال في الرسالة: وترد المرأة من الجنون والجذام والبرص وداء الفرج، فإن دخل بها ولم يعلم أدى صداقها ورجع له على أبيها، كذلك إن زوجها أخوها، وإن زوجها ولي ليس بقريب القرابة فلا شيء عليه، ولا يكون لها إلا ربع دينار اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ففي الاعتراض لها مرافعته ليؤجل سنة للحر ونصفها للعبد " يعني للمرأة رفع أمرها للحاكم في الاعتراض أصاب زوجها ليضرب له

الجزء: 2 - الصفحة: 96

أجل سنة إن كان حراً، ونصف سنة إن كان عبداً.
وفي المواق عن ابن عرفة: من ثبت اعتراضه ولم يكن وطئ امرأته ولو مرة.
قال في المدونة وغيرها: يؤجل سنة لعلاجه اهـ وأما العبد فإنه يؤجل نصف السنة.
قال المتيطي: الذي به الحكم أن أجل ذي رق نصف سنة.
قال الخرشي يعني العبد المعترض الذي لم يتقدم منه وطء لزوجته أصلاً وهو مقر باعتراضه يؤجل نصف سنة ولو كان فيه شائبة حرية كالمدبر ونحوه بعد الصحة من يوم الحكم كالحر.
واقتصر عليه صاحب المختصر.
وقيل إن العبد يؤجل سنة كالحر اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويخلى بينهما فيصدق إن ادعى الوطء إن كانت ثيباً والبكر ينظرها النساء " يعني أن المعترض يخلى بينه وبين زوجته في محل واحد ولا يحجبه عنها، فإن ادعى أنه وطئها صدق إن كانت ثيباً، وفي يمينه قولان.
وإن كانت بكراً لا يصدق حتى ينظرها النساء إن لم تصدقه لحيائها عن النطق بمثل هذا.
قال الخرشي: أي صدق المعترض إن ادعى في السنة الوطء بيمينه بعد إقراره بالاعتراض وضرب الأجل على ظاهر المدونة اهـ. قال ابن ناجي في شرحه على الرسالة: وكل هذا ما لم يسبق من المعترض وطء وأما إن سبق فلا مقال لها.
قال في النكاح الثاني من المدونة: من وطئ امرأته ثم حدث ما منعه من الوطء من علة أو زمانة، أو اعتراض عنها لا قول لامرأته اهـ ومثله في ميارة على العاصمية.
قال رحمه الله تعالى: " فإن أنقضى ولم يطأ فاختارت الفراق أجبر على طلقة " يعني لو ضرب له أجل ولم يطأ ولو مرة فاختارت الفراق فرق بينهما إن شاءت، وإن امتنع عن الفراق أجبر عليه على طلقة بائنة ولها صداقها لإقامتها سنة في بيت الزوج.
قال النفراوي: فإن انقضت السنة للحر والنصف للعبد ولم يطأ مع تصديقها له أو لم يحلف على الوطء مع إنكارها فرق بينهما طلقة بائنة إن شاءت الزوجة الفراق لأنه من حقها، فإن امتنع من الطلاق فهل يطلق الحاكم أو يأمرها بالطلاق ثم يحكم به؟ قولان، فلو رضيت

الجزء: 2 - الصفحة: 97

بعد الأجل بالإقامة مدة مع بقاء الاعتراض ثم أرادت القيام فلها ذلك من غير ضرب أجل.
قال خليل: ولها فراقه بعد الرضا بلا أجل، بخلاف ما لو قالت رضيت بالبقاء معه من غير تقييد بمدة، أو قالت أقعد معه الأبد فليس لها فراقه بعد ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فلو عادت إليه لعاد خيارها بخلاف غيره " يعني فلو عادت زوجة المعترض إليه بعد الفراق لعاد خيارها بخلاف غيره ممن ليس مرضه باعتراض كالمجذوم ونحوه، ولا يعود لها الخيار بل يضرب لها أجل ثان كما في الخرشي.
وفي الحطاب: قال ابن عرفة وسمع يحيى بن القاسم امرأة المعترض إن تزوجها بعد فراقها إياه بعد تأجيله فقامت بوقفه لاعتراضه فلها ذلك إن قامت في ابتنائه الثاني قدر عذرها في اختيارها له وقطع رجائها إن بان عذرها بأن يكون يطأ غيرها، وإنما اعترض عنها فتقول رجوت برأه اهـ قال المواق: روى من اعتراض فأجل سنة، فلما تمت قالت لا تطلقوني أنا أتركه لأجل آخر فلها ذلك، ثم تطلق متى شاءت بغير سلطان اهـ. قال الصاوي: حاصله أنها إذا رضيت بعد مضي السنة التي ضربت لها بالإقامة مدة لتتروى وتنظر في أمرها، أو رضيت رضاً مطلقاً من غير تحديد بمدة ثم رجعت عن ذلك الرضا فلها ذلك، ولا تحتاج إلى ضرب أجل ثان لأن الأجل قد ضرب أولاً بخلاف ما لو رضيت ابتداء بالإقامة معه لتتروى في أمرها بلا ضرب أجل ثم قامت فلا بد من ضرب الأجل.
وهذا كله في زوجة المعترض كما علمت.
وأما زوجة المجذوم إذا طلبت فراقه فأجل لرجاء برئه وبعد انقضاء الأجل رضيت بالمقام معه ثم أرادت الرجوع، فإن قيدت رضاها بالمقام معه أجلاً لتتروى كان لها الفراق من غير ضرب أجل ثان، وإن لم تقيد بل رضيت بالمقام معه أبداً ثم أرادت الفراق فقال ابن القاسم: ليس لها ذلك إلا أن يزيد الجذام.
وقال أشهب: لها ذلك وإن لم يزد.
وحكى في البيان قولاً لتقييد الخيار فيما سبق بعد الرضا اهـ.

الجزء: 2 - الصفحة: 98

تنبيه: إذا طلبت المرأة التأخير لمداواة عيبها قال النفراوي: ومحصله أنها إذا كان يمكن زوال عيبها بمعالجة فإنها تؤجل له مدة باجتهاد أهل الخبرة.
قال خليل: وأجلت الرتقاء للدواء بالاجتهاد، ولا تجبر عليه إن كان خلقة.
قال شراحه: ولا مفهوم للرتقاء، بل ذات القرن والعفل مما يمكن مداواته كذلك ويلزم الرجل الصبر حيث لم يلزم على مداواتها حصول عيب في فرجها، كما أنها تجبر على ذلك إذا طلبه الزوج إذا كان لا ضرر عليها في المداواة، فالصور أربع للمتأمل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا رد بغير هذه العيوب إلا أن يشترط سلامة في العقد " يعني أن لا خيار بغير هذه العيوب أي ثلاثة عشر المتقدم ذكرها، وأما غيرها من العيوب فلا رد بها كالاعتراض بعد تقديم الوطء سليماً فلا خيار للمرأة وهي مصيبة نزلت بها، وكحصول أدرة له مانعة له من الوطء، أو حصل له هرم بعد الوطء فلا خيار بها للمرأة، اللهم إلا أن تخشى على نفسها الزنا فلها التطليق؛ لأن للمرأة التطليق بالضرر الثابت ولو بقرائن الأحوال اهـ النفراوي.
وقال ابن جزي: وليس من العيوب التي توجب الخيار القرع، ولا السواد، ولا إن وجدها مفتضة من زنى على المشهور، ولا لعمى، والعور والعرج والزمانة ولا نحوها من العاهات إلا إن اشترط السلامة اهـ وكذلك لا رد بالبول على الفراش، ولا في الريح والاستحاضة والشلل، ولا بقطع عضو ولا بكثرة أكل، ولا نتن فم أو إبط، ولا بجرب، أو حب أفرنج من كل ما يعد عيباً عرفاً وهذه كلها لا يجب الخيار بواحدة منها إلا إن يشترط السلامة، فإن اشترطت فيعمل بها سواء عين ما شرطه أو قال كل عيب أو غير ذلك مما يعلم أنه اشترط فيعمل بها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وإذا غرت الكتابية بإسلامها أو الأمة بحريتها ثبت له الخيار " يعني كما قال ابن جزي في القوانين: فإذا قال العاقد زوجتك هذه المسلمة فإذا هي كتابية أو هذه الحرة فإذا هي أمة انعقد النكاح وله الخيار فإن أمسكها لزمه

الجزء: 2 - الصفحة: 99

الصداق المسمى، وإن فارقها قبل الدخول فلا شيء لها، وإن فارقها بعد الدخول فلها المسمى إلا أن يزيد على صداق المثل فيرد ما زاد.
وإن تزوج العبد على أنه حر فالمرأة بالخيار اهـ. قال خليل: وإلا تزوج الحر الأمة والحرة العبد بخلاف العبد مع الأمة والمسلم مع النصرانية إلا أن يغرا اهـ أي إلا أن يغر كل منهما الآخر بأن تغر الأمة العبد بأنها حرة والعبد الأمة بأنه حر، أو الكتابية المسلم بأنها مسلمة أو المسلم الكتابية بأنه كتابي.
ولا يحكم بردته بهذا فللمغرور الخيار في جميع ذلك اهـ انظر شراح خليل.
قال رحمه الله تعالى: " فلو ادعاه وأنكره السيد فالقول قوله " الضمير في ادعاه راجع إلى الغرور، والمعنى فلو ادعى العبد المغرور بأن الكتابية غرته بإسلامها، أو الأمة بحريتها فتزوجها وأنكره السيد في دعواه ورد النكاح لكان القول للسيد لتعلق حقه على عبده، ولا ينبغي للعبد أن يتزوج بغير إذن سيده لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء.
وتقدم أن العبد إن تزوج بغير إذن السيد فلسيده الرد والإجازة.
قال رحمه الله تعالى: " ولو تزوج معينة مجهولة الصفة فإذا هي أمة ثبت خياره لا كتابية " يعني أن لو رجلاً رأى امرأة مستترة مجهولة عنده فتزوجها بدون وصف، وبعد العقد تبين أنها أمة ثبت النكاح وله الخيار.
وتقدم آنفاً في الكتابية والأمة اللتين غرتا.
فراجع قول ابن جزي فيهما.
وفي الرسالة: والأمة الغارة تتزوج على أنها حرة فلسيدها أخذها وأخذ قيمة الولد يوم الحكم له.
قال الشارح: وحاصله أنه إذا كان الغار أجنبياً وتولى العقد فلسيدها على الزوج جميع المسمى كقيمة الولد ثم يرجع على الأجنبي بالصداق لا قيمة الولد، أي إذا لم يخبر أنه غير ولي خاص وإنما تولى عقد النكاح بولاية الإسلام أو الوكالة، وإلا فلا رجوع.
وأما إن كان الغار هو السيد فحكمه أن عليه - أي الزوج - الأقل من المسمى وصداق المثل كغرورها اهـ وقوله: لا كتابية أي الخيار له إن تبين أنها كتابية.
قال خليل: بخلاف المسلم مع النصرانية يظنها مسلمة حال العقد ثم تبين أنها كتابية لأنها من

الجزء: 2 - الصفحة: 100

نسائه وهو من رجالها إلا أن يغر كل منهما الآخر فحينئذ يثبت الخيار للمغرور، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ولو غرها بكونه على دينها لثبت خيارها " يعني أن الخيار يثبت بالغرور لأحد الزوجين لا بكونها نصرانية في المسلم، ولو غر المسلم الكتابية لكان لها الخيار وبالعكس، فإذا ثبت الغرور ثبت الخيار لأحد الفريقين اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويثبت للأمة بتحريرها تحت عبد لا بعتقه قبلها أو عتقهما معاً " يعني أن المعتقة تحت عبد لها الخيار، فإن اختارت نفسها فهو طلاق لا فسخ، وهل هو طلقة بائنة أو طلقتين؟ روايتان كما في المختصر من غير ترجيح، وعلى الأول أكثر الرواة.
قال العدوي: وهي الراجحة، وإنما كانت بائنة لأنها لو كانت رجعية لما أفاد الخيار شيئاً اهـ. قال في الرسالة: الأمة المعتقة تحت العبد لها الخيار بين أن تقيم معه أو تفارقه، لما في الموطأ عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: " كان في بريرة ثلاث سنن، فكانت إحدى السنن الثلاث أنها عتقت فخيرت في زوجها " الحديث.
وفي مسلم: " وكان زوجها عبداً فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم فاختارت نفسها " ولو كان حراً لم يخيرها اهـ قال ابن جزي: إن عتقت الأمة تحت عبد فلها الخيار، فإن اختارت الفراق فطلقة واحدة بائنة، ويكره لها الثلاث، فإن فعلت جاز وإن لم يدخل بها فلا صداق لها لأن الفراق من قبلها، ولا رجعة له إن أعتق في عدتها لأن الطلقة بائنة إلا إن شاءت وكان الطلاق واحداً، وإن لم تخبر حتى عتق فلا خيار لها، وإن تلذذ بها بعد علمها بالعتق سقط خيارها عند الإمامين، ولا تعذر بالجهل خلافاً للأوزاعي.
وقال أبو حنيفة: خيارها في المجلس، فإن قامت سقط.
ولا خيار لها إن عتقت وهي تحت حر خلافاً لأبي حنيفة اهـ. ولما أنهى الكلام على الخيار بين الزوجين بسبب العيوب انتقل يتكلم على إسلام الزوجين سواء من عباد الأوثان أو أهل الكتاب، فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 2 - الصفحة: 101

فَصْلٌ

فيما يتعلق بإسلام المتزوجين وحكم نكاحهما بعد الإسلام

أي في بيان ما يتعلق بإسلام المتزوجين وبيان حكم نكاحهما بعد الإسلام.
قال رحمه الله تعالى: " إسلام الزوجين يقرهما في المباحة شرعاً " يعني أن إسلام الزوجين معاً يقرهما أي يثبتهما في الإسلام إن كانت الزوجة مباحة له شرعاً بأن كانت غير محرمة كأم مثلاً.
قال في الرسالة: وإذا أسلم الكافران ثبتا على نكاحهما، وإن أسلم أحدهما فذلك فسخ بغير طلاق، فإن أسلمت هي كان أحق بها إن أسلم في العدة، وإن أسلم هو وكانت كتابية ثبت عليها، فإن كانت مجوسية فأسلمت بعده مكانها كانا زوجين، وإن تأخر ذلك فقد بانت منه اهـ. وفي عبارة لابن جزي إذا أسلم الزوجان معاً ثبت نكاحهما إذا خلا من الموانع الشرعية ولا يبحث في ذلك عن الولي والصداق، فإن سبق الزوج إلى الإسلام أقر على الكتابية، ويقر على غيرها إذا أسلمت بأثره، وإن سبقت هي فإن كان قبل الدخول وقعت الفرقة وإن كان بعده ثم أسلم في العدة ثبت وإلا بانت اهـ قال النفراوي: فتلخص أن الكافرين إن أسلما في وقت واحد يقران على نكاحهما ولو قبل الدخول أو كانا مجوسيين، وأما لو أسلم أحدهما فإن كان الزوج فإنه يقر على الكتابية مطلقاً، وعلى المجوسية حرة أو أمة إن أسلمت ولو لم تعتق الأمة.
ومثل إسلام الأمة المجوسية عتق الأمة الكتابية.
وأما لو أسلمت الزوجة ابتداء فإن كان قبل البناء بانت مكانها وإن كان بعد البناء أقر عليها إن أسلم في عدتها، لا إن تأخر إسلامه عن عدتها فلا يقر عليها لبينونتها بانقضاء عدتها اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وإن أسلم على أكثر من أربع اختار أربعاً " يعني أن الكافر إذا أسلم وتحته أكثر من أربع زوجات وجب عليه فراق ما زاد على الأربع.
قال في الرسالة: وإذا أسلم مشرك وعنده من أربع فليختر أربعاً ويفارق باقيهن اهـ

الجزء: 2 - الصفحة: 102

قال شارحها: ولو كان عقد عليهن في مرة أو كان قبل الدخول، ولو أحرم أو مرض بعد إسلامه وقبل اختياره، ولو كانت تلك النساء إماء حيث أسلمن معه ولو فقدت شروط تزوج الأمة على المعتمد كما قدمنا أو كن كتابيات حيث قال خليل: واختار المسلم أربعاً وإن أواخر، وإحدى أختين مطلقاً، وإحدى أم وابنتها لم يمسهما، وإن مسهما حرمتا، وإحداهما تعينت اهـ قال الخرشي: يعني أن الكافر الكتابي أو المجوسي إذا أسلم وتحته عشر مجوسيات ثم أسلمن أو كتاابيات، وسواء تزوجهن في عقد واحد أو في عقود فإنه يختار منهن أربعاً وإن كن أواخر في العقد ويفارق البواقي.
والفرقة فسخ لا طلاق على المشهور.
وسواء كان في حال اختيار.
مريضاً أو لا، محرماً أو لا كانت المختارة أمة هو واجد لطول الحرة أم لا، لكونه كرجعة.
وقيل بامتناعه كالابتداء.
قال ابن عرفة: والأول أظهر اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن كان تحته غير كتابية فأسلمت بعد أيام أقرت وروي عن ابن القاسم إن كان بعد شهر وإلا بانت، فإن سبقته فقبل الدخول تبين وبعده إن أسلم في عدنها ثبت عليها " يعني كما تقدم أنه إن أسلم وكانت تحته حرة كتابية ثبت عليها، وإن كانت مجوسية وأسلمت بعده مكانها بأن لم يتأخر إسلامها فوق الشهر كانا زوجين ولو كانت أمة لأنها تصير أمة مسلمة تحت مسلم، ولو لم توجد بقية شروط تزوج الحر المسلم الأمة على الراجح بناء على أن الدوام ليس كالابتداء.
وتقدم تلخيص جميع ذلك فراجعه إن شئت.

قال رحمه الله تعالى: " فلو كانت مبتوتة لحلت بغير محلل " يعني أن الكافر لو طلق زوجته ثلاثاً في حال كفره وفارقها بأن أخرجها من حوزه ثم أسلم، أو أسلمت هي أولاً وأسلم هو في عدتها، أو أسلما معاً فإن له أن يعقد عليها قبل أن تنكح زوجاً غيره، وإليه أشار خليل مبالغاً على جواز عقده وبقاء نكاحه بعقد جديد بغير محلل بقوله: ولو

الجزء: 2 - الصفحة: 103

طلقها ثلاثاً وعقد عليها إن أبانها.
قال الدردير أي أخرجها من حوزه وفارقها وإن لم يحصل منه طلاق حيث زعم أن إخراجها فراق، إذ ما وقع منه من الطلاق الثلاث حال الكفر لا يعتبر لأن صحة الطلاق شرطها الإسلام، وإنما احتاج لعقد جديد لأجل إخراجها من حوزه واعتقاده أن ذلك فراق عندهم، أما إذا لم يبنها أي لم يخرجها من حوزه وتماديا بعد الطلاق الثلاث حتى أسلما لما احتاج لعقد، بل يقران على نكاحهما ولا يبحث عنهما بشيء، لا من جهة الطلاق الذي تقدم في الكفر، ولا من جهة الولي، ولا من جهة الصداق ترغيباً لبقائهما في الإسلام، ولقوله عليه الصلاة والسلام: " الإسلام يجب ما قبله " اهـ مع زيادة إيضاح قال رحمه الله تعالى: " ولا نكاح بين المسببين " يعني كمال قال ابن القاسم في المدونة: إن السبي يفسخ النكاح.
وقال محمد بن علي: السباء يهدم نكاح الزوجين اهـ. قال ابن جزي في القوانين: وإذا سبي الزوجان معاً أو أحدهما انقطع النكاح وجاز لسيدها وطؤها.
وقيل يثبت نكاحهما.
وقيل ينقطع إن سبيت قبله اهـ. قال خليل: وهدم السبي النكاح إلا أن تسبي وتسلم بعده اهـ. قال الشارح.
يعني أن الزوجين الكافرين إذا سبيا مجتمعين أو أحدهما قبل الآخر فإن النكاح ينفسخ بينهما ويحل وطؤها بعد الاستبراء بحيضة ولا عدة لأنها صارت أمة، إلا في صورة واحدة فإنه لا ينقطع بينهما وهي ما إذا أسلم سواء كان عندنا بأمان أو جاء إلينا ثم سبينا زوجته ثم أسلمت بعد ذلك في العدة أي قبل رؤيتها الدم فإنهما يقران على نكاحهما ترغيباً في الإسلام، لأنها صارت أمة مسلمة تحت حر مسلم، فإن لم تسلم فرق بينهما لأنها أمة كتابية تحت مسلم وهو لا يجوز له أن يتزوج الأمة الكافرة، وإنما له أن يطأها بالملك اهـ الخرشي.
ولما أنهى الكلام على إسلام الزوجين وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على الصداق وما يتعلق به من الأحكام والأخبار، وما ورد من الآيات في ذلك، فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 2 - الصفحة: 104

فَصْلٌ

في الصداق قلة وكثرة وأحكامه

أي في بيان الصداق الذي هو مأخوذ من الصدق لدلالته على صدق الزوجين في موافقة الشرع ويسمى مهراً، وطولاً، ونحلة وهو شرط في صحة الدخول على الصحيح.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿يأيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك التي أتيت أجورهن﴾ ﴿الأحزاب: 50﴾ وقال تعالى: ﴿وءاتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ ﴿النساء: 4﴾ وقال عز وجل: ﴿فما استمتعتم به منهن فءاتوهن أجورهن فريضة﴾ ﴿النساء: 24﴾ وقال تعالى: ﴿وءاتيتم إحداهن قنطاراً﴾ ﴿النساء: 20﴾ وقال تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ ﴿النساء: 34﴾ وغيرها من الآيات الدالة على وجوبه ومن الأحاديث قوله عليه الصلاة والسلام: " لا نكاح إلا بولي وصداق " الحديث، فالزوج لا يستبيح الفرج الفرج إلا بالصداق يدفعه للمرأة عند العقد، أو عند إرادة الدخول إن كان حالاً وأما إن كان مؤجلاً فعند حلوله، ولها منع نفسها حتى تقبضه إن لم يسبق الوطء منه، وإلا فلا كما سيأتي.
واختلف العلماء في أقله.
ولا خلاف عندنا أن أقل الصداق ربع دينار شرعي، أو ثلاثة دراهم شرعية، أو ما يقوم مقام ذلك من العروض، اعتباراً بأقل ما تقطع به يد السارق، وهو اعتبار صحيح، وأما أكثر الصداق فلا حد له اتفاقاً، وإنما يكون على حسب ما يتراضى عليه الأزواج والزوجات، وعلى حسب الأقدار والحالات والأزمان إلا أنه يستحب المياسرة فيه، ويكره التغالي كما يأتي.
قال رحمه الله تعالى: " لا حد لأكثر الصداق، وأقاه نصاب القطع " يعني لا حد لأكثر ما يدفع للمرأة من الصداق، ولا أقل منه على ما يوجب قطع يد السارق، ويسمى نصاب القطع هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم.
قال ابن عباس رضي الله عنه: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يسأل عن مهر النساء فيقول: هو ما اصطلح عليه

الجزء: 2 - الصفحة: 105

أهلوهم اهـ. وسئلت عائشة، رضي الله عنها، كم كان صداق رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قالت كان صداقه لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونش، قالت للسائل: أتدري ما النش؟ قال لا، قالت: نصف أوقية فتلك خمسمائة درهم اهـ. وكان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كثيراً ما يقول: لا تغلوا صدق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى في الآخرة كان أولاكم بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما أصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه ولا أصدقت امرأة من بناته أكثر من اثنتي عشرة أوقية.
وصعد رضي الله عنه، مرة منبر فقال: لا تزيدوا في صداق على أربعمائة درهم، فاعترضته امرأة من قريش فقالت: تنهى الناس عن شيء أباحه الله لهم، فقال كيف؟ فقالت: أما سمعت قول الله تبارك وتعالى: ﴿وءاتيتم إحداهن قنطاراً﴾ فقال: اللهم عفواً، كل الناس أفقه من عمر.
فلما صعد المنبر ثانية قال: إني كنت نهيتكم آنفاً عن أن تزيدوا في صداق النساء على أربعمائة، فمن شاء أن يعطي من ماله ما طابت به نفسه فليفعل اهـ وفي الحديث: " يسروا ولا تعسروا ". . وعنه صلى الله عليه وسلم: " تياسروا في الصداق " وفي رواية " من يمن المرأة تسهيل أمرها وقلة صداقها " اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويجوز عرضاً ومنفعة " يعني أنه يجوز أن يكون الصداق عرضاً، وهو كل ما يمكن تقويمه من عروض التجارة إذا كان يساوي ثلاثة دراهم فأعلى.
وقدر الدرهم زنة خمسون حبة وخمسا حبة من الشعير الوسط.
قال الجزيري في الفقه: المالكية قالوا إن المهر يصح أن يكون عيناً من ذهب أو فضة أو عرض تجارة أو حيوان أو دار أو نحو ذلك.
وأما المنافع من تعليمها القرآن ونحوه، أو سكنى الدار، أو خدمة العبد ففيها خلاف، فقال مالك إنها لا تصلح مهراً فيمتنع ابتداء أن يسميها مهراً، وقال ابن القاسم: إنها تصلح مهراً مع الكراهة، وبعض أئمة المالكية يجيزها بلا كراهة، والمعتمد قول مالك طبعاً، ولكن إذا سمى شخص منفعة من هذه المنافع مهراً فإن العقد يصح على

الجزء: 2 - الصفحة: 106

المعتمد ويثبت للمرأة المنفعة التي سميت لها، وهذا هو المشهور اهـ. وقد ذكرنا في بدر الزوجين جملة مما يجوز أن يكون صداقاً فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وعلى عبد مطلق وشورة، ويلزم الوسط من الرقيق وشورة مثلها " يعني يجوز أن يجعل صداق المرأة عبداً من عبيده أي غير موصوف ولا معين تختاره هي.
قال خليل: الصداق كالثمن كعبد تختاره هي لا هو.
قال المواق في المدونة: من نكح امرأة على أحد عبديه أيهما شاءت المرأة جاز، وعلى أيهما شاء لم يجز كالبيع اهـ. وقوله: وشورة، أي يجوز النكاح على شورة بيت إن كان معروفاً كما في المدونة، أي مما جرت به عادة الناس.
قال الخرشي: فإن كانت حضرية فلها الوسط من شورة مثلها في الحاضرة أو بدوية فالوسط من أهل البادية، ولها الوسط من الإبل والغنم، وكذلك يعتبر الوسط من الرقيق.
انظر حاشية العدوي على الخرشي اهـ. قال خليل: وجاز بشورة، أو عدد من كإبل أو رقيق وصداق مثل، ولها الوسط حالاً، وفي شرط ذكر جنس الرقيق قولان اهـ. قال رحمه الله تعالى: " واشتراط عدمه مبطل " الضمير في عدمه عائد إلى الصداق.
يعني أن اشتراط إسقاط الصداق بأن اتفقا على عدمه جملة وذلك مبطل للنكاح، فيفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل.
قال في الرسالة: ولا يجوز نكاح بغير صداق.
قال أبو الحسن: إذا شرط إسقاطه، فإن وقع فالمشهور أنه يفسخ قبل الدخول وليس لها شيء وفي فسخه بطلاق قولان، ويثبت بعده بصداق المثل، ويلحق به الولد ويسقط عنه الحد لوجود الخلاف.
قال العلامة العدوي: قوله إذا شرط إسقاطه، وفي معنى إسقاطه، إرسالها له مالاً على أن يدفعه لها صداقاً فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل اهـ. وقال النفراوي: والمضر إنما هو الدخول على الصداق فإنه يقتضي فسخ العقد قبل الدخول وإن ثبت بعده بصداق المثل اهـ. وفي العزية: فلو رضيت بإسقاطه

الجزء: 2 - الصفحة: 107

جملة لم يجز، ولها أن تسقط ما زاد على ربع دينار.
قال الشرنوبي: فإن أعطته سفيهة ما ينكحها به ثبت النكاح، ووجب عليه رده لها وإعطاؤها من ماله مثله إن كان صداق المثل، وإلا فصداق المثل.
ولو وهبت له الرشيدة قبل الدخول ما يصدقها به وأصدقها إياه ثبت النكاح وملكته وأجبر على دفع أقله فإن لها أن تسقط ما زاد، وأما إذا وهبته بعد الدخول فلا شيء عليه لأنه إبراء بعد أن قدم على البضع بوجه جائز، ومثله ما لو دفعته له بعد أن قبضته ولو كان الدفع والقبض قبل الدخول اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وبما لا يجوز تملكه يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بمهر المثل " يعني كما قال خليل: أو بما لا يملك كخمر وحر، أو بإسقاطه، أو كقصاص أو آبق إلخ يعني يفسخ النكاح قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل بوقوعه بما لا يجوز تملكه شرعاً كالحر والخمر والخنزير، أو بغير متمول كالقصاص، أو كالآبق والبعير الشارد أو غير ذلك مما فيه الغرر.
قال المواق: قال ابن الحاجب: لا يجوز بخمر ولا بغرر كآبق ودار فلان على أن يشتريها.
وفي المدونة إن تزوجها على دار فلان على أن يشتريها لها فسخ قبل البناء وثبت بعده بمهر المثل اهـ. وقال خليل: وإن وقع بقلة خل فإذا هي خمر فمثله.
قال في المدونة من تزوج على قلال خل بأعيانها فوجدتها خمراً فهي كمن نكحت على مهر فأصابت به عيناً فلها رده وترجع به إن كان يوجد مثله أو بقيمته إن كان لا يوجد مثله اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهو معتبر بحالها ويسارها وأبويها وأترابها لا بأقاربها " قال مالك في المدونة: لا ينظر إلى نساء قومها، ولكن ينظر في هذا إلى نسائها في قدرها وجمالها وموضعها وغناها، وقال ابن القاسم: والأختان تفرقان هاهنا في الصداق، قد تكون الأخت لها المال والجمال والشطاط، والأخرى لا غنى لها ولا جمال فليس هما عند الناس في صداقهما وتشاح الناس فيهما سواء اهـ. وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي

الجزء: 2 - الصفحة: 108

صلى الله عليه وسلم: " تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك " متفق عليه.
قال خليل: مهر المثل ما يرغب به مثله فيها باعتبار دين وجمال وحسب ومال وبلد، وأخت وشقيقة أو لأب، لا الأم والعمة اهـ. ومثله في الدردير.
قال الدسوقي: يعني ويعتبر فيها المال والجمال والحسب، وهو ما يعد من مفاخر الآباء من كرم وعلم وحلم ونجدة وصلاح وإمارة ونحوها، ولا بد من اعتبار النسب والبلد، فإنما هو يختلف باختلاف البلاد لأن الرغبة في المصرية مثلاً تخالف الرغبة في غيرها، فمتى وجدت هذه الأشياء عظم مهرها، ومتى فقدت أو بعضها قل مهرها فالتي لا يعرف لها أب، ولا هي ذات مال ولا جمال ولا ديانة ولا صيانة، فمهر مثلها ربع دينار مثلاً، والمتصفة ببعضها بحسبه اهـ. وقوله: وأترابها أي صواحبها.
وقوله: لا بأقاربها أي من جهة الأم وأما أقاربها من جهة الأب فيعتبر بهن كما أشار بذلك خليل بقوله: وأخت شقيقة أو لأب، لا الأم والعمة أي أخت أبيها من أمه، وأما شقيقته وأخته من أبيه وأخت المخطوبة شقيقتها أو لأبيها فيعتبر مهرهما إن وافقتهما في الصفات المتقدمة لا أخت لأم من نسب آخر فلا يعتبر بها اهـ جواهر الإكليل مع إيضاح.
قال رحمه الله تعالى: " ولو جعل عتقها صداقاً مضى العتق ولزم مهر مثلها " قال ابن جزي: لا يجوز أن يعتق أمته ويجعل عتقها صداقاً خلافاً لابن حنبل وداود اهـ. قال خليل عاطفاً على ما لا يلزم: والوفاء بالتزويج، نقل الحطاب عن التلقين: ومن أعتق أمته على أن تتزوجه بعد العتق فلا يلزمها ذلك، وإن شرط أن عتقها صداقها لم يصح ولزمه الصداق اهـ. ومثله في المواق: قال الدسوقي: يعني أن الإنسان إذا أعتق أمته بشرط أن تتزوج به أو بغيره، فلما تم عتقها امتنعت من ذلك فإنه لا يقضي عليها به ولا يلزمها الوفاء به؛ لأنها ملكت نفسها بمجرد العتق، والوعد لا يلزم الوفاء به اهـ. ومثله

الجزء: 2 - الصفحة: 109

في الخرشي قال العدوي عليه: ويجوز الوفاء بالتزويج حيث كان الشرط جائزاً بخلاف غير الجائز، كما لو أعتق أمة على أن صداقها عتقها فإنه لا يجوز الوفاء به لأن العتق غير متمول كما في القصاص اهـ. هذه نصوص أئمة المذهب لأن جعل عتق الأمة صداقاً في تزويجها من خصائصه عليه الصلاة والسلام عند مالك وأصحابه كما في الحطاب وغيره، خلافاً لباقي الأئمة.
قال الشعراني في كشف الغمة: (فرغ فيمن أعتق أمته ثم تزوجها) كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أيما رجل كانت عنده وليدة فعلمها فأحسن تعليمها، وأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها وتزوجها فله أجران " وفي رواية: " إذا أعتق الرجل أمته ثم تزوجها بمهر جديد كان له أجران " وقال أنس، رضي الله عنه: لما اصطفى رسول الله صلى الله عليه وسلم صفية بنت حيي واتخذها لنفسه خيرها بين أن يعتقها وتكون زوجته، أو يلحقها بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته، فجعل عتقها صداقها اهـ. انظر أقوال الأئمة في الميزان.
والله أعلم.
قال رحمه الله تعالى: " ولو شرط زيادة على الصداق في العقد فهي كالصداق " يعني أن ما شرط زيادته من الهدية قبل العقد أو حين العقد فحكمه حكم الصداق، وكذا ما جرى به العرف ولو لم يشترط.
قال ابن جزي في المسائل: المسألة الثالثة في استقراره وتشطيره، ويجب جميعه بالدخول أو بالموت اتفاقاً، ونصفه بالطلاق قبل الدخول اتفاقاً، إلا إن طلقها في نكاح التفويض، وقد اختلف هل وجب لها جميعه بالعقد ثم يسقط نصفه بالطلاق قبل الدخول، أو وجب لها نصفه بالعقد والنصف الباقي بالدخول أو بالموت، وهو اختلاف عبارة اهـ. قال خليل عاطفاً على ما يتشطر: وهدية اشترطت لها أو لوليها قبله.
قال الخرشي: يعني أن الهدية التي اشترطت لها أو لوليها أعم من أبيها أو وصيها قبل عقد النكاح عليها أو حين العقد إذا كان ذلك على شرط النكاح فإنها تتشطر بالطلاق قبل الدخول عليها لأنها هدية لأجل النكاح، ومثل الاشتراط إذا جرى العرف بذلك اهـ. ومثله في الدردير.

الجزء: 2 - الصفحة: 110

قال رحمه الله تعالى: " ولا يجمع البيع والنكاح في العقد " يعني لا يجوز اجتماع البيع والنكاح في عقد واحد، وكذا باقي العقود السبعة.
قال خليل عاطفاً على ما يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل: واجتماعه مع البيت كدار دفعها هو أو أبوها.
قال شراحه: المشهور أن النكاح في هذه المسألة فاسد لصداقه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل، وهو ما إذا اجتمع مع البيع، أو القرض، أو الشركة، أو الجعالة، أو الصرف، أو المساقاة، أو القراض، في عقد واحد للجهل بما يخص البضع من ذلك، أو لتنافي الأحكام بينهما، فإن النكاح مبني على المسامحة والمكارمة، والبيع وما معه مبني على المشاحة والمكايسة.
وصورة اجتماع البيع والنكاح مثلاً كأن يدفع الزوج الدار لزوجة على أن يتزوجها ويأخذ منها مائة دينار، فالدار نصفها في مقابلة البضع والنصف الآخر في مقابلة المائة، فقد اجتمع البيع والنكاح في عقد واحد، وكذلك الحكم بفساد النكاح لو دفع الدار أبو الزوجة أو الزوجة نفسها للزوج على أن يتزوجها ويدفع للزوجة مائة دينار مثلاً، فالمائة التي يدفعها الزوج بعضها في مقابلة البضع وبعضها في مقابلة الدار، فقد اجتمع البيع والنكاح في عقد واحد، وظاهره فساد النكاح المجتمع مع البيع سواء سمي لكل منهما ما يخصه من ذلك أم لا اهـ. ومثله في جواهر الإكليل.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب تعجيله أو بعضه قبل الدخول، ولها الامتناع حتى تقبض الحال لا المؤجل، ولا بعد تمكينه، فإن أعسر قبل البناء فلها الفسخ " يعني يندب للزوج تقديم جميع الصداق للمرأة أو بعضه قبل الدخول وإن كان تسليمه واجباً في بعض الأحوال.
قال في أقرب المسالك: ووجب تسليمه إن تعين أو حل وإلا فلها منع نفسها من الدخول والوطء بعده والسفر معه إلى تسليم ما حل لا بعد الوطء إلا أن يستحق ولو لم يغر اهـ. قال ابن جزي: للمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها، وليس لها ذلك بعد طوعها بالتسليم.
وقال غيره: جاز للزوج أن يتأجل بعض الصداق إلى

الجزء: 2 - الصفحة: 111

زمن معلوم إن لم يقدر على تسليمه حين العقد أو قبله.
وقال مالك: يكره له أن يدخل بها قبل دفع ربع دينار، ولها منع نفسها حتى تقبضه اهـ. وقال الدردير في أقرب المسالك: وإن ادعى العسر ولا مال له ظاهر ولا بينة تشهد بعسره أجل لإثباته ثلاثة أسابيع، فإن أثبته تلوم له بالنظر من الحاكم ولو لم يرجع له مال، ثم إن لم يأت به طلق عليه إذا لم ترض بالمقام معه وانتظاره، ووجب عليه نصفه لكونه قبل؛ إذ لا طلاق بعد الدخول بعسر صداق اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن اختلفا في قدره أو عينه، فإن حلفا تفاسخا، وأيهما نكل لزمه ما حلف عليه الآخر، وبعد الدخول القول قوله " يعني كما قال الدردير في أقرب المسالك ونصه: وفي قدر المهر أو صفته قبل البناء فالقول لمدعي الأشبه بيمينه.
وإلا حلف وفسخ وبدأت، وقضى للحالف على الناكل.
وفسخ في الجنس مطلقاً إن لم يرض أحدهما بقول الآخر، وبعد البناء فالقول له بيمين في القدر أو الصفة وإن لم يشبه كالطلاق والموت، فإن نكل حلفت أو ورثتها ورد لصداق المثل في الجنس ما لم يزد على ما ادعته أو ينقص عن دعواه وثبت النكاح اهـ. قال الشارح: فتحصل أنه كان التنازع قبل البناء ولم يحصل طلاق ولا موت فالقول لمدعي الأشبه بيمينه ولا فسخ في القدر والصفة، فإن أشبها معاً أو لم يشبها تحالفا، وفسخ إن لم يرض أحدهما بقول آخر، وإن كان التنازع قبله في الجنس حلفا وفسخ مطلقاً ولا ينظر لشبه ولا عدمه ما لم يرض أحدهما بقول الآخر.
وإن حصل التنازع بعد البناء أو قبله بعد طلاق أو موت فالقول للزوج بيمينه ولا فسخ في القدر والصفة، وأما في الجنس فيرد لصداق المثل بعد حلفهما أو نكولهما معاً، ولا سبيل للفسخ، ولا يراعى شبه لهما ولا لأحدهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر قضي له بما ادعى ولا فسخ أيضاً وقد علمت أنه متى حصل بناء فلا فسخ مطلقاً، كان النزع في القدر أو الصفة أو الجنس، أشبها أو لم يشبها، أو أشبه أحدهما

الجزء: 2 - الصفحة: 112

دون الآخر، إلا أنه في القدر والصفة القول قول الزوج إن حلف، وإلا حلفت وكان القول لها.
وفي الجنس يرد لصداق المثل إن حلفا أو نكلا، فإن حلف أحدهما فالقول له، وأنه إن لم يحصل بناء فتارة يفسخ، وذلك فيما إذا تحالفا أو تناكلا معاً في اختلافهما في الجنس مطلقاً أو في الصفة والقدر إذا لم ينفرد أحدهما بالشبه.
وصور المسألة أربع وعشرون؛ لأن التنازع إما في القدر أو الصفة أو الجنس، وفي كل إما أن يشبها معاً، أو لم يحصل شبه، أو يشبه الزوج فقط أو هي فقط، وفي كل إما أن يبني بها أولاً.
وظاهر كلام الشيخ أنه لا فرق بين الاختلاف في الجنس وغيره، وهو خلاف ما قرره في توضيحه ونقله عن اللخمي وابن رشد والمتيطي وغيرهم اهـ انظر أيضاً حاشية الصاوي عليه إن شئت زيادة على ما جلبناه لك فتأمل.
قال رحمه الله تعالى: " وفي قبضه قبل الدخول قولها، وبعده قول من شهد له العرف، إلا أن يكون معها كتاب ثابت ط يعني وإن كان التنازع في قبض الصداق وعدمه فالقول قول الزوجة قبل الدخول.
قال ابن جزي: وإن اختلف في القبض فالقول قولها قبل الدخول، والقول قوله بعد الدخول، إلا إن كان هناك عرف فيرجع إليه.
وقال الشافعي وأحمد: القول قوله مطلقاً اهـ. قال في المقرب: سئل بعضهم فيمن تزوج امرأة بصداق بعضه معجل وبعضه مؤجل ودخل بها واختلفا في قبض المؤجل، فقال: سئل مالك عن رجل تزوج بمائة دينار وخادم إلى سنة فنقدها المائة ودخل عليها بعد السنة من يوم تزوجها، ثم اختلفا في قبض الخادم، فقال مالك: إن كان دخل بها بعد مضي السنة فالقول قول الزوج، وإن كان دخل بها قبل مضي السنة فالقول قول المرأة، فكذلك مسألتك اهـ. نقله ميارة في شرحه على العاصمية.
ونقل أيضاً عن التهذيب: وإذا ادعى الزوج أنه دفع الصداق وأنكرت الزوجة، أو مات الزوج فادعت الزوجة أنها لم تقبض صداقها، أو مات الزوجان وتداعى ورثتهما في دفع الصداق فلا قول للمدخول بها

الجزء: 2 - الصفحة: 113

ولا لورثتها وإن لم يدخل صدقت هي أو ورثتها اهـ. قوله: وبعده قول من شهد له العرف يعني للعرف في هذه المسائل تأثير، فالحق مراعاته قاله ميارة: قوله: إلا أن يكون معها كتاب ثابت.
قال ابن رحال في شرحه على العاصمية: وقد نقلنا في الشرح كلام الناس الدال على أن المذهب هو اعتبار القيود المذكورة، ويظهر من كلام من قيد بالكتاب أن المراد به كتاب مخالف لكتاب الصداق، وقد بينا ذلك في الشرح أيضاً، وهذه المسائل صعاب غاية، فيحتاج القاضي إلى البحث عن العوائد وإلى النظر في أحوال الناس، فإن كثيراً من أهل البوادي يعطي الزوج منهم لولي المرأة ما يطلبه منه ويؤخر عنه بعض الصداق المقدم لأجل ما أعطيه، ولا يكتب الولي أنه بقي عليه كذا ويدخل الزوج فيأتي القاضي الذي لم يطلع على فعل الناس فيصدق الزوج في الدفع لدخوله، وذلك خطأ صراح، ومن مازج الناس ورفع لهم الرأس اطلع على ما هو أكثر من هذا.
وهنا يحتاج القاضي إلى السؤال عن الأحوال والبحث عن شأن النساء والرجال، فربما تكون المرأة راغبة في الزوج غاية فتؤخر عنه، وربما يكون العكس فلا، ومن راقب الله منحه هداه، ولكن قف على الشرح تر ما ينجي من عذاب الله بحول الله وقوته اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويكمل بالموت والبناء " يعني أن الصداق يكمل بموت أحد الزوجين وبالدخول بمعنى الوطء، وكذا بالمقام سنة في بيت الزوج ولو لم يطأ كما تقدم.
قال ابن جزي: وإن بنى بها وطال الأمر سنة وجب لها جميع الصداق اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويتشطر بالطلاق قبله " يعني أن الصداق يتشطر بالطلاق قبل الدخول.
وكذا الهدية التي أهداها الخاطب قبل العقد فإنها تتشطر كالصداق، سواء كانت لها أو لوليها كما تقدم عند قوله: ولو شرط زيادة على الصداق في العقد فهي كالصداق فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ويسقط بكل فرقة تكون من جهتها إلا التمليك

الجزء: 2 - الصفحة: 114

والتخيير، واختيارها بإعساره " يعني يسقط الصداق عن الزوج بكل فرقة أتت من جهة الزوجة كالمختلعة قبل البناء.
وقال التيدي: يسقط الطلاق في مسألتين: في الرد بالعيب قبل البناء، ونكاح التفويض إذا طلق أو مات قبله، أي قبل الدخول وقبل أن يفرض لها صداقاً فإنه يسقط، ومثل ذلك المعتوقة تحت العبد إذا اختارت الفراق قبل البناء، وأما بعده لها المسمى فتحصل أن الخيار موجب لسقوط الصداق إلا فيما استثني، وهن المملكة والمخيرة الحرة والمخيرة التي عجز زوجها عن دفع الصداق وامتنعت عن الدخول قبله إذا فرق بينهما الحاكم بعد تلوم، فلا يسقط عن الزوج نصف الصداق فإنه يدفعه متى أيسر كما تقدم.
قال ابن جزي: إنما يجب لها نصف الصداق إن طلقها قبل البناء اختياراً منه، فإن فسخ النكاح أو رده الزوج بعيب في الزوجة لم يجب لها شيء.
واختلف هل يجب إذا ردته هي بعيب فيه؟ اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فلو وهبته بعضه فلها نصف باقيه " يعني لو أن الزوجة وهبت بعض صداقها لزوجها أو لغيره صحت الهبة، ثم إن طلقها قبل البناء فإنها ترجع عليه بنصف الباقي أي نصف ما بقي بعد الموهوب، هذا إذا وهبت بعضه للزوج، وأما إن وهبته كله فقال ابن جزي: الفرع الخامس إذا وهبت المرأة لزوجها جميع صداقها ثم طلقها قبل البناء لم يرجع عليها بشيء.
وقال الشافعي: يرجع عليها بنصف الصداق اهـ. وأما إن وهبته للأجنبي فقد قال خليل في ذلك: وإن وهبته لأجنبي وقبضه ثم طلق اتبعها ولم ترجع عليه إلا إن تبين أن الموهوب صداق.
قال الشارح: يعني أن المرأة المالكة لأمر نفسها إذا وهبت صداقها لشخص غير الزوج وقبضه منها أو من الزوج ثم إن الزوج طلقها قبل البناء فإن الزوج يرجع عليها بنصف الصداق ولا ترجع المرأة على الأجنبي بشيء منه إلا إن تبين للموهوب له حين الهبة أن الموهوب صداق فترجع عليه بنصفه لأنها إنما وهبت على أن يتم صداقها فلم يتم، وينبغي أن علمه بذلك كبيانها اهـ الخرشي.
ومثله الصاوي.
وتقدم لنا

الجزء: 2 - الصفحة: 115

الكلام في تشطير الصداق والهبة المشروطة حين العقد وما أخذه الولي من ذلك.
قال الصاوي: حاصله أن المرأة إذا طلقت قبل البناء وتشطر ما أخذه وليها من الهدية حين العقد أو قبله فلها أن ترجع على وليها وتأخذ منه النصف الذي بقي بعد التشطير، وللزوج النصف الآخر.
يأخذه من الولي وليس للزوج مطالبتها بالنصف الذي أخذه الولي لأن الإعطاء للولي ليس منها وإنما هو من الزوج وحينئذ فيتبعه به اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو وضعت بعضه في العقد لشرط فلم يف لكان لها الرجوع به " يعني أن الزوجة الرشيدة المالكة لأمر نفسها لو وضعت بعض صداقها عند العقد بشرط أن لا يفعل شيئاً مما تكرهه كأن لا يتزوج عليها أو لا يتسرى أو لا يخرجها من بلد ونحو ذلك مثلاً، ثم إنه لم يف بما شرطت عليه وفعل خلاف ذلك فلها الرجوع بحقها من الصداق وغيره.
قال الدردير: كما في المختصر: وإن وهبته أو أعطته مالاً لدوام العشرة أو حسنها ففسخ أو طلق عن قرب، رجعت عليه بما وهبته من الصداق من الصداق وبما أعطته من مالها لعدم تمام غرضها.
وقوله عن قرب مفهومه أنه لو تباعد الطلاق لم ترجع، ذكر هذا التفصيل اللخمي وابن رشد، وهو فيما إذا أسقطته من مهرها أو أعطته مالاً على أن يمسكها، أو لا يتزوج أو لا يتسرى عليها، أو نحو ذلك ففرق أو طلق فلها الرجوع في ذلك، ككل عطية معلقة على شيء لم يتم.
وإن تسرى أو تزوج عليها فكذلك لها الرجوع سواء كان ذلك بالقرب أو بالبعد اهـ بإيضاح.
انظر قوانين وشراح المختصر.
قال رحمه الله تعالى: " ولو اشترت ما تختص به ضمنت نصفه وما يصلح لهما فهو بينهما كزيادته ونقصه وتلفه " يعني إن اشترت المرأة بما أخذته من الصداق عبداً أو داراً أو غيرهما مما تختص به ثم طلقها الزوج قبل البناء فإنها ترد له نصف ما أخذته من الصداق، وإن اشترت به الجهاز تعين تشطير ما اشترته من فرش وغطاء ووسائد وأوان وغير ذلك مما يصلح أن يكون جهاز أمثالها، وسواء اشترته من زوجها أو من غيره.
وأما

الجزء: 2 - الصفحة: 116

لو اشترت ما لا يصلح للجهاز كعبد أو دار أو فرس أو غير ذلك مما يمكن اختصاصها به، فإن اشترته من غير زوجها فلا يتعين قسمته، والكلام لمن أراد قسمة الأصل.
وإن اشترته من زوجها تعين التشطير.
وعبارة ابن الحاجب: ويتعين ما اشترته من الزوج من عبد ودار أو غيره نما أو نقص أو تلف وكأنه أصدقها إياه اهـ. وأصله في المدونة، وأبقاها أكثرهم على ظاهرها، وتأولها القاضي إسماعيل على إذا قصدت بشراء ما ذكر من زوجها الرفق والتخفيف عليه، فإن لم تقصد ذلك فلا يتعين التشطير اهـ. وأما قوله: وأصله في المدونة ونصها قلت: أرأيت إن تزوجها بألف درهم فاشترت منه بالألف الدرهم داره أو عبده ثم طلقها قبل البناء بها، بم يرجع عليها في قول مالك؟ قال: قال مالك: يرجع عليها بنصف الدار أو العبد، قلت: فلو أخذت منه الألف فاشترت بها داراً من غيره أو عبداً من غيره ثم طلقها قبل البناء بها قال: قال مالك: يرجع عليها بنصف الألف، قلت: وشراؤها من الزوج بالألف عبداً أو داراً مخالف لشرائها من غير الزوج إذا طلقها قبل البناء؟ قال نعم، كذلك قال مالك: إلا أن يكون ما اشترته من غير الزوج شيئاً مما يصلحها في جهازها خادماً أو عطراً أو ثياباً أو فرشاً أو أسرة أو وسائد، فأما ما اشترت لغير جهازها فلها نماؤه وعليها نقصانه، ومنها مصيبته، وهذا قول مالك: وما أخذت من زوجها من دار أو عرض من غير ما يصلحه أو يصلحها في جهازها فلا مصيبة عليها في تلفه وهو بمنزلة ما أصدقها إياه، له نصف نمائه وعليه نصف نقصانه اهـ. قال ابن جزي: الفرع الثالث ما حدث من الصداق من زيادة ونقصان قبل البناء، فالزيادة لهما والنقصان عليهما وهما شريكان في ذلك، فإن تلف في يد أحدهما فما لا يغاب عليه فخسارته منهما وما يغاب عليه خسارته ممن هو في يده إن لم تقم بينة بهلاكه فإن قامت به بينة فاختلف هل يضمنه من كان تحت يده أم لا اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولو دخل فادعت المسيس وأنكره فالقول قولها ولو خلا بها زائراً ففي منزله قولها وفي منزلها قوله " يعني كما قال ابن جزي: فإن بنى بها واختلفا في المسيس فالقول

الجزء: 2 - الصفحة: 117

قولها، وإن خلا بها من غير بناء فالقول أيضاً قولها.
وقال ابن القاسم: إن خلا بها في بيته فالقول قولها، وإن كان في بيتها لم تصدق عليه، وإن ادعت المسيس وليس بينهما خلوة لزمته اليمين وبرئ من نصف الصداق فإن نكل حلفت واستوجبت جميعه.
وحيث قلنا القول قولها فاختلف هل تصدق مع يمينها أو دون يمين اهـ. ولما أنهى الكلام على نكاح المسمى وبيان الصداق وما يتعلق به انتقل يتكلم على نكاح التفويض والتحكيم فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في بيان نكاح التفويض والتحكيم

أي في بيان ما يتعلق بأحكام نكاح التفويض والتحكيم قال ابن عرفة: نكاح التفويض ما عقد دون تسمية مهر ولا إسقاطه ولا صرفه لحكم أحد قال النفراوي: وأما لو عقدا على إسقاطه لكان فاسداً يفسخ قبل الدخول ويثبت بعده بصداق المثل.
وما عقد على صرف قدره لحكم شخص فإنه يسمى نكاح التحكيم وهو جائز أيضاً كنكاح التفويض، ولو كان المحكم في صرف قدره عبداً أو صبياً أو امرأة.
والدليل على جوازه " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة " الآية اهـ. قال رحمه الله تعالى: " يجوز نكاح التفويض وهو العقد المسكوت فيه عن الصداق، فيلزم برضاها بما فرضه إن بذل مهر مثلها أو رضاه بفرضها أو فرض وليها، فإن طلق قبل الفرض والبناء استحبت المتعة ولا مهر، ويثبت التوارث، ولو دخل للزم مهر المثل " يعني أن نكاح التفويض حكمه الجواز.
قال في الرسالة: ونكاح التفويض جائز: وهو أن يعقداه ولا يذكران صداقاً ثم لا يدخل بها حتى يفرض لها، فإن فرض لها صداق المثل لزمها، وإن كان أقل فهي مخيرة، فإن كرهته فرق

الجزء: 2 - الصفحة: 118

بينهما إلا أن يرضيها أو يفرض لها صداق مثلها فيلزمها اهـ. قال ابن جزي: المسألة الرابعة في نكاح التفويض وهو جائز اتفاقاً، وهو أن يسكتا عن تعيين الصداق حين العقد ويفوض ذلك إلى أحدهما أو إلى غيرهما، ثم لا يدخل بها حتى يتعين، فإن فرضه أحدهما فرضية الآخر لزمه، وإن لم ترض المرأة، فإن فرض لها صداق المثل أو أكثر لزمها بخلاف الأقل، إلا أن ترضى به، وإن لم يرض الزوج كان مخيراً بين ثلاثة أشياء: إما أن يبذل صداق المثل، أو يرضى بفرضها، أو يطلق، فإن مات قبل الدخول وقبل الفرض فلا صداق لها خلافاً لأبي حنيفة، ولها الميراث اتفاقاً، وإن طلقها قبل الدخول فلا نصف لها إلا إن كان قد فرض لها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والتحكيم كالتفويض بما يحكم به وإلا خير بين الطلاق ومهر المثل " قال النفراوي: فمحصل الكلام فيه إن كان المحكم الزوج وفرض صداق المثل لزمها القبول، وإن كان الزوج لا يلزمه فرضه.
واختلف لو كانت هي المحكمة أو أجنبي فقيل كذلك، وقيل إن فرض المثل لزمهما وأقل لزمه وأكثر فالعكس.
وقيل لا بد من رضا الزوج والمحكم وهو الأظهر.
وقيل إن التحكيم عكس التفويض اهـ وإلى الاختلاف المذكور أشار خليل بقوله: ولزمها فيه وتحكيم الرجل إن فرض المثل ولا يلزمه، وهل تحكيمها وتحكيم الغير كذلك، أو إن فرض المثل لزمها وأقل لزمه فقط، وأكثر فالعكس، أو لا بد من رضا الزوج والمحكم وهو الأظهر تأويلات اهـ. قال العلامة الجزيري في فقه المالكية: أما نكاح التحكيم فهو كنكاح التفويض في التفصيل المتقدم، فإن طلقها بعد الوطء كان لها مهر المثل، وإن طلقها قبل الوطء أو مات عنها كان حكمه ما ذكر في نكاح التفويض: ثم إذا كان المحكم الزوج وفرض لها مهر المثل لزمها القبول ولزمه الدفع، أما إذا لم يفرض لها شيئاً وطلقها قبل الدخول فلا شيء عليه، وإذا كان المحكم الزوجة أو شخصاً أجنبياً وحكم بمهر المثل يلزم الزوج سواء رضي أم لم يرض.
وقيل لا يلزمه إلا برضاه

الجزء: 2 - الصفحة: 119

فإذا طلقها قبل الرضا لا شيء عليه، والأظهر أنه لا يلزمه إلا إذا تراضيا معاً المحكم والزوج سواء كان المحكم الزوجة أو غيرها اهـ انظر شراح خليل.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتلزم النفقة بالدخول أو الدعاء إليه بشرط البلوغ وإطاقتها الوطء " يعني تلزم نفقة الزوجة بالدخول بها أو الدعاء إلى الدخول بشروط.
قال النفراوي في الفواكه: إن الزوج لا يلزمه النفقة على زوجته إلا إذا كان بالغاً وهو كذلك، إذ لا يلزم الصبي نفقة زوجته وإن اتسع في المال وافتضها، لأنها أو وليها هي المسلطة له عليها، وكذا لا يلزمه النفقة لغير المدخول بها التي لم تطق الوطء، أو تطيقه لكن لم تمكنه من الدخول، أو مكنته ودعته لكنه صبي أو بالغ إلا أنها مشرفة على الموت بأن أخذت في النزع، بخلاف المدخول بها فلا يسقط نفقتها إلا موتها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي معتبرة بحالها فيجتهد الحاكم بفرض كفايتها مما لا غنى لها عنه " يعني كما أشار بذلك خليل قوله: يجب لممكنة مطيقة للوطء على بالغ، وليس أحدهما مشرفاً قوت وإدام وكسوة ومسكن بالعادة بقدر وسعه وحالها والبلد والسفر وإن أكولة، وتزداد المرضع ما تقوى به إلا المريضة وقليلة الأكل فلا يلزمه إلا ما تأكل على الأصوب اهـ. قوله وهي معتبرة بحالها، هذا غير مشهور، والمشهور في المذهب أنه يعتبر في تقدير النفقة بحال الزوجين معاً كما هو منصوص.
والنفقة هو ما يقتات به الإنسان ويتخذه للمعيشة ويعيش به غالباً من الحنطة والشعير والأرز والذرة والدخن وغير ذلك من الحبوب والأشجار كالتمر والزبيب ونحو ذلك، ومما يلزم على الزوج لزوجته أنه يفرض الماء والزيت والحطب والملح واللحم المرة بعد المرة وحصير وسرير احتيج له وأجرة قابلة وزينة تستضر بتركها ككحل ودهن معتادين وحناء ومشط فكل واحد على قدر حاله وعلى الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وليس كل الناس سواء في ذلك، لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، ولا يوقت بوقت في شراء اللحم على المعول اهـ. والأصل في وجوب النفقة

الجزء: 2 - الصفحة: 120

على الزوجة قوله تعالى: ﴿الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم﴾ [النساء: 34]، الآية ولما في الحديث الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: " أفضل الصدقة ما ترك من غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى وأبدأ بمن تعول، تقول المرأة إما أن تطعمني وإما أن تطلقني، ويقول العبد أطعمني واستعملني، ويقول الولد أطعمني إلى من تدعني " اهـ. رواه البخاري وأحمد عن أبي هريرة.
قال في الرسالة: ولا يلزم الرجل النفقة إلا على زوجته سواء كانت غنية أو فقيرة.
قال شارحها: وتطلق عليه بعد التلوم بالعجز عنها إلا أن تكون تزوجته عالمة بفقره وعجزه عن النفقة فلا تطلق عليه حينئذ اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وإن كانت ممن تخدم أخدمها " يعني إن الزوج الموسر ينبغي له أن يخدم زوجته.
قال في الرسالة: وإن اتسع فعليه إخدام زوجته أي إن كانت متأهلة للإخدام وإلا فعليها الخدمة الباطنية من عجن وكنس وغير ذلك مما جرت بها عادة أمثالها كما سيأتي قوله وعليها من خدمته ما يخدم مثلها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتسقط بنشوزها لا لوجود عذر شرعي أو حبسه أو سفره " يعني أن النفقة تسقط بنشوز الزوجة بلا عذر شرعي.
ولا تسقط بعذر شرعي كالحيض والنفاس، ولا بالإحرام والمرض المانعة من الوطء، وكذا لا تسقط بالسفر أو الحبس ولو لحقها، أو حبست هي لحقه أو حق غيره أو ظلماً، وتسقط بمنعها الوطء أو الاستمتاع، وبخروجها بلا إذن إن لم يقدر الزوج على ردها ولو بالحكم إلا إذا كانت حاملاً فلا تسقط حينئذ.
هذا في غير الملاعنة أما هي فلا نفقة لها ولو كانت حاملاً.
قال في الرسالة: ولا نفقة للمختلعة إلا في الحمل، ولا للملاعنة وإن كانت حاملاً.
ولا نفقة لكل معتدة من وفاة ولها السكنى إن كانت الدار للميت أو قد نقد كراءها اهـ. قال العدوي: ولا نفقة للناشزة ولا للمختلعة ولا مطلقة طلاقاً بائناً ما لم تكن حاملاً حملاً لاحقاً بأبيه فينفق عليها حتى تضع إلا إذا خالعها على إسقاط نفقة الحمل عنه فتسقط، وإن لم يكن

الجزء: 2 - الصفحة: 121

الحمل لاحقاً لأبيه بأن ينفيه بلعان فلا نفقة لها، فإن استلحقه بعد النفي وجبت عليه النفقة، وترجع عليه بالنفقة قبل الاستلحاق إن كان موسراً في تلك المدة اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويثبت خيارها بعسره لا إن تزوجته عالمة بفقره، فإن اختارت فراقه تطلق رجعية ووقفت رجعته على يسره أو رضاها " يعني يثبت خيار الزوجة بعسر زوجها عن النفقة لا إن كانت عالمة بفقره فيسقط الخيار، أما إن كان فقره طارئاً عليه وعجز عن النفقة على زوجته فتسقط عنه مدة إعساره، فينفق عليها ولدها وجوباً إن كان لها ولد موسر، كما سيأتي عند الكلام على نفقة الأبوين الفقيرين.
قال في المدونة: ويجب على الولد نفقة أمه إذا كان زوجها معسراً وهو موسر، ولا تسقط نفقتها عليه ما دام زوجها معسراً اهـ. قال العلامة العدوي: وحاصل المسألة أن الزوج إذا عجز عن نفقة زوجته الحاضرة أو المستقبلة لمن يريد سفراً دون الماضية ورفعت أمرها إلى الحاكم وشكت ضرر ذلك وأثبتت الزوجية ولو بالشهرة، أو كانا طارئين فيفصل بين كون الزوج ثابت العسر فيأمره الحاكم بالطلاق، وإن لم يكن ثابت العسر مع ادعاء العسر فيأمره بالإنفاق أو الطلاق، فإن طلق في الأولى أو أنفق، أو طلق في الثانية فلا إشكال، وإن امتنع من ذلك طلق عليه بلا تلوم في الثانية، وبعد التلوم في الأولى باجتهاد الحاكم، وسواء كان الزوج يرتجى له أم لا.
ولا نفقة لها زمن التلوم.
ولو رضيت بالمقام بعد التلوم ثم قامت بعد ذلك فلا بد من التلوم ثانياً، وإذا مرض أو سجن في أثناء مدة التلوم فإنه يزاد له ما يرتجى له بشيء.
وهذا إن رجى برؤه من المرض وخلاصه من السجن عن قرب، وإلا طلق عليه.
وملخصه أنه بعد التلوم وعدم الوجدان يطلق عليه، ويجري فيه قول صاحب المختصر حيث قال: فهل يطلق الحاكم، أو يأمرها به ثم يحكم به قولان.
ولا فرق في الذي ثبت عسره وتلوم له بين أن يكون حاضراً أو غائباً.
ومعنى ثبوت العسر في الغائب عدم وجود ما يقابل النفقة بوجه من الوجوه.
والتلوم للغائب محله حيث

الجزء: 2 - الصفحة: 122

لم تعلم غيبته، أو كانت بعيدة كعشرة أيام، وأما إن قربت كثلاثة أيام فإنه يعذر إليه، وجماعة المسلمين العدول يقومون مقام الحاكم في ذلك وفي كل أمر يتعذر الوصول إلى الحاكم أو لكونه غير عدل.
وأما من لم يثبت عسره وهو مقر بالملاء وامتنع من الإنفاق والطلاق فإنه يعجل عليه الطلاق على قول، ويسجن حتى ينفق عليها على آخر، فإن سجن ولم يفعل فإنه يعجل عليه الطلاق، كما أنه يعجل عليه بلا تلوم إن لم يجب الحاكم بشيء حتى رفعته.
ثم قال: وإن العاجز عن نفقة زوجته إن كان من السؤال لشهرة حاله، وعلى عدمه إن كان فقيراً لا يسأل، نعم إذا علمت أنه من السؤال أو اشتهر بالعطاء ثم ترك السؤال، أو انقطع الإعطاء فإنه تطلق عليه.
واعلم أنه إذا لم يجد إلا ما يمسك الحياة فقط فهو كالعاجز، لا إن قدر على قوت زوجته الكامل من الخبز مأدوماً أو غير مأدوم من قمح أو غيره فلا قيام لها ولو دون ما يكتسبه فقراء ذلك الموضع ولو كانت ذات قدر وغنى، أو قدر على ستر جميع بدنها ولو من غليظ الكتان أو الجلد ولو غنية فلا قيام لها.
والقادر بالتكسب كالقادر بالمال إن تكسب ولا يجبر على التكسب.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وعليه إسكانها مسكناً يليق بها " يعني يلزم على الزوج إسكان زوجته في المحل الذي يليق بها بقدر وسعه وحالها، إما بملك أو كراء أو عارية، وأن يكون مشتملاً على جميع ما يحتاج من المنافع اللازمة لعموم قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ [الطلاق: 6] وإن كانت الآية نزلت للمطلقات كما في الحديث إلا أنه يعتبر بعمومها.
قال رحمه الله تعالى: " وعليها من خدمته ما يخدم مثلها، وحفظها في نفسه وماله " يعني من حق الزوج على زوجته أن تخدمه خدمة مثلها في المنزل وأن تحفظ نفسها إذا غاب، وتحفظه وماله في غيبته وحضرته لتكون من اللاتي ذكرهن الله بقوله: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾ [النساء: 34] أي مطيعات لأزواجهن في غير

الجزء: 2 - الصفحة: 123

معصية الله، حافظات لفروجهن وغيرها في غيبة أزواجهن حيث أوصى عليهن الأزواج.
قال العلامة الصاوي: والمعنى أن الله كما أوصى الأزواج بحفظ النساء كذلك لا تسمى النساء صالحات إلا إذا حفظن الأزواج، لأنه كما يدين الفتى يدان اهـ. قال عليه الصلاة والسلام في حديث طويل: " ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فحقكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم من تكرهون، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن " اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وله نقلها والسفر بها إذا كان مأموناً عليها محسناً " يعني أن الزوج له نقل زوجته من بيت أبويها أو من بيتها إذا اتفقا في ذلك، أو جرت به العادة، وكذلك له أن يسافر معها إذا كان مأموناً محسناً عليها إن لم تشترط عليه عدم ذلك وإن اشترط عدم السفر بها فإنه يستحب له الوفاء بالشرط كما تقدم.
هذا إن لم يتعلق الشرط باليمين وإلا وجب الوفاء به.
قال ابن جزي: الفرع الرابع إن شرط لها أن لا يرحلها من بلدها إلا بإذنها فلها ذلك إن علقه بيمين، فإن أذنت له مرة فردها ثم أراد أن يرحلها ثانية فاختلف هل يسقط شرطها أم لا اهـ. ولما أنهى الكلام على بيان التفويض والتحكيم وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على أحكام القسم بين الزوجات لمن كان متزوجاً بامرأتين فأكثر، فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

فيمن كان متزوجاً بأكثر من زوجة

أي في بيان حكم من كان متزوجاً بأكثر من زوجة سواء كن حرائر أو إماء مسلمات أو كتابيات، صحيحات أو مريضات، كبيرات أو صغيرات، كان الزوج البالغ حراً أو عبداً، صحيحاً أو مريضاً، حيث كان يقدر على الانتقال، وأما من لا قدرة له على الانتقال

الجزء: 2 - الصفحة: 124

فيمكث عند من شاء، وعلى ولي المجنون أن يطوف به عليهن كما يجب عليه الإنفاق عليهن من مال الزوج لكن بشرط انتفاعهن بحضوره وعدم الخوف منه عليهن وإلا فلا وجوب على الولي، كما لا يجب عليه إطافة الصبي عليهن اهـ، النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " يجب القسم بين الزوجات ولو امة أو كتابية أو بها عذر يمنع الوطء لكل يوم وليلة ما لم يعجزه مرض فيقيم حيث صار " يعني من كان متزوجاً بالزوجات وجب عليه القسم، وهو المعبر عنه بالعدل بينهن ولو كان خصياً أو مجنوناً أو مريضاً حيث لا يمنعه الانتقال إلى من لها النوبة، دل على وجوبه الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة﴾ ﴿النساء: 3﴾ وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم: " إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط " اهـ رواه أصحاب السنن.
وأما الإجماع فقد أجمع المجتهدون على وجوبه وعلى عصيان تاركه، ولا تجوز شهادته ولا غمامته عند بعض الشيوخ، ومن جحد وجوبه يستتاب ثلاثة أيام لارتداده بجحده فإن تاب وإلا قتل اهـ أنظره في الفواكه.
قال خليل: إنما يجب القسم للزوجات في المبيت وإن امتنع الوطء شرعاً أو طبعاً أو عقلاً كمحرمة ومظاهر منها، ورتقاء لا في الوطء إلا لإضرار ككفه لتتوافر لذته الأخرى، وعلى ولي المجنون إطافته، وعلى المريض إلا أن لا يستطيع فعند من شاء اهـ. فالمعنى أن المريض يجب عليه القسم إذا كان يقدر معه على الانتقال إلى من لها النوبة، فغن شق عليه ذلك فليختر من شاء منهن وليقم عندها مدة مرضه حتى تحصل له الصحة.
والقسم يكون بيوم وليلة إن كانا في بلد واحد أو متقاربين وإلا فيجب على الطاقة، ولا يقسم بيومين إلا برضاهن لقول ابن القاسم في المدونة: ويكفيك ما مضى من رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا وأصحابه، ولم يبلغنا عن أحد منهم أنه قسم إلا يوماً ههنا ويوماً ههنا، أما إن كان برضاهن فالقسم بيومين أو بأكثر

الجزء: 2 - الصفحة: 125

جائز لأن الحق في ذلك لهن اهـ بإيضاح.
قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز برضاهن الزيادة على يوم وليلة والنقص اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وله تفضيل بعضهن في الإنفاق ما لم يقصد إضراراً " يعني جاز له أن يفضل بعض زوجاته في النفقة حيث لم يقصد الإضرار بذلك، بل ينفق على كل واحدة على قدر حالها كالكسوة، فالشريفة بقدر مثلها، والدنية بقدر مثلها مع مراعاة قدر وسعه فيهما، ومما لا يجب العدل فيه الوطء فله أن يترك لطبيعته في كل حال، غلا لقصد إضرار ككفه لتتوافر لذته لزوجته الأخرى فيجب عليه ترك الكف لأنه إضرار، ولا يكف وطؤها كل يوم أو كل ليلة، بل قلنا يترك لطبيعته.
فتحصل أن محل وجوب القسم في المبيت فقط، لا في نفقة، ولا في كسوة، ولا في وطء إلا عند قصد الإضرار في الجميع فوجب عليه ترك ذلك، لقوله عليه الصلاة والسلام: " لا ضرر ولا ضرار ". قال رحمه الله تعالى: " ولا يجمعهن في بيت إلا برضاهن " يعني لا يجوز جمع زوجاته في بيت واحد إلا برضاهن، هذا مرجوح.
والراجح جوازه حيث كان بمنزلين كل منزل مستقل بمنافعه في دار، أي كل واحدة بمنزل مستقل من كنيفة ومطبخة ومجلس خاص بها، فهذا له جمعهن ولو جبراً.
وأما إن كان المنزل فيه مرحاض أي كنيف واحد ومطبخة واحدة ومجلس واحد هذا فكما قال المصنف.
قال الدردير في أقرب المسالك عاطفاً على الجائزات: كجمعهما بمنزلين بدار، ولو بغير رضاهما اهـ أنظر حاشية الصاوي عليه.
قال رحمه الله تعالى: " فإن أراد سفراً أقرع بينهن " يعني كما في المختصر: وإن سافر اختار إلا في الغزو والحج فيقرع.
وتؤولت بالاختيار مطلقاً.
وعبارة الدردير: وإن سافر اختار، إلا في قربة فيقرع.
قال الشارح: لأن الرغبات تعظم في العبادات اهـ قال الخرشي: يعني أن الرجل إذا كان له زوجتان فأكثر وأراد أن يسافر لتجارة أو غيرها فإنه

الجزء: 2 - الصفحة: 126

يختار من نسائه من يأخذها معه في سفره من غير قرعة لأن المصلحة قد تكون في إقامة إحداهن.
إما لثقل جسمها أو لكثرة عائلتها، أو لغير ذلك، وكل ذلك من غير ميل ولا ضرر.
اللخمي: ومن تعين سفرها جبرت عليه إن لم يشق عليها أو يعرها، أي إن لم يكن عليها معرة في ذلك، ولا تحاسب من سافر بها بعد رجوعه بل يبتدئ القسم، وأما لو أراد أن يسافر لحج أو غزو فإنه يقرع بين نسائه عند مالك فمن خرج سهمها أخذها معه، هذا هو المشهور.
وقيل إن الزوج يختار من غير قرعة مطلقا حجا أو غزوا أو غيرهما، واختاره ابن القاسم من أقوال أربعة.
قال المواق في المدونة: إن سافر لحاجته أو غزو أو حج سافر بأيتهن شاء بغير قرعة، فإن كانت القرعة ففي الغزو اهـ قال الجزيري في الفقه: ولكن السفر للحج في زماننا هو الذي يوجب المشاحة، أما الغزو فلا اهـ.

قال رحمه الله تعالى: " فإن تزوج عليهن بكراً سبع عندها، أو ثيباً ثلث، ثم استأنف ولا قضاء " يعني أن الرجل إذا تزوج بكراً فإنه يقيم عندها سبع ليال متواليات دون سائر زوجاته، وإن كانت التي تزوجها ثيباً ولو أمة فإنه يثلث لها أي يخصها بثلاث ليال متواليات، لخبر " سبع للبكر وثلاث للثيب " رواه ابن حبان.
وفي الصحيحين عن أنس أن السنة إذا تزوج البكر على الثيب أقام عندها سبعاً ثم قسم، وإذا تزوج الثيب على البكر أقام عندها ثلاثاً ثم قسم اهـ. قال في الرسالة: ومن نكح بكراً فله أن يقيم عندها سبعاً دون سائر نسائه.
وفي الثيب ثلاثة أيام.
قال النفراوي: وإنما تميزت البكر من الثيب بطول الإقامة عندها لما عندها من الوحشة بفراق أهلها، بخلاف الثيب اهـ. قال خليل: وقضى للبكر بسبع وللثيب بثلاث ولا قضاء.
قال الخرشي: يعني أن من تزوج بكراً على غيرها ولو كانت هذه البكر أمة فإنه يقضي لها بسبع ليال، وإن تزوج بثيب فإنه يقضي لها بثلاث ليال، أي يلزمه أن يبيت عندها ثلاث ليال يخصها بها لأنه حق لها، وإذا سبع للبكر أو ثلث للثيب فإنه لا يقضي لغيرهن مثل ذلك، وفات عليهن فلا قضاء بالفوات كالرجوع من

الجزء: 2 - الصفحة: 127

السفر اهـ وقال النفراوي: السادس من تزوج واحدة بعد أخرى فإنه يقضي للثانية بسبع ليال بأيامها إن كانت بكراً، وبثلاث إن كانت ثيباً وأما لو تزوج اثنتين في ليلة فاستظهر ابن عرفة تقديم السابقة في الدعوى، فإن استويتا فالسابقة عقداً، فإن استويتا فالقرعة، وكل من قدمت تستحق ما يقضي لها به اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن وهبته ليلتها لم يختص بها غيرها، ولو وهبتها ضرتها أختصت بها " يعني إذا وهبته صاحبة النوبة ليلتها فلا يختص من شاء بما وهبته، بل تكون الواهبة كالعدم، أما لو وهبته لضرتها لكانت الموهوب لها تختص بما وهب لها عن ضراتها إن رضي الزوج بالهبة.
قال في أقرب المسالك: وإن وهبت نوبتها من ضرة فالكلام له لا لها، فإن رضي اختصت بالموهوبة، بخلاف هبتها له فتقدر الواهبة عدماً، لا إن اشترى فيخص من شاء ولها الرجوع اهـ. ويجوز للزوج أو للضرة شراء النوبة، وتختص الضرة بما اشترته، ويختص الزوج من شاء بما اشتراه، وكذا يجوز الإيثار وهو الزيادة في المبيت لإحدى الزوجين على الأخرى برضاها سواء كان الإيثار بإعطاء شيء من المال لتأخذه المؤثر عليها من الزوج، أو من ضرتها، أو بلا شيء بأن رضيت مجاناً اهـ الدردير.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يلزمه الوطء بل ذلك بحسب رغبته ما لم يقصد إضراراً " هذه الجملة قد تقدم الكلام عليها عند قول المصنف وله تفضيل بعضهن في الإنفاق ما لم يقصد إضراراً فراجعه.
وقد قال النفراوي: وأما الوطء فقد قال صاحب القبس: الوطء واجب على الزوج للمرأة عند مالك إذا انتفى العذر.
وقاله ابن حنبل.
وقال الأجهوري: يجب على الرجل وطء زوجته ويقضي عليه به حيث تضررت المرأة بتركه وقدر عليه الزوج، لأن الإنسان لا يكلف ما لا يطيقه، والراجح أنها إذا شكت قلة الوطء يقضى لها في كل أربع ليال بليلة كما أن الصحيح إذا شكا الزوج من قلة الجماع أن يقضى له عليها بما تطيقه كالأجير، خلافاً لمن قال يقضى بأربع مرات في اليوم والليلة، لاختلاف

الجزء: 2 - الصفحة: 128

أحوال الناس، فقد لا تطيق المرأة ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا قسم لملك اليمين " يعني لا يلزم على السيد قسم في المبيت بين إمائه لعدم استحقاق ذلك لهن.
قال في الرسالة: ولا قسم في المبيت لأمته ولا لأم ولده.
قال النفراوي: لأن الرقيقة لا حق لها في الوطء وإنما للمملوك، على السيد طعامه وكسوته سواء كان ذكراً أو أنثى، ولسيده عليه الخدمة التي يطيقها كما في الحديث اهـ وينبغي للسيد أن يرفق لإمائه إما بعتق أو إنكاح أو تسر، أو يبيع لمن يتسرى بهن، فإن فعل فنعم السيد، لما ورد من أن آخر ما أوصى به صلى الله عليه وسلم الصلاة وما ملكت أيمانكم.
قال بعض العارفين.
لكن الناس أخذوا بالرخص والتساهل وعدم العمل بذلك إلا نادراً، وقالوا: لا حق لهن في الوطء، ولو تضررت الجارية من ترك الوطء واحتاجت للزواج لا يجبر سيدها، وكذلك العبد، وتأولوا قوله صلى الله عليه وسلم: " لا ضرر ولا ضرار " إنما هو فيما يجب للشخص ومن حقه، والوطء لا حق فيه للرقيق على سيده اهـ نقله النفراوي عن شراح خليل.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يعزل عن حرة إلا بإذنها، والأمة بإذن سيدها، ويلحق به الولد، فإن أدعت ولادته وأدعى التقاطه فالقول قولها والسرية تلزمها البينة " قال ابن جزي: لا يجوز العزل عن الحرة إلا بإذنها ولا عن الزوجة الأمة إلا بإذن سيدها لحقه في النسل، ويجوز عن السرية بغير إذنها، وأجاز الشافعي مطلقاً.
ويلحق الولد بالزوج بعد العزل، وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح فإنه قتل نفس إجماعاً اهـ. وقوله: ويلحق به الولد إلخ لقول مالك في المدونة فيمن يعزل: يلزمه الولد ولا ينفعه أن يقول كنت أعزل عنها اهـ وكذلك لا يقبل قول الزوج في دعوى التقاط مع ادعائها أن الولد منه لما فيه من التهم في نفيه إلا أن يستبرئها قبل ظهور الحمل ولم تطأ بعده، أو كانت بكراً ولم يدخل

الجزء: 2 - الصفحة: 129

بها قط فله نفيه بلعان ولو طلقها كما يأتي في اللعان.
وقوله رحمه الله والسرية إلخ يعني لما تقدم الكلام في الزوجة سواء كانت حرة أو أمة شرع يتكلم على السرية وهي التي يطأها السيد، فإذا ولدت منه صارت أم الولد.
قال في الرسالة: وكل ما أسقطته مما يعلم أنه ولد فهي به أم ولد، ولا ينفعه العزل.
وإذا أنكرت ولدها وأقر بالوطء فإن ادعى استبراء لم يطأ بعده لم يلحق به ما جاء من ولد اهـ هذا هو المشهور.
وقد عقد ابن جزي فصلاً في باب أمهات الأولاد في لحوق الولد لمن أقر بوطء أمته، قال: من أقر بوطء أمته لحق به ما أتت به من ولد وإن عزل عنها إذا أتت به لمدة لا تنقص عن ستة أشهر ولا تزيد على أكثر من مدة الحمل.
وسواء أتت به في حياته أو بعد موته أو بعد أن أعتقها إلا أن يدعي الاستبراء ولم يطأها بعد فيصدق ولا يلحقه الولد.
واختلف هل يصدق بيمين؟ هو المشهور، أو بغير يمين وينفي الولد عن نفسه بغير لعان، فإن لم تأت بولد وادعت أنها ولدت منه لم تصدق ولم تكن له أم ولد حتى تشهد لها بالولادة امرأتان.
وأما إن أنكر الوطء فأقامت به عليه شاهدين وأتت بولد فالصواب أن ذلك بمنزلة إقراره بالوطء اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وله الاستمتاع بما شاء إلا الإتيان في الدبر، ويؤدب فاعله ويتعلق به جميع أحكام الوطء إلا فيئة المولي وإحلال المبتوتة " يعني إذا عقد الرجل على المرأة عقداً صحيحاً شرعياً حل له الاستمتاع بها، وكذا إذا ملك الأمة ملكاً تاماً فإنه يجوز له الاستمتاع بجميع الجسد إلا الدبر.
ولا يجوز الاستمتاع في الدبر، والممنوع الإيلاج فيه.
قال الصاوي: وأما التمتع بظاهره ولو بوضع الذكر عليه فجائز كما ذكره البرزلي قائلاً: ووجهه عندي أنه كسائر جسد المرأة، وجميعه مباح ماعدا الإيلاج في باطنه واعتمده الحطاب واللقاني، خلافاً للتتائي والبساطي والأقفهسي حيث قالوا: لا يجوز التمتع بالدبر لا ظاهراً ولا باطناً اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ويجوز للرجل

الجزء: 2 - الصفحة: 130

أن يستمتع بزوجته وأمته بجميع وجوه الاستمتاع إلا الإتيان في الدبر فإنه حرام، ولقد افترى من نسب جوازه إلى مالك قال المنصف: ويؤدب فاعل ذلك، يعني الوطء في الدبر.
وقوله رحمه الله ويتعلق به إلخ أي بالاستمتاع بالمرأة جميع أحكام الوطء إلا فيئة المولي.
وقد ذكر ابن جزي جملة فيما يترتب من الأحكام بالوطء فراجعه إن شئت وقوله إلا فيئة المولي فإنها لا يكفي الاستمتاع فيها، بل لا بد فيها من الفيئة الشرعية وهي تغيب الحشفة في قبل الزوجة كما سيأتي في الإيلاء.
وكذا المبتوتة لا يكفي الاستمتاع بها في تحليلها لمن أبت طلاقها إلا بنكاح صحيح بحسبما تقدم في المحرمات عند الكلام على المبتوتة فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن نشزت وعظها فإن استمرت هجرها، فإن زادت ضربها غير مبرح " يعني إن نشزت المرأة على زوجها بمنعها التمتع بها أو تزوجها بلا إذن منه لمكان لا يحب خروجها له، أو ترك حق من حقوق الله تعالى الصلاة بغير عذر شرعي، فإذا تحقق النشوز من ذلك وعظها برفق وذكر لها ما يقتضي رجوعها عما ارتكبته، نحو اتقي الله واحذري عقابه فإن الرجل له حق على المرأة ونحو ذلك، فإن استمرت على النشوز هجرها في المضاجع بأن لا ينام معها في فراش واحد ولا يباشرها، فإن لم يفد ذلك ضربها ضرباً غير مبرح إن ظن الإفادة.
ومعنى غير مبرح هو الذي لا يكسر عظماً ولا يشين جارحة.
قال الصاوي على الجلالين: وهذا الترتيب واجب، وأخذ وجوبه من السنة.
ثم قال: واعلم أن الهجر والضرب لا يسوغ فعلهما إلا إذا تحقق النشوز، ويزداد في الضرب ظن الإفادة.
وأما الوعظ فلا يشترط فيه تحقق النشوز ولا ظن الإفادة اهـ. قال خليل: وعظ من نشزت، ثم هجرها، ثم ضربها إن ظن إفادته اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وإذا قبح ما بينهما أمر المتعدي بإزالته، فإن جهل بعث الحاكم حكمين من أهله وأهلها يحكمان بالأصلح من صلح أو فراق

الجزء: 2 - الصفحة: 131

فيمضي ما حكما به " يعني كما قال خليل: وبتعديه زجره الحاكم، وسكنها بين قوم صالحين إن لم تكن بينهم.
وإن أشكل بعث حكمين اهـ هذا هو معنى قوله تعالى: ﴿وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها إن يريدا إصلحاً يوفق الله بينهما﴾ ﴿النساء: 35﴾ الآية.
قال في المدونة: الأمر الذي يكون فيه الحكمان إنما ذلك إذا فتح ما بين الرجل وامرأته حتى لا يثبته بينهما بينة ويستطاع أن يتخلص إلى أمرهما، فإذا أبلغا ذلك بعث الوالي رجلاً من أهلها ورجلاً من أهله عدلين فينظرا في أمرهما واجتهدا، فإن استطاعا الصلح أصلحا بينهما، وإلا فرقا بينهما، ثم يجوز فراقهما دون الإمام.
وإن رأيا أن يأخذ من مالها حتى يكون خلعاً فعلاً اهـ. وفيها أيضاً: فإذا كان ذلك منهم هل يجوز أن يجتمعوا إلى رجل واحد ويكون بمنزلة الحكمين لهما جميعاً؟ قال مالك: نعم إذا كان يستأهل أن يكون ممن يجعل ذلك إليه، ليس بنصراني، ولا بعبد، ولا صبي، ولا امرأة، ولا سفيه، فهؤلاء لا يجوز منهم اثنان فكيف واحد اهـ. واعلم أن كون الحكمين من الأهلين عند وجودهما واجب عند مالك، ومندوب عند الشافعي كما في الصاوي.
ولما أنهى الكلام على القسم بين الزوجات وما يتعلق بذلك من الأحكام انتقل يتكلم على الغائب عن زوجته فأكثر وانقطع عنه الخبر، فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في بيان أحكام المفقود والغائب عن زوجته

أي في بيان أحكام الغائب ويسمى بالمفقود وهو الذي غاب عن أهله وفقدوه حتى انقطع خبره.
وفي حديث عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال: أيما امرأة فقدت زوجها لم تدر أين هو فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تعتد أربعة أشهر وعشراً، ثم تحل رواه مالك.
وقال ابن المسيب، رضي الله عنه: إذا فقد في الصف في القتال تتربص امرأته

الجزء: 2 - الصفحة: 132

سنة.
وقال الزهري في الأسير يعلم مكانه لا تتزوج امرأته ولا يقسم ماله، فإذا انقطع خبره فسنته سنة المفقود اهـ. رواه البخاري.
قال رحمه الله تعالى: " إذا غاب الزوج غيبة منقطعة فلم تعلم حياته فلها رفع أمرها إلى الحاكم فيؤجلها أربع سنين " اعلم أن المفقود له أربع أحوال: الأولى مفقود في بلاد المسلمين.
الثانية مفقود في بلاد العدو.
الثالثة مفقود في صف المسلمين في قتال العدو.
الرابعة مفقود في الفتن بين المسلمين والعياذ بالله.
انظر تفصيل جميع ذلك في المقدمات لابن رشد، ومثلها في ابن جزي.
قال خليل: ولزوجة المفقود الرفع للقاضي والوالي ووالي الماء، وإلا فلجماعة المسلمين، فيؤجل الحر أربع سنين إن دامت نفقتها، والعبد نصفها من العجز عن خبره ثم اعتدت كالوفاة اهـ. قال في الرسالة: والمفقود يضرب له أجل أربع سنين من يوم ترفع ذلك إلى السلطان وينتهي الكشف عنه، ثم تعتد كعدة الميت، ثم تتزوج إن شاءت، ولا يورث ماله حتى يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن علم موضعه كاتبه بالمجيء، أو نقلها، أو الطلاق، وإلا أمرها بعدة الوفاة وأبيحت للأزواج " نقل الحطاب عن المتيطية قال: اعلم أن الغائبين على أزواجهم خمسة، إلى أن قال: الرابع غائب خلف نفقة ولا شرط لامرأته، وهو مع ذلك معلوم المكان فهذا يكتب إليه السلطان إما أن يقدم، أو يحمل امرأته إليه، أو يفارقها وإلا طلق عليه.
والخامس الغائب خلف نفقة ولا شرط لامرأته عليه، وهو مع ذلك معلوم المكان، فهذا هو المفقود اهـ باختصار.
قال ابن جزي: فأما المفقود في بلاد المسلمين فإذا رفعت زوجته أمرها إلى القاضي كلفها إثبات الزوجية وغيبته، ثم بحث عن خبره وكتب في ذلك إلى البلاد، فإن وقف له على خبر فليس بمفقود ويكاتبه بالرجوع أو الطلاق، فإن أقام على الإضرار طلق عليه.
وإن لم يقف له على خبر ولا عرفت حياته من م 00 وته ضرب له أجلاً من أربعة أعوام للحر، وعامين للعبد من يوم ترفع أمرها، فإذا انقضى الأجل

الجزء: 2 - الصفحة: 133

اعتدت عدة الوفاة ثم تزوجت إن شاءت.
قال أبو حنيفة والشافعي لا تحل امرأة المفقود حتى يصح موته اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن ظهر قبل نكاحها فهو على نكاحه، وبعده تفوت بالدخول لا بالعقد على الأصح " قال ابن جزي: إن جاء زوجها في الأجل أو في العدة أو بعدها قبل أن تتزوج فهي امرأته، وإن جاء بعد أن تزوجت فإن كان الثاني دخل بها فهي له دون الأول وإن لم يدخل بها فقولان اهـ. قوله فقولان فالأصح ما قاله المصنف من قوله وبعده تفوت بالدخول لا بالعقد.
قال خليل: فإن جاء أو تبين أنه حي أو مات فكالوليين، ومعلوم أن ذات الوليين تفوت بدخول الثاني غير عالم بالأول، انظر شراحه.
قال النفراوي: فإن جاء أو تبين أنه حي، أو مات وهي في عدتها، أو بعدها وقبل العقد، أو بعد العقد وقبل الدخول، أو بعد الدخول ولكن علم المتزوج بها بأن زوجها المفقود جاء، أو لم يعلم لكن كان عقده فاسداً مجمعاً على فساده فلا تفوت على المفقود في هذه الصور، بخلاف ما لو جاء أو تبين أنه حي أو مات بعد تلذذ الثاني بها غير عالم في نكاح صحيح، أو يفوت بالدخول فإنها تفوت على المفقود اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وتقع به طلقة حكماً قبل العدة " يعني تقع طلقة واحدة حكماً بالشروع في العدة أي قلا تمامها وبعد تمام الأجل المضروب، ويتحقق بدخول الزوج الثاني.
قال رحمه الله تعالى: " فإن كان قد بنى بها فلها مهرها، وإلا فنصفه، فإذا ثبت موته أكمل لها مهرها لأن الموت كالدخول.
قال الصاوي في أقرب المسالك: فالحاصل أنه يقدر وفاته لأجل أن تعتد عدة وفاة ويكمل لها الصداق، ولا نفقة لها في العدة، ويقدر طلاق لأجل أن تفوت على الأول بدخول الثاني، ولحليتها للأول

الجزء: 2 - الصفحة: 134

إذا كان طلقها طلقتين قبل فقده بعصمة جديدة فتأمل اهـ قال النفراوي: وليس لها بعد انقضاء العدة البقاء في عصمة المفقود لأنها أبيحت لغيره، ولا حجة لها في أن يكون أحق بها إن قدم لأنها على حكم الفراق حتى تظهر حياته، إذ لو ماتت بعد العدة لم يوقف له إرث منهما اهـ. ومثله في المواق.
قال رحمه الله تعالى: " ولا تقسم تركته إلا بتيقن موته، أو مضي ما لا يعيش إلى مثله غالباً، قبل تمام سبعين سنة، وقيل ثمانين " يعني كما في النفراوي أن المفقود في بلاد الإسلام ـ لأن الكلام فيه ـ لا يورث ماله حتى يتحقق موته، أو يأتي عليه من الزمان ما لا يعيش إلى مثله، وهي مدة التعمير، واختلف فيها العلماء قيل تمام السبعين، وقيل ثمانين، وقيل تسعين، وقيل مائة سنة، وقيل مائة وعشرين.
قال خليل: وحكم بخمس وسبعين.
قال بعضهم: وهو المشهور.
واحتج له بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أعمار أمتي ما بين الستين إلى السبعين " الحديث.
قال رحمه الله تعالى: " ويجتهد الحاكم في الأسير والمفقود في المعترك من غير تأجيل.
والله أعلم " يعني كما قال النفراوي: وأما زوجة مفقود أرض الشرك، ومثلها زوجة الأسير لهما أجل كزوجة مفقود أرض الإسلام لتعذر الكشف عن زوجيهما.
ومحل بقائهما إن دامت نفقتهما كغيرهما، وإلا فلهما التطليق.
قال الأجهوري في شرح خليل: وإذا جاز لها التطليق بعدم النفقة فإنه يجوز لها إذا خشيت على نفسها الزنا بالأولى لشدة ضرر ترك الوطء الناشئ عنه الزنا ألا ترى أنها لو أسقطت النفقة عن زوجها يلزمها الإسقاط، وإن أسقطت عنه حقها في الوطء لا يلزمها، ولها أن ترجع فيه، وأيضاً النفقة يمكن تحصيلها من غير الزوج بتسلف ونحوه، وبخلاف الوطء.
فإذا مضت مدة التعمير يحكم بموت من ذكر وتعتد زوجته عدة وفاة، ويقسم ماله على ورثته حينئذ لا على ورثته حين فقد ما لم يثبت موته

الجزء: 2 - الصفحة: 135

يوم الفقد أو بعده فالمعتبر ورثته يوم ثبوت الموت، فإن جاء بعد قسم تركته فإن القسم لا يمضي، ويرجع له متاعه.
وأما زوجة المفقود في معترك المسلمين أي في الفتن بين المسلمين فتعتد بعد الفراغ من القتال والاستقصاء في الكشف عنه، لا يضرب لها أجل لأنه يحمل أمره على الموت، ولذلك يقسم ماله حين شروعها في العدة.
أما لو شهدت البينة على أنه خرج من الجيش ولم تشاهده في المعترك فإنه يكون كالمفقود في بلاد المسلمين فيجري في زوجته ما تقدم.
وأما زوكة المفقود في زمن المجاعة، والوباء، أو الكبة، أو السعال، فتعتد بعد ذهاب ذلك المرض.
وأما زوجة المفقود في القتال الواقع بين المسلمين والكفار فإنها تعتد بعد مضي سنة كائنة بعد الفحص عن حاله.
قال العدوي: ويورث ماله حينئذ، انظر كلام الأجهوري اهـ. ولما أنهى الكلام على بيان أحكام الغائب وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على ما يتعلق بأحكام الطلاق وأقسامه من صريح وغيره، فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 2 - الصفحة: 136

فصول الكتاب · 32 فصل
جارٍ التحميل