الطهارة: مصدر طهر بضم الهاء أو فتحها، وهي لغة النظافة والنزاهة من الأدناس، وشرعا صفة حكمية توجب للموصوف بها جواز استباحة الصلاة به أو فيه أو له، فالأولان يرجعان للثوب والمكان، والأخير للشخص.
والطهارة قسمان: طهارة حدث، وطهارة خبث.
والحدث هو المنع القائم بالأعضاء لموجب من بول ونحوه، أو جنابة، أو حيض أو نفاس، وإن كان الممنوع منه بالنسبة لمن يريد الدخول في الصلاة ثوبا أو مكانا فهي طهارة خبث، أي طهارة منه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا يرفع الحدث والخبث إلا الماء المطلق " يعني أن الحدث والخبث لا يرفعان إلا بالماء المطلق، والحدث ينقسم إلى قسمين: الأكبر والأصغر، أما الأكبر فهو الجنابة والحيض والنفاس، والأصغر وهو البول، والغائط، والريح، والمذي، والودي، وخروج المني بغير لذة معتادة، والهادي: وهو الماء الذي يخرج من فرج المرأة عند ولادتها.
وأما الخبث فهو عبارة عن النجاسة القائمة بالشخص أو الثوب أو المكان، وهذه الأشياء هي المعبر عنها بالأحداث والأخباث، ولا يصح التطهير منها إلا بالماء الطاهر، وهو المطلق الذي أشار إليه المصنف بقوله: " وهو ما كان على خلقته أو تغير بما لا ينفك عنه غالبا كقراره والمتولد منه " وقال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاء طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]
الماء الطهور: ما كان طاهرا في نفسه مطهرا لغيره، كماء المطر والبحر والبئر إذا لم يتغير شيء من أوصافه الثلاثة وهي اللون والطعم والريح بما ينفك عنه غالبا كاللبن والعسل والصابون والسمن والعجين، وكله طاهر غير
الجزء: 1 - الصفحة: 34
مطهر، وإذا تغير الماء بكالخمر والعذرة والبول ونحوه فهو نجس، فإن تغير شيء من أوصافه الثلاثة بما ذكر ونحوه فلا يصح منه ولا الغسل ولا الاستنجاء.
والمتغير بالطاهر كاللبن طاهر في نفسه غير طهور، يستعمل في العادات كالطبخ والشرب، ولا يستعمل في العبادات كالوضوء والغسل.
والمتغير بالنجس كالعذرة ونحوها نجس لا يستعمل في شيء من العادات ولا
في شيء من العبادات، لكن يسقى به الزرع أو البهائم، وقول المصنف رحمه الله: أو تغير بما لا ينفك عنه إلخ هو ظاهر في أنه يجوز استعمال الماء المتغير بالمكان الذي عليه الماء كالتراب والحمأة والسبخة وجميع المواضع التي يتغير لون الماء بها كالزرنيخ والكبريت والكحل والنورة ونحوها، أو تغير بطول المكث فإنه لا يضر، أي فطاهر يستعمل في العادات والعبادات.
وقال العلامة الشيخ محمد البشار في منظومته المشهورة الميمونة المسماة " بأسهل المسالك " في باب أقسام المياه وما يرفع الحدث، مشيرا لما قدمناه:
وكل ماء نازل من السما ... أو نابع من أرض أو جار نما
باق على أوصافه أو غيرا ... من أرضه أو ما عليه قد جرى
أو مكثه فمطلق طهور ... يصح منه الشرب والتطهير
وإن يكن مغيرا بطاهر ... ينفك عنه غالبا كالسكر
فطاهر مستعمل في العادة ... من طبخ أو عجن خلا العبادة
وإن أشيب لونه أو طعمه ... أو ريحه بالنجس نجس حكمه
وكره ما استعمل في رفع الحدث ... كما قليل لم يغيره الخبث
وقوله وكره إلخ أنه ذكر أن الماء المستعمل في رفع الحدث يكره استعماله في رفع الحدث به مرة ثانية، لكن مع وجود غيره فإذا لم يوجد غيره وتعين فلا كراهة، ومثله جميع المياه
الجزء: 1 - الصفحة: 35
المكروهة تنفي الكراهة إذا فقد غيره، وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: " ويكره الوضوء بالمستعمل، ويسير حلته نجاسة لم تغيره، وسؤر ما لا يتوقى النجاسة " اعلم أن الماء الذي يكره التطهير به مع وجود غيره كثير، منه ما ذكره المصنف وهو الماء المستعمل في رفع الحدث كما تقدم، ومنه الماء اليسير وهو ما كان قدر آنية الغسل للمغتسل أو آنية الوضوء للمتوضئ إذا حلت فيه نجاسة ولم تغيره فإنه يكره التطهير به مع وجود غيره.
وما في رسالة القيرواني من قوله رحمه الله: وقليل الماء ينجسه قليل النجاسة وإن لم تغيره ضعيف.
ولا غرابة في ضعفه وإن كان هو قول ابن القاسم اهـ. الدردير، مع طرف من حاشية الصاوي عليه، ومنه - أي الماء المكروه - سؤر ما لا يتوقى النجاسة كجلالة إذا كان الماء قليلا دون الكثير، ومن الماء المكروه الذي ولغ فيه كلب أو كلاب، وندب إراقته وغسل الإناء سبعا بدون تتريب، ومن المكروه أيضا الماء المشمس الساخن من حرارة الشمس، خصوصا في القطر الحار، وذلك إذا كان في
أواني النحاس وإلا فلا كراهة فيه، ويكره الاغتسال في الماء الراكد إن لم يكن له مادة، أو كان كالبحر فلا يكره حينئذ، ومن المكروه ماء بئر أو صهريج مات فيه حيوان بري له دم سائل، لا كعقرب، ولا بحري كسمك، ولا كراهة في مثل هاتين.
وكل هذا ما لم يتغير الماء تغيرا فاحشا، فإن تغير طعمه أو لونه أو ريحه بذلك تغيرا فاحشا فلا يجوز استعماله في شيء من العبادات ولا في شيء من العادات.
قال المصنف رحمه الله: " لا ما أفضلته البهائم " البهائم جمع بهيمة وهي الدابة، وإن كانت البهيمة تخصص بالخيل والحمير والبغال، كما أن الأنعام تخصص بالإبل والبقر والغنم، وإلا أن هنا المراد العموم.
يعني أنه لا يكره استعمال الماء الذي شربته البهائم وبقي منه شيء سواه في الإناء أو في البحر أو غيرهما، بل الباقي بعد شربها طاهر طهور، يجوز
الجزء: 1 - الصفحة: 36
استعماله في الغسل والوضوء ورفع حكم الخبث، ويستعمل في العادات، ما لم يتغير من نجاستها وإلا صار نجسا.
وفي الحديث عن جابر قال: " سئل النبي صلى الله عليه وسلم أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ قال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها " رواه الشافعي والبيهقي اهـ.
وفي القوانين لابن جوزي: " المسألة الخامسة " سؤر الدواب والسباع طاهر عند الإمامين.
وقال أبو حنيفة: " الأسآر تابعة للحوم " اهـ.
وفي خطط السداد والرشد شرح مقدمة ابن رشد للعلامة التتائي عند قول الناظم رحمهما الله.
" والماء من فم الدواب القاطر ... وسؤرها فذاك ماء طاهر "
يعني أن الماء السائل من فم الدواب عند شربها منه طاهر، وكذلك التي تركب.
وفي القاموس: ما دب من الحيوان، وغلب على ما يركب.
ويشمل سؤر الحائض والجنب وهو كذلك، وإن كان الآدمي لا يطلق عليه دابة في العرف غالبا.
وسمع ابن وهب: سؤر البرذون والبغل والفرس طاهر وغيره أحب إلي، ولا بأس به ما كان على فيه نجاسة فيكون حكم سؤرة حكم حلته نجاسة أجره على حكمه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " أو تطهرت منه امرأة خلت به " يعني أنه اتفق أهل المذهب على جواز استعمال الماء الذي خلت به المرأة بلا كراهة، وما نقلوه خارج المذهب من عن عدم الجواز من أحد قولي ابن حنبل.
هو مردود باتفاق
مالك مع أصحابه
الجزء: 1 - الصفحة: 37
بالجواز فيه.
قال خليل - عاطفا على المطلق: أو كان سؤر بهيمة أو حائض أو جنب أو فضلة طهارتهما.
قال المواق وغيره فيهما: لا بأس بسؤر الحائض والجنب، وما فضل عنهما من ضوء أو غسل لا بأس بشربه وبالوضوء منه والاغتسال به اهـ.
وقال الحطاب: قول مالك وجميع أصحابه أنه يجوز وضوء الرجل بفضل وضوء المرأة وعكسه لا خلاف بينهم في ذلك، وردوا على ابن حنبل لأنه لا تأثير لخلوتها به اهـ.
وفي القوانين الفقهية لابن جزي: ويجوز أن يتطهر الرجل بفضل المرأة لا خلافا لابن حنبل، وقد علمت أن قولته مردودة باتفاق مالك مع أصحابه بالجواز اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وما تغير بمخالطة أجنبي كالخل والبول سلبة الطهورية وأكسبه حكمه " يعني أنه إذا تغير الماء بمخالطة شيء أجنبي تارة يكون الشيء المخالط طاهرا غير مطهر فقد تقدم أنه ماء طاهر في نفسه غير طهور، يستعمل في العادات كالطبخ والشرب ولا يستعمل في العبادات كالوضوء والغسل.
والمتغير بمخالطة النجاسة كالبول ونحوه نجس لا يستعمل في شيء من العادات ولا من العبادات؛ لأن مغيره سلبه الطهورية وأكسبه حكمه.
وقد تقدم جميع ذلك عند قول المصنف " أو تغير بما لا ينفك عنه ".
ثم قال رحمه الله: " ويكره من آنية عظام الميتة وجلدها " يعني أن المشهور في المذهب كراهة استعمال آنية عظام المتة وجلدها بغير تحريم.
وفي المدونة: وكره الادهان في أنياب الفيل والمشط بها والتجارة فيها، ولا ينتفع بشيء من عظام الميتة، ولا يوقد بها الطعام ولا الشراب اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 38
قال ابن يونس: فإن فعل لم يفسد الشراب والطعام إلا أن يشوي عليها خبز أولحم؛ لأن ودك العظام ينجسه.
ووجه قول مالك: إن الله حرم الميتة فكان الواجب أن يحرم منها كل شيء، إلا أن السنة خصت الانتفاع بالجلد وبقي ما سواه على أصل التحريم، خلا أن مالكا كرهه ولم يحرمه للخلاف اهـ.
وقال ابن المواز: كره مالك الادهان في أنياب الفيل وعظام الميتة والمشط بها وبيعها وشراؤها، ولم يحرمه لأن ربية وعروة وابن شهاب أجازوا ذلك اهـ.
وقال ابن سيرين وإبراهيم: لا بأس بتجارة العاج اهـ. المواق على خليل.
ثم على القول المشهور من نجاسة الجلد المدبوغ يجوز استعماله في غير المائعات
كالحبوب والدقيق والخبز غير المبلول، وكذا يستعمل في الماء المطلق بأن يوضع فيه الماء سفرا وحضرا لأن الماء طهور لا يضره إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه اهـ. الدردير على أقرب المسالك.
وقال النفراوي في الفواكه: ووقع الخلاف بين الشيوخ في نجاسة الزيت الموضوع في إناء العاج، والذي تحرر من كلام أهل المذهب أنه إن كان لا يتحلل منه شيء يقينا فإنه باق على طهارته كعظم الحمار البالي فإنه لا ينجس ما وقع فيه.
وإن كان يمكن أن يتحلل منه شيء فلا شك في نجاسته، وقس على ذلك سائر أعيان النجاسة الجافة اهـ كذا في العدوي على أبي حسن.
وقال في المختصر: وفيها كراهة العاج.
قال الخرشي: وفي المدونة كراهة عظم الفيل المذكي، وما تقدم من قوله: " وما أبين من عظم وقرن وعاج " في فيل لم يذك.
وقال العدوي في حاشيته على الخرشي: وجه الكراهة تعارض مقتضى التنجيس، وهو جزئية الميتة، ومقتضى الطهارة وهو عدم الاستقذار لأنه مما يتنافس في اتخاذه.
ونقل محشى
الجزء: 1 - الصفحة: 39
التتائي: أن المدونة وشراحها وشراح ابن الحاجب وغير واحد على أن الكراهة على التنزيه وعدم التحريم، والمراد عاج غير المذكي.
ثم قال: فائدة: في البرزلي عن أبي زيد فيمن توضأ على شاطئ بحر وفيه عظم ميتة غطاه الماء والطين، أي ثم ظهر فغسل رجله وجعلها على العظم ثم نقلها إلى ثيابه إن ثوبه لا يتنجس.
قال البرزلي: إن كان العظم يابسا فواضح، وإن كان فيه دسم ولحم فالثواب أن النجاسة تتعلق برجله إلا أن يوقن أن رطوبتها قد ذهبت جملة ولم يبق إلا رطوبة الماء فيكون كالعظم البالي اهـ. وقد علمت فيما تقدم مما أتينا به من تلك النصوص، وفهمت أن أواني العظام وجلد الميتة المدبوغ إذا وضع فيها الماء المطلق يجوز منها الوضوء والغسل وإزالة النجاسة، وغاية الأمر فيها الكراهة للخلاف، والكراهة لا تنافي الجواز.
والله أعلم.
ثم قال: " ويحرم من النقدين ويجزئ " يعني اتفق الأئمة على أن استعمال أواني الذهب والفضة حرام، لما في الصحيحين عن حذيفة عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال: " لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " اهـ. وعن أم سلمة أن البخاري ومسلم اهـ. قال الشعراني في الميزان: ومن ذلك قول الأئمة الأربعة أن استعمال أواني الذهب والفضة حتى في غير الأكل والشرب حرام على الرجالة والنساء، إلا في قول للشافعي مع قول داود إنما يحرم الأكل والشرب خاصة اهـ.
وفي شرح الرسالة لابن ناجي عند قول مصنفها: وعن الشرب في آنية الذهب والفضة، وذكر - أي ابن ناجي - حديث حذيفة وحديث أم سلمة في منع استعمالها، ثم قال: واعلم أن أهل المذهب ألحقوا سائر الاستعمالات بالأكل والشرب في التحريم، وذهب بعض الظاهرية
الجزء: 1 - الصفحة: 40
إلى قصر المنع على الشرب خاصة اهـ. قال ابن جزي في القوانين: المسألة الثالثة في أواني الذهب والفضة: واستعمالها حرام على الرجال والنساء، واختلف في جواز اتخاذها من غير استعمال إلخ، انظره إن شئت اهـ. قال خليل في المختصر عاطفا على ما حرم استماله: " وإناء نقد " قال العدوي على الخرشي: فلا يجوز فيه أكل ولا شرب ولا طهارة وإن صحت الصلاة اهـ.
وفي الإكليل " وحرم استعمال إناء نقد ذهب أو فضة لأكل أو شرب أو غسل " اهـ. وفي أقرب المسالك " وعلى المكلف مطلقا اتخاذ إناء منهما ولو للقنية " يعني أنه يحرم على المكلف ذكرا كان أو أنثى اتخاذ إناء من ذهب أو فضة ولو لم يستعمله بالفعل؛ لأنه ذريعة للاستعمال، ومن المعلوم أن سد الذرائع واجب عند الإمام، فلا يجوز اتخاذه للادخار، أو لعاقبة الدهر، ولا التزين به على رف ونحوه، بخلاف الحلي يتخذها الرجل لعاقبة الدهر فجائز، وهو ظاهر، غذ الحلي يجوز استعمالها للنساء، والإناء لا يجوز استعماله لرجال ولا نساء اهـ. قال في العمدة " ويحرم استعمال آنية الذهب والفضة، ومن تطهر منهما أثم وصح " اهـ وقال الدسوقي: " فلا يجوز فيه أكل ولا شرب ولا طبخ ولا طهارة وإن صحت الصلاة " اهـ قال النفراوي في الفواكه: واختلف في إعادة من توضأ منهما، فقيل أبدا، وقيل في الوقت، وقيل لا إعادة.
والقول بالأبدية ضعيف؛ لأن الصلاة تصح بالحرام.
وقال خليل: " وعصى وصحت إن لبس حريرا أو ذهبا، أو سرق، أو نظر محرما، ومن حضرته صلاة وآلة إخراج الماء من النقد فإنه لا يخرج الماء بها، بل يتركها ويتيمم، لحرمة الوضوء منها من غير نزاع " اهـ، وقد بان لك وجه قول المصنف في تحريم استعمال النقدين مع صحة العمل إذا وقع ونزل.
والله الموفق الصواب.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويجب التحري في اشتباه الطاهر والنجس، فيتوضأ بما يغلب على ظنه طهارته.
وقيل يتوضأ من أحدهما ويصلي ويغسل أعضاءه من
الجزء: 1 - الصفحة: 41
الثاني ثم يتوضأ به ويصلي، فإن كثرت زاد على عدد النجاسة واحدة "
يعني أنه إذا اشتبهت الأواني الطاهرة والنجسة بكالبول وجب على مريد التطهير التحري في ذلك ويستعمل الآنية التي يغلب على ظنه طهارتها، وإن لم يغلب على ظنه طهارة شيء منها تركها وانتقل إلى التيمم.
وهذا هو الصحيح إن شاء الله.
وقيل يتوضأ من أحدهما إلى آخر ما قال المصنف.
وهي المسألة المشهورة ذات
الخلاف.
قال خليل في المختصر: " وإذا اشتبه طهور بمتنجس أو نجس صلى بعدد النجس وزيادة إناء " قال الشارح الدسوقي: " وحاصل المسألة أنه إذا كان عنده ثلاثة أوان نجسة أو متنجسة واثنان طهوران، واشتبهت هذه بهذه فإنه يتوضا ثلاثة وضوءات من ثلاثة أوان عدد الأواني النجسة، ويتوضأ وضوءا رابعا من إناء رابع، ويصلي بكل وضوء صلاة، وحينئذ تبرأ ذمته " اهـ، وقال أبو البركات أحمد الدردير عليه: ويبني على الأكثر إن شك فيه، وهذا إن اتسع الوقت، وإلا تركه وتيمم إن لم يجد طهورا محققا غير هذه الأواني، وإلا تركها وتوضأ.
وأما لو اشتبه طهور بطاهر فإنه يتوضأ بعدد الطاهر وزيادة إناء، ويصلي صلاة واحدة ويبني على الأكثر إن شك اهـ. وقال النظيفي في الإفادة الأحمدية: لا يصح قول من قال يصلي بعدد النجس أو المتنجس وزيادة إناء، ويبنى على الأكثر إن شك فيه، فإذا كان عدد الطهور اثنين مثلا والنجس أو المتنجس اثنين برئت ذمته بثلاث صلوات، بثلاثة وضوءات، أو ثلاث فبأربعة، أو أربع فبخمسة، وهكذا.
ثم قال - أي الخرشي -: وكلام المؤلف فيما إذا اتسع الوقت، وإلا تيمم، وهكذا وقع في مجلس المذاكرة، ثم ظهر أن هذا يجري فيه الخلاف في قوله: وهل إن خاف فواته باستعماله؟ خلاف، إذ هذا من أفراده، ويأتي أن المعتمد من الخلاف القول
الجزء: 1 - الصفحة: 42
بالتيمم، وأنه يعتبر خوف فوات الوقت الذي هو فيه.
قاله بعض اهـ الخرشي.
وقال يوسف بن سعيد الصفتي: فلو اشتبه الماء المطلق بغيره فيتوضأ بعدد غير المطلق ويزيد إناء بأن كان عنده خمسة أوان من الماء المطلق، وخمسة فيها ماء غير مطلق واشتبه المطلق بغيره، فيتوضأ بخمسة أوان ويزيد إناء ويصلي ست صلوات، ويفرد كل وضوء بصلاة، ويجزم النية عند كل وضوء وصلاة، هذا إذا كان غير المطلق نجسا، فإن كان طاهرا كما ورد فيجمع الوضوءات ويصلي صلاة واحدة.
وقال ابن جزي في القوانين: المسألة الرابعة في اختلاط الأواني، وإذا اشتبه إناء طاهر بنجس ولم يميز الطاهر منهما ولم يكن له غيرهما، فقيل يتيمم ويتركهما وفاقا لابن حنبل.
وقيل يتوضأ بالواحد ويصلي، ثم يتوضأ بآخر ويصلي.
وزاد محمد بن مسلمة: ويغسل أعضاءه بالثاني قبل أن يتوضأ به اهـ. انظر الحطاب عند قول خليل: " وإذا اشتبه طهور بمتنجس أو نجس " إلخ تجد فيه ما يشفي الغليل في المسألة.
والله تعالى أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " وإذا مات بري ذو نفس سائلة في بئر فإن تغير " أي الماء طعما أو لونا أو ريحا " وجب نزحه حتي يزول التغير " ويعود كهيئته أولا طاهرا مطهرا.
قال مالك في المدونة: من توضأ بماء وقعت فيه ميتة تغير لونه أو طعمه وصلى أعاد وإن ذهب الوقت، وغن لم يتغير لون الماء ولا طعمه أعاد ما دام في الوقت اهـ.
ثم قال: " فإن زال بنفسه فالظاهر عوده إلى أصله " يعني صار الماء طهورا خلافا لابن القاسم.
وقال البناني: الأرجح أنه يطهر، وهو قول ابن وهب عن مالك، واعتمد عليه المصنف والأجهوري.
وقال عبد الباقي: إنه
الجزء: 1 - الصفحة: 43
لا يطهر، ورجح ابن رشد ما لابن وهب.
وقال الصاوي على الدردير: فيه نظر اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وإن لم يتغير استحب النزح بحسب الماء والميتة " يعني إذا مات حيوان بري، أي منسوب للبر ضد البحر لخلقه وحياته فيه، وكان له نفس أي دم سائل في الجسد وتغير الماء فغنه يجب نزح ماء البئر التي مات الحيوان المذكور فيها جميعه؛ لأنه صار نجسا في شيء من العبادة ولا شيء من العادات، وإن لم يتغير ندب النزح بقدر الماء قلة وكثرة، والحيوان صغرا وكبرا.
وأما إن وقع حيا أو طرح ميتا وأخرج فلا نزح ولا كراهة.
قال ابن جزي في القوانين: " المسألة التاسعة إذا وقعت دابة نجسة في بئر وغيرت الماء وجب نزح جميعه، فإن لم تغيره استحب أن ينزح منه بقدر الدابة والماء " اهـ. وفي المختصر: " وإذا مات بري ذو نفس سائلة براكد ولم يتغير ندب نزح بقدرهما " قال الشارح المواق: " انظر قوله براكد.
ونص التلقين: البري ذو النفس السائلة ينجس بالموت، وينجس ما مات فيه من مائع غيره أو لم يتغيره، ولا ينجس الماء إلا أن يغيره، إلا أنه نزح اليسير بقدر الدابة وقدر ماء البئر، وذلك توق واستحب، وإن تغير نزح حتى يزول التغير.
وفي المدونة: " إن مات بري ذو نفس سائلة بماء لا مادة له كالجب لا يشرب منها ولا يتوضأ، وينزح الماء كله بخلاف ما له مادة " ابن عرفة: تطهير ذي المادة نزع ما يطيبها أصبغ: بقدر مائه والدابة ومكثها.
وفي العتبية قال مالك في ثياب أصابها ماء بئر وقعت فيه فأرة فماتت وتسلخت: يغسل الثوب وتعاد الصلاة في الوقت، ابن رشد: هذا إن كان الماء لم يتغير، وغسل الثوب إنما هو استحباب فيما لا يفسده الغسل.
التلقين، فيستحب
الجزء: 1 - الصفحة: 44
نزح البئر التي يموت بها ذو نفس سائلة ولم يتغير بحسب كبر الدابة وصغرها.
المأزري: إنما كان النزح استحبابا لأن الماء لا تؤثر فيه النجاسة إلا إذا غيرته، ولأجل قول بعضهم: إن الحي إذا مات خرجت
منه بلة على وجه الماء فينزح من الماء قدر ما يقع في النفس أنها تذهب بذهابه.
الباجي: البرك الكبار جدا لا تفسد بما يموت فيها ما لم تتغير.
وفي التمهيد في الحديث الخامس عشر لإسحاق بن أبي طلحة: لا عبرة بما حل بالماء إذا لم يتغير، بدليل بئر بضاعة يطرح فيها لحوم الكلاب والعذرة وأوساخ الناس اهـ المواق.
وقال الدردير على أقرب المسالك: وإذا مات الحيوان البري في الماء القليل أو الكثير له مادة أو لا كالصهاريج وكان له نفس سائلة أي دم يجري منه إذا جرح فغنه يندب النزح منه بقدر الحيوان من كبر أو صغر، وبقدر الماء من قلة وكثرة إلى ظن زوال الفضلات التي خرجت من فيه حال خروج روحه في الماء، وينقص النازح الدلو لئلا تطفو الدهنية فتعود للماء ثانيا، والمدار على ظن زوال الفضلات، فلو أخرج الحيوان من الماء قبل موته، أو وقع فيه ميتا، أو كان الماء جاريا، أو مستبحرا كغدير عظيم جدا، أو كان الحيوان بحريا كحوت، أو بريا ليس له نفس سائلة كعقرب وذباب لم يندب النزح، فلا يكره استعماله، كما لا يكره بعد النزح.
هذا لم يتغير الماء بالحيوان المذكور، فإن تغير لونا أو طعما أو ريحا تنجس، لأن ميتته نجسة اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما يرفع الحدث وحكم الخبث وغيرهما بالماء المطلق انتقل المصنف إلى ذكر بيان النجاسة والطهارة، وما وقع فيه الخلاف بين أهل المذهب، فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 1 - الصفحة: 45
فَصْلٌ
في أحكام الميتات وأجزائها والمسكرات وغيرها
الفصل لغة هو الحاجز بين الشيئين، واصطلاحا اسم لجملة من الألفاظ اشتملت على مسائل غالبا.
واعلم أن المصنف قد أراد الشروع في بيان ذكر النجسة والطاهرة ليكون الطالب على بصيرة في عبادته، فقال رحمه الله: " الميتات والمسكرات كلها نجسة " وفي نسخة بتقديم المسكرات على الميتات.
وقوله الميتات جمع ميتة، وهي أبينت حياتها من غير ذكاة شرعية كما عرفها بعضهم، وبعبارة أخرى الميتات جمع ميتة، وهي كل ما حرم الشارع أكلها من الحيوان البري التي لها نفس سائلة كالأنعام؛ لعله الموت؛ ولعدم استعمال الذكاة في بعضها كالخيل على المشهور، والبغال والحمير إجماعا، فهي ميتة نجسة.
ودخل فيها ما ذبحه المجوسي مطلقا وصيد المحرم، وما أهل به لغير الله؛ لأنه لا يجوز أكله إلا للمضطر الذي لم يكن باغيا ولا عاديا ولم يجد غيره فله الأكل والتزود به على أن
يستغنى عنه، وذلك لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [البقرة: 173] وقوله: والمسكرات معطوف على الميتات في هذه النسخة، وفي الأخرى بالعكس، جمع مسكر وهو كل ما يستر العقل من المشروبات وغيرها كالخمر.
وفي الرسالة: " وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها، وشراب العرب يومئذ فضيخ التمر ". وبين الرسول، عليه السلام، أن كل ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام، وكل ما خامر العقل فأسكره من كل شراب فهو خمر.
وقال عليه السلام: " إن الذي حرم شربها حرم بيعها " اهـ النفراوي.
هذا حكم الخمر إذا استمرت على حالها.
وأما لو تحجرت أو تخللت
الجزء: 1 - الصفحة: 46
فإنها تطهر، ويجوز بيعها وشربها، ويطهر إناؤها تبعا لها ولو فخارا بغواص، ولو ثوبا، ويصلي به من غير غسل إلى آخر ما قال، فراجعه إن شئت اهـ.
وقول المصنف: وكلها نجسة، يعني أن الميتات والمسكرات المذكورات يحرم تعاطيها أكلا وشربا وادهانا، ووقع الخلاف في التداوي بالنجاسة كالخمر، والمعتمد في المذهب الحرمة، لقوله عليه الصلاة والسلام: " إن الله عز وجل أنزل الداء والدواء، وجعل لكل داء دواء، فتداووا، ولا تداووا بحرام " رواه أبو داود.
وفي رواية " إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها " اهـ.
وقد ذكر ابن جزي في القوانين الفقهية ما أجمع أهل المذهب على نجاسته والمختلف فيه، وعقد في بيان ذلك ثلاثة فصول على التفصيل، ثم ذكر تلخيص ما أجمع على نجاسته بقوله: " النجاسات المجمع عليها في المذهب ثمانية عشر: بول ابن آدم الكبير، ورجيعه، والمذي، والودي، ولحم الميتة، والخنزير، وعظمهما، وجلد الخنزير مطلقا، وجلد الميتة إن لم يدبغ، وما قطع من الحي في حال حياته إلا الشعر وما في معناه، ولبن الخنزير، والمسكر، وبول الحيوان المحرم الأكل، ورجيعه، والمني، والدم الكثير، والقيح الكثير " اهـ.
والمختلف فيها في المذهب ثمانية عشر: بول الصبي الذي لا يأكل الطعام، وبول الحيوان المكروه الأكل، وجلد الميتة إذا دبغ، وجلد المذكى المحرم الأكل، ولحمه، وعظمه، ورماد الميتة، وناب الفيل، ودم الحوت، والذباب، والقليل من دم الحيض، والقليل من الصديد، ولعاب الكلب، ولبن ما لا يؤكل لحمه غير الخنزير، ولبن مستعمل النجاسة، وعرق مستعمل النجاسة، وشعر الخنزير، والخمر إذا خللت اهـ. قلت: وهذه الأشياء المختلف فيها منها ما هو نجس على المشهور كبول الحيوان المكروه
الجزء: 1 - الصفحة: 47
الأكل، ومنها ما هو طاهر على المشهور كرماد
الميتة، ومنها ما هو مكروه على المشهور كأنياب الفيل.
انظر بقية الكلام في الفصل الثاني والثالث من القوانين في الباب السادس في النجاسات.
ولما ذكر المصنف جملة الميتات والمسكرات بقوله كلها نجسة استثنى منها بعض الأشياء فقال: " إلا دواب الماء وما ليس له نفس سائلة " يعني أنه قد استثنى دواب الماء وما ليس له نفس سائلة فميتته طاهرة لما في الحديث أنه سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن البحر فقال: " هو الطهور ماؤه الحل منيته " رواه أصحاب السنن عن أبي هريرة، وفي المختصر عاطفا على المباح " والبحري ولو طالت حياته ببر " اهـ، وقال الخرشي: والمعنى أن ميتة الحيوان البحري طاهرة لقوله عليه السلام: " هو الطهور ماؤه الحل ميتته " ولقوله: " أحلت لنا ميتتان السمك والجراد " وسواء مات حتف أنفه ووجد طافيا أو بسبب شيء فعل به من اصطياد مسلم أو مجوسي، أو ألقي في النار، أو دس في طين فمات، أو وجد في بطن حوت أو طير ميتا، ولا فرق بين أن يكون مما لا تطول حياته ببر كحوت أو تطول حياته كالضفدع البحري والسلحفاة البحرية، وهي ترس الماء والسرطان اهـ. وفي اقرب المسالك في باب المباح: " والبحري وإن ميتا أو كلبا أة خنزيرا " الصاوي في حاشيته عليه.
واعلم أم ميتة البحر طاهرة ولو تغير بنتونة، إلا أن يتحقق ضررها فيحرم أكلها لذلك لا لنجاستها، إلى أن قال سواء وجد ذلك الميت راسبا في الماء، أو طافيا، أو في بطن حوت أو طير، سواء ابيلعه ميتا أو حيا ومات في بطنه، ويغسل ويؤكل، وسواء صاده مسلم أو مجوسي.
قلت: أو المحرم لقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ [المائدة: 96] وما ذكره الخرشي وصاحب المختصر من كون ميتة البحري الذي تطول حياته ببر طاهر هو قول مالك، وهو المشهور كما في الحطاب.
وأما قول ابن نافع وابن دينار القائلان إن ميتته نجسة إذا كان يعيش ببر فقد ردهما صاحب المختصر بقوله
الجزء: 1 - الصفحة: 48
ولو طالت حياته ببر.
قال الشارح الدردير: كتمساح وضفدع وسلحفاة بحرية، ونقل ابن عرفة القول بالفرق بين أن يموت في الماء فيكون طاهرا أو في البر فيكون نجسا، وذلك كالضفدع والسلحفاة والسرطان.
وقيل هي ترس الماء اهـ. وفي المواق عن ابن عرفة: رابع الأقوال قول مالك إن البحري ولو طالت حياته ببر كالضفدغ والسلحفاة وترس الماء طاهر، وفي العتبية: إنما يذبح ترس الماء استعجالا لموته، وعن عبد الحق: وأما ميتة الضفادع البرية فنجسة اهـ. لكن المعول عليه من الأقوال في ميتة ما يطول حياته ببر من الحيوان البحر كالتمساح الطهارة، وعليه مالك وأكثر أصحابه من أهل المدن والأمصار إلا من شذ.
والله تعالى أعلم.
هذا ما يتعلق بميتة البحري
وأما ما يتعلق بخشاش الأرض وهو المقصود بما ليس له نفس سائلة، وتسمى بالهوام وهي من المستثنى بقول المصنف: " إلا دواب الماء وما ليس له نفس سائلة " فميتته طاهرة ولو جعلا، دويبة تدفع النجاسة بأنفها وتستعمل النجاسة.
وثبت في إناء فيه ماء أو في قدر فيه طعام فإنه يتوضأ بذلك الماء، ويؤكل ما في القدر، وخشاش الأرض الزنبور والعقرب الصرصار والخنفساء، وبنات وردان، وما أشبه هذا من الأشياء، وقال مالك في بنات وردان، والعقرب، والخنفساء، وخشاش الأرض، ودواب الماء مثل السرطان والضفدع: ما مات من هذا في طعام أو شراب فإنه لا يفسد الطعام ولا الشراب اهـ. قال خليل في المختصر: فصل " الطاهر ميتة ما لا دم له " وقال الشارح: يعني أن الطاهر أنواع: منها ميتة الحيوان البري الذي لا دم فيه، وهو الذي يقال فيه ليس له نفس سائلة كما تقدم بيان ذلك، ولو كانت فيه رطوبة كالعنكبوت، والجداجد،
الجزء: 1 - الصفحة: 49
والعقرب، والزنبور، والصرصار، والخنافس، وبنات وردان، والجراد والنحل والدود والسوس.
وفي ميتة ما لا نفس له سائلة طريقتان في المذهب الأولي أنها طاهرة باتفاق، وهذه طريفة ابن بشير.
قال في العتبية: وأما البري مما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت بلا خلاف، والطريقة الثانية أن فيها قولين، المشهور أنها طاهرة.
قال في التوضيح: نقل سند عن سحنون أنها نجسة لكنها لا تنجس غيرها اهـ، الحطاب.
ونقل المواق عن التلقين أنه قال: ما لا نفس له سائله كالزنبور، والعقرب، والخنفساء والصرصار، وبنات وردان، وشبه ذلك حكمه حكم دواب البحر، لا ينجس في نفسه ولا ينجس ما مات فيه من مائع أو ماء، وكذلك ذباب العسل والباقلاء ودود الخل.
عياض: في قول التلقين نظر، والصواب أنه لا يؤكل ما لا نفس له سائله إذا كان مختلطا بالطعام وغالبا عليه، وإن تميز الطعام منه أكل الطعام دونه، إذ لا يؤكل الخشاش على الصحيح من المذهب إلا بذكاة، الباجي: ما لا دم فيه ولا دم له كالخنفساء، لا ينجس بالموت، إلا أن من احتاجه لدواء أو غيره ذكاه بما يذكي به الجراد، ويجب أن يبين إذا باع طافي الحوت، وإلا فللمشتري الرد اهـ. وفي أقرب المسالك وجراد، وخشاش أرض، كعقرب، وخنفساء، وجندب، وبنات وردان، ونمل، ودود، فإن مات بطعام وميز عنه أخرج لعدم ذكاته، وإن لم يمت جاز أكله بنيتها، وإن لم يميز طرح إلا إذا كان أقل.
وأكل دود كالفاكهة معها مطلقا، وقال الصاوي في الحاشية: قوله وجاز أكله أي خشاش الأرض إن قبلته طبيعته، وإلا فلا يجوز حيث ترتب عليه ضرر، لأنه قد يعرض للطاهر المباح ما يمنع أكله كالمريض إذا كان يضر به نوع من الطعام لا يجوز له أكله اهـ. قلت فمن
هذه الحيثية ينبغي ألا يؤكل الجعل المذكور في أول هذه المسألة وإن كان من الخشاش لاستقذاره وكراهية النفوس له،
الجزء: 1 - الصفحة: 50
ورب شيء طاهر لا يجوز أكله إلا لدواء اهـ. وفي حاشية الخرشي: أي إن الحيوان الذي لا دم له كالعقرب والذباب والخنافس، وبنات وردان، والجراد، والدود، والنمل، وما في معناها - وهو مراد أهل المذهب بما لا نفس له سائله - طاهر وإن مات حتف أنفه، ومعنى حتف أنفه خروج روحه من أنفه بنفسه، وإنما كان ما ذكر طاهرا لعدم الدم منه الذي هو علة الاستقذار إلى أن قال: ثم إنه لا يلزم من الحكم بطهارة ما لا دم له أن يؤكل بغير ذكاة، لقول صاحب المختصر: وافتقر نحو الجراد لها بما يموت به، فإذا مات ما لا نفس له سائله في طعام واختلط به وغلب على الطعام لم يؤكل، وإن تميز الطعام منه أكل الطعام دونه، إذ لا يؤكل الخشاش على الصحيح إلا بذكاة كما أشار به القاضي عياض، وقد تقدم لنا ذلك في هذا الكتاب.
ثم قال: وظاهره أن الطعام إذا كان هو الغالب أنه يؤكل، والمراد بغلبته كونه كثيرا والخشاش قليلا، وأما لو كان الطعام على النصف من الخشاش فلا يؤكل بمنزلة الغالب، كما هو عند ابن يونس، خلافا لصاحب التلقين، والمعول عليه كلام ابن يونس اهـ. وفي هذا كفاية لمن استغنى ومن يريد أكثر من ذلك فعليه بالمطولات.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأجزاء الميتة نجسة إلا الشعور ومشبهها من الريش " يعني أنه قد تقدم عند ذكر الميتات على الجملة بقوله " الميتات والمسكرات نجسة " وهنا يذكر الأجزاء ليرتب عليها ما استثنى من الشعور والريش وما أشبه ذلك فيها من المعنى المعتبر.
ثم اعلم أن أجزاء ميتة حيوان البر غير الخشاش نجسة، وإن كان في بعضها اختلاف خارج المذهب.
قال العلامة أحمد بن جزي في القوانين الفقهية: وأما أجزاء الحيوان فإن قطعت منه في حال حياته فهي نجسة إجماعا إلا الشعر والصوف والوبر، وإن قطعت بعد موته، فإن حكمنا بالطهارة فأجزاؤه كلها طاهرة، وإن حكمنا بالنجاسة فلحمه نجس.
وأما العظم وما في معناه كالقرن والسن والظلف فهي نجسة من
الجزء: 1 - الصفحة: 51
الميتة خلافا لأبي حنيفة، وأما الصوف والوبر والشعر فهي طاهرة من الميتة خلافا للشافعي اهـ. وفي المختصر: الطاهر ميت ما لا دم له، إلى أن قال: وصوف، ووبر، وزغب ريش، وشعر ولو من خنزير إن جزت.
قال الخرشي: يريد طاهر من سائر الحيوانات ولو أخذت بعد الموت، لأنه مما لا تحله الحياة، وما لا تحله الحياة لا ينجس بالموت، وأيضا فإنه طاهر قبل الموت فبعده كذلك عملا بالاستصحاب.
والمراد بزغب الريش ما يشبه الشعر من الأطراف، ولا فرق في المذهب بين الصوف المحرم وشعره ووبره، وبين صوف غيره وشعره ووبره، ولكن الطهارة في
ذلك مشروطة بجزه ولو بعد النتف.
ويستحب غسلها إن جزت من ميتة كما في المدونة والرسالة اهـ. وفي أقرب المسالك " والنجس ميت غير ما ذكر، وما خرج منه، وما انفصل منه، أو من حي مما تحله الحياة كقرن، وعظم، وظفر، وظلف، وسن، وقصب ريش، وجلد ولو دبغ، وجاز استعماله بعد الدبغ في يابس وماء " اهـ.
وفي الرسالة وينتفع بصوف الميتة وشعرها وما ينزع منها في الحياة، وأحب إلينا أن يغسل، ولا ينتفع بريشها، ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها، وكره الانتفاع بأنياب الفيل.
وكل شيء من الخنزير حرام، وقد أرخص في الانتفاع بشعره اهـ. نقل الحطاب عن ابن فرحون: الشعر بفتح العين وسكونها يطلق على شعر الإنسان وغيره من الدواب والسباع فهو عام، والصوف للشاة أي الغنم والمعز، فهو أخص منه، والوبر بفتح الموحدة: صوف الإبل والأرانب ونحوهما، وما ذكره موافق لما في الصحاح.
وفي القاموس الشعر ما ليس بصوف ولا وبر، والريش للطائر، والزغب ما اكتنف القصبة اهـ. وأما أجزاء الآدمي ففيه خلاف وتفصيل كما سيأتي عند قول المصنف: وهل ينجس بالموت؟ قولان:
قال رحمه الله: " وفي طرف القرن والظلف والعاج خلاف " الحطاب والقرن والعظم معروفان، والظلف بالظاء للبقرة والشاة والظبي.
والظفر أيضا بالظاء، للبعير والأوز
الجزء: 1 - الصفحة: 52
والدجاج والنعامة.
والعاج عظم الفيل، واحده عاجة.
قاله في الصحاح اهـ. أما العاج فقد تقدم فيه عند قول المصنف " ويكره من آنية عظام الميتة وجلدها " فراجعه إن شئت، وأما قوله وفي طرف القرن إلخ كأنه لما تكلم في أجزاء الميتة وكان من جملتها طرف قرن وما عطف عليه أراد أن يذكر ما فيها من الخلاف في المذهب، كأنه سأله سائل: هل حكم الأطراف كحكم أصلها، أو هي طاهرة كسائر الطاهرات؟ فأجاب: في ذلك خلاف.
وقال ابن ناجي في شرح الرسالة بقوله: وتقدم أن في القرن والظلف والسن ثلاثة أقوال، ثالثها الفرق بين طرفها وأصلها، وكذلك في العظم، حكاها غير واحد.
وحكى الباجي فيه الفرق بين أن يصلق أو لا كأحد الأربعة في أنياب الفيل اهـ. وفي الرسالة: ولا ينتفع بريشها ولا بقرنها وأظلافها وأنيابها.
وقال أبو الحسن في كفاية الطالب: قوله ولا ينتفع بريشها أي الميتة، ظاهره مطلقا، وفيه تفصيل؛ لأن أصله الرطب لا يجوز الانتفاع به مطلقا من غير خلاف، وأعلاه يجوز الانتفاع به من غير خلاف، وفيما بينهما قولان بالجواز والمنع وهو المشهور.
وكذا أي لا يجوز الانتفاع بقرنها أي الميتة، وأظلافها وأنيابها، ظاهره على جهة التحريم؛ لأن الحياة تحله اهـ. وقد رجح العدوي في حاشيته على كفاية الطالب نجاسة كل من ريش وقرن وظلف
وأنياب وعظم الميتة، ولم يستثن منها شيئا من ذلك بقوله المعتمد أن رؤوس الريش من الميتة نجس، ومثله رؤوس القرن وقال أيضا: الراجح أن أعلاه كأسفله في النجاسة وعدم الانتفاع فأحرى الوسط اهـ. قلت: هذا وقد رجع إلى الأصل في نجاسة طرف القرن، وطرف قصبة ريش وما ذكر معهما.
وقال خليل في سياق كلامه على النجس: " وما أبين من حي وميت من قرن وعظم وظلف وظفر وعاج " قال الحطاب: يعني أن ما أبين من حي أو ميت من هذه الأشياء فإنه نجس.
وفي قوله " وقصب ريش " قال الخرشي: أي النجس قصبة ريش، وهي
الجزء: 1 - الصفحة: 53
التي يكتنفها الريش، وسواء أصلها على المشهور، هذا في القصبة، وأما الزغب فقد تقدم أنه طاهر إن جز اهـ.
" قلت " فالحاصل أن ما أبين من حي وميت من قرن، وعظم، وظلف، وعاج، وظفر، وقصبة ريش، وجلد ولو دبغ كلها نجسة.
وأما ما لا تحله الحياة من الأطراف في جميع ما ذكر فإنها طاهرة مع الكراهة لما فيها من القال.
والله أعلم اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله: " وما أبين من حي فهو ميتة " هذا تقدم الكلام عليه في المسائل السابقة بان ما أبين من الحي والميت من قرن وما عطف عليه نجس فلا حاجة لنا إلى تكراره.
قال المصنف رحمه الله: " وفي طهارة جلدها بالدباغ خلاف " وهذا أيضا تقدم لنا الكلام فيها عند قول المصنف: ويكره من آنية عظام الميتة وجلدها، إلا أن هناك تكلمنا في حكم الجواز باستعماله، ومراد المصنف هنا في حكمه بعد الدباغ، وذكر أن فيه خلافا، فالمشهور عند المحققين من أهل المذهب أن طهوريته لغوية لا حقيقية، فهو نجس حقيقة ولو بعد الدبغ، هذا هو المعتمد.
ثم على القول المشهور من نجاسة جلد الميتة المدبوغ يجوز استعماله في اليابسات كالحبوب والدقيق والخبز غير المبلول، وكذا يستعمل في الماء المطلق بأن يوضع فيه الماء سفرا وحضرا لأن الماء طهور لا يضره إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه.
وأما المائعات كالسمن والعسل والزيت وسائر الأدهان والماء غير المطلق كماء الورد، ومن ذلك الخبز قبل جفافه والجبن فإنه لا يجوز وضعه فيه، ويتنجس بوضعه فيه.
قال الدردير: وهذا معنى قوله وجاز استعماله بعد الدبغ في يابس وماء، تبع في ذلك قول خليل: ورخص فيه مطلقا إلا من خنزير بعد دبغه في يابس وماء اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 54
وقال أبو محمد في الرسالة: " ولا بأس بالانتفاع بجلدها إذا دبغ ولا يصلي عليه ولا يباع " وقال أبو الحسن عليه: ومفهوم الشرط أنه لا ينتفع به قبل الدبغ،
وهو كذلك باتفاق.
وقوله: ولا يصلي عليه ولا يباع، ظاهر يدل على أن جلد الميتة ليس بطاهر.
قال العدوي:
تنبيه
: لا يطهر الجلد عندنا بالدبغ، وأما قوله صلى الله عليه وسلم: " أيما إهاب " أي جلد " دبغ فقد طهر " فالمراد الطهارة اللغوية، بمعنى النظافة لا الشرعية اهـ.
وفي الخرشي: يعني أن جلد الميتة والمأخوذ من الحي نجس ولو دبغ على المشهور المعلوم من قول مالك، ولا يجوز بيعه ولا يصلى عليه.
قال ابن رشد: ولا يؤثر دبغه طهارة في ظاهره ولا باطنه.
وفي المدونة: " ومن صلى ومعه لحم ميتة أو عظمها أو جلدها أعاد في الوقت " وأيضا قال مالك: لا يعجبني أن يصلي على جلدها وإن دبغ اهـ. وقد ظهر لك أن جلد الميتة نجس، ولا يطهر بالدباغ إنما رخص في استعماله في اليابسات والماء المطلق كما تقدم، والرخصة لا تجاوز موردها.
وأما الكيمخت، وهو جلد الحمار أو الفرس أو البغل المدبوغ توقف الإمام فيه عن الجواب في حكمه أربعين يوما لما سئل عنه، وروي في المدونة أنه قال: لا أدري.
وفي العتبية أنه قال: وتركه أحب إلي.
ومنشأ الخلاف استعمال الصحابة الكيمخت.
قال الخرشي: واختلفوا إذا صلى به هل يعيد في الوقت أو لا؟ والخلاف المذكور مبني هل هو نجس معفو عنه أو طاهر أو مستثنى من جلد الميتة المدبوغ، ورجح في الشامل أنه نجس.
وقال التتائي وأبو الحسن: إنه طاهر معفو عنه ومستثنى من جلد الميتة المدبوغ اهـ، مع زيادة إيضاح.
ونقل الصاوي عن الدسوقي: واختلف في توقف الإمام هل يعد قولا أو لا؟ والراجح الثاني.
وقال واعلم أن استعماله ثلاثة أقوال: الجواز
الجزء: 1 - الصفحة: 55
مطلقا في السيوف وغيرها، وهو لمالك في العتبية.
والجواز في السيوف فقط، وهو لابن المواز وابن حبيب.
والكراهة مطلقا، قيل هذا هو الراجح الذي رجع إليه مالك، ولكن ذكر بعضهم أن الحق أنه طاهر، وأن استعماله جائز، أما مطلقا أو في السيوف لا مكروه.
قال في الأصل وجه التوقف أن القياس يقتضي نجاسته ولا سيما من جلد حمار ميت، وعمل السلف في صلاتهم بسيوفهم وجفيرها منه يقتضي طهارته، والمعتمد كما قالوا إنه طاهر للعمل لا نجس معفو عنه، مستثنى من قولهم جلد الميتة نجس ولو دبغ.
وانظر ما علة طهارته؟ فإن قالوا الدبغ، قلنا يلزم طهارة كل مدبوغ، وإن قالوا الضرورة، قلنا إن سلم فهي لا تقضي الطهارة بل العفو.
وحمل الطهارة في كلام الشارع على اللغوية في غير الكيمخت وعلى الحقيقة في الكيمخت تحكم، وعمل الصحابة عليهم الرضا في جزئي يحقق العمل في الباقي اهـ الصاوي.
كذا في الدسوقي، انظر الحطاب والله هو الهادي إلى الصواب
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وسؤر الحيوان وعرقه طاهر " وقد تقدم لنا هذه المسألة عند قول المصنف: " ما أفضلته البهائم " وقد شرحناه هناك فراجعه إن شئت.
وأما قوله وعرقه، أي ولا خلاف في طهارة العرق ولو من كافر أو شارب الخمر، لأن كل حي طاهر سواء آدميا أو غيره، وكذلك عرقه ولعابه ومخاطه ودمعه، وبيضه غير المذر المنتن فهو نجس.
قال رحمه الله: " إلا يتناول النجاسة فيكره " يعني أن سؤر الحيوان الذي تناول النجاسة كالجلالة مكروه، كما تقدم ذكره عند ول المصنف: " وسؤر ما لا يتوقى النجاسة " فراجعه إن شئت.
وأما عرق من يتناول النجاسة - ويسمى بالجلالة - فإن كان متلطخا فعرقه نجس، وإن جسده غير ملطخ بها فعرقه طاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 56
قال المصنف رحمه الله: " إلا ما كان فيه نجاسة ظاهرة فيكون حكم سؤره حكم ما حلته نجاسة " يعني أنه إذا ريئت النجاسة في فم الدابة أو غيرها ظاهرة فحكمه حكم الماء الذي حلت فيه النجاسة، إلا أنه يكره مع وجود غيره كما تقدم عند قول المصنف: " ويسير حلته نجاسة لم تغيره ".
وقال خليل: " وإن ريئت على فيه وقت استعماله عمل عليها " قال الحطاب: والمعنى أن شارب الخمر والحيوان الذي لا يتوقى استعمال النجاسات إذا ريئت النجاسة على فيه وقت استعماله الماء أو الطعام عمل عليها، فإن غيرت الماء ضرت باتفاق، وإن لم تغيره فيكره استعماله مع وجود غيره، لأن الكلام في الماء القليل.
وأما الطعام فإنه يطرح كله إن كان مائعا، وإن كان جامدا طرح منه ما أمكن السريان فيه اهـ.
وقال الخرشي: وإن علمت على فم الحيوان السابق أو عضو من أعضائه في جميع الصور، وقت استعماله الماء أو الطعام، أو قبل الاستعمال دون غيبة يمكن زوال أثرها عمل عليها، فيفرق بين قليل الماء وكثره، وتغيره وعدمه، وبين مائع الطعام وجامده، وطول المكث وعدمه اهـ. وكذا في الدردير.
قال المصنف رحمه الله: " ويجب غسل الإناء من ولوغ الكلب في الماء سبعا " قال: " إذا شرب الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبع مرات " اهـ، وقول المصنف: ويجب غسل الإناء إلخ المشهور في المذهب أن ذلك مندوب.
قال في أقرب المسالك: " وندب إراقة ماء وغسل إنائه سبعا بلا نية ولا تتريب عند استعماله بولوغ كلب أو أكثر، لا طعام وحوض " اهـ. يعني أنه إذا ولغ كلب أو
أكثر في إناء
الجزء: 1 - الصفحة: 57
ماء أو أكثر ندب إراقة ذلك الماء، وندب غسل الإناء سبع مرات تعبدا، إذ الكلب طاهر، ولعابه طاهر، ولا يفتقر غسله لنية لأنه تعبد في الغير، كغسل الميت، ولا يندب التتريب بأن يجعل في أولاهن أو الأخيرة أو غيرها تراب؛ لأن طرق التتريب مضطربة ضعيفة لم يعول عليها الإمام، مع كون عمل أهل المدينة على خلافه ومحل ندب غسله سبعا عند إرادة استعماله لا قبلها، والباء في قوله بولوغ سببية، والولوغ: إدخال لسانه في الماء وتحريكه أي لعقه، وأما مجرد إدخاله بلا حرمة أو سقوط لعابه أو لحسه الإناء فارغا فلا يسبغ، كما لو ولغ في حوض أو طعام ولو لبنا فإنه لا بأس به، ولا يراق ولا يغسل سبعا.
وأشار بقوله: كلب أو أكثر إلى أنه لا يتعدد الغسل سبعا بولوغ كلب مرات، أو كلاب متعددة اهـ الدردير.
وقال ابن جزي في القوانين: " المسألة الثانية في سؤر الكلب، ويغسل الإناء سبع مرات من ولوغه في الماء عند الأربعة، وزاد الشافعي التعفير بالتراب.
وفي وجوب هذا الغسل واستحبابه قولان.
وفي إراقة ما ولغ فيه قولان.
وفي نجاسة ما ولغ فيه قولان.
وفي غسله سبعا ون الولوغ في الطعام قولان.
وفي تكرار الغسل لجماعة الكلاب ولتكرار الكلب الواحد قولان.
وفي غسله سبعا من ولوغ الكلب المأذون في اتخاذه قولان.
انتهى كلام ابن جزي.
وقد تقدم لك جواب تلك الأقوال فيما بيناه كما في الدردير، وهو المشهور الذي به الفتوى.
أما الجواب في الكلب المأذون أنه كغيره في استحباب الغسل والإراقة مطلقا، قال الحطاب: يعني أن الغسل لا يختص بالمنهي عن اتخاذه، بل يغسل من ولوغ المأذون في اتخاذه والمنهي عن اتخاذه.
وهذا هو المشهور كما صرح ابن الفاكهاني في شرح العمدة، واقتصر عليه صاحب الوافي.
قاله السيد في تصحيح ابن الحاجب.
وقال في الشامل هو الأصح.
وقيل يختص بالمنهي عن اتخاذه، وهما روايتان، قاله ابن عرفة، والعمل بالقول الأول وهو المشهور فتأمل اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 58
قال المصنف رحمه الله: " وفي إلحاق الخنزير به، وفي إناء غير الماء والانتفاع بما فيه خلاف " وفي نسخة بحذف الفاء في قوله وفي إناء إلخ؛ لأن التي قبلها نابت عنها ولا حاجة إلى إعادتها.
ثم إنه لما ذكر حكم غسل الإناء وإراقة الماء الذي ولغ فيه الكلب أراد أن يبين ما في الخنزير والإناء غير الماء إذا ولغ فيه الكلب، وهل الخنزير يلحق بالكلب فيكون حكمه كحكم الكلب أم لا، وهل الطعام كالماء أم لا؟ خلاف، فالجواب أنه إذا ولغ الخنزير لا يجب ولا يندب بولوغه غسل الإناء سبعا، ولا إراقة الماء، ولا طرح الطعام.
وقد سبق آنفا عن الدردير أنه إذا ولغ الكلب في
الطعام، أو لحس الإناء فارغا فلا يسبع، كما لو ولغ في حوض أو طعام ولو لبنا فإنه لا بأس به، وكذلك لا غسل ولا إراقة بولوغ الخنزير على المشهور في المذهب.
وفي الحطاب: يعني أن الغسل خاص بالكلب، فلا يغسل الإناء من غيره وهو الظاهر من المذهب.
قال ابن رشد: وهو الصحيح.
وقيل يلحق به الخنزير؛ وهما روايتان.
قاله ابن الحاجب وابن عرفة بناء على أن الغسل للتعبد أو للقذارة اهـ. وفي الخرشي: وقوله بولوغ كلب لا خنزير أو سبع فلا يستحب الغسل اهـ. وقد ظهر أن غسل الإناء سبعا وإراقة الماء مختص بالكلب فقط لا غير على المشهور.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " ولا خلاف في نجاسة الدم المسفوح " يعني أن الدم المسفوح هو الذي يسيل عند موجبه من ذبح أو جرح أو فصد نجس.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾ [البقرة: 173]. وقال: ﴿أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا﴾ [الأنعام: 145] وغيرهما من الآيات.
واعلم أن الدم المسفوح لا خلاف في نجاسته، وهو حرام اتفاقا لا يجوز أكله كالميتة ولحم الخنزير، فإذا أصاب الثوب أو البدن أو مكان الصلاة وجب إزالته، فإن صلى به
الجزء: 1 - الصفحة: 59
وجبت الإعادة في الوقت على المشهور إن كان الدم كثيرا كالدرهم البغلي فأكبر، وإلا فلا شيء عليه.
قال في الرسالة: ويغسل قليل الدم من الثوب، أي وجوبا، وقيل ندبا وهو الصواب ولا تعاد الصلاة إلا من كثيره.
وقليل كل نجاسة غيره وكثيرها سواء.
ودم البراغيث ليس عليه غسله إلا أن يتفاحش اهـ.
قال خليل عاطفا على النجس: " ودم مسفوح ولو من سمك وذباب " المواق عن ابن عرفة: مسفوح الدم نجس.
وقال عز الدين: ويجب غسل محل الذكاة بالماء.
وقال بعض الشيوخ: يجب أن يرفع بأنف البهيمة ليخرج الدم المسفوح.
قوله ولو من سمك وذباب، قال ابن يونس: الدم عند مالك كله سواء: دم حيض أو سمك أو ذباب أو غيره يغسل قليله وكثيره اهـ. قال الحطاب: اختلف الناس في السمك هل له دم أم لا؟ فقال بعضهم: لا دم له، والذي ينفصل عنه رطوبة تشبه الدم، ولذلك لا تسود إذا تركت في الشمس كسائر الدماء، بل تبيض، لكن هذا القائل اعترض عليه، انظره في الحطاب إن شئت اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " والأوراث والأبوال والمني توابع، إلا أن يتغذى المأكول بنجاسة فينجس روثة وبوله لا لحمه " قوله والأوراث والأبوال، جمع روث وبول وهي فضلة الحيوان التي تخرج من أحد السبيلين، آدميا أو غيره، فإن كانت مما يؤكل لحمه كالإبل والبقر والغنم فلحمها وأراثها وأبوالها طاهرة، ما لم تتغذ بنجس وإن كانت تتغذى بالنجس فلحمها طاهر، وبولها وروثها نجاسة كأوراث
محرم الأكل: الخيل والبغال والحمير والخنزير، وجميع ما يكره أكله كالسباع ونحوها فأوراثها وأبوالها نجس.
وأما الطيور إن كانت تستعمل النجاسة فذرقها نجس وإلا فطاهر، وهي محمولة على الطهارة حتى يتبين خلافها.
قال بعضهم:
الطير محمول على الطهارة ... إن لم تكن في فمه القذارة
الجزء: 1 - الصفحة: 60
وأما ما يكره أكله كالذئب ونحوه ولبنه مكروه، وروثه وبوله نجس ولو لم يأكل النجاسة، كمحرم الأكل من الخيل وما عطف عليه.
وأما الدجاج إن كانت تأكل النجاسة، كمحرم الأكل من الخيل وما عطف عليه.
وأما الدجاج إن كانت تأكل النجاسة فذرقها نجس واللحم طاهر كالطير.
وقال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما فضلات الحيوان، فإن كانت مما ليس له مقر كالدمع، والعرق واللعاب فهي طاهرة من كل حيوان، إلا أنه اختلف في لعاب الكلب وعرق ما يستعمل النجاسات، كشارب الخمر والجلالة، وإن كانت مما له مقر.
فأما الأبوال والرجيع فذلك من ابن آدم نجس إجماعا إلا أنه اختلف في بول الصبي الذي لا يأكل الطعام، وأبوال سائر الحيوانات تابعة للحومها في المذهب، فبول الحيوان المحرم الأكل نجس.
وبول الحلال طاهر، وبول المكروه مكروه أي تحريما.
وقال الشافعي: البول والرجيع نجس من كل حيوان اهـ. وقال الدردير: ومن النجس فضلة الآدمي من بول وعذرة، وفضلة غير مباح الأكل، وهو محرم الأكل كحمار، أو مكروهة كالهر والسبع.
وفضلة مستعمل النجاسة من الطيور كالدجاج وغيره أكلا أو شربا، فإذا شربت البهائم من الماء المتنجس أو أكلت نجاسة ففضلتها من بول أو روث نجسة، وهذا إذا تحقق أو ظن، وأما لو شك في استعمالها، فإن كان شأنها استعمال النجاسة كالدجاج والفأرة والبقرة الجلالة حملت فضلتها على النجاسة، وإن كان شأنها عدم استعمالها كالحمام والغنم حملت على الطهارة اهـ. وأما قول المصنف: " والأرواث والأبوال والمني توابع " ليس على عمومه عند المالكية؛ لأن المني ليس بتابع للمأكول عندهم كما هو معلوم، بل إن المني والمذي والودي نجسة ولو من مباح الأكل، ولا يقاس على بول وعذرة من مباح الأكل، فإنهما طاهران ملحقان باللحم.
قال في أقرب المسالك عاطفا على النجس: " والمني والمذي والودي ولو من مباح " قال الشارح: ومن النجس المني، وهو ما يخرج عند اللذة الكبرى عند الجماع ونحوه.
والمذي وهو الماء الرقيق الخارج من الذكر أو فرج الأنثى
الجزء: 1 - الصفحة: 61
عند تذكر الجماع، والودي وهو ماء خاثر يخرج من الذكر بلال لذة، بل لنحو مرض أو يبس طبيعة، وغالبا يكون خروجه عقب البول، ولو كانت هذه الثلاثة من مباح الأكل، ولا تقاس على بول اهـ. وهذا وجه عدم متابعة المني للحم المأكول فتأمل.
قال المصنف رحمه الله: " وفي لبنه وبيضه ورماد النجاسة والمستحجر من الخمر في أوانيها خلاف " قوله وفي لبنه، الضمير عائد إلى المأكول الذي يتغذى بنجاسة.
يعني أن هذه الأشياء الأربعة اختلف العلماء في طهارتها ونجاستها والمشهور في المذهب الطهارة.
أما اللبن من المأكول لحمه الذي يستعمل النجاسة قد تقدم أنه طاهر؛ لأن النجاسة لا تخالطه.
والحاصل أن لبن المأكول لحمه كالأنعام والمكروه كالسباع طاهر ولو كان يستعمل النجاسة، لأن اللبن يخرج منها طاهرا خالصا من غير شةب ولا اختلاط بشيء من النجاسة ولا غيرها، وقد أباحه الله عز وجل في كتابه العزيز بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِ مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا خَالِصًا سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ [النحل: 66] صدق الله العظيم.
وما قاله الخرشي عند قول صاحب المختصر: ولبن غيره تابع، وهو كذلك كالمصنف.
ونص الخرشي على المختصر " يعني أن لبن غير الآدمي تابع للحمه، فإن كان محرم الأكل فلبنه نجس، وإن كان مكروه الأكل فلبنه مكروه شربه.
وأما الصلاة به فجائزة كما قاله ابن دقيق العيد.
ولبن الجن كلبن الآدمي لا كلبن البهائم، لجواز مناكحتهم، وجواز إمامتهم ونحو ذلك اهـ. الدردير على أقرب المسالك: " ومن الطاهر لبن الآدمي ولو كافرا، ولبن غير محرم الأكل ولو كان مكروها كالهر والسبع، بخلاف محرم الأكل كالخيل والحمير فلبنه نجس " اهـ. وأما بيض الجلالة فإنه طاهر.
قال في المختصر: وبيضه ولو أكل نجسا إلا المذر والخارج بعد الموت، أي إلا بيض المذر وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 62
ما تغير بعفونة أو زرقة أو صار دما فإنه نجس، أو خارج بعد الموت فإنه نجس أيضا.
وقال الحطاب: وأما العرق والبيض وكذا اللبن فالخلاف فيها معروف بالطهارة والنجاسة والكراهة، حتى من اللآدمي وشارب الخمر.
قال في التوضيح: والذي اختاره المحققون الطهارة اهـ.
وقال ابن القاسم: لبن الجلالة طاهر.
اللخمي: ومثله بيضها ولبن شاربة الخمر اهـ. وقال ابن جزي في القوانين: (فرع) في البيض إذا سلق فوجد فيه فرخ ميت لم يؤكل، وإذا أخرج بيضة من دجاجة ميتة لم تؤكل.
وقال ابن نافع تؤكل إذا اشتدت، كما لو ألقيت في نجاسة اهـ. وأما رماد النجاسة فهو أيضا طاهر، ومثله المستحجر من الخمر في أوانيها كما تقدم عليه.
انظر جواب النفراوي في أول الفصل عند قول المصنف الميتات والمسكرات إلخ.
قال الدردير: وخمر خلل أو حجر، ورماد نجس ودخانه.
قال الشارح: وكذا الخمر إذا خلل بفعل فاعل، أو تحجر أي صار كالحجر في اليبس بفعل فاعل يصير طاهرا، وأولى لو تخلل بنفسه أو تحجر بنفسه.
ومن الطاهر رماد النجس كالزبل والروث النجسين، وأولى الوقود المتنجس فإنه يطهر بالنار، وكذا دخان النجس فإنه طاهر.
ثم قال وما مشى عليه الشيخ ضعيف، والمراد بالشيخ صاحب المختصر خليل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي الآدمي لا خلاف في نجاسة البول والعذرة والدم وشبهه، والقيء المتغير عن حال الطعام " يعني أنه قد تقدم أن البول والعذرة من الآدمي نجسان، والدم الكثير غير معفو عنه، ولا خلاف على ذلك عند المحققين.
وقوله وشبهه أي كالقيح والصديد الكثيرين وكل ما لا يعفى عنه من النجاسة.
وكذا من النجس القيء المتغير عن حال الطعام فهو نجس يجب غسله عن الثوب والجسد والمكان كما تقدم.
الجزء: 1 - الصفحة: 63
قال المصنف رحمه الله: " ولا خلاف في طهارة الدمع والبصاق والمخاط واللبن " وقد تقدم الكلام في هذه الأشياء المذكورة وكلها طاهرة لا خلاف في طهارتها.
وفي المدونة: وعرق الدواب وما يخرج من أنوفها طاهر.
العزية: كل حي فهو طاهر آدميا أو غيره، وكذلك عرقه ولعابه ومخاطه ودمعه، والبصاق كالمخاط كما نص بعضهم عليه اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " والمشهور نجاسة منية " أي مني الآدمي إنه نجس على المشهور، وهو كذلك كما تقدم الكلام عليه عند قول المصنف: والأرواث والأبوال والمني توابع، فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله: " وهل ينجس بالموت قولان " يعني هل الإنسان ينجس بالموت؟ فالجواب أنه لا ينجس بالموت، بل الآدمي طاهر حيا وميتا لإكرام الله له في قوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].
والخلاف الواقع في ميتة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قال العلامة خليل في المختصر: " والنجس ما استثنى ولو قملة وآدميا والأظهر طهارته " قال الخرشي: يعني أن ميتة القملة نجسة لأن لها نفس سائلة، بخلاف البرغوث والبعوض والذباب ونحوها فإن ميتتها طاهرة لأن دمها منقول على المشهور.
وأما ميتة الآدمي ولو كافرا فهي طاهرة على المعتمد.
ومذهب ابن القاسم وابن شعبان وابن عبد الحكم نجاسته.
وإلى الطهارة ذهب سحنون وابن القصار، واختاره القاضي عياض وابن رشد وغيرهما من الأشياخ.
وإلى اختيار ابن رشد أشار المؤلف بقوله: والأظهر طهارته.
قال عياض: لأن غسله وإكرامه يأبي تنجيسه، إذ لا معنى لغسل الميتة التي هي بمنزلة العذرة، ولصلاته، عليه السلام، على سهيل بن بيضاء في المسجد، ولما ثبت أنه، عليه السلام، قبل عثمان بن مظعون بعد الموت، ولو كان نجسا لما فعل، عليه
السلام، ذلك، إلى غير ذلك.
وقال الحطاب: ولم أر تشهير القول
الجزء: 1 - الصفحة: 64
المصدر به عند المؤلف، ولا من اقتصر عليه، بل أكثر أهل المذهب يحكيهما من غير ترجيح.
ومنهم من رجح الطهارة، وإن أخذ اللخمي النجاسة من المدونة فقد أخذ عياض منها الطهارة وابن هارون، وهذا الخلاف لا يدخل عندي أجساد الأنبياء، بل يجب الاتفاق على طهارة أجسادهم، والخلاف في غير الأنبياء، وأما هم فأجسادهم بل جميع فضلاتهم طاهرة.
والخلاف أيضا في طهارة ميتة الآدمي ونجاستها عام في المسلم والكافر اهـ. هذا، وقد جلبت لك بعض كلام الأشياخ من الاختلاف في طهارة ميتة الآدمي ونجاسته لتكون على بصيرة لتأخذ بالمشهور الذي اعتمد عليه المحققون، ولا يدخل شك ولا ريب في ذهنك.
والمشهور الطهارة والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " والمسك طاهر " يعني أن المسك لا خلاف في طهارته وهو الدم المنعقد يوجد عند بعض الحيوان كالغزال، أي يشبه الغزال، قال ابن جزي في القوانين: والمسك طاهر إجماعا.
قال المواق في شرح المختصر نقلا عن اللخمي: اتفقوا على طهارة المسك وإن كان خراج حيوان لاتصافه بنقيض علة النجاسة.
قال إسماعيل: فأرة المسك ميتة طاهرة.
الباجي: إجماعا لانتقالها عن الدم، كالخمر للخل اهـ.
قال الشيخ خليل عاطفا في الطاهر: " ومسك فإرته " الخرشي: والمعنى أن من الطاهر المسك - بكسر فسكون - وهو دم منعقد استحال إلى صلاح، وكذا فأرته وهي وعاؤه الذي يكون فيه من الحيوان المخصوص؛ لأنه، عليه السلام، تطيب بذلك، ولو كان نجسا لما تطيب به، وبعبارة أخرى: المسك - بكسر فسكون - فارسي معرب، وتسميه العرب المشموم - خراج يتولد من حيوان كالغزال المعروف، ولا فرق بينهما إلا أن لهذه أنيابا نحو الشبر كأنياب الفيلة، ورجلاها أطول من يديها، توجد في الهند كما في الحطاب وبعد أن كان دما منعقدا يستحيل مسكا طيب الرائحة.
وتوقف الشيخ زروق في
الجزء: 1 - الصفحة: 65
شرحه على هذا الكتاب في جواز أكل المسك بقوله: وانظر هل يجوز أكله كاستعماله؟ انظر ذلك فإني لم أقف فيه على شيء.
قال الحطاب: لا ينبغي أن يتوقف في ذلك، وهو كالمعلوم من الدين بالضرورة، وكلام الفقهاء في باب الإحرام في أكل الطعام الممسك دليل على ذلك.
والله أعلم.
وأما فأفتى الشيخ سالم بطهارته بعد التوقف.
انتهى الخرشي مع الاختصار.
وطرف من الحطاب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإذا ماتت فأرة ونحوها في سمن جامد ونحوه طرحت وما حولها " وما ذكره المصنف في موت الفأرة في السمن الجامد
وهو كذلك كما في الرسالة، إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله.
قاله سحنون.
وأما لو ماتت في المائع كالزيت فينجس كله، وإليه أشار المصنف بقوله: " وفي مائع ينجس ولا يطهر بغسله " وما ذكره مثل ما في الرسالة، ونصها: وما ماتت فيه فأرة من سمن أو زيت أو عسل ذائب طرح ولم يؤكل، ولا بأس أن يستصبح بالزيت وشبهه في غير المساجد، وليتحفظ منه، وإن كان جامدا طرحت وما حولها وأكل ما بقي.
قال سحنون: إلا أن يطول مقامها فيه فإنه يطرح كله اهـ. قال النفراوي في الفواكه: قال خليل: وينجس كثير طعام مائع بنجس قل كجامد إن أمكن السريان، وإلا فبحسبه.
والدليل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا وقعت الفأرى في السمن فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعا فلا تقربوه " رواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي.
ومن ذلك مسألة ابن القاسم وهي: من فرغ عسر قلال سمن في زقاق، ثم وجد بقلة فأرة يابسة لا يدري في أي الزقاق فرغها، حرم أكل جميع الزقاق وبيعها، وهو كذلك على المشهور اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وتطهر أواني الخمر بغسلها " وفي بعض النسخ: ولا تطهر، وهو خطأ، والصحيح ما قررناه في هذه النسخة وإن كان في ذلك قولان، قال
الجزء: 1 - الصفحة: 66
ابن جزي في القوانين: وفي طهارة الفخار من نجس غواص كالخمر قولان اهـ، وقد تقدم لنا الكلام في آنية الخمر أنها تطهر إذا تحجرت الخمر فيها أو خللت، كما نقلناه عن الشيخ أحمد النفراوي في شرح الرسالة عند قول مؤلفها: وحرم الله سبحانه شرب الخمر قليلها وكثيرها إلخ.
قال الشارح المذكور: هذا حكم الخمر إذا استمرت على حالها، وأما لو تحجرت أو تخللت فإنها تطهر، ويجوز بيعها وشربها، ويطهر إناؤها تبعا لها ولو فخارا بغواص، ولو ثوبا، ويصلي به من غير غسل، بخلاف الثوب المصاب بالبول أو الدم فلا بد من غسله ولو ذهبت عين النجاسة.
والفرق أن نجاسة الخمر عارضة بالشدة، ونجاسة نحو البول أصلية، ولا فرق في ذلك بين تخليلها بنفسها أو بفعل فاعل، وإن اختلف في الإقدام على تخليلها بالجواز والكراهة اهـ: انظر إن شئت بقية الكلام في الشرح المذكور.
قال المصنف رحمه الله: " ويكفي في الصقيل كالسيف مبالغة المسح " قال خليل في المختصر عاطفا على عفي عنه: وكسيف صقيل لإفساده من دم مباح اهـ.
قال الدردير: دخل بالكاف ما شابهه في الصقالة كمدية ومرآة وجوهر وسائر ما فيه صقالة وصلابة مما يفسده الغسل، يعني أن كل ما كان صلبا صقيلا وكان يخشى فساده بالغسل كالسيف ونحوه فإنه يعفى عما أصابه من الدم كفي الغزو ودم القصاص والذبح والنحر والعقر والصيد ونحوها مما هو مباح فيعفى عنه بالمسح
دون الغسل.
قال بعضهم: سواء أكان الدم كثيرا أم لا، مسحه أم لا على المعتمد.
وفي التوضيح: قال مالك: ولا بأس بالسيف في الغزو وفيه دم أن لا يغسل.
قال ويصلى به.
قال عيسى في روايته عن ابن القاسم عن مالك: مسحه من الدم أو لم يمسحه.
قال عيسى: يريد في الجهاد أو في الصيد الذي هو عيشه.
انتهى كلام التوضيح.
الجزء: 1 - الصفحة: 67
ولما أنهى الكلام على أعيان النجاسات والطهارة أراد المصنف الانتقال إلى بيان آداب من يريد قضاء الحاجة، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان أحكام قضاء الحاجة وما يتعلق بذلك
هذا الفصل معقود لآداب قضاء الحاجة مما يستحب على المكلف عند البول أو الغائط، وتسمى حاجة الإنسان.
قال رحمه الله: " مريد البراز في الصحراء يطلب موضعا مطمئنا رخوا بعيدا عن الناس " وفي الحديث الصحيح عن المغيرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد " وفي رواية لأبي داود: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد البراز انطلق حتى لا يراه أحد " اهـ. وقول المصنف رخوا والرخو: محل لين سهل كتراب ورمل.
قال خليل: ندب لقاضي الحاجة جلوس، ومنع - أي كره - برخو نجس.
قال الخرشي: والمعنى أنه يندب لمريد البول إذا كان المكان رخوا طاهرا الجلوس لأنه أقرب للستر، ويجوز له القيام إذا أمن الاطلاع، وإن كان رخوا نجسا منع الجلوس لئلا ينجس ثوبه، وتعين القيام حيث أراد البول في ذلك المحل، وأما لو أراد الغائط فإنه لا يجوز له القيام كما في التوضيح وغيره اهـ باختصار.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا يستقبل القبلة ولا يستدبرها " وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يوليها ظهره، شرقوا أو غربوا " اهـ. وفي العزية: وأن لا يستقبل القبلة ولا يستديرها إذا كان في الفضاء ولم يكن فيه ساتر، فإن كان فيه ساتر ففي منعه قولان، المختار منهما المنع.
وأما فعله في المنزل فيجوز مطلقا، أعني سواء أكان هناك ساتر أم لا، أكان هناك مشقة أم لا اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 68
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يكشف عورته حتى يدنو من الأرض " وفي الحديث الصحيح عن ابن عمر قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد حاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض " اهـ.
قال الخليل في المختصر: وستر إلى محله.
وقال في محل آخر: وبالفضاء تستر وبعد اهـ.
قال الخرشي عليه: يعني أن من الآداب أن يديم الستر إلى محل خروج الأذى فيديمه إلى دنوه من الأرض إذا لم يخش على ثيابه وإلا رفع قبله ما لم يره أحد وإلا وجب الستر.
قوله: وبالفضاء إلخ، أي وندب لمن أراد قضاء الحاجة في الفضاء أن يستتر عن أعين الناس بكشجرة، وأن يبعد لا يسمع له صوت ولا يرى له عورة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويتقي الظل والشاطئ والراكد والجحر " يعني أنه يجب عليه أن يتجنب الملاعن.
وفي الحديث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " اتقوا اللاعنين، قالوا وما اللاعنان يا رسول الله؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم " اهـ. رواه مسلم وأبو داود.
وعن معاذ بن جبل عن النبي صلى الله عليه وسلم: " اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل " رواه أبو داود.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبال في الجحرة لأنها مساكن الجن.
رواه النسائي وأبو داود عن عبد الله بن سرجس اهـ. وفي المختصر: واتقاء جحر، وريح، ومورد، وطريق، وظل، وصلب اهـ. وفي العزية: وأن يجتنب الموضع الصلب والماء الدائم، وأن يغطي رأسه، وأن لا يتكلم إلا لمهم كخوف فوات نفس أو مال، وأن يتقي الريح والجحر والملاعن الثلاث، وهي مواضع جلوس الناس وطرقاتهم اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 69
قال المصنف رحمه الله: " وفي الكنف يزيل عنه اسم الله تعالى " والكنف جمع كنيف، وهو المحل المعد لقضاء الحاجة في الدور، أو المواضع التي تعد لذلك ويسمى بالمرحاض، والحنفية، وبيت الماء؛ لأنه لا يخلو عن الماء غالبا.
والمعنى أنه إذا أراد الدخول في الكنيف لا ينبغي أن يدخل فيه بشيء من أسماء الله تعالى، كالخاتم وقد روى أبو داود عن أنس قال: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء نزع خاتمه ".
وقد نقل المواق عن الحاوي في شرح قول خليل: وبكنيف، نحى ذكر الله.
وقال: قاضي الحاجة نحى اسم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
وقال الجزولي: من آداب الحدث أن لا يدخل الخلاء بما فيه اسم الله تعالى إكراما له، كالدرهم والخاتم وغير ذلك، كما كره مالك أن يعامل أهل الذمة بالدرهم عليه مكتوب اسم الله، لكن قال سند: جوز مالك أن يدخل الخلاء ومعه الدينار والدرهم عليه مكتوب اسم الله اهـ قلت:
لعل هذا من باب الضرورات لأنها تبيح المحظورات.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " يقدم رجله اليسرى قائلا باسم الله أعوذ بالله من
الخبث والخبائث ومن الرجس النجس ومن الشيطان الرجيم " وفي نسخة ومن النجس وهو خطأ، والصحيح ما قررناه.
وفي الحديث: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء قال " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " رواه أنس في الصحيحين وروى فيهما زيادة " من الرجس النجس الشيطان الرجيم " وعن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ستر ما بين أعين الجن وعورات بني آدم إذا دخل أحدهم الخلاء أن يقول: باسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث، قاله في غاية المأمول.
وكذا في العزية.
قال المصنف رحمه الله: " واليمنى في الخروج قائلا: الحمد لله الذي أذهب عني
الجزء: 1 - الصفحة: 70
الأذى وعافاني " وعن عائشة قالت: " كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال: " غفرانك " اهـ، رواه أصحاب السنن.
وفي المختصر: قال الدردير على أقرب المسالك: من الآداب أن يقدم حال دخوله الكنيف رجله اليسرى ويؤخرها حال خروجه منه، بأن يقدم في الخروج رجله اليمنى، ذلك عكس المسجد، فإنه يندب له تقديم اليمنى دخولا وتقديم اليسرى خروجا لشرفه، كما يندب في تنعله تقديم اليمنى وفي خلع النعال تقديم اليسرى.
وأما المنزل فيقدم اليمنى دخولا وخروجا اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " ويجتهد في الاستبراء " يعني إذا قضى الإنسان حاجته وجب عليه الاستبراء بالسلت والنتر إن كانت بولا، أو بالاستنجاء أو الأحجار إن كانت غائطا لإزالة الأذى عن مخرجها، ولا يصلي بها وهي في جسده.
قال خليل في المختصر: ووجب استبراء باستفراغ أخبثيه مع سلت ذكر ونتر خفا.
كذا في أقرب المسالك.
قال الدردير عليه: يجب على من قضى حاجته أن يستبرئ أي يخلص مجرى البول من ذكره بسلته بأن يجعل إصبعه السبابة من يده اليسرى تحت ذكره من أصله، والإبهام فوقه ثم يسحبه برفق حتى يخرج ما فيه من البول.
والنتر بسكون التاء المثناه: جذبه.
وندب أن يكون كل منهما برفق، وهو معنى قوله: أي الشيخ خليل خفا - بفتح الخاء - حتى يغلب على الظن خلوص المحل، ولا يتتبع الأوهام فإنه يورث الوسوسة وهي تضر بالدين اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " ويستجمر بثلاثة أحجار، وفي معناها كل جامد طاهر غير محترم، ويجزئ الواحد إن أنقى، ويزيد عليها إن احتاج، والماء أفضل كجمعهما " يعني فراغه من الاستبراء على الوصف المتقدم أنه يجب أن يستنجي ويستعمل الأحجار وترا.
قال أبو محمد في الرسالة: وصفة الاستنجاء أن يبدأ بعد
غسل
الجزء: 1 - الصفحة: 71
يده فيغسل مخرج البول، ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده، ثم يحكها بالأرض ويغسلها، ثم يستنجي بالماء ويواصل صبه، ويسترخي قليلا، ويجيد عرك ذلك بيده حتى يتنظف، وليس عليه غسل ما بطن من المخرجين، ولا يستنجي من ريح، ومن استجمر بثلاثة أحجار يخرج آخرهن نقيا أجزأه، والماء أطهر وأطيب وأحب إلى العلماء اهـ.
وفي المختصر: وندب جمع ماء وحجر ثم ماء قال الخرشي عليه: يعني أنه يندب للمستنجي الجمع بين الماء ولو عذبا والحجر لإزالتهما العين والأثر، ولأن أهل قبا كانوا يجمعون بينهما فمدحهم الله تعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222] وقال تعالى: ﴿رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: 108]
وإذا أراد أن يقتصر على أحدهما فالماء أفضل من الاقتصار على الحجر، فإن اقتصر على الحجر اجزأه مخالف الأفضل، لقوله عليه الصلاة والسلام: " فإنها تجزئ عنه " وقول ابن حبيب: لا تجزئ مع القدرة على الماء، مردود بما قبله ومثله تخصيص ما ورد وخصص ما ورد بالسفر وعدم ماء اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويتعين في المذي على المشهور، وهل يغسل منه جميع الذكر أو المخرج قولان " يعني أنه يتعين الماء بخروج المذي، وهو ماء أبيض رقيق يخرج عند اللذة بالإنعاظ عند الملاعبة أو التذكار كما تقدم.
وفي الرسالة: الوضوء يجب لما يخرج من أحد المخرجين من بول أو غائط أو ريح أو لما يخرج من الذكر من مذي مع غسل الذكر كله منه، وهو ماء أبيض إلى آخر ما ذكرناه اهـ.
قال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير - عاطفا على ما يتعين عليه الماء -: ومذي بلذة مع غسل كل ذكره بنية، ولا تبطل الصلاة بتركها، وفي اقتصاره على البعض قولان.
وحاصل المسألة أن خروج المذي من الرجل بلذة معتادة يوجب غسل جميع الذكر بنية على إحدى القولين كما تقدم اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 72
قال أبو الضياء سيدي خليل عاطفا: وتعين في مني وحيض ونفاس وبول امرأة ومنتشر عن مخرج كثيرا ومذي بغسل ذكره كله ففي النية وبطلان صلاة تاركها أو تارك كله قولان اهـ.
قال الخرشي: يعني اختلف هل تجب النية في غسل الذكر من المذي أو لا تجب فيه، وعلى القول بالوجوب لو تركها وغسله كله فهل تبطل الصلاة لترك واجب أم لا؟ قلت: قد أجاب الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك بقوله: ولا تبطل الصلاة بتركها كما تقدم آنفا، وكذا لو ترك غسل ذكره كله بأن اقتصر على
محل الأذى سواء غسله بنية أم لا، وعلى كلا الأمرين فالصلاة صحيحة، إلا أنه وجب عليه في الأمر الثاني أن يغسله كله بنية لما يستقبل، مراعاة للعراقيين القائلين بالاكتفاء بغسل محل الأذى، وعليه فيكمل غسل ذكره لما يستقبل من الصلوات.
هذه خلاصة المسألة.
والله أعلم بالصواب.
انتهى مع زيادة الإيضاح.
قال المصنف رحمه الله: " ويستجمر بشماله ويصب عليها الماء قبل ملاقاتها الأذى يبتدئ بقبله " وقوله: ويستجمر وفي نسخة ويستنجي بشماله.
والاستجمار استعمال الحجارة لإزالة النجاسة أو المدر أو بكل طاهر يابس منق، والاستنجاء هو غسل مخرج الأذى بالماء المطلق، وكلتا النسختين صحيحة إلا أن الماء أفضل عند الاقتصار على أحدهما كما تقدم.
وقوله: ويستنجي بشماله إلخ.
قال الدردير في أقرب المسالك: واستنجاء، وندب بيسراه، وبلها قبل لقي الأذى كما في المختصر، ونصه: وبلها قبل لقي الأذى وغسلها بكتراب بعده اهـ. قال الخرشي: يعني أنه يندب بل باطن اليد اليسرى قبل ملاقاة النجاسة من بول أو غائط ليسهل إزالة ما تعلق بها من الرائحة، لأنها إذا لاقت النجاسة وهي جافة تعلقت الرائحة باليد وتتمكن منها.
الجزء: 1 - الصفحة: 73
ويندب أيضا غسل اليد بعد الاستنجاء بتراب أو رمل أو نحو ذلك مما يقلع الرائحة.
وقول المصنف يبتدئ بقبله، وفي نسخة يبدأ بقبله.
وقد تقدم الكلام أنه يبدأ بغسل مخرج البول قبل مخرج الأذى، ثم يمسح ما في المخرج من الأذى بمدر أو غيره أو بيده، ثم يحكها بالأرض ويغسلها، كما في الرسالة.
فالحاصل أن الابتداء بالاستبراء وغسل قبله الدبر مندوب آخر لئلا ينجس يده من الذكر إذا مس مخرج الغائط قبل مخرج البول.
النفراوي: ولذا لو كانت عادته قطر بوله عند مس دبره بالماء يؤخر غسل قبله؛ لأنه لا فائدة في التقديم حينئذ اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " فإن كان فيها خاتم فيه ذكر الله نقله إلى اليمنى " هذا لأنه قد ثبت في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان " إذا دخل الخلاء ينزع خاتمه " رواه أبو داود عن أنس اهـ. وهو دليل على أنه يحرم دخول الخلاء وفي إصبعه خاتم إذا كان فيه شيء من أسماء الله أو شيء من أسماء الأنبياء.
ولا يجوز الاستنجاء وهو في يده، بل الواجب نقله إلى اليمنى كما قال المصنف.
نعم وقد نقل الشيخ عبد السميع الآبي في شرح العزية عن ابن العربي أنه قال في آداب الاستنجاء: لا يحل لمسلم أن يستنجي وفي يده خاتم فيه اسم الله، وقد كان لي خاتم منقوش فيه محمد العربي فتركت الاستنجاء به لحرمة اسم محمد، وإن لم يكن ذلك الكريم الشريف ولكن رأيت للاشتراك حرمة، ثم استدل بنص المصنف الذي هو قوله:
فإن كان فيها خاتم فيه ذكر الله نقله إلى اليمنى.
قال التتائي: وجوبا، ثم قال: فكل من النقلين يؤيد القول بالتحريم.
وقد مر حرمة الاستنجاء بالمكتوب الذي فيه الحروف مطلقا، وهو أيضا يرجح القول بالحرمة اهـ. هذا، ونسأل الله التوفيق بمنه وكرمه آمين.
ولما أنهى الكلام على آداب قضاء الحاجة أراد الانتقال والشروع في بيان فرائض الوضوء فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 1 - الصفحة: 74
فَصْلٌ
في بيان فرائض الوضوء
اعلم أن هذا الفصل عقده المصنف في بيان فروض الوضوء.
والفروض جمع فرض جمع القلة، وأما الفرائض جمع فريضة، وهي جمع الكثرة، بمعنى مفروضة.
والفرض هو ما يثاب على فعله ويترتب العقاب على تركه، كالصلاة والصوم.
والوضوء - بضم الواو - هو الفعل، وبالفتح اسم للماء.
وهو - أي الوضوء - مشتق من الوضاءة، وهي لغة الحسن والنظافة، واصطلاحا هو طهارة مائية تتعلق بأعضاء مخصوصة على وجه مخصوص وهي الأعضاء الأربعة اهـ. ذكره الصاوي.
اعلم أن الوضوء ليس من خصائص هذه الأمة على المعتمد، خلافا لمن قال: إنه من خصائصها، فهو ضعيف.
قال الصفتي: والصحيح أن الوضوء فرض صبيحة ليلة الإسراء حين جاء جبريل فتوضأ وعلم النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء، ذكره جماعة من أهل الحديث، خلافا لبعض الشراح اهـ.
ومن فضائل الوضوء تكفير الذنوب، ورفع الدرجات، قال عليه الصلاة والسلام: " ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات.
قالوا بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط " اهـ. رواه مسلم والترمذي والنسائي عن أبي هريرة.
وعن عمر بن الخطاب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " ما منكم من أحد يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقول حين يفرغ من وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلا فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء " رواه مسلم
الجزء: 1 - الصفحة: 75
وأصحاب السنن.
وزاد الترمذي: " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى في بيان فرائض الوضوء: " فروض الوضوء " سبع على المذهب، الأولى: " غسل الوجه " والدليل على فرضيته قوله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى
الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: 6] يعني أنه يجب على المتوضئ أن يغسل جميع الوجه طولا وعرضا.
وكأن السائل سأل ما طول الوجه وما عرضه؟ فأجاب رحمه الله بقوله: حده طولا: " من منابت شعر الرأس المعتاد إلى آخر الذقن أو اللحية " يعني قد أخبر أن حد الوجه طولا من منابت شعر الرأس المعتاد إلى آخر الذقن للأمرد أو إلى آخر اللحية لمن له شعر اللحية، فيجب على الأغم - وهو من استرخى شعره - غسل بعض شعر رأسه لأنه من الوجه.
قال الدردير: فيجب عليه أن يدخل في غسله ما نزل عن المعتاد، ولا بد من إدخال جزء يسير من الرأس، لأنه مما لا يتم الواجب إلا به.
ولا يجب على الأصلع - وهو من انحسر شعر رأسه إلى اليافوج - أن يغسل ما انحسر عنه الشعر؛ لأنه من الرأس لا من الوجه، ويجب عليه أن لا ينتهي في غسله إلى منابت شعره اهـ.
وأجاب المصنف أيضا في حد عرض الوجه فقال: " و " حده عرضا " من الأذن إلى الأذن " قال الدردير: وحده عرضا من وتد الأذن على الوتد الآخر، فلا يدخل الوتدان في الوجه ولا البياض الذي فوقهما، ولا شعر الصدغين، ويدخل فيه البياض الذي تحتهما لأنه من الوجه.
الجزء: 1 - الصفحة: 76
والحاصل أن بعض الصدغ من الوجه، وهو العظم الناتئ فما دونه، وبعضه من الرأس وهو ما فوقه من الشعر، فما بين شعر الصدغين من الوجه قطعا، وشعر الصدغين من الرأس قطعا، وما فوق الوتدين من البياض من الرأس كذلك، وما تحت الوتدين من الوجه فيغسل.
ودخل في الوجه الجبينان وهما المحيطان بالجبهة يمينا وشمالا اهـ. نقله الصاوي عن حاشية العدوي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفريضة الثانية من فرائض الوضوء " غسل اليدين مع المرفقين " يعني أنه أخبر أن غسل اليدين إلى المرفقين من فرائض الوضوء والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ كما تقدم في الآية الشريفة.
قال عبد السميع في شرح العزية: نبه بمع إشارة إلى أن الغاية في الآية داخلة.
والمرفق بكسر أوله وفتح ثالثه: آخر الذراع المتصل بالعضد اهـ. وفي الرسالة: ثم يغسل يده اليمنى ثلاثا أو اثنتين، يفيض عليها الماء ويعركها بيده اليسرى، ويخلل أصابع يديه بعضها ببعض، ثم يغسل اليسرى كذلك ويبلغ فيهما بالغسل إلى المرفقين يدخلهما في غسله.
وقد قيل إليهما حد الغسل، فليس بواجب إدخالهما فيه، وإدخالهما أحوط لزوال تكلف التحديد اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " و " الفريضة الثالثة من فرائض الوضوء: " مسح جميع
الرأس مباشرة " يعني أن مسح جميع الرأس من فرائض الوضوء.
والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ قال الدردير على أقرب المسالك: الفريضة الثالثة مسح جميع الرأس، من منابت الشعر المعتاد من المقدم إلى نقرة القفا، مع مسح شعر صدغيه مما فوق العظم الناتئ في الوجه.
وأما هو فلا يمسح بل يغسل في الوجه.
ويدخل في الرأس البياض الذي فوق وتدي الأذنين كما مر، ومع مسح ما استرخى من الشعر ولو طال جدا، وليس على الماسح
الجزء: 1 - الصفحة: 77
من ذكر أو أنثى نقض مضفوره، ولو اشتد الضفر ما لم يكن بخيوط كثيرة، وإلا نقض لأنها حائل، واغتفر الخيطان.
وأما الغسل فلا بد فيه من نقض ما اشتد ضفره ولو بنفسه بحيث لا يظن سريان الماء في خلاله، كالمضفور بخيوط كثيرة، وأدخل الماسح يده وجوبا تحت الشعر المستطيل في رد المسح، إذا كان لا يحصل التعميم إلا به.
ومحل قولهم الرد سنة أي بعد التعميم، ذكره الأجهوري، ورد بأن جميع نصوص أهل المذهب على أن الرد بعد مسح ظاهر الشعر أولا سنة، ولا يجب رد أصلا اهـ. قال في الرسالة: ثم يأخذ الماء بيده اليمنى فيفرغه على باطن يده اليسرى، ثم يمسح بهما رأسه يبدأ من مقدمه من أول منابت شعر رأسه وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضهما ببعض على رأسه وجعل إبهامه على صدغيه، ثم يذهب بيديه ماسحا إلى أطراف شعر رأسه مما يلي قفاه، ثم يردهما إلى حيث بدأ، ويأخذ بإبهاميه خلف أذنيه إلى صدغيه، وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه.
الحطاب: والمشهور من المذهب أن مسح جميعه واجب، فإن ترك بعضه لم يجزه.
وقال ابن ناجي في شرح قول الرسالة: وكيفما مسح أجزأه إذا أوعب رأسه: ظاهر كلام الشيخ أنه إن ترك بعضه وإن قل لا يجزئه، وهو كذلك عند مالك اهـ.
قال الشيخ يوسف الصفتي: تنبيه: الدليل لنا على وجوب مسح جميع الرأس التمسك بظاهر القرآن وفعله عليه الصلاة والسلام، ففي الموطأ والصحيحين: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر، بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه " فهذا صريح في أنه مسح جميعه.
وأما القرآن فقوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ لأن الباء للإلصاق، وأما كونها للتبعيض فلم يصححه أهل اللغة.
وقال ابن جني: لا يعرفه أصحابنا البصريون.
وقال بعضهم: لم أر أحدا نقله عن الكوفيين ولا عن غيرهم اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 78
وعلى ما تقرر من أن الباء هي للإلصاق 1 أشار به المصنف في قوله:
" مباشرة " أي بيديك ملاصقا بهما على رأسك، وإليه أشار صاحب الرسالة في صفة المسح بقوله: وقد قرن أطراف أصابع يديه بعضها ببعض على رأسه إلى آخر كلامه، فإن ترك مسح جميع الرأس بطل المسح على المشهور في المذهب.
قال المصنف رحمه الله: " و " الفريضة الرابعة من فرائض الوضوء: " غسل الرجلين مع الكعبين " يعني أن غسل الرجلين مع الكعبين من فرائض الوضوء كما سبق في الآية الكريمة.
وقال الخرشي: ووجوب غسل الرجلين ثابت بالكتاب والسنة والإجماع والقياس.
قال الدردير على أقرب المسالك: الفريضة الرابعة غسل جميع الرجلين، أي القدمين مع إدخال الكعبين في الغسل، وهما العظمان النلتئان، أي البارزان أسفل الساق تحتهما مفصل الساق.
والمفصل بفتح الميم وكسر الصاد المهملة واحد المفاصل، وبالعكس اللسان.
ويجب تعهد ما تحتهما كالعرقوب والأخمص بالغسل وكذا سائر المغابن.
أي وجميع ما لا يكاد يداخله الماء بسرعة فليبالغ بالعرك مع صب الماء كما في الرسالة اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وفي تخليل الأصابع خلاف " قال في المختصر: وندب تخليل أصابعها: يعني أن تخليل أصابع الرجلين مندوب على المشهور في المذهب، ومقابله أنه يجب وهو ضعيف، وإن رجحه بعضهم.
وفي الدردير: وندب تخليل أصابع الرجلين.
يبدأ ندبا بخنصر اليمنى ويختم بإبهامها من أسفلها بسبابته، ثم يبدأ بإبهام اليسرى ويختم بخنصرها كذلك.
والدلك باليد اليسرى اهـ.
وقال في العزية: وندب تخليل أصابعهما: قال الشارح: وإنما كان التخليل مندوبا لا واجبا لأن شدة التصاق
الجزء: 1 - الصفحة: 79
الأصابع صيرها كالعضو الواحد، وهذا حكمها في الوضوء، وأما في الغسل فالتخليل واجب على أقوى القولين اهـ. وفي الرسالة: وإن شاء خلل أصابعه في ذلك، وإن ترك فلا حرج، والتخليل أطيب للنفس فلا يبقى معه شك.
وفي الأخضري: ويجب تخليل أصابع اليدين، ويستحب في أصابع الرجلين.
فقد بان لك ان المشهور في تخليل أصابع الرجلين الندب، والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفريضة الخامسة من فرائض الوضوء: " الموالاة مع الذكر والقدرة " يعني أن الفريضة الخامسة من فرائض الوضوء الموالاة، بشرط الذكر والقدرة، وتسقط مع العجز والنسيان.
وقد اختلف أهل المذهب في وجوب الموالاة وسنيتها كما في المختصر، والمشهور الوجوب.
قال في أقرب المسالك: وموالاة إن ذكر وقدر.
وقال الشارح: الفريضة السادسة الموالاة بين أعضاء الوضوء بأن لا يتراخى بينهما، والتعبير بالموالاة أولى من التعبير بالفور، لأنه يوهم العجلة حين غسل الأعضاء، وليس هو المراد.
ومحل
وجوب الموالاة إن كان ذاكرا قادرا عليها، فإذا فرق بين الأعضاء اختيارا مع القدرة عليها بطل ما فعله من الوضوء وأعاده بالنية، وإن فرق ناسيا أنه في حال الوضوء، أو عاجزا عنها ففيه تفصيل، وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: " ففي النسيان يبني مطلقا، وفي العجز ما لم يطل الفصل " يعني إنما يبني الناسي مطلقا بنية الإتمام كالعاجز إن لم يفرط، وإلا بنى ما لم يطل بجفاف عضو وزمن اعتدالا، كالعامد.
وقال الشارح: يعني أن من فرق بين الأعضاء ناسيا كونه في وضوئه فإنه يبنى على ما فعل، طال الزمن أو لم يطل، ولو أكثر من نصف النهار بنية إتمام الوضوء وهو معنى الإطلاق.
وأما لو فرق عاجزا عن إكمال الوضوء، لم يكن مفرطا في أسباب العجز كما لو أعد ماء كافيا لوضوئه فأهريق منه، أو غصب، أو أكره على عدم الإتمام فإنه يبني كالناسي مطلقا طال أو لم يطل، وإن كان مفرطا كما لو أعد من
الجزء: 1 - الصفحة: 80
الماء ما لا يكفيه ولو ظنا ولم يكفه، فإنه يبني على ما فعل ما لم يطل الفصل، وصار حكمه حكم العامد المختار، كالذي يغسل بعض الأعضاء بمكان ثم ينتقل لتكميله بمكان آخر، أو استمر في مكانه تاركا لتكميل وضوئه قصدا بلا رفض، فإن طال ابتدأ وضوءه وجوبا لعدم موالاة، والطول يقدر بجفاف العضو الأخير لزمن العدل.
أي الذي لا حرارة به ولا برودة فيه ولا شدة هواء، ويعتبر أيضا اعتدال العضو أي توسطه بين الحرارة والبرودة احترازا من عضو الشاب والشيخ الكبير السن.
ولا بد من اعتبار اعتدال المكان أيضا بأن لا يكون القطر حارا ولا باردا انتهى.
قاله الدردير على أقرب المسالك.
انظر الصفتي عند قول عبد الباري: والفور، تجد هناك جل ما قررناه فيما نقله عن الخرشي والحاشية.
ثم ذكر المصنف رحمه الله الفريضة السادسة وذكرها على خلاف أسلوبه فقال: " والنية شرط " أخبر رحمه الله أن النية شرط، لو قال والنية فرض، أو قال ونية رفع الحدث في ابتدائه أو استباحة ما منعه، أو أداء الفرض كما فعل غيره لكان أحسن؛ لأن التعبير بالشرط يوهم عدم الفريضة؛ لأن الشرط غير الفرض على المعروف، وهو خارج عن الماهية، والفرض داخل في الماهية.
هذا هو المشهور 2.
وقد قال بعضهم في تعليقة على هذا الكتاب: اعلم أن كتاب الإرشاد ألفه صاحبه على طريقة مالكية العراق، فهو يمثل أسلوبهم ويمشي على ما رجحوه من الروايات واستظهروه من الأقوال مما يخالف ما عرفه متأخرو المالكية الذين اقتصروا على مختصر الشيخ خليل وشروحه وحواشيه، فإذا رأى القارئ شيئا هنا يخالف ما في المختصر أو
الجزء: 1 - الصفحة: 81
الرسالة، أو العزية فليحمل على تخالف طريقتي العراقيين وغيرهم.
وهذه أهم فوائد هذا المتن مع وضوح عبارته وخلوها من الحشو والتعقيد اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " ففي طهارة الحدث ينوي به رفع الحدث أو استباحة ما يمنعه " وفي نسخة في طهارة بلا زيادة الفاء.
وما قررناه أثبت، يعني أنه المترتب على الأعضاء أو أستباحة ما منعه الحدث، أو يقصد أداء فرض الوضوء.
والأولى ترك التلفظ بذلك؛ لأن حقيقة النية بالقلب لا علاقة لها باللسان اهـ الدردير.
ثم اعلم أن المقصود بالنية في جميع الأعمال تمييز العبادات عن العادات، وتمييز بعض العبادات عن بعضها، ولذا قال عليه الصلاة والسلام في الحديث الصحيح: " إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى " رواه الشيخان.
قال المصنف رحمه الله: إن المتوضئ ينوي ما ذكر من رفع الحدث ونحوه: " عند غسل الوجه، وقيل عند المضمضة " يعني أنه اختلف الأئمة في أي عضو ينوي عنده المتوضئ.
قيل عند غسل الوجه وهو المشهور.
وقيل عند المضمضة.
وقيل عند غسل اليدين حين الشروع في الوضوء لئلا يخلو غسل اليدين عن النية.
وقد علمت أن المشهور الذي عليه أهل المذهب أنه ينوي عند غسل الوجه.
قال الشيخ صالح عبد السميع في هداية المتعبد: النية هي قصد الشيء مقرنا بفعله، فإن كان ذلك الشيء وضوءا فينوي عند غسل الوجه استباحة الصلاة أو رفع الحدث أو الفريضة، ومحلها القلب، وتكون عند أول مفعول كالوجه في الوضوء، وعند تكبيرة الإحرام في الصلاة اهـ. وقوله ففي طهارة الحدث إلخ أما طهارة الخبث فلا نية لها.
إزالة نجاسة، إلا المذي ففي وجوب النية في غسل الذكر منه وعدمها قولان أرجحهما عدم الوجوب كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " واستدامتها شرط إلى آخره، ولا يضره
الجزء: 1 - الصفحة: 82
اختلاسها ما لم يقصد رفضها " يعني أنه قد أخبر أن الاستمرار في نية الوضوء وإجرائها في القلب من أوله إلى آخره شرط في الإجزاء، إلا أنه يغتفر ذهابها عن القلب بعد الإتيان بها، وإليه أشار صاحب المختصر: " وعزوبها بعده ورفضها مغتفر " قال الخرشي عليه: والمعنى أن الذهول عن النية بعد الإتيان بها في محلها عند غسل الوجه مغتفر لمشقة استصحابها، وإن كان هو الأصل: والمسألة الثانية رفض النية، وهو لغة الترك، والمراد به هنا تقدير ما وجد من العبادات والنية كالعدم، وذكر المؤلف أنه مغتفر أيضا بعد كمال الوضوء أو في أثنائه إذا رجع
وكمله بنية رفع الحدث بالقرب على المشهور، لا إن لم يكمله، أو كمله بنية التبرد، أو بعد طول.
والحج كالوضوء عكس الصلاة والصوم، فإن رفض النية فيهما غير مغتفر.
انظر فيه بقية الكلام اهـ.
قال العلامة الشيخ يوسف بن سعيد الصفتي: فرع: من ذهب إلى الميضأة ليتوضأ فلما وصل إليها توضأ ولم يستحضر النية أجزأه قصده الأول، وكذا من أمر زوجته أو خادمه أن يضع له الماء ليتوضأ ولم يستحضر النية عند أخذه ذلك، لأن طلبه الماء قرينة على قصد الطهارة، وهو عين النية كما في الشبرخيتي اهـ. وفي أقرب المسالك: ولا يضر عزوبها بخلاف الرفض في الأثناء لا بعده كالصلاة والصوم.
يعني أن عزوب النية أي ذهابها بعد أن أتى بها في أوله بأن لم يستحضرها عند فعل غير الفرض الأول لا يضر في الوضوء، بخلاف الرفض، أي الإبطال في أثنائه بأن يبطل ما فعله منه، كأن يقول بقلبه أبطلت وضوئي فإنه يبطل على الراجح، ويجب عليه ابتداؤه إن أراد به صلاة ونحوها، بخلاف رفضه بعد إتمامه فلا يضر، وجاز له أن يصلي به، إذ ليس من نواقضه إبطاله بعد الفراغ منه.
ومثل الوضوء الغسل.
وأما الصلاة والصوم فيرتفضان في الأثناء قطعا، وعليه القضاء والكفارة في الصوم لا بعد تمامها على أظهر القولين المرجحين.
وأما الحج والعمرة فلا يرتفضان مطلقا.
ويرتفض التيمم مطلقا ما لم يصل به لضعفه اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 83
وقد نظم ذلك الشيخ يوسف بن سعيد الصفتي رحمه الله بقوله:
والغسل الوضوء في الأثناء ... ارتفضا فقط بلا خفاء
كالصوم والصلاة في المشتهر ... ومثله اعتكافهم في الأظهر
تيمم يرفض يا ذا مطلقا ... هذا هو القول الذي قد ارتقى
والحج والعمرة مطلقا فلا ... يرتفضان فافهمن ما نقلا
ثم قال المصنف رحمه الله: " و " الفريضة السابعة من فرائض الوضوء: " الدلك في المغسول كانت صغرى أو كبرى، والغسل مرة يسقط الفرض إن أوعب " يعني أخبر المصنف أن الفريضة السابعة من فرائض الوضوء الدلك، وهو إمرار اليد على العضو مع الماء، ولا يشترط مقارنته للصب، بل الدلك عقب صب الماء، وهو أصح الأقوال.
قال الحطاب: فأما حقيقة الدلك في الوضوء والغسل فهي إمرار اليد على العضو.
قال في المدونة: وإذا انغمس الجنب في نهر ينوي به الغسل لم يجزه حتى يمر بيديه على جميع جسده، وكذلك لا يجزيه الوضوء حتى يمر بيديه على مواضع الوضوء.
وقال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير: وذلك خفيف بيد، ثم قال: وهو إمرار اليد على العضو ولو بعد صب
الماء كما قاله ابن أبي زيد، وهو المعتمد.
والمراد باليد باطن الكف، ويندب أن يكون الدلك خفيفا مرة واحدة، ويكره التشديد والتكرار لما فيه من التعمق في الدين المؤدي للوسوسة.
وقال الصفتي في الحاشية عند قول عبد الباري: والتدليك، أي في المغسول، ولا يسقط بالنسيان، وتجوز الاستنابة عليه لضرورة، وينوي المستنيب دون النائب، وتمنع الاستنابة عليه لغير ضرورة اتفاقا، فإن وقع ففي الإجزاء وعدمه قولان مشهوران.
وأما الاستنابة على صب الماء فجائزة اتفاقا ولو لغير ضرورة، لما ورد " أن المغيرة بن شعبة صب على النبي صلى الله عليه وسلم الماء وهو يتوضأ " وقد تجب الاستنابة كالأقطع.
ويكفي في الدلك غلبة الظن على المعتمد، ولا يشترط اليقين.
أفاده
الجزء: 1 - الصفحة: 84
العدوي في حاشيته على الخرشي.
وقال الرماصي محشى التتائي: متى تعذر الدلك باليد سقط من أول وهلة، ولا تجب استنابة ولا غيرها، ويكفي وصول الماء، وهو سعة، ودين الله يسر، خصوصا والدلك مختلف فيه.
قال العدوي: وكلام الرماصي هو المعتمد اهـ. نقله عن العدوي.
والله أعلم.
سنن الوضوء
ولما أنهى الكلام على فرائض الوضوء شرع في الكلام على سننه فقال رحمه الله: " وسننه " أي سنن الوضوء، وهي ثمانية على المشهور: الأولى: " غسل اليدين " إلى الكوعين عند الشروع.
وفي أقرب المسالك: وسننه غسل اليدين إلى الكوعين قبل إدخالهما في الإناء إن أمكن الإفراغ وإلا أدخلهما فيه، كالكثير والجاري.
وندب تفريقهما.
وفي العزية: سننه ثمان: الأولى: غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، وينوي بغسلهما التعبد، ويغسل كل واحدة على حدتها ثلاثا اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " قبل إدخالهما في الإناء ما لم يكن بهما أذى فيجب " يعني أخبر أن من أراد الوضوء يندب له أن يغسل يديه ثلاثا قبل إدخالهما في الإناء إن أمكنه ذلك إلا إذا كان بهما أذى، أي نجاسة فيجب عليه غسلهما قبل إدخالهما في الإناء لئلا ينجس الماء بإدخالهما فيه قبل غسلهما، وإذا لم يكن بهما أذى فإنه ينوي عند غسلهما التعبد.
وفي حاشية الصفتي: اعلم أن كل سنة تقدمت على محل الفرض كغسل اليدين للكوعين، والمضمضة، والاستنشاق، والاستنثار، فلا بد لها من نية، أي فالسنة تتوقف على النية.
وأما ما تأخر منها عن الشروع في الفرض فنية الفرض تشمله كالفضائل اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 85
قال المصنف رحمه الله: " و " السنة الثانية من سنن الوضوء: " المضمضة " يعني أخبر أن السنة الثانية من سنن الوضوء المضمضة، وهي إدخال الماء في الفم ثم يخضخضه ويمجه.
وظاهر كلامهم أن سنيتها تحصل بمرة، وأن الثانية والثالثة
كل منهما مستحب كما يأتي عن المصنف قوله: وتكرار المغسول مرتين بعد سقوط الفرض.
وهنا نعبر بعد حصول السنة بمرة واحدة.
وفي الرسالة: ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق كما هو معلوم.
قال المصنف رحمه الله: " و " السنة الثالثة من سنن الوضوء: " الاستنشاق " وهو جذب الماء بنفسه - بفتح الفاء - لداخل أنفه.
قال بعضهم: ليخرج ما في الخيشوم من الأوساخ المانعة من إخراج الحروف على هيئتها قلت: المعتمد في المضمضة والاستنشاق أن يختبر حال الماء من طعمه أو ريحه أو نحو ذلك وفي الدردير: والثالثة: الاستنشاق، وهو إدخال الماء في الأنف وجذبه بنفسه إلى داخل أنفه.
وندب فعل كل من هاتين السنتين بثلاث غرفات، بأن يتمضمض بثلاث، ثم يستنشق بثلاث، وهذا معنى قول الشيخ أي خليل: وفعلهما بست أفضل.
أي أفضل من أن يفعلهما بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق بكل غرفة منها، أو بغرفتين، أو بغير ذلك، كما قال: وجاز أن إحداهما بغرفة.
وندب للمفطر أن يبالغ في المضمضة والاستنشاق، وإيصال الماء إلى الحلق وإلى آخر الأنف.
وكرهت المبالغة للصائم لئلا يفسد صومه، فإن بالغ ووصل الماء للحلق وجب عليه القضاء اهـ.
" و " السنة الرابعة من سنن الوضوء الاستنثار، وهو دفع الماء من الأنف بنفسه، مع جعل السبابة والإبهام من يده اليسرى على أنفه.
وإليه أشار المصنف بقوله: " يستنثر بشماله " يعني أن الاستنثار بيده اليسرى من تمام السنة.
وقيل مستحب.
وفي الرسالة:
الجزء: 1 - الصفحة: 86
ثم يستنشق بأنفه المائ ويستنثره ثلاثا، يجعل يده على أنفه كامتخاطه.
ويجزئه أقل من ثلاث في المضمضة والاستنشاق، وله جمع ذلك في غرفة واحدة والنهاية أحسن اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " ويجزيان بغرفة " يعني أن المضمضة والاستنشاق يكفيان بغرفة واحة كما تقدم آنفا، لكن فعلهما بست غرفات أفضل كما في المختصر، ولذا قال المصنف: " وإفراد كل بغرفة أفضل " وقد تقدم لنا بيان جميع ذلك فراجعه إن شئت.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة الخامسة من سنن الوضوء: " مسح الأذنين بماء جديد ظاهرا وباطنا " يعني أن مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما بماء جديد غير الماء الذي مسح سنة على حدة، وتجديد الماء لهما سنة على حدة.
وصفة المسح المستحبة أن يمسح ما يلي الوجه بالسبابتين، وما يلي الرأس بالإبهامين، وذلك بماء غير الماء الذي مسح به الرأس كما تقدم.
وقد ذكر
المصنف هنا سنتين معا من سنن الوضوء وهما السنة الخامسة والسادسة، وهما مسح الأذنين وتجديد الماء لهما.
وأما ما يأتي في قوله: والبدء بمقدم الرأس، فإنه ليس بسنة بل هو من فضائل الوضوء على المشهور.
ثم ذكر السنة السابعة من سنن الوضوء فقال رحمه الله تعالى: " و " من السنة في المذهب: " الترتيب على المشهور " يعني أن السنة السابعة من سنن الوضوء الترتيب بين فرائضه: فيغسل الوجه قبل ذراعيه، وذراعيه قبل مسح الرأس، ومسح الرأس قبل الرجلين، هكذا.
وما ذكره المصنف من أن الترتيب سنة هو المشهور.
وقيل إنه مستحب.
وروي عن مالك أنه واجب، وعليه فلو نكس بأن غسل يديه - أي
الجزء: 1 - الصفحة: 87
ذراعيه - قبل الوجه كان وضوؤه باطلا إن لم يأت بالمنكس ثانيا، لكن العمل بالمشهور كما قد علمت.
وفي الدردير على أقرب المسالك: فإن نكس بأن قدم فرضا على موضعه المشروع له كأن غسل اليدين قبل الوجه أو مسح رأسه قبل اليدين أو قبل الوجه أعاد المنكس استنابا وحده مرة، ولا يعيد ما بعده إن طال ما بين انتهاء وضوئه وتذكره طولا مقدرا بجفاف العضو الأخير في زمان ومكان اعتدالا، فإن لم يبعد فعله مرة فقط مع تابعه شرعا، فلو بدأ بذراعيه ثم بوجهه فرأسه فرجليه، فإن تذكر بالقرب أعاد الذراعين مرة، ومسح الرأس وغسل رجليه مرة مرة، سواء نكس سهوا أو عمدا، وإن تذكر بعد طول أعاد الذراغين فقط مرة إن نكس سهوا، واستأنف وضوءه ندبا إن نكس عمدا ولو جاهلا، ولو بدأ برأسه ثم غسل يديه فوجهه أعاد اليدين والرأس مطلقا، ثم يغسل رجليه إن قرب وإلا فلا، ولو بدأ برجليه فرأسه فيديه فوجهه أعاد ما بعد الوجه على الترتيب الشرعي مطلقا قرب أو بعد؛ لأن كل فرض من الثلاثة منكس، ولا يعيد الوجه إلا إذا نكس عمدا وطال كما تقدم.
ولو قدم الرجلين على الرأس أعاد الرجلين مطلقا إلا إذا تعمد وطال فيبتدئ وضوءه ندبا.
فقوله - أي الشيخ خليل -: وإلا فمع تابعه، أي إن كان له تابع اهـ.
قال العلامة المحقق الصاوي في حاشيته على الدردير: وحاصل ما قاله المصنف والشارح أن ترتيب الفرائض في أنفسها سنة، فإن خالف ونكس بأن قدم عضوا عن محله فلا يخلو إما أن يكون ذلك عمدا أو جهلا أو سهوا، وفي كل إما أن يطول الأمر أم لا، فإن كان الأمر قريبا بحيث لم يحصل جفاف أتى بالمنكس مرة إن غسله أولا ثلاثا أو مرتين، وإلا كمل تثليثه وأعاد ما بعده مرة مرة على ما تقدم، لا فرق بين كونه عامدا أو جاهلا أو ناسيا.
وإن طال فإن كان عامدا أو جاهلا ابتدأ وضوءه ندبا، أو ناسيا فعله فقط مرة واحدة، لا فرق بين كون الطول
عمدا أو عجزا أو سهوا، فصور الطول
الجزء: 1 - الصفحة: 88
تسع والقرب ثلاث فتأمل اهـ. وإلى جميع ذلك أشار المصنف بقوله: " فمن نكس أعاد ما نكسه " وقد تقدم بيانه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والبدء بمقدم الرأس " وتقدم الكلام في شرح مسح الأذنين بقولنا: وأما ما يأتي من قوله - أي المصنف -: والبدء بمقدم الرأس أنه ليس بسنة من سنن الوضوء، بل هو من فضائله على المشهور.
وعده المصنف من سنن الوضوء، والصحيح أنه من المستحبات.
وفي العزية: والتاسعة أي من فضائله أن يبدأ بمقدم الرأس.
وقال ابن جزي في القوانين في الفصل الرابع في فضائل الوضوء: الخامسة الابتداء بمقدم الرأس.
وفي الأخضري: والبدء بمقدم الرأس اهـ.
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى السنة الثامنة من سنن الوضوء بقوله: " و " السنة الثامنة من سنن الوضوء: " الرد إليه " أي إلى مقدم الرأس على المشهور.
قال في المختصر: " ورد مسح رأسه " المواق: قال ابن عرفة: من سنن الوضوء رد اليدين من منتهى المسح لمبدئه.
وفي الحطاب: يعني أن السنة السابعة - أي في سياق كلامه - رد اليدين في مسح الرأس إلى المحل الذي بدأ منه، فإن بدأ من مقدم رأسه كما هو المستحب في ذلك ردهما من المؤخر إلى المقدم، وإن بدأ في المسح من مؤخر رأسه وترك المستحب من ذلك فالسنة أن يردهما من المقدم إلى المؤخر كما صرح بذلك ابن قصار، ونقله اللخمي وعبد الحق.
قال اللخمي: والفرض في مسح الرأس واحد وهو بلوغ اليدين إلى مؤخره، ولا خلاف أنه لو اقتصر على ذلك ولم يردهما لأجزأه.
والسنة ردهما من القفا إلى مقدم الرأس.
قال ابن القصار: وإن بدأ رجل من مؤخر رأسه إلى مقدمه لكان المسنون أن يرد من المقدم إلى المؤخر اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 89
فضائل الوضوء
ولما أنهى الكلام على سنن الوضوء انتقل المصنف يتكلم على فضائل الوضوء فقال رحمه الله: " وفضائله " جمع فضيلة، وهي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم، وأمر به أمرا غير مؤكد يثاب فاعله ولا يأثم تاركه.
يعني أن فضائل الضوء إحدى عشرة فضيلة عد المصنف منها ثلاثا، وهي: التسمية، والسواك، وتكرار المغسول، وترك باقيها اختصارا منه.
ونحن إن شاء الله: " التسمية " أي في ابتداء الوضوء بأن يقول: باسم الله، والمعتمد أنه يأتي بالبسملة كاملة، فإن اقتصر على باسم الله حصلت البركة إن شاء الله.
وفي الحديث: " لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه " والمعنى لا وضوء كاملا؛ لأن التسمية عند الوضوء مستحبة.
قال المصنف رحمه الله: " و " الفضيلة الثانية من فضائل الوضوء: " السواك " وفي الموطأ عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك " وفي رواية: " مع كل صلاة ". والحاصل أن استعمال السواك عند الوضوء قبل أن يتمضمض مستحب، ثم يتمضمض بعده ليخرج ما تحلل منه.
والسواك يكون بعود رطب أو يابس، والأخضر أفضل لغير الصائم، فإن لم يجد عودا فبإصبعه أو بشيء غير متنجس، ولا بعود الريحان، ولا الرمان لتحريكهما عرق الجذام.
وينهى عن الاستياك بالجوزة التي تحمر الشفتين: حرمة للصائم وكراهة لغيره، وكذا لا يجوز الاستياك بالقصب لأنه يورث البرص وداء الأكلة.
وإلى ما تقدم أشار المصنف رحمه الله بقوله: " وبالأراك الأخضر أفضل لغير الصائم وفي عدمه يستاك بأصبعه " يعني أن الأراك الأخضر أولى للمفطر كما تقدم.
ولا ينبغي أن يزيد في طوله على شبر.
وفضائله
الجزء: 1 - الصفحة: 90
كثيرة تزيد على بضع وثلاثين فضيلة.
وقد نظمها الحافظ ابن حجر الشافعي فقال:
إن السواك مرضى الرحمن ... وهكذا مبيض الأسنان
ومظهر الشعر مذكي الفطنه ... يزيد في فصاحة وحسنه
مشدد اللثة أيضا مذهب ... لبخر وللعدو مرهب
كذا مصفي خلقه ويقطع ... رطوبة وللغداء ينفع
ومبطئ للشيب والإهرام ... ومهضم النزع لدى الشهادة
ومرغم الشيطان والعدو ... والعقل والجسم كذا يقوي
ومورث لسعة مع الغنى ... ومذهب لألم حتى العنا
وللصداع وعروق الراس ... مسكن ووجع الأضراس
يزيد في مال وينمي الولدا ... مطهر للقلب جال للصدا
مبيض الوجه وجال للبصر ... ومذهب لبلغم مع الحفر
ميسر موسع للرزق ... مفرح للكاتبين الحق
وفي السواك كلام طويل فراجعه في محله إن شئت.
قال المصنف رحمه الله: " و " الفضيلة الثالثة من فضائل الوضوء: " تكرار المغسول مرتين بعد سقوط الفرض لا المسح " يعني قد أخبر المصنف بأن تكرار غسل الأعضاء المغسولات مرتين أو ثلاثا من فضائل الوضوء إذا أوعب بالأولى، بخلاف الممسوح، وهو الرأس والأذنان فإنه لا يستحب تكرار مسحهما.
هذا آخر ما ذكر المصنف من فضائل الوضوء.
وقد تقدم لنا أن فضائل الوضوء إحدى عشرة فضيلة ذكر المصنف منها ثلاثا، وأنا
الجزء: 1 - الصفحة: 91
أذكر الباقي فقلت: والفضيلة الرابعة، أي من فضائل الوضوء تقليل الماء الذي يرفعه للأعضاء حال الوضوء، ولا تحديد في التقليل لاختلاف الأعضاء.
والناس منهم من يتقن غسل عضو بالقليل من الماء، ومنهم غير ذلك.
وفي الرسالة: وقلة الماء مع إحكام الغسل سنة، أي خفيفة مستحبة، والسرف منه غلو وبدعة اهـ.
والفضيلة الخامسة من فضائل الوضوء وضع الإناء على جهة اليمين إن كان مفتوحا كالقصعة؛ لأنه أمكن في تناول الماء منه، وأما إن كان الإناء غير مفتوح بأن كان ضيق الفم كالإبريق فالأفضل أن يكون على جهة اليسار، والفصيلة السادسة من فضائل الوضوء البداءة بمقدم الرأس عند غسل الوجه.
وما ذكره المصنف من عده من سنن الوضوء قد تقدم لنا الكلام فيه من أنه ليس بسنة، بل من فضائل الوضوء على المشهور كما قد علمت، والفضيلة السابعة من فضائل الوضوء عدم الكلام في حال وضوئه إلا من ذكر الله أو الضرورة.
والفضيلة الثامنة من فضائل الوضوء أن يرتب المسنون مع المسنون كالمضمضة والاستنشاق، وكذا ترتيب السنن مع الفرائض من فضائل الوضوء.
وأما ترتيب الفرائض في أنفسها أي ترتيب فرض مع فرض مثلها فهو سنة من سنن الوضوء كما تقدم في السنن، والفضيلة التاسعة من فضائل الوضوء الموضع الطاهر، أي إيقاعه في محل طاهر الذي شأنه الطهارة، بخلاف الكنيف وما في معناه فيكره الوضوء فيه، والفضيلة العاشرة من فضائل الوضوء استقبال القبلة مع الإمكان بغير مشقة، وإلا جاز الانصراف بأي جهة، والفضيلة الحادية عشرة من فضائل الوضوء الدعاء بعد الفراغ منه، بأن يقول وهو رافع طرفه إلى السماء: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين.
انتهت فضائل الوضوء.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله: " ومن نسى فرضا أتى به وبالصلاة " يعني أن من نسى فرضا من فرائض الوضوء المتقدمة وجب عليه الإتيان به وإعادة الصلاة التي صلاها قبل
الجزء: 1 - الصفحة: 92
تذكره، وما ذكره المصنف كالمختصر ونصه: " ومن ترك فرضا أتى به وبالصلاة، وسنة فعلها لما يستقبل " وفي الأخضري: ومن نسى فرضا من أعضائه فإن تذكره بالقرب فعله وما بعده، وإن طال فعله وحده وأعاد ما صلى قبله، وإن ترك سنة فعلها ولا يعيد الصلاة، ومن نسى لمعة غسلها وحدها بنية، وإن صلى قبل ذلك أعاد اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " أو سنة فعلها لما يستقبل " وفي نسخة
بالجيم بدل الفاء جعلها، وهي خطأ والصحيح ما قررناه.
والمعنى أن من نسي سنة من سنن الوضوء أنه يفعل تلك السنة حين تذكره لما يستقبل من الصلوات إن أراد أن يصلي بذلك الوضوء وإلا فلا يأتي بها، كما أنه لا يعيد ما صلى قبل ذلك اتفاقا اهـ:
مكروهات الوضوء
وقد ذكر أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك بعض مكروهات الوضوء بقوله: وكره موضع نجس، وإكثار الماء، والكلام بغير ذكر الله، والزائد على الثلاث، وبدء بمؤخر الأعضاء، وكشف العورة، ومسح الرقبة، وكثرة الزيادة على محل الفرض، وترك سنة، وندب لزيارة صالح، وسلطان، وقراءة قرآن، وحديث، وعلم، وذكر، ونوم، ودخول سوق، وإدامته، وتجديده إن صلى به أو طاف.
شروط صحة الوضوء ووجوبه
وشرط صحته إسلام وعدم حائل، ومناف، وشرط وجوبه دخول وقت، وبلوغ، وقدرة عليه، وحصول ناقض، وشرطهما عقل، ونقاء من حيض ونفاس، ووجود ما يكفي
الجزء: 1 - الصفحة: 93
من المطلق، وعدم نوم وغفلة، كالغسل والتيمم، بإبدال المطلق بالصعيد إلا أن الوقت فيه شرط فيهما اهـ.
وفي الرسالة: ويجب عليه أن يعمل عمل الوضوء احتسابا لله تعالى لما أمره به يرجو تقبله وثوابه وتطهيره من الذنوب به، ويشعر أن ذلك تأهب وتنظف لمناجاة ربه، والرقوف بين يديه لأداء فرائضه، والخضوع له بالركوع والسجود.
فيعمل على يقين بذلك وتحفظ فيه، فإن إتمام كل عمل بحسن النية فيه اهـ.
ولما أنهى الكلام على فضائل الوضوء ومكروهاته وما يتعلق بجميع ذلك انتقل يتكلم على نواقضه، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في نواقض الوضوء
هذا الفصل عقده المصنف في بيان نواقض الوضوء.
والنواقض جمع ناقض، أي مبطل للوضوء وموجب لإعادته مرة أخرى.
والناقض ثلاثة أنواع على الإجمال، وهي حدث، وسبب، وغيرهما، وأشار المصنف إلى الأول بقوله:
" ينقضه الخارج المعتاد من السبيلين " أي الحدث الخارج من القبل أو الدبر " على وجه العادة " يعني الحدث الذي ينتقض به الوضوء هو الخارج من المخرج المعتاد
على وجه الصحة والاعتياد.
وأما الخارج غير المعتاد كخروج الدود أو الحصى من أحد السبيلين، أو غير الخارج كالقرقرة، أو كان خروجه على سبيل المرض كالسلس فلا ينتقض به الوضوء، وإليه أشار المصنف بقوله: " لا النادر والسلس " أي فلا يوجبان الوضوء بخروجهما، هذا إن لازم السلس كل الزمن أو جله، أما إن فارق كل الزمن أو جله فينتقض.
والمراد بالخارج الناقض الذي
الجزء: 1 - الصفحة: 94
ينقض بنفسه، وهو البول والغائط والريح والمذي والودي والهادي في الأنثى.
ثم ذكر المصنف السلس الذي ينشأ لأجل طول العزبة فحكمه حكم الخارج المعتاد في نقض الوضوء به.
ولذا قال رحمه الله تعالى: " وسلس المذي لطول العزبة كالمعتاد " والسلس: ما يسيل بنفسه لتغير الطبيعة، سواء كان بولا أو ريحا أو غائطا أو منيا، يعني أن السلس لطول العزبة ناقض كالخارج المعتاد سواء، يجب منه ما يجب في خروج المذي، إن كان مذيا مع غسل الذكر كله بنية كما تقدم جميع ذلك على التفصيل، وفي نسخة هنا زيادة في المتن وهي: " والخارج من غيرهما " هذه الزيادة ليست من كلام المصنف وإن كانت موافقة، والأولى جعلها شرحا لا نصا فتأمل.
ولما فرغ المصنف من الكلام على الحدث وتعريفه وأحكامه انتقل إلى النوع الثاني من أنواع الوضوء، وهي الأسباب التي لا تنقض الوضوء بنفسها بل بسبب حدث ولو لم يحصل، فبدأ رحمه الله بالمس واللمس لأن كل واحد منهما يؤدي إلى خروج المذي أحيانا: " و " من نواقض الوضوء " مس الذكر " أي المتصل " بباطن الكف والأصابع " يعني من النواقض للوضوء مس الذكر بباطن الكف أو بباطن الأصابع أو بجنبيهما ولو بأصبع زائد إن حس بأن كان يتحرك تحريكا معتبرا، فينتقض الوضوء بذلك سواء مسه من كمرة أو من قصبة، التذ أم لا، هذا إذا مسه من غير حائل، أما إن مسه من فوق حائل فلا نقض ولو كان الحائل خفيفا، إلا ما كان وجوده كالعدم.
والحاصل أن النقض مشروط بشروط خمسة: أن يكون ذكر نفسه، وأن يكون متصلا، وأن يكون المس من غير حائل، وأن يكون بالغا، وأن يكون بباطن الكف أو ما شابهه اهـ الصفتي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا " ينقض الوضوء بسبب مس " الدبر " يعني أن الوضوء لا ينتقض بمس الدبر عند المالكية، ولا بمس الأنثيين، ولا بمس فرج الصغيرة
الجزء: 1 - الصفحة: 95
التي لا تشتهي، وكذا لا ينتقض الوضوء بخروج قيء، ولا بأكل لحم جزور، ولا بحجامة، ولا بفصد، ولا بقهقهة في صلاة، ولا بمس امرأة فرجها على المعتمد.
قال المصنف رحمه الله مشيرا لهذا الأخير " وفي مس المرأة فرجها خلاف "
وقد علمت آنفا أن المعتمد الذي به الفتيا عدم النقض ولو ألطفت.
وعليه مشى خليل.
والإلطاف أن تدخل المرأة يدها بين شفري فرجها.
ولا ينتقض الوضوء بلمس البهيمة، ولا بإنعاظ من غير مذي، ولا بالنظر أو التفكر ولو مع اللذة في القلب بغير خروج شيء ولو في الصلاة.
ومما لا ينتقض به الوضوء على المعتمد القرقرة، وهي الريح المسموعة داخل الجوف؛ لأن الناقض هو الخارج المعتاد، وليست القرقرة من الخارج.
وما ذكره صاحب العزية من أن القرقرة الشديدة توجب الوضوء ضعيف.
قال المصنف رحمه الله: " و " من نواقض الوضوء: لمس النساء للذة " أي لقصد اللذة أو وجدانها، يعني أن قصد اللذة أو وجودها شرط في نقض الوضوء.
والمراد باللمس ملاقاة جسم لآخر وهو من نواقض الوضوء، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء﴾ [المائدة: 6] وقال بعضهم: المراد باللمس الجماع، فأجاب الصفتي ليس كذلك لأن حكم الجنابة ذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: 6] فلو كان المراد باللمس الجماع لكان تكرارا اهـ. وبهذا قد تقرر أن قصد اللذة أو وجودها ناقض، سواء ممن تحل له كالزوجة، والأمة، أو أجنبية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو محرما " كأم وبنت وغيرهما؛ لأن وجود اللذة ناقض على المعتمد، ولا فرق في ذلك بين المحرم وغيره إلا في القصد وحده بدون وجدان، ففي الأجنبية ناقض وفي المحرم غير ناقض، سواء من فاسق وهو من يلتذ بمحرمه أم لا اهـ الصفتي، كما سيأتي تفصيل ذلك عن الدردير.
قال المصنف رحمه الله: " أو " كان اللمس واقعا " من وراء حائل لا يمنع اللذة " فينتقض به الوضوء لأنه كالعدم.
قال: " ولو " كان العضو الملموس " ظفرا أو سنا
الجزء: 1 - الصفحة: 96
أو شعرا " يعني أنه قد أتى المصنف بصفة المبالغة في انتقاض الوضوء بهذه الأشياء الثلاثة بشرط اللذة أو قصدها من اللامس، وأما الملموس فينقض وضوؤه بوجود اللذة فقط، ولنقض وضوئهما معا أشار المصنف بقوله: " اللامس والملموس سواء " قال العلامة الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: ولمس بالغ من يلتذ به عادة ولو لظفر أو شعر أو بحائل إن قصد اللذة أو وجدها، وإلا فلا اهـ: قال الشارح: يعني أن لمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ أو وجدها، وإلا فلا اهـ: قال الشارح: يعني أن لمس المتوضئ البالغ لشخص يلتذ بمثله عادة من ذكر أو أنثى ينقض الوضوء ولو كان الملموس غير بالغ أو كان اللمس لظفر، أو شعر، أو من فوق حائل كثوب، وظاهرها كان الحائل خفيفا يحس اللامس معه بطراوة البدن، أو كان كثيفا.
قال وتأولها بعضهم بالخفيف قلت: قد تقدم لنا في مس الذكر أن مسه من فوق الحائل لا يوجب الوضوء فلا
ينتقض ولو كان الحائل خفيفا، إلا ما كان وجوده كالعدم فينتقض، كما في حاشية الصفتي.
فلنرجع إلى تمام كلام الدردير: قال: وأما اللمس من فوق حائل كثيف فلا ينقض، ومحل النقض إن قصد التلذذ بلمسه، وإن لم تحصل له لذة حال لمسه، أو وجدها حال اللمس وإن لم يكن قاصدا لها ابتداء، فإن لم يقصد ولو يحصل له لذة فلا نقض، ولو وجدها بعد اللمس.
والملموس إن بلغ ووجد، أو قصد بأن مالت نفسه بأن يلمسه غيره فلمسه انتقض وضوؤه لأنه صار في الحقيقة لامسا وملموسا، فإن لم يكن بالغا فلا نقض ولو قصد ووجد اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " من الأسباب التي تنقض الوضوء " زوال العقل " أي استتاره " بجنون " وهو زوال الشعور من القلب مع بقاء القوة والحركة، وهو أنواع: " أو إغماء " وهو زوال الشعور من القلب مع استرخاء الأعضاء.
قال مالك رحمه الله: ومن أغمي عليه فعليه الوضوء.
تنبيه: إذا أفاق المجنون والمغمى عليه لا يجب
الجزء: 1 - الصفحة: 97
عليهما غسل على المعتمد، نقله الصفتي عن شرح الأصيلي اهـ قلت: هذا إن لم يتحقق خروج الإنزال منه وإلا وجب عليه الغسل اتفاقا.
قال المصنف رحمه الله: " أو " كان زوال العقل بسبب " سكر " يعني أراد بذلك مطلق غيبوبة العقل، سواء أكان من مائعات حلال كلبن حامض، أم من حرام كخمر، أم من مضرات بالجسم والعقل كسم، أو من مخدرات كحشيشة.
والمدار في الجميع على زوال العقل، فإذا زال العقل بشيء من تلك الأشياء نقض الوضوء مطلقا، لا فرق بين طول زمنه وقصره كما يفصل في النوم، وهو ظاهر المدونة والرسالة، فهو ناقض.
قال ابن عبد السلام: وهوة الحق.
وقال ابن بشير: والقليل في ذلك كالكثير خلافا لبعضهم اهـ. نقله الصاوي عن الدسوقي.
قال المصنف رحمه الله: " أو " كان الزوال بسبب " نوم مستثقل ولو في الصلاة أو جالسا غير مستند " يعني أن النوم من الأسباب التي تنقض الوضوء أيضا.
قصير خفيف لا ينقض الوضوء، طويل خفيف يستحب منه الوضوء.
ولا عبرة عند المالكية بصفة النائم من كونه جالسا أو مستندا أو مضطجعا، بل العبرة عندنا بصفة النوم كما تقدم، فإذا ثقل النوم حتى لا يشعر صاحبه بمن يأتي ومن يذهب نقض وضوؤه على كل حال.
ثم انتقل المصنف إلى ما ليس بحدث ولا سبب وهي الردة والشك، وقدم الردة لأنها أهم، فقال رحمه الله: " والمشهور " عندنا معشر المالكية " أن الردة مبطل " للوضوء، خلافا للشافعية.
قال الدردير: وأما غيرهما - أي غير الحدث
والسبب - وهو الردة والشك في الناقض بعد طهر علم وعكسه، أو في السابق منهما.
قال الشارح: هذا هو النوع الثالث من الناقض للوضوء، إما حدث، وإما سبب، وإما غيرهما، وهو أمران: الردة، والشك، وكل منهما ليس بحدث ولا سبب.
وبعضهم جعلهما من أقسام
الجزء: 1 - الصفحة: 98
السبب: أما الردة فهي محبطة للعمل ومنه الوضوء والغسل على الأرجح، إلى آخر كلامه رحمه الله: يعني أن الردة - وهي كفر مسلم والعياذ بالله - مبطلة لجميع أعمال البر من العبادات وغيرها، وهي تكون بالأشياء من الأفعال والأقوال، نحو أن يقول هو مشرك، أو هو نصراني، أو يهودي، أو يلقي مصحفا في القاذورات، أو يسب الله تعالى، أو يسب نبيا مجمعا على نبوته، أو ملكا كذلك، أو نحو ذلك مما يقتضي الكفر، فإذا حصل منه واحدة مما ذكرنا صار كافرا مرتدا.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ﴾ [المائدة: 5] وقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: 65] والوضوء من جملة العمل كالغسل فإن الردة تبطله على المعتمد.
فإذا رجع المرتد إلى الإسلام وجب عليه إعادة وضوئه الذي فعل قبل ارتداده بنية رفع الحدث إن أراد الصلاة، وكذا وجب عليه الغسل إن أراد جميع ما يقتضي الطهر كالطواف ومس المصحف وغيرع مما هو شرطه الطهارة.
فافهم ذلك.
ثم قال المصنف رحمه الله: " و " من نواقض الوضوء " الشك في الحدث بعد تيقن الطهارة " قال مالك في المدونة فيمن توضأ فشك في الحدث فلا يدري أحدث بعد الوضوء أم لا: إنه يعيد الوضوء بمنزلة من شك في صلاته، فلا يدري أثلاثا صلى أم أربعا فإنه يلغي الشك اهـ. وكذلك من شك في السابق منهما بأن تيقن أيضا بالحدث وشك في السابق منهما فإنه يجب عليه الوضوء؛ لأنه لا تبرأ ذمته إلا باليقين.
ولذا قال المصنف: والشك في الحدث إلخ " موجب " يعني من موجبات الوضوء، ما لم يكن مستنكحا.
وإذا استنكحه شك فإنه لا يعيد الوضوء.
وأما غير المستنكح فإن وضوءه يبطل بالشك باتفاق أهل المذهب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والحدث يمنع فعل كل ما يشترط له الطهارة " يعني أنه إذا قام بالمكلف الحدث منع أن يفعل ما يشترط فيه الطهارة كالصلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 99
والطواف وحمل المصحف، إلا بقصد حمل أمتعة فيجوز.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الواقعة: 77 - 80] صدق الله العظيم.
ولهذا قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " يمنع الحدث " حمل " جملة " المصحف ولو بحائل أو علاقة " بغير طهر إلا
لمتعلم فيه أو معلم، وإلا الجزء ونحوه لتعوذ أو دلالة فيجوز.
قال المصنف رحمه الله: " لا " يمنع حمل المصحف " بين أمتعة قصد حملها " يعني أنه يجوز حمل القرآن الكامل في الأمتعة كالصندوق بنية حمل المتاع، لا بنية حمل القرآن.
وفي المختصر: ومنع حدث صلاة وطوافا ومس مصحف وإن بقضيب، وحمله وإن بعلاقة أو وسادة إلا بأمتعة قصدت، وإن على كافر، لا درهم وتفسير ولوح لمعلم ومتعلم وإن حائضا، وجزء لمتعلم وإن بلغ، وحز بساتر وإن لحائض اهـ. قال الخرشي: يعني أن الطواف ولو نفلا، والصلاة كلها على اختلاف أحكامها من فرض وسنة ونفل وسجود القرآن لا يجوز إلا بالوضوء، وأن الحدث مانع من ذلك اهـ. وقد عقد الأخضري فصلا في هذه المسألة: فقال: لا يحل لغير المتوضئ صلاة ولا طواف، ولا مس نسخة القرآن العظيم، ولا جلدها، لا بيده ولا بعود ونحوه، إلا الجزء منها لمتعلم فيه، ولا مس لوح القرآن العظيم على غير الوضوء إلا لمتعلم فيه أو معلم يصححه.
والصبي في مس القرآن كالكبير، والإثم على مناوله له.
ومن صلى بغير وضوء عامدا فهو كافر والعياذ بالله اهـ.
قال الشارح في هداية المتعبد السالك عند قول المؤلف " ومن صلى بغير وضوء عامدا فهو كافر " قد أمر الله سبحانه وتعالى كل من أراد القيام إلى الصلاة بالوضوء بقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] الآية.
والأمر من الله إيجاب وتكليف يحبب تصديقه، والإيمان به، والعمل على مقتضاه، فمن تهاون في ذلك واستخف به فهو من قبل الشارع، غير محترم، محكوم عليه بالكفر لتهاونه بأوامر الله وعدم الخضوع لها بالإذعان والقبول.
وهو أيضا مطرود عن أهل القبلة والجماعة، نعوذ
الجزء: 1 - الصفحة: 100
بالله من سوء العاقبة.
قلت: ما ذكره المؤلف وتبعه الشارح من تكفير المصلي بغير وضوء عامدا محمول على ترك الوضوء جحدا أو استخفافا وتهاونا بالأوامر وعدم المبالاة، كما ذكره الشارح، وأما من فعل ذلك كسلا أو عجزا أو جهلا أو نسيانا أو بالضرورة مع اعتقاده وجوب الطهارة، وهو مسلم موحد مؤمن بالله ورسوله فإنه لم يكن كافرا، ولم يخرجه ذلك من الإسلام، كما هو اعتقاد كثير من المحققين.
وغاية الأمر أنه عاص لله ورسوله وتجب عليه التوبة مع وجوب إعادة الصلاة أبدا لأنها باطلة هذا هو المفهوم من كلام بعض المحققين رحمهم الله تعالى.
نسأل الله أن يرزقنا العمل بالكتاب والسنة إنه ولي التوفيق.
ولما أنهى الكلام على النواقض أراد الشروع في ذكر موجبات الغسل
فَصْلٌ
في موجبات الغسل
هذا الفصل عقده المصنف رحمه الله تعالى في بيان موجبات الغسل وأنواعه، وفرائضه، وسننه، ومستحباته، وجميع أحكامه.
أما أنواع الغسل فإنه ينقسم إلى أربعة أقسام: واجب، وسنة، ومندوب، وجائز.
أما الواجب فهو غسل الجنابة.
والجنابة قسمان: أحدهما خروج المنى بلذة معتادة، في نوم أو يقظة، بجماع أو غيره كما يأتي عن المصنف.
والمنى هو الماء الدافق، أي يتدفق عند خروجه دفعة بعد دفعة، وغالبا لونه أبيض خاثر رائحته كرائحة الطلع أو العجين، فإن خروج بلذة معتادة من الجماع فما دونه وجب الغسل إجماعا، وإن خرج بغير لذة، أو
الجزء: 1 - الصفحة: 101
بلذة غير معتادة لم يجب الغسل.
والثاني مغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في أي فرج كان.
وأشار المصنف إلى القسم الأول من قسمي الجنابة فقال: " الغسل يوجبه خروج المني على العادة ولو في النوم " يعني أن خروج المني على وجه العادة والصحة من موجبات الغسل، سواء كان خروجه في حال اليقظة أو في النوم.
قال الدردير في أقرب المسالك: يجب على الكلف غسل جميع الجسد بخروج مني بنوم مطلقا، أو يقظة إن كان بلذة معتادة من نظر أو فكر فأعلى، ولو بعدها ذهابها، وإلا وجب الوضوء فقط اهـ وقال الشارح: اعلم أن موجبات الغسل أربعة: خروج المني، ومغيب الحشفة، والحيض، والنفاس، والمراد بالمكلف البالغ العاقل ذكرا أو أنثى، فخروج المني من الذكر أو الأنثى في حالة النوم يوجب الغسل مطلقا بلذة معتادة أم لا، بل إذا انتبه من نومه فوجد المني ولم يشعر بخروجه، أو خرج بنفسه وجب عليه الغسل على ما استظهره الشيخ على الأجهوري.
انظره في الصاوي اهـ.
وأشار المصنف إلى الثاني من قسمي الجنابة وهو مغيب الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج مطلقا بقوله: " و " من موجبات الغسل على المكلف " إيلاج الحشفة أو قدرها في فرج " قال الخرشي: الموجب الثاني للغسل مغيب حشفة بالغ على الفاعل والمفعول.
قال عياض: الحشفة بفتح الشين: الكمرة، وهي رأس الذكر، وكذلك يجب على المرأة الغسل بإدخال ذكر البهيمة اهـ. وقال الدردير: وبمغيب الحشفة أو قدرها في فرج مطيق وإن بهيمة أو ميتا.
الشارح: الموجب الثاني للغسل تغييب المكلف جميع حشفته أي رأس ذكره، أو تغييب قدرها من مقطوعها في فرج شخص مطيق للجماع قبلا أو دبرا من ذكر أو أنثى ولو غير بالغ، أو كان المطيق بهيمة أو ميتا، وعلى ذي الفرج إن بلغ، أي يجب الغسل على
صاحب الفرج المغيب فيه إن كان بالغا، وإلا فلا
الجزء: 1 - الصفحة: 102
يجب على غير المكلف، ولا بتغييب الحشفة في غير فرج كالأليتين والفخذين، ولا في فرج غير مطيق اهـ.
وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " وإن كان غير بالغ لم يلزمها إلا أن تنزل أو يكون مراهقا " المراهق هو الذي قارب البلوغ، فلا يجب عليه الغسل إذا وطئ زوجته، لكن ينبغي لوليه أن يأمره بالغسل استحبابا وإليه أشار المصنف بقوله: " وهل يؤمر به تمرينا قولان " وقد علمت أن المشهور من القولين أنه يؤمر به ندبا.
وفي أقرب المسالك: وندب لمأمور الصلاة كصغيرة وطئها بالغ وإلا فلا.
هذا هو المعتمد.
والحاصل أن الصور أربع: لأن الواطئ والموطوء إما بالغان، وإما بالغ وصغيرة، وإما صغير وبالغة، وإما صغيران: فالأولى يجب فيها الغسل عليهما اتفاقا، وفي الثانية يجب الغسل على الواطئ دون موطوءته ما لم تنزل، وكذا في الرابعة اهـ الصاوي.
وبالغ المصنف في إيجاب الغسل على المرأة بقوله رحمه الله: " ولو عزل.
أو وطئ بين الفخذين فسبق الماء إلى فرجها فأنزلت أو التذت لزمها " يعني أن الرجل لو عزل عن امرأته بأن جامعها ولم ينزل في فرجها بل خارج الفرج فلا غسلا عليها ما لم تنزل 3 وإن أنزلت وجب عليها الغسل.
وكذا لو وطئ بين فخذيها وسبق الماء في فرجها فأنزلت لزمها الغسل.
وأما لو سبق إليها والتذت من غير إنزال فلا غسل عليها خلافا لمفهوم ما للمصنف من قوله أو التذت؛ لأن معناه أو التذت بدون إنزال لزمها الغسل، مع أن التذاذها بلا إنزال لا يوجب الغسيل.
لا بمني وصل للفرج ولو التذت.
الخرشي يعني أنه لا يجب الغسل ولا الوضوء بمني وصل لفرج المرأة ولو التذت إلا أن تنزل فيجب عليها
الجزء: 1 - الصفحة: 103
حينئذ الغسل.
وإنما لم يوجب الوضوء لأنه ليس بحدث ولا سبب ولا غيرهما مما ينقضه اهـ.
ثم انتقل المصنف إلى موجب آخر فقال رحمه الله تعالى: " و " من موجبات الغسل " انقطاع دم الحيض " والحيض شرعا هو الدم الخارج بنفسه من فرج المرأة الممكن حملها عادة غير زائد على خمسة عشر يوما، من غير مرض ولا ولادة.
وقوله انقطاع دم الحيض، وانقطاعه يكون بالقصة البيضاء، أو الجفوف كما سيأتي
عن المصنف في فصل الحيض والنفاس , فإذا انقطع دم الحيض وجب عليها الغسل بلا تأخير.
قال المصنف رحمه الله: " و " من موجبات الغسل أيضا انقطاع دم " النفاس " والنفاس شرعا: هو الدم الخارج من القبل بسبب الولادة غير زائد على ستين يوما، فإذا على ستين يوما فليس بنفاس، فلا تستظهر، بل تغتسل وتصلي كما يأتي عن المصنف في محله.
قال الدردير متنا وشرحا: وبحيض ونفاس ولو بلا دم، ولا باستحاضة، وندب لانقطاعه.
يعني الموجب الثالث والرابع الحيض ولو دفعة، والنفاس ولو خرج الولد بلا دم أصلا، ولا يجب بخروج دم الاستحاضة لكن يندب لها الغسل إذا انقطع لأجل النظافة وتطييب النفس، كما يندب غسل المعفوات إذا تفاحشت لذلك، والاستحاضة من جملتها.
قال المصنف رحمه الله تعالى " و " من موجبات الغسل على المشهور كما استحسنه ابن عبد السلام وخليل من روايتين عن مالك وهو الأقوى " خروج الولد وإن لم تر دما " خلافا للخمي القائل: فلو خرج الولد جافا لم يجب الغسل.
والمعتمد ما مشى عليه المصنف كما في أقرب المسالك.
وفي الخرشي: ووجوب الغسل في حال خروج الولد بلا دم أصلا بناء على إعطاء الصورة النادرة حكم غالبها؛ لأن الغالب خروج
الجزء: 1 - الصفحة: 104
الولد بدم، أي معه أو قبله أو بعده لأجله، وهو المعبر عنه بالنفاس كما تقدم اهـ بزيادة إيضاح.
قال المصنف رحمه الله: " و " من موجبات الغسل على المشهور في المذهب " إسلام الكافر، ويجزيه عند اعتقاده قبل تلفظه به " يعني قد أخبر أن من موجبات الغسل إسلام الكافر، فإذا أسلم وجب عليه الغسل لأنه جنب.
قال خليل: ويجب غسل كافر بعد الشهادة بما ذكر، أي بمني، أو مغيب حشفة بالغ، وبحيض ونفاس.
وقول المصنف: ويجزئه أي الغسل عند اعتقاده قبل التلفظ به.
والضمير في به عائد إلى الإسلام، وهو هنا بمعنى القصد والتصديق بالقلب.
قال خليل: وصح أي غسله قبلها، أي الشهادة وقد أجمع على الإسلام، لا الإسلام، أي لا يصح الإسلام من الكافر الأصلي قبل نطقه بالشهادتين إلا لعجز يمنعه من النطق بها بنحو خرس.
قال الخرشي: يعني أن الشخص الكافر ذكرا كان أو أنثى إذا أسلم وتلفظ بالشهادتين وجب عليه الغسل إذا تقدم له سبب يقتضي وجوب الغسل من جماع أو إنزال أو حيض أو نفاس للمرأة، فإن لم يتقدم له شيء منها.
أي من ذلك بأن بلغ الكافر بالسن مثلا وأسلم، فلا يجب عليه الغسل على المشهور، بل يندب عند ابن القاسم.
وقيل يجب غسله مطلقا تعبدا، وشهره
الفاكهاني اهـ كذا في الحطاب.
وقد ثبت بهذا أن موجبات الغسل ستة: الأول: خروج المني بلذة معتادة.
والثاني: مغيب الحشفة في الفرج.
والثالث: انقطاع دم الحيض.
والرابع: انقطاع دم النفاس.
والخامس: خروج الولد ولو جافا على المشهور.
والسادس: إسلام الكافر على الخلاف، وإليه ذهب المصنف وصاحب المختصر وغيرهما من أئمة المذهب.
وأطلق الدردير.
وقيل إن غسل الكافر للجنابة لا للإسلام، وإليه بعض المحققين، ومنهم أبو محمد.
قال في الرسالة في باب جمل: والغسل على من أسلم فريضة لأنه جنب.
قلت: وإذا تحقق أنه جنب فيرجع إلى
الجزء: 1 - الصفحة: 105
معنى خروج المني أو مغيب الحشفة كما تقدم فتكون الموجبات للغسل خمسة.
ومما يؤيد هذا ما ذكره الحطاب من قول خليل وابن بشير: أنه قال: ثم اختلف القائلون بالوجوب هل ذلك للإسلام أو لأن الكافر جنب؟ اهـ. قال الحطاب: قلت: بل القول بالوجوب للإسلام جعله الفاكهاني هو المشهور في المذهب.
ونصه: الاغتسالات الواجبة خمسة: وهي الجنابة، والحيض، والنفاس، والتقاء الختانين، وإسلام الكافر على المشهور في هذا الأخير.
انتهى هكذا قال في أول باب ما يجب منا الوضوء والغسل اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " ينوي رفع الجنابة " يعني ينوي الكافر عند إرادة غسله رفع الجنابة؛ لأنه جنب، هذا إذا تقدم له موجب مما تقدم من موجبات الغسل وهذا أيضا يدل على أن الغسل للجنابة لا للإسلام كما تقدم للمصنف، وحينئذ يرجع القول بأنه للجنابة، والكافر جنب كما هو ظاهر النصوص، ولذا أطلق الشيخ أحمد الدردير في شرح مختصر خليل بقوله: سواء نوى بغسله الجنابة أو الطهارة أو الإسلام؛ لأن نيته الطهر من كل ما كان فيه حال كفره وهو يستلزم رفع الحدث اهـ. انظر الدسوقي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن عدم الماء تيمم " يعني أن الكافر إذا أراد الدخول في الإسلام ولم يجد الماء للغسل فإنه يتيمم لعموم قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾} إلى ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا﴾ [المائدة: 6].
فهذا عام للجنب وغيره.
ومن أراد من الكفار الدخول في الإسلام ولم يجد الماء فإنه يتيمم.
قال ابن القاسم في المدونة: والنصراني عندي جنب، فإذا أسلم اغتسل، أو تيمم، فإن تيمم ثم أدرك الماء فعليه الغسل اهـ. وقال أيضا: وإذا تيمم النصراني للإسلام نوى بتيممه ذلك تيمم الجنابة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يبدأ بغسل يديه والأذى عن بدنه " هذا شروع
الجزء: 1 - الصفحة: 106
من المصنف في صفة الغسل.
واعلم أن الغسل من الجنابة وغيرها مشتمل
على فرائض وسنن وفضائل.
فأما فرائضه فخمس: الأولى نية رفع الحدث الأكبر، والثانية تعميم ظاهر الجسد بالماء، والثالثة الدلك، والرابعة تخليل الشعر، والخامسة الموالاة.
وقد ابتدأ المصنف بغسل اليدين وهو من سنن الغسل، ثم ثنى بغسل الأذى عن البدن أي إزالة النجاسة التي على البدن كالمني، وهو أي غسلها من المندوبات.
وفي العزية: وأما سننه فأربع: البدء بغسل اليدين قبل إدخالها في الإناء، ومسح صماخ الأذنين، والمضمضة، والاستنشاق.
وأما فضائله فسبع.
التسمية، والبدء بغسل ما على بدنه من الأذى، ثم الوضوء كاملا مرة مرة وينوي به رفع الجنابة عن تلك الأعضاء، ثم إفاضة الماء على رأسه ثلاثا، ثم إفاضة الماء على شقه الأيمن قبل الأيسر، ثم البدء بالأعالي قبل الأسافل، وقليل الماء مع إحكام الغسل - بكسر الهمزة - أي إتقانه اهـ. وإلى ما تقدم أشار المصنف بقوله رحمه الله: " ومسنونة المضمضة والاستنشاق " أي يريد مع الاستنثار، وتقدم أن البدء بغسل يديه أولا هي السنة الرابعة من سنن الغسل.
وأما قول المصنف رحمه الله: " والوضوء ينوي به سنة الغسل " المشهور في المذهب أن الوضوء عند الشروع في الغسل مستحب، بخلاف ما ذهب إليه المصنف.
قال خليل: وندب بدء بإزالة الأذى ثم أعضاء وضوئه كاملة مرة.
فرائض الغسل
ثم شرع المصنف يذكر فرائض الغسل فقال: " ويخلل أصول شعر رأسه حتى يرويها " يعني يصب عليه الماء ويضغثه، يفعل ذلك ثلاث مرات حتى يعم رأسه وفي أقرب المسالك: وتخليل أصول شعر رأسه، وتثليثه يعمه بكل غرفة.
ثم قال المصنف رحمه الله: " ويعم سائر جسده، فإن بقيت لمعة لم يجزه " يعني أنه يجب على
الجزء: 1 - الصفحة: 107
المكلف أن يعم جميع جسده بالماء، وإن بقي منه شيء أي من جسده بأن ترك بعضه ولم يصل إليه الماء، أو ترك لمعة في أي عضو من أعضائه وجب المبادرة إلى غسله، وإن صلى قبل ذلك أعادها.
قال الصفتي: فلو ترك لمعة عامدا وجف طهره بطل غسله وعليه إعادته، وإن كان ناسيا غسلها وحدها سواء جف طهره أو لا، وأعاد الصلاة إن كان صلى اهـ. وتقدم لنا أن تعميم ظاهر الجسد بالماء من فرائض الغسل كما هو معلوم.
قال المصنف رحمه الله: " ولا يلزم المرأة نقض ضفائرها، بل تعركه حتى ترويه " وفي نسخة بل تحركه بدل تعركه، والمعنى أنها حل عقاصها بل تضغثه وتحركه ليدخل الماء على البشرة.
قال خليل: وضغث مضفورة لا نقضه.
وفي أقرب المسالك: لا نقض مضفورة إلا إذا اشتد، أو بخيوط كثيرة، أي لا يجب على المغتسل نقض مضفور شعره ما لم يشتد الضفر حتى يمنع وصول الماء إلى البشرة، أو يضفر بخيوط كثيرة تمنع وصول الماء إلى البشرة، أو إلى باطن الشعر اهـ. وقال الخرشي: يعني أنه يجب غسل ظاهر الجسد بسبب خروج مني مع تخليل شعر وضغثه حيث كان مضفورا، أو ضمه وجمعه وتحريكه.
ولا يكلف مريد الغسل رجلا أو امرأة بنقض الشعر المضفور حيث كان مرخوا يدخل الماء وسطه وإلا فلا بد من حله اهـ وفي الحديث عن أم سلمة " قالت يارسول الله إني امرأة أشد ضفر رأسي أفأنقضه لغسل الجنابة؛ فقال لها صلى الله عليه وسلم " يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضي عليه الماء فتطهري " رواه مسلم.
لما بلغ عائشة أن ابن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن شعرهن قالت: أفلا تأمرهن أن يحلقن رؤوسهن! لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد، وما أزيد أن أغرف على رأسي ثلاث غرفات اهـ. وقال الصفتي: وعدم النقض مقيد بما إذا لم يقو الشد، ولم يكن موصولا بخيوط
الجزء: 1 - الصفحة: 108
كثيرة، كما تقدم تفصيل ذلك فراجعه إن شئت.
ثم قال: ولا يجب تحريك الخاتم إذا كان مأذونا فيه، ولو فرض أن الماء لم ينزل تحته لكن إن نزعه بعد يجب غسل موضعه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجزئ عن الحدث الأصغر وإن لم ينوه " قال الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: ويجزئ عن الوضوء، وإن تبين عدم جنابته، ما لم يحصل ناقض بعده وقبل تمام الغسل، وإلا أعاده مرة بنيته، أي إن الغسل يجزئ عن الوضوء ولو لم يستحضر نية رفع الحدث الأصغر؛ لأنه يلزم من رفع الأكبر رفع الأصغر، لا عكسه، ولذا قال: والوضوء عن محله ولو ناسيا لجنابته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجزئها للحيض والجنابة غسل واحد إذا نوتهما " قال خليل: وإن نوت الحيض والجنابة، أو أحدهما ناسية للآخر أو نوى الجنابة والجمعة، أو نيابة عن الجمعة حصلا.
وإن نسي الجنابة، أو قصد نيابة عنها انتفيا.
إنما قد أخبر المصنف رحمه الله تعالى بما هو معلوم شرعا ضروريا من أن الغسل الواجب يجزئ عن غيره مما هو دونه، كما يأتي عن المصنف كغسل الجنابة عن غسل الجمعة أو الإحرام إذا نواهما، أو نوى الجنابة ناسيا عن غيرها مما هو دونها من الحدث الأصغر؛ لأن الحدث الأكبر مشتمل عن الأصغر، ومجزئ عنه وإن لم ينوه اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وصفة الواجب وغيره سواء " يعني أن الغسل
الواجب كغسل الجنابة صفته كصفة غيره من الأغسال.
وقد تقدم لنا أول هذا الفصل أنواع الغسل وهو ينقسم إلى أربعة أقسام: واجب كغسل الحائض والنفساء، وسنة كغسل الجمعة والإحرام، ومندوب كغسل دخول مكة والاستحاضة، وجائز كغسل التبرد والنظافة، وجميع تلك الأغسال المذكورة وغيرها يندب أن تكون على هيئة واحدة، كهيئة
الجزء: 1 - الصفحة: 109
غسل الجنابة من تقديم غسل بعض الأعضاء قبل بعضها.
قال الدردير في شرح أقرب المسالك: وحاصل كيفية الغسل المندوبة أن يبدأ بغسل يديه إلى كوعيه ثلاثا كالوضوء بنية السنية، ثم يغسل ما بجسمه من أذى، وينوي فرض الغسل أو رفع الحدث الأكبر، فيبدأ بغسل فرجه وأنثييه ورفغيه ودبره وما بين أليتيه مرة فقط، ثم يتمضمض ويستنشق ويستنثر، ثم يغسل وجهه إلى تمام الوضوء مرة مرة، ثم يخلل أصول شعر رأسه لتنسد المسام خوفا من أذية الماء إذا صب على الرأس، ثم يغسل رأسه ثلاثا يعمم رأسه في كل مرة، ثم يغسل رقبته، ثم منكبيه إلى المرفق، ثم يفيض الماء على شقه الأيمن إلى الكعب ثم الأيسر كذلك، ثم إذا غسل شقه الأيمن يغسله باطنا وظاهرا، وكذلك إذا غسل شقه الأيسر، فإن شك في محل ولم يكن مستنكحا وجب غسله وإلا فلا.
انتهى مع الاختصار.
وهذه هي الطريقة التي اختارها الدردير والزرقاني والزروق وغيرهم من المحققين.
وينبغي للمغتسل أن يتابع كل ما غار من جسده كعمق سرته، ورفغيه، والأليتين، وتحت إبطيه، وأسارير جبهته وعنقه وحلقه، وتحت قدميه، وطيات البطن والدبر، وطي المرفقين، وكعقبيه وعرقوبيه وشقوقه، وكل ذلك مما يجب أن يتعهدها المغتسل لأن تحت كل شعرة جنابة كما في الحديث.
قال المصنف رحمه الله: " ويجزئ الواجب عن غيره، بخلاف عكسه " يعني أن الغسل الواجب كغسل الجنابة يجزئ عن غير الواجب، كما إذا اغتسل للجنابة والجمعة غسلا واحدا ونواهما حصلا، لا إن نسي الجمعة فلا يجزئ الو تجب عنها كما أنه لا يجزئ غير الواجب عن الواجب، كما قررناه سابقا عند قول المصنف: ويجزئها للحيض والجنابة غسل واحد إذا نوتهما.
وكذا قول خليل: وإن نوت الحيض والجنابة إلى قوله: وإن نسي الجنابة أو قصد نيابة عنها انتفيا، فراجعه إن شئت، ولا حاجة إلى تكرار.
ثم ذكر المصنف بعض المندوبات وهو تقليل الماء مع إحكام الغسل بلا حد عند
الجزء: 1 - الصفحة: 110
صب الماء وبلا إسراف فقال رحمه الله: " ولا حد لقدر الماء، بل بحسب حاله " يعني أنه يستحب التقليل في صب الماء عند الاستعمال بلا تحديد، بل بحسب حال المغتسل من نعومة جسده وخشونته، أما إحكام الغسل، أي إتقانه، فواجب،
ويكفي في ذلك غلبة الظن كما في حاشية الخرشي، وكل هذا موافق لما قدمناه.
ثم ذكر المصنف بعض ما يجوز للجنب قبل أن يغتسل فقال رحمه الله تعالى: " وللجنب الأكل، وتكرار الجماع، والنوم قبل غسله " يعني وبعد غسل يديه.
قال مالك في المدونة: ولا بأس أن يأكل قبل أن يتوضاء، فكان الإمام يأمر الجنب بغسل يديه إذا كان قد أصابهما الأذى وأراد أن يأكل وإن لم يتوضأ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لكن يستحب الوضوء للنوم " يعني أنه يستحب للجنب أن يتوضأ إذا أراد النوم ليلا أة نهارا لينام على طهارة وليحصل له نشاط.
قال خليل في سياق كلامه على مندوبات الغسل: كغسل فرج جنب لعوده لجماع، ووضوئه لنوم، لا تيمم، ولا يبطل إلا بجماع.
قال الخرشي: يغني أن الشخص إذا أراد أن يعود إلى وطء زوجته أو أمته فإنه يستحب له أن يغسل فرجه، وهو المراد بالوضوء في قوله عليه الصلاة والسلام: " إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد الجماع فليتوضأ ". وفي رواية - كما في المدونة - عن عائشة أنها قالت: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ للنوم وضوءه للصلاة قبل أن ينام ". وفي المدونة أيضا: لا ينام الجنب في ليل أو نهار حتى يتوضأ جميع وضوئه، وليس ذلك على الحائض.
وقول خليل: ووضوئه لنوم لا تيمم، أي لا يتيمم الجنب لعوده أو نومه عند عدم الماء.
هذا على المشهور، خلافا لما نقله ابن فرحون.
انظره في الحطاب.
وكذا يستحب الوضوء للنوم لغير الجنب، لعموم قوله عليه الصلاة والسلام: " من نام على طهارة سجدت روحه
الجزء: 1 - الصفحة: 111
تحت العرش ". وقال الخرشي: وفي الغسل فوائد: تقوية الأعضاء، وإتمام اللذة، وإزالة النجاسة اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " وله تلاوة الآيات " أي اليسيرة للتعوذ والرقى، أو الاستدلال، كأن يقرأ آية أو آيتين كآية الكرسي والمعوذتين، أو كالآيتين اللتين في آخر سورة البقرة وهي ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ إلخ.
وكل ذلك يجوز للجنب قراءتها لما ذكر وفي العزية: وتمنع الجنابة موانع الحدث الأصغر مع زيادة تحريم قراءة القرآن، إلا الآية، ونحوها على وجه التعوذ والرقى والاستدلال، ودخول المسجد والمكث فيه اهـ. وفي الأخضري: لا يحل للجنب دخول المسجد ولا قراءة القرآن إلا الآية ونحوها للتعوذ ونحوه.
وقوله ولا قراءة القرآن إلخ قال شارحه عبد السميع الآبي: الجنب ممنوع من قراءة القرآن، لأن القارئ يخاطب الرب سبحانه وتعالى، والجنب ليس أهلا لذلك.
ومصدر ذلك الأحاديث الصحيحة، فقد ورد " أن القارئ يناجي ربه " وقد استثنى العلماء قراءة الشيء اليسير لأجل التعوذ، أو لأجل الاستدلال، كما لو سئل عن حكم من الأحكام فاستدل عليه بآية من القرآن، أو
تعوذ من عين إنس، أو مس جن، أو قرأ شيئا من القرآن عند النزول بمنزل ليتحرز به مما يخاف، وكل ذلك جائز له اهـ. مع زيادة البيان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب الوضوء للنوم " يعني أنه إذا كان ذكر فيما سبق أن وضوء الجنب للنوم مستحب ذكر هنا أيضا أن غير الجنب ينبغي له أن يتوضأ لينام على طهارة، وتقدم لنا عن قريب قوله عليه الصلاة والسلام: " من نام على طهارة سجدت روحه تحت العرش " وقد تبين لك أن ما ذكره المصنف من قوله يستحب للنوم في موضعين ليس بتكرار؛ لأن الأول عني به للجنب، والثاني لغير الجنب وكلاهما مطالب بالوضوء على سبيل الندب.
الجزء: 1 - الصفحة: 112
ثم تكلم في بيان ما منعه الحدث الأكبر على سبيل الإجمال فقال رحمه الله: " ويمنع الحدث الأكبر ما يمنعه الأصغر ودخول المسجد، وتلاوة القرآن، إلا أن تخاف الحائض النسيان " يعني قد أخبر أن الحدث الأكبر يمنع ما منعه الحدث الأصغر، وزيادة منع الدخول في المسجد وكذا منع الحدث الأكبر قراءة القرآن إلا الآية ونحوها للتعوذ ونحوه، وإلا الحائض التي تخاف النسيان فيجوز لها أن تقرأ القرآن تلاوة.
قال خليل: لا قراءة، أي فجائزة.
قال بهرام: والمشهور أنها تقرأ القرآن في غير المصحف.
وفي الحطاب: قال ابن عرفة: عياض وقراءتها في المصحف دون مسها إياه كقراءة حفظها.
قال اللخمي: ولا تمنع الحائض السعي، ولا الوقوف بعرفة، ولا تمنع ذكر الله كالتسبيح والاستغفار وإن كثر، وهذا ظاهر اهـ.
وأما قول المصنف: ودخول المسجد.
قال الحطاب: عده ابن رشد في المتفق عليه، ولم يفصل بين المكث والمرور.
وظاهره أن الجميع متفق على منعه.
وأما الحائض والجنب فقد اختلف العلماء في دخولهما المسجد، وقد منعه مالك رحمه الله، وأجازه زيد بن أسلم للجنب العابر اهـ. انظره في الحطاب.
وما ذكره المصنف هنا شبيها بما قاله سابقا في فصل نواقض الوضوء من قوله رحمه الله: " والحدث يمنع فعل كل ما يشترط له الطهارة " فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن رأى في ثوبه منيا ولم يذكر احتلاما اغتسل وأعاد ما صلى فيه ما بين نومه ورؤيته " وفي نسخة ما بين نومه ورؤيته فيه، ولفظ فيه زائد ليس من كالم المصنف.
والمعنى أن من رأى في ثوبه منيا رطبا كان أو يابسا ولم يتذكر وقت خروجه وجب عليه الغسل، ووجب عليه إعادة الصلاة التي صلاها قبل رؤيته، وفي الأخضري: ومن رأى في منامه كأنه يجامع ولم يخرج منه شيء فلا شيء عليه.
الجزء: 1 - الصفحة: 113
ومن وجد في ثوبه منيا يابسا لا يدري متى أصابه اغتسل وأعاد ما صلى من آخر نومة نامها فيه.
قال الشارح: قوله ولم يخرج منه شيء إلخ
لأن الغسل في غير الجماع منوط بخروج المني، وأما الجماع فليس الغسل فيه منوطا بالإنزال على مغيب الحشفة كما تقدم وإن لم ينزل.
وقوله ومن وجد في ثوبه منيا إلخ، فالواجب الذي تبرأ به الذمة أن يعيد جميع ما صلى بعد آخر نومة نامها قبل أن يغتسل اهـ.
تنبيهات
:
الأول قال ابن الحاجب: من انتبه من النوم فوجد بللا لا يدري أمني أم مذي، قال بعضهم المشهور وجوب الغسل، كمن أيقن بالوضوء وشك في الحدث.
الثاني من انتبه من نومه فوجد في لحافه بللا فإن كان منيا اغتسل إن كان مذيا غسل فرجه.
قال ابن نافع: فإن شك فيه فليغتسل.
قال ابن يونس: يريد احتياطا.
قال الإمام رحمه الله تعالى: وكذا من لاعب امرأته في اليقظة أو رأى في منامه أنه يجامع فإن أمنى اغتسل، وإن أمذى غسل فرجه، والمرأة في ذلك كالرجل فيما يراه في المنام أو اليقظة.
قال الباجي: وسواء ذكر أنه يجامع في نومه أو التذ، أو لم يذكر شيئا إلا أنه رأى المني في ثوبه فإنه يغتسل؛ لأن الغالب خروجه على وجه اللذة.
وأما إن استيقظ فذكر احتلاما ولم يجد بللا فلا حكم له.
الثالث وفي حاشية الصفتي: وقولنا بلذة معتادة احتراز عن خروجه - أي المني - بلا لذة، كأن خرج بلغ عقرب في يقظة فلا يحب عليه الغسل.
أما إن رأى في النوم أن عقربا لدغته وأن منيه خرج بذلك فاستيقظ فوجد المني خرج بالفعل والعقرب لم تلدغه فإنه يجب عليه الغسل على المعتمد.
قال بخلاف من رأى أنها لدغته وأنه أمنى فانتبه فوجد المنى والعقرب لدغته بالفعل فلا غسل عليه كما في حاشية الخرشي.
والرابع من خرج منه بقية المني بعد غسله فإنه يتوضأ فقط، ولا يعيد الغسل ولا الصلاة، قاله في النوادر.
ونقله ابن عرفة.
تتمة
: ولم يتعرض المصنف لذكر مكروهات الغسل، وهي ستة: الأول: التنكيس
الجزء: 1 - الصفحة: 114
على ما تقدم، والثاني: الإكثار من صب الماء، والثالث: تكرار المغسول بعد إسباغه بالماء ولو جف إلا الرأس فإنه يندب فيه التثليث كما تقدم، والرابع: الاغتسال في موضع النجس، والخامس: الكلام بعد الشروع فيه إلا من ذكر الله تعالى، والسادس: أن يغتسل وهو كاشف العورة أو حيث يراه الناس من غير قصد لذلك، فإن اغتسل عريانا فليضم، فإن الله سبحانه وتعالى أحق أن يستحيا منه.
وفي الخبر: " إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند قضاء الحاجة والجماع " وفي الذخيرة: أوحى الله تعالى إلى سيدنا إبراهيم الخليل: إن استطعت أن لا تنظر إلى عورتك الأرض فافعل، فاتخذ السراويل، فهو أول من لبسها، على نبينا وعليه وعلى جميع الأنبياء أفضل الصلاة والسلام.
ولما أنهى الكلام عن الغسل وأقسامه
وما يتعلق بجميع ذلك انتقل يتكلم على بيان المسح على الجبيرة فقال رحمه الله:
فَصْلٌ
في المسح على الجبيرة
هذا الفصل عقده المصنف هنا، والمناسب تأخره عن التيمم كما تأخر عن فصل الغسل لأنه فرع منها.
قال الصاوي: لما كان المسح عليها - أي على الجبيرة - رخصة في الطهارة المائية والترابية ناسب تأخير هذا الفصل عنهما، وليكون إحالة على معلوم في قوله - أي قول الشيخ خليل - كالتيمم.
وحكم المسح أي على الجبيرة الوجوب إن خاف هلاكا أو شدة أذى كما سيأتي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " جريح أكثر جسده أو أعضاء وضوئه فرضه التيمم " يعني إذا كان الجرح على أكثر الجسد، أو في أعضاء الوضوء وكثر منه ذلك فإنه ينتقل إلى التيمم.
وفي العزية: إذا كان في أعضاء الوضوء أو غيرها جرح، وخاف
الجزء: 1 - الصفحة: 115
من غسله بالماء فوات نفسه، أو فوات منفعة، أو زيادة مرض، أو تأخير برء، أو حدوث مرض، فإنه يمسح عليه، فإن لم يستطع المسح عليه مسح على الجبيرة، وهي الدواء الذي يجعل عليه، فإن لم يستطع المسح عليها مسح على العصابة ولو على الزائد غير المقابل للجرح، كفصد وعمامة خيف بنزعها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا يجزيه غسل الصحيح والمسح " وما مشى عليه المصنف من عدم إجزاء غسل الصحيح غير الراجح، والراجح أنه يجزيه غسل الصحيح إذا لم يتضرر بغسله ويمسح على الجريح.
وفي العزية: ويشترط في المسح المذكور أن يكون جل جسده صحيحا، أو جريحا ولا يتضرر إذا غسل الصحيح، فإن كان يتضرر بغسل الصحيح، أو كان الصحيح قليلا جدا، كأن لم يبق إلا يد أو رجل فإنه لا يغسل الصحيح ولا يمسح على الجريح، بل ينتقل إلى التيمم.
وإذا تعذر مسح الجريح بحيث لا يمكن وضع شيء عليه ولا ملاقاته بالماء، فإن كان في موضع التيمم كالوجه ولا يمكن مسحه أيضا بالتراب تركه بلا مسح ولا غسل وغسل ما سواه، وإن لم يكن في أعضاء التيمم كما إذا كان الجرح على الجسد فإنه يغسل الصحيح.
ويمسح على الجرح على أحد الأقوال الأربعة اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " بخلاف الجرح اليسير فإنه يمسح على الجبائر والعصائب المضطر إليهما " يعني أن الجرح إذا كان يسيرا فإنه يمسح عليه أو على الجبيرة أو العصابة إذا اضطر إليها بالشرط المتقدم من خوف زيادة مرض أو تأخر برء، أو حدوث مرض فيمسح عليه وجوبا إن خاف هلاكا، وندبا إن خاف شدة
الألم، سواء شدها على الطهارة أم لا، وإليه أشار المصنف بقوله: " وإن شدهما محدثا " لأنه لا يشترط لبسهما على الطهارة، وضمير التثنية في شدهما وفي إليهما عائد على الجبائر والعصائب فتأمل اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 116
قال المصنف رحمه الله: " أو تجاوزت المجروح " وفي العزية فإن لم يستطع المسح عليها - أي على الجبيرة - مسح على العصابة ولو على الزائد غير المقابل للجرح.
والعصابة هي الخرقة أو اللزقة التي تشد على الجرح، ولا يشترط لبسها على طهارة كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله: " فإن نزعها للتداوي بادر إلى مسحهما بعد شدهما، ولغنائه غسل موضعهما " يعني إذا نزع الجبيرة أو العصابة لأجل الدواء أو غيره بادر إلى مسحهما مرة ثانية بعد ربطهما، فإن تأخر بطل المسح.
وإن استغنى عنهما بأن الجرح بادر إلى غسل موضعهما بدون تأخير.
وفي العزية: وإذا مسح على الجبيرة ثم نزعها لدواء أو غيره بأن نزعها اختيارا، أو سقطت بنفسها بطل المسح عليها، وإذا ردها فلا بد من المسح ثانيا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإن سقطت في الصلاة قطع وفعل ما لزمه وابتدأ " يعني أن الجبيرة لو سقطت وهو في الصلاة فإنه يقطع الصلاة لبطلانها ووجب عليه إعادة الجبيرة في محلها وإعادة المسح عليها إن لم يطل ثم ابتدأ صلاته فإن طال نسيانا بنى بنية وإلا ابتدأ طهارته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي حكم الجبيرة عصابة الفصاد يخاف انفجاره، وقرطاس الصدغ، وكسوة الظفر، ودواء أو غشاوة " يعني أن حكم العصابة وما عطف عليها كحكم الجبيرة سواء بشرط خوف زيادة مرض أو تأخر برء كما تقدم.
قال خليل: كفصد ومرارة وقرطاس صدغ، وعمامة خيف بنزعها.
قال الخرشي: والمراد محل الفصد مصدر وهو لا يمسح.
وقوله ومرارة إلخ معطوف على جبيرة، أي ويمسح على المرارة التي تجعل على الظفر، وظاهره ولو من غير مباح لأنه محل ضرورة، وكذلك يمسح على القرطاس يلصق على الصدغ لصاع، وكذلك يمسح على عمامته إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 117
خاف بنزعها ضررا، ويدخل في عصابته الأرمد يمسح على عينيه، فإن لم يقدر فعلى القطنة، أو على العصابة، ولا يتيمم، فلو أمكنه بعض رأسه فعل.
ولا يستحب المسح على العمامة.
ونقل بعض الاستحباب، وقول المصنف ودواء إلخ أي كذلك يمسح على الدواء الذي يجعل على الجرح لعلاجه وهو المراد بالجبيرة.
وأما الغشاوة وهي أيضا ما يجعل على العينين لعلاجهما لأنها تغشاهما وتسترهما اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وما تعذر ملاقاته بغسل أو مسح أو تيمم سقط فرضه " هذا دليل على أن دين الله يسر سمح، قال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وإلى جميع ما تقدم أشار بعضهم بقوله:
إن خفت غسل الجرح كالتيمم ... فامسحه أو ما يتقى للألم
مثل الجبيرات أو القرطاس ... أو العصابات وشد الرأس
وإن بغسل أو بلا طهر كإن ... انتشرت أو صح معظم البدن
أو قل ما صح وغسل السالم ... لم يؤذ للجرح ولم يؤالم
فإن يكن جرح بأعضاء البدل ... يتركه وللوضوء ينتقل
أو كان ذا الجرح بأعضاء الوضو ... فجمع ماء مع صعيد قد رضوا
وقول الناظم رحمه الله تعالى فإن يكن جرح إلخ، يعني فإن كان الجرح بأعضاء التيمم ولا يستطيع أن يمسح عليه لشدة الألم فإنه يتركه بلا غسل ولا مسح، بل ينتقل إلى الوضوء، بأن يغسل ما يمكن غسله ويمسح مابقي من أعضاء الوضوء، وإن كان بأعضاء الوضوء غسل الصحيح وتيمم على الجريح.
تنبيه: المراد بمعظم البدن في قول الناظم ما يشمل أكثر الجسم أو نصفه في الغسل، وكذا يقال في أعضاء الوضوء، كما في مصباح السالك اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 118
ولما أنهى الكلام على الجبيرة وجميع ما يتعلق بذلك انتقل المصنف إلى بيان المسح على الخفين فقال:
فَصْلٌ
في المسح على الخفين
يعني أنه رحمه الله قد عقد هذا الفصل في بيان حكم المسح على الخفين عقب حكم المسح على الجبيرة للمناسبة.
والمسح على الخفين رخصة في الحضر والسفر.
يجوز المسح في أي حال كان سفرا أو حضرا، ليلا أو نهارا، ولا يقيد بزمن إذا حصل مانع للمسح كالجنابة كما سيأتي بيان ذلك.
وبدأ المصنف بحكم المسح فقال رحمه الله تعالى: " مسح الخف جائز سفرا أو حضرا " قد أخبر المصنف أن حكم المسح على الخفين الجواز، أي الرخصة، بدلا عن غسل الرجلين في الوضوء إذا اجتمعت الشروط، وهي أحد عشر أشار المصنف إلى الشرط الأول بقوله: " بشر ط إمكان متابعة المشي به " يعني أن الخف الواسع الذي لا يمكن أن يتابع المشي فيه لا يصح المسح عليه.
وأشار إلى الشرط الثاني بقوله: " وستر محل الفرض " يعني أن الشرط الثاني من شروط المسح على الخف أن يكون ساترا لمحل الفرض، فالقصير
الناقص عن الكعبين لا يمسح عليه؛ لأنه دون محل الفرض، وكذا لا يمسح عليه إن كان فيه خرق كبير قدر ثلث القدم، أما يسير فلا يمنع المسح عليه كما سيأتي عن المصنف.
ثم أشار إلى الشرط الثالث من شروط المسح بقوله: " ولبسه بعد كمال الطهارة بالماء " يعني أن الشرط الثالث والرابع والخامس من شروط صحة المسح على الخف أن يلبسه على طهارة كاملة، فلا يمسح عليه إذا لبسه وهو محدث، وكذا لا يمسح عليه إذا لبسه بطهارة غير كاملة، فلو غسل
الجزء: 1 - الصفحة: 119
إحدى رجليه وأدخلها في الخف قبل غسل الأخرى لا يمسح عليه.
وقوله بالماء، فلو تيمم ثم لبسه لم يمسح عليه.
ثم قال رحمه الله تعالى: " من غير تقييد على المشهور " وما ذكره المصنف من عدم تقييد المسح بمدة هو المشهور في المذهب، وبه الفتوى.
قال في الرسالة: وله أن يمسح على الخفين في الحضر والسفر ما لم ينزعهما، وذلك إذا أدخل فيهما رجليه بعد أن غسلهما في وضوء تحل به الصلاة، فهذا الذي إذا أحدث وتوضأ مسح عليهما وإلا فلا اهـ، وما ذكر في كتاب السر من التقييد بثلاثة أيام للمسافر وليلة للمقيم غير معول عليه، وإن اختاره ابن عبد السلام.
وأصل هذا الأثر ما في صحيح مسلم والنسائي عن علي بن أبي طالب بن ثابت أخذ به الجمهور.
وقال المالكية: لأنها للمسح عليهما، فلا يجب نزعهما إلا بالجنابة، ولكن يندب نزعهما في كل يوم كما هو مروي عن ابن نافع، قال: للمقيم لمثلها.
فأطلقه الأكثر، وحمله ابن يونس على الندب لغسل الجمعة كما للمصنف.
وفي العزية: تنبيه إذا اجتمعت هذه الشروط جاز المسح، ولا يتوقت بوقت ولا يلزمه نزعه إلا أن تحصل له جنابة، أو يحصل فيه خرق كبير، أو ينزع قدمه أو أكثرها إلى ساق خفه اهـ. هذا ظاهر.
على أن المشهور عند المالكية عدم التقييد بمدة معينة والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لكن يستحب كل جمعة نزعه للغسل " هذا هو المعروف في المذهب.
ثم ذكر المصنف بيان ما تقدم من اشتراط كمال الطهارة في صحة المسح بقوله: " وإخال إحدى الرجلين قبل غسل الأخرى يمنعه حتى ينزعهما ويلبسهما بعد غسل الأخرى " وقد تقدم الكلام في اشتراط كمال الطهارة عند قول المصنف: ولبسه بعد كمال الطهارة بالماء، فراجعه إن شئت.
وقال رحمه الله: " والخرق اليسير لا يمنعه بخلاف الكثير، وهو ما يظهر منه أكثر القدم " وفي نسخة وهي بالتأنيث والصواب ما ذكرناه.
يعني أن الخرق اليسير لا يمنع المسح على الخف،
الجزء: 1 - الصفحة: 120
بخلاف الخرق الكثير فلا يصح المسح معه كما تقدم لنا ذلك عند قول المصنف وستر محل الفرض فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز على غير الخف " يعني أن المسح المذكور
الذي هو رخصة لا يجوز على شيء غير الخف كالخرق الملفوفة والملزوق بعضه على بعض، والمربوط ولو بالزرار، أو الملصق برسراس أو صمغ أو عجين حتى صار كهيئة الخف، فإنه لا يمسح عليه، وأما الجورب وهو ما كان على شكل الخف من الكتان أو القطن ونحوهما فيجوز عليه المسح بشرط أن يكون من فوقه ومن تحته جلد مخروز، لكن المصنف حكى فيه وفي الخف الأعلى قولين بقوله: " وفي مسح الجورب والخف الأعلى قولان " أي في جواز المسح وعدمه، والمشهور الجواز فيهما.
قال خليل رحمه الله: رخص لرجل وامرأة وإن مستحاضة بحضر أو سفر مسح جورب جلد ظاهره وباطنه، وخف ولو على خف اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " فإن نزعه بعد مسحه بادر إلى مسح الأسفل فإن نزعه بادر إلى غسل رجليه " قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: أي إذا نزع المتوضئ خفيه بعد المسح عليهما، أو نزع الأعليين أو أحد المنفردين، فإنه يجب عليه أن يبادر إلى الأسفل في كل من المسائل الأربع، فيبادر لغسل الرجلين في الأولى، ولمسح الأسفلين في الثانية، ولمسح الأسفل في الثالثة، ولنزع الآخر وغسل الرجلين في الرابعة.
وإنما وجب نزع الثاني لأنه لا يجمع بين غسل ومسح.
والمبادرة هنا كالمبادرة التي تقدمت في الموالاة، فإن طال الزمن عمدا بطل وضوؤه واستأنفه، وبنى بنية إن نسي مطلقا، ويعتبر الطول بجفاف الأعضاء بزمن اعتدلا اهـ. وما تقدم من أن شروط صحة المسح أحد عشر هو
الجزء: 1 - الصفحة: 121
كذلك، وقد ذكرها المصنف إجمالا والآن نذكرها تفصيلا إن شاء الله تعالى كما في الدردير على أقرب المسالك حيث قال:
ولجوازه شروط أحد عشر: ستة في الممسوح، وخمسة في الماسح ذكرها بقوله: " بشرط جلد طاهر خرز وستر محل الفرض وأمكن المشي فيه عادة بلا حائل " قال أي أن الشرط الأول في الممسوح كونه جلدا فلا يصح المسح على غيره.
الثاني أن يكون طاهرا احترازا من جلد الميتة ولو مدبوغا، الثالث أن يكون مخروزا لا إن لزق بنحو الرسراس.
الرابع أن يكون له ساق ساتر لمحل الفرض بأن يستر الكعبين، احترازا من غير الساتر لهما.
الخامس أن يمكن المشي فيه عادة، احترازا من الواسع الذي ينسلت من الرجل عند المشي فيه، وهو الذي لا يمكن تتابع المشي فيه.
السادس أن لا يكون عليه حائل من شمع أو خرقة أو نحو ذلك " ولبس بطهارة ماء كملت بلا ترفه ولا عصيان بلبسه " قال هذا إشارة لشروط الماسح الخمسة: الأول أن يلبسه على طهارة، احترازا من أن يلبسه محدثا فلا
يصح المسح عليه، الثاني أن تكون الطهارة مائية لا ترابية.
الثالث أن تكون تلك الطهارة كاملة بأن يلبسه بعد تمام الوضوء أو الغسل الذي لم ينتقض فيه وضوؤه، فلو غسل رجليه قبل مسح رأسه ولبس خفه ثم مسح رأسه لم يجز له المسح عليه، وكذا لو غسل إحدى الرجلين ولبس فيها الخف ثم غسل الثانية ولبس فيها الأخرى لم يجز له مسح حتى ينزع الأولى ثم يلبسها وهو متطهر.
والرابع أن لا يكون مترفها بلبسه كمن لبسه لخوف على حناء برجليه، أو لمجرد النوم به، أو لكونه حاكما، أو لقصد مجرد المسح، أو لخوف برغوث فلا يجوز له المسح عليه، بخلاف من لبسه لحر أو برد أو وعر أو خوف عقرب ونحو ذلك فإنه يمسح.
الخامس أن لا يكون عاصيا بلبسه كمحرم بحج أو عمرة لم يضطر للبسه فلا يجوز له المسح، بخلاف المضطر والمرأة فيجوز اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أخرج إحداهما أو أكثر قدمه إلى ساق
الجزء: 1 - الصفحة: 122
الخف نزعهما وغسل " وقد تقدم في هذا عند قول المصنف ولبسه بعد كمال الطهارة بالماء، وكذا عند قوله والخرق اليسير لا يمنعه بخلاف الكثير إلخ فراجع شرح ذلك إن شئت.
ثم قال رحمه الله: " والأفضل مسح أعلى القدم وأسفله فإن اقتصر على أعلاه أجزأه بخلاف عكسه " يعني أشار بما يستحب للماسح أن يبدأ به من صفة المسح وكيفيته.
وفي الرسالة: وصفة المسح أن يجعل يده اليمنى من فوق الخف من طرف الأصابع، ويده اليسرى من تحت ذلك، ثم يذهب بيده إلى حد الكعبين، وكذلك يفعل باليسرى ويجعل يده اليسرى من فوقها واليمنى من أسفلها، ولا يمسح على طين في أسفل خفه أو روث دابة حتى يزيله بمسح أو غسل اهـ. وقال العلامة الدردير في مندوبات المسح: ووضع يمناه على أطراف أصابع رجله ويسراه تحتها ويمرهما لكعبيه، ومسح أعلاه مع أسفله.
وبطلت بترك الأعلى، لا الأسفل فيعيد بوقت.
قال والضمير في وبطلت عائد على الصلاة المعلومة من المقام.
وترك البعض من الأعلى والأسفل كترك الكل فيعيد لترك بعض الأعلى أبدا، ولبعض الأسفل في الوقت اهـ.
ولما فرغ المصنف من الكلام على الخف وما يتعلق بذلك شرع في بيان التيمم المبدل عن الوضوء فقال:
فَصْلٌ
في التيمم
عقد المصنف هذا الفصل في بيان حكم التيمم.
والتيمم لغة القصد، وشرعا طهارة ترابية تشتمل على مسح الوجه واليدين بنية نيابة عن الطهارة الصغرى والكبرى، عند
الجزء: 1 - الصفحة: 123
عدم الماء، أو عدم القدرة.
والمراد بالتراب جنس الأرض، فيشمل جميع أجزائها إلا ما استثنى كما سيأتي تفصيله.
وهو من خصائص هذه الأمة على الإجماع.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ [المائدة: 6] الآية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا، وجعلت تربتها طهورا إذا لم نجد الماء " اهـ رواه مسلم , قال مالك في الموطأ: من قام إلى الصلاة فلم يجد ماء فعمل بما أمره الله به من التيمم فقد أطاع الله، وليس الذي وجد الماء بأطهر منه ولا أتم صلاة لأنهما أمرا جميعا، فكل عمل بما أمره الله به.
وإنما العمل بما أمر الله به من الوضوء لمن وجد الماء، والتيمم لمن لم يجد الماء قبل أن يدخل في الصلاة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ينتقل إلى التيمم سفرا أو حضرا لعدم الماء أو تعذر استعماله لمرض " يعني أنه إذا لم يجد المصلي الماء للوضوء أو الغسل، أو لم يقدر على استعماله لعذر كمرض، له أن ينتقل إلى التيمم سفرا أو حضرا.
ثم عطف المصنف بقية أسباب التيمم على لعدم الماء بقوله: " أو خوف زيادة " أي زيادة مرض " أو تأخر برئه، أو حدوثه، أو سقوط عضو لشدة البرد، أو عدم مناول، أو آلة أو خوف خوف عطش متوقع ولو على غيره " فتلك سبعة معطوفة على لعدم الماء، وكلها موجبة للتيمم.
قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: اعلم أن التيمم لا يجوز ولا يصلح إلا لأحد أشخاص سبعة: الأول فاقد الماء الكافي للوضوء أو الغسل، بأن لم يجد ماء أصلا، أو وجد ماء لا يكفيه.
الثاني فاقد القدرة على استعماله، أي من لا قدرة له عليه، وهو شامل للمكره والمربوط بقرب الماء والخائف على نفسه من سبع أو لص، فيتيمم كل كل منهما في الحضر والسفر ولو سفر معصية خلافا لما مشى عليه الشيخ خليل من تقييده
الجزء: 1 - الصفحة: 124
بالمباح اهـ، وقول المصنف أو خوف زيادة هذا هو الثالث، وهو الواجد للماء وخاف من استعماله زيادة مرضه فإنه يتيمم.
وقوله أو تأخر برئه هذا هو الرابع، وهو الواجد للماء القادر على استعماله ولكن إذا خاف تأخر برئه باستعماله فإنه يتيمم.
وقوله أو حدوثه هذا هو الخامس، وهو أيضا القادر على استعماله، ولكن إذا خاف باستعماله حدوث مرض من نزلة أو حمى أو نحو ذلك فإنه يتيمم.
وقوله أو سقوط عضو لشدة البرد، وهو أيضا واجد للماء، ولكن خاف باستعماله سقوط عضوه، وهذا راجع إلى قوله أو زيادة مرض؛ لأن سقوط العضو يكون غالبا بزيادة المرض وهو السبب السادس من أسباب التيمم.
وقوله أو عدم المناول أو آلة.
هذا
هو السابع.
قال الدردير: أي إن من كان له قدرة على استعمال الماء ولكن لم يجد من يناوله إياه، أو لم يجد آلة من حبل أو دلو فإنه يتيمم.
ولك أن تدخل هذا القسم في فاقد القدرة على استعماله بإرادة فقد القدرة حقيقة أو حكما، بل إذا تحققت تجد الأقسام ترجع إلى قسمين: الأول فاقد الماء حقيقة أو حكما فيدخل فيه خوف عطش المحترم وتلف المال وخروج الوقت بالطلب أو الاستعمال.
الثاني فاقد القدرة كذلك فيشمل الباقي.
وفاقد القدرة مقيس على فاقد الماء المنصوص في الآية اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو وجده بوقت لو تشاغل باستعماله لخرج الوقت الضروري فمذهب المغاربة لزومه، ومذهب العراقيين يتيمم، وحكاه الأبهري رواية " أخبر المصنف هنا بما اختلف فيه الأئمة في المذهب.
قال خليل في المختصر: وهل إن خاف فواته باستعماله؟ خلاف.
قال الخرشي: لأي وهل يتيمم المحدث ولو أكبر الواجد للماء بين يديه القادر على استعماله إذا خاف فوات الوقت الذي هو فيه باستعماله وإن تيمم أدركه، وهو الذي رواه الأبهري، واختاره التونسي، وصوبه ابن يونس، وشهره ابن الحاجب، وأقامه اللخمي وعياض من المدونة، أو يتوضأ ولو فاته
الجزء: 1 - الصفحة: 125
الوقت.
وحكى عبد الحق عن بعض الشيوخ الاتفاق عليه، فلا أقل من أن يكون مشهورا فلذا قال خلاف.
كذا في الصاوي.
ولكن المعول عليه الأول.
وعبارة الحطاب: والقول بالتيمم إذا خاف الوقت رواه الأبهري عن مالك على ما نقله المأزري وغيره.
وهو مذهب ابن القصار وعبد الوهاب وغيرهما من العراقيين.
واختاره التونسي وابن يونس وصوبه، وقال أي الحطاب في موضع آخر: وإذا كان الحكم كذلك فيمن يخاف خروج الوقت إذا تشاغل بالطلب فأحرى بمن يخاف خروجه باستعماله الماء أو بنزعه من البئر أو بطلب آلة ينزع بها اهـ. وفي أقرب المسالك: أو خروج وقت باستعماله، قال هذا هو النوع السادس، وهو الخائف باستعمال الماء خروج وقت الصلاة، وأولى بطلبه فإنه يتيمم ولا يطلبه ولا يستعمله إن كان موجودا محافظة على أداء الصلاة في وقتها ولو الاختياري، فإن ظن أنه يدرك منها ركعة في وقتها إن توضأ أو اغتسل فلا يتيمم اهـ.
قلت: هذا هو الحق الذي به الفتوى، وهو الذي رواه الأبهري واعتمده الحطاب، ورجحه العدوي في حاشيته على الخرشي، وهو المعول عليه، فلذا اقتصر عليه الدردير كما في حاشية الصاوي عليه، وأما اعتبار التيمم بالوقت الضروري فقد خالفه بعض العلماء.
قال الحطاب: وما قاله ابن عسكر من اعتبار الضروري هنا غير معروف، نقله عن ابن غازي.
وقال يعني أنه إذا ذكر أن المعتبر في جواز التيمم هو الوقت الضروري فلا يباح التيمم إلا خاف خروجه، وإنه لا
يتيمم إذا خاف خروج الوقت المختار فهذا هو غير المعروف.
وقد قال اللخمي: الأوقات التي تؤدي فيها الصلاة بالتيمم أوقات الاختيار لا أوقات الضرورات، فكل وقت تؤدي فيه الصلاة بالوضوء ولا يجوز تأخيرها عنه مع الاختيار هو الوقت الذي تؤدي فيه بالتيمم ولا تؤخر عنه اهـ. والحاصل أن خوف خروج الوقت باستعمال الماء مبيح للتيمم سواء كان الوقت ضروريا أو اختياريا كما في حاشية العدوي على الخرشي، وهو الراجح اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 126
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويتيمم بجميع أنواع وجه الأرض حتى الصلد والمعادن ما لم تتغير عن أصلها " الدليل في ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ قال ابن جزي في القوانين الفقهية في فصل فرائض التيمم: والصعيد هو التراب، ويجوز التيمم بما صعد على الأرض من أنواعها كالحجارة والحصى والرمل والجص، خلافا للشافعي اهـ. وفي أقرب المسالك: وصعيد طاهر كتراب وهو أفضل، ورمل وحجر وجص لم يطبخ، ومعدن غير نقد وجوهر ومنقول كشب وملح وحديد ورخام كثلج، لا خشب وحشيش اهـ. يعني أن أفضل أنواع الصعيد التراب، والمراد بالصعيد كل ما صعد على وجه الأرض من أجزائها من تراب ورمل وحجر ومعدن في محله - غير نقد وجوهر - كذهب وفضة وياقوت ولو بمحلها.
وكذا لا يجوز التيمم على كشب وملح وكحل وحديد ورصاص وقزدير إن نقلت عن محلها وصارت أموالا في أيدي الناس، وأما ما دامت في موضعها فيجوز، كجص قبل الحرق.
وقول الدردير وجص لم يطبخ، أي يجوز التيمم على جص إن لم تغيره صنعة آدمي.
والجص نوع من الحجر يحرق بالنار ويسحق وتبنى به القناطر والمساجد والبيوت العظيمة، فإذا أحرق وهو المراد بالطبخ لم يجز التيمم عليه لأنه خرج بالصنعة عن كونه صعيدا.
وقول المصنف حتى الصلد.
والصلد هو المكان الشديد الصلابة الذي لا ينبت فيه شيء لشدة صلابته، قال الله تعالى ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدًا﴾ [البقرة: 264] أي صلبا أملس لا شيء عليه.
وفي الحطاب - بعد كلام ابن عرفة - يعني أنه اختلف في التيمم على صلب الأرض مع وجود التراب على ثلاثة أقوال: الأول: يتيمم به وهو المشهور، الثاني: لا يتيمم به وهو قول ابن شعبان والثالث: يتيمم به في الوقت وهو قول ابن حبيب اهـ.
والأول أصح، ولذا ذهب إليه المصنف.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويلزم العادم الطلب ما لم يتيقن العدم، أو يكن
الجزء: 1 - الصفحة: 127
على مسافة تشق على مثله، أو يخاف تلف نفس أو مال " قال الدردير: وطلبه، أي ويلزم عادم الماء طلبه لكل صلاة طلبا لا يشق عليه دون الميلين، إلا إذا ظن
عدمه.
يعني أن من لم يظن عدم الماء في مكان بأن كان مترددا في وجوده أو ظانا لوجوده فإنه يلزمه طلبه والتفتيش عليه لكل صلاة لا يشق على مثله فيما دون الميلين، فإن كان يعلم أو يظن أنه لا يجده إلا بعد مسافة ميلين فلا يلزمه طلبه ولو كان لا يشق عليه، لأن الشأن في مثل ذلك المشقة، كما لا يلزمه الطلب فيما دون الميلين إذا شق عليه أو خاف فوات رفقة، وكذا إذا ظن عدمه، وأولى اليائس منه.
قال الصاوي: حاصل ما أفاده المتن والشرح أن صور المسألة عشرون؛ لأنه لا يخلو إما أن يكون الماء محقق الوجود، أو مظنونه، أو مشكوكا فيه.
أو محقق العدم، أو مظنونه، فهذه خمس.
وفي كل إما أن يكون على ميلين، أو أقل، فهذه عشر، وفي كل إما أن يشق عليه الطلب أو لا.
أما إذا كان محقق العدم أو مظنونه فلا يلزمه الطلب مطلقا.
وأما إذا كان محقق أو مظنونه أو مشكوكه فيلزمه الطلب فيما دون الميلين إن لم يشق، وإلا فلا اهـ. وقول المصنف أو يخاف تلف مال له بال بطلب الماء فإنه يجب ترك الطلب، ووجب عليه أن ينتقل إلى التيمم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويطلبه المسافر من رفقته " يعني لزم المسافر طلب الماء للوضوء أو الغسل من رفقائه الذين معه في السفر إن ظن الإعطاء.
قال خليل: كرفقة قليلة، أو حوله من كثيرة إن جهل بخلهم به.
الدسوقي: كما يلزمه طلب الماء على دون الميلين يلزمه طلبه من رفقة قلت كالأربعة كانت حوله أم لا، أو ممن حوله من رفقة كثيرة إن جهل بخلهم به بأن اعتقد الإعطاء، أو ظنه، أو شك، أو توهم، فإن لم يطلبه وتيمم وصلى أعاد أبدا إن اعتقد أو ظن الإعطاء، وفي الوقت إن
الجزء: 1 - الصفحة: 128
شك، ولم يعد إن توهم، وهذا كله إن تبين وجود الماء أو لم يتبين شيء، فإن تبين عدمه فلا إعادة مطلقا.
ومفهوم جهل بخلهم به أنه لو تحقق بخلهم لم يلزمه الطلب.
انتهى.
وكذا في الصاوي.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويلزم شراؤه بما لا يجحف بماله وقبوله، لا قبول ثمنه " وفي أقرب المسالك: ولزم شراء الماء بثمن اعتيد وإن بذمته إن لم يحتج له، وقبول هبته، واقتراضه، وكذا في المختصر.
أي يجب على المكلف الذي لم يجد ماء لطهارته أن يشتريه بثمن إلى أجل معلوم إن كان غنيا ببلده، أو يرجو الوفاء ببيع شيء أو اقتضاء دين أو نحو ذلك.
ومحل وجوب شرائه إذا لم يحتج لذلك الثمن في مصارفه، وإلا جاز له التيمم، كما لو زاد الثمن على المعتاد ولو غنيا، وكذلك يجب عليه قبول هبته إذا وهب له لأجل التطهر به.
ومثل الهبة
الصدقة والقرض في وجوب القبول لعدم المنة في ذلك اهـ. قال مالك في المدونة: إذا لم يجد الجنب الماء إلا بالثمن، فإن كان قليل الدراهم تيمم، وإن كان يقدر فليشره ما لم يرفعوا عليه في الثمن، فإن رفعوا تيمم حينئذ.
قلت هذا مراد المصنف بما لا يجحف بماله والله أعلم.
وقوله لا قبول ثمنه، أي لا يلزمه قبول هبة الثمن ليشتري به الماء.
قال بعضهم: ولو وهب له ثمن الماء وهو لا يجد الثمن لم يلزمه قبوله؛ لأن هذا مال تدركه فيه المنة اهـ. ذكره المواق.
ثم انتقل يذكر صفة التيمم المستحبة فقال رحمه الله تعالى: " وأكمله بضربتين تعم وجهه ويراعي الوترة، وحجاج العينين، وموضع العنقة، إن لم يكن عليه شعر " يعني أخبر أن أكمل صفة التيمم يكون بضربتين، الأولى فرض من فرائض التيمم، والثانية سنة.
والمراد بالضرب هنا وضع اليدين على الصعيج بنية التيمم.
بأن ينوي
الجزء: 1 - الصفحة: 129
استباحة الصلاة من الحدث الأكبر إن كان محدثا حدثا أكبر، أو الأصغر، وتكون النية عند الضربة الأولى، يقول باسم الله، ويستعمل الصعيد، يضرب عليه بيديه جميعا ضربة واحدة، فإن تعلق بهما شيء نفضهما نفضا خفيفا، ويمسح بهما وجهه كله يبدأ من أعلاه إلى أن يعم جميع الوجه، ثم يضرب بيديه الأرض، فيمسح ظاهر يده اليمنى بيده اليسرى، بأن يجعل أصابع يده اليسرى على أطراف أصابع يده اليمنى، ويمر بها على ظاهر يده وذراعه.
وقد حنى عليه أصابعه حتى ينتهي إلى المرفق، ثم يجعل كفه على باطن ذراعه من طي مرفقه قابضا عليه حتى يبلغ الكوع من يده اليمنى، ويجري باطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهام يده اليمنى، ثم يمسح ظاهر اليسرى باليمنى إلى المرفق ثم يمسح باطنها إلى حد الكوع، ثم يمسح كفه اليمنى بكفه اليسرى إلى آخر أطرافه، ويخلل أصابعه.
ويجب عليه نزع الخاتم، فإن لم ينزعه لم يجزه.
ويجب عليه تعميم وجهه كله بالمسح كما تقدم.
وهذا الترتيب مستحب.
ولو مسح اليمنى باليسرى واليسرى باليمنى كيف شاء وتيسر عليه وأوعب المسح لأجزأه، وقد تقدم أن الضربة الثانية سنة، وكذا المسح إلى المرفقين، فلو اقتصر على ضربة واحدة للوجه واليدين أجزأه، ولو اقتصر في مسح يديه على الكوعين وصلى أعاد في الوقت.
وقوله ويراعي الوترة بفتح الواو وهي الحاجز الذي بين طاقتي الأنف، وتسمى بالمارن.
وقوله وحجاج العين، وفي المصباح: وحجاج العين بالكسر، والفتح لغة: العظم المستدير حولها، وهو مذكر وجمعه أحجة.
وكذلك ينبغي للمتيمم أن يراعي موضع العنفقة وهي المحل الذي ينبت فيه الشعر تحت الشفة السفلى إذا لم يكن فيه شعر أن يعمه بالمسح، وإن كان يكره عليه تتبع الغضون لأن هذا من تعميم الوجه بالمسح، وهو واجب.
وقد تقدم أن أكمل صفة التيمم يكون بضربتين:
ضربة للوجه وضربة لليدين.
وإليه أشار المصنف رحمه الله بقوله: " ويديه إلى المرفقين " وتقدم أن الضربة الأولى فريضة والثانية سنة.
ومن اقتصر
الجزء: 1 - الصفحة: 130
على ضربة واحدة في مسح الوجه واليدين أجزأه.
والدليل على ذلك حديث عمار بن ياسر الذي اتفق أصحاب الحديث على صحته، ونصه " جاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال إني أجنبت فلم أصب الماء فقال عمار بن ياسر لعمر بن الخطاب: أما تذكر إذ كنا في سفر أنا وأنت، فأما أنت فلم تصل، وأما أنا فتمعكت وصليت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب بكفيه على الأرض ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه وكفيه " اهـ. قال الشارح: هذا صريح في أن التيمم بضربة واحدة للوجه والكفين فقط، وعليه بعض الصحب والتابعين وجمهور المحدثين، وقال به من الفقهاء الأوزاعي ومالك وأحمد وإسحاق، لكن الأكمل عندهم تتميم المسح إلى المرفقين.
وقد أجاب مالك بالصفة الأكملية لما سئل عن كيفية التيمم وأين يبلغ به فقال: يضرب ضربة للوجه وضربة لليدين ويمسحهما إلى المرفقين.
قال الزرقاني في شرحه على الموطأ: أجاب بالأكمل ليجمع بين الفرض والسنة، فلو اقتصر على ضربة واحدة لهما كفاه ولا إعادة على المذهب.
وقال عند قوله يمسحهما إلى المرفقين تحصيلا للسنة، ولو مسحهما إلى الكوع صح، ويستحب الإعادة في الوقت.
فأجاب رحمه الله بالصفة الكاملة وإن كان الواجب عنده ضربة لهما.
وإلى الكوعين، لما في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر المتقدم اهـ باختصار.
وما ذكره من مسح اليدين إلى المرفقين هو المشهور في المذهب.
وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " على المنصوص " المراد بالمنصوص - والله أعلم - ما نصه المتقدمون من الصحابة والتابعين كحديث عمار بن ياسر، وفعل ابن عمر وغيره من الأئمة رضي الله عنهم أجمعين.
كما أفتى به الإمام.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ينزع خاتمه ويخلل أصابعه " قد سبق لنا شرح هذا في صفة التيمم فراجعه.
الجزء: 1 - الصفحة: 131
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأجاز ابن القاسم إلى الكوعين " ابن القاسم هو عبد الرحمن بن القاسم بن خالد بن جنادة المصري من أئمة المالكية صحب مالكا عشرين سنة يتفقه منه، وعنده أن المسح إلى الكوعين فرض، وإلى المرفقين سنة كما فهم من حديث عمار، وهو ظاهر قول الله تعالى: ﴿فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ﴾ ولم يذكر فيها إلى المرافق كما ذكره في آية الوضوء، وقياسا على القطع في السرقة.
وأما نصوص أهل المذهب في ذلك فهي ظاهرة
كشمس الضحى.
قال خليل في المختصر: وسن ترتيبه، وإلى المرفقين، وتجديد ضربة اهـ. انظر شراحه.
وفي المقدمات بعد كلام طويل: وإن التيمم عنده - أعني عند مالك - من الجنابة والحدث الذي ينقض الوضوء سواء، وإن فرض التيمم فيها ضربة واحدة للوجه واليدين إلى الكوعين، إلا أنه يستحب ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، فإن تيمم إلى الكوعين أعاد في الوقت، وإن تيمم بضربة واحدة لوجهه ويديه إلى المرفقين لم يعد اهـ. فدل ذلك على أن الفرض إلى الكوعين وما زاد عليهما سنة فتأمل والله أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله: " ينوي به استباحة الصلاة " أو فرض التيمم، ولا ينوي به رفع الحدث لما فيه من الخلاف، ولذا قال المصنف رحمه الله: " لا رفع الحدث " لأن التيمم لا يرفع الحدث على المشهور.
قال رحمه الله: " الأصغر والأكبر سواء " يعني أن التيمم لا يرفع الحدث الأصغر ولا الأكبر، أشار المصنف بما في المقدمات لابن رشد، وأنه عقد لهذه المسألة فصلا فقال: التيمم لا يرفع الحدث الأكبر ولا الأصغر عند مالك رحمه الله وجميع أصحابه وجمهور أهل العلم، خلافا لسعيد بن المسيب وابن شهاب في قولهما: أنه يرفع الحدث الأصغر دون الأكبر، وخلافا لقول أبي سلمة بن عبد الرحمن في أنه يرفع الحدثين جميعا، حدث الجنابة
الجزء: 1 - الصفحة: 132
والحدث الذي ينقض الوضوء.
انظر المقدمات.
وما ذكره الدردير من ملاحظة الحدث الأكبر ليس باعتراض في المسألة وهو قوله: ووجب عليه ملاحظة الحدث الأكبر إن كان عليه أكبر بأن ينوي استباحة الصلاة من الحدث الأكبر، فإن لم يلاحظه بأن نسيه أو لم يعتقد أنه عليه لم يجزه، وأعاد أبدا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يجزئ قبل دخول وقت الصلاة " وفي بعض النسخ بإسقاطه لفظ " وقت " وهو خطأ.
يعني من شروط صحة التيمم دخول الوقت، ومن تيمم قبل دخول الوقت فلا يجزئه تيممه ووجب عليه الإعادة.
قال خليل: وفعله في الوقت.
أي لزم فعل التيمم في الوقت لا قبله ولو اتصل ولو نفلا كركعتي الفجر.
والمعنى أنه يجب فعل التيمم في وقت الصلاة، وذلك لأنه إنما جاز للضرورة، والضرورة لا تتحقق إلا بعد دخول الوقت، فلو فرض أنه تيمم قبل دخول الوقت وبعد فراغه بسرعة دخل الوقت فهو باطل.
والوقت في صلاة الجنازة بعد غسل الميت وإدراجه في الكفن، وإذا تيمم قبل ذلك لم يصح تيممه.
ومن تيمم للوتر بعد طلوع الفجر جاز له أن يصلي به الفجر.
هذا إذا تيمم بعد الفجر، وأما من تيمم للوتر قبل الفجر فلا يصلي به الفجر اهـ الصفتي مع زيادة إيضاح كما
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يتيمم اليائس أوله والراجي آخره والمتردد وسطه " وقد تقدم بعض أحكام عادم الماء عند قول المصنف: ويلزم العادم الطلب ما لم يتيقن العدم.
وما ذكره من قوله ما لم يتيقن العدم، فإذا تيقن عدم الماء صار يائسا، وهو الذي يئس من وجود الماء أو لحوقه في الوقت المختار فإنه يتيمم أول الوقت، إذ لا فائدة في تأخيره، وأما الراجي فهو الذي غلب على ظنه وجود الماء في الوقت فإنه يتيمم في آخر الوقت المختار.
والمتردد في لحوق الماء أو وجوده
الجزء: 1 - الصفحة: 133
أو زوال المانع فإنه يتيمم وسط الوقت المختار.
قال ابن عاشر رحمه الله تعالى في المرشد المعين:
آخره للراج آيس فقط ... أوله والمتردد الوسط
وفي الرسالة: وإذا أيقن المسافر بوجود الماء في الوقت أخر إلى آخره، وإن يئس منه تيمم في أوله وإن لم يكن عنده منه علم تيمم وسطه.
وكذلك إن خاف ألا يدرك الماء في الوقت ورجا أن يدركه فيه اهـ.
ثم انتقل يذكر ما يبطل به التيمم بقوله رحمه الله تعالى: " ووجود الماء قبل الشروع يبطله " يعني أن وجود الماء قبل الدخول في الصلاة بأن لم يكبر مبطل للتيمم، ووجب عليه الوضوء إن كان عليه الحدث الأصغر، أو الغسل إن وجب.
وفي العزية: ويبطل التيمم بما يبطل به الوضوء، وبوجود الماء قبل الصلاة إلا أن يخشى فوات الوقت باستعماله.
وإذا رأى الماء وهو في الصلاة لم تبطل صلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي أثنائها أو بعد الفراغ منها لا يلزمه إعادة إلا من نسيه في رحله " وفي شرح العزية عند قول مصنفها: وإذا رأى الماء وهو في الصلاة لم تبطل صلاته.
يعني لو اتسع الوقت، ويحرم عليه قطعها إلا أن يكون ناسيا له فتبطل إن اتسع الوقت، وإلا فلا.
وترك حكم ما إذا رآه بعد الفراغ منها، وحكمه أنه إذا كان ناسيا للماء تندب له الإعادة في الوقت لتقصيره، وإن لم يكن ناسيا له فلا تندب له الإعادة.
هذا بعد الطلب ولم يجده اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يجمع فريضتين بتيمم واحد، بخلاف النوافل في فور أو تابعة للفرض " وفي نسخة " ولا يجمع بين فرضين " وكلها صحيحة.
الجزء: 1 - الصفحة: 134
وما ذكره المصنف هو المشهور.
وفي المختصر: لا فرض آخر وإن قصدا، وبطل الثاني ولو مشتركة.
الشارح: يعني لا يجوز فرضان بتيمم واحد وإن قصدا معا عند التيمم، وإذا وقع بطل الثاني ولو لمريض لا يقدر على مس الماء، أو إحداهما منذورة، أو فائتة، أو مشتركة مع الأخرى في الوقت كظهرين وعشاءين، وأعادها أبدا على المشهور.
وما رواه أصبغ من إعادة الثانية من
المشتركتين في الوقت وغيرها أبدا مردود بالمبالغة من قول خليل: ولو مشتركة كما نقله الصاوي عن الدسوقي، انظر الخرشي، وقرره الدردير، وقوله بخلاف النوافل في فور أو تابعة للفرض، قال في أقرب المسالك مبينا لذلك: وجاز نفل، ومس مصحف وقراءة، وطواف، وركعتاه بتيمم فرض أو نفل وإن تقدمت، وصح الفرض إن تأخرت.
قال يعني أن من تيمم لفرض سواء كان حاضرا صحيحا أم لا، ولنفل استقلالا بأن كان مريضا أو مسافرا فإنه يجوز له أن يصلي بذلك التيمم نفلا وجنازة، وأن يمس به المصحف ويقرأ القرآن إن كان جنبا، وأن يطوف ويصلي ركعتين، وسواء قدم هذه الأشياء على الفرض أو النفل الذي قصده بالتيمم فظاهر، وإن قدمها على ما قصده به فإن كان المقصود به نفلا كان تيمم مريض أو مسافر لصلاة الضحى مثلا جاز له أن يصلي به ذلك النفل المقصود بعدها، وإن كان المقصود به فرضا لا يصح أن يصليه بعد أن فعل شيئا منها، فقوله وصح الفرض إن تأخرت، أي صح الفرض الذي قصد له التيمم من حاضر صحيح أو مسافر أو مريض إن قدمه عليها، لا إن قدمها أو شيئا منها عليه.
وحاصل المسألة أن من تيمم لشيء من هذه الأشياء يجوز أن يفعل به غير ما نوى منها متقدما أو متأخرا إلا الفرض إذا نوى له التيمم فإنه لا يجوز إلا إذا تقدم اهـ. وفي المرشد المعين:
وصل فرضا واحدا وإن تصل ... جازة وسنة به يحل
وجاز للنفل ابتدا ويستبيح ... الفرض لا الجمعة حاضر صحيح
الجزء: 1 - الصفحة: 135
يعني من تيمم للفرض لا يجوز له أن يصلي بذلك التيمم إلا فرضا واحدا، ولا يجوز له أن يصلي بالتيمم فرضين ولو قصدهما به فإن الفرض الثاني باطل ولو مشتركتي الوقت كالظهر والعصر مثلا، وجاز أن يصلي بذلك التيمم الجنازة والوتر لمن تيمم للعشاء، والطواف إذا كان متصلا بالفرض الذي تيمم له.
وقول الناظم: وجاز للنفل إلخ، يعني أنه يجوز التيمم للنافلة ابتداء أي استقلالا، وغنما يصليها بالتبع للفرض.
ولا يجوز له أن يصلي الجمعة بالتيمم، فإن فعل لم يجزئه اهـ الحبل المتين.
وفي الأخضري: ولا تصلى فريضتان بتيمم واحد، ومن تيمم لفريضة جاز له النوافل بعدها ومس المصحف والطواف والتلاوة إن نوى ذلك واتصلت بالصلاة ولم يخرج الوقت.
وجاز بتيمم النافلة كل ما ذكر إلا الفريضة.
ومن صلى العشاء بتيمم قام للشفع والوتر بعدها من غير تأخير.
ومن تيمم من جنابة فلا من نيتها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي الفوائت قولان " قال أبو الحسن:
والقول الأول لابن شعبان، والثاني لابن القاسم وهو المشهور.
وفي الرسالة: وقد روي عن مالك فيمن ذكر صلوات أن يصليها بتيمم واحد، قال النفراوي: وهذا ضعيف والمعتمد من المذهب أن كل فرض لا بد له من تيمم، وهو المحكي قبل هذا بقليل، وعلى المشهور لو خالف بأن صلى الفوائت بتيمم واحد فإنه يعيد ما بعد الأولى أبدا عنه ابن القاسم، ولو كانت مشتركتين في الوقت على ما شهره في المختصر.
قال العدوي فيمن صلى الفريضتين بتيمم واحد أنه يعيد الثانية أبدا ولو كانتا فائتتين، ولو كانت إحداهما منذورة، قاله تت على الشامل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن عدم الماء والصعيد حتى خرج الوقت الضروري فالمنصوص سقوطها.
وعن ابن القاسم يصلي ويقضي.
وقال أشهب
الجزء: 1 - الصفحة: 136
لا يقضي.
وقال أصبغ لا يصلي حتى يجد أحداهما " يعني أخبر المصنف رحمه الله بما اشتهر في المذهب من سقوط الصلاة وقضائها لعدم الماء والصعيد، وهو قول الإمام.
ووجهه والله أعلم أن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها.
وفي المختصر: وتسقط صلاة وقضاؤها بعدم ماء وصعيد، وعبارة الدردير على أقرب المسالك: وتسقط الصلاة بفقد الطهورين أو القدرة على استعمالهما، قال: والمذهب أن فاقد الطهورين وهما الماء والتراب، أو فاقد القدرة على استعمالهما كالمكره والمصلوب تسقط عنه الصلاة أداء وقضاء، كالحائض.
وقيل يؤديها بلا طهارة ولا يقضي كالعريان.
وقيل يقضي ولا يؤدي وقيل ويقضي عكس الأول.
الخرشي يعني أن من عدم الماء والصعيد كراكب سفينة أو مصلوب لا يصل إلى الماء، أو فوق شجرة تحتها مانع من الماء، أو مريض لا يجد منا ولا، فإن الصلاة تسقط عنه في الوقت، ويسقط عنه قضاؤها بعده عند مالك، وكذا بعدم القدرة على استعمالهما، وظاهره أمكنه الإيماء إلى الأرض أم لا، لأن الطهارة شرط أداء وقد عدم.
وشرط القضاء تعلق الأداء بالقاضي اهـ. قال العلامة المحقق الشيخ محمد عليش في تقريراته على الدسوقي: قول الإمام بسقوط الأداء والقضاء مبني على أن القدرة على الطهور شرط وجوب وصحة.
وقول أشهب بوجوب الأداء فقط مبني على أن الطهارة بالفعل شرط صحة على القادر.
وقول أصبغ بوجوب القضاء فقط مبني على أنها شرط صحة على القادر والعاجز.
وقول ابن القاسم بوجوبهما مبني على الاحتياط.
واتفق غير الإمام على أن القدرة على ذلك ليست شرطا في الوجوب.
ثم قال: هذا ما وجه به الأقوال الأربعة في ضوء الشموع.
وقوله في ضوء الشموع وهو شرح على المجموع لمؤلفه العلامة الشيخ محمد الأمير مفتي المالكية بالحجاز سابقا، وهو كتاب معتبر في المذهب: واعلم أن في المسألة أربعة أقوال:
الأول: لمالك وابن نافع من أن فاقد الطهورين لا يصلي ولا يقضي.
الجزء: 1 - الصفحة: 137
الثاني: قول ابن القاسم يصلي ويقضي.
الثالث: يصلي ويقضي، قاله أشهب.
الرابع: لا يصلي ولكن يقضي إذا وجد أحد الطهورين وهو قول أصبغ.
وقد نظم بعضهم هذه الأقوال:
ومن لم يجد ماء ولا متيمما ... فأربعة الأقوال يحكين مذهبا
يصلي ويقضي عكس ما قال مالك ... وأصبغ يقضي والأداء لأشهبا
قال التتائي:
وللقابسي ذو الربط يومي لأرضه ... بوجه وأيد للتيمم مطلبا
اهـ.
وفي المواق روى معن والمدنيون عن مالك فيمن لم يجد ماء ولا ما يتيمم به، كمن تحت هدم أو مريض ولا يجد من يناوله ماء ولا ترابا أنه لا يصلي ولا يقضي.
قال ابن القصار: وهو المذهب.
قال ابن خويز منداد: وهو الصحيح من مذهب مالك.
قال أبو عمر: لا أدري كيف أقدر على أن أجعل هذا الصحيح من مذهب مالك مع خلافه جمهور السلف وعامة الفقهاء وجماعة المالكيين.
روى ابن سحنون عن أبيه أنه يصلي ولا إعادة عليه وكذا قال أشهب اهـ. قال ابن عبد السلام: والأكثرون على اختيار ما لأشهب معتمدين على ظواهر أشهرها صلاة الصحابة قبل نزول آية التيمم لما عدموا الماء، لأن عدم الماء قبل شرع التيمم كعدم الماء والتيمم بعد شرعه اهـ قلت: وإلى هذا القول ذهب العلامة الشيخ عبد الرحمن الجزيري في كتابه المسمى بالفقه على المذاهب الأربعة في مبحث من عجز عن الوضوء والتيمم، قال: من عجز عن الوضوء والتيمم لمرض شديد أو حبس في مكان ليس به ما يصح التيمم عليه فإنه يجب عليه أن يصلي في الوقت بدون وضوء وبدون تيمم، على أن المريض الذي لا يقدر على القيام للصلاة فإنه يصلي قاعدا فإن عجز يصلي
الجزء: 1 - الصفحة: 138
بالإشارة كما سيأتي في مبحث الصلاة بالإيماء.
والغرض من هذا إنما هو إظهار الخشوع والخضوع لله عز وجل في جميع الأحوال.
فما دام الإنسان قادرا على إظهار هذا الخشوع بأي كيفية من الكيفيات فعليه أن يفعلها وله على ذلك أجر العاملين الأقوياء بلا فرق، بل ربما كان أوفر أجرا لأن الذي يخضع قلبه لمولاه وتظهر آثار هذا الخضوع على جوارحه وهو مريض تعب أقرب إلى رضوان الله تعالى ورحمته إن شاء الله.
أما كيفية طهارة فاقد الماء وفاقد ما يصح التيمم عليه وصلاتهما فإن فيهما تفصيل المذاهب اهـ. انظر المذاهب تجدها راجعة إلى الأربعة الأقوال المتقدمة.
والله هو الهادي إلى الصواب.
ولما أنهى الكلام على التيمم وجميع أحكامه انتقل رحمه الله تعالى يتكلم على الحيض وأحكامه فقال:
فَصْلٌ
في أحكام الحيض
اعلم أن المصنف رحمه الله عقد هذا الفصل في بيان أحكام الحيض وما يتعلق به من علامات الطهر للحائض وغيرها.
وفي بعض التقريرات الحيض من علامات البلوغ للفتاة كالحمل وهو كما في المختصر: دم كصفرة أو كدرة خرج بنفسه من قبل من تحمل عادة.
وقال الآخر: الحيض لغة السيلان، وعرفا دم يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها في أوقات معتادة.
وأقل سن تحيض فيها الفتاة تسع سنين، وما خرج منها قبلها فليس بحيض، وكذا ما يخرج بعد سبعين سنة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا حد لأقل الحيض كالنفاس " يعني لا حد لأقل
الجزء: 1 - الصفحة: 139
دم الحيض، كما لا حد لأقل دم النفاس.
قال في أقرب المسالك: وأقله في العبادة دفعة فيجب عليها الغسل بالدفعة، ويبطل به صومها، وتقضي ذلك اليوم.
وأما في العدة والاستبراء فلا يعد حيضا إلا ما استمر يوما أو بعض يوم له بال.
قال المصنف رحمه الله: " وأكثره خمسة عشر يوما كمشهور أقل الطهر " العزية: وأما أكثر الحيض فيختلف باختلاف الحيض، فإن كانت مبتدأة فأكثره في حقها إذا تمادت بها الحيضة خمسة عشر يوما، وإن كانت معتادة فإما أن تختلف عادتها أم لا، فإن لم تختلف استظهرت على عادتها بثلاثة أيام ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، وإن اختلفت استظهرت على أكثر عادتها كذلك وهي في أيام الاستظهار حائض، فإن تمادى بها إلى خمسة عشر يوما فحكمها حكم الطاهر في توجيه الصلاة والصوم وعدم القضاء وإتيان الزوج اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتعتبر المبتدأة بأترابها " وهي التي لم يتقدم لها حيض قبل ذلك، فإن تمادى بها الدم فالمشهور أنها تمكث خمسة عشر يوما اهـ. الخرشي.
وفي المدونة: ما رأت المرأة من الدم أول بلوغها فهو حيض، فإن تمادى بها قعدت عن الصلاة خمسة عشر يوما، ثم هي مستحاضة وتغتسل وتصوم وتصلي وتوطأ اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " فإن تجاوزتهن فرواية ابن القاسم في المدونة تتمادى أكثره " أي تتمادى إلى تمام خمسة عشر يوما، ثم هي مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتوطأ كما تقدم.
وقيل تستظهر وإليه أشار المصنف رحمه الله:
" وروى ابن وهب تستظهر بثلاثة أيام ما لم تجاوز أكثره " إذا تمادى بها الدم إلى أكثر الحيض وهو خمسة عشر يوما تغتسل ولا تستظهر.
رواه عبد الله بن سعيد.
الجزء: 1 - الصفحة: 140
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وروي عن ابن زياد تقتصر على عوائدهن " الضمير في عوائدهن عائد إلى أترابها، يعني أقرانها في السن، فتستعمل بعوائدهن في الحيض من قلة الدم وكثرته على ما رواه ابن زياد عن مالك.
يقال إنها تقيم قدر أيام لداتها، ثم هي مستحاضة بعد ذلك تصلي وتصوم ويأتيها زوجها أبدا إلا أن ترى دما تستكثره لا تشك فيه أنه دم حيضة.
وقد قيل إنها تقعد أيام لداتها عن مالك؛ لأن أقصى ما تحبس النساء للدم خمس عشرة ليلة اهـ، قال ابن جزي في القوانين: فالمبتدأة تعتبر أيام لداتها فإن تمادى بها الدم اغتسلت وكانت مستحاضة وقيل تستظهر على ذلك بثلاثة أيام وقيل تكمل خمسة عشر يوما.
والمشهور لا استظهار لها كما تقدم اهـ، اعلم أن أربعا من من النساء لا تستظهر واحدة منهن: المبتدأة والحامل والمستحاضة والنفساء، قاله الصاوي في آخر باب النفاس اهـ، ثم ذكر المصنف المعتادة أي غير المبتدأة بقوله رحمه الله: " وفي تجاوز المعتادة عادتها روايات ثم هي مستحاضة وهي مستمرة الطهارة " يعني أن المعتادة إذا تجاوزت عادتها واختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا ذكر ابن رشد بعض ذلك في المقدمات فقال: فصل تمادى بالمرأة الدم المحكوم له بأنه دم حيض ففي ذلك ستة أقوال أحدها أنها تبقى أيامها المعتادة وتستظهر بثلاثة أيام ثم تكون مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتطوف إن كانت حاجة ويأتيها زوجها ما لم تر دما تنكره بعد مضي أقل مدة الطهر من يوم حكم باستحاضتها، وهو ظاهر رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة لأنه قال في الحج أن الكرى لا يحبس عليها إلا أيامها المعتادة والاستظهار، فظاهر قوله أنها تطوف بعد الاستظهار وقبل تمام الخمسة عشر يوما كالمستحاضة وعلى هذه الرواية تغتسل عند تمام الخمسة عشر يوما استحبابا ولا إيجابا، والقول الثاني أنها تقعد أيامها المعتادة والاستظهار ثم تغتسل استحبابا وتصلي احتياطا وتصوم وتقضي الصيام ولا يطؤها زوجها ولا تطوف طواف الإفاضة إن كانت حاجة إلى تمام الخمسة عشر يوما، فإذا بلغت الخمسة عشر يوما
الجزء: 1 - الصفحة: 141
اغتسلت إيجابا وكانت مستحاضة، وهذا دليل رواية ابن وهب عن مالك في كتاب الوضوء من المدونة، والقول الثالث أنها تقعد إلى تمام الخمسة عشر يوما ثم تغتسل وتصلي وتكون مستحاضة، والقول الرابع أنها تقعد أيامها المعتادة ثم تغتسل وتكون مستحاضة من غير استظهار وهو قول محمد بن مسلمة، والقول
الخامس أنها تقعد أيامها المعتادة ثم تغتسل وتصلي وتصوم ولا يأتيها زوجها، فإن انقطع عنها الدم ما بينها وبين خمسة عشر يوما علم أنها حيضة انتقلت ولم يضرها ما صامت وصلت، يريد وتغتسل عند انقطاعه.
وإن تمادى بها الدم على خمسة عشر يوما علم أنها كانت مستحاضة وأن ما مضى من الصيام والصلاة في موضعه ولم يضره امتناعه من الوطء اهـ انظر في المقدمات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا أن تكون مميزة فتعمل على ما تقدم عند تغير الدم وبعده طهر فاصل " يعني أن المميزة تعمل بتمييزها من رؤية أوصاف الدم وأحواله من التقطع والزيادة واللون ككدورته وصفرته واسوداده ونحو ذلك من أوصافه، فتتميز به مما هو حيض وما هو استحاضة.
وقد قال عليه الصلاة والسلام لفاطمة بنت أبي حبيش: " إن دم الحيض دم أسود يعرف فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي " اهـ رواه أبو داود والنسائي عن عائشة.
وفي المختصر: والمميز بعد طهر تم حيض.
قال الشارح: المستحاضة إن لم تميز بين الدمين فلا إشكال أنها على حكم الطاهر ولو أقامت طول عمرها وتعتد عدة المرتابة، وإن كانت تميزه فالمميز من الدم إما أن يكون قبل طهر تام ولا حكم له، وإما بعد طهر تام من يوم حكم لها بالاستحاضة، فالمميز حيض في العبادة اتفاقا، والعدة على المشهور اهـ الخرشي.
وعبارة الدردير على أقرب المسالك أنه قال: فإن ميزت بعد طهر تم فحيض، فإن دام بصفة التميز استظهرت، وإلا فلا.
يعني أن المستحاضة - وهي من استمر بها الدم بعد تمام حيضها بتلفيق أو بغير تلفيق - إذا ميزت الدم بتغير رائحة أو لون أو رقة أو ثخن أو نحو
الجزء: 1 - الصفحة: 142
ذلك بعد تمام طهر أي نصف شهر، فذلك الدم المميز حيض لا استحاضة.
فإن استمر بصفة التميز استظهرت بثلاثة أيام ما لم تجاوز نصف شهر، ثم هي مستحاضة، وإلا بأن لم يدم بصفة التميز بأن رجع لأصله مكثت عادتها فقط ولا استظهار اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن تقطع دمها فإن كان الثاني بعد طهر فحيض مؤتنف، وإلا فهما حيضة فتلفق حتى تبلغ أكثره، فإن زاد فمستحاضة وتغتسل وتصلي وتصوم أيام انقطاعه وتوطأ " وفي المختصر: وإن تقطع طهر لفقت أيام الدم فقط على تفصيلها.
قال الشارح: يعني أن المرأة إذا أتاها الحيض في وقته وانقطع بعد يوم أو يومين أو ساعة وأتاها بعد ذلك قبل طهر تام فإنها تلفق أيام الدم بعضها إلى بعض على تفصيلها السابق، فإن كانت معتادة فتلفق عادتها واستظهارها، وإن كانت مبتدأة لفقت نصف شهر، وإن كانت حاملا في ثلاثة أشهر فأكثر لفقت نصف شهر ونحوه، وبعد ستة أشهر لفقت عشرين يوما ونحوها، وفي
الشهر الأول والثاني لفقت ما يلزمها على الخلاف المتقدم وألغت في الجميع أيام الطهر إن نقصت عن أيام الدم اتفاقا، إذ لا يكون الطهر أقل من أيام الحيض أصلا، وكذا إن ساوت أو زادت على المشهور اهـ. وفي المدونة قال مالك رحمه الله: إذا رأت المرأة الدم يوما ثم انقطع عنها يومين ثم رأته يوما بعد اليومين، ثم انقطع عنها يوما أو يومين، ثم رأته بعد ذلك يوما أو يومين، قال إذا اختلط هكذا حسبت أيام الدم وألغت ما بين ذلك من الأيام التي لم تر فيها دما، فإذا استكملت من أيام الدم قدر أيامها التي كانت تحيضها استظهرت بثلاثة أيام، فإن اختلط عليها أيضا أيام الاستظهار حسبت أيام الدم وألغت أيام الطهر التي فيها بين الدمين حتى تستكمل ثلاثة أيام من أيام الدم، فإذا استكملت ثلاثة أيام من أيام الدم بعد أيام حيضتها اغتسلت وصلت وكانت مستحاضة بعد ذلك، والأيام التي استظهرت بها هي فيها حائض، وهي مضافة إلى دم الحيض إن رأت الدم فيها بعد ذلك، وإن لم تره والأيام التي
الجزء: 1 - الصفحة: 143
كانت تلغيها فيما بين الدم الذي كانت لا ترى فيها دما تصلي فيها ويأتيها زوجها وتصومها، وهي فيها طاهرة، وليست تلك الأيام بطهر تعتد به في عدة من طلاق لأن الذي قبل تلك الأيام من الدم والتي بعد تلك الأيام قد أضيف بعضها إلى بعض وتجعل حيضة واحدة، وكان ما بين ذلك من الطهر ملغى، ثم تغتسل بعد الاستظهار وتصلي وتتوضأ لكل صلاة إن رأت الدم في تلك الأيام وتغتسل كل يوم إذا انقطع عنها الدم من أيام الطهر.
وإنما أمرت أن تغتسل لأنها لا تدري لعل الدم لا يرجع إليها ولا تكف عن الصلاة بعد ذلك، وإن تطاول بها الدم الأشهر، إلا أن ترى في ذلك دما لا تشك وتستيقن أنه دم حيضة فلتكف عن الصلاة، ويكون لها ذلك عدة من طلاق، وإن لم تستيقن لم تكف عن الصلاة ولم يكن لها ذلك عدة، وكانت عدتها عدة المستحاضة ويأتيها زوجها في ذلك وتصلي وتصوم اهـ.
ثم انتقل المصنف إلى بيان علامة الطهر في دم الحيض والنفاس فقال رحمه الله تعالى: " وعلامة الطهر الجفوف أو القصة البيضاء " يعني أخبر المصنف أن للطهر علامتين: الأولى الجفوف وهي وهي أن تدخل المرأة خرقة في فرجها فتخرج جافة ليس عليها شيء من الدم.
والثانية القصة البيضاء وهي ماء أبيض كالمني أو الجير المبلول وهو المسمى بالقصة، أي هي ماء رقيق يأتي في آخر الحيض كماء القصة وهي أبلغ للمعتادة من الجفوف، فإذا رأت الجفوف أولا انتظرت القصة لآخر الوقت المختار بحيث يسع الطهر مع إدراك الصلاة.
هذا حكم معتادة القصة وكذا معتادتهما معا.
وأما المبتدأة فحكمها أنها لا تنتظر القصة إذا رأت الجفوف أولا، بل تغتسل وتصلي وتصوم ويأتيها زوجها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويمنع وطؤها قبل غسلها، فإن فعل أثم
ولا كفارة عليه " والمعنى أن وطء الحائض والنفساء ممنوع بعد انقطاع الدم وقبل غسلها بالماء لقوله تعالى: {وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ
الجزء: 1 - الصفحة: 144
أَمَرَكُمُ اللهُ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة: 222] وقوله تعالى: ﴿حَتَّىَ يَطْهُرْنَ﴾ أي يغتسلن بالماء بعد انقطاع الدم فإذا تطهرن أي بالماء فأتوهن الآية.
ومن اقتحم الممنوع أثم، ويجب عليه الاستغفار ولا كفارة عليه.
قال ابن جزي في القوانين: ومنع الجماع بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال خلافا لأبي حنيفة، فإن وطئ في الحيض فليستغفر ولا كفارة عليه.
وقال ابن حنبل: يتصدق بدينار أو نصف دينار اهـ. واستدل القائل بالصدقة بالذي أتى امرأته وهي حائض قال له عليه الصلاة والسلام: " يتصدق بدينار أو بنصف دينار " رواه ابن عباس، ولكن رجح المحققون وقفه، والصحيح ما روي عن مالك في الموطأ، أنه قال: إن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار سئلا عن الحائض هل يصيبها زوجها إذا رأت الطهر قبل أن تغتسل؟ فقالا لا حتى تغتسل اهـ. هذا هو المشهور في المذهب.
وفي الرسالة: ولا يطأ الرجل امرأته التي انقطع عنها دم حيض أو نفاس بالتطهر بالتيمم حتى يجد من الماء ما تتطهر به المرأة، ثم ما يتطهران به جميعا اهـ. وفي الأخضري: ولا يحل للحائض صلاة ولا صوم، ولا طواف، ولا مس مصحف، ولا دخول مسجد، وعليها قضاء الصوم دون الصلاة.
وقراءتها جائزة.
ولا يحل لزوجها فرجها، ولا ما بين سرتها وركبتيها حتى تغتسل.
وفي المختصر: ووطء فرج، أي وكذا يمنع الحيض الوطء إجماعا وتجب منه التوبة لمسلمة أو كتابية أو مجنونة، ويجبرهن الزوج على الغسل لحلية الوطء، ويحل وطؤهن بذلك الغسل ولو لم تنوه لأنه لحلية الوطء من باب خطاب الوضع، وللصلاة من باب خطاب التكليف اهـ. الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا بأس بالاستمتاع بأعاليها شادة عليها إزارها " لما في الصحيحين والموطأ " عن مالك عن زيد بن أسلم أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
الجزء: 1 - الصفحة: 145
" لتشد عليها إزارها ثم شأنك بأعلاها " اهـ، وفي المختصر: أو تحت إزار ولو بعد نقاء.
قال الخرشي: أي ومنع الاستمتاع بما تحت إزار وهو ما بين السرة والركبة، وهما خارجان، ويجوز بما فوقه لقوله عليه الصلاة والسلام: " الحائض تشد إزارها وشأنه بأعلاها " قال ابن القاسم: شأنه بأعلاها أي يجامعها في أعكانها وبطنها أو ما شاء مما هو أعلاها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتجبر الكتابية على الغسل لزوجها المسلم " قال الحطاب عند قول خليل وطء فرج " أي فلا يجوز وطء الحائض حتى تطهر وتغتسل كما سيأتي، وسواء كانت مسلمة أو كتابية.
قال في المدونة في باب غسل الجنابة: ويجبر الرجل المسلم امرأته النصرانية على الطهر من الحيضة، إذ ليس له وطؤها كذلك حتى تطهر، ولا يجبرها في الجنابة لجواز وطئها كذلك اهـ قلت: ونص المدونة: وقال ابن القاسم عن مالك في النصرانية تكون تحت المسلم فتحيض فتطهر: إنها تجبر على الغسل من الحيضة ليطأها زوجها من قبل أن المسلم لا يطأ امرأته الحائض حتى تطهر من الحيض، وأما الجنابة فلا بأس أن يطأها وهي جنب اهـ.
تنبيه
: ذكر النفراوي على الرسالة في آخر باب التيمم: تنبيهين، قال الأول: من علم من زوجته أنه إن وطئ ليلا لا تغتسل زوجته إلا نهارا والحال أنه لا يمكنه الوطء إلا ليلا فإنه يجوز له الوطء ويأمرها أن تغتسل ليلا فإن خالفت فقد أدى ما عليه، ومن علم من زوجته أنها لا تغتسل إن جامعها فهل يجوز له وطؤها أو يجب طلاقها، فالمشهور أنه يجوز له وطؤها ويأمرها بالغسل ولو بالضرب مع ظن الإفادة، فإن لم تفعل عصت، ولا يجب طلاقها خلافا لبعضهم، وإنما يستحب فراقها فقط كاستحباب فراق الزانية ومن كانت على بدعة محرمة.
والثاني أي من التنبيهين فاقد الطهورين وقد تقدم ذكره في آخر باب التيمم في هذا الكتاب فراجعه إن شئت.
الجزء: 1 - الصفحة: 146
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والحامل تحيض، فإن تجاوزت عادتها فالمشهور عن ابن القاسم إن كان بعد ثلاثة أشهر تمادت إلى خمسة عشر يوما وبعد ستة أشهر عشرين يوما " وفي نسخة بإسقاط أشهر بعد ستة وكلاهما صحيح.
وفي القوانين لابن جزي: وأما الحامل إذا رأت الدم فهو حيض عند الإمامين خلافا لأبي حنيفة.
ثم إنها إذا لم تتغير عادتها فهي كغير الحامل، وإن تغيرت عادتها ففيها الأقوال الثلاثة التي في المعتادة.
وقال ابن القاسم: تمكث بعد ثلاثة أشهر خمسة عشر يوما، وبعد ستة أشهر عشرين يوما، وآخر الحمل ثلاثين يوما ونحو ذلك.
وقيل تمكث ضعف أيام عادتها اهـ، وفي الأخضري: وللحامل بعد ثلاثة أشهر خمسة عشر يوما ونحوها، وبعد ستة أشهر عشرين يوما ونحوها، فإن تقطع الدم لفقت أيامه حتى تكتمل عادتها.
يعني أن الحامل إذا مضى عليها ثلاثة أشهر بعد أن علقت بالحمل ونزل بها الحيض وتمادى بها زيادة على عادتها فإنها تمكث خمسة عشر يوما ونحوها كالعشرين، وبعد هذا يعتبر استحاضة، وإذا مضى لها ستة أشهر بعد أن علقت بالحمل ونزل بها الحيض واستمر زيادة على عادتها فإنها تمكث عشرين يوما ونحوها كالخمسة والعشرين ثم هي بعد ذلك مستحاضة، هذا إذا استمر عليها الدم ولم ينقطع فإنها تمكث ما سبق تقريره من الخمسة عشر ونحوها فإذا انقطع الدم أيامه بعضها إلى بعض حتى تكمل عادتها المعلومة على ما
تقدم من التفصيل ثم تصير بعد ذلك مستحاضة اهـ هداية المتعبد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأجراها المغيرة وأشهب مجرى الحائل " يعني أن الحامل إذا حاضت وتجاوزت حيضتها عن عادتها فحكمها حكم غير الحامل عند المغيرة وأشهب على التفصيل السابق.
والله الموفق للصواب.
انظر المطولات.
الجزء: 1 - الصفحة: 147
أحكام النفاس ولما أنهى الكلام على الحيض وما يتعلق بأحكامه انتقل يتكلم على مسائل النفاس وما يتعلق به فقال رحمه الله.
فَصْلٌ
في أحكام النفاس
يعني أن هذا الفصل قد عقده في بيان أحكام دم النفاس عقب فراغه من أحكام دم الحيض لمناسبة ما بينهما في غالب الأحكام، ولذا أتى بفصل، وفي نسخة بإسقاط لفظ فصل.
والمناسب عدم إسقاطه قال رحمه الله تعالى: " والصحيح أن أكثر النفاس معتبر بالعوائد ما لم يتجاوز ستين يوما " والنفاس شرعا: هو الدم الخارج من القبل بسبب الولادة، غير زائد على ستين يوما، فإن زاد على ستين يوما فليس بنفاس، فلا تستظهر، بل تغتسل وتصلي وتوطأ لأنها مستحاضة.
وفي أقرب المسالك: والنفاس ما خرج للولادة معها أو بعدها ولو بين توأمين، وأكثره ستون يوما، والطهر منه، وتقطعه، ومنعه كالحيض اهـ. وأما قول المصنف إن أكثر النفاس معتبر بالعوائد ما لم يتجاوز ستين، يعني العوائد تعتبر فيما دون الستين، فإن زادت على الستين فالحكم فيها حكم الطهر فلا عبرة بالعوائد.
وفي الأخضري: والنفاس كالحيض في منعه، وأكثره ستون يوما، فإذا عاودها الدم فإن كان بينهما خمسة عشر يوما فأكثر كان الثاني حيضا، وإلا ضم إلى الأول وكان من تمام النفاس اهـ. والحاصل أن دم النفاس لا حد لأقله ولو دفعة، كالحيض ولا يزيد على ستين يوما، وإن زاد على ستين تعتبر مستحاضة فلا تستظهر بل تغتسل وتصلي وتصوم.
الجزء: 1 - الصفحة: 148
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والظاهر أن المتخلل بين الوضعين حيض وقيل نفاس فتضم إليه ما بعده " قال في المختصر: والنفاس دم خرج للولادة ولو بين توأمين، وأكثره ستون يوما، فإن تخللها فنفاسان اهـ. التوأمان هما الولدان في بطن واحد، إذا كان بينهما أقل من ستة أشهر، يقال لكل واحد توأم، وللأنثى توأمة.
قال الخرشي: والمعنى أن الدم الذي بين التوأمين نفاس.
وقيل حيض.
والقولان في المدونة.
وعلى الأول فتجلس أقصى أمد للنفاس.
وعلى الثاني
فتجلس كما تجلس الحامل في آخر حملها عشرين يوما ونحوها على ما مر، ويصير الجميع نفاسا واحدا، وإليه ذهب أبو محمد البرادعي.
وقال الصاوي: وهو المعتمد قال العدوي على الزرقاني: وما تقدم من أنها تبني بعد وضع الثاني على ما مضى ومن الأول ظاهر حيث لم يحصل لها النقاء خمسة عشر يوما، فإن حصل النقاء خمسة عشر يوما ثم أتت بولد - أي الثاني - فإنها تستأنف له نفاسا لانقطاع حكم النفاس بمضي المدة المذكورة اهـ. وكذلك إذا كان بين التؤامين ستون يوما فأكثر فنفاسان.
أما إن كان بينهما أقل من ستين يوما فنفاس واحد وتبني على الأول إن دام الدم، بل وإن تخلل أقل الطهر.
قال الدردير على خليل: فإن تخلل التوأمين أقل من أكثره فنفاس واحد وتبني على الأول.
قال الدسوقي: قوله أقل من أكثره بأن تخللها خمسة وخمسون أو تسعة وخمسون يوما سواء كانت كلها أيام دم أوكان فيها أيام نقاء، لكن أقل من خمسة عشر يوما أي فتضم إلى الأول وكان نفاسا واحدا على المعتمد، إلا أنه قال العدوي على الزرقاني نقلا عن تقرير الخرشي أنه ينبغي أن يكون حكم الوضع قبل تمام الستين من ولادة الأول بأربعة أيام فأقل كحكم ولادتها بعد تمام الستين، فتستأنف للثاني نفاسا اهـ. قلت فهذا القول خلاف قول الدسوقي المتقدم آنفا، والحاصل أن المسألة ذات خلاف.
والله أعلم بالصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة، والنفساء مثلها
الجزء: 1 - الصفحة: 149
فيما يجب ويمتنع ويجوز.
والله أعلم " هذا واضح قد تقدم الكلام فيه.
نسأل الله حسن التوفيق.
ولما أنهى الكلام على الطهارة الكبرى والصغرى وما يتعلق بها، وجميع ما ينوب عنها من التيمم والمسح على الخفين والجبائر وغير ذلك أراد المصنف الشروع في المقصود بهذه الوسائل فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 1 - الصفحة: 150