الصلاة لغة الدعاء، قال الله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: 99] أي دعواته.
وقال تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 103] أي ادع لهم ﴿إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: 103] أي دعواتك طمأنينة لهم، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاءه الناس بصدقاتهم - أي بهديتهم - يدعو لهم.
فهذا معناها لغة.
وأما شرعا فهي الأقوال والأفعال المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم.
فهي فرض عين على كل مسلم مكلف، أي بالغ عاقل، ذكر أو أنثى، حر أو عبد، بلغته الدعوة، خال من الموانع كالحيض والنفاس.
فرضت بمكة ليلة الإسراء بعد عشر سنين وثلاثة أشهر من البعثة.
وقيل قبل الهجرة بسنة.
فالصلاة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.
اتفق الأئمة على أن تاركها جحدا وإنكارا كافر يقتل كفرا.
وأما تاركها كسلا وتهاونا فذهب الإمام إلى أنه يقتل كفرا أيضا.
وقال الشافعي ومالك: يقتل حدا لا كفرا.
وقال أبو حنيفة ولكنه يسجن حتى يصلي أو يموت في سجنه فهي من العبادات التي لا تقبل النيابة، بل هي بدنية محضة.
وهي ثلاثة أقسام: فرائض وسنن ونوافل.
وقد أجمع المسلمون على أن الصلاة المفروضة المعينة خمس صلوات في اليوم والليلة، وهي صلاة الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والصبح وكل واحدة منها لها وقتان اختياري وضروري.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يدخل وقت الظهر " أي المختار " بالزوال " أي يدخل أول المختار للظهر بزوال الشمس عن كبد السماء " وهي زيادة الظل بعد غاية نقصه " قال في الرسالة: ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن كبد السماء وأخذ الظل في
الجزء: 1 - الصفحة: 151
الزيادة، ويستحب أن تؤخر في الصيف إلى أن يزيد ظل كل شيء ربعه بعد الظل الذي زالت عليه الشمس.
وقيل إنما يستحب ذلك في المساجد ليدرك الناس الصلاة، وأما الرجل في خاصة نفسه فأول الوقت أفضل له.
وقيل أما في شدة الحر فالأفضل له أن يبرد بها وإن كان وحده لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم " وآخر الوقت أن يصير ظل كل شيء مثله بعد ظل نصف النهار اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وآخر الاختياري إذا صار ظل الشخص مثله بعد ظل الزوال، وهو أول وقت العصر وآخره مثليه " يعني قد أخبر أن آخر الوقت المختار للظهر هو أول المختار للعصر.
وقال في الرسالة في باب أوقات الصلاة: وأول وقت العصر آخر وقت الظهر.
وآخره أن يصير ظل كل شيء مثليه بعد ظل نصف النهار اهـ. والمذهب أن إقامة العصر أول وقتها أفضل.
قال مالك في المدونة: إن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله " إن أهم أموركم عندي الصلاة فمن حفظهما وحافظ عليها حفظ دينه، ومن ضيعها فهو لما سواها أضيع " ثم كتب " أن صلوا الظهر إذا كان الفيء ذراعا إلى أن يكون ظل أحدكم مثله، والعصر والشمس مرتفعة بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب فرسخين أو ثلاثة قبل غروب الشمس " اهـ وكذا في الموطأ بزيادة لفظة قبل غروب الشمس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمغرب بالغروب مقدر بفعلها بعد تحصيل شروطها " يعني أن المختار للمغرب يدخل بغروب قرص الشمس وهو وقت مضيق غير ممتد، يقدر بفعلها بعد تحصيل شروطها وهو طهارتا الخبث والحدث، كبرى وصغرى، مائية وترابية، وستر عورة، واستقبال قبلة، وأذان، وإقامة.
قال الخرشي: ويجوز لمحصل الشروط التأخير بقدر تحصيلها أن لو كان غير محصل لها؛ بأن يتأخر قليلا قدر الأذان والإقامة اهـ. وكذا في الدردير.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والعشاء بغروب الحمرة إلى منتهى الثلث " يعني
الجزء: 1 - الصفحة: 152
أن مختار العشاء الأخيرة يدخل بمغيب الحمرة الذي بالمغرب وهو الشفق، ثم يمتد إلى منتهى ثلث الليل الأول.
قال في الرسالة: فإذا لم يبق في المغرب صفرة ولا حمرة فقد وجب الوقت، ولا ينظر إلى بياض في المغرب، فذلك لها وقت إلى ثلث الليل ممن يريد تأخيرها لشغل أو عذر، والمبادرة بها أولى.
ولا بأس أن يؤخرها أهل المساجد قليلا لاجتماع الناس.
ويكره النوم قبلها والحديث لغير شغل بعدها اهـ.
قال المصنف رحمع الله تعالى: " والصبح بالفجر الصادق إلى الإسفار الأعلى " قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: وللصبح من طلوع الفجر الصادق للإسفار البين، أي أول المختار لصلاة الصبح من طلوع الصادق وهو ما ينتشر ضياؤه حتى يعم الأفق، احترازا من الكاذب وهو الذي لا ينتشر، بل يخرج مستطيلا يطلب وسط السماء دقيقا يشبه ذنب السرحان، أي الذئب، ثم يذهب، ثم يخرج الفجر الصادق، وينتهي مختاره إلى الإسفار البين، أي الذي تظهر فيه الوجوه ظهورا بينا وتختفي النجوم.
وقيل بل إلى طلوع الشمس ولا ضروري لها.
والصحيح أن لها ضروريا من الأسفار الأعلى إلى بلوغ الشمس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والأفضل التغليس بها " الضمير عائد إلى الصبح والغلس اختلاط ظلمة الليل بضياء النهار وهو معنى المبادرة بها.
يعني أن الأفضل للمصلي أن يصلي الصبح من أول وقتها بالغلس، لما في الحديث: " أفضل الأعمال الصلاة أول وقتها " هذا صريح في الصبح.
وأما لمصلي المغرب سواء كان فذا أو جماعة التعجيل.
قال المصنف رحمه الله: " وتعجيل المغرب " أي بعد تحقق الغروب لأن وقتها ضيق بقدر بعد تحصيل شروطها المتقدمة.
وأما غيرها وغير الصبح فالأفضل للمصلين جماعة التأخير.
الجزء: 1 - الصفحة: 153
قال المصنف: " وتأخير البواقي بمساجد الجماعة قدرا لا يضر بهم " يعني أنه يندب للنصلين جماعة تأخير غير الصبح والمغرب، وهي الظهر والعصر والعشاء، وقد تقدم أن إقامة العصر أول وقتها أفضل وهو المذهب.
قال الدردير: وأفضل الوقت أوله مطلقا إلا الظهر لجماعة فلربع القامة، ويزاد لشدة الحر لنصفها اهـ.
هذا ولو لمنفرد.
وقد قال صاحب الرسالة: أما في شدة الحر فالأفضل له أن يبرد بها وإن كان وحده كما تقدم.
وفي المختصر: والأفضل لفذ تقديمها مطلقا، وعلى جماعة آخره، وللجماعة تقديم غير الظهر وتأخيرها لربع القامة، ويزاد لشدة الحر.
وفيها ندب تأخير العشاء قليلا اهـ. قال الخرشي: يعني أن تقديم الصلوات صبحا أو ظهرا أو غيرهما، وفي صيف أو شتاء في أول الوقت بعد تحقيق دخوله، وتمكينه أفضل في حق المنفرد ومن ألحق به من الجماعة التي لا تنتظر غيرها كأهل الربط من غير مبادرة جدا لقوله تعالى: ﴿حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] ومن المحافظة عليها الإتيان بها أول وقتها اهـ. فهذا في غير الظهر كما تقدم، وأما الظهر فالأفضل للجماعة تأخيرها لربع القامة، وللإبراد ولو فذا في شدة الحر فتنبيه.
قال الدردير: فتحصل أنه يندب المبادرة في أول المختار مطلقا إلا لجماعة تنتظر غيرها فيندب تأخيرها، وتحته قسمان: تأخيرها لانتظار الجماعة فقط، وتأخيرها للإبراد لأن شدة الشمس من فيح جهنم كما في الحديث اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والإبراد بالظهر في الحر " والمراد بالإبراد التأخير بها حتى يذهب الشمس.
وقد سبق لنا أن الأفضل للجماعة تأخير الظهر لربع القامة، وللإبراد ولو فذا في شدة الحر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي إبراد المنفرد قولان " المتعمد من القولين أن المنفرد يقدم فيصليها في أول وقتها إلا في شدة الحر فإن الإبراد بها
أفضل له، لما في الرسالة من قوله: أما الرجل في خاصة نفسه فأول الوقت أفضل له، وقيل أما في شدة
الجزء: 1 - الصفحة: 154
الحر فالأفضل له أن يبرد وإن كان وحده؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: " أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم ".
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن شك في دخول الوقت لم يصل، وليجتهد، ويؤخر حتى يتحقق أو يغلب على ظنه دخوله، فإن تبين الوقوع قبله أعاد " يعني أن من شك وتردد في دخول الوقت وعدمه فلا يصلي بل عليه بالاجتهاد.
قال العلامة الدردير: ومن خفي عليه الوقت اجتهد بنحو ورد، وأما من لم يخف عليه الوقت بأن كانت السماء مصحية فلا بد له من تحقق دخول الوقت، ولا يكفيه غلبة الظن، فإن تبين عدم دخول الوقت بعد الصلاة وجب عليه الإعادة اهـ. وقال الصاوي: حاصله أنه إذا تردد هل دخل وقت الصلاة أم لا، أو ظن ظنا غير قوي الدخول، أو ظن عدمه، وسواء حصل ما ذكر قبل الدخول في الصلاة أو فيها فإنها لا تجزيه لتردد نيته، سواء تبين أنها وقعت قبله أو فيه أولم يتبين وقوعها فيه أو لم يتبين شيء، وإن تبين وقوعها قبله لا تجزئ اهـ مع حذف اهـ مع حذف.
قال الحطاب نقلا عن الزروق في شرح الإرشاد بعد إيراد المتن المذكور: يعني أن دخول الوقت شرط في جواز إيقاع الصلاة، كوجوبها، فلا يصح إيقاعها إلا تحققه بحيث لا يتردد فيه بعلم أو ظن يتنزل منزلة العلم.
وقد قال مالك: سنة الصلاة في الغيم أن تؤخر الظهر وتقدم العصر، وتؤخر المغرب حتى لا يشك في الليل، ويقدم العشاء ويؤخر الصبح حتى لا يشك في الفجر.
وما ذكره أي صاحب الإرشاد من العمل على غلبة الظن لم نقف عليه لغيره، لكن مسائلهم تدل على اعتبار الظن الذي في معنى القطع.
وفي الجواهر ما يدل عليه، ثم مع التحقيق أو ما في معناه، فإن كشف الغيب عن خلافه بطلت، كما إذا صلى شاكا ولو صادف.
انتهى كلام الزروق.
وقال الحطاب مذيلا عليه: وما ذكره في سنة الصلاة في الغيم ذكره غير واحد من أهل المذهب،
الجزء: 1 - الصفحة: 155
ومرادهم بقولهم وتعجيل العصر، أي بعد أن يغلب على ظنه دخول وقتها، وكذلك العشاء يصليها إذا غلب على ظنه مغيب الشفق، كما قال في الرواية ويتحرى ذهاب الحمرة.
ذكره صاحب الشامل وغيره.
والمقصود أن الصلاة التي تشارك ما قبلها لا يؤخرها كثيرا بل إذا غلب على ظنه دخول الوقت صلاها، بخلاف الصلوات التي لا تشارك ما قبلها كالظهر والمغرب والصبح فلا يصليها حتى يتحقق دخول الوقت اهـ.
ولما أنهى الكلام على المختار كان مما ينبغي أن يأتي بذكر الأوقات
الضروريات عقب المختار ليفوز الطالب بعلم ذلك، فقد اكتفى المصنف بذكر المختار فقط عن الوقت الضروري، وفي ذكره فائدة عظيمة كما فعل غيره.
وأنا إن شاء الله تعالى لتتم الفائدة للطالب مثلي.
قلت: أما وقت الضروري للظهر فمن أول القامة الثانية إلى الاصفرار وهو منتهى مختار العصر، ثم يشتركان في الضرورية إلى الغروب.
والضروري للمغرب من مقدار ما يسعها وشروطها إلى مضي ثلث الليل الأول، وهو منتهى مختار العشاء، ثم يشتركان في الضرورية إلى طلوع الفجر الصادق.
والحاصل أن ضروري المغرب وضروري العشاء يشتركان ويمتدان إلى طلوع الفجر الصادق، كما أن ضروري الظهر والعصر يشتركان ويمتدان إلى الغروب.
وتقدم أن للصبح ضروريا على الصحيح.
وهو من الإسفار الأعلى إلى طلوع الشمس، والكل أداء والقضاء ما بعد الضروري في الجميع.
وقال خليل في المختصر: والضروري بعد المختار للطلوع في الصبح، وللغروب في الظهرين، وللفجر في العشاءين اهـ. قال الحطاب: تقدم أن الوقت ينقسم إلى اختياري وضروري.
ولما فرغ من بيان الوقت الاختياري شرع في بيان الوقت الضروري.
ومعنى كونه ضروريا أنه لا يجوز لغير أصحاب الضرورات تأخير الصلاة إليه، ومن أخر إليه من غير عذر من الأعذار الآتية فهو آثم، اعلم أن هذا هو الذي يأتي على ما مشى عليه المصنف أي
الجزء: 1 - الصفحة: 156
الشيخ خليل.
وقيل إن معنى كونه ضروريا أن الأداء فيه يختص بأصحاب الضروريات، فمن صلى فيه من غير أهل الضروريات لا يكون مؤديا، وهذا القول نقله ابن الحاجب، وسيأتي بيان ذلك.
وذكر المصنف أي الشيخ خليل أن الضروري يدخل بعد خروج الوقت المختار المتقدم بيانه في جميع الصلوات.
فعلم من هذا أول الوقت الضروري، وذكر أن آخره يختلف بحسب الصلوات، ففي الصبح بطلوع الشمس، وفي الظهرين لغروب الشمس، وفي العشاءين لطلوع الفجر، فعلى هذا يكون الوقت الضروري للصبح من الإسفار الأعلى إلى طلوع الشمس، وللظهر من أول القامة الثانية أو بعد مضي أربع ركعات منها إلى الغروب، وللعصر من الاصفرار إلى الغروب، فما بعد الاصفرار ضروري للظهر والعصر، وللمغرب من بعد مضي ما يسعها بعد تحصيل شروطها إلى طلوع الفجر، وللعشاء من بعد ثلث الليل الأول إلى طلوع الفجر، فما بعد الثلث الأول ضروري للمغرب والعشاء اهـ.
ثم ذكر المصنف أحوال أصحاب الأعذار من حيث إدراكهم الصلاة في آخر وقت الضروري، كما أنهم يدركون المختار في آخره لبقاء الركعة منه بسجدتيها
فقال رحمه الله: " ويدرك المعذورون " أي يدركون الظهرين تامتين لبقاء خمس ركعات من النهار، كما أنهم يدركون العشاءين تامتين لبقاء أربع ركعات قبل الفجر، وإن كان الباقي من النهار قدر أربع ركعات أو دون ذلك وجبت الثانية وفاتت الأولى وكذا إن كان الباقي من الليل ثلاث ركعات فأقل يصلون العشاء وفاتت المغرب، وأما الصبح فهي تدرك لبقاء ركعة منها قبل طلوع الشمس.
والمراد بالمعذورين في قول المصنف: ويدرك المعذورون، أي أهل الأعذار الذين قام بهم العذر، وهم ثمانية أشخاص الحائض وذات النفاس، والكافر، والصبي، والمجنون، والمغمى عليه، والنائم، والناسي، وهؤلاء المعذورون.
وكل واحد منهم
الجزء: 1 - الصفحة: 157
يدرك الوقت ببقاء ركعة من الضروري بعد تحصيل الطهارة والستر، إلا الكافر إذا أسلم في الضروري فلا يقدر له الطهر.
ثم شرع المصنف يذكرهم فقال: " الحائض تطهرت " ومثلها النفساء التي انقطع عنها الدم لبقاء خمس ركعات فإنها تدرك الظهرين بعد تحصيل الطهارة والستر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمجنون والمغمى عليه يفيقان " فإنهما يدركان الظهرين في آخر الضروري لبقاء خمس ركعات من النهار بعد تحصيل الطهارة والستر، وفي الرسالة: والمغمى عليه لا يقضي ما خرج وقته في إغمائه، ويقضي ما أفاق في وقته مما يدرك منه ركعة فأكثر من الصلوات " وحكم من أغمي عليه حكم المجنون والسكران بحلال كلبن سواء " قال: وكذلك الحائض تطهر فإذا بقي من النهار بعد طهرها بغير توان خمس ركعات صلت الظهر والعصر، وإن كان الباقي من الليل أربع ركعات صلت المغرب والعشاء وإن كان الباقي من النهار أو من الليل أقل من ذلك صلت الصلاة الأخيرة، وإن حاضت لهذا التقدير لم تقض ما حاضت في وقته، وإن حاضت لأربع ركعات من النهار فأقل إلى ركعة، أو لثلاث ركعات من الليل، فقيل إنها حاضت في وقتيها فلا تقضيهما اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " الصبي يحتلم والكافر يسلم " يعني أن الصبي إذا احتلم، والكافر إذا أسلم في آخر الضروري لبقاء خمس ركعات من النهار فإنهما يدركان الظهرين بعد تحصيل الطهارة للصبي فقط والستر لهما لأن الكافر إذا أسلم لا يقدر له الطهارة على المشهور عند ابن القاسم.
وكذا إنهما يدركان إنهما يدركان العشاءين لبقاء أربع ركعات فأكثر من قبل الفجر.
قال مالك في المدونة في المجنون والمغمى عليه وإن أغمي أياما ثم يفيق، والحائض تطهر، والذمي يسلم إن كان ذلك في النهار قضوا صلاة ذلك اليوم، وإن كان في الليل قضوا صلاة تلك الليلة،
وإن كان في ذلك ما يقضي صلاة واحدة قضوا
الجزء: 1 - الصفحة: 158
منهما اهـ. ومعنى قضوا الآخرة أي إذا ضاق الوقت ولم يسع إلا أربع ركعات في الظهرين أو ثلاثا فأقل في العشاءين فإنه يصلي الأخيرة فقط وسقطت الأولى.
قال المصنف رحمه الله: " الظهرين " مفعول يدرك المتقدم.
ومعنى الظهرين صلاة الظهر والعصر أي إنهم أدركوا وقتيهما معا أداء.
وقال خليل والكل أداء.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لبقاء خمس ركعات بعد الطهارة والستر " يعني بغير توان، لأن الطهارة والستر شرطان من شروط صحة الصلاة، فلا بد منهما أي من تقديرهما، وجميع ما تقدم إنما هو في الصلاة الحضرية، وأما السفرية فأشار إليها المصنف بقوله: " ولثلاث في السفر " يعني أن المسافر الذي حقه أن يقصر الصلاة الرباعية إذا ضاق عليه الوقت وكان من أصحاب الأعذار فإنه يدرك الظهرين لبقاء مقار ثلاث ركعات قبل غروب غروب الشمس بعد زوال العذر.
وتحصيل الطهارة والستر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولدونهن إلى ركعة الثانية فقط " يعني أن المسافر إذا ضاق عليه الوقت ولم يبق بعد زوال عذره إلا مقدار ما يسع ركعتين أو ركعة واحدة بعد تحصيل الطهارة لمضي وقتها زمن العذر، هذا إذا كان عذره بما تقدم من الحيض والنفاس أو الكفر أو الصبا أو الجنون أو الإغماء، وأما الناسي والنائم ونحوهما فالحكم فيه كما ذكر صاحب الرسالة بقوله: ومن خرج ولم يصل الظهر والعصر وقد بقي من النهار قدر ثلاث ركعات صلاهما سفريتين، فإن بقي قدر ما يصلي فيه ركعتين أو ركعة صلى الظهر والعصر سفرية، ولو دخل لخمس ركعات ناسيا لهما صلاهما حضريتين، فإن كان بقدر أربع ركعات فأقل إلى ركعة صلى الظهر سفرية والعصر حضرية، وإن قدم في ليل وقد بقي للفجر ركعة فأكثر ولم يكن صلى المغرب والعشاء صلى ثلاثا والعشاء حضرية ولو خرج وقد بقي من الليل ركعة فأكثر صلى المغرب ثم صلى العشاء سفرية اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 159
وقد ذكر ابن جزي مثله في القوانين الفقهية مع زيادة البيان: قال: ومثال ذلك لو نسي الظهر والعصر في الحضر ثم سافر فذكرهما في السفر قبل الغروب لثلاث ركعات قصرهما، وإن بقي مقدار ركعتين أو ركعة أتم الظهر وقصر العصر.
وإن ذكرهما بعد الغروب أتمهما، فلو نسيهما في السفر ثم ذكر في الحضر قبل الغروب بخمس ركعات أتمهما، ولدون ذلك إلى ركعة قصر العصر، وإن ذكر بعد الغروب قصرهما.
ولو نسي المغرب والعشاء في الحضر ثم ذكرهما في السفر قبل الفجر بأربع ركعات قصر العشاء، ولدون ذلك إلى ركعة فاختلف هل يقصرها أو يتمها، وإن ذكر بعد
الفجر أتمهما، ولو نسيهما في السفر ثم ذكر في الحضر قبل الفجر بأربع أتم العشاء، ولدون ذلك إلى ركعة فاختلف هل يتمها أو يقصرها، وإن ذكر بعد الفجر قصرها اهـ. وإلى ما تقدم أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " ولأربع قبل الفجر العشاءين " يعني أن المسافر إذا ضاق عليه الوقت الضروري ولم يبق بعد زوال عذره من الليل إلا مقدار ما يسع أربع ركعات قبل الفجر فإنه أدرك العشاءين فيصلي المغرب ثلاث ركعات ويدرك العشاء بركعة كما تقدم البيان في ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولدونهن الأخيرة " يعني وإدراك أقل مما تقدم سواء حضرا أو سفرا فإنه يصلي الصلاة الأخيرة.
فحاصل ما تقرر من أحوال أصحاب الأعذار في جميع الحالات أنهم يدركون العشاءين في الحضر والسفر بأربع ركعات بقيت قبل طلوع الفجر، وإن كان الباقي دون ذلك فإنهم يصلون الصلاة الأخيرة وهي العشاء وسقطت الأولى وهي المغرب، سواء كان ذلك في الحضر أو في السفر، وإن كان أقل من خمس ركعات حضرا أو أقل من ثلاث ركعات سفرا سقطت الأولى وهي الظهر فيصلون الأخيرة زهي العصر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتسقط الأوليان " وهما الظهر في إدراك أقل من
الجزء: 1 - الصفحة: 160
خمس ركعات حضرية، أو أقل من ثلاث ركعات سفرية، أو المغرب في إدراك أقل من أربع ركعات قبل الفجر سواء كان في الحضر أو في السفر، وعلى أي حال تسقط الأوليان لأن وقتيهما قد فاتا في زمن العذر فلا قضاء فيهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والصبح لبقاء ركعة قبل الطلوع " وفي المختصر: وترك فيه الصبح بركعة.
يعني أنها تدرك بفضل ركعة قبل طلوع الشمس.
قال الدسوقي: حاصله أنه إذا زال العذر كالنوم والإغماء والجنون على ما يأتي وكان الباقي من ضروري الصبح ما يسع ركعة بسجدتيها فإنها تكون مدركة من حيث الأداء، ويتعلق به وجوب فعلها.
وإنما خص الصبح بالذكر مع أن الوقت الضروري يدرك بركعة مطلقا كان للصبح أو لغيرها؛ لأن غيرها يؤخذ من قوله بفضل ركعة عن الأولى إن كانت متعددة، وإلا فبركعة اهـ. وفي الحطاب: يعني أن الصبح تدرك في الوقت الضروري بمقدار ركعة تامة، فإذا أدرك منها ركعة، وهذا المشهور وهو قول ابن القاسم.
وقال أشهب: لا يشترط إدراك السجود بل يكفي إدراك الركوع قال في التوضيح: والخلاف مبني على فهم قوله صلى الله عليه وسلم: " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " قال الحطاب: يعني هل المراد بالركعة الركعة بتمامها، أو المراد بالركعة الركوع؟ قال في التوضيح: وقول ابن القاسم أولى لحمل اللفظ على الحقيقة.
وصرح ابن بشير بمشهوريته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وطرو العذر لمثل ذلك مسقط " يعني أن طرو عذر من الأعذار المتقدمة في تقدير الأوقات المذكورة مسقط للصلاة على ما تقدم بيانه في ذلك.
قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: وطرو غير النوم والنسيان فيه لما ذكر
الجزء: 1 - الصفحة: 161
مسقط لها، ولا يقدر طهر.
يعني فإذا طرأ العذر والباقي من الضروري قدر ما يسع ركعة لا أقل سقطت الصبح إذا لم يكن صلاها، وإن عمدا، وأخيرة المشتركين وهي العصر أو العشاء الأخيرة لحصول العذر في وقتها، وتخلدت في ذمته الظهر أو المغرب لعدم حصوله في وقتها، لما علمت أن الوقت إذا ضاق اختص بالأخيرة، وقدر ما يسع خمسا بالحضر أو ثلاثا بالسفر سقط الظهران معا، وقدر ما يسع أربعا قبل الفجر سقط العشاءان معا ولو بدون تقدير طهر في جانب السقوط على المعتمد اهـ. وفي المختصر: وأسقط عذر حصل غير نوم ونسيان المدرك.
الخرشي: يعني أن العذر المسقط إذا طرأ في الوقت المدرك لمن زال عذره أسقطه، فكما تدرك الحائض مثلا الظهرين والعشاءين بطهرها لخمس، والثانية فقط لطهرها لدون ذلك كذلك يسقطان إذا حصل الحيض لخمس قبل الغروب، أو تسقط الثانية وتتخلف الأولى عليها إن حاضت لدون ذلك، ولو أخرت الصلاة عامدة كما يقصر الصلاة المسافر، ولو أخرها عامدا، ونحوه لابن عرفة عن ابن بشير.
ومثل الحيض الإغماء والجنون.
وأما الصبا فلا يتأتى لأنه لا يطرأ.
وأخرج النائم والناسي فلا يسقطان المدرك، لكن يسقطان الإثم كما مر اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا النوم والنسيان.
والبلوغ في الوقت يوجب الإعادة فرضا " وأما النوم والنسيان فلا يسقطان الصلاة أي ولو استغرق النوم أو النسيان جميع الوقت.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] وفي الصحيحين عن أنس مرفوعا: " من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك " اهـ. وفي المدونة قال مالك: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من نسي صلاة فليصليها حين يذكرها " قال: ومن ذكر صلاة نسيها فليصلها إذا ذكرها في أي ساعة كانت من ليل أو نهار، عند مغيب الشمس أو عند طلوعها، قال وإن بدا حاجب الشمس فليصلها.
قال وإن غاب بعض الشمس فليصلها
الجزء: 1 - الصفحة: 162
إذا ذكرها ولا ينتظر، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها " قال مالك: فوقتها حين ذكرها فلا يؤخرها عن ذلك.
اهـ. وأما الصبي إذا بلغ في الوقت ولو الضروري وجبت عليه الصلاة ولو صلاها قبل ذلك لأنه لا ينوب تطوع عن واجب.
وقيل يكتفي بما مر منه، انظر ابن عرفة.
فإن بلغ أثناء صلاته إما بإنبات أو نتن إبط أو غلظ حنجرة كملها نافلة إن اتسع الوقت ثم صلاها فرضا، ولا تجزيه صلاته الأولى وإن نوى الفريضة، خلافا لعبد الكافي الأبوتيجي، فإن
ضاق الوقت قطع وابتدأ الفريضة ولا يعيد الوضوء قطعا: لأن البلوغ ليس من نواقض الوضوء.
قاله عبد الباقي الزرقاني على العزية اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقبل فوات الجمعة يوجب إتيانها " يعني أن من زال عذره وتحقق إدراك ركعة من صلاة الجمعة وجبت عليه.
قال الخرشي عند قول خليل في الجمعة أو بلغ: يعني أن من صلى الظهر ثم بلغ قبل تمام فعل الجمعة بحيث يدرك منها ركعة مع الإمام فإنها تلزمه ولا ينبغي أن يتخلف عنها كما في توضيحه، لأن ما أوقعه نفل، وبالبلوغ خوطب بها اهـ. وسيأتي قول المصنف في الجمعة: وقدوم المسافر والعتق والبلوغ والإقامة لوقت يدركها يوجب إتيانها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن تطهر وأدرك الوقت فأحدث لزمه ما كان أدرك وقته " وفي المواق عن ابن القاسم: لو أحدثت الحائض بعد غسلها أو المغمى عليه بعد وضوئه فتوضأ فغربت الشمس فليقضيا ما لزمهما قبل الحدث لأنها صلاة قد وجبت عليهما، وليس نقض الوضوء بالذي يسقطها، ولو كان اغتسلا أو توضأ بماء غير طاهر وصليا، ثم علما بعد غروب الشمس، فلا إعادة عليهما، وإن علما قبل أن يصليا أعادا الوضوء والغسل وعملا على ما بقي لهما بعد فراغهما ولم ينظرا إلى الوقت الأول، وهذه مسألة مخالفة للتي قبلها.
وقال ابن القاسم في الحائض تطهرت، والمغمى عليه يفيق لقدر أربع ركعات
الجزء: 1 - الصفحة: 163
من النهار، ثم ذكر صلاة نسيها يبدأ بالفائتة ثم يصلي العصر، كما لو ذكرت صلاة نسيتها لقدر أربع ركعات ولم تكن صلت العصر فإنها تبدأ بالفائتة، ثم تصلي العصر.
وكما لو حاضت حينئذ لسقطت العصر، فكذلك إذا طهرت حينئذ تجب عليها؛ لأن ما يسقط بالحيض يجب بالطهر اهـ باختصار.
وفي جواهر الإكليل: وإن تطهر من زال عذره في آخر الضروري وظن إدراكه بركعة فأحدث عمدا أو غلبة أو نسيانا قبل كمال الصلاة فتطهر فخرج الوقت فالقضاء واجب عليه لما أدركه عملا بالتقدير الأول عند ابن القاسم اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " وكذلك من ذكر صلاة منسية وإن خرج الوقت " تقدم لنا بيان هذه المسألة في شرح المسألة قبلها فراجع قول ابن القاسم في الحائض تطهرت، والمغمى عليه يفيق في آخر الوقت، ثم ذكر كل منهما صلاة منسية فإنه يبدأ بالفائتة إلخ.
ولما أنهى الكلام على أوقات الصلاة الاختياري والضروري وما يتعلق بأحكامهما انتقل يتكلم في بيان حكم الأذان.
فَصْلٌ
في أحكام الأذان
والأذان لغة هو مطلق الإعلام، وشرعا الإعلام بدخول وقت الصلاة المفروضة بالألفاظ المشروعة.
وهو سنة مؤكدة على المشهور بكل مسجد ولو تقاربت المساجد والجماعة طلبت غيرها للاجتماع في الصلاة فقال المصنف رحمه الله تعالى:
" الأذان سنة مؤكدة للمصلين الفرض في وقته جماعة " وفي الرسالة: والأذان واجب، أي وجوب السنن في المساجد والجماعات الراتبة.
فأما الرجل
الجزء: 1 - الصفحة: 164
في خاصة نفسه فإن أذن فحسن، ولا بد من الإقامة.
وأما المرأة فإن أقامت فحسن وإلا فلا حرج اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يؤذن ولا يقيم إلا مسلم ذكر مكلف عارف بالأوقات " يعني أن الأذان والإقامة لهما شروط لا يصح كل منهما إلا بها.
قال في العزية: ويشترط في المؤذن شروط صحة وشروط الكمال، فشروط الصحة أن يكون مسلما ذكرا بالغا عاقلا، وشروط الكمال أن يكون عدلا، عارفا بالأوقات، صيتا، متطهرا، قائما، مستقبل القبلة إلا لإسماع، وأن لا يكون قد صلى تلك الصلاة التي أذن لها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يشفع كلماته إلا الأخيرة " يعني أن المؤذن يأتي بألفاظ الأذان مثنى مثنى، بأن يكرر كل لفظ مرتين إلا الجملة الأخيرة، وهي قوله " لا إله إلا الله " فمرة واحدة.
وفي الرسالة: والأذان، أي ألفاظه الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، ثم ترجع بأرفع من صوتك أول مرة فتكرر التشهد فتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، فإن كنت في نداء الصبح زدت ها هنا: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم.
ولا تقل ذلك في غير نداء الصبح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، مرة واحدة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويرجع في الشهادتين " يعني أن المؤذن يرجع أي يكرر الشهادتين كما ذكره صاحب الرسالة موضحا.
قال خليل: يرجع الشهادتين
الجزء: 1 - الصفحة: 165
بأرفع من صوته أولا.
قال الخرشي: يعني أنه يسن للمؤذن أن يرجع
الشهادتين بأعلى من صوته بالشهادتين أولا ويكون صوته في الترجيع مساويا لصوته في التكبير هذا هو المعتمد اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويزيد التثويب في الصبح " يعني أن المؤذن يكرر التثويب وهو قوله: الصلاة خير من النوم، مرتين في نداء الصبح فقط كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يجوز قبل الوقت إلا لها " يعني أنه لا يجوز للمؤذن أن يؤذن قبل دخول وقت الصلاة حتى الجمعة إلا الصبح فقط.
قال في الرسالة: ولا يؤذن لصلاة قبل وقتها إلا الصبح فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل اهـ. قال مالك في المدونة: لا ينادي لشيء من الصلوات قبل وقتها إلا الصبح وحدها.
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن بلالا ينادي بليل فكلوا واشربوا، حتى ينادي ابن مكتوم " قال وكان ابن مكتوم رجلا أعمى لا ينادي حتى يقال له أصبحت أصبحت.
قال مالك: ولم يبلغنا أن صلاة أذن لها قبل وقتها إلا الصبح.
ولا ينادي لغيرها قبل دخول وقتها، ولا الجمعة اهـ.
ثم اعلم أنه ما أخر المصنف الكلام على الإقامة إلى أن يتم الكلام على الأذان كما فعل غيره من المصنفين كما ينبغي، لكنه أتى بهذا الطريق، أي بالإقامة في أثناء الكلام على الأذان لغرض أراده، فقال رحمه الله تعالى: " والإقامة آكد " يعني أن الإقامة أوكد من الأذان لاتصالها بالصلاة.
وحكمها أنها سنة الكفاية في حق الجماعة، وسنة العين في البالغ المنفرد، أو كان مع النساء، وأما المرأة فالإقامة في حقها مستحبة سرا، وإن لم تقم فلا إثم عليها.
وأما الرجل فلا بد له من الإقامة وإن قاضيا، وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى: " فيقيم القاضي والمنفرد " يعني أن القاضي الذي يقضي ما فاته من الصلاة،
الجزء: 1 - الصفحة: 166
والمنفرد الذي يصلي وحده فعلى كل واحد منهما أن يقيم إذا أراد أن يصلي، وإن لم يقم بأن تركها عمدا فقال ابن كنانة من تركها عمدا بطلت صلاته.
والمشهور في المذهب صحتها، فالاحتياط أن يحافظ على الإتيان بها ولا يتساهل في ذلك.
ويشترط أن يكون المقيم متوضئا لاتصالها بالصلاة، بخلاف الأذان فإن الوضوء فيه مندوب، لقول مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم ويشترط أن يكون المقيم متوضئا لاتصالها بالصلاة، بخلاف الأذان فإن الوضوء فيه مندوب، لقول مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم ويشترط أن يكون المقيم متوضئا لاتصالها بالصلاة، بخلاف الأذان فإن الوضوء فيه مندوب، لقول مالك في المدونة: لا بأس بأن يؤذن غير متوضئ، ولا يقيم إلا متوضئا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويوتر كلماتها إلا التكبير " وفي نسخة ويوتر كلماته بالتذكير، والصواب بالتأنيث كما قررناه؛ لأن الإقامة مؤنثة.
يعني أن ألفاظ الإقامة وتر، لا يثنى ولا يكرر شيء منها إلا التكبير فقط.
وفي الرسالة: والإقامة وتر: الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله.
وما
ذكرناه من إفراد الإقامة ما عدا التكبير فإنه مثنى هو المشهور، فإن شفع غير التكبير لا تجزئه الإقامة، قاله أبو الحسن علي الشاذلي في العزية اهـ.
وفي أقرب المسالك: وهي مفردة، أي الإقامة حتى قد قامت الصلاة، إلا التكبير منها أولا فمثنى.
قوله مفردة قال الصاوي في الحاشية: فلو شفعها كلها، أو جلها، أو نصفها بطلت، كإفراد الأذان كله أو جله، أو نصفه، لا الأقل فيهما اهـ.
ثم رجع المصنف إلى الكلام على المؤذن وبعض أوصافه المتقدمة بقوله رحمه الله تعالى: " صيتا متطهرا على علو مستقبلا " هذا قد تقدم لنا أنه من شروط كمال المؤذن أن يكون عدلا عارفا بالأوقات، وأن يكون صيتا متطهرا، وأن يكون قائما على شيء مرتفع وأن يكون مستقبل القبلة إلا لإسماع، وأن لا يكون قد صلى تلك الصلاة التي أذن لها.
الجزء: 1 - الصفحة: 167
قال خليل: وندب متطهر، صيت، مرتفع، قائم إلا لعذر، مستقبل إلا لإسماع اهـ. انظر الحطاب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا بأس بتصفحه يمينا وشمالا " يعني أن المؤذن يجوز له في حال أذانه أن يميل بوجهه يمينا وشمالا لإسماع الناس.
قال ابن حبيب: وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم " أمر بلالا أن يلتفت بوجهه يمينا وشمالا وبدنه إلى القبلة، ونهاه أن يدور كما يدور الحمار " اهـ. ذكره الحطاب.
ويجوز للمؤذن جعل إصبعيه على أذنيه حين الأذان والإقامة.
قال ابن الحاجب: ولا يكره الالتفات عن القبلة للإسماع، ولا يفصل بين كلمات الأذان بابتداء سلام ولا رده ولا غيرهما، فإن بذلك أو غيره فاحشا استأنف.
ولا يرد السلام إلا بالإشارة على المشهور اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يشتغل بالأكل والكلام " فإن وقع واحد منهما في أثناء الأذان، فإن كان ذلك يسيرا فلا شيء عليه فليمض في أذانه، وإن كان كثيرا بطل الأذان.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويبني ليسيره " يعني أن المؤذن إن اشتغل غير الأذان فإن طال ابتدأ الأذان لإخلاله بنظام الأذان وتخليطه على السامع لاعتقاده أنه غير أذان، وقال الحطاب: يعني فإن فصل بين كلمات الأذان بكلام أو سلام أو بشيء غير ذلك، فإن كان الفصل يسيرا كرد سلام أو كلام يسير فإنه يبني، وإن كان كثيرا فإنه يستأنف الأذان من أوله.
قال في النوادر: قال في المجموعة: ولا يتكلم في أذانه، فإن فعل بنى، إلا أن يخاف على صبي أو أعمى أو دابة أن يقع في بئر وشبهه فليتكلم ويبني.
قال ابن حبيب: وإن
عرضت له حاجة مهمة فليتكلم ويبني اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 168
وفي تبصرة اللخمي: ولا يتكلم في أذانه، فإن فعل وعاد بالقرب بنى على ما مضى، وإن بعد ما بين ذلك استأنفه من أوله.
ومثله إن عرض له رعاف أو غير ذلك مما يقطع أذانه، أو خاف تلف شيء من ماله أو مال غيره، أو خاف تلف أحد أعمى أو صبي أن يقع في حفرة فإنه يقطع ثم يعود إلى أذانه فيني في جميع ذلك إن قرب، ويبتدئ إن بعد اهـ مع إيضاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والأعمى يقلد عارفا بالوقت " يعني لا بد للمؤذن الضرير أن يعتمد على البصير في دخول الوقت لئلا يخطئ فيه ويلتبس على الناس.
قال خليل: وجاز أعمى.
قال الخرشي: والمعنى أنه يجوز أذان الرجل الأعمى كما تجوز إمامته إذا كان ثقة مأمونا، ويكون تابعا لغيره، أو لمعرفة ثقة.
وفضله أشهب في الأذان والإمامة على العبد
، ثم العبد الرضي على الأعرابي.
ثم هو على ولد الزنا اهـ. قال في المدونة: وجائز أذان الأعمى وإمامته.
ولفظ الأم: كان مالك لا يكره أن يكون الأعمى مؤذنا وإماما، وقال ابن ناجي في شرح المدونة.
والمراد بأذان الأعمى إذا كان تبعا لأذان غيره أو معرفة من يثق به إن حضر الوقت.
قال صاحب الطراز: قال مالك: وكان مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أعمى.
يريد ابن أم مكتوم.
ولا يختلف في حل أذانه إذا كان من أهل الثقة والأمانة، إلا أنه لا يرجع في الوقت ما يقع في نفسه دون أن يستخبر من يثق به ويثبت في أمره، وقال في مختصر الواضحة: لا بأس أن يؤذن ويؤم الأعمى والأقطع والأعرج وذو العيب في جسده إذا لم يكن العيب في دينه اهـ الحطاب، وقال الصاوي في حاشيته - بلغة السالك لأقرب المسالك -: تنبيه يجوز أذان الأعمى والراكب، وتعدده بمسجد واحد إذا كان المؤذن غير الثاني، وإلا كره.
واستظهر الحطاب الجواز حيث انتقل لركن آخر منه.
قلت: هذا في غير أذان الصبح، وإلا فلا بأس أن يؤذن لها في السدس الأخير من الليل، ثم يؤذن هو عند دخول الوقت.
ثم قال: والأفضل ترتبهم
الجزء: 1 - الصفحة: 169
إن لم يضيعوا فضيلة الوقت.
وجاز جمعهم إن لم يؤد لتقطيع، فإن أدى إلى تقطيع اسم الله حرم، وفوات الكلمات لبعضهم مكروه، ويجوز حكاية المؤذن قبله، والأفضل الاتباع ولا يكفي ما نقل عن معاوية أنه سمع المؤذن يتشهد فقال: وأنا كذلك، أي أتشهد، بل لا بد من اللفظ بمماثله حملا للحديث على ظاهره.
وجاز أخذ الأجرة عليه وعلى الإقامة أو مع الصلاة، وكره على الإمامة وحدها من المصلين، وأما من الوقف أو من بيت المال فجعلوه إعانة، وأما عادة الأكابر بمصر ونحوها إجازة الإمام في بيوتهم فالظاهر أنه لا بأس به لأنه في نظير التزام الذهاب للبيت.
ويكره للمؤذن ومثله الملبي رد السلام في الأثناء، ويرده بعد الفراغ، ولا بد من إسماع المسلم إن حضر اهـ. نقله الصاوي من المجموع.
قال المصنف رحمه الله: " ولا يؤذن للقضاء " يعني أن القاضي لا يشتغل بالأذان لأنه يزيدها تفويتا، والمطلوب المبادرة لبراءة الذمة، ولأن الأذان إنما شرع لفرض وقتي لا للفوائت، فإن الأذان فيها مكروه كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا المنفرد " والمعنى أن الشخص المنفرد إذا كان في الحضر فيكره له أن يؤذن، ومثله الجماعة التي لم تطلب غيرها كأهل الزوايا، لقول مالك رحمه الله: لا أحب الأذان للفذ الحاضر والجماعة المنفردة هذا إذا كانوا بالحضرة، أما إذا كانوا مسافرين فيندب لهم الأذان، كالمنفرد، ولو كان السفر دون مسافة القصر.
قال خليل في المختصر - يذكر المندوبات - وأذان فذ إن سافر.
قال الشارح: والمعنى أنه يندب الأذان للفذ - إن سافر - للحاضرة، أي إن كان بفلاة من الأرض، فليس المراد بالسفر السفر الشرعي، بل اللغوي، إلى أن قال: لا مفهوم للفذ، وكذا الجماعة التي لم تطلب غيرها، فيندب لهم الأذان في السفر، وأما إن طلبت غيرها فيسن في حقهم الأذان اهـ الخرشي، وفي الحديث عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي سعيد الخدري أنه قال له: " إني أراك تحب الغنم والبادية، فإذا
الجزء: 1 - الصفحة: 170
كنت في غنمك أو باديتك فأذنت بالصلاة فارفع صوتك بالنداء، فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة " قال أبو سعيد: سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
رواه البخاري والموطأ.
وفي الموطأ أيضا عن سعيد بن المسيب أنه كان يقول: من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك وعن شماله ملك، فإذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال.
وأخرج النسائي عنه صلى الله عليه وسلم: " إذا كان الرجل في أرض فأقام الصلاة صلى خلفه ملكان، فإذا أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة ما يراه طرفاه، يركعون بركوعه، ويسجدون بسجوده، ويؤمنون على دعائه " اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والنساء يقمن لا، فسهن " وفي نسخة ويقمن والواو، والمعنى أن الإقامة في حق كل واحدة منهن مستحبة، بأن تقيم لنفسها وتصلي فرضها منفردة إذا لم يكن معها ذكر بالغ، أو كان ولم يمكنها الاقتداء به لمانع من موانع الشرع وليس المعنى في قوله يقمن لأنفسهن بأن تقيم إحداهن وتؤم أخرى، لا، فإن ذلك غير مطلوب منهن.
قال مالك في المدونة: لا أذان على المرأة ولا إقامة، وإن أقامت فحسن وفي المختصر: وإن أقامت المرأة سرا فحسن.
قال الحطاب: يعني أن المرأة إن صلت وحدها فإن الإقامة في حقها حسنة، يعني مستحبة، وليست سنة كما في حق الرجل، وأما إذا صلت مع الجماعة فتكتفي بإقامتهم، ولا يجوز أن تكون هي المقيمة للجماعة لأن صوتها عورة، ولا تحصل السنة بإقامتها، كما لا تحصل سنة الأذان بأذانها.
وفي شرح
المدونة.
أنها تقيم لنفسها، لا أنها تقيم في المساجد للجماعة.
وإذا أقامت لنفسها فإنها تقيم سرا، كما أن المنفرد من الرجال يسر الإقامة.
ثم قال: وما ذكره المصنف من كون الإقامة في حق المرأة حسنة أي مستحبة هو المشهور، وهو مذهب المدونة.
قال فيها: وليس على المرأة أذان ولا إقامة، وإن أقامت فحسن.
قال ابن ناجي في شرح المدونة: المعروف من المذهب أن إقامتها حسنة كما قال اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 171
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويندب لسامعه حكايته " أي يستحب لمن سمع المؤذن أن يحكيه، أي يندب للسامع أن يحكيه ولو قبل تمام الأذان، بأن سمع أوله فيحكيه، ثم يسبقه في ذكر باقيه.
ومعنى الجواز خلاف الأولى، إذ المستحب متابعة الحاكي المؤذن قال خليل - عاطفا في الجائزات -: وحكايته قبله، وأجرة عليه أو مع صلاة، وكره عليها.
قوله وأجرة عليه، قال الخرشي: أي يجوز أخذ الأجرة على الأذان وحده، أو على الإقامة وحدها، أو على أحدهما مع الصلاة فريضة أو نافلة، وسواء أكانت الأجرة من بيت المال كما فعل عمر، أو من آحاد الناس على المشهور.
ومنعها ابن حبيب من آحاد الناس على الأذان.
وقوله وكره عليها، يعني أنه يكره أخذ الأجرة على الصلاة أي إمامتها مفردة فرضا ونفلا على مذهب المدونة.
قال ابن القاسم: وهو في المكتوبة عندي أشد كراهية، وإن وقعت صحت وحكم بها، كالإجارة على الحج، وأجازها ابن عبد الحكم، ومنها ابن حبيب كالأذان.
وتجوز الصلاة خلف من يأخذ الأجرة من غير كراهة، قاله في سماع أشهب، ومحل الكراهة إذا كانت الأجرة تؤخذ من المصلين، وأما إذا أخذت من بيت المال أو من وقف المسجد فلا كراهة، لأنه من باب الإعانة لا من باب الإجازة، كما قاله ابن عرفة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويبدل الحوقلة من الحيعلة " أي يقول لا حول ولا قوة إلا بالله بدل: حي على الصلاة حي على الفلاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي النافلة يحكي إلى منتهى الشهادتين " يعني يستحب لمن سمعه ما زاد على الشهادتين صحت إن أبدل الحيعلتين بحولقتين، وإلا بطلت إن قالهما عمدا أو جهلا لا سهوا وحكاية لفظ: الصلاة خير من النوم يبطل حتى النفل، لأنه كلام أجنبي من الصلاة.
وتكره حكاية الأذان في الفريضة أصلية كمنذورة، ويحكيه بعد فراغه.
قاله العلامة صالح
الجزء: 1 - الصفحة: 172
بن عبد السميع على العزية اهـ.
وفي أقرب المسالك: وندب حكايته لسامعه لمنتهى الشهادتين على المشهور، ولو كان السامع بنفل فلا يحكي الحيعلتين، وظاهره أنه لا يحكي ما بعدهما من تكبير
وتهليل أيضا وهو المشهور.
قال الصاوي عليه: فلو حكاه في النفل كله على القول الثاني ولم يبدل الحيعلتين بالحولقتين بطلت صلاته.
وأما حكايته في الفرض فمكروهة مع الصحة إن اقتصر على منتهى الشهادتين، أو أبدل الحيعلتين بالحولقتين، وإلا فتبطل كما تقدم في النفل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويقول اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمد الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد، اللهم اسقنا من حوضه بكأسه مشربا هنيئا سائغا رويا غير خزايا ولا ناكثين برحمتك يا أرحم الراحمين " يعني ينبغي أن يدعو بهذا الدعاء بعد الأذان لما فيه من عظيم النفع وعميم الفضل وجسيم الأجر.
قال النفراوي: ويستحب لكل من سمع الأذان أن يحكيه لمنتهى الشهادتين من غير ترجيع، كما يستحب للمؤذن والسامع أيضا أن يصلي ويسلم على النبي صلى الله عليه وسلم بعد فراغه ثم يقول عقب الصلاة والسلام: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته إنك لا تخلف الميعاد.
والدعوة التامة هي دعوة الأذان، والصلاة القائمة هي التي ستقام، والوسيلة هي درجة في الجنة، والمقام المحمود هو الشفاعة العظمى في فصل القضاء يوم القيامة، وسائغا: سهلا، وقوله ولا ناكثين أي ناقضين عهد الإيمان اهـ مع إيضاح.
وعن سعد بن أبي وقاص أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " من سمع المؤذن فقال مثل ما يقول، ثم يقول: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا غفر الله له " رواه مسلم بغير هذا اللفظ.
وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من قال
الجزء: 1 - الصفحة: 173
حين يسمع الأذان اللهم رب هذه الدعوة النافعة والصلاة القائمة صل على محمد عبدك ورسولك وأعطه الوسيلة والفضيلة والشفاعة حلت له شفاعتي يوم القيامة ". وعن عائشة، رضي الله عنها، أنها كانت إذا سمعت المؤذن قالت: " شهدت، وأمنت، وأيقنت، وصدقت، وأجبت داعي الله، وكفرت بمن أبى أن يجيبه " اهـ قاله الحطاب.
وينبغي أن يكون الأذان موقوفا بقليل السكت في جمله، بخلاف الإقامة فإنها معربة.
تنبيه
: ينبغي للمؤذن أن تحفظ عن الغلط في ألفاظ الأذان كالإقامة، لأن السلامة من اللحن في الأذان مستحب كما في الخرشي.
وقد نقل العلامة الشيخ محمد بن محمد المراكشي مؤلف سبيل السعادة عن التوضيح فقال: فائدة: يغلظ بعض المؤذنين في مواضع منها أن يمد الباء من أكبر فيصير أكبار، والأكبار جمع كبر وهو الطبل، فيخرج إلى معنى الكفر.
ومنها أنهم يمدون الهمزة في أول أشهد،
فيخرج إلى حيز الاستفهام، وكذلك يصنعون في أول الجلالة.
ومنها الوقوف على لا إله وهو خطأ، ومنها أن بعضهم لا يدغم تنوين محمد في الراء بعدها، وهو لحن خفي عند القراء، ومنها أن بعضهم لا ينطق بالهاء في حي على الصلاة وبالحاء في حي على الفلاح، فيخرج في الأول إلى صلا النار، وفي الثاني إلى غير المقصود اهـ. قلت: ومنها أن بعضهم يشبع الراء من أكبر بزيادة الواو بعدها، ومنها أن بعضهم يضم الكاف من أكبر، ومنها أن بعضهم يغلظ في لفظ حي على الصلاة حي على الفلاح بكسر اللام في على، وذلك في الأذان والإقامة، وهو خارج عن معنى المقصود اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 174
شروط الصلاة
ولما أنهى الكلام على الأذان والإقامة وما يتعلق بهما انتقل يتكلم على شروط الصلاة فقال رحمه الله:
فَصْلٌ
في شروط الصلاة
أي في بيان شروط الصلاة، وهي أربعة على الجملة: الأول استقبال القبلة، والثاني طهارة الحدث وطهارة الخبث، والثالث ستر العورة، والرابع البلوغ.
وسيأتي زيادة بيان على التفصيل بعد تعريف الشرط.
والشروط جمع شرط، وتجمع على شرائط وأشراط.
قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: وهي ثلاثة أقسام: شروط وجوب فقط، وشروط صحة فقط، وشروط وجوب وصحة معا.
والمراد بشروط الوجوب ما يتوقف عليه الوجوب، وبشروط الصحة ما تتوقف عليه الصحة، وبشرطهما ما يتوقفان عليه.
وشرط ما يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم.
فإن كان شرط وجوب فقط كالبلوغ قلت هو ما يلزم من عدمه عدم وجوب الشيء - كالصلاة مثلا - ولا يلزم من وجوده وجود الوجوب لاحتمال وجود مانع كالحيض، ولا عدم الوجوب، بل قد يحصل الوجوب وذلك عند انتفاء الموانع وتوافر الأسباب كدخول الوقت.
وإن كان شرط صحة فقط كالإسلام قلت: هو ما يلزم من عدمه عدم الصحة، ولا يلزم من وجوده وجود الصحة لجواز انتفاء شرط آخر كالطهارة، أو وجود مانع كالحيض، ولا عدمها، بل قد توجد إذا انتفت الموانع وتوافرت الأسباب.
وإن كان شرطا في الوجوب والصحة معا كالعقل بالنسبة للصلاة قلت هو ما يلزم من عدمه عدمهما ولا يلزم من وجوده وجودهما
الجزء: 1 - الصفحة: 175
ولا عدمهما.
وأما كونه لا يلزم من وجوده وجودهما فلجواز حصول مانع منهما كالحيض، وأما كونه لا يلزم من وجوده عدمهما فلجواز توافر
الأسباب وانتفاء الموانع وهي إذا توافرت مع انتفاء الموانع حصل الوجوب والصحة.
وأما شروط وجوبها فقط فاثنان البلوغ وعدم الإكراه على تركها.
فوجوبها يتوقف عليهما، لكن عدم الإكراه ليس بشروط وجوبها على التحقيق.
وأما شروط الصحة فقط فخمسة: طهارة الحدث، وطهارة الخبث على أشهر القولين، وقيل إن طهارة الخبث سنة.
والإسلام، وستر العورة، والاستقبال.
وأما شروطهما معا فستة: بلوغ الدعوة، والعقل، ودخول الوقت، والقدرة على استعمال الطهور، وعدم النوم والغفلة، والخلو من حيض ونفاس وهو خاص بالنساء اهـ.
قال المصنف مبتدئا بالشرط الأول وهو من شروط الصحة بقوله: " استقبال القبلة شرط في الصلاة " يعني أن استقبال القبلة شرط من شروط صحة الصلاة.
وسميت القبلة قبلة لأن المصلي يقابلها وتقابله، وهي على سبعة أقسام: الأولى قبلة تحقيق وهي قبلة الوحي كقبلته عليه الصلاة والسلام: بمعنى قبلة عيان وإن لم تعاين، وهي الكعبة.
الثانية قبلة إجماع وهي قبلة جامع عمرو بن العاص بمصر؛ لإجماع الصحابة عليها.
الثالثة قبلة استتار وهي قبلة من غاب عن البيت من أهل مكة أو عن مسجده عليه الصلاة والسلام.
الرابعة قبلة اجتهاد، وهي قبلة من لم يكن في الحرمين.
الخامسة قبلة بدل وهي جهة السفر للراكب على الدابة في النوافل حيثما في سفر قصر لقول الله تعالى: ﴿وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ الله﴾ [البقرة: 115] أي قبلته.
السادسة قبلة تخيير، وهي قبلة من لم يجد مجتهدا يقلده، أو تحير، أو نسي المجتهد، أو خفيت عليه الأدلة لسجن أو ظلمة أو حجاب أو غير ذلك.
وسيأتي عن المصنف.
فإن تحير تخير جهة.
السابعة قبلة عيان وهي استقبال عين القبلة لمن بمكة، أي مسامته بناء الكعبة بجميع البدن تيقنا من الأمن والقدرة، لأن القدرة
الجزء: 1 - الصفحة: 176
على اليقين تمنع الاجتهاد، فإن عجز فالجهة قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144] وروى البيهقي عن ابن عباس، رضي الله عنهما، قال: " إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " البيت قبلة لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض " اهـ وهذا الحديث وإن ضعف الترمذي بعض رجاله فمعناه صحيح لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.
وفي الحديث عن البراء بن عازب: قال " قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرا ثم وجه إلى الكعبة، فمر رجل قد كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم على قوم من الأنصار، فقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد وجه إلى الكعبة فانحرفوا إلى الكعبة " رواه الخمسة.
وهنا
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا في شدة الخوف " يعني أن الخوف الشديد مبيح للخائف إيقاع الصلاة على غير القبلة.
قال خليل: أو خوف من كسبع.
وفي المواق: قال مالك في المدونة: من خاف إن نزل من سباع أو غيرها صلى على دابته إيماء أينما توجهت به، فإن أمن في الوقت فأحب إلي أن يعيد بخلاف العدو.
قال ابن يونس: ووقته وقت الصلاة المفروضة قال اللخمي: ويسقط استقبال القبلة عن المكتوف، والمربوط، وصاحب الهدم، والمسايف للعدو، والخائف من اللصوص والسباع يخشى متى وقف أدركه العدو أو اللصوص أو السباع.
قال المصنف رحمه الله تعالى عاطفا على شدة الخوف: " والنافلة في سفر القصر على الدابة " يعني أن التنفل يجوز له أن يصلي حيث ما توجهت به الدابة قال ابن جزي في القوانين: الاستقبال شرط في الفرائض إلا في صلاة المسايفة، والراكب في السفر
الجزء: 1 - الصفحة: 177
يخاف إن نزل لصا أو سبعا فتجوز الصلاة حينئذ إلى القبلة وغيرها، وهو أيضا شرط في النوافل إلا في السفر فيصلي حيث ما توجهت به راحلته، ويومئ بالركوع والسجود، ويجعل السجود أخفض من الركوع، ولا يتكلم ولا يلتفت، وذلك بشرط أن يكون السفر طويلا ويكون راكبا.
ويصلي من في السفينة إلى القبلة، فإن دارت استدار: وروى ابن حبيب أنه يتنفل حيث سارت به كالدابة اهـ. وفي المختصر: وصوب سفر قصر لراكب دابة فقط، وإن بمحمل بدل في نفل وإن وترا.
قال الشارح: يعني أن جهة السفر للمسافر عوض له عن توجهه إلى الكعبة في النوافل، وإن وترا، لفعله عليه الصلاة والسلام ذلك، ويجري ركعتي الفجر وسجود التلاوة بشرط أن يكون سفره سفر قصر، وأن يكون لراكب دابة فلا يرخص في ذلك في حضر ولا فيما دون مسافة القصر، أو سفر غير مباح ولوالي القبلة، ولا لماش ولا لراكب سفينة.
والمحمل كالدابة وهو ما يركب فيه من شقدف وغيره.
وإذا استوفى هذه الشروط له أن يبتدئ تنفله إلى جهة سفره، ولا يجب عليه أن يبدئه إلى جهة القبلة اهـ.
ثم رجع إلى بيان وجوب استقبال الكعبة وجهتها لمن تأهل، فقال رحمه الله: " فيلزم معانيها إصابتها، وغيره جهتها " هذا في غير ما استثنى من الخائف والمتنفل في سفر قصر على الدابة، ومن كان في حالة الالتحام في قتال جائز فهؤلاء يجوز لهم الصلاة إلى القبلة وغيرها، ولا غيرهم، وأما أهل مكة فيلزمهم معاينة الكعبة من الأمن والقدرة كما تقدم.
وأما غيرهم ممن كان خارجا عنها فيلزمه التوجه إلى جهتها لقوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 144]
وفي المختصر: ومع الأمن استقبال عين الكعبة لمن بمكة، فإن شق ففي الاجتهاد نظر وإلا فالأظهر جهتها اجتهادا، كأن نقضت والعياذ بالله تعالى.
انظر حاشية الصاوي على أقرب المسالك عند قول مصنفه وهي عين الكعبة لمن بمكة إلخ.
الجزء: 1 - الصفحة: 178
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أشكلت تحرى " يعني أن المصلي إذا أشكلت عليه القبلة ولم يهتد بجهتها، ولم يجد من يقله فإنه يجتهد ويتحرى جهة ويصلي عليها، وإن تبين خطؤه في الصلاة قطع، وبعدها أعاد في الوقت، ووقته في الظهرين اصفرار الشمس، وفي العشاءين طلوع الفجر، وفي الصبح طلوع الشمس.
قال المصنف رحمه الله: " فإن تحير تخير جهة.
وقيل يصلي أربعا إلى أربع جهات " وفي المختصر: فإن لم يجد، أو تحير مجتهد تخير ولو صلى أربعا لحسن، وهو المختار عند اللخمي.
قال الدردير: والمعتمد الأول: فإن لم يجد غير المجتهد مجتهدا يقلده ولا محرابا تخير جهة من الجهات الأربع وصلى إليها صلاة واحدة وسقط عنه الطلب لعجزه.
وقال الدسوقي: وأما لو وجد ذلك المقلد من يقلده من مجتهد أو محراب وترك تقليد ما ذكر، واختار جهة تركن لها نفسه وصلى لها كانت صلاته صحيحة إن لم يتبين خطؤه، فإن تبين الخطأ فيها قطع حيث كان كثيرا، وإن تبين بعدها فقولان بالإعادة أبدا، أو في الوقت اهـ.
وإليه أشار المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " فإن تبين الخطأ في أثنائها استدار وبعدها لا إعادة " يعني أنه قد تقدم البيان في ذلك، لكن نذكر هنا نص المدونة لزيادة الإيضاح.
قال مالك فيمن استدبر القبلة أو شرق أو غرب فصلى وهو يظن أن تلك القبلة، ثم تبين له أنه على غير القبلة فقال: يقطع ما هو فيه ويبتدئ الصلاة، فإن فرغ من صلاته ثم علم في الوقت فعليه الإعادة.
قال: وإن مضى الوقت فلا إعادة عليه.
وقال أيضا: لو أن رجلا صلى فانحرف عن القبلة ولم يشرق ولم يغرب فعلم بذلك قبل أن يقضي صلاته فإنه يميل إلى القبلة ويبني على صلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وغير المجتهد يقلد عارفا جهتها كالأعمى " يعني أن غير المتأهل للاجتهاد سواء كان بصيرا أو أعمى يقلد عارفا بطريق القبلة بشرط أن يكون
الجزء: 1 - الصفحة: 179
مكلفا عدلا، أو يقلد محرابا وإن لم يكن من محاريب الأمصار.
انتهى بمعناه.
قال ابن جزي: المصلون ثلاثة: متيقن للقبلة، ومجتهد، ومقلد، وهي مرتبة فلا يجوز الانتقال عن واحد إلى ما بعده إلا بعد العجز عنه.
فالقطع لمن صلى في مكة، ومحراب النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة بمنزلة الكعبة.
والاجتهاد لمن صلى في سائر الأقطار إن قدر عليه، والتقليد لمن عجز عن الاجتهاد فيسأل مسلما
عاقلا عارفا بالقبلة ويقلده، فإن عدم من يقلد فقيل يصلي إلى حيث شاء، وقيل يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات اهـ. وقد تقدم أن المعتمد من القولين الأول.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وداخل القرية المسلمة يعمل على محرابها " يعني أنه قد تقدم أن غير المجتهد إذا لم يجد مجتهدا يدله على القبلة يقلد المحراب وإن لم يكن من محاريب الأمصار، هذا إذا كان بلدا عظيما حضر نصب محرابه إلى جهة الكعبة جمع من العلماء العارفين، وذلك كبغداد ومصر والإسكندرية وإلا فلمجتهد أن يعتمد على اجتهاده.
قال في المختصر: ولا يقلد مجتهد غيره ولا محرابا إلا لمصر.
وفي المواق: قال ابن القصار: يجوز تقليد محاريب البلاد التي تكررت صلواتها ونصبتها الأئمة، القباب: وهذا إذا لم تكن مختلفة ولا مطعونا عليها انظر المواق اهـ. قال الخرشي: وقوله ولا يقلد محرابا، يريد إن كان البلد الذي هو فيه خرابا، أما لو كان البلد عامرا: تتكرر فيه الصلاة ويعلم أن إمام المسلمين قد نصب محرابه، أو اجتمع أهل البلد على نصبه فإنه يجب أن يقلده، وهو معنى قوله إلا لمصر، ولا يجوز له الاجتهاد حينئذ اهـ.
ولما أنهى الكلام على الشرط الأول انتقل يتكلم على الشرط الثاني وهو الستر، ولما كان ستر العورة شرطا من شروط صحة الصلاة على القادر عليه أفرده المصنف بالفصل استقلالا واعتناء بشأن ذلك في الصلاة وخارجها، فقال رحمه الله:
الجزء: 1 - الصفحة: 180
فَصْلٌ
في ستر العورة في الصلاة وخارجها
أي في ستر العورة.
والمعنى أن المصنف رحمه الله عقد هذا الفصل في بيان وجوب ستر العورة بقوله: " ستر العورة شرط " أي في صحة الصلاة.
قال الخرشي: والعورة في الأصل الخلل في الثغر وغيره وما يتوقع منه ضرر وفساد، ومنه عورة المكان أي توقع الضرر والفساد منه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَة﴾ [الأحزاب: 13] أي خالية يتوقع فيها الفساد.
والمرأة عورة لتوقع الفساد من رؤيتها أو سماع كلامها، لا من العور بمعنى القبح لعدم تحققه في الجميلة من النساء لميل النفوس إليها.
وقد يقال المراد بالقبح ما يستقبح شرعا وإن ميل إليه طبعا.
وعبارة بعضهم: والعورة وهو القبح، لقبح كشفها لا نفسها، حتى قال محيي الدين بن عربي: الأمر بستر العورة لتشريفها وتكريمها لا لخستها، فإنهما - يعني القبلين - منشأ النوع الإنسان المكرم المفضل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهي من الرجل ما بين السرة إلى الركبة "
يعني أن عورة الرجل التي يحرم النظر إليها مابين السرة والركبة، فيجب على كل رجل مكلف سترها في جميع الأحوال، في الصلاة وخارجها، إلا في الخلوة فمستحبة، وكل ذلك إن قدر ووجد ما يستتر به بأي ساتر كان.
وعبارة المصنف شاملة للعورة المغلظة والمخففة، لأن العورة المغلظة هي السوءتان، وهما القبل والدبر وما والاهما من الأليتين والعانة والأنثيين، وما عدا ذلك من الفخذ عورة مخففة في حق الرجل، وفي الرسالة: والفخذ عورة وليس كالعورة نفسها.
قال شارحها: فغاية ما يقال إنه يكره كشفه مع غير الخاصة، والحرمة بعيدة لأنه عليه الصلاة والسلام كشف فخذه مع أبي بكر وعمر، ففي مسلم " عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا فخذيه وساقيه، فاستأذن أبو بكر فأذن له وهو على تلك الحالة فتحدث، ثم استأذن
الجزء: 1 - الصفحة: 181
عمر فأذن له وهو كذلك فتحدث، ثم استأذن عثمان فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم وسوى ثيابه فدخل وتحدث معه، فلما خرج قالت عائشة دخل أبو بكر فلم تباله، ودخل عمر فلم تباله - أي لم تهتم لدخولهما وتستر فخذيك - ثم دخل عثمان فجلست وسويت ثيابك، فقال: " ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة " والاستحياء منه مزية وهي لا تقتضي الأفضلية اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن الفخذ عورة مخففة يجوز كشفه مع الخواص، ولا يجوز مع غيرهم، فقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم فخذه مع أبي بكر وعمر، وستره حين أقبل عثمان، ثم ذكر الحديث المتقدم إلى آخره، وقال: ولذا لا يعيد الرجل الصلاة لكشفه ولو عمدا، وإلا أعادت الأمة في الوقت، والحرة أبدا لأنه من الأنثى عورة حقيقة مطلقا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن لم يجد إلا إزارا اتزر به، أو ثوبا واسعا التحف به وخالف طرفيه وعقدهما على عاتقه " يعني أن المصلي إذا لم يجد إلا إزارا واحدا فإنه يشده على وسطه ويصلي فيه ولا يعيد، وأما إن وجد ثوبا واسعا فإنه يلتحف به ويخالف طرفيه ويعقده على اعتقه، والعاتق هو ما بين المنكب والعنق.
والأصل في هذا حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " إذا كان الثوب واسعا فالتحف به " يعني في الصلاة.
ولمسلم " فخالف بين طرفيه، وإن كان ضيقا فاتزر به " رواه البخاري ومسلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتكره السراويل بانفرادها " وفي نسخة السراولة بمفردها.
والسراويل تذكر وتؤنث.
وفي المصباح: والجمهور أن السراويل أعجمية.
وقيل عربية، جمع سراولة تقديرا، والجمع سراويلات اهـ.
يعني أن الصلاة في السراويل مكوهة إلا إذا كان معها شيء.
وفي الأخضري:
وتكره الصلاة في السراويل إلا إذا كان فوقها شيء وفي الرسالة: ويكره أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء، فإن فعل
الجزء: 1 - الصفحة: 182
لم يعد اهـ. وما ذكر من كراهة الصلاة في السراويل محله إذا لم يكن شفافا، وإذا كان فوقهما شيء كثيف يحجب الوصف انتفت الحرمة والكراهية اهـ.
قال المصنف رحمه الله: " والمحدد لرقته " يعني أنه يكره لبس الثوب المحدد لأجل رقته، وهذا ليس مخصوصا بالسراويل، بل لجميع الثوب الرقيق الذي يصف الجسد أو العورة لرقته ولو بغير صلاة لإخلاله بالمروءة ومخالفته لزي السلف الصالح.
وفي المواق: قال ابن الحاجب ما يصف لرقته أو لتحديده يكره كالسراويل.
ومن المدونة: كره مالك الصلاة في السراويل.
ابن يونس لأنه يصف.
والمئزر أفضل منه.
قال خليل: لا بريح، وفي المواق: الذي لابن يونس من صلى في ثوب رقيق يصف أعاد، إلا أن يكون رقيقا لا يصف إلا عند ريح فلا يعيد اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والأمة كالرجل " يعني أن عورة الأمة كعورة الرجل.
وقد تقدم أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة.
قال في المختصر: وهي من رجل وأمة وإن بشائبة، وحرة مع امرأة ما بين سرة وركبة.
قال الخرشي: يعني أن عورة الرجل مع مثله، أو مع أمة ولو بشائبة من أمومة، فما دونها مع رجل أو امرأة بالنسبة للرؤية وللصلاة ما بين السرة والركبة، عورة الحرة مع حرة، أو أمة ولو كافرة بالنسبة للرؤية ما بين السرة والركبة وهما خارجان اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب ستر بدنها لا رأسها " يعني أنه يندب للأمة القن أن تستر جميع بدنها إلا الرأس فلا تستره للتمييز بينها وبين الحرة، كما يستحب لأم الولد والمبعضة تغطية العنق.
وأما فلا يستحب لها ذلك.
قال في المختصر: ولا تطلب أمة بتغطية رأس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " يستحب " تغطية المستولدة والمبعضة
الجزء: 1 - الصفحة: 183
العنق " قال العلامة العدوي في حاشيته على الخرشي: وحاصل ما في المقام أن أم الولد وغيرها اشتركتا في وجوب ستر ما بين السرة والركبة وفي ندب ما زاد على ذلك إلا الرأس، واختلفتا في الرأس، فأم الولد يندب لها أي ستر الرأس، وغيرها أقوال ثلاثة بالجواز، وندب التغطية، وندب عدمها.
قال أفاده علي الأجهوري رحمه الله.
ثم قال: والحاصل أن المعتمد ما قلنا كما أفاده شيخنا.
قال عياض الصواب ندب تغطيتها في الصلاة لأنها أولى من الرجال، ولا ينبغي اليوم الكشف مطلقا لعموم الفساد في أكثر الناس، فلو خرجت جارية مكشوفة الرأس في الأسواق والأزقة لوجب على الإمام أن يمنعها من ذلك، ويلزم الإماء بهيئة تميزهن من
الحرائر.
وبعض الشراح جعل كلام المصنف عاما، ولا تطلب أمة لا وجوبا ولا ندبا، بل يندب عدم التغطية كما صرح به ابن ناجي.
وقد كان عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، يضرب من تغطي رأسها من الإماء لئلا يشتبهن بالحرائر.
. وصوب سند الجواز كما نقله أبو سعيد؛ لأن غايتها أن تكون كالرجل، فإذا لم يستحب له كشف رأسه بل يجوز ففي الأمة أولى اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمرأة كلها عورة إلا وجهها وكفيها " يعني أن المرأة الحرة البالغة يجب عليها ستر جميع بدنها لأنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها لقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: 31] الآية.
أي لا يكشفن أبدانهن إلا عند أزواجهن أو أقربائهن ومن ذكر معهم في الآية الكريمة.
قال ابن جزي في القوانين الفقهية: وأما الحرة فكلها عورة إلا الوجه والكفين.
وزاد أبو حنيفة القدمين، ولم يستثن ابن حنبل.
ثم قال حكم المرأة في النظر إلى المرأة كحكم الرجل في النظر إلى الرجل، فيمنع النظر إلى العورة، ويجوز ما عدا ذلك.
وحكم المرأة في النظر إلى ذوي محارمها كحكم الرجل في النظر إلى الرجل.
وحكمها في النظر إلى الأجنبي كحكم الرجل مع ذوات محارمه وهو النظر إلى الوجه والكفين فقط على الأصح.
وقيل كنظر الرجل
الجزء: 1 - الصفحة: 184
إلى المرأة الأجنبية اهـ.
وفي العزية: وعورة المرأة الحرة مع أجنبي جميع بدنها إلا الوجه والكفين اهـ. وفي الأخضري: والمرأة كلها عورة ما عدا الوجه والكفين اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والساتر الحصيف لا الشفاف " يعني يشترط في الساتر الذي يستر عورته به أن يكون كثيفا.
قال ابن جزي: وأما الساتر فيجب أن يكون صفيقا كثيفا، فإن ظهر ما تحته فهو كالعدم، وإن وصف فهو مكروه اهـ. وفي الرسالة: وأقل ما يجزئ المرأة من اللباس في الصلاة الدرع الخصيفة 1 السابغة التي تستر ظهور قدميها، وهي القميص والخمار الخصيف.
قال الشارح: القميص هو الذي يسلك في العنق، وشرطه كونه كثيفا لا يصف ولا يشف.
وقوله: والخمار تتقنع به أي تغطي به رأسها وشعرها وعنقها، ولا يجوز لها أن تجعل الوقاية فقط فوق رأسها وتترك ذقنها وعنقها مكشوفين، ويشترط في الخمار من الكثافة ما يشترط في الدرع.
قاله النفراوي.
وفي الثمر الداني: الخمار بكسر الخاء المعجمة وهو ثوب تجعله المرأة على رأسها فشرطه شرط القميص من
كونه كثيفا لا يشف، فإن صلت بالخفيف النسج الذي يشف، فإن كان مما تبدو منه العورة بدون تأمل فإنها تعيد أبدا، وإن كان يصف العورة فقط أي يحددها فيكره وتعيد في الوقت.
والرجل كالمرأة في ذلك: فيجب على المرأة أن تستر ظهور قدميها وبطونهما وعنقهما ودلاليها، ويجوز أن تظهر وجهها وكفيها في الصلاة خاصة.
والأصل فيما ذكر قوله صلى الله عليه وسلم " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " يعني بالغة.
وفي رواية " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم
الجزء: 1 - الصفحة: 185
أتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار؟ قال: " إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها " اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن لم يجد إلا حريرا أو نجسا صلى به " يعني أن المصلي إذا لم يجد ما يستر به العورة إلا ثوب حرير أو نجس فإنه يصلي به للضرورة، وصحت صلاته، وإن تركه وصلى عريانا فإنه يعيد صلاته أبدا.
قال الدردير على أقرب المسالك: فإذا علم من يعيره ما يستر به عورته فلم يستعره وصلى عريانا بطلت.
وكذا من صلى عريانا مع وجود حرير أو نجس اهـ بمعناه.
قال خليل - مشبها بالإعادة في الوقت -: كمصل بحرير وإن انفرد أو بنجس بغير.
وقال بعد ذلك بقليل: وعصى وصحت إن لبس حريرا أو ذهبا أو سرق أو نظر محرما فيها.
قال الشارح: قوله كمصل بحرير تشبيه في الإعادة في الوقت، يعني أن من صلى بحرير أو بذهب لابسا لكل فإنه يعيد في الوقت، وإن انفرد باللبس مع وجود غيره خلافا لابن حبيب القائل بإعادته أبدا.
ويحتمل وإن انفرد في الوجود، أي لم يجد غيره حتى صلى به، خلافا لأصبغ القائل بعدم الإعادة.
وأما من صلى حاملا له في كمه أو في جيبه أو في فمه فلا إعادة عليه ولا إثم عليه.
وقوله أو نجس، أي وكذلك يعيد إلى الاصفرار إذا صلى بثوب نجس ذاتا أو عارضا لابسا له أو حاملا، ويعيد في شيء طاهر غير حرير، إذ لا فائدة في الإعادة بشيء نجس أو حرير.
وكذلك لا يعيد في الآخر إذا صلى بأحدهما اهـ الخرشي.
وأما قول خليل: وعصى وصحت إن لبس حريرا إلخ، قال المواق: أما إن صلى به مختارا فقد نص ابن الحاجب على أنه عاص، فإن كان معه ساتر غيره فقال ابن القاسم وسحنون يعيد في الوقت، وقال ابن وهب وابن الماجشون لا إعادة عليه.
قال ابن عرفة ونقل ابن الحاجب عدم صحة الصلاة لا أعرفه.
فانظر قول خليل وصحت، هل يريد ويعيد في الوقت لأن الإعادة في الوقت فرع الصحة، أو يكون بنى على قول ابن وهب وابن الماجشون؟
الجزء: 1 - الصفحة: 186
وأما إن صلى بثوب حرير بلا ساتر معه فقال ابن وهب وابن الماجشون أيضا لا إعادة عليه.
وقال أشهب: يعيد في الوقت.
وقال ابن حبيب يعيد أبدا.
ثم قال: وعبارة ابن يونس من صلى بخاتم ذهب أو ثوب
حرير وعليه ما يواريه غيره فليعد في الوقت.
وقال أشهب: لا إعادة عليه إلا أن يكون عليه غيره فليعد في الوقت.
وقال ابن حبيب إذا كان عليه غيره أجزأه وقد أثم، وإذا لم يكن عليه غيره أعاد أبدا.
قال ابن يونس: فصار فيمن صلى بثوب حرير عامدا ثلاثة أقوال: ابن وهب: لا إعادة عليه، أشهب يعيد في الوقت.
ابن حبيب: يعيد أبدا.
قال المأزري: يلزم ابن حبيب أن يعيد أبدا من صلى في دار مغصوبة أو ثوب مغصوب، والمعروف خلافه فانظر هذا كله مع لفظ خليل ومع ما تقدم عند قوله كمصل بحرير إلى أن قال: وكذا المعدوم شرعا هو كالمعدوم حسا، فالمصلي بثوب الحرير كأنه ليس ذلك الثوب عليه، فإن كان عليه غيره صحت الصلاة، وإلا فهو كعريان اهـ مع حذف شيء.
انظر الحطاب فإنه قد أتى بما يغني الطالب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي اجتماعهما يقدم النجس، وقيل الحرير " يعني أنه إذا اجتمع عند مريد الصلاة ثوبان! حرير ونجس ولم يجد غيرهما، فإنه يقدم النجس على الحرير، وهو قول أصبغ.
قال العدوي على الخرشي ضعيف.
قال الخرشي: وإذا اجتمع الحرير مع النجس، أو المتنجس قدم الحرير على المشهور، وهو قول ابن القاسم.
وفي الدردير على أقرب المسالك: وهو أي الحرير مقدم على النجس عند اجتماعهما وجوبا، لأنه لا ينافي الصلاة بخلاف النجس.
وقال الصاوي عليه: قوله مقدم على النجس وكذا على المتنجس، وهذا قول ابن القاسم.
وقال أصبغ: يقدم النجس، لأن الحرير يمنع لبسه مطلقا، والنجس إنما يمنع لبسه في حال الصلاة، والممنوع في حالة أولى من الممنوع مطلقا، والمعتمد ما قاله ابن القاسم اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 187
قلت: والمسألة ذات خلاف، ولذا قال ابن جزي في القوانين: وإن لم يجد إلا ثوبي حرير ونجس فاختلف بأيهما يصلي اهـ ونقل عن المواق عن المدونة ونصها:
من لم يكن معه غير ثوب نجس وثوب حرير فليصل بالحرير ويعيد في الوقت.
قال ابن يونس: لأن النجس غير مباح لأحد الصلاة به، والحرير مباح للنساء لبسه والصلاة به وللرجل في الجهاد فهو أخف، وقال أشهب: الأخص مقدم على الأعم، فيقدم النجس في الاجتناب لأنه أخص، كالمحرم يقدم الصيد على الميتة في الاجتناب اهـ. بالاختصار.
وفي حاشية العدوي على الخرشي: اعلم أن حاصل ما قيل أن الثوب النجس يصلي به اتفاقا، وفي الحرير الخلاف، وذلك لأن الثوب النجس جائز لبسه في جميع الأوقات إلا في حالة الصلاة، بخلاف الحرير، إلا أنه إذا اجنمعا يقدم الحرير، ومقتضى ما ذكر العكس.
والجواب أنه إذا صلى بالنجس مع وجود غيره تبطل، وأما الحرير فلا بطلان اهـ. قلت: وغاية الأمر أنه يعيد في الوقت لأن الإعادة في الوقت فرع الصحة كما تقدم.
وقد علمت فيما مر أن المشهور الذي اعتمد عليه المحققون قول ابن القاسم.
والله موفق للصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن عدم الساتر صلى عريانا بموضع ساتر قائما راكعا ساجدا " يعني أن من لم يجد الساتر بأن عجز عن كل ما يجب الاستتار به، فإنه يجب عليه أن يصلي عريانا بموضع لا يراه أحد، وليصلها كما هي قائما بالركوع والسجود.
ولا تسقط عنه لعدم الساتر ما دام يقدر على أدائها.
قال خليل: ومن عجز صلى عريانا، قال الدردير: أي وجوبا، وأعاد بوقت على المذهب.
وفي جواهر الإكليل: ومن عجز عن ستر عورته المغلظة صلى عريانا لأن اشتراط الستر في صحة الصلاة مقيد وهو عاجز عنه اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ومن لم يجد ثوبا صلى وحده عريانا قائما يركع ويسجد.
وقال أبو حنيفة: يصلي جالسا، فإن جاء الثوب وهو في الصلاة فاختلف
الجزء: 1 - الصفحة: 188
هل يستر ويتمادى أو يقطع ويبتدئ اهـ. وفي الأخضري: ومن لم يجد ما يستر به عورته صلى عريانا، قال عبد السميع الأزهري الآبي: يعني أن المكلف إذا ضاق عليه الأمر ولم يجد ما يستر به عورته من ثوب نجس أو حرير أو حشيش أو ورق أو طين يتمعك فيه وتعذر عليه جميع ذلك فيجب عليه أن يصلي عريانا ولا يؤخر الصلاة حتى يجد ما يستر به عورته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي جماعة العراة في الظلمة يتقدم إمامهم ويصلون كذلك.
وفي نهار أو ليل مقمر قيل ينفرد كل بموضع.
وقيل جماعة غاضين " يعني أن العراة الذين لا يقدرون على الثياب: إنهم يصلون أفذاذا يتباعد بعضهم عن بعض، ويصلون قياما.
وإن كانوا في ليل مظلم لا يتبين بعضهم بعضا صلوا جماعة، وتقدمهم إمامهم اهـ. قال ابن جزي: وإن اجتمع عراة في الظلام صلوا كالمستورين، وإن كانوا في الضوء تباعدوا وصلوا أفذاذا، وإلا صلوا جلوسا.
وقيل قياما ويغضون أبصارهم اهـ. وفي المختصر: فإن اجتمعوا بظلام فكالمستورين، وإلا تفرقوا، فإن لم يمكن صلوا قياما غاضين، إمامهم وسطهم.
قال الشارح: يعني أن العراة إذا اجتمعوا في ظلام الليل، أو لظلمة مكان فإنهم يصلون على هيئتها من قيام وركوع وسجود، ويتقدم إمامهم، فإن كان الاجتماع في ضوء كنهار أو ليل مقمر فإنهم يتفرقون إن أمكن ويصلون أفذاذا، فإن لم يمكن تفرقهم لخوف على مال أو نفس من عدو أو سبع أو لضيق مكان صلوا قياما غاضين أبصارهم، وركعوا وسجدوا وإمامهم وسطهم، فإن كان معهم في هذه الحالة نساء ينبغي أن يصلي الرجال ثم النساء، أي فرادى قائمات راكعات ساجدات، وتصرف كل طائفة وجهها عن الأخرى، ولو تركوا التفرق مع القدرة عليه فالظاهر أنه بمنزلة من صلى عريانا مع القدرة على الستر فيعيد أبدا.
وقيل في
الوقت.
ومثله
الجزء: 1 - الصفحة: 189
لو تركوا غض البصر.
ولا يقال هذا بمنزلة من نظر عورة إمامه أو غيره فيجري فيه ما تقدم؛ لأن ذلك مع الستر وهذا مع فقده كما في شرح الأجهوري اهـ الخرشي مع إسضاح.
ولنذكر بقية الأمثلة التي ذكرها الشيخ خليل هنا إتماما للفائدة وهي قوله: وإن علمت في صلاة بعتق مكشوفة رأس، أو وجد عريان ثوبا استترا إن قرب، وإلا أعادا بوقت، وإن كان لعراة ثوب صلوا أفذاذا، ولأحدهم ندب إعارتهم اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويمنع التلثم في الصلاة " التلثم عو تغطية الفم وما تحت الشفة السفلى بثوب.
وليس بحرام إلا لقصد الكبر، وإن قصد به الكبر فحرام، وإلا فمكروه على المشهور ولو في غير الصلاة.
وقد نقل الحطاب عن الزروق.
ونصه: قال الشيخ زروق في شرح الإرشاد عند قول صاحب الإرشاد ويمنع التلثم في الصلاة: أما التلثم فيمنع إذا كان لكبر ونحوه، ويكره لغير ذلك، إلا أن يكون ذلك شأنه، كأهل لمتونة، أو كان في شغل عمله من أجله فيستمر عليه.
وتنقب المرأة للصلاة مكروه؛ لأنه غلو في الدين، ثم لا شيء عليهالأنه زيادة في الستر اهـ. وفي المواق عند قول خليل: وانتقاب امرأة - من المدونة - قال مالك: إن صلت الحرة منتقبة لم تعد.
ابن القاسم وكذا المتلثمة.
اللخمي: يكرهان.
وتستدل على وجهها إن خشيت رؤية رجل اهـ. وفي الدسوقي: والحق أن اللثام يكره في الصلاة وخارجها سواء فعل لأجلها أو لا لأنه أولى بالكراهة من النقاب، وحينئذ فلا اعتراض على المصنف اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويكره كف الكم والشعر وشد الوسط لها " يعني أن كل هذه الأفعال مكروهة في الصلاة.
قال خليل: وانتقاب امرأة، ككشف كم وشعر لصلاة وتلثم.
وفي الرسالة: ولا يغطي أنفه أو وجهه في الصلاة، أو يضم ثيابه، أو يكفت شعره.
قال شارحها أبو الحسن في كفاية الطالب: والنهي عن هذه الأمور
الجزء: 1 - الصفحة: 190
كلها نهي كراهة إذا كان في الصلاة، وأما خارجها فلا كراهة لما في الحديث " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء " الحديث.
أما تغطية الأنف بالنسبة إلى المرأة فلأنه من التعمق في الدين، وأما بالنسبة إلى الرجل فللكبر إلا من كانت عادته ذلك كأهل مسوفة - بلد المغرب - فيباح له في الصلاة وغيرها، ويستحب له تركه في الصلاة.
وأما تغطية الوجه لهما - أي للرجل والمرأة - فللتعمق في الدين.
وأما ضم الثياب فإنما يكره إذا فعل ذلك لأجل الصلاة أو صونا لثيابه لئلا تتلوث ترابا لأن في ذلك ضربا من ترك الخشوع المطلوب في الصلاة.
وأما إذا كان في صنعة أو عمل فحضرته الصلاة وهو كذلك فيجوز له أن يصلي على ما هو عليه من
غير كراهة.
وأما كفت الشعر فإنما يكره إذا قصد بذلك خوف تلوثه، أما إذا كانت عادته ذلك لشغل فلا كراهة.
والأفضل أن يحل ذلك كله اهـ. وروي " إذا سجد الإنسان فسجد معه شعره كتب له بكل شعرة حسنة " وفي الحديث " أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء، ولا أكفت شعرا ولا ثوبا " فأخبر أن النهي إنما هو إذا قصد به الصلاة.
قال النفراوي والحاصل أن كلا من الانتقاب والتلثم والاحتزام والتشمير وضم الأكمام والشعر إنما يكره إذا فعل في الصلاة، ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة، ولا يكره شيء من ذلك لغير الصلاة إلا الانتقاب لمن لم يكن عادته ذلك.
ويفهم من ذلك أنه لو أحضرته الصلاة وهو محتزم أو شامر لثوبه لا تكره صلاته على تلك الحالة، وإن كان الأولى حل ذلك اهـ.
ثم ذكر المصنف شرطا ثالثا من شروط الصلاة بقوله رحمه الله تعالى: " وإزالة النجاسة شرط.
وقيل مع الذكر والقدرة " يعني أن إزالة النجاسة عن محمول المصلي شرط في صحة الصلاة.
وقيل فرض مع الذكر والقدرة.
والقول الثالث أنها سنة مؤكدة.
والقول بالسنية هو المشهور في المذهب؛ لأنه قول ابن القاسم عن مالك في المدونة.
واعتمد ابن رشد وابن يونس وعبد الحق.
وحكى بعض المحققين الاتفاق
الجزء: 1 - الصفحة: 191
عليه كما في الخرشي.
ولفظ المدونة عن مالك: رفع النجاسات من الثياب والأبدان سنة لا فريضة.
قال ابن رشد: وعليه فمن صلى بثوب نجس أعاد في الوقت - ولو عمدا - الظهرين للاصفرار، والعشاءين للفجر، والصبح للطلوع، والجمعة كالظهرين اهـ. وفي الرسالة: وطهارة البقعة للصلاة واجبة، وكذلك طهارة الثوب، فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض.
وقيل وجوب السنن المؤكدة اهـ. قال شارحها أبو الحسن في كفاية الطالب: وقد شهر كل من القولين.
وعلى الأول لو صلى بالنجاسة متعمدا قادرا على إزالتها أعاد أبدا، وإن صلى بها ناسيا أو عاجزا أعاد في الوقت، وعلى الثاني يعيد في الوقت مطلقا.
ثم قال: والوقت في الظهرين إلى الاصفرار، وفي العشاءين الليل كله، وفي الصبح إلى الإسفار اهـ. قال الزروق في شرحه على الرسالة: وذكر في البيان أن المشهور في المذهب قول ابن القاسم عن مالك أن رفع النجاسة من الثياب والأبدان سنة لا فريضة.
فمن صلى بثوب نجس على مذهبه ناسيا أو جاهلا مضطرا إلى الصلاة فيه أعاد في الوقت اهـ. قال النفراوي: وهذا القول أي بسنية إزالة النجاسة عن ثوب المصلي وبدنه شهره ابن رشد لأنه قول ابن القاسم رواه عن مالك كما تقدم اهـ. انظره في المطولات.
والله أعلم بالصواب.
ولما أنهى الكلام على الشروط وما يتعلق بجميع ذلك مما هو خارج الماهية
انتقل يتكلم على الماهية المعبر عنها بالركن والفرض والواجب واللازم والحتم، فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 1 - الصفحة: 192
فَصْلٌ
في أركان الصلاة
أي في الأركان.
واعلم أن المصنف عقد هذا الفصل في بيان أركان الصلاة والأركان جمع ركن.
وركن الشيء جزء ماهيته: أي حقيقته كما في المصباح.
والمراد بالصلاة مطلق الصلاة ولو نفلا.
وابتدأ بالركن الذي تركه المصلي تبطل صلاته فقال رحمه الله تعالى: " أركانها النية مقترنة بالتكبير " يعني أنه أخبر أن النية هي أول ركن من أركان الصلاة.
وقد أورد المصنف هنا اثنى عشر ركنا كما سيأتي.
والنية هي أصل كل العمل وأساسه.
وفي الصحيحين عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى " الحديث.
وشروطها في أول كل عمل، فيشترط هنا أي في الصلاة أن تكون مقرونة بتكبيرة الإحرام بأن يكون قصده مقارنا للفظ التكبير.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن قدمها بالكثير لم يجزه إلا يستصحبها ذكرا " بضم الذال ضد النسيان.
يعني أن تقديم النية على تكبيرة الإحرام أو تقديم تكبيرة الإحرام عليها قد تصح به الصلاة وقد تبطل أخرى.
قال خليل: وبطلت بسبقها إن كثر، وإلا فخلاف.
قال الشارح: يعني أن النية إذا سبقت أي تقدمت على تكبيرة الإحرام فإن الصلاة تبطل إن بعد السبق اتفاقا، وكذا إن تأخرت النية عن تكبيرة الإحرام مطلقا، فإن لم يبعد سبق النية لتكبيرة الإحرام بل تقدمت عنها بيسير فخلاف، البطلان لابن الحاجب وتلميذه عبد الوهاب فيشترط المقارنة، وعدمه لابن رشد حيث قال: تقدم النية قبل الإحرام بيسير جائز كالوضوء والغسل عندنا، والصوم عند الجميع اهـ.
وفي حاشية العدوي على الخرشي: وأما المقارنة فهي حال الصحة والكمال
الجزء: 1 - الصفحة: 193
اتفاقا.
قال في توضيحه أي خليل: والذي يظهر لي أن أقوال المتأخرين في اشتراط المقارنة معناها أنه لا يجوز الفصل بين النية والتكبير، لا أنه يشترط أن تكون مصاحبة له اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومحلها القلب بغير تلفظ، فإن تلفظ بها فواسع " قال الدردير في أقرب المسالك: وجاز التلفظ بها، لكن الأولى تركه في صلاة أو غيرها.
قال الصاوي: ويستثنى الموسوس فيستحب له التلفظ ليذهب عنه اللبس كما في المواق اهـ. قال ابن جزي: محل النية القلب، ولا يلزم النطق بها، وتركه أولى خلافا للشافعي اهـ. فالحاصل أن النطق بالنية مكروه وبدعة إلا
من كثر عليه الوسواس فيجوز له ذلك لدفع ما عليه من الوسواس.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو اختلف العقد واللفظ فالمعتبر العقد، والأحوط الإعادة " يعني لو تلفظ بالنية وخالف لفظه ما نواه في قلبه، كأن نوى صلاة الظهر مثلا وتلفظ بالعصر فالعبرة بما نواه لا بما تلفظ به.
وينبغي له الإعادة احتياطا، فإن لم يعد فلا شيء عليه.
وفي حاشية الصاوي على الدردير: تنبيه: إن خالف لفظه نيته فالعبرة بالنية إن وقع ذلك سهوا.
وأما عمدا فمتلاعب تبطل صلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يقصد أداء فرض الوقت " أي ينوي أداء الصلاة المعينة التي حضر وقتها كالظهر مثلا حال كونه " قائما مستقبلا " أي إلى القبلة إلا في ما استثني من شدة خوف أو متنفل على الدابة في سفر قصر كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " غير مقنع رأسه ولا مطأطئ له " يعني أن يكون عند تكبيرة الإحرام قائما مستقبلا معتدلا رافع رأسه ولا مطأطئه ويحضر بقلبه جلال الله عز وجل، ويشعر نفسه أنه واقف بين يديه يناجيه لأداء ما فرض عليه، ثم يكبر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثاني من أركان الصلاة " تكبيرة
الجزء: 1 - الصفحة: 194
الإحرام يتعين " لفظ " الله أكبر " يعني أن المصلي يتعين إذا أراد الدخول في الصلاة أن يقول الله أكبر، سواء كان إماما أو فذا أو مأموما، كانت الصلاة فرضا أو نفلا، ذات ركوع وسجود أو غيرها.
وفي الرسالة: والإحرام في الصلاة أن تقول الله أكبر، لا يجزئ غير هذه الكلمة اهـ. نعم اتفق أهل المذهب على أن غير الله أكبر لا يجزئ.
ذكره ابن ناجي في شرح الرسالة.
وفي الحديث " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وكلهم عن علي بن أبي طالب.
وخرجه الترمذي أيضا عن أبي سعيد الخدري تنبيه: قال المحقق عبد الرؤف المناوي في فيض القدير شرح الجامع الصغير: قد جعل الله لكل مطلوب مفتاحا يفتح به، فجعل مفتاح الصلاة الطهور، ومفتاح الحج الإحرام، ومفتاح البر الصدقة، ومفتاح الجنة التوحيد، ومفتاح العلم حسن السؤال والإصغاء، ومفتاح الصبر، ومفتاح المزيد الشكر، ومفتاح الولاية والمحبة الذكر.
ومفتاح الفلاح والتقوى، ومفتاح التوفيق الرغبة والرهبة، ومفتاح الإجابة الدعاء، ومفتاح الرغبة في الآخرة الزهد في الدنيا، ومفتاح الإيمان التفكر في مصنوعات الله، ومفتاح الدخول على الله استسلام القلب والإخلاص له في الحب والبغض، ومفتاح حياة القلوب تدبر القرآن بالأسحار وترك الذنوب، ومفتاح حصول الرحمة الإحسان في عبادة الحق والسعي في نفع الخلق،
ومفتاح الرزق السعي مع الاستغفار، ومفتاح العز الطاعة، ومفتاح الاستعداد للآخرة قصر الأمل، ومفتاح كل خير الرغبة في الآخرة، ومفتاح كل شر حب الدنيا وطول الأمل.
وهذا باب واسع من أنفع أبواب العلم، وهو معرفة مفاتيح الخير والشر، ولا يقف عليه إلا الموفقون اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثالث من أركان الصلاة " القيام لها " أي لتكبيرة الإحرام للقادر عليه في الفرض ولو كفائيا، فلو كبر القادر جالسا في الفرض
الجزء: 1 - الصفحة: 195
ثم قام فصلاته باطلة، وكذا لو كبر راكعا، إلا أن ينوي بها الإحرام على أحد القولين في المسبوق.
وأما العاجز والمتنفل فيجوز لهما الجلوس عند تكبيرة الإحرام.
قاله ابن تركي في " الجواهر الزكية " مع طرف من الصفتي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الرابع من أركان الصلاة " الفاتحة، يفتتحها بالحمد لله رب العالمين " أي فاتحة الكتاب، وهي الحمد لله رب العالمين إلخ وقوله: يفتتحها بالحمد يقرأ بضم الدال تأدبا بالقرآن، يعني أن الركن الرابع من اركان الصلاة قراءة الفاتحة، فهي فرض لكل مصل إلا من كان خلف الإمام فيستحب له قراءتها في السرية دون الجهرية، وفي الموطأ: أن عبد الله بن عمر كان إذا سئل هل يقرأ أحد خلف الإمام قال: إذا صلى أحدكم خلف الإمام فحسبه قراءة الإمام، وإذا صلى وحده فليقرأ.
قال: وكان عبد الله بن عمر لا يقرأ خلف الإمام.
قال يحيى سمعت مالكا يقول: الأمر عندنا لأن يقرأ الرجل وراء الإمام فيما لا يجهر فيه الإمام بالقراءة، ويترك القراءة فيما يجهر فيه الإمام بالقراءة اهـ ثم اعلم أنه يجب لمن لم يحسن الفاتحة أن يتعلمها إن اتسع الوقت لذلك، وكان يقبل التعليم، ووجد من يعلمه ولو بأجرة وجدها، وإلا وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها إن وجده، ووجد من يعلمه ولو بأجرة وجدها، وإلا وجب عليه أن يأتم بمن يحسنها إن وجده، فإن وجده ولم يأتم به بطلت صلاته.
وأما قوله: يفتتحها بالحمد لله رب العالمين إشارة إلى ما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: " إن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين " رواه البخاري ومسلم، وزاد مسلم " لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها " وفي رواية لأحمد والنسائي " لا يجهرون ببسم الله الرحمن الرحيم " وفي الموطأ " عن أنس بن مالك أنه قال: قمت وراء أبي بكر وعمر وعثمان فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إذا افتتح الصلاة " وإليه ذهب أبو محمد في الرسالة، فإنه قال في باب صفة العمل: ثم تقرأ، فإن كنت في الصبح قرأت جهرا بأم القرآن لا تستفتح
الجزء: 1 - الصفحة: 196
ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها اهـ. قال النفراوي: أي لا
تقرؤها لا سرا ولا جهرا، وإماما كنت أو فذا أو مأموما لأنها عند الإمام أحمد وأبي حنيفة ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة فينهى المصلي عن قراءتها في الفريضة نهي كراهة، هذا هو المشهور في المذهب، ولابن نافع قول بوجوبها كمذهب الشافعي.
وعند الإمام مالك في المبسوط إباحتها، وعزى لابن مسلمة ندبها، ودليل المشهور حديث عبد الله بن مغفل، والعمل.
قلت: وكذا حديث أنس المتقدم وحديث عائشة، انظر (رسالة الإنصاف فيما بين العلماء من الاختلاف) للعلامة المحقق ابن عبد البر النمري القرطبي المتوفى سنة 463 هجرية، فقد أتى بما لا يستغنى عنه من هذا الشأن، وعليك بها والله يتولى التوفيق، وكان المأزري يأتي بها سرا فكلم في ذلك فقال: مذهب مالك على صحة صلاة من يبسمل، ومذهب الشافعي على قول واحد ببطلان صلاة تاركها والمتفق عليه خير من المختلف فيه.
وقد ذكر القرافي وابن رشد والغزالي وجماعة أن من الورع الخروج من الخلاف بقراء البسملة في الصلاة، ومثل ذلك قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بعد إحدى التكبيرات، لكن مع بعض دعاء لتصير الصلاة صحصحة باتفاق، لأن الدعاء عندنا ركن.
. ومحل كراهة البسملة في الفريضة إذا أتى بها على وجه أنها فرض من غير تقليد لمن يقول بوجوبها، وأما إذا أتى بها مقلدا له، أو بقصد الخروج من الخلاف من غير تعرض لفريضة ولا نفيلة فلا كراهة، بل واجبة إذا قلد القائل بالوجوب، ومستحبة في غيره، وأما البسملة والتعوذ في النافلة فالجواز من غير كراهة اهـ النفراوي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمشهور وجوبها في أكثرها.
وقال القاضي أبو محمد بل في كل ركعة " يعني أنه اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في تارك قراءة الفاتحة في الصلاة على ثلاثة أقوال، والترك إما عمدا أو سهوا، أما العمد فلا
الجزء: 1 - الصفحة: 197
إشكال في بطلان صلاة تاركها، وأما السهو فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يترك القراءة في الصلاة كلها، أو في ركعتين منها، أو في ركعة من الصبح أو الجمعة أو غيرهما.
وانظر أقوال العلماء في جميع ذلك في المطولات، لكن المعتمد أن قراءة الفاتحة فرض واجب على المصلي في كل ركعة كالركوع والسجود، ويؤيد ذلك ما قرره الشيخ صالح عبد السميع في شرحه على الرسالة المسمى بالثمر الداني من قوله: وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة - يعني قراءة أم القرآن في الصلاة كلها - هو قول الأكثر، وهو الراجح، ومقابله ما رواه الواقدي عن مالك أنه إذا ترك القراءة في الصلاة كلها أن صلاته تجزئه، وما ذكره من عدم الجبر في ترك القراءة في الركعتين قال ابن ناجي هو مؤثر في البطلان اهـ.
فهذا ظاهر في وجوب قراءة الفاتحة في كل ركعة فتأمل.
قال القاضي أبو محمد في
الرسالة: ولا يجزئ سجود السهو لنقص ركعة ولا سجدة، ولا لترك القراءة في الصلاة كلها أو في ركعتين منها، وكذلك في ترك القراءة في ركعة من الصبح، واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غيرها، فقيل يجزئ فيه سجود السهو قبل السلام، وقيل يلغيها ويأتي بركعة، وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة ويعيد الصلاة احتياطا وهذا أحسن ذلك إن شاء الله تعالى اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الخامس من أركان الصلاة " الركوع " وفي العزية الخامسة أي من فرائض الصلاة الركوع، وأكمله أن ينحني بحيث يستوي ظهره وعنقه، وينصب ركبتيه، ويضع كفيه عليهما، ويجافي الرجل مرفقيه عن جنبيه، ولا ينكس رأسه بل يكون ظهره مستويا اهـ. قلت إنه قد اتفق الأئمة على ركنيه الركوع والسجود، ولا خلاف بين الأمة في ذلك كما هو معلوم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأكمله تمكين راحتيه من ركبتيه معتدلا
الجزء: 1 - الصفحة: 198
رأسه وظهره ولا يبزخ " المعنى أن أكمل الركوع أن ينحني ويمكن كفيه على ركبتيه حال كونه معتدلا بأن يسوس رأسه وظهره، ولا يطأطئه.
وقوله: ولا يبزخ، البزاخ خروج الصدر ودخول الظهر.
وقيل ولا يبزخ أي ولا يرفع.
وفي نسخة ولا ينزح بالنون والحاء المهملة وهي خطأ، وصوابه بالباء الموحدة التحتانية والخاء المعجمة اهـ.
وفي الرسالة: فإذا تمت السورة كبرت في انحطاطك للركوع فتمكن يديك من ركبتيك، وتسوي ظهرك مستويا، ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه، وتجافي بضبعيك عن جنبيك، وتعتقد الخضوع بذلك في ركوعك وسجودك اهـ وفي جواهر الإكليل: وأكمل الركوع أن يسوي فيه ظهره ورأسه فلا ينكسه ولا يرفعه، والذي فهمه أبو الحسن والإمام سند من المدونة أن وضع اليدين على الفخذين في الركوع مستحب، وفهم اللخمي والباجي منها وجوبه.
وأما نصب الركبتين فمندوب اتفاقا اهـ مع إيضاح.
تنبيه: قال الأقفهسي في شرح الرسالة: ولو كان بيديه ما يمنع وضعهما على ركبتيه أو قصرتا كثيرا لم يزد في الانحناء على تسوية ظهره، فإن كانت إحداهما مقطوعة وضع الباقية على ركبتها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن السادس من أركان الصلاة " الرفع منه " أي الرفع من الركوع من فرائض الصلاة، فتبطل الصلاة بتعمد تركه.
قال الدسوقي: وأما إن تركه سهوا فيرجع محدودبا حتى يصل لحالة الركوع ثم يرفع ويسجد بعد السلام، إلا المأموم فلا يسجد لحمل الإمام لسهوه، فإن لم يرجع محدودبا ورجع قائما لم تبطل صلاته مراعاة لقول ابن حبيب إن تارك الرفع
من الركوع سهوا يرجع قائما لا محدودبا ويسجد من غير إعادة الركوع، أي لا يكون كتارك الركوع في إعادته اهـ بتصرف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن السابع من أركان الصلاة " السجود على جبهته " قال الدردير على خليل: وهي مستدير ما بين الحاجبين إلى الناصية، أي على
الجزء: 1 - الصفحة: 199
أيسر جزء منها، وندب إلصاقها بالأرض وما اتصل بها كسرير على أبلغ ما يمكنه.
وكره شده بأرض بحيث يظهر أثره في جبهته كما يفعله الجهلة.
وأما قوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] معناه خضوعهم وخشوعهم في وجوههم من أثر عبادتهم كما ذكره الأمير في ضوء الشموع.
ويشترط استقرارها على ما يسجد عليه، فلا يصح على تبن أو قطن إلا إذا اندك لارتفاع العجيزة عن الرأس، أي لا يشترط ذلك بل يندب اهـ مع إيضاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي " وجوب السجود على " الأنف " وسنيته أو استحبابه " خلاف " يعني أنه اختلف العلماء في السجود على الأنف، قيل إنه سنة، وقيل مستحب.
قال في المختصر: وأعاد لترك أنفه بوقت.
قال الدردير ولو في سجدة واحدة سهوا مراعاة للقول بوجوبه وإلا فهو مستحب على الراجح ولا إعادة لمستحب اهـ. وقد عد صاحب الأخضري السجود على الأنف من سنن الصلاة، وفي الجواهر الزكية: السجود على الجبهة والأنف، فإن ترك الأنف أعاد في الوقت، وإن سجد على أنفه دون جبهته أعاد أبدا على المشهور.
قلت هذا كما في المدونة.
قال مالك فيها: والسجود على الجبهة والأنف جميعا.
قال ابن القاسم: فإن سجد على الأنف دون الجبهة أعاد أبدا، وإن سجد على الجبهة دون الأنف أجزأه.
وقال عبد الوهاب: ويعيد في الوقت استحبابا، قال المواق اهـ. وفي شرح العزية للشيخ صالح بن عبد السميع الأزهري قال: قال الحطاب: والسجود على الأنف مستحب على الراجح، وإنما الإعادة لترك السجود عليه بالوقت الاختياري، مراعاة لمن يقول بوجوبه، وإلا فالمستحب لا يترتب عليه سجود بتركه.
وقيل سنة، فالمسألة ذات أقوال ثلاثة المعتمد منها الاستحباب اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثامن من أركان الصلاة " الرفع منه
الجزء: 1 - الصفحة: 200
للفصل " يعني أن الركن الثامن من أركان الصلاة الرفع من السجود لأجل الفصل بين السجدتين، والضمير في منه عائد إلى السجود المتقدم ذكره.
قال الدسوقي نقلا عن المأزري: أما الفصل بين السجدتين فواجب اتفاقا؛ لأن السجدة وإن طالت لا تتصور أن تكون سجدتين، فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى
تكونا اثنتين، ونحوه في التوضيح اهـ ومثله في الخرشي.
قال الدردير على شرح خليل: والمعتمد صحة صلاة من لم يرفع يديه عن الأرض حال الجلوس بين السجدتين حيث اعتدل اهـ قلت: ولم يذكر المصنف ركنيه الاعتدال بين السجدتين، ولعله رأى أن الجلوس بينهما في رفع من السجود هو عين الاعتدال واستغنى عن ذكره في الأركان، أو كان عدم ذكره للاختلاف في ركنيته، مع أنه من أركان الصلاة كما ذكروه في غالب مؤلفاتهم، وسيأتي زيادة البيان فيه إن شاء الله في الركن الحادي عشر عند قول المصنف والطمأنينة، فترقب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يجلس واضعا يديه على فخذيه مبسوطتين " هذه صفة الجلوس بين السجدتين وكذا بين التشهدين.
قال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد في الرسالة: ثم تسجد وتكبر في انحطاطك للسجود فتمكن جبهتك وأنفك من الأرض، وتباشر بكفيك الأرض باسطا يديك مستويتين إلى القبلة تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك، وكل ذلك واسع، غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض، ولا تضم عضديك إلى جنبيك ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا، وتكون رجلاك في سجودك قائمتين وبطون إبهاميهما إلى الأرض، وتقول إن شئت في سجودك: سبحانك ربي ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي، أو غير ذلك إن شئت، وتدعو في سجودك إن شئت، وليس لطول ذلك وقت، وأقله أن تطمئن مفاصلك متمكنا، ثم ترفع رأسك بالتكبير فتجلس فتثني رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين، وتنصب اليمنى وبطون أصابعها
الجزء: 1 - الصفحة: 201
إلى الأرض، وترفع يديك عن الأرض على ركبتيك، ثم تسجد الثانية كما فعلت أولا اهـ وفيه كفاية عن جلب النصوص في هذا المقام وبالله التوفيق.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن التاسع من أركان الصلاة الجلوس " قدر السلام من الجلسة الأخيرة " يعني أخبر المصنف أن من أركان الصلاة الجلوس بقدر إيقاع السلام من الجلسة الأخيرة، وأما الجلوس للتشهد فهو سنة، كما أن التشهد سنة من سنن الصلاة كما سيأتي عن المصنف.
وفي المختصر والجلوس بقدر السلام، قال الشارح يعني أن الجلوس لأجل إيقاع السلام في الجزء الأخير من الجلوس الذي يوقع فيه السلام فرض، وما قبله سنة، فلا يلزم إيقاع فرض في سنة بل في فرض، فلو رفع رأسه من السجود واعتدل جالسا وسلم كان ذلك الجلوس هو الواجب وفاتته السنة.
ولو جلس ثم تشهد كان آتيا بالفرض والسنة اهـ الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (و) الركن العاشر من أركان الصلاة
" السلام " يعني أن السلام من أركان الصلاة.
ومن أراد الخروج من الصلاة فلا بد له أن يقول: السلام عليكم، بالألف واللام، ولا يكفيه سلام عليكم، ولا سلامي عليكم، ولا سلام الله عليكم.
ولا بد أيضا من تقديم السلام على عليكم، ولا يجزئ عليكم السلام، وكذلك لا بد من لفظ عليكم بميم الجمع، ولا يكفي السلام عليك.
وفي الجواهر الزكية على متن العشماوية: والسلام المعرف بالألف واللام، فلا يجزئ ما عرف بالإضافة كسلامي عليكم، ولا يجزئ لفظ السلام دون عليكم، ولا عليكم السلام بلفظ الرد على المشهور في ذلك كله.
وأما تسليمه الرد فيجزئ ذلك كله فيها اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: وسلام وإنما يجزئ السلام عليكم بالعربية وتعريفه بأل وتقديمه على عليكم بلا فصل وإلا لم يصح، فإن تركه أو أتى بمناف قبله بطلت اهـ. وقال الخرشي: ولا بد من قول السلام عليكم، ولا تكفي النية للقادر، ولا يقوم مقامه
الجزء: 1 - الصفحة: 202
شيء من الأضداد، وسواء كان المصلي إماما أو مأموما أو فذا، إذ لا يخلو من مصحوب أقلهم الحفظة، ولا يضر زيادة ورحمة الله وبركاته لأنها خارجة من الصلاة.
وظاهر كلام أهل المذهب أنها ليست بسنة وإن ثبت بها الحديث لأنه لم يصحبها عأهل المدينة، كالتسليمة الثانية للإمام والفذ.
ولا بد في السلام أن يكون بالعربية، فإن قدر على الإتيان به بغير العربية فلا يأتي به، وإن قدر على الإتيان ببعضه وكان له معنى ليس بأجنبي من الصلاة أتى به على نحو ما تقدم في تكبيرة الإحرام اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهو " أي السلام عليكم " كتعين " فلا يجزئ غيره من الألفاظ " معرف " أي بالألف واللام مع تشديد السين، وفي نسخة معرفا بالنصب صحيح كل منهما.
قال خليل: وسلام عرف بأل.
قال المواق نقلا عن التلقين: الواجب من التسليم مرة، ولفظه متعين وهو أن يقول السلام عليكم ولا يجزئ غيره اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل ينوي به الخروج قولان " يعني أن المصلي إذا أراد الخروج من الصلاة هل يشترط عليه نية الخروج عنها كما دخل بنية، أم لا يشترط عليه ذلك، فيه قولان مشهوران، فأجاب صاحب العزية بقوله: ولا يشترط أن ينوي بسلامه الخروج من الصلاة على أحد القولين المشهورين، وقد فهمنا منه أن المشهور هو الأول بدليل قوله: ومقابله لا بد من ذلك، ولذا قال وعليه يقصد الإمام بسلامه الخروج من الصلاة والسلام على الملائكة اهـ. وقال الصاوي في بلغة السالك: تنبيه وقع خلاف هل يشترط أن يجدد نية للخروج من الصلاة بالسلام لأجل أن يتميز عن جنسه كافتقار تكبيرة الإحرام إليها لتمييزها عن
غيرها، فلو سلم من غير تجديد نية لم يجزه.
قال سند وهو ظاهر المذهب، أو لا يشترط ذلك، وإنما تندب فقط لانسحاب النية الأولى؟ قال ابن الفاكهاني وهو المشهور.
وكلام ابن عرفة يفيد أنه المعتمد، فلذلك سكت المصنف عن الاشتراط.
والمراد بالمصنف أي الدردير اهـ. والمفهوم من كلامهم أن المشهور من
الجزء: 1 - الصفحة: 203
القولين الأول، بمعنى لا يشترط نية الخروج من الصلاة كما اعتمد عليه المحققون.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الحادي عشر من أركان الصلاة " الطمأنينة ويجزئ منها أدنى اللبث " يعني أخبر المصنف أن الطمأنينة من فرائض الصلاة.
وحقيقتها استقرار الأعضاء في حال الركوع والسجود، ولا حد لأقله على المشهور في المذهب، وأكمله مقدار ثلاث تسبيحات أو أكثر وهو راكع أو ساجد.
وكذا يطلب منه أن تستقر أعضاؤه في الاعتدال بعد الرفع من الركوع والسجود، لحديث أبي داود بذلك، ومن لم يطمئن في ركوعه أو سجوده فصلاته باطلة.
والدليل على ركنيه الطمأنينة والاعتدال جريان العمل به، كما أمر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كله: قال خليل: وطمأنينة.
وفي المواق قال أبو عمر: الاعتدال فرض لقوله صلى الله عليه وسلم: " لا ينظر الله إلى من لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده " ولا خلاف في هذا، وإنما اختلفوا في الطمأنينة بعد الاعتدال.
وقال في الكافية: لا يجزئ ركوع ولا وقوف بعد الركوع، ولا سجود ولا جلوس بين السجدتسن، حتى يعتدل راكعا وواقفا وساجدا وجالسا.
وهذا هو الصحيح في الأثر، وعليه جمهور العلماء.
وقال عياض: فرائض الصلاة الطمأنينة في أركانها، ومن سننها الاعتدال في الفصل بين الأركان اهـ. وفي العزية: الحادية عشرة الاعتدال في الفصل بين الأركان.
الثانية عشرة الطمأنينة في أركان الصلاة كلها قيامها وركوعها وسجودها والرفع منها وبين السجدتين.
والفرق بينهما وبين الاعتدال أن الاعتدال في القيام مثلا انتصاب القامة، والطمأنينة استقرار الأعضاء اهـ قلت: والصحيح
الجزء: 1 - الصفحة: 204
أن الطمأنينة والاعتدال فرضان من فرائض الصلاة، فلا ينبغي أن يختلف في فرضيتها على المذهب كما اعتمد عليه عليه المحققون الذين اعتنوا بتحرير كل مسألة من مسائل دين الإلاسم.
قال العلامة عبد الوهاب الشعراني في كشف الغمة: وكان رسول صلى الله عليه وسلم يأمر بالطمأنينة في السجود، وينهى عن نقرة الغراب فيه اهـ. فثبت أن الطمأنينة مأمور به.
ونقر الغراب منهي عنه، فحينئذ ومن لم يكمئن ولم يعتدل في صلاته بأن نقر فيها كنقر الديكة للحب بطلت
صلاته؛ لأن العلماء قد مثلوه برجل له جارية حسناء مرغوبة عند الناس فماتت، فجعلها والدها هدية للسلطان عظيم الملك، فهل الواهب يستحق المكافأة بالإكرام من الموهوب له أم لا؟ فأجاب العارف بالله الشيخ الحاج عمر بن سعيد الفوتي في " تذكر المسترشدين وفلاح الطالبين " له بقوله رحمه الله تعالى، ونفعنا الله بعلومه آمين:
ينقر في الصلاة نقر الديك ... ما نال غير لعنة المليك
نصوا بأنه كإنسان ملك ... جارية ماتت وأهداها الملك
وقال غيره:
إياك إياك ونقر الديك لا ... تفعل لكونه الصلاة مبطلا
ومعنى نقر الديك كناية عن الإسراع المفرط في الصلاة المفضي إلى ترك الطمأنينة الواجبة في الصلاة جميعا.
قاله العارف بالله محمد العربي في البغية.
وقال أيضا: ومن تكميل هيئتها وإقامة أركانها إتمام الطمأنينة في الركوع والسجود، وإتمام الاعتدال كذلك في القيام بين يدي الملك المعبود، فلا ينقرها نقر الديكة للحب، فإن ذلك مبطل لها ومبعد لفاعله عن حضرة القرب اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الركن الثاني عشر من أركان الصلاة " ترتيب الأداء " يعني أن ترتيب أداء الصلاة من أركانها، بأن يقدم النية على تكبيرة الإحرام،
الجزء: 1 - الصفحة: 205
وهي على الفاتحة، ويقدمها على الركوع، وهو مع الرفع منه على السجود، وهو على السلام.
قال الدردير.
قال خليل: وترتيب أداء.
والمراد به ترتيب الفرائض في أنفسها.
الدليل على وجوب الترتيب ما أخرجه البخاري عن مالك بن الحويرث، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي " ومعلوم أنه عليه الصلاة والسلام رتب صلاته كما ثبت في صفة صلاته صلى الله عليه وسلم وقد تقدم ذلك في الكلام على الطمأنينة فراجعه إن شئت.
وفي المواق نقلا عن عياض قال: من فرائض الصلاة الترتيب في أدائها، وقال في القباب: لو عكس أحد صلاته فبدأ بالجلوس قبل القيام، أو بالسجود قبل الركوع وما أشبه ذلك لم تجزه صلاته بإجماع اهـ.
وقد تمت أركان الصلاة الاثنى عشر كما وعدنا بإتيانها في أول هذا الفصل.
وعدها بعضهم ثلاثة عشر.
وقد عدها صاحب المختصر خمس عشرة فريضة.
وقال بعض الأئمة: جملة فرائض الصلاة سبع عشرة، النية، وتكبيرة الإحرام، والقيام لها، وقراءة الفاتحة، والقيام لها، والركوع، والرفع منه، والقيام له، والسجود، والرفع منه، والجلوس بين السجدتين، والجلوس للسلام، والسلام المعرف بأل، والطمأنينة، والاعتدال، وترتيب الأداء، ونية الاقتداء في حق المأموم اهـ، قاله الصفتي في حاشيته على الجواهر الزكية.
سنن الصلاة
ولما أنهى الكلام على أركان الصلاة شرع يتكلم في بيان سننها فقال رحمه الله تعالى: " وسننها " والسنن جمع سنة، وهي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره في جماعة وواظب عليه ولم يدل دليل على وجوبه.
وسنن الصلاة قد عدها بعضهم اثنتي عشرة
الجزء: 1 - الصفحة: 206
وبعضهم أربع عشرة.
وعدها صاحب العزية ثماني عشرة وغير ذلك، وكل ذلك بحسب إخراج بعض المندوب وإدخاله، والأمر سهل.
قال المصنف رحمه الله تعالى أولها: " قراءة ما تيسر بعد الفاتحة " يعني أنه من سنن الصلاة المفروضة قراءة شيء يسير من القرآن بعد الفاتحة ولو آية، أو بعض آية له بال، كآية الكرسي، أو قصيرة كوالفجر والعصر، ومدهامتان.
وأما إكمال السورة فمندوب كما يأتي عن المصنف في الفضائل.
قال الخرشي: والمعنى أن قراءة شيء ما ولو آية بعد أم القرآن في كل ركعة من الأولى والثانية في صلاة الفرض الوقتي المتسع وقته سنة، وإكمال السورة مستحب، بدليل أنه لا سجود عليه إذا قرأ ولو آية.
وخرج بالفرض ما عداه فإن قراءة ما زاد على أم القرآن مستحب، وبالوقتي ما لا وقت له كالجنازة فلا فاتحة فيها فضلا عن السورة، وبالمتسع وقته ما لا يتسع وقته فلا سورة فيه خشية خروج الوقت اهـ. وعبارة صاحب العزية أنه قال: فصل وسنن الصلاة ثماني عشرة: الأولى قراءة سورة أو ما يقوم مقامها بعد الفاتحة في الصبح والجمعة والأوليين من غيرهما من فرائض الأعيان إلخ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا في آخرتي الرباعية وثالثة المغرب " يعني أن قراءة السورة أو ما يقوم مقامها مما تيسر من القرآن في صلاة الفريضة سنة إلا في الركعتين الأخرتين من الظهر والعصر والعشاء، وثالثة المغرب فإنه يقرأ في جميع ذلك بالفاتحة فقط.
وقد أسقط المصنف هنا القيام لقراءة سورة أو ما يقوم مقامها بعد الفاتحة، فإن القيام لذلك سنة من سنن الصلاة، فتنبه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة الثانية من سنن الصلاة " الجهر في الصبح والجمعة وأوليي المغرب والعشاء " وفي نسخة بإسقاط لفظ الجهر وهو خطأ، والصواب
الجزء: 1 - الصفحة: 207
إثباته.
يعني أن الجهر فيما يجهر فيه سنة، وهو في صلاة الصبح والجمعة وأوليي المغرب والعشاء.
وأما السنن من الصلوات كالوتر والعيدين ونوافل الليل فالجهر فيها بالقراءة مستحب، كما يستحب الإسرار في نوافل النهار، وإن جهر فيها نهارا وأسر ليلا فخلاف الأولى.
وأقل الجهر أن يسمع نفسه ومن يليه، وأعلاه لا حد له، إلا أنه يكره رفع الصوت جدا حتى يتفاحش، أو يضر
عقيرته بذلك، هذا في حق الرجل، وأما الأنثى فهي دون الرجل في الجهر بأن تسمع نفسها فقط؛ خشية الفتنة برفع صوتها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة الثالثة من سنن الصلاة " السر " أي فيما يسر فيه، وبينه بقوله: " في الظهر والعصر وثالثة المغرب وآخرتي العشاء " يعني أن محل السر يكون في الظهر والعصر وأخيرة المغرب وأخيرتي العشاء.
وأقله حركة لسان يتكلم بالقرآن، وأعلاه أن يسمع نفسه فقط.
قال الخرشي: واعلم أن أدنى السر أن يحرك لسانه بالقراءة، فإن لم يحرك لسانه لم يجزه لأنه لا يعد قراءة، بدليل جوازها للجنب، وأعلاه أن يسمع نفسه كجهر المرأة لأن صوتها عورة على المشهور، وربما كان فتنة إذا كان معها الرجال، ولذلك لا تؤذن.
وينبغي للمنفرد أن لا يرفع صوته بالقراءة إذا كان بقربه مصل آخر مخافة أن يشوش عليه، هذا في حق غير الإمام، وأما هو فله رفع صوته بقدر ما يسمع من خلفه اهـ مع تصرف.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة الرابعة من سنن الصلاة " الجلوس للتشهد " يعني أن الجلوس الأول بعد الركعتين لأجل التشهد سنة على المشهور، وأما الجلوس الثاني بقدر إيقاع السلام قد تقدم أنه ركن، وما زاد عليه للتشهد فسنة على المشهور.
وأما الجلوس الذي يقع فيه الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، وجلوس الدعاء فإنه مستحب.
وقيل إن جلوس الصلاة على النبي سنة وهو المعتمد.
قال في التوضيح:
الجزء: 1 - الصفحة: 208
إن حكم الظرف حكم المظروف، وهو يفيد أن الجلوس للصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مختلف فيه بالسنة والفضيلة، والجلوس للدعاء قبل سلام الإمام مستحب، وله بعده مكروه، وللرد على الإمام وعلى من على يساره سنة.
إعطاء للظرف حكم المظروف اهـ. قاله العدوي في حاشيته على الخرشي.
وأما لفظ التشهد الوارد فسيأتي عن المصنف الكلام فيه هل هو سنة أو فضيلة، وأما أصل التشهد بأي لفظ كان فلا خلاف في أنه سنة.
ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولفظه " أي الوارد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لأنه تشهد بهذا اللفظ الذي أورده المصنف وهو على المنبر بحضرة جمع من الصحابة ما بين المهاجرين والأنصار معلما به الناس من غير نكير عليه فكان إجماعا سكوتيا، وهو الذي أخذ به مالك، رضي الله تعالى عنه.
وجزم بعض المالكية أن هذا اللفظ الوارد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سنة في نفسه، ولم يعتبر أنه من تمام سنية التشهد.
والصحيح أن خصوص هذا اللفظ الوارد عن عمر رضي الله عنه، فضيلة، ومعنى قول المصنف ولفظه، أي " و " السنة الخامسة من سنن الصلاة
" لفظه " الضمير عائد إلى التشهد.
والمعنى ولفظ التشهد الوارد عن أمير المؤمنين من سنة الصلاة، وأما لو أتى بغيره من الألفاظ في التشهد لصح، إلا أنه ما أتى بسنية اللفظ الذي أخذ به الإمام لأنه اختار هذا اللفظ في مذهبه كما هو المشهور.
وأما أبو حنيفة وأحمد، رضي الله عنهما، فقد أخذا بتشهد ابن مسعود.
وأما الشافعي فإنه أخذ بتشهد ابن عباس، وهي ألفاظ متقاربة، نسأل الله التوفيق وحسن الأدب معهم.
واللفظ الوارد الذي أخذ به المالكية هو ما أتى به المصنف رحمه الله: " التحيات لله، الزاكيات لله، الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا ولى عباد الله الصالحين، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا
الجزء: 1 - الصفحة: 209
عبده ورسوله " قال في الرسالة: فإن سلمت بعد هذا أجزأك.
ومما تزيده إن شئت: وأشهد أن الذي جاء به محمد حق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.
اللهم صل على ملائكتك والمقربين، وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين.
اللهم اغفر لي ولوالدي ولأئمتنا ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما.
اللهم إني أسألك من كل خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كل شر استعاذك منه محمد نبيك.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا وما أعلنا وما أنت أعلم به منا " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار وسوء المصير، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين اهـ. هذا.
وما تقدم من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم أثبته المصنف، وذكره في سنن الصلاة كما هو المشهور في المذهب.
قال رحمه الله تعالى: " و " السنة السادسة من سنن الصلاة " الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الذي " أي بعد التشهد الذي " يسلم منه " أي يقع فيه السلام.
قال الدردير على أقرب المسالك في سنن الصلاة: والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد التشهد الأخير، أي بأي لفظ كان.
وقيل بل هي مندوبة كالدعاء بعدها بما أحب كما يأتي.
ثم قال: وأفضلها اللهم صل على محمد إلخ.
أي إلى آخرها بصيغة الصلاة الإبراهيمية.
الصاوي لكونها أصح ما ورد، والاقتصار على الوارد أفضل، حتى إن الأفضل فيها ترك السيادة لورودها كذلك اهـ وفي العزية: العاشرة
- أي من السنن - الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير، وهي اللهم صل على محمد وعلى
الجزء: 1 - الصفحة: 210
آل محمد كما صليت على إبراهيم إلخ كما تقدم.
وفي الأخضري: والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي يسن بعد أن يفرغ من التشهد أن يصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله الشارح في الهداية اهـ. وقد ظهر لك أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير سنة من سنن الصلاة على مذهب السادة المالكية على المعتمد.
وأما مذهب السادة الشافعية والحنابلة فالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد الأخير ركن من أركان الصلاة.
قاله الجزيري في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " السنة السابعة من سنن الصلاة " التكبير سوى تكبيرة الإحرام " يعني أن التكبير عند الشروع في أفعال الصلاة غير تكبيرة الإحرام سنة من سنن الصلاة، أما تكبيرة الإحرام فقد تقدم أنها ركن من أركان الصلاة ولا خلاف في ذلك.
قال العلامة المحقق المدقق عبد الوهاب الشعراني في كشف الغمة عن جميع الأمة: وكان صلى الله عليه وسلم يكبر في الرباعية اثنتين وعشرين تكبيرة وكان يكبر للركوع، وللهوي للسجود الأول، وللرفع منه، وللهوي للسجود الثاني، وللرفع منه، فهذه خمس تكبيرات في كل ركعة من الأربع، ما عدا تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام عن التشهد الأول اهـ. قال خليل في سنن الصلاة: وكل تكبيرة إلا الإحرام.
يعني كل تكبيرة سنة مستقلة إلا تكبيرة الإحرام فإنها فرض كما تقدم.
هذا مذهب ابن القاسم وهو المعتمد.
وقال أشهب والأبهري: إن مجموع التكبيرات سوى تكبيرة الإحرام سنة واحدة.
وفي جواهر الإكليل: وينبني على الأول السجود لترك تكبيرتين سهوا، وبطلان الصلاة بترك السجود للسهو عن ثلاث تكبيرات، دون الثاني.
قال الصفتي: وقد علمت ضعفه وأن كلام ابن قاسم هو المعتمد اهـ.
قال الخرشي: يعني أن كل تكبيرة من تكبيرات الصلاة سنة سوى تكبيرة الإحرام فإنها
الجزء: 1 - الصفحة: 211
فرض كما مر.
ثم يحتمل أن المراد الكل الجميعي، أي كل فرد من أفراد التكبير، فيكون ماشيا على قول ابن القاسم، ويحتمل أن المراد الكل المجموعي فيكون ماشيا على قول الأبهري واختاره الشارح، إلا أنه يرد على الكل المجموعي قوله إلا الإحرام لأن الاستثناء إنما يكون من الجميع لا من المجموع، فحمله على قول ابن القاسم متعين اهـ. وفي الحطاب قوله وكل تكبيرة إلخ ظاهره أن كل تكبيرة سنة، وهذا هو الذي يؤخذ من كلام المصنف يعني خليل في فصل السهو حيث جعله يسجد لتكبيرتين.
وصرح البرزلي بأنه المشهور.
ونصه: مسألة، من نسي التكبير في صلاته شهرا أعادها كلها.
قلت هذا على القول المشهور أنها سنن، ومن يقول كلها سنة لا يعيد اهـ الحطاب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " اختلف في المذهب " هل كل تكبيرة " سنة مستقلة من سنن الصلاة وهو المشهور وبه الفتوى " أة الجميع " وفي نسخة أو الجمع.
يعني هل كل تكبيرة سنة في نفسها أو جميع التكبيرات جملتها سنة واحدة؟ " قولان " والقولان بين ابن القاسم وأشهب، وقد علمت فيما تقرر سابقا أن المشهور قول ابن القاسم من أن كل تكبيرة بانفرادها سنة كما هو ظاهر فيما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " اختلف أيضا " في سمع الله لمن حمده " يعني أن قول سمع الله لمن حمده هل كل واحدة منها سنة مستقلة، أو جميعها سنة واحدة؟ في ذلك خلاف.
قال بعض المدققين: إن قول سمع الله لمن حمده في حق الإمام والفذ يجري فيها ما جرى في كل تكبيرة من الخلاف من أن جميع سمع الله لمن حمده هل سنة واحدة، أو كل واحدة سنة مستقلة؟ قاله ابن ناجي، فمن نسيها في صلاته ونسي أن
الجزء: 1 - الصفحة: 212
يسجد لها وطال بطلت إن كان غير صبح وإلا فلا.
وقال ابن ناجي في شرح الرسالة: وحكم سمع الله لمن حمده السنة اتفاقا، وهل مجموعه في الصلاة سنة واحدة، أو كل تسميعه سنة؟ يجري عندي على الخلاف في التكبير بحسبما حكاه ابن رشد.
وحكم ربنا ولك الحمد الفضيلة باتفاق.
وما ذكره الشيخ من أن الفذ يجمع بينهما هو كذلك باتفاق.
وكذلك حكم الإمام في قول، والمشهور أن يقول سمع الله لمن حمده فقط، وما ذكر من أن المأموم يقول ربنا ولك الحمد فقط هو المشهور.
وقال عيسى إنه يجمع بينهما كالفذ، ومثله لابن نافع، حكاه الباجي عنهما.
ومثله نقل المأزري، وغلطهما عياض في الإكمال فانظره.
وروى ابن القاسم: ولك الحمد بإثبات الواو، كما قال الشيخ.
وروى ابن وهب لك بإسقاط الواو، وما ذكر من إثبات اللهم هو نص المدونة وغيرها.
وقيل بإسقاط.
قاله ابن حارث.
ومثله في المعلم والإكمال وغيرهما اهـ ابن ناجي.
وقال الصفتي: الحاصل أن الإمام يخاطب بسنة وهي سمع الله لمن حمده، والمأموم يخاطب بمندوب وهو ربنا ولك الحمد، والفذ يجمع بينهما، والترتيب بينهما مندوب.
والأصل في مشروعية سمع الله لمن حمده أن الصديق، رضي الله عنه، كان لم تفته صلاة خلف النبي صلى الله عليه وسلم قط، فجاء يوما وقت صلاة العصر، فظن أنها فاتته معه عليه الصلاة والسلام، فاغتم لذلك وهرول ودخل المسجد فوجده صلى الله عليه وسلم مكبرا في الركوع فقال: الحمد لله وكبر خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزل جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم في الركوع فقال: يا محمد سمع الله لمن حمده، فقل سمع الله لمن حمده، فقالها عند الرفع من الركوع، فقال الصديق: ربنا ولك الحمد.
وكان قبل ذلك يركع
بالتكبير ويرفع به، فصار منذ ذلك الوقت ببركة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه، اهـ كذا في الخرشي.
الجزء: 1 - الصفحة: 213
واعلم أنه اختلف أهل المذهب في قول ربنا ولك الحمد، قال المصنف رحمه الله تعالى: " وربنا ولك الحمد " يعني هل هي سنة من سنن الصلاة أو مندوب؟ والمشهور أنها مندوب.
أفاده الصفتي.
وكذلك اختلفوا في لفظ التشهد، قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولفظ التشهد " يعني اختلفوا فيه أيضا هل هو سنة من سنن الصلاة أو مندوب قال: " فقيل سنن وقيل فضائل " وفي نسخة وقيل سنة أي لفظ الوارد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب أنها مختلف فيها والمعتمد الندب.
وأما التشهد بأي صيغة فهو سنة قال الدردير في أقرب المسالك في سنن الصلاة: وكل تكبيرة، أي سنة، وسمع الله لمن حمده لإمام وفذ حال رفعه، وتشهد، وجلوس له، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بعد الأخير اهـ وقال العلامة الصاوي في حاشيته: والحاصل أنهم اختلفوا في خصوص اللفظ الوارد عن عمر، قيل سنة، وقيل مندوب، وأما التشهد بأي لفظ كان من جميع الروايات الواردة فهو سنة قطعا كما قال البساطي والحطاب والشيخ سالم.
وقيل إن الخلاف في أصله، وأما اللفظ الوارد عن عمر فمندوب قطعا، وقواه الرماصي حيث قال: وهو الصواب الموافق للنقل، وتعقبه البناني.
وبالجملة فأصل التشهد سنة قطعا أو على الراجح، وخصوص اللفظ مندوب قطعا أو على الراجح.
وبهذا يعلم أن ما اشتهر من بطلان الصلاة بترك سجود السهو عنه ليس متفقا عليه، إذ هو ليس عن نقص ثلاث سنن باتفاق اهـ الصاوي.
وتقدم نص تشهد عمر الذي اختاره مالك.
وأما تشهد ابن عباس الذي اختاره الشافعي فهو: " التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله " وزاد " وبركاته " بعد ورحمة الله.
وقال " وأن محمدا رسول الله " واختار أبو حنيفة تشهد ابن مسعود كما تقدم وهو " التحيات لله والصلوات والطيبات " وزاد " بركاته " وبقيته سواء.
قاله ابن جزي في القوانين اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 214
فضائل الصلاة ولما أنهى الكلام على سنن الصلاة انتقل يتكلم في بيان فضائلها فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في فضائل الصلاة
أي في فضائل الصلاة.
والفضائل جمع فضيلة، وهي ما يثاب فاعلها ولا يأثم تاركها ويعبر عنها بالمستحبات.
والتعبير بالمندوبات أعم وأشمل.
وفضائل الصلاة كثيرة.
قال صاحب العزية: ومستحبات الصلاة تزيد على ثلاثين فضيلة، وأنهاها
بعضهم إلى نحو الخمسين فضيلة كما في حاشية الصاوي على الدردير.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفضائلها " أي فضائل الصلاة، وعدها المصنف ثلاث عشرة فضيلة، الأولى " رفع اليدين مع الإحرام حذو منكبيه " يعني أخبر المصنف أن من فضائل الصلاة رفع اليدين عند الشروع في تكبيرة الإحرام فقط حتى تقابل الأذنين أو المنكبين، ويستحب كونهما مكشوفتين حال الرفع وسترهما بالثياب مذموم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " اختلف " هل على صفة الراهب " أي الذي يجعل ظهورهما للسماء وبطونهما للأرض وهو الراجح عند الفاكهاني " أو " على صفة " النابذ " وهو الذي يجعل بطونهما للسماء وظهورهما للأرض، وتسمى هذه الصفة صفة الراغب وقد فسر قوله تعالى بهاتين الصفتين، أي صفة الراهب وصفة الراغب " يدعوننا رغبا ورهبا " ومن صفة النابذ أن يجعل أصابعهما قائمتين ثم ينبذ بهما برفق،
الجزء: 1 - الصفحة: 215
كنابذ الدنيا وراء ظهره.
وحكى المصنف أي صفة منها أفضل؟ في ذلك " قولان " المشهور منهما على صفة النابذ كما في الخرشي، ونصه بعد قول خليل في المندوبات كرفع يديه إلخ: والمعنى أنه يندب للمصلي رفع يديه عند إحرامه حين يشرع في التكبير، يحاذي بهما منكبيه قائمة رؤوس أصابعهما مما يلي السماء على صورة النابذ للشيء، لا على صورة الراهب، بأن يجعل ظهورهما مما يلي السماء وبطونهما مما يلي الأرض، ولا الراغب بأن تكون اليدان قائمتين يحاذي كفاه منكبيه وأصابعه أذنيه.
وجعل الأجهوري في شرحه كون الرفع على صورة الراهب هو المذهب، وكذا عند الفاكهاني.
انظر بقية الكلام في الخرشي اهـ. قال النفراوي على الرسالة: ويستحب كشفهما عند الإحرام، كما يستحب إرسالهما بعد التكبير لكراهة القبض في المفروضة، ويكون إرسالهما برفق، ولا يرفعهما إلى قدام.
وحكمة استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام إما لمخالفة المنافقين في ضم أذرعهم إلى أجنابهم حرصا على بقاء أصنامهم تحت آباطهم، فأمرنا بالرفع لمخالفتهم، وإما للإشارة إلى أن المصلي قد رفض الدنيا وأقبل على ربه اهـ النفراوي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل الأفضل عقدهما تحت صدره " وهو الراجح عند الجمهور خارج المذهب " أو إرسالهما " وهو المشهور في المذهب في الفرض عند السادة المالكية.
قال المصنف: في ذلك " قولان " ولم يطلع المصنف على أرجحية أحدهما.
والمحل يحتاج إلى بيان الوافر.
وإني إن شاء الله سأؤلف رسالة في هذين الأمرين
يستغني بها الطالب المنصف، ويشفي بها العليل المستقم، ويروي بها الغليل المتأسف، ويستريح بها المتعصب؛ لأن هذا الشرح لا يحمل ما أردنا إيراده.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتمم لنا المراد في الدنيا وفي المعاد إنه ولي التوفيق.
الجزء: 1 - الصفحة: 216
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل يرفعهما عند الركوع والرفع منه خلاف " يعني أن المصلي هل يرفع يديه عند الركوع وعند رفعه منه أم لا؟ فالجواب أنه لا يرفع يديه في شيء من ذلك إلا عند تكبيرة الإحرام فقط، قال مالك في المدونة لا أعرف رفع اليدين في شيء من تكبير الصلاة لا في خفض ولا في رفع إلا في افتتاح الصلاة يرفع يديه شيئا خفيفا، والمرأة في ذلك بمنزلة الرجل اهـ. قال كرفع يديه مع إحرامه فقط، أي لا مع هوية للركوع، ولا مع رفعه منه، ولا إثر قيامه من اثنتين اهـ. قاله في جواهر الإكليل.
وكذا في الدردير.
وقال أبو الحسن في كفاية الطالب: وظاهر كلام الشيخ أن الرفع مختص بتكبيرة الإحرام، وهو كذلك على المشهور، فلا يرفع عند الركوع، ولا عند الرفع منه، ولا في القيام من اثنتين اهـ. قال الدسوقي قوله: لا مع ركوعه ولا مع رفعه أي ولا مع رفعه منه، وهذا هو أشهر الروايات عن مالك في المواق عن الإكمال، وهو الذي عليه عمل أكثر الأصحاب.
قال وفي التوضيح: الظاهر أنه يرفع يديه عند الإحرام والركوع والرفع منه والقيام من اثنتين؛ لورود الأحاديث الصحيحة بذلك اهـ. لكن العمل بالمشهور كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفضيلة الثانية من فضائل الصلاة " كمال السورة " يعني أنه قد تقدم في أول السنن أن قراءة ما تيسر بعد الفاتحة هو سنة من سنن الصلاة، وأما إكمال السورة كلها فمندوب، قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: وإكمال سورة بعد الفاتحة.
الصاوي في حاشيته عليه.
قوله وإكمال سورة أي فالسورة ولو قصيرة أفضل من بعض سورة ولو كثر.
والمعنى أنه يندب للمصلي أن يكمل قراءة سورة ولا يقتصر على بعضها ولو كان بعضها طويلا، وإن كان الاقتصار جائزا فالأفضل إكمال السورة:
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفضيلة الثامنة من فضائل الصلاة " تطويل القراءة في الصبح والظهر قدرا غير شاق " يعني أن تطويل القراءة في الصبح والظهر مستحب، وذلك قدر ما لا يشق على نفسه إن كان فذا، أو على المأموم إن كان إماما لقوله
الجزء: 1 - الصفحة: 217
تعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20] لأن الدين يسر.
وفي الحديث: " إن هذا الدين يسر، ولن يشاد أحد هذا الدين إلا غلبه " وأما التطويل فمندوب إذا كان منفردا فيما لا يشق عليه، أو كان إماما وطلب
المأموم التطويل بلسان المقال أو الحال، وإلا فالتقصير في حقه أفضل؛ لأن في الناس الكبير والضعيف والمريض وذا الحاجة كما في الحديث.
قال خليل: وتطويل قراءة صبح، والظهر تليها.
الشارح يعني أنه يستحب للفذ أن يقرأ في صلاة الصبح بسورة من طوال المفصل، والظهر تليها في الطول عند مالك، وعند أشهب مثلها، ومثل الفذ في استحباب التطويل الإمام إذا طلب منه الجماعة التطويل، أو فهم منهم ذلك وإلا فالمطلوب منه التقصير.
والمفصل من الحجرات، وقيل من شورى إلى عبس، وسمي بالمفصل لكثرة فصل سورة بالبسملة اهـ. الخرشي مع التقديم: وفي الحطاب قال الشيخ زروق في العصر والمغرب يشتركان في قصر القراءة إلا أن العصر أطول.
وقيل لا، وهو المشهور.
وما ورد في الصحيح من قراءة سورة الأعراف، وسورة الطور، والمرسلات في صلاة المغرب إنما ذلك ورد لبيان الجواز.
وقد قرأ صلى الله عليه وسلم في الصبح بالمعوذتين لبيان الجواز، رواه النسائي اهـ. مع حذف.
قال مالك في المدونة: أطول الصلوات قراءة الصبح والظهر.
وقال غيره ويخففها في العصر والمغرب، ويوسطها في العشاء، انظر المواق.
وفي الرسالة: ثم تقرأ سورة من طوال المفصل، وإن كانت أطول من ذلك فحسن بقدر التغليس اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفضيلة الرابعة من فضائل الصلاة " تقصيرها " أي تقصير القراءة " في المغرب " يعني أنه يندب تقصير القراءة في صلاة المغرب بأن يقرأ فيها بالقصار من السور، أولها من والضحى إلى الناس، والمشهور أن القراءة في صلاة العصر كالمغرب بالقصار خلافا للمصنف.
قال: " و " الفضيلة الخامسة والسادسة من فضائل الصلاة " توسطها " أي توسط القراءة " في العصر والعشاء " وتقدم آنفا أن المشهور في
الجزء: 1 - الصفحة: 218
العصر كالمغرب يقرأ فيهما بالقصار.
قال الدردير في أقرب المسالك في المندوبات: وتقصيرها بمغرب وعصر، وتوسط بعشاء.
العزية وتقصيرها في العصر والمغرب وتوسطها في العشاء وفي المختصر: " وتقصيرها بمغرب وعصر كتوسط بعشاء " قال الشارح: وكذلك يستحب تقصير القراءة في المغرب والعصر بالقصار، وأولها من الضحى إلى الآخر، كما يستحب أن يقرأ العشاء بما بين الطول والقصر، وأوله من عبس إلى الضحى، وهذا مع الاختيار، وأما مع الضرورة كسفر أو إضرار فالتخفيف على حسب الإمكان اهـ الخرشي، قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفضيلة السابعة من فضائل الصلاة " تأمين المؤتم والمنفرد سرا " يعني أن المأموم يؤمن عند قول إمامه ولا الضالين، وكذا المنفرد إذا أتم الفاتحة فإنه يقول آمين في السرية والجهرية على الاستحباب، والإسرار بها مستحب آخر وفي الرسالة: فإذا قلت ولا الضالين
فقل آمين إن كنت وحدك أو خلف إمام، وتخفيها، ولا يقولها الإمام فيما جهر فيه، ويقولها فيما أسر فيه وفي قوله إياها في الجهر اختلاف اهـ. قال في المختصر: وتأمين فذ مطلقا، وإمام بسر، ومأموم بسر أو جهر إن سمعه على الأظهر، وإسرارهم به.
قال الخرشي: أي إنه يندب على المذهب تأمين الفذ، أي قوله آمين عقب ولا الضالين في قراءته، سواء كانت قراءة الصلاة سرا أو جهرا، كما يندب للإمام التأمين على قراءته في السرية وكذا مأمومه، وأما في الجهرية فلا يندب للمأموم إن سمع قراءة الإمام لأنه مؤمن حينئذ على دعائه، فإن لم يسمعه فلا، على الأظهر عند ابن رشد؛ لأنه ليس معه دعاء يؤمن عليه، لا لنفسه لأنه لا يقرأ، ولا لإمامه لعدم سماعه، والتأمين إجابة وهي فرع السماع، فلو تحرى كما قاله ابن عبدوس لربما أوقعه في غير موضعه، وربما صادف آية عذاب، وكل من طلب منه التأمين إماما كان أو غيره يستحب له الإسرار به لأنه دعاء والأصل فيه الإخفاء اهـ في العزية: والتأمين سرا، وهو قول آمين بعد
الجزء: 1 - الصفحة: 219
الفراغ من الفاتحة بالمد مع التخفيف اسم الله تعالى 2، ونونه مضمومة على النداء، والتقدير يا آمين استجب 3 دعاءنا.
ولا يؤمن المأموم خلف الإمام في الجهرية إلا إذا سمع قراءته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والإمام يؤمن في السرية " وهو كذلك لا خلاف فيه " ويقول " أي الإمام على السنية " إذا رفع رأسه " أي حال رفعه " من ركوعه: سمع الله لمن حمده " يجهر به ولو كانت الصلاة سرية، وتقدم الكلام عليه في السنن فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى " و " الفضيلة الثامنة من فضائل الصلاة أن يقول " المأموم ربنا ولك الحمد " أي بعد قول الإمام سمع الله لمن حمده، وتقدم عن الصفتي أن الإمام يخاطب بسنة وهي سمع الله لمن حمده، والمأموم يخاطب بمندوب، وهو ربنا ولك الحمد، والفذ يجمع بينهما، والترتيب بينمها مندوب كما مر، وإليه أشار المصنف بقوله: " والمنفرد يجمعهما " كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفضيلة التاسعة من فضائل الصلاة " التسبيح في الركوع والسجود " يعني أن التسبيح في حال الركوع والسجود من هيئات الصلاة، أي من فضائلها.
قال خليل: وتسبيح بركوع وسجود.
وقال غيره:
والتسبيح في الركوع والسجود، الشارح لقوله صلى الله عليه وسلم: " أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فادعوا فيه بما شئتم فقمن - أي حقيق - أن يستجاب لكم " وفي الرواية " وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فإنه قمن أن يستجاب لكم " اهـ وبهاتين الروايتين تعلم أن الدعاء في السجود مطلوب، ولأن السجود من مواضع الإجابة للدعاء.
وفي الحديث قال عليه الصلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 220
والسلام: " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فاجتهدوا في الدعاء " هذا.
والحديث يدل على أن الركوع لا يدعو فيه ولا يقرأ، وأما السجود فله أن يقرأ ويدعو فيه بما شاء من خيري الدنيا والآخرة.
وفي الدسوقي: وأما السجود فيه بين التسبيح والدعاء بما شاء اهـ. وينبغي تقديم التسبيح على الدعاء، والاقتصار على أحدهما يفرت المستحب الآخر.
والتسبيح يحصل بأي لفظ كان.
قال الصفتي: والأفضل أن يقول في السجود سبحان ربي الأعلى، وفي الركوع سبحان ربي العظيم، لما رواه عقبة بن عامر لما نزل قوله تعالى: فسبح باسم ربك العظيم قال عليه الصلاة والسلام: " اجعلوها في ركوعكم " فلما نزل سبح اسم ربك الأعلى قال عليه الصلاة والسلام " اجعلوها في سجودكم " اهـ قال ابن شعبان: قال الله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: 48] فحق على كل قائم إلى الصلاة أن يقول سبحان ربي العظيم وبحمده اهـ الحطاب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفضيلة العاشرة من فضائل الصلاة " القنوت في ثانية الصبح سرا " يعني أن القنوت من فضائل الصلاة، وله معان كثيرة، انظر الزرقاني على الموطأ.
والمراد به هنا الدعاء بخير، ولا يكون عند مالك إلا في ثانية الصبح فقط، والإسرار به مندوب.
العزية: والقنوت في الصبح فقط بعد الفراغ من القراءة في الركعة الثانية قبل الركوع سرا.
وإن نسي وتذكر بعد الركوع أتى به بعد رفعه منه ثم يهوي إلى السجود قال في أقرب المسالك: وندب القنوت بأي لفظ بصبح، وإسراره، وقبل الركوع.
هذا هو المشهور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقبل الركوع أفضل " وندب لفظه الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أي الذي اختاره الإمام مالك رحمه الله هو " اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخنع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد،
الجزء: 1 - الصفحة: 221
وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق " قال الشيخ الزروق في شرحه على الرسالة: وليس في صحيح الرواية ونتوكل عليك، وثبت في بعض النسخ اهـ. قال الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: ولم يثبت في رواية الإمام " ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك " وإنما ثبت في
رواية غيره.
قال النفراوي: والصواب عدم زيادتها.
وقال العلامة الشيخ صالح عبد السميع في الثمر الداني: قيل الصحيح أن قوله ونتوكل عليك زيد في الرسالة، وليس منها.
وفي رواية ونثني عليك الخير وما يجري على ألسنة العامة من لفظ كله بعد قوله الخير غير مثبت في الرواية، مع أن العبد لا يطيق كل الثناء عليه، فتركه خير، ومثله في شرحه على العزية اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الفضيلة الحادية عشرة من فضائل الصلاة أنه لا " يكبر " في حال انتقاله إلى الثالثة حتى يستوي " قائما " معتدلا بعد قيامه " من " ركعتين " اثنتين " و " إذا استوى قائما " أي معتدلا يكبر ويقرأ.
وفي الدردير: والتكبير حالة الخفض والرفع، إلا في القيام من التشهد فللاستقلال.
قال الصاوي عليه: قوله فللاستقلال، أي لأنه كمفتتح صلاة، ويؤخر المأموم قيامه حتى يستقل إمامه، وكل من الفذ والإمام والمأموم لا يكبر إلا بعد استقلاله اهـ، وما ذكره الدردير كذا في المختصر ونصه: وتكبيره في الشروع إلا في قيامه من اثنتين فلاستقلاله.
وفي الرسالة: ثم يقوم فلا يكبر حتى يستوي قائما.
هكذا يفعل الإمام والرجل وحده.
وأما المأموم فبعد أن يكبر الإمام يقوم المأموم أيضا فإذا استوى قائما كبر اهـ. والمعنى في الجميع والله أعلم أن المصلي سواء كان إماما أو غيره يستحب له أن لا يكبر في حال قيامه من الجلوس الأول الذي بعد ركعتين حتى يستقل قائما لعمل أهل المدينة بذلك، أو لكونه كمفتتح صلاة، لما قيل من أن الصلاة فرضت ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة
الجزء: 1 - الصفحة: 222
السفر وزيد في صلاة الحضر اهـ رواه الإمام في الموطأ بإسناده عن عائشة، رضي الله تعالى عنها.
ومما ينبغي للإنسان في الصلاة وخارجها أن يكثر الخشوع والدعاء، لأن الدعاء مخ العبادة كما في الحديث.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا بأس بالدعاء " بمعنى يندب الدعاء في الصلاة نافلة أو مكتوبة " في جميع هيئات الصلاة إلا في الركوع " يعني يندب للمصلي أن يتضرع إلى الله تعالى في جميع الحالات إلا في حال الركوع فإن المطلوب فيه تعظيم الرب سبحانه، والدعاء فيه مكروه.
وسئل مالك في الموطأ عن الدعاء في الصلاة المكتوبة فقال لا بأس بالدعاء فيها " قلت " وأما الدعاء قبل الدخول في الصلاة وبعد الإقامة فجائز بل مندوب، وعن مالك، رضي الله عنه: ندب قوله قبلها سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك، وجهت وجهي الآية 4 اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين
المشرق والمغرب، ونفتي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد.
قال ابن حبيب: يقوله بعد الإقامة وقبل الإحرام.
قال في البيان: وذلك حسن اهـ جواهر الإكليل.
وأما الدعاء قبل الركوع وفي حال الرفع من الركوع فلا يكره، بل هو جائز.
والدعاء بين السجدتين مستحب.
وكان صلى الله عليه وسلم يقول بينهما " اللهم اغفر لي واسترني واجيرني وارزقني واعف عني وعافني " ويستحب الدعاء في السجود وبعد التشهد الأخير، وفي المختصر: ودعاء بتشهد ثان.
المواق: قال ابن عرفة يستحب الدعاء عقب التشهد الأخير.
وندب الدعاء في القنوت.
قال الزروق في شرح الرسالة: والمشهور لا يتقيد للقنوت دعاء أي مخصوص، ودعا بما أحب وإن لدينا، ولو قال: يا فلان فعل الله بك كذا، لم تبطل على
الجزء: 1 - الصفحة: 223
الأصح كما في المختصر، وفي الجلاب: إنما يدعو في القيام بعد القراءة، وفي الجلوس بعد التشهد.
والحاصل أنه ينبغي أن يعتني الإنسان بالدعاء في حال الصلاة وخارجها في غير أوقات النهي؛ لأن الدعاء مخ العبادة، وأن من رزقه الله بالدعاء لم يحرمه الإجابة كما في الحديث.
انظر تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ﴾ [الشرح: 7] إلخ في " الدر المنثور في التفسير بالمأثور " 5 للعلامة الحافظ السيوطي تجد فيه الأحاديث بالأسانيد المتصلة إلى عباس وإلى ابن مسعود وغيرهما، وتجد أن أكثر المفسرين في الآية فهموا أنها أمر من الله تعالى إلى المصلي بالدعاء والاجتهاد في السؤال.
والله أعلم بالصواب.
فائدتان: الأولى: نقل سيدي عبد الوهاب الشعراني عن الخضر أنه قال: سألت أربعة وعشرين ألف نبي عن استعمال شيء يأمن به العبد من سلب الإيمان فلم يجبني منهم أحد، حتى اجتمعت بمحمد صلى الله عليه وسلم فسألته عن ذلك فأخبرني عن جبريل عن الله " أن من واظب على قراءة آية الكرسي، وآمن الرسول إلى آخر السورة، وشهد الله إلى قوله الإسلام، وقل اللهم مالك الملك إلى قوله بغير حساب، ولقد جاءكم رسول من أنفسكم إلى آخر السورة، وسورة الإخلاص، والمعوذتين، والفاتحة عقب كل صلاة أمن من سلب الإيمان " اهـ. الثانية: الدعاء بلا واسطة من خصوصيات هذه الأمة بخلاف الأمم السابقة فكانوا إذا نزل عليهم كرب ذهبوا إلى أنبيائهم يسألون لهم اهـ أفادهما الصفتي نقلا عن بعضهم.
واعلم أن المصنف رحمه الله اكتفى بذكر بعض الفضائل عن البعض
اختصارا، ونحن إن شاء الله نأتي ببقيتها إتماما وتبركا فقلت: منها أي من الفضائل تقديم يديه حين يهوي بهما للسجود على ركبتيه، وتقديم ركبتيه على يديه عند القيام.
ومنها عقد الخنصر
الجزء: 1 - الصفحة: 224
والبنصر والوسطى من اليد اليمنى مادا السبابة والإبهام منها في التشهدين، ويحرك السبابة ويعتقد بالإشارة بها أنها مطردة للشيطان، ويبسط اليسرى.
ومنها وضع اليدين على الركبتين في الركوع مع تفرقة أصابعهما.
ومنها وضعهما حذو أذنيه أو قربهما في السجود مع ضمهما واستقبالهما للقبلة.
ومنها مجافاة الرجل دون المرأة بأن يبعد بعدا وسطا في السجود بين ركبتيه، وبين مرفقيه وجنبيه، وبين فخذيه.
ومنها تقصير الركعة الثانية عن الأولى، وتقصير الجلوس الأول عن الثاني ومنها كون التشهد الثاني أطول من الأول.
ومنها النظر إلى موضع السجود في القيام، وهل النظر إلى موضع السجود أفضل للمصلي مطلقا، أو النظر إلى الكعبة لمن في المسجد الحرام؟ فيه نظر.
ومنها التيامن عند السلام في الفرض بحيث ترى صفحة الوجه.
ومنها اعتدال الصفوف لأنه من كمال الصلاة كما في الحديث.
ومنها ترك التسمية في الفريضة على المشهور في المذهب، وتقدم الكلام عليه في الركن الرابع من أركان الصلاة فراجعه إن شئت.
ومنها نية الأداد في الوقتية والقضاء في الفائتة خروجا من الخلاف.
ومنها نية عدد الركعات كذلك.
قال الدردير في أقرب المسالك: وندب نية الأداء وضده، وعدد الركعات، وخشوع، واستحضار عظمة الله تعالى وامتثال أمره اهـ. وفضائل الصلاة كثيرة جدا.
واقتصر المصنف على اثنتي عشرة أو أقل، وزدت عليه بعض ما أمكنني إحضاره بدون تكلف، فلله الحمد.
فعليك بالمطولات أيها الطالب الراغب إن شئت.
وأيضا سكت المصنف عن ذكر مكروهات الصلاة اكتفاء بذكر الفضائل، اعتمادا على أن لها أضدادا، فكل فضيلة يضادها مكروه فتأمل.
الجزء: 1 - الصفحة: 225
أحكام السترة
ولما أنهى الكلام على الفضائل انتقل المصنف يتكلم في بيان المار الذي يمر بين يدي المصلي رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في أحكام السترة
والأصل في هذا الفصل ما في الموطأ عن أبي جهيم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه " وعن كعب الأحبار أنه قال: " لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يخسف به خيرا له من أن يمر بين يديه " وغير ذلك مما ورد.
والمعنى أن المرور
بين يدي المصلي ممنوع شرعا باعتبار تأثيم المار تارة، أو مكروه باعتبار عدم تأثيمه تارة أخرى.
فقال رحمه الله تعالى: " من لا يأمن المرور بين يديه يصلي إلى السترة " يعني أن من يأمن المرور بين يديه، ولم يخش أن يمر بين يديه أحد فله أن يصلي بغير سترة، سواء كان في الحضر أو في السفر.
قال مالك في المدونة: ويصلي في الموضع الذي يأمن فيه من مرور شيء بين يديه إلى غير سترة اهـ.
قال العلامة الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك في مندوبات الصلاة: وسترة لإمام وفذ خشيا مرورا بمحل سجودهما.
أي يندب للإمام والفذ أن يجعل كل واحد منهما سترة بين يديه لمنع المار بين يدي كل منهما إن خشي المرور، ولا تبطل الصلاة بالمرور أصلا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا تبطل بمرور شيء بين يديه " لقول مالك في المدونة: لا يقطع الصلاة شيء من الأشياء مما يمر بين يدي المصلي اهـ. وقال خليل
الجزء: 1 - الصفحة: 226
في المختصر: وأثم مار له مندوحة، ومصل تعرض اهـ. قال الخرشي يعني أن المار إذا كان له سعة في ترك المرور بين يدي المصلي ومر فإنه يأثم، كان بين يدي المصلي سترة أم لا، تعرض المصلي أم لا، فإن كان لا مندوحة له والمصلي هو الذي تعرض للمرور، بأن صلى لغير سترة بنمحل يخشى به المرور وهو قادر عليها أو على الانحياز إلى شيء فلا إثم على المار ويأثم المصلي فقط؛ حيث حصل المرور له في المحل المذكور، كما لا إثم على واحد منهما بمرور من لا مندوحه له ولا تعرض، فالصور أربع.
يأثمان، وعكسه، يأثم المار لا يصلي، وعكسه.
هذا في غير مصل وطائف، وأما هما فقد قال الدردير: وأثم مار غير طائف، ومصل له مندوحة، ومصل تعرض.
قال الصاوي في حاشيته عليه أي فلا يمنع مرور الطائف بين يدي المصلي بل يكره فقط إن كان للطائف مندوحة وإلا جاز، ومثل الطائف المار بالحرم المكي لكثرة زواره إن لم يكن بين يديه سترة وإلا منع إن كان له مندوحة اهـ. قال الخرشي: الحاصل أنه يجوز المرور بين يدي المصلي لسترة ولغيرها إن كان المار مصليا ولو كان له مندوحة، ويكره إن كان المار طائفا وله مندوحة، وأما إن كان المار غير مصل ولا طائف فيحرم مروره بين يدي المصلي إن كان له مندوحة.
هذا بغير المسجد الحرام مطلقا، وبه إن صلى لسترة، فإن صلى لغير سترة لم يحرم المرور بين يديه، وإن كان للمار مندوحة فقول المؤلف وأثم مار إلخ أي مار غير مصل ولا طائف، هذا ما لم يكن المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام من غير سترة فإنه لا يحرم المرور بين يديه ولو كان للمار مندوحة اهـ مع إيضاح.
قال العلامة الزرقاني في
شرحه على الموطأ: وقد قسم المالكية أحوال المار والمصلي في الإثم وعدمه أربعة أقسام: يأثم المار دون المصلي، وعكسه.
ويأثمان جميعا، وعكسه.
فالأول إذا صلى إلى سترة وللمار مندوحة فيأثم دون المصلي.
الثاني إذا صلى في مشرع مسلوك بلا سترة أو متباعدا عنها ولا يجد المار مندوحة فيأثم المصلي لا المار.
الثالث مثل الثاني لكن
الجزء: 1 - الصفحة: 227
يجد المار مندوحة فيأثمان جميعا.
الرابع مثل الأول لكن لا يجد المار مندوحة فلا يأثمان اهـ.
ثم وصف المصنف أقل ما يجزئ المصلي من السترة فقال رحمه الله تعالى: " وأقلها ذراع " هذا هو المشهور في المذهب، وفي الصحيح " عن عائشة أنها قالت: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن سترة المصلي فقال: " مثل مؤخرة الرحل " أخرجه مسلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " في غلظ الرمح " قال مالك في المدونة: السترة قدر مؤخرة الرحل في جلة الرمح اهـ. قال العدوي في حاشيته على الخرشي: قوله في غلظ رمح أي إن أقل ما تكون أن تكون في غلظ رمح إلخ.
وأولى إذا كان أغلظ، فإن كان أدنى من غلظ رمح فلا يحصل به المطلوب.
وقوله وطول ذراع، وأولى أطول من ذلك، فإن كان أدنى من ذلك فلا يحصل الندب اهـ. وعدها عبد الرحمن الأخضري سنة من سنن الصلاة بقوله والسترة لغير المأموم، وأقلها غلظ رمح وطول ذراع، طاهر ثابت غير مشوش اهـ. وفي كون السترة سنة، أو مستحبة، أو واجبة أقوال في المذهب.
. . انظره في الحطاب.
ثم ذكر المصنف الأشياء التي لا تصح أن يستتر بها فقال رحمه الله تعالى: " لا بخط أو أجنبية، ولا صغير لا يثبت، ولا دابة ولا نائم، وحلق المتكلمين " يعني أن هذه الأشياء كلها لا ينبغي أن تكون سترة للمصلي لما فيها من العلل.
قال خليل: لا دابة، وحجر واحد، وخط، وأجنبية، وفي المحرم قولان.
وقول المصنف لا بخط أي لا يستتر بخط يخطه في الأرض من المشرق للمغرب أو من جهة القبلة إلى الجهة التي تقابلها، ومثل الخط الحفرة والماء والنار.
وقوله أو أجنبية، فالأجنبية لا يصح سترة بين يدي المصلي لأنها مشتغلة، ولما يغلب الظن من الافتنان
الجزء: 1 - الصفحة: 228
بها.
وقوله ولا صغير لما فيه من اللعب، فالصغير الذي لا يثبت لا يصح أن يكون سترة لأنه مشغل.
قال الخرشي: وأما الكبير لا بأس بالاستتار به.
ونصه: لا بأس بالاستتار بظهر الرجل إذا رضي أن يثبت له، والصبي الذي يثبت مثله، وإن كان لا يتحفظ من الوضوء اهـ. وقوله ولا دابة، والعلة فيها إما لنجاسة فضلتها كالبغال، وإما لخوف زوالها، وإما لهما، فهو محترز طاهر، أو ثابت، أو هما معا، فإن كانت طاهرة الفضلة وثبتت بربط ونحوه جاز اهـ. قاله
الدردير.
قوله ولا نائم، فالنائم مشغل باعتبار ما يعرض له من خروج شيء منه يشوش على المصلي، أو كشف عورته، أو تقدير انتباهه وذهابه.
وقوله وحلق المتكلمين، قال الصفتي نقلا عن الخرشي وحاشيته: ومن المشغل النائم، والمأبون الذي يفعل به في دبره، وحلق المحدثين والمتكلمين في الفقه وغيره فلا يستتر بهم.
وأما لو كانوا ساكتين فيستتر بهم إذا لم يكن وجوه بعضهم إليه وإلا فهو مشغل، وكذا يكره الاستتار بالكافر لأن شأنه النجاسة اهـ. وأما قول سيدي خليل: وحجر واحد، أي أنه يكره استتار به مع وجود غيره لشبهه بعبادة الصنم، فإن لم يجد غيره جاز الاستتار به مائلا عنه يمينا أو شمالا، ومفهوم واحد جوازه بأكثر من واحد، فهو كذلك، وأما الأحجار فجائز اهـ قاله الأبي في الإكليل مع طرف من الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " بخلاف الطائفين " يعني أن الطائف بحول الكعبة المشرفة يجوز له المرور بين يدي المصلي بحسبما تقدم عن قريب عند قول المصنف ولا تبطل بمرور شيء بين يديه فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يدنو منها ولا ينصبها قبالة وجهه " يعني أن المصلي يندب له أن يدنو، أي أن يقرب من سترته بحيث يكون بينه وبينها قدر ممر الشاة.
الجزء: 1 - الصفحة: 229
وقيل شبرا.
وقيل ذراعا.
ولا ينصبها صمدا أي قبالته، بل يجعلها من جهة يمينه أو شماله.
وأما قدر حريم المصلي فيستحق محل ركوعه وسجوده فقط كما في الحطاب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويدرأ المار برفق " يعني أن المصلي يندب له أن يدفع المار بين يديه بلطف.
قال الحطاب: فرع: وأما حكم مدافعة المار فالمذهب أنه يدفعه دفعا خفيفا لم يشغله عن الصلاة.
قال ابن عرفة: ودرأ المار جهده اهـ.
ولما أنهى الكلام على سترة المصلي انتقل المصنف يتكلم على بيان أحكام العاجز عن القيام في الصلاة فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في أحكام العاجز عن القيام في الصلاة
في بيان حكم من لم يقدر على القيام في الفرض، وترتيب أحواله من القيام استقلالا واستنادا وما يتعلق بحكم العاجز عن كل شيء، وبيان جميع ذلك على التفصيل.
والأصل في صلاة المريض على الصفة الآتية الكتاب والسنة، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] وقوله عز وجل:
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: 78] وأما السنة فما في صحيح البخاري " عن عمران بن حصين قال كانت بي بواسير فسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فقال: " صل قائما، فإن لم تستطع فجالسا، فإن لم تستطع فعلى جنبك " زاد ابن صخر " فإن لم تستطع فمستلقيا ".
قال المصنف رحمه الله تعالى: " العاجز عن القيام " أي استقلالا في صلاة الفريضة بأن عجز عنه جملة أو تلحقه بالقيام مشقة شديدة ولا يقدر أن يصلي قائما ولو " معتمدا " على
الجزء: 1 - الصفحة: 230
شيء قال المصنف فإنه " يصلي جالسا " أي استقلالا " مستقبلا " إلى القبلة، قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن لم يستطع استند إلى طاهر " يعني كما قال في الرسالة: وصلاة المريض إن لم يقدر على القيام صلى جالسا إن قدر على التربع وإلا فبقدر طاقته.
قال النفراوي: قوله صلى جالسا، أي مستقلا، ويستحب أن يتربع إن قدر على التربع اقتداء به صلى الله عليه وسلم، لأنه الألبق بالأدب.
قال العلامة خليل: وتربع كالمتنفل، وغير جلسته بين سجدتيه، قال شراحه وكذا في حال سجوده ثم قال: واعلم أن الذي يصلي الفرض جالسا هو من لا يستطيع القيام جملة، أو يخاف بالقيام لمرض أو زيادته كالتيمم، إلى أن قال: والقادر على الاستناد يجب عليه الاستناد لغير جنب وحائض، ولهما أعاد بوقت حيث استند لهما مع وجود غيرهما إلى أن قال: والحاصل أن الصور أربع: القيام استقلالا، والقيام مع الاستناد، والجلوس استقلالا، والجلوس مع الاستناد.
ولما فرغ المصنف من الكلام على العاجز عن القيام والجلوس بحالتيهما شرع يتكلم على أحوال المضطجع فقال رحمه الله تعالى: " فإن عجز فعلى يمينه؛ المرتبة صلى على ظهره على المشهور.
وقيل الظهر مقدم على الجنب الأيمن، نقله ابن محرز عن أشهب وابن مسلمة وابن القاسم.
قال ابن ناجي في شرح الرسالة: وهذا الخلاف على طريق الاستحباب لأنها حالة واحدة وهي الاضطجاع اهـ. قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية: الفصل الثاني في صلاة المريض، وفيه أحوال: أن يصلي قائما غير مستند، فإن لم يقدر أو قدر بمشقة فادحة صلى قائما مستندا، ثم جالسا مستقلا، ثم جالسا مستندا ثم مضطجعا على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه، ثم مستلقيا على ظهره مستقبل القبلة برجليه.
وقيل يقدم الاستلقاء
الجزء: 1 - الصفحة: 231
على الأيمن، ثم مضطجعا على جنبه الأيسر، ويومئ بالركوع والسجود
في الاضطجاع والاستلقاء، فإن لم يقدر على شيء نوى الصلاة بقلبه وفاقا للشافعي.
وقيل تسقط عنه وفاقا لأبي حنيفة اهـ. وفي الرسالة: وإن لم يقدر على السجود فليومئ بالركوع والسجود، ويكون سجوده أخفض من ركوعه، وإن لم يقدر صلى على جنبه الأيمن إيماء، وإن لم يقدر إلا على ظهره فعل ذلك، ولا يؤخر لصلاة إذا كان في عقله، وليصلها بقدر ما يطيق اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يأتي بما يمكنه ويومئ بما يعجز عنه ويخفض للسجود عن الركوع " يعني أن المريض إذا عجز عن الأركان في صلاته يأتي بمقدوره ويكون سجوده أخفض من ركوعه كما في الرسالة.
قال الدردير ثم إن لم يقدر على الجلوس بحالتيه صلى على شق أيمن بالإيماء، فأيسر، إذا لم يقدر على الشق الأيمن، فعلى ظهر ورجلاه للقبلة، فإن لم يقدر فعلى بطنه ورأسه للقبلة، فإن قدمها على الظهر بطلت.
والمعنى إن قدم هذه الصفة بأن جعل رجليه ابتداء للقبلة ورأسه لدبرها بطلت صلاته إذا كان قادرا على التحول وإلا فلا بطلان، كما لو قدم الظهر على الشق بحالتيه، أو قدم الأيسر على الأيمن فلا تبطل؛ لأن الترتيب بينهما مستحب.
وبطلت أيضا إن قدم الاضطجاع مطلقا على الجلوس بحالتيه، أو استند جالسا مع القدرة عليه استقلالا، بخلاف ما لو جلس مستقلا مع القدرة على القيام مستندا كما تقدم اهـ قلت: انظر قوله بخلاف ما لو جلس إلخ مع ما في كتاب الأخضري لأنه قال: فالتي على الوجوب أولها القيام بغير استناد، ثم القيام باستناد، ثم الجلوس بغير استناد، ثم الجلوس بغير استناد.
فالترتيب بين هذه الأربعة على الوجوب، إذا قدر على حالة منها وصلى بحالة دونها بطلت صلاته.
فعلى هذا فالصلاة تبطل بترك الترتيب بين القيام باستناد والجلوس بغير استناد مع القدرة عليه.
وأشكل ذلك على الطالب وسأل عن معناه، فأجاب العلامة الصاوي في الحاشية عن الدردير فقال: قوله كما تقدم، أي من ندب الترتيب بينهما على قول ابن ناجي وزروق، وأما على قول
الجزء: 1 - الصفحة: 232
ابن شاس فالبطلان لوجوب الترتيب.
والحاصل أن المراتب خمس: القيام بحالتيه، والجلوس كذلك، والاضطجاع، فتأخذ كل واحدة مع ما بعدها يحصل عشر مراتب كلها واجبة إلا واحدة وهي ما بين القيام مستندا والجلوس مستقلا ففيها القولان بالوجوب والندب قلت: وبهذا يظهر لك عدم البطلان على ما قاله الدردير بترك الترتيب في ذلك.
ثم قال أي العلامة الصاوي: والمرتبة الأخيرة تحتها ثلاث صور، وهي تقديم الأيمن على الأيسر، والأيسر على الظهر، وهاتان مستحبتان، وأما تقديم الظهر على البطن فواجب اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا تسقط وهو يعقل، فإن عجز عن جميع
الحركات فقيل يقصد بقلبه، وقيل تسقط عنه " يعني أن المريض لا تسقط عنه الصلاة ما دام معه شيء من عقله، لأن الصلاة خشوع وتضرع لله تعالى وهو مطلوب من العبد ما بقي منه شيء من عقله مع القدرة.
وقد تقدم ما صرح به أبو محمد في الرسالة بقوله: ولا يؤخر الصلاة إذا كان في عقله، وليصلها بقدر ما يطيق.
قال شارحها: ولو بنية أفعالها.
قال في الجلاب: ولا تسقط عنه الصلاة ومعه شيء من عقله.
وصفة الإتيان بها أن يقصد أركانها بقلبه بأن ينوي الإحرام والقراءة والركوع والرفع والسجود وهكذا إلى السلام إن كان لا يقدر إلا على الإيماء بطرفه أو غيره، وإلا أومأ بما قدر على الإيماء به ولو بحاجب كما قال المأزري.
وإذا لم يستطع المريض أن يومئ إلا بطرفه وحاجبه فليومئ بهما ويكون مصليا بهذا مع النية، وهذا مقتضى المذهب اهـ النفراوي.
وكذا في الثمر الداني.
ثم اعلم لو كان المريض يستطيع الإتيان بالصلاة على حالة من الحالات لكنه نسي بعض أقوالها وأفعالها ولكن يقدر عليها بالتلقين فهل يجب عليه اتخاذ من يلقنه أم لا؟ قال الأجهوري نقلا عن ابن المنير من علماء المالكية إنه يجب عليه اتخاذ من يلقنه نحو القراءة والتكبير ولو بأجرة، ولو زادت على ما يجب عليه بذله في ثمن الماء، فيقول له عند
الجزء: 1 - الصفحة: 233
الإحرام للصلاة قل الله أكبر، وهكذا إلى السلام، وقول له بعد الفاتحة والسورة افعل هكذا إشارة إلى الركوع أو السجود عند نسيانها اهـ.
ذكره النفراوي في التنبيهات.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي حوفه الغلبة على عقله يجمع بين الصلاتين " يعني أن المريض الذي يخاف أن يغلب على عقله بتأخيره إلى وقت الصلاة الثانية يجوز له أن يجمع بين الصلاتين المشتركتين في الوقت كظهرين بأن يقدم الثانية في وقت الأولى.
قال الدردير في أقرب المسالك: ومن خاف إغماء أو نافضا أو ميدا عند دخول وقت الثانية قدمها، فإن سلم أعاد الثانية بوقت.
قوله من خاف إغماء: الإغماء مرض معروف من نواقض الوضوء كما تقدم في نواقض الوضوء، وقوله أو نافضا أي أو خاف حمى نافضة بالفاء أي يرتعش ويتحرك جسد المريض به من شدة الحمى، وقوله أو ميدا بفتح الميم أي دوخة.
قال أبو الضياء سيدي خليل: وقدم خائف الإغماء والنافض والميد إلخ.
وفي التوضيح: إذا جمع أول الوقت للخوف على عقله ثم لم يذهب عقله فقال عيسى بن دينار يعيد الأخيرة، وقال سند يريد في الوقت اهـ. وقال مالك في المدونة: إذا خاف المريض أن يغلب على عقله جمع بين الظهر والعصر إذا زالت الشمس لا قبل ذلك، وبين العشاءين عند الغروب اهـ. قال الخرشي: يعني أن الشخص إذا خاف الإغماء أو الحمى الناقضة، أي المرعدة أو الدوخة عند العصر أو العشاء فإنه
يستحب له أن يقدم العصر أول وقت الظهر، والعشاء عند أول وقت المغرب على المشهور اهـ. وفي الرسالة: وللمريض أن يجمع إذا خاف أن يغلب على عقله عند الزوال وعند الغروب وإن كان الجمع أرفق به لبطن به ونحوه جمع وسط وقت الظهر، وعند غيبوبة الشفق اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي طلب الرفقة يؤخر الأولى إلى آخر وقتها الاختياري ويصليها " يعني أن الشخص إذا كان منفردا وهو يرجو الرفقة في الوقت أي
الجزء: 1 - الصفحة: 234
يرجو المجاعة فيستحب له الانتظار بأن يؤخر صلاة كالظهر مثلا إلى آخر وقتها الاختياري لتحصيل فضل الجماعة.
وقال الدردير في أقرب المسالك: والأفضل لفذ انتظار جماعة يرجوها.
يعني أن المنفرد يندب له أن يؤخر الصلاة لجماعة يرجوها في الوقت لتحصيل فضل الجماعة.
وقيل يقدم.
ثم إذا وجدها أعاد إن كانت مما تعاد، وأما المغرب فيقدمها جزما لضيق وقتها.
وعلم من هذا أن قولهم الأفضل للفذ تقديمها أول الوقت محله ما لم يرج جماعة اهـ. وقد تقدم الكلام في المنفرد عند قول المصنف: وفي إبراد المنفرد قولان فراجعه إن شئت.
ولما أنهى الكلام على أحكام العاجز عن القيام في الفرض وجميع ما يتعلق بذلك شرع المصنف يتكلم على ما يتعلق بالجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في بيان أحكام الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر
أو الوحل أي الطين مع الظلمة، لا بأحدهما.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجمع بين العشاءين للمطر أو الوحل مع الظلمة في مساجد الجماعات " يعني أنه يرخص للجماعة الجمع بين المغرب والعشاء للمطر النازل أو المترقب في نزوله.
قال في الرسالة: ورخص في الجمع بين المغرب والعشاء ليلة المطر، وكذلك في طين وظلمة، يؤذن للمغرب أول الوقت خارج المسجد، ثم يؤخر قليلا في قول مالك، ثم يقيم في داخل المسجد ويصليها، ثم يؤذن للعشاء في داخل المسجد ويقيم، ثم يصليها، ثم ينصرف وعليهم إسفار قبل مغيب الشفق اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا المنفرد في بيته أو مسجده " يعني أنه لا يرخص لجار المسجد أن يجمع بين الصلاتين تبعا لأهل المسجد وهو في بيته أو في مسجده، ولو كان مريضا
الجزء: 1 - الصفحة: 235
أو امراءة، بل إما أن يذهب للمسجد فيجمع معهم، أو يصلي كل صلاة بوقتها، وأما المقيم بالمسجد للعبادة بنحو الاعتكاف أو المجاورة
فيه جاز له أن يجمع تبعا للجماعة لا استقلالا.
قال في أقرب المسالك: جاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء، ولمقيم بمسجد تبعا لا استقلالا، ولا لجار مسجد ولو مريضا أو امراءة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يؤخر الأولى ويقدم الأخيرة ويصليان في وسط الوقت يؤذن للأولى خارج المسجد " يعني أنه شرع في كيفية الجمع بين العشاءين كما وصفها صاحب الرسالة، إلا أن مصنفا أتى بقولين في محل إعادة أذان الثاني بقوله: " وهل للأخرى داخله أو خارجه قولان " المشهور منهما الأول كما في الرسالة.
قال خليل: ثم صليا ولاء إلا قدر أذان منخفض بمسجد وإقامة.
قوله: بمسجد أي فيه، لا على النار لئلا يشك من صلى المغرب أو أفطر بسماع الأذان الأول.
قال الدردير: ولئلا يلبس على الناس، أي فيظنون أن وقت العشاء دخل، وهذه العلة تشعر بحرمته على المنار اهـ. قال صاحب العزية: وصفة الجمع لذلك أن يؤذن للمغرب على المنار أول وقتها ويؤخر صلاتها قليلا، ثم يؤذن للعشاء في صحن المسجد أذانا منخفضا ثم يصلونها قبل مغيب الشفق، ثم ينصرفون ولا يصلون الوتر إلا بعد مغيب الشفق اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويقين لهما " أي لكل واحدة منهما.
قال: " ولا يتنفل " أحد " بينهما " أي بين الصلاتين المجموعتين في المسجد على المعتمد، والنهي للكراهة، أي يكره التنفل بينهما.
وقيل يحرم.
قال النفراوي في شرح الرسالة: فهم من طلب انصرافهم بعد العشاء أنهم لا يشتغلون بنفل ولا غيره.
قال خليل: ولا تنفل بينهما ولا بعدهما، وإذا وقع ونزل بينهما لا يمنع الجمع إلا أن تكثر النوافل بحيث يدخل وقت الظلمة الشديدة فيفوت الجمع.
الجزء: 1 - الصفحة: 236
والظاهر أن حكم التنفل الكراهة ولا وجه لحرمته لأنه وإن كثر لا يترتب عليه فوات واجب، إذ الجمع مندوب أو مسنون، والمفوت لأحدهما لا يحرم فعله، فتأمله اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن انقطع في أثنائهما تمادى " يعني إذا انقطع سبب الجمع ليلة المطر بعد الشروع فلا يقطعون.
قال الدردير في شرح قول خليل: كأن انقطع المطر بعد الشروع، أي ولو في الأولى فيجوز الجمع، وظاهره ولو لم يعقد ركعة لا قبل الشروع فلا يجوز اهـ. وقال الخرشي أي إن الجماعة إذا شرعوا في صلاة المغرب لوجود سبب الجمع وهو المطر فلما صلوها أو بعضها ارتفع السبب فإنه يجوز لهم التمادي على الجمع، إذ لا تؤمن عودته، وظاهره ولو ظهر عدم عودته، أما لو انقطع قبل الشروع فلا جمع إلا بسبب غيره.
فالمراد بالشروع في الأولى اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن أدرك الثانية معهم وقد صلى الأولى " يعني من أدرك الجماعة في المسجد يصلون الجمع وأدركهم في العشاء والحال أنه قد صلى المغرب في بيته منفردا أو في جماعة أخرى، قال المصنف: " هل يجمع معهم " تبعا لهم، أو لا يجوز له ذلك؟ فيه " قولان " المشهور منهما الجواز، أي يجوز له الدخول معهم في الجمع ويحصل له فضل الجماعة على المعتمد.
قال في أقرب المسالك " وجاز لمنفرد بالمغرب يجدهم بالعشاء، ولمقيم بمسجد تبعا لا استقلالا اهـ.
وحاصل فقه المسألة أن المعتكف في المسجد لا يجمع ليلة المطر مع الجماعة ولو كان إماما إلا تبعا لهم لا استقلالا، ولذا وجب على الإمام إذا كان في الاعتكاف أن يستخلف من يجمع للجماعة ويصلي هو وراء خليفته مأموما، وأما من كان خارجا عن المسجد أي ساكنا في منزله، ثم جاء وأدرك الثانية فإنه لا يخلو من ثلاثة أحوال: إما أن يكون قد
الجزء: 1 - الصفحة: 237
صلى المغرب منفردا في بيته أو في جماعة ثم أتى مسجد الجمع، أو لم يصلها أصلا، أما الذي صلى المغرب في بيته منفردا أو في الجماعة فيجوز له أن يجمع مع الجماعة تبعا لهم لطلب فضل الجماعة، فإن وجدهم قد فرغوا لا يجمع وحده إلا إذا كان بأحد المساجد الثلاثة، والمراد بها المسجد الحرام، والمسجد النبوي، ومسجد إيلياء وهو المسجد الأقصى، فيجوز له الجمع إذا دخلها، سواء كان راتبا أو غيره.
وأما إن لم يدخل وعلم أن إمامها قد جمع فلا يطالب بالدخول ويبقى العشاء للشفق إلا إذا كان لم يصل المغرب والعشاء معا لعظم فضلها على الجماعة في غيرها اهـ. لخصناه من كتب معتبرة فراجعها إن شئت.
قال العلامة الصاوي في حاشيته على الدردير نقلا عن الدسوقي.
تنبيه: حيث كان إمام المسجد معتكفا لا يجوز له الجمع إلا تبعا، فلذلك يلزمه استخلاف من يصلي بهم ويصلي هم مأموما، ولا تصح إمامته، ولا يصح الجمع بمسجد لشخص منفرد غير راتب إلا بالمساجد الثلاثة، إذا دخلها فوجد إمامها قد جمع صلى المغرب مع العشاء جمعا، وأما إذا لم يدخل وعلم أن إمامها قد جمع فلا يطالب بدخولها ويبقي العشاء للشفق، هذا هو الموافق لما مر كما جزم به بعضهم اهـ فرع: يلزم المصلي نية الجمع عند الأولى، فلو تركها لم تبطل بخلاف نية الإمامة فتبطل الثانية بتركها.
قال النفراوي في شرح الرسالة في التنبيه الخامس: لم يبين المصنف حكم نية الجمع ولا محلها، وحلها على الراجح عند الصلاة الأولى، وتطلب من الإمام والمأموم، وأما نية الإمامة فقيل عند الثانية لأنها التي يظهر أثر الجمع فيها، وقيل فيهما، والمشهور الثاني، فلو ترك الإمام نية الإمامة بطلت الثانية على الأول وبطلت على الثاني حيث تركها فيهما، وأما لو تركها في
الثانية وأتى بها في الأولى فالظاهر صحتها وتبطل الثانية ولا يصليها إلا عند مغيب الشفق.
وأما لو تركها عند الأولى ونيته الجمع فإنها تبطل لأن صحتها مشروطة بنية الإمامة علة هذا القول كترك الإمام نية الإمامة في صلاة الجمع اهـ. فتأمل.
الجزء: 1 - الصفحة: 238
ولما أنهى الكلام على الجمع ليلة المطر وما يتعلق بجميع ذلك يتكلم على بيان حكم الصلاة في الجماعة مطلقا أي في الصلوات الخمس، فقال رحمه الله تعالى.
فَصْلٌ
في حكم الجماعة
في بيان أحكام الجماعة، ومن أولى بالإمامة، وحكم الإمام والمأموم، ومن يقف وحده خلف الصف، وما يلزم المؤتم من المتابعة للإمام، وغير ذلك مما يتعلق بالجماعة.
وبدأ المصنف بحكم الصلاة في الجماعة فقال رحمه الله تعالى: " الجماعة سنة مؤكدة " يعني أن الصلاة المكتوبة غير الجمعة إيقاعها في الجماعة سنة مؤكدة يحصل به ثوابا جزيلا وفضلا عظيما.
وفي الحديث عن ابن عمر، رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة " وفي رواية عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا " رواهما الإمام في الموطأ اهـ.
وفي الرسالة: والصلاة في الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة كما في الحديث.
العزية: صلاة الجماعة سنة مؤكدة ولا يحصل فضلها إلا بإدراك ركعة بسجدتيها، فمن أدركها ليس له أن يعيدها في جماعة أخرى.
والجماعة اثنان فصاعدا، ومن صلى وحده، أو لم يدرك مع الإمام ركعة كاملة فإن له أن يعيدها في جماعة مأموما ناويا بذلك التفويض إن كانت تلك الصلاة غير المغرب، وكذا العشاء بعد وتر صحيح وأما قوله: أو مع واحد ضعيف كما في شراح المختصر، إلا إذا كانت الإعادة مع الراتب الذي إذا صلى وحده في مسجد قام مقام الجماعة فله أي للفذ أن يعيد معه للفضل المذكور.
قال خليل: الجماعة بفرض غير جمعة سنة، ولا تتفاضل، وإنما يحصل فضلها بركعة، وندب لمن لم يحصله
الجزء: 1 - الصفحة: 239
- كمصل بصبي لا امراءة - أن يعيد مفوضا مأموما ولو مع واحد غير مغرب، كعشاء بعد وتر، فإن أعاد ولم يعقد قطع، ولا شفع، وإن أتم، ولو سلم أتى برابعة إن قرب اهـ. قال الخرشي: يعني أن اجتماع الجماعة في الفرض العيني الحاضر أو الغائب سنة مؤكدة، وليست واجبة إلا في الجمعة.
وظاهر المؤلف كغيره أنها سنة في الجملة، وفي كل مسجد وفي حق كل مصل حتى في حق المنفرد فيسن في حقه طلب الجماعة بدليل أنه يستحب لمن صلى وحده طلب الجماعة، خلاف ما جمع به ابن رشد بين الأقوال من كونها فرضا في الجماعة، سنة في كل مسجد، فضيلة للرجل في خاصيته.
وظاهر كلام ابن عرفة أن طريقة ابن رشد هذه خلاف طريقة الأكثر، وعلى طريقة ابن رشد يحمل كلام المؤلف على إقامتها بكل مسجد، لا على إقامتها بالبلد، ولا على إيقاع الرجل صلاته في الجماعة اهـ، قال العلامة الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: وظاهر المذهب أنها سنة في البلد، وفي كل مسجد، وفي حق كل مصل، وهذه طريقة الأكثر.
وقتال أهل البلد على تركها لتهاونهم بالسنة.
وقال ابن رشد وابن بشير: إنها فرض كفاية بالبلد، فلذلك يقاتلون عليها إذا تركوها، وسنة في كل مسجد، ومندوبة للرجل في خاصة نفسه.
قال الأبي: وهذا أقرب إلى التحقيق اهـ. قال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير: وأما غير الفرض منه ما يندب فيه الجماعة وهو العيد، والكسوف، والاستسقاء، والتراويح، والأوجه في غير التراويح السنية، ومنه ما تكره فيه كجمع كثير مطلقا، أو قليل بمكان مشتهر في غير ما ذكر، وإلا جازت كما تقدم.
وأما الجمعة فالجماعة فيها شرط صحة كما سيأتي اهـ. أحكام الإمامة ولما أنهى الكلام علة تحقيق معنى الجماعة وبيان أحكامها وإثبات فضلها لمن أدركها انتقل يتكلم على بيان أحكام الإمام والإمامة، وصفة الإمام ومن أولى بالتقديم.
قال رحمه
الجزء: 1 - الصفحة: 240
الله تعالى: " ولا يؤم " أي لا يتقدم على الناس في أداء الصلاة أو قضائها " إلا مسلم " أي رجل من المسلمين.
وقولنا رجل احتراز من المرأة.
وقوله مسلم: أي بأن الإمام مسلما لإذ الكافر لا تصح صلاته وأحرى إمامته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " عدل ذكر " يعني أن من شروط الإمام أن يكون عدلا، فالفاسق تكره إمامته مع صحة الصلاة على المعتمد لأن الكراهة لا تنافي الصحة كما لا تنافي الجواز ولكن لا ينبغي الاقتداء به إلا عند الضرورة كما هو معلوم.
وقله ذكر أي محقق الذكورية، إذ لا تصح إمامة المرأة ولا خنثى مشكل في الفريضة ولا النافلة، لا رجالا ولا نساء، لا حضرا ولا سفرا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " عالم بما لا تصح الصلاة إلا به " يعني أنه لا يتقدم إلا من كملت له الأوصاف المتقدمة بأن يكون غير جاهل بما لا تصح الصلاة إلا به من قراءة وفقه مع القدرة على اإتيان بالأركان، فالعاجز عن جميع ذلك أو بعضه لا تصح إمامته إلا لمثله، إلا امرأة تؤم أحدا مطلقا كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " بالغ في الفريضة " يعني أن غير البالغ ولو مميزا لا يؤم أحدا في
الفرض لا رجالا ولا نساء.
وأما في النوافل أو مع مثله فشرطه التمييز فقط كما قال المصنف: " مميز في النافلة " يعني أن الصبي المميز تصح إمامته في صلاة النافلة وإن لم تجز ابتداء كما في المختصر وكذا في الصاوي سواء كان مأمومه رجالا أو نساء أو رجالا ونساء، لكن إن أم البالغين تصح مع الكراهة الشديدة على المعتمد في المذهب لأنه ربما صلى بلا وضوء لكونه لا حرج عليه في تركه الوضوء لأن الوضوء في حقه مستحب، وأما إن كان مع مثله فلا كراهة.
اهـ الصفتي مع إيضاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وكره كون العبد وولد الزنا راتبا " يعني أنه لما ذكر المصنف من يستحب منه الإمامة شرع الآن في ذكر من تكره إمامته بقوله: وكره إلخ.
والمعنى أنه يكره ترتب العبد وولد الزنا بأن يكون كل منهما إماما راتبا في المسجد للعار القائم بهما في ذلك، ولو بلغا إلى أعلى الدرجة عند الناس، قال الخرشي عند قول خليل: وولد
الجزء: 1 - الصفحة: 241
زنا أي يكره ترتب ولد زنا خوفا من أن يعرض نفسه للقول فيه لأن الإمامة موضع رفعة.
وقال عند قوله: وعبد في فرض، أي وكذا يكره أن يتخذ العبد إماما راتبا في الفرض، أي غير الجمعة وأما هي فلا تصح ويعيد هو ومن خلفه أبدا كما يأتي في باب الجمعة من أن شرط وجوبها الحرية اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويستحب كونه أكملهم زيا وخلقا " يعني أنه يستحب للإمام أن يكون أكمل الناس صفة بأن يكون حسن الهيئة، جميل الصورة، صبيح الوجه، سالم الأعضاء، معتدل القامة، نظيف الثياب، معروف النسب، مشهورا بالأخلاق المرضية.
قال بعضهم في نظمه:
ومن شروطه على الكمال ... منزه في القول والأفعال
ذو حسب يرى ومعروف النسب ... ذو خلق وذو مقام في الحسب
يعرف بالسيما إذا تراه ... نظافة الثوب وما حواه
وحسن الوجه وحسن الصوت ... مراعيا بدينه في الوقت
مكمل الأعضاء خال من شلل ... ومن عروجة ومن كل الخلل
ويتقي فيه جميع العاهه ... لأنه الموصوف بالشفاعة
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فيكره الأغلف، والأقطع، والأشل، والأعمى، والمتيمم للمتوضئين، وذو سلس، والجرح السائل للأصحاء، وبدوي للحاضرين ومسافر للمقيمين " يعني أخبر المصنف أن إمامة هؤلاء مكروهة وهم تسعة، لكن إمامة بعض منهم لا كراهة فيها كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى الأول: إمامة الأغلف، هو رجل مكلف لمنه غير مختتن.
قال الصاوي: فتكره
إمامته مطلقا راتبا أو لا، خلافا لما مشى عليه خليل من تخصيصه بالراتب اهـ. وفي شرحه العشماوية لابن تركي، والأغلف وهو من ترك الختان اغير ضرورة.
قال الصفتي: بل ولو تركه لضرورة على المعتمد كما نقله التتائي
الجزء: 1 - الصفحة: 242
عن ابن هارون أنه سواء تركه لعذر أم لا على المعتمد اهـ، الثاني والثالث: الأقطع والأشل.
قال الصفتي: هذا ضعيف والمعتمد أنها لا تكره إمامة الأقطع ولا الأشل كما في الحاشية.
ومثله في حاشية الخرشي.
قلت قد عد الدردير في أقرب المسالك أن الأقطع والأشل ممن تجوز إمامتهم بلا كراهة على الراجح.
قال خليل: وكره أقطع وأشل، قال عبد السميع في الإكليل: والمعتمد عدم كراهة إمامتها مطلقا كما في الجواهر، ونصه: المأزري والباجي وجمهور أصحابنا على رواية ابن نافع عن مالك، رضي الله تعالى عنه، أنه لا بأس بإمامة الأقطع والأشل لمثلهما ولغير مثلهما، ولو في الجمعة والأعياد، وسواء كانا يضعان العضو على الأرض أم لا اهـ. الرابع: إمامة الأعمى وتلك جائزة فلا كراهة فيها على الراجح كما في الدردير.
وفي المختصر: وجاز اقتداء بأعمى ومخالف في الفروع، قال مالك في المدونة: لا بأس أن يتخذ الأعمى إماما راتبا، وقد أم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أعمى وهو ابن أم مكتوم.
وقال الخرشي: يعني أن إمامة الأعمى جائزة من غير كراهة لاستنابته عليه الصلاة والسلام ابن أم مكتوم على المدينة في غزواته بضع عشرة مرة يؤم الناس، والمراد بالجواز ما يشمل خلاف الأولى لأن إمامة البصير أفضل على الراجح.
قال العدوي في الحاشية: والمعنى الذي يشمل خلاف الأولى شيء ليس بمكروه اهـ. فظهر لك أن إمامة الأقطع والأشل والأعمى جائزة لا كراهة فيها على الراجح كما في الدردير الخامس: أي ممن تكره إمامته مما ذكره المصنف إمامة المتيمم، يعني أخبر إنما تكره إمامة المتيمم للمتوضئين فقط.
وسئل مالك في المدونة في المتيمم يؤم المتوضئين قال يؤمهم المتوضئ أحب إلي.
وإن أمهم المتيمم رأيت صلاتهم مجزئة عنهم اهـ. قال الصفتي نقلا عن العدوي والخرشي: فائدة: تكره إمامة المتيمم للمتوضئ وإمامة ماسح الجبيرة لغيره، أي إذا كان متوضئا وضوءا كاملا، واقتداء ماسح الخف بماسح الجبيرة، واقتداء الماسح بالمتيمم، وأما اقتداء ماسح الجبيرة بماسح الخف فلا كراهة، ومثله في عدم الكراهة اقتداء المتوضئ بماسح الخف اهـ، السادس
الجزء: 1 - الصفحة: 243
والسابع: أي ممن تكره إمامتهم ذو سلس وذو جرح سائل.
يعني أن إمامة ذا سلس من بول أو غيره وذا قروح لمن هو سليم عنها مكروهة.
قال خليل: وذو سلس وقروح لصحيح.
وفي جواهر اإكليل: وكره ذو سلس أي بول ونحوه يخرج بغير اختيار فلا يستطيع
حسبه، وذو قروح يسيل منها دم ونحوه، أي إمامتهما لصحيح أي سليم من السلس والقروح، وكذا سائر أصحاب المعفوات، فمن تلبس بشيء منها فإمامته للسليم منها مكروهة اهـ الثامن: أي ممن تكره إمامته البدوي وهو ساكن البادية، ويعبر عنه بالأعرابي.
قال خليل: وأعرابي.
قال الخرشي يعني أنه تكره إمامة الأعرابي للحضري ولو في سفر وإن كان أقرأهم خوف الطعن بأنه ليس فيهم من يصلح للإمامة، أو لترك الجمعة والجماعة لا لجهله بالسنة كما قيل، وإلا منعت إمامته اهـ وعبارة صاحب جواهر الإكليل أنه قال: وكره أعرابي منسوب للأعراب أي سكان البادية سواء كانت لغتهم عربية أو أعجمية لغيره، أي تكره إمامته لحضري سواء بحاضرة أو ببادية، ولو كانا بمنزل الأعرابي وإن كان الأعرابي أقرأ أي أحكم قراءة من الحضري لجفائه وغلظته، فلا يصلح للشفاعة اللازمة للإمامة اهـ التاسع: أي ممن تكره إمامته المسافر، فإمامته للمقيمين مكروهة وإن كان كل على سنته، لكن الكراهة باقية.
قال خليل: وإن اقتدى مقيم به فكل على سنته وكره، كعكسه، وتأكد وتبعه ولم يعد.
الراجح الإعادة.
قال الخرشي: يعني المقيم إذا اقتدى بالمسافر لا ينتقل عن فرضه ويصير كل منهما على سنته فيصلي المسافر فرضه فإذا سلم أتم المقيم ما بقي عليه من صلاته فذا، وكره لمخالفته نية إمامه.
وقوله كعكسه، أي ككراهة اقتداء المسافر بالمقيم ولو في المساجد الثلاثة، أو مع الإمام الأكبر، إلا أن يكون المقيم ذا سن أو فضل أو رب منزل، لكن الكراهة هنا أشد من الأولى لمخالفة سنة القصر، ولزوم الانتقال إلى الإتمام له مع الإمام إن أدرك ركعة مع الإمام وإلا قصر وبنى على إحرامه صلاة سفر اهـ. انظر الخرشي.
وفي جواهر الإكليل: قوله: وإن اقتدى مقيم به إلخ وكره، أي اقتداء المقيم بالمسافر لمخالفة المأموم إمامه نية
الجزء: 1 - الصفحة: 244
وفعلا، إلا إذا كان المسافر فاضلا أو مسنا في الإسلام كما في سماع ابن القاسم وأشهب.
وذكر ابن رشد أنه المذهب، ونقله الحطاب على وجه يقتضي اعتماده.
وقوله: كعكسه وهو اقتداء المسافر بالمقيم، وتأكد، أي اشتد الكره للزوم مخالفة المسافر سنة القصر التي هي أوكد من الجماعة عند ابن رشد، ولا كراهة على قول اللخمي القائل الجماعة أوكد من القصر.
وإذا اقتدى المسافر بالمقيم وجب عليه اتباعه أي يلزم المسافر الإتمام إن أدرك معه ركعة ولو نوى القصر، ثم يعيدها في الوقت مقصورة على الراجح خلاف ما مشى عليه الشيخ خليل من قوله ولم يعد، وهو ضعيف كما في الإكليل وغيره، وأما إن لم يدرك المسافر مع إمامه المقيم ركعة فإن كان نوى الإتمام أتم وأعادها بوقت، وإن كان نوى القصر قصرها اهـ. وفي العزية فائدة: اقتداء المسافر بالمقيم والعكس
صحيح لكن يكره، وتتأكد الكراهة في اقتداء المسافر بالمقيم، فإن اقتدى به لزمه اتباعه ولا إعادة، هذا تبع فيه خليل وتقدم أنه يعيد في الوقت على الراجح انظره في جواهر الإكليل.
وإن اقتدى المقيم به أي المسافر فكل على سنته، وهذا لا ينافي الكراهة المذكورة لمخالفة نية إمامه إلا أن هذا لا إعادة عليه بخلاف اقتداء المسافر فرضه فإذا سلم من ركعتين أتى المقيم بما بقي من صلاته اهـ مع زيادة إيضاح.
ثم ذكر المصنف من أولى بالتقدم على وجه الاستحقاق فقال رحمه الله تعالى: " ولا يقدم على الحاكم ورب المنزل إلا بإذنهما " وقوله: ولا يقدم بالياء التحتانية وفي نسخة بالتاء الفوقانية، يعني فالأولى بالتقدم في الصلاة الحاكم؛ لأن الإمامة في الأصل تولي أمور الناس عموما من شأن دينهم ودنياهم، ولأن إمام الصلاة نائب عن الإمام الأعظم ولا ينبغي لأحد من الرعية أن يتقدم على الحاكم إلا بإذنه أو لمانع شرعي، وإلا أي إن لم يكن المانع فلا بد من الإذن بأن يكون نائبا عن الإمام الأعظم في الصلاة وغيرها من أمور الديانات.
وكذا لا ينبغي لأحد أن يتقدم على رب المنزل إلا لمانع شرعي.
قال
الجزء: 1 - الصفحة: 245
العلامة عبد الباري العشماوي في مقدمته: ويستحب تقديم السلطان في الإمامة، ثم رب المنزل، ثم المستأجر يقدم على المالك، ثم الزائد في الفقه، ثم الزائد في الحديث، ثم الزائد في القراءة، ثم الزائد في العبادة، ثم المسن في الإسلام، ثم ذو النسب، ثم جميل الخلق، ثم حسن الخلق، ثم حسن اللباس، ومن كان له حق في التقديم في الإمامة ونقص عن درجتها كرب الدار إذا كان عبدا أو امرأة أو غير عالم مثلا فإنه يستحب له أن يستنيب من هو أعلم منه اهـ. وقوله: أو امرأة، قلت: فالاستنابة منها واجبة لأنها لا تتقدم على أحد في الصلاة وإن في بيتها إذ لا حق لها في التقدم؛ لأن الذكورية شرط في صحة الإمامة كما تقدم.
وكذا الجاهل لا يتقدم على أهل الفضل، ومثله العبد لا يتقدم على كسيده.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي اجتماع الأهل يقدم الأفقه " يعني كما في الرسالة ويؤم الناس أفضلهم وأفقههم، ولا تؤم المرأة في فريضة ولا نافلة لا رجالا ولا نساء.
قال رحمه الله تعالى: " فإن استووا فأفضل بالسن والشرف والصباحة وحسن الخلق، فإن استووا فبالقرعة " يعني أن المستحقين للإمامة إذا استووا في الدرجات بحيث لم يزد أحد منهم بمزية زائدة على غيره فحينئذ تضرب لهم القرعة بأن يكتب في ورقة (إمامة) وفي أخرى (ضدها) بعددهم ويلف ذلك في كشمع ويلقى بين أيديهم، ويأخذ كل واحد منهم واحدة ومن أخذ سهم الإمامة
فهو الإمام والباقي يسلمون إليه الأمر، فهذا إذا كان التنافس ليس للدنيا بأن كان للدين، وأما إذا كان ذلك للدنيا فإنه يقدم الأتقى قولا واحدا.
ثم ذكر المصنف بعض ما يستحب للإمام فقال رحمه الله تعالى: " يحرم " أي الإمام " بعد استواء الصفوف " يعني أن استواء الصفوف من المندوبات في الصلاة، ولا يحرم الإمام إلا بعد استوائها.
قال مالك في الموطأ: إن عمر بن الخطاب كان يأمر بتسوية الصفوف، فإذا جاؤوه فأخبروه أن قد استوت كبر.
وعن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم
الجزء: 1 - الصفحة: 246
قال: " سووا صفوفكم فإن تسوية الصفوف من إقام الصلاة " رواه البخاري وغيره.
وقد ذكر التتائي فائدة في شرحه على منظومة ابن رشد، وذكر فيها عشر مسائل تطلب للإمام، منها أن لا يكبر حتى يسوي الصفوف أو يوكل من يسويها، أو يأمرهم بذلك، فراجع باقي المسائل إن شئت.
وتقدم لنا في فضائل الصلاة أن اعتدال الصفوف من كمال الصلاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يلزمه نية الإمامة " يعني أن الإمام لا يلزمه نية الإمامة إلا في أربع مسائل على المشهور.
قال العشماوي: ولا يشترط في حق الإمام أن ينوي الإمامة في أربع: في صلاة الجمعة، وصلاة الجمع، وصلاة الخوف، وصلاة الاستخلاف، وزاد بعضهم فضل الجماعة على الخلاف في ذلك اهـ. قال الصاوي: تنبيه لا يتوقف فضل الجماعة للإمام على نية الإمامة في غير هذه المسائل، كما اختاره اللخمي وإن كان خلاف قول الأكثر اهـ. قال خليل: وشرط الاقتداء نيته بخلاف الإمام، ولو بجنازة إلا الجمعة، وجمعا، وخوفا، ومستخلفا، كفضل الجماعة، واختار في الأخير خلاف الأكثر اهـ. يعني أن نية الإمامة في صلاة الجماعة شرط في حصول فضلها عند أكثر العلماء، وخالفهم في ذلك اللخمي، وقال إن نية الإمامة ليست شرطا في ذلك، بل إنه يحصل فضل الجماعة ولو لم ينوها.
قال العدوي وهو المعتمد كما في جواهر الإكليل.
وقال الصاوي على أقرب المسالك وكل صلاة كانت الجماعة شرطا في صحتها كانت نية الإمامة فيها شرطا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويرجو لمن خلفه ويشركهم في دعائه " يعني ينبغي للإمام أن يشارك مأمومه وغيرهم في الدعاء ولا يخص نفسه بما يرجوه من الله سبحانه لما ورد في الحديث عن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يؤم عبد قوما فيخص نفسه بدعوة، فإن فعل فقد خانهم " قال بعض أهل العلم: هذا الحديث عندي في الدعاء الذي
الجزء: 1 - الصفحة: 247
يدعو به الإمام لنفسه وللمأمومين ويشتركون فيه كدعاء القنوت ونحوه.
وهذا الحديث رواه أحمد وأصحاب السنن كما في زاد المعاد.
قال خليل
في المختصر: ودعاء خاص.
قال الشارح الحطاب: يحتمل أن يريد بقوله: خاص أن الدعاء خاص بنفسه لم يشرك المسلمين فيه، وهذا خلاف المستحب ويتأكد في حق الإمام، وقد ورد في الحديث أنه خانهم ذكره صاحب المدخل وغيره، ويحتمل أن يريد أن المصلي يكره له أن يجعل دعاء مخصوصا لركوعه ودعاء مخصوصا لسجوده، وهذا الذي ذكره في التوضيح، ويحتمل أن يريدهما والله أعلم اهـ، قال العلامة الدردير في أقرب المسالك في مندوبات الصلاة " وتعميمه " ومنه " اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولأئمتنا، ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما.
اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا وما أسررنا ومل أعلنا وما أنت أعلم به منا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا ينتظر إدراك الداخل " يعني أن الإمام إذا كان راكعا وسمع حس الداخل فلا ينبغي له أن يطيل الركوع لإدراك المأموم الداخل تلك الركعة، فإن فعل كره له ذلك.
قال خليل: ولا يطال ركوع لداخل.
وفي أقرب المسالك: وكره للإمام إطالة ركوع الداخل اهـ، أي لأجل داخل معه في الصلاة إدراك الركعة إلا لضرورة، قال الصاوي قوله: إلا لضرورة، أي بأن يخاف الضرر من الداخل على نفسه، أو اعتداه بما فاته فيفسد صلاته كبعض العوام.
قال الدردير في تقريره: ما لم تكن تلك الركعة هي الأخيرة.
فتحصل أن المنفرد يطيل الركوع للداخل والإمام إذا خشي ضررا من الداخل، أو فساد صلاته، أو تفويت الجماعة عليه بأن كانت تلك الركعة هي الأخيرة فلا كراهية فيه.
والخوف هنا بما يحصل به الإكراه على الطلاق اهـ. انظر الحطاب والمواق.
وعبارة صاحب الإكليل عند قول الشيخ خليل ولا يطال ركوع لداخل: أي يكره فعل ذلك للإمام إذا لم يخش إضراره ولا اعتداه بما لا يعتد به إن
الجزء: 1 - الصفحة: 248
لم يطل له الركوع، وهذا خاص بالإمام.
وأما المصلي وحده إذا أحس بدخول شخص معه فله أن يطيل له الركوع، وهو مقتضى تقرير التتائي وتعليل اللخمي والقرافي وتبعه تلامذته وأقرهم الماص والعدوي اهـ.
ثم ذكر المصنف موقف المأموم مع الإمام سواء كان واحدا أو متعددا، ذكرا كان أو أنثى.
فقال رحمه الله تعالى: " وموقف " الرجل " الواحد " أي مع الإمام راتبا أو غيره " عن يمينه " أي عن يمين الإمام استحبابا، وندب تأخره عنه قليلا للتمييز بينه وبين الإمام.
وأما الأنثى الواحدة أو النساء المتعددات فإنهن يقفن خلف الإمام.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والواحدة خلفه " يعني أن المرأة الواحدة تقف خلف الإمام سواء كانت زوجته أو غيرها.
قال في الرسالة: والرجل الواحد مع الإمام يقوم عن يمينه، ويقوم الرجلان فأكثر خلفه، فإن كانت امرأة معهما قامت
خلفهما، وإن كان معهما رجل صلى عن يمين الإمام والمرأة خلفهما، ومن صلى بزوجته قامت خلفه، والصبي إن صلى مع رجل واحد خلف الإمام قاما خلفه إن كان الصبي يعقل لا يذهب ويدع من يقف نعه اهـ. قوله: ومن صلى بزوجته قامت خلفه كأن سائلا سأل بأن قال: فما الحكم فيمن قامت المرأة عن يمينه كما يقوم الرجل هل تبطل الصلاة بمحاذاة المرأة أم لا، فأجاب المصنف رحمه الله تعالى بقوله: " ولا تبطل بقيامها إلى جنبه " يعني أن وقوف المرأة إلى جنب الإمام لا يبطل الصلاة، بل صلاة كل منهما صحيحة.
قال في الثمر الداني: ولا تقف عن يمينه، أي يكره لها ذلك، وينبغي أن يشير إليها بالتأخر.
ولا تبطل صلاة واحدة منهما بالمحاذاة إلا أن يحصل ما يبطل الطهارة اهـ. وفي العزية: الأفضل أن يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام والاثنان فصاعدا خلفه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويقف الاثنان خلفه والنساء خلفهم " هذا ظاهر مفهوم لا يحتاج إلى زيادة إيضاح.
ثم ذكر المصنف حكم من أحرم ودخل مع
الجزء: 1 - الصفحة: 249
الإمام لكنه وقف خلف الصف.
قال رحمه الله: " ويجوز وقوف " الرجل " الواحد وراء الصف ولا يجذب إليه أحدا " يعني أنه لا ينبغي للمصلي خلف الصف أن يجذب أحدا ولا أن يجذبه أحد وفعل ذلك خطأ، وفي العزية: وتجوز الصلاة منفردا خلف الصف.
قال الشيخ العلامة عبد الباقي الزرقاني في شرحه على العزية: قوله خلف الصف أي إن عسر عليه وقوفه به، وتحصل له فضيلته لنيته الدخول فيه لولا التعسر، وإلا كرهت وتفوته فضيلته حينئذ، وفضيلة الجماعة حاصلة في قسمي التعسر وعدمه.
وكما تجوز الصلاة خلفه لعذر وتكره لغيره يجوز - كما لابن القاسم - لمن ضاق به الصف في التشهد أن يخرج أمامه أو خلفه، ويكره فعله لغير عذر، والمصلي خلف الصف يكره له جذب أحد من الصف أو ممن يريد الدخول فيه ليقف معه خلفه، ويكره للمجذوب مطاوعته وهو خطأ منهما اهـ. قال العدوي في حاشيته على الخرشي: قال تت: ولم يذكروا عين الحكم أي في الجذب أهل الكراهة أو المنع، قال والظاهر الكراهة كما قيد عن بعض الشيوخ انتهى كلامه.
قال خليل في الجائزات: وصلاة منفرد خلف صف، ولا يجذب أحدا، وهو خطأ منهما، يعني أنه يجوز للمنفرد أن يصلي خلف الصف ولا يجذب إليه أحدا من المأمومين، فإن فعل وأطاعه الآخر فهو خطأ منهما أي من الجاذب لفعله والمجذوب لإطاعته.
ويقال حبذ وجذب لغتان قاله في القاموس.
وليست مقلوبة، ووهم الجوهري.
وفي قوله ولا يجذب إلخ دليل على أنه لم يجد موضعا في الصف وإلا كره 6 وقوله: وصلاة منفرد إلخ مع حصول فضل
الجماعة وفوات فضيلة الصف حيث كره فعله وإلا حصلت له فضيلة الصف أيضا لأنه كان ناويا الدخول فيه اهـ الخرشي.
وفي المواق: قال مالك في المدونة: من صلى خلف الصف وحده أجزأه، ولا بأس أن يصلي كذلك وهو الشأن، ولا يجذب إليه أحدا، فإن جذبه أحد ليقيمه معه فلا يتبعه، وهذا خطأ من
الجزء: 1 - الصفحة: 250
الذي يفعله ومن الذي جبذه.
قال ابن رشد: من صلى وحده وترك فرجة بالصف أساء، قال مالك في رواية ابن وهب: ويعيد أبدا والمشهور أنه أساء ولا إعادة عليه اهـ. وقال الحطاب عند قول خليل وصلاة منفرد خلف صف: يريد مع كرهة ذلك من غير ضرورة كما يفهم من قوله: وركع من خشي فوات ركعة دون الصف اهـ باختصار.
وقال الدردير في أقرب المسالك: وأحرم من خشي فوات ركعة دون الصف إن ظن إدراكه قبل الرفع وإلا تمادى إليه إلا أن تكون الأخيرة، ودب كالصفين لآخر فرجة راكعا أو قائما في ثانيته لا جالسا أو ساجدا، وإن شك في الإدراك ألغاها وقضاها بعد سلامه، كأن أدركه في الركوع وكبر للإحرام في انحطاطه اهـ. وإلى ذلك أشار المصنف بقوله " و " يجوز وقوف الرجل الواحد وراء الصف " لإدراك الركوع " أي لأجل إدراكه الركوع مع الإمام، هذا إن لم يجد مدخلا، قال بل " وإن وجد مدخلا إن قرب " يعني يجوز للمسبوق أن يركع دون الصف لإدراك الركعة قبل أن يرفع الإمام رأسه ولو كانت بين يديه فرجة حيث يخشى بالذهاب إليها فوت الركعة، فله أن يركع دون الصف ليدرك الركوع مع الإمام، ثم يدب ويصل إلى الصف إن قرب بكصفين.
قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: يعني إن وجد الإمام راكعا وخاف أنه إن استمر للصف رفع الإمام رأسه من الركوع فتفوته الركعة فإنه يحرم ويركع دون الصف ثم يدب في ركوعه إلى الصف ويرفع برفع الإمام.
قال الصاوي إنما أمر بذلك لأن المحافظة على الركعة والصف معا خير من المحافظة على أحدهما فقط اهـ.
ثم ذكر المصنف ما يلزم المأموم من النية والمتابعة والمساواة في نفس الصلاة وسائر هيئاتها وغير ذلك مما يتعلق بالاقتداء فقال رحمه الله تعالى: " ويلزم المأموم نية الاقتداء " يعني أن للاقتداء شروطا أي التي لا يصح الاقتداء إلا بها قد عدها بعضهم ثلاثة، وبعضهم خمسة.
قال صاحب العزية: فصل شروط صحة صلاة المأموم خمسة:
الجزء: 1 - الصفحة: 251
الأول الاقتداء، وهو أن ينوي أنه مأموم بالإمام، وأن صلاته تابعة لصلاته، فإن تابعه من غير نية بطلت صلاته اهـ. قال العلامة الشيخ عبد الباقي الزرقاني في شرحه على العزية: فإن تابعه من غير نية اقتداء مع عدم إخلال بشيء مما يطلب فيها فتصح، ويقع ذلك غالبا ممن يعلم في الإمام شيئا يقدح في صلاته وخشي بصلاته منفردا عنه الضرر، أو من أهل البدع الذين يرون
عدم صحتها خلف غير معصوم.
قال العدوي أي ولا يخلو الزمان عن معصوم عندهم.
قال وعندنا لا معصوم إلا الأنبياء والملائكة اهـ، قلت وقول الزرقاني: فإن تابعه من غير نية إلخ هذا في غير الجمعة، وأما هي فتبطل عليه قولا واحدا لعدم صحتها للفذ فتنبه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومساواته في عين الصلاة " يعني أن الشرط الثاني من شروط صحة الاقتداء المساواة في عين الصلاة في ظهرية أو غيرها من الصلوات الخمس، فلا يصلي ظهرا خلف عصر، ولا العكس، ولا يصلي قضاء خلف من يصلي أداء، ولا العكس، ولا يأتم مفترض بمتنفل بخلاف العكس فيجوز مع الكراهة.
ولا بد من اتحاد عين الصلاة وزمنها.
قال في أقرب المسالك: فلا يصح صبح بعد شمس بمن أدرك ركعة قبلها، أي قبل الشمس فاقتدى به في الركعة الثانية لأنها للإمام أداء وللمأموم قضاء.
قال الصاوي: فالبطلان جاء من هذه الحيثية، ومن حيث اختلافهما في النية اهـ. وإلى هذا أشار المصنف بقوله رحمه الله تعالى: " فلا يأتم قاض بمؤد ولا بعكسه، ولا مفترض بمتنفل بخلاف عكسه " يعني أنه قد تقدم في المسألة قبل هذا أنه يشترط المساواة في عين الصلاة قضاء وأداء.
وفي العزية: أي من شروط صحة الاقتداء أن لا يأتم مفترض بمتنفل، وأن يتحدا في الأداء والقضاء، فلا يصلي ظهرا قضاء خلف من يصليه أداء، ولا العكس اهـ كما تقدم.
وفيها أيضا الخامس أي من شروط صحة الاقتداء المتابعة في الإحرام والسلام، فلو أحرم أو سلم قبل الإمام، أو ساواه فيهما بطلت صلاته.
وأما
الجزء: 1 - الصفحة: 252
غيرهما فالسبق فيه غير مبطل لكنه حرام والمساواة فيه مكروه اهـ. ويجمع ما تقدم ما أشار به العلامة الدردير في أقرب المسالك بقوله: ومساواة في ذات الصلاة وصفتها وزمنها، إلا نفلا خلف فرض، فلا يصح صبح بعد شمس بمن أدرك ركعة قبلها، ومتابعة في إحرام وسلام، فالمساواة مبطلة، وحرم سبقه في غيرهما، وكره مساواته، وأمر بعوده له إن علم إدراكه اهـ. هذا كما في الرسالة.
ونصها: ولا يرفع أحد رأسه قبل الإمام، ولا يفعل إلا بعد فعله، ويفتح بعده، ويقوم من اثنتين بعد قيامه، ويسلم بعد سلامه، وما سوى ذلك فواسع أن يفعله معه وبعده أحسن اهـ.
ثم ذكر المصنف حكم المسمع وما قيل فيه، قال رحمه الله تعالى: " والصحيح " أي من الأقوال: " صحة صلاة المسمع " في نفسه " و " صحة " الصلاة به " أي الاقتداء بالإمام بسبب سماع صوته، كما يجوز اتخاذه ونصبه ليسمع المأمومين برفع صوته بالتكبير فيعلمون فعل الإمام؛ لأن المسمع علم على صلاة الإمام.
قال العلامة خليل في الجائزات: ومسمع واقتداء به.
أي وجاز
اتخاذه ونصبه ليسمع المأمومين فيعلمون فعل الإمام ليقتدوا به بسبب سماع صوت المسمع، والأفضل رفع الإمام صوته حتى يسمع المأمومين ويستغنى عن المسمع قاله في جواهر الإكليل.
قال الخرشي: وفي قوله واقتداء به مسامحة لأن الاقتداء إنما هو بالإمام، أي وجاز للمقتدي أن يعتمد في انتقالات الإمام على صوت المسمع اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولو قام بين يدي الإمام وأمكنه الاقتداء جاز " يعني أن المأموم ولو مسمعا لو وقف بين يدي الإمام أو بحذائه بحيث يمكنه ضبط أحوال إمامه من أقواله وأفعاله جاز له ذلك، وصح اقتداؤه إذا كان معذورا في ذلك، وإن لم يكن له عذر كره له ذلك مع صحة الصلاة.
قال في العزية: تصح صلاة المأموم إذا تقدم على الإمام، لكنه يكره إذا كان لغير ضرورة اهـ. قال الصفتي فائدة: تصح
الجزء: 1 - الصفحة: 253
صلاة المأموم إذا تقدم على الإمام ولا إعادة عليه، ولو تقدم عليه جميع المأمومين متعمدين لذلك لا إعادة عليهم على المعتمد، كما في حاشية الخرشي، لكن إن كان التقدم عليه لضرورة فلا كراهة، وإن كان لغير ضرورة فيكره اهـ. ولما أنهى الكلام على ما يتعلق بأحكام الجماعة والإمامة وما يلزم المأمومين انتقل يتكلم في أحكام وأمور شتى وذلك على التفصيل، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في من يلحق بأحكام الجماعة
هذا الفصل ملحق بأحكام الصلاة في الجماعة، عقده المصنف في أمور متفرقة فبدأ بحكم من صلى وحده في بيته، أو لم يدرك مع لإمام ما يحصل به فضل الجماعة، فقال رحمه الله تعالى: " المنفرد بصلاة يندب إلى الإعادة في جماعة إلا المغرب " يعني أن من صلى وحده يستحب له الإعادة في الجماعة ليحصل فضلها إلا المغرب فلا يعيدها.
وقد تقدم لنا الكلام في ذلك في فصل قبل هذا عند قول المصنف الجماعة سنة مؤكدة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يعيد بنية الفرض " قد تقدم أيضا أنه يعيد مأموما مفوضا أي ناويا بذلك التفويض فراجعه إن شئت.
ثم ذكر المصنف شيئا مما يكره فقال رحمه الله تعالى: " ويكره لغير " الإمام " الراتب إقامة الجماعة بعده " يعني أنه يكره إعادة الصلاة جماعة مرة ثانية بعد أن صلى الإمام الراتب في المسجد الذي يرتب فيه الصلوات الخمس أو بعضها، بل لو صلى الراتب منفردا يكره للجماعة ذلك بعده.
قال في الرسالة ويكره في كل
مسجد له إمام راتب أن تجمع فيه الصلاة مرتين، والإمام الراتب إن صلى وحده قام مقام الجماعة،
الجزء: 1 - الصفحة: 254
أي في حصول فضيلة الجماعة المتقدمة وفي الحكم، فلا يعيد في جماعة أخرى، ولا تجمع الصلاة في ذلك المسجد مرة أخرى.
ومن صلى وحده يعيد معه ويجمع وحدة ليلة المطر كما تقدم لأن المشقة حاصلة في حقه.
ويقول سمع الله لمن حمده ولا يزيد ربنا ولك الحمد اهـ. أبو الحسن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا بالعكس " يعني أنه لا يكره للإمام الراتب إن صلى الجماعة في مسجده قبله أي له أن يصلي بجماعة أخرى ولا كراهة عليه ما لم يؤخر كثيرا وإلا كره.
قال العدوي في حاشيته على أبي الحسن: فإذا لم يؤخر كثيرا فيجوز له الجمع بعد جمع غيره حيث كان بغير إذنه وإلا كره اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " كذلك " لا " يكره " تكرارها " أي تعدد الصلاة جماعة بعد أخرى " بمسجد لا راتب له " والمعنى أنه يجوز تكرار الجماعة بلا كراهة في المسجد الذي لا راتب له.
قال العدوي: والكراهة إنما هي في الذي هو راتب فيه وأما ما لا راتب له فلا يكره تعدد الجماعة فيه اهـ. قال خليل في المكروهات: وإعادة جماعة بعد الراتب وإن أذن، وله الجمع غيره قبله إن لم يؤخر كثيرا وخرجوا إلا بالمساجد الثلاثة فيصلون بها أفذاذا إن دخلوها اهـ.
قال الخرشي قوله: وإعادة جماعة إلخ، يعني أنه يكره للجماعة أن يجمعوا في مسجد وما تنول منزلته من كل مكان جرت العادة بالجمع فيه كسفينة أو دار، له إمام راتب بعد صلاة إمامه ولو أذن في ذلك؛ لأن للشرع غرضا في تكثير الجماعات ليصلي الشخص مع مغفور له فلذلك أمر بالجماعات وحض عليها، فإذا علموا بأنها لا تجمع في المسجد مرتين تأهبوا أول مرة خوفا من فوات فضيلة الجماعة.
ومن فضله شرع الجمعة لأنه قد لا يكون في الجماعة مغفور له، ثم شرع العيد لاجتماع أهل البلدان المتقاربة، ثم شرع الوقف الأعظم إذ يجتمع
الجزء: 1 - الصفحة: 255
فيه أهل الأقطار، وفيه اعتناء بالعيد.
واحترز بالجماعة من الواحد فإنه لا يكره له أن يصلي قبل الإمام أو بعده ما لم يعلم تعمده مخالفة الإمام بتقديم أو تأخير فيمنع.
وبقوله إمام راتب: احترز من غيره فإنه لا يكره أن تجمع فيه الصلاة مرتين فأكثر.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن أدرك بعض الصلاة لم يقم إلا بعد سلام إمامه، فإن قام قبله لم يعتد بما فعل، وعاد ليقوم بعده ليقضي ما فاته على صفته " يعني أن المسبوق إذا أدرك شيئا من صلاة الإمام مما يدرك به فضل الجماعة، كأن يدرك معه ركعة كاملة فأكثر، فإنه لا يقوم لقضاء ما فاته إلا بعد سلام الإمام، فإن قام قبل سلام إمامه يؤمر بالرجوع ليقوم بعد سلامه، ولا يعتد بما
فعل قبل ذلك.
قال في الرسالة: ومن أدرك ركعة فأكثر فقد أدرك الجماعة فليقض بعد سلام الإمام ما فاته على نحو ما فعل الإمام في القراءة، وأما في القيام والجلوس ففعله كفعل الباني المصلي وحده اهـ. قال العلامة الزروق في شرحه على الرسالة عند قول مصنفها فليقض بعد سلام الإمام ما فاته: يعني أنه لا يقضي إلا بعد سلام الإمام، فلو ظنه سلم فقال ثم بان له أنه لم يسلم رجع إليه ولو لم يعرف ذلك إلا بسلامه أو بعده.
ومعنى القضاء هنا إتيانه بما بقي عليه من بقية صلاته التي فاتته مع الإمام وإلا فهو بان في الأفعال قاض في الأقوال، لقوله على نحو ما فعل الإمام.
وفي كلامه إشكال من حيث إنه أحال مجهولا على مجهول وهو فعل الباني المصلي وحده إذ لم يتقدم له ذكر، والمقصود من ذلك أن من فسد له - وهو فذ - ركعة فأكثر من صلاته بنى على ما صح له منها وعمل على أنه أول صلاته، وكذلك هذا في أفعال صلاته لا في أقوالها، فالمأموم على حدته في بنائه والمدرك واسطة بينهما، فإذا أدرك مثلا ركعة من العشاء الأخيرة يأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهرا لأن الإمام كذلك فعل، ثم يجلس بعدها لأنها ثانية بنائه، ثم بأخرى بأم القرآن وسورة جهرا أيضا ثم ركعة بأم القرآن فقط
الجزء: 1 - الصفحة: 256
وهذه طريقة الأكثر اهـ. وبقي في المسألة طريقتان انظر شراح الرسالة وغيرها من كتب المذهب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وتدرك الصلاة ركعة لا بدونها، لكنه يبني على إحرامه " يعني أخبر المصنف رحمه الله تعالى أن المسبوق يدرك الصلاة - بمعنى فضل الجماعة - بإدراك ركعة كاملة بسجدتيها لا بأقل منها، لكن إن أدرك أقل من ركعة فإنه يبني على نيته بأن يتم صلاته منفردا لأنه بمجرد الإحرام لزمه إتمامها.
قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية في الباب الثامن عشر: فروع ثلاثة: الفرع الأول: من ركع فمكن يديه من ركبتيه قبل أن يرفع الإمام رأسه من الركوع فقد أدرك الركعة عند الأربعة، فإن شك هل رفع الإمام رأسه أم لا لم يعتد بتلك الركعة ولا يعتد بإدراك السجود.
الفرع الثاني: إذا لم يدرك المسبوق ركوع الركعة الأخيرة فدخل في السجود أو الجلوس فقد فاتته الصلاة كلها، فيقوم فيصليها كاملة، فإن جرى له ذلك في الجمعة صلاها ظهرا أربعا.
وقال أبو حنيفة ركعتين جهرا.
الفرع الثالث: إذا قام المسبوق بعد سلام الإمام قام بتكبير إن كان جلوسه مع الإمام موضع جلوس له، وذلك بأن يصلي معه ركعتين، وإلا قام بغير تكبير وذلك إذا صلى معه ركعة أو ثلاثا.
وقيل بتكبير اهـ. قال العلامة أبو الضياء السيد خليل: وإنما يحصل فضلها بركعة، أي بإدراك ركعة فأكثر مع الإمام بأن يدركه قبل أن يرفع من الركوع وإن لم يطمئن إلا بعده بأن ينحني قبل رفع الإمام من الركوع.
ونقل ابن عرفة عن ابن يونس وابن رشد أن فضلها يحصل ويدرك
بجزء قبل سلام الإمام، وأما حكمهما فلا يثبت إلا بركعة لا بأقل منها، وحكمها أن لا يقتدي به ولا يعيد في جماعة، ويترتب عليه سجود سهو إمامه وتسليمه عليه وعلى من على يساره وصحة استخلاف اهـ. جواهر الإكليل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أدركه راكعا أو ساجدا كبر للإحرام ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 257
للهوي و " إن أدركه حال كونه " قائما " كبر " للإحرام فقط " هذا ظاهر.
قال ابن عاشر في مرشد المعين على الضروري من علوم الدين:
وأحرم المسبوق فورا ودخل ... مع الإمام كيفما كان العمل
مكبرا إن ساجدا أو راكعا ... ألفاه لا في جلسة وتابعا
يعني أن المسبوق إذا دخل فوجد الإمام يصلي فإنه يكبر تكبيرة الإحرام فورا أي بنفس دخوله ويدخل مع الإمام كيفما وجده قائما أو راكعا أو ساجدا أو جالسا، ثم إن كان قد وجده في الجلوس وأحرى في القيام فلا يكبر إلا تكبيرة الإحرام فقط كما قال المصنف، انظره في ميارة.
قال الشيخ خليل: وكبر المسبوق لركوع أو سجود بلا تأخير، لا لجلوس.
ولما أنهى الكلام على هذا الفصل انتقل يتكلم على حكم قضاء الفوائت وترتيبها وما يتعلق بها من اشتراط الذكر والقدرة على الوجه الذي تبرأ به الذمة، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في قضاء الفوائت
اعلم أن هذا الفصل مما ينبغي به الإنسان أي المكلف ليتدارك ما فاته من فرائض الأعيان من الصلوات وغيرها، فالمراد تداركها وقضاؤها وترتيبها على هيئتها التي فاتت عنها من كونها في الحضر أو السفر، ولذا قال رحمه الله تعالى: " يجب ترتيب الفوائت مع الذكر، خمس فما دونها، تقدم على الحاضرة " يعني أنه يجب على المكلف أن يجمع همته ويبذل جهده في تخليص نفسه بإدراك ما فاته مما أوجب الله عليه.
قال صاحب العزية: يجب على المكلف قضاء ما فاته من الصلوات المفروضة مرتبة في أي وقت كان، ويجب ترتيب الحاضرتين المشتركتين في الوقت، فإن خالف أعاد الثانية أبدا.
الجزء: 1 - الصفحة: 258
ويجب تقديم الفوائت على الحاضرة وإن خرج وقت الحاضرة ما لم تزد على خمس صلوات، فإن زادت عليها على أحد القولين المشهورين، أو على الأربع على المشهور الآخر قدمت الحاضرة
إذا ضاق وقتها اهـ. وفي الرسالة: ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل أو نهار، وعند طلوع الشمس وعند غروبها، وكيفما تيسر له، وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم وليلة بدأ بهن وإن فات وقت ما هو في وقته، وإن كثرت بدأ بما يخاف فوات وقته اهـ. وفي الأخضري: يجب قضاء ما في الذمة من الصلوات، ولا يحل التفريط فيها، ومن صلى كل يوم خمسة أيام فليس بمفرط، ويقضيها على نحو ما فاتته، إن كانت حضرية قضاها حضرية وإن كانت سفرية قضاها سفرية سواء كان حين القضاء في حضر أو سفر.
والترتيب بين الحاضرتين وبين يسير الفوائت مع الحاضرة واجب مع الذكر.
واليسير أربع صلوات فأدنى.
ومن كانت عليه أربع صلوات فأقل صلاها قبل الحاضرة ولو خرج وقتها أي وقت الحاضرة ويجوز القضاء في كل وقت، ولا يتنفل من عليه القضاء ولا يصلي الضحى ولا قيام رمضان، ولا يجوز له إلا الشفع والوتر والفجر والعيدان والخسوف والاستسقاء ويجوز لمن عليهم القضاء أن يصلوا جماعة إذا استوت صلاتهم.
ومن نسي عدد ما عليه من القضاء صلى عددا لا يبقى معه شك.
اهـ
اعلم يا أخي وفقنا الله تعالى لما يحب ويرضى إذا ذكر المصلي صلاة وهو في الصلاة التي تليها كأن ذكر الظهر في العصر مثلا فالتي هو فيها وهي العصر تبطل وإليه أشار رحمه الله بقوله: " وتبطل بذكرها فيها " أي بمجرد ذكرها إن كانتا حاضرتين، وأما لو كانت المذكورة فائتة بأن خرج وقتها لم تفسد بمجرد الذكر إلا أن يفسدها، وظاهر ما في الرسالة فسادها بمجرد الذكر، ونصها: ومن ذكر صلاة في صلاة فسدت هذه عليه اهـ. وفي العزية: ومن ذكر فائتة في وقتية يجب ترتيبها معها فإن كان فذا قطع ما لم يعقد ركعة بوضع يديه عللا ركبتيه، فإن عقدها ضم إليها أخرى وخرج عن شفع، وإن كان إماما قطع ولا يستخلف، ويسري ذلك لصلاة المأمومين،
الجزء: 1 - الصفحة: 259
وإن كان مأموما تمادى مع إمامه، فإذا فرغ صلى ما نسي ثم يعيد ما صلى مع الإمام في الوقت، فإذا كانت جمعة صلاها ظهرا اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " وبعدها يعيدها في الوقت " أي إنه إذا تذكر المنسية بعد أن سلم من الثانية فإنه يعيدها في الوقت استحبابا بعد أن يأتي بالمنسية التي هي الأولى لتقدم وقتها قبل هذه المعادة التي هي الثانية.
انظره في الفواكه عند قول صاحب الرسالة: ومن ذكر صلاة في صلاة إلخ قال ابن جزي: المسألة الرابعة ترتيب الفوائت مع المفعولات مثل أن يصلي الظهر ثم يذكر فوائت، فإن فرغ منها قبل خروج الوقت الضروري أعاد الظهر استحبابا لأن ترتيب المفعولات مستحب في الوقت اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وليأت بعدد ما يبرئه " قال ابن جزي:
فيجب أن يأتي بما تبرأ به ذمته بيقين، كمن شك هل ترك واحدة أو اثنتين صلى اثنتين اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ففي نهارية مجهولة يصلي النهاريات " يعني إن جهل عين الصلاة المتروكة لكنه تيقن أنها نهارية فيجب عليه أن يأتي بما تبرأ به ذمته بيقين بأن يصلي الصبح والظهر والعصر.
قال رحمه الله: " و " إن جهل عين الصلاة المتروكة " في ليلية كذلك " يعني أنه يصلي صلاتين ليلتين وهما 7 " العشاءين " أي المغرب والعشاء ولا تبرأ الذمة إلا بهما.
هذا إذا تيقن في ذلك أن المتروك صلاة واحدة وعلم أنها نهارية أو ليلية، وأما إن جهل كونها ليلية أو نهارية بأن كانت واحدة وجهل عين الوقت، وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي " نسيان الصلاة أو تركها ولو عمدا مع " جهلة من أيهما " كانت المنسية أو المتروكة أهي ليلية أو نهارية فإنه يصلي الصلوات " الخمس " إذ الذمة لا تبرأ إلا بذلك.
قال خليل: وإن جهل عين منسية مطلقا صلى خمسا، وإن علمها دون يومها صلاها ناويا له اهـ قال ابن جزي: الثاني:
الجزء: 1 - الصفحة: 260
الشك في تعينها فيجب أن يأتي بما تبرأ به ذمته بيقين، كمن نسي صلاة لا يدري أي الخمس هي صلى خمسا، فإن نسي نهارية صلى صبحا وظهرا وعصرا، أو ليلية صلى مغربا وعشاء اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي " جهل عين وقت صلاتين " اثنتين " منسيتي وقتهما مع علم عينهما إلا أنه " لا يدري السابقة " منهما فإنه يصلي " ثلاثا يعيد المبدوء بها " يعني أنه إن نسي ترتيب صلاتين معينتين من يومين لا يدري السابقة منهما بأن لم يعلم عين اليومين، أو لم يعلم السابق منهما فإنه يصلي ثلاثا بأن يصلي صلاتين ثم يعيد المبدوء بها.
قال الشيخ خليل: وفي صلاتين من يومين معينتين لا يدري السابقة صلاهما وأعاد المبتدأة اهـ. وقال ابن جزي: الثالث: الشك في ترتيبهما مع علم عددهما، كمن نسي ظهرا وعصرا إحداهما للسبت والأخرى للأحد لا يدري أيهما للسبت ولا للأحد فالمشهور مراعاة الترتيب، فيصلي ثلاث صلوات ظهرا بين عصرين أو عصرا بين ظهرين ليحصل الترتيب بيقين.
قال والقانون في ذلك أن تضرب عدد الصلوات في أقل منهما بواحد وتزيد على المجموع واحدا، فلو نسي ثلاثا صلى سبعا، وإن نسي أربعا صلى ثلاث عشرة، وإن نسي خمسا صلى إحدى وعشرين، وأي صلاة بدأ بها ختم بها اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " في نسيان صلاتين " متوالتين مجهولتي العين والسبق " صلى وجوبا " ستا كذلك " أي مثل ذلك الحكم المتقدم من إعادة المبدوء بها للترتيب، وهذا الحكم من كونه يصلي ستا هو المشهور يؤيد ما قاله قول الشيخ خليل، خلافا لما في الدردير على أقرب المسالك، ونصه: وفي جهل صلاة وثانيتها، كأن يعلم أن عليه صلاتين الثانية منهما تلي الأولى ولم يدر أهي الظهر مع العصر، أو العصر مع المغرب، أو المغرب مع العشاء، أو العشاء مع الصبح، صلى خمسا فقط لا ستا، فإذا بدأ بالظهر ختم بالصبح.
قال الصاوي في حاشيته عليه: الحاصل أن ما قاله المصنف - يعني به الدردير - مبني
الجزء: 1 - الصفحة: 261
على المعتمد من أن ترتيب الفوائت في أنفسها واجب غير شرط.
وقول خليل في هذه المسألة وما بعدها صلى ستا مبني على أن الترتيب واجب شرطا، يبدأ بالظهر ويختم بها على هذا القول.
وقد صورنا ذلك عند قول المصنف لكن في عمله يثني بباقي المنسي، انظره مع باقي الكلام في كلا الكتابين اهـ بزيادة إيضاح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " في جهل عين " ثلاث " من الصلوات كظهر وعصر ومغرب من ثلاثة أيام معينة أم لا ولم يدر السابقة منها قال صلى " سبعا " لتبرأ ذمته بأن يصليها مرتبة أي متوالية، ويعيدها كذلك، ويعيد التي ابتدأ بها.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " في جهل عين " أربع " من الصلوات الفوائت المتوالية من يوم وليلة، ولا يدري سبق الليل والنهار، ولا عكسه، وهي الصلاة وثانيتها وثالثتها ورابعتها قال صلى " ثمانيا ". الخمس مرتبة ويعيد الأولى والثانية والثالثة للترتيب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " جهل عين " خمس " من الصلوات كذلك أي متوالية لا يدري السابقة منها قال صلى " تسعا " قال الشيخ خليل: في هذه المسائل الثلاث وصلى في ثلاث مرتبة من يوم لا يعلم الأولى سبعا وأربعا ثمانيا وخمسا تسعا.
قال الخرشي: لما قدم أن من جهل عين منسية يصلي خمسا، ومنسية وثانيتها يصلي ستا، وكان الضابط لذلك أنه كلما زاد واحدة زادها على الخمس الثابتة للواحدة، فإذا نسي ثلاث صلوات مرتبة، أي متوالية من يوم وليلة ولا يعلم الأولى منها فإنه يصلي سبع صلوات مرتبة لأن للواحدة المجهولة من الثلاث خمسا، فيبدأ بالظهر ويختم بالعصر.
وإذا نسي أربع صلوات مرتبة أي متوالية من يوم وليلة ولا يعلم الأولى منها فإنه يصلي ثماني صلوات مرتبة، لأن للواحدة المجهولة من الأربع خمسا، وإذا نسي خمس صلوات متوالية من يوم وليلة ولا يعلم الأولى منها فإنه يصلي تسع صلوات، لأن للواحدة المجهولة من الخمس
خمسا، فقوله هنا من يوم أي وليلة، ولا بد أن لا يعلم سبق الليل لليوم وعكسه وفهم من قوله لا يعلم الأولى أنه لا
الجزء: 1 - الصفحة: 262
يعلم أعيان الصلوات اهـ. وفي جواهر الإكليل: وإن علم تقدم الليل صلى خمسا مبتدئا بالمغرب، وإن علم تقدم النهار صلى خمسا أيضا لكن يبدأ بالصبح، ولكنه في هذين القسمين عالم بالعين والترتيب اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وما لا يحصيهن حتى يغلب على ظنه براءته " لأن غالب الظن كاليقين، فالمدار أن يتحقق براءة ذمته ولو بغلبة الظن.
قال الأخضري: ومن نسي عدد ما عليه من القضاء صلى عددا حتى لا يبقى معه شك.
وقال ابن جزي في القوانين: فيجب أن يأتي بما تبرأ به ذمته بيقين، كمن شك هل ترك واحدة أو اثنتين صلى اثنتين.
وفي الرسالة: ومن عليه صلوات كثيرة صلاها في كل وقت من ليل ونهار.
فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يمنع القضاء في وقت الكراهة ولا في غيره " يعني أنه يجوز القضاء في كل وقت سواء عند طلوع الشمس، أو عند غروبها، أو وقت الكراهة كبعد العصر، والمطلوب براءة الذمة مما عليه.
قال مالك في المدونة: ومن نسي صلوات كثيرة أو ترك صلوات كثيرة فليصل على قدر طاقته، وليذهب إلى حوائجه فإذا فرغ من حوائجه صلى أيضا ما بقي عليه حتى يأتي على جميع ما نسي أو ترك، ويقيم لكل صلاة، ويصلي النهار بالليل ويسر، ويصلي صلاة الليل بالنهار ويجهز بصلاة الليل في النهار اهـ.
حكم تارك الصلاة
ثم ذكر المصنف رحمه الله تعالى حكم تارك الصلاة، وهو على قسمين: إما أن يكون الترك تهاونا وكسلا وهو مقر بوجوبها،/ وإما أن يكون الترك جحدا وهو غير مقر بوجوبها، وأشار المصنف إلى الأول بقوله: " وتارك الصلاة تهاونا ليخرج وقتها الضروري
الجزء: 1 - الصفحة: 263
يضرب ويهدد بعد أمره ثلاثا " وفي نسخة لخروج وقتها الضروري وهما صحيحتان أي لأجل أن يخرج أو إلى خروج وقتها الضروري من غير مبالاة ولا اكتراث فحكمه أنه يؤمر بها، ثم يهدد، ثم يضرب.
وقوله بعد أمر ثلاثا أي مرة بعد مرة في وقت واحد بقدر اتساع وقت تلك الصلاة إلى أن يبقى من وقتها الضروري مقدار ركعة كاملة بسجدتيها، ولا يقدر فيها طمأنينة ولا اعتدال صونا للدماء ما أمكن، فإن صلى فلله الحمد، وإن لم يصل قتل بالسيف حدا، ويصلي عليه غير أهل الفضل والصلاح، ويدفن في مقابر المسلمين، ولا يطمس قبره، ولا
يقتل بالفائتة.
قال أبو الضياء سيدي خليل: ومن ترك فرضا أخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري، وقتل بالسيف حدا، ولو قال أنا أفعل، وصلى عليه غير فاضل، ولا يطمس قبره، لا فائتة على الأصح اهـ. قوله: ولو قال أنا أفعل هذا ما لم يفعل وإلا فلا يقتل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن فعل أو وعد " ترك وانتظر، فإن فعل فلله الحمد " وإلا " أي وإن لم يصل حتى خرج وقتها الضروري قال: " قتل " بالسيف " حدا " لا كفرا لأنه أقر بوجوبها إلا أنه امتنع من فعلها وماله لورثته.
وأما من ترك الصلاة جحدا وعنادا فقد أجمع أهل العلم على كفره.
قال المصنف عاطفا على قوله: تهاونا.
" وجحدا كفرا " قال العلامة خليل: والجاحد كافر، أي مرتد عن دين الإسلام يستتاب ثلاثة أيام، فإن تمت ولم يتب يقتل بالسيف كفرا فلا يغسل، ولا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث ماله فهو فيء لمصالح المسلمين.
وكذا كل من جحد حكما شرعيا مجمعا عليه معلوما لعامة الناس كالصوم والزكاة وغيرهما بلا عذر شرعي.
قاله الأبي في جواهر الإكليل مع إيضاح اهـ.
قال العلامة ابن رشد في المقدمات: فمن جحد الصلاة فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله للمسلمين كالمرتد إذا قتل على ردته بإجماع من أهل العلم لا اختلاف
الجزء: 1 - الصفحة: 264
بينهم فيه، وأما من أقر بفرضها وتركها عمدا من غير عذر فاختلف أهل العلم فيه على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه كافر ينتظر به إلى آخر وقت الصلاة فإن صلى وإلا قتل وكان ماله لجميع المسلمين كالمرتد، روي هذا عن علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي الدرداء، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب: ولا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وهو قول أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهوية أن من ترك صلاة واحدة متعمدا حتى يخرج وقتها فهو كافر حلال الدم إن لم يتب، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله لجميع المسلمين، كالمرتد إذا قتل على ردته اهـ. قال ابن جزي: تارك الصلاة إن جحد وجوبها فهو كافر بإجماع، وإن أقر بوجوبها وامتنع من فعلها فيقتل حدا لا كفرا وفاقا للشافعي.
وقال ابن حبيب وابن حنبل: يقتل كفرا.
وقال أبو حنيفة يضرب ويسجن حتى يموت أو يرجع اهـ. وقد تقدم لنا الكلام في هذه المسألة في أول كتاب الصلاة من هذا الكتاب فراجعه إن شئت.
ثم شرع المصنف يذكر المواضع التي تكره فيها الصلاة بقوله رحمه الله تعالى: " وتكره الصلاة في متعبدات الكفار " أي كالكنائس، والبيع، وبيت النار.
قال خليل: وكرهت بكنيسة ولم تعد.
ولا فرق في الكراهة بين العامرة والخربة، ولا بين أن يصلي على فراشها أو غيره حيث صلى فيها اختيارا.
وأما الإعادة فمشروطة بأن يصلي بها اختيارا وكانت عامرة وصلى على فرشها فيعيد في الوقت بمنزلة من صلى على نجاسة ناسيا.
انظر الفواكه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمزبلة " يعني تكره الصلاة في الموضع الذي تطرح فيه الزبالة إن لم يتيقن طهارته وإلا فلا كراهة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمجزرة " أي وتكره الصلاة في الموضع الذي يعد للتذكية ما لم يتيقن منه الطهارة وإن تيقن الطهارة منه فلا كراهة.
الجزء: 1 - الصفحة: 265
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقارعة الطريق " قال العلامة النفراوي في الفواكه ومحل الكراهة في المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق عند الشك في الطهارة، وتعاد الصلاة في الوقت ولو صلى عامدا انظره اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمقبرة القديمة وقيل مطلقا " يعني أنه تكره الصلاة في المحل الذي يدفن فيه الناس عادة، سواء مقابر المشركين أو مقابر المسلمين، سواء عامرة أو دارسة.
قال النفراوي: والنهي للكراهة حيث شك في طهارته، وأما لو تحققت نجاستها فتمنع الصلاة فيها.
عند الأمن من نجاستها، ولذلك شهر العلامة خليل جواز الصلاة في المحجة والمقبرة والمزبلة إن أمنت تلك البقاع من النجس، ولا فرق بين مقبرة مسلم وكافر.
ولفظ خليل: وجازت بمربض بقر أو غنم.
كمقبرة ولو لمشرك، ومزبلة، ومحجة ومجزرة إن أمنت من النجس، وإلا فلا إعادة - أي أبدية - على الأحسن.
إن لم تتحقق، فعلم منه أن محل النهي في الجميع إن لم توقن طهارة تلك البقاع.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والحمام إلا أن يكون موضعا طاهرا مستورا " يعني أي وتكره الصلاة في المحل الذي يعد للاستحمام، أي للاغتسال بالماء الحميم 8 أي المسخن إلا أن يكون طاهرا متيقنا بعدم النجاسة فيه فلا كراهة إذا، كخارجه وهو موضع نزع الثياب فتجوز الصلاة فيه بدون توقف حيث لم يتيقن نجاسته، لأن الغالب على خارجه الطهارة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والدار المغصوبة " يعني وتكره الصلاة في الدار التي أخذها الظالم قهرا وعجز صاحبها عن تخليصها منه، فالصلاة فيها مكروهة.
قال النفراوي في الفواكه: لكن لا إعادة معها على المشهور.
الجزء: 1 - الصفحة: 266
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والحجر " بكسر الحاء، أي حجر إسماعيل عليه السلام، وهو بناء مقوس حول الكعبة، فالصلاة فيه تارة قد تكون ممنوعة وتارة قد تكون مطلوبة وتارة قد تكون مكروهة على التفصيل كما يأتي عن قريب إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " يمنع الفرض في الكعبة وعلى ظهرها أشد " يعني أن الصلاة المفروضة ممنوعة في الكعبة والحجر، وتأكد المنع في إيقاع الصلاة المفروضة على ظهرها.
قال العلامة الشيخ أحمد النفراوي في الفواكه: وحاصل ما يتعلق بالصلاة داخل الكعبة أو خارجها، أن الصلاة داخلها على ثلاثة أقسام: إن كانت مندوبة تستحب، وإن كانت رغيبة أو سنة تمنع ابتداء وتصح بعد الوقوع ولا تعاد، وإن كانت مفروضة تمنع وتعاد في الوقت الاختياري، وأول بالنسيان، وبالإطلاق.
قال خليل: وجازت سنة فيها وفي الحجر لأي جهة، لا فرض فيعاد في الوقت، وأول بالنسيان، وبالإطلاق.
قال المحققون من شراحه معنى جازت: سنة مضت، وأما الصلاة خارجها فإن كانت تحتها فهي باطلة ولو نافلة ولو كان بين يديه جميع جدارها، والفرض والنفل سواء، وإن كان فوقها فالفرض باطل، وأما صلاة النفل على ظهرها ففيها قولان بالصحة وعدمها.
والدليل على ذلك الكتاب والسنة والعمل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقيل بإباحة النافلة فيها دون الفريضة " وفي نسخة بإسقاط لفظ فيها، والصواب إثباته، والضمير في فيها يعود إلى الكعبة.
قال خليل: وجازت سنة قيها وفي الحجر لأي جهة إلخ فراجعه إن شئت.
وقال العلامة الشيخ أحمد الزروق في شرح الرسالة: المشهور جواز النفل في الكعبة، لا الفرض ولا الوتر ولا ركعتي الفجر.
وقال أشهب بجواز جميع ذلك اهـ مع إيضاح.
وقال ابن جزي في القوانين: وتكره في المذهب الصلاة على غير الأرض وما تنبته اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 267
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويشترط طهارة موضعها كالثوب " وكأن المصنف رحمه الله تعالى رجع إلى إتمام ما فاته في باب الطهارة من ذكر بعض شروط الصلاة وهو موضع طاهر، كما أن طهارة الثوب والبدن من شروطها مع الذكر والقدرة، وتسمى بطهارة الخبث كما تقدم لنا بيان ذلك في أول كتاب الطهارة.
قال في الرسالة: وطهارة البقعة للصلاة واجبة وكذلك طهارة الثوب، فقيل إن ذلك فيهما واجب وجوب الفرائض، وقيل وجوب السنن المؤكدة انظر آخر فصل ستر العورة من هذا الكتاب عند قول المصنف وإزالة النجاسة إلخ تجد هناك ما يشفي العليل إن شاء الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن ستر النجاسة بما لا يحركها صحت كما لو كانت في طرف بساط وصلى على الآخر " يعني أن المصلى على محل النجس له أن يجعل شيئا كثيفا ساترا ويصلي عليها إذا كانت لا تتحرك بحركاته، سواء كان مريضا أو صحيحا.
قال خليل: ولمريض ستر نجس بطاهر ليصلي عليه، كالصحيح على الأرجح اهـ قال المواق من المدونة قال مالك: لا بأس أن يصلي المريض على فراش نجس إذا بسط عليه ثوبا طاهرا كثيفا؛ وقال ابن يونس.
قال بعض شيوخنا إنما رخص في هذا للمريض خاصة، وقال بعضهم بل ذلك جائز للصحيح، لأن بينه وبين النجاسة حائلا طاهرا، كالحصير إذا كان بموضعه نجاسة، والسقف إذا صلى بموضع طاهر وتحرك منه موضع النجس أن ذلك لا يضره لأن ما صلى عليه طاهر فكذلك هذا.
قال ابن يونس.
وهو الصواب اهـ. وعليه مشى صاحب العزية بقوله: وإذا كان المكان نجسا وجعل عليه ساترا طاهرا كثيفا - بمثلثة - أي ثخينا جازت الصلاة عليه مطلقا، أعني للمريض والصحيح على ما رجحه ابن يونس اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والشمس لا تطهر " يعني أن الشمس ليست
الجزء: 1 - الصفحة: 268
من المطهرات للنجاسة.
هذا مذهب جمهور أهل العلم، خلافا لأبي حنيفة.
قال العلامة الشيخ محمد بن عبد الرحمن الدمشقي العثماني الشافعي في كتاب " رحمة الأمة في اختلاف الأئمة " فصل ليس للنار والشمس في إزالة النجاسة تأثير إلا عند أبي حنيفة، حتى إن جلد الميتة إذا جف في الشمس طهر عنده بلا دبغ، وكذلك إذا كان على الأرض نجاسة فجفت في الشمس طهر موضعها، وجازت الصلاة عليه، لا التيمم به، وكذلك النار تزيل النجاسة عنده اهـ، انظر مبحث فيما تزال به النجاسة في كتاب الفقه على المذاهب الأربعة تجد فيه كلام الحنفية في نفس المسألة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويعفى عن يسير ما عدا الأخبثين " هما البول والغائط وما عداهما قال: " وهو قدر الدرهم فدونه " من كل مستقذر، يعني أن الشريعة السمحاء قد خففت عن العباد بعض النجاسة التي يشق عليهم غسلها بالماء تلطفا من الله سبحانه وتسامحا في الدين.
قال العلامة النفراوي في الفواكه: خاتمة، ذكر العلامة خليل ضابطا كليا لما يعفى عنه مما هو محقق النجاسة أو مظنونها بقوله: وعفي عما يعسر كحدث مستنكح، وبلل باسور في يد أو ثوب إن كثر الرد، وثوب مرضعة تجتهد، ودون درهم من دم مطلقا، وقيح وصديد، وبول فرس لغاز بأرض حرب، وأثر ذباب من عذرة، وموضع حجامة مسح، كطين مطر وإن اختلطت العذرة بالمصيب ولم تغلب، وذيل امرأة مطال للستر، ورجل بلت يمران بنجس يبس يطهران بما بعده، وخف ونعل من روث دواب وأبوالها إن دلكا
بغير الماء، لأن الخف والنعل والقدم والمخرجين وموضع الحجامة والسيف الصقيل يجزي فيها زوال النجاسة بغير الماء اهـ. وفي العزية: فصل يعفى عن يسير الدم مطلقا، أعني سواء كان دم حيض أو نفاس أو ميتة رآه في الصلاة أو خارجها من جسده أو غيره، ويسير القيح والصديد، واليسير ما دون الدرهم، والمراد بالدرهم البغلي الدائرة التي تكون بباطن الذراع من البغل، وعن أثر الدمل
الجزء: 1 - الصفحة: 269
إذا لم ينك، أي لم يعصر، وعن دم البراغيث، وطين المطر وإن كانت العذرة فيه إلا أن تكون النجاسة غالبة أو يكون لها عين قائمة اهـ. ولله در القائل:
وكل ما شق فعنه يعفى ... لعسره والدين يسر لطفا
كثوب قصاب وثوب المرضعه ... وبلل الباسور أو ما ضارعه
ومثله طين الرشاش والمطر ... أو حدث مستنكح أو كالأثر
من دمل لم ينك أو ذباب ... إن طار عن نجس على الثياب
أو خرء يرعوث ودون الدرهم ... من عين قيح أو صديد أو دم
أو ما على المجتاز مما سلا ... وصدق المسلم فيما قالا
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويطهر المحل بانفصال الغسالة غير متغيرة " قال خليل: والغسالة المتغيرة نجسة.
الحطاب: الغسالة هي الماء الذي غسلت به النجاسة، ولا شك في نجاستها إذا كانت متغيرة، وسواء كان تغيرها بالطعم أو اللون أو الريح اهـ يعني كما في عبارة الخرشي أن المحل النجس يطهر بغسله بالماء الطهور بشرط أن ينفصل الماء عن المحل طهورا باقيا على صفته، ولا يضر التغير بالأوساخ والصبغ الطاهر على المعتمد، وأما لو انفصل متغيرا كالثوب الأزرق المتنجس وانفصل الماء متغيرا على صفتها فإن المنفصل منه نجس، وإن انفصل الماء عن المحل طهورا فالغسالة طاهرة ولا يلزم عصره لأن الفرض أن الماء انفصل طهورا، والباقي في المحل كالمنفصل والمنفصل طاهر اهـ مع التقديم والتأخير.
ولما أنهى الكلام على حكم البقاع وما يتعلق بذلك انتقل يتكلم على أحكام السهو فقال:
الجزء: 1 - الصفحة: 270
فَصْلٌ
في سجود السهو
أي إن المصنف عقد هذا الفصل في بيان أحكام سجود السهو وصفته ومحله.
والسهو بمعنى الذهول عن الشيء سواء تقدم ذكره أم لا؛ لأنه أعم من النسيان.
وحكمه - أي سجود السهو - أنه سنة على المشهور كما في المختصر،
وهو مذهب المصنف، ولذا قال رحمه الله تعالى: " سجود السهو يجزئ عن ترك السنن " وأنه عبر بالإجزاء إشارة لما في حكمه من الخلاف حتى في المذهب.
قال ابن جزي في القوانين: سجود السهو واجب وفاقا لأبي حنيفة.
وقيل سنة وفاقا للشافعي.
وقيل بوجوب القبلي خاصة اهـ وفي الطراز: وجوب البعدي قاله التتائي، وقد علمت أن المشهور سنيته كما تقدم.
قال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: يسن لساه عن سنة مؤكدة أو سنتين خفيفتين، أو مع زيادة ولو شكا سجدتان قبل السلام، ولو تكرر إلخ.
ولا فرق في سنية سجود السهو بين الفرض والنافلة، كما لا فرق في ذلك بين القبلي والبعدي.
وقول المصنف: (يجزئ عن ترك السنن) يشعر بأن غير السنة كالفرض لا ينجبر بالسجود، وهذا أيضا إشارة إلى أن محل السجود ترك السنة المؤكدة كما تقدم بيان ذلك.
قال العلامة الشيخ صالح عبد السميع في هداية الناسك: ليس كل نقص ينجبر بالسجود، إذ من النقص ما لا ينجبر إلا بالإتيان به، مثل لو ترك ركنا من الصلاة كالركوع مثلا، ومنه ما لا يطلب له سجود مثل ما لو ترك فضيلة أو سنة خفيفة، بل السجود للفضيلة مبطل للصلاة، وإنما الذي ينجبر بالسجود السنن المؤكدة وهي ثمانية.
قراءة ما زاد على أم القرآن، والسر والجهر في الفريضة كل في محله، والتكبير سوى تكبيرة الإحرام، وقول سمع الله لمن حمده، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الأخير.
ولا يسجد لغير هذه الثمانية، فمن ترك شيئا من هذه الثمانية سجد سجدتين قبل السلام وبعد أن يتمم تشهده الأول والثاني ثم يتشهد ويسلم، إذ من سنة السلام أن يعقب تشهدا، وهو
الجزء: 1 - الصفحة: 271
اختيار ابن القاسم.
وقيل لا يعيد التشهد وهو مروي عن مالك أيضا، واختياره عبد الملك لأن سنة الجلوس الواحد لا يتكرر فيه التشهد مرتين اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهو للزيادة " في الصلاة يسجد لذلك " بعد السلام " يعني أن المصلي يسجد سجدتين بعد أن يسلم، ولا يقرأ لهما شيئا، وذلك لأجل الزيادة كما قال العلامة عبد الرحمن الأخضري: وللزيادة سجدتان بعد السلام، يتشهد بعدهما ويسلم تسليمه أخرى اهـ قال ابن جزي في صفة السجود: يكبر للسجدتين في ابتدائهما وفي الرفع منهما، واختلف هل يفتقر البعدي إلى نية الإحرام أم لا قلت: والصحيح أن البعدي يفتقر إلى النية: كما يأتي عن المصنف ويتشهد للبعدي ويسلم، وأما القبلي فإن السلام من الصلاة يجزئ عنه، وفي التشهد له روايتان اهـ. وفي الرسالة: وكل سهو في الصلاة بزيادة فليسجد له سجدتين بعد السلام يتشهد لهما ويسلم منهما، ولك سهو بنقص فليسجد له قبل
السلام إذا تم تشهده ثم يتشهد ويسلم.
وقيل لا يعيد التشهد.
قال في أقرب المسالك: وأعاد تشهده بلا دعاء قلت: إعادة التشهد هو المشهور كما في الشارح.
وقال الصاوي في حاشيته عليه: قوله: وأعاد تشهده أي استنانا على المشهور خلافا لمن قال بعدم الإعادة، وخلافا لمن قال بالندب اهـ وفي العزية: ويعيد التشهد في القبلي ثم يسلم اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وللنقص أو اجتماعهما قبله " يعني أن المصلي يسن له أن يسجد سجدتين قبل السلام إن نقص سنة أو سنتين أو أكثر غير خفيفة بل مؤكدة، أو نقص مع زيادة.
قال العلامة الشيخ عبد الباري في مقدمته: وإن نقص وزاد سجد قبل سلامه لأنه يغلب جانب النقص على جانب الزيادة.
وفي العزية: ومحل سجود السهو مختلف، فالزيادة فقط يسجد لها بعد السلام، والنقص فقط أو النقص والزيادة يسجد لهما قبل السلام اهـ. كما نص عليه في الرسالة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا يتكرر بتكرره " أي إن سجود السهو
الجزء: 1 - الصفحة: 272
لا يتكرر ولو تكرر السهو، أي بمعنى موجب السجود، أي وكان التكرار قبل السجود، أما إن كان التكرار بعده فإن السجود يتكرر، كما إذا سجد المسبوق مع إمامه القبلي ثم سها في قضائه بنقص أو زيادة فإنه يسجد لسهوه ولا يجتزئ بسجوده السابق مع الإمام، وإليه أشار الأخضري: وإذا سها المسبوق بعد سلام الإمام فهو كالمصلي وحده، أو تكلم المصلي بعد سجوده في القبلي وقبل سلامه فإنه يسجد بعد السلام أيضا، وكذا إذا زاد سجدة في القبلي فإنه يسجد بعد السلام.
وقيل لا شيء عليه، كما لا شيء عليه أصلا لو زاد سجدة في البعدي نقله الصاوي عن الدسوقي اهـ باختصار.
ثم بين المصنف صفة السجود بقوله: " ويحرم للتين بعد السلام " هذا تصريح من المصنف على أن البعدي يفتقر إلى نية كما قررناه سابقا، وعلى أنهما سجدتان لا أكثر ولا أقل ويسجدهما وهو جالس " ويتشهد ويسلم " منهما تسليمة أخرى كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن سها عنهما فعلهما متى ذكر " يعني أن من ترك سجدتي السهو سواء كان الترك سهوا أو عمدا أو غيرهما فإنه يطالب بإتيانهما ولو بعد طول الزمان لأن السجود البعدي ترغيم للشيطان فناسب أن يسجده وإن طال الزمان، بخلاف القبلي فإنه جابر لنقص الصلاة فلذا طلب وقوعه فيها أو عقبها مع القرب.
قال في الرسالة: ومن نسي أن يسجد بعد السلام فليسجد متى ما ذكره وإن طال ذلك، وإن كان قبل السلام سجد إن كان قريبا، وإن بعد
ابتدأ صلاته إلا أن يكون ذلك من نقص شيء خفيف كالسورة مع أم القرآن أو تكبيرتين، أو التشهدين وشبه ذلك فلا شيء عليه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل يتشهد للتين قبله قولان " وتقدم أن
الجزء: 1 - الصفحة: 273
المشهور من القولين إعادة التشهد في القبلي استنانا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن سها عنهما فعلهما بعده " يعني إن سها المصلي عن السجود القبلي ولم يتذكر حتى سلم فإنه يسجدهما.
قال الأخضري: ومن نسي السجود القبلي حتى سلم سجد إن كان قريبا، وإن طال أو خرج من المسجد بطل السجود القبلي حتى سلم معه إن كان على ثلاث سنن أو أكثر من ذلك، وإلا فلا تبطل.
ومن نسي السجود البعدي سجده ولو بعد عام اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن طال الفصل أو انتقضت طهارته فقيل تبطل، وقيل لا إلا أن يترك فعلا كالجلوس الأول " يعني أن من نسي السجود القبلي ولم يتذكر إلا أن سلم وطال هل يبطل السجود فقط مع صحة صلاته، أو بطلت الصلاة؟ فأجاب العلامة الشيخ عبد الرحمن الأخضري بقوله رحمه الله: ومن نسي السجود القبلي حتى سلم سجد إن كان قريبا، وإن طال أو خرج من المسجد بطل السجود وتبطل الصلاة معه إن كان على ثلاث سنن أو أكثر من ذلك، وإلا فلا تبطل.
قال الشارح: يعني أن من نسي السجود القبلي أي الذي يفعل قبل السلام حتى سلم من صلاته فلا يخلو إما أن يكون تذكره له عن قرب من انصرافه من الصلاة وحينئذ يأتي به ولا شيء عليه، وناب السجود البعدي عن السجود القبلي لعذره بالنسيان، وإن طال تذكره بأن بعد ما بين تذكره وانصرافه من الصلاة أو خرج من المسجد بطل السجود وتبعه بطلان الصلاة حيث كان مترتبا عن نقص ثلاث سنن.
قال التتائي كالتحقيق: كنسيان الجلوس الوسط، أو ثلاث تكبيرات، أو تحميدات، وأما إن كان مترتبا عن سنتين خفيفتين كالسورة التي تقرأ بعد أم القرآن، وكالتحميدتين وطال الأمر فلا سجود عليه ولا بطلان اهـ هداية المتعبد.
وقال ابن جزي: وإن نسي القبلي سجد ما لم يطل أو يحدث، فإن طال أو أحدث بطلت الصلاة على المشهور.
وقيل إنما تبطل إن كان عن
الجزء: 1 - الصفحة: 274
نقص فعل لا قول، فإن ذكر البعدي في صلاة تمادى وسجد بعدها، وإن ذكر القبلي فهو كذاكر صلاة في صلاة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويرجع تاركه ما لم يستقل عن الأرض، فإن عاد بعده بطلت إلا أن يرجع ساهيا أو جاهلا " يعني أن من سها عن الجلوس الأول يؤمر بالرجوع قبل أن يستقل قائما، وإن رجع فلا سجود عليه إلا أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه، فإن رجع مفارقة الأرض فإن يسجد بعد السلام للزيادة،
وأما بعد الاستقلال فلا يرجع، فإن رجع بعد استقلاله قائما بطلت صلاته في القول الأصح.
وقيل لا تبطل.
قال في الرسالة: ومن قام من اثنتين رجع ما لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه، فإذا فارقها تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام اهـ انظر شراح الرسالة.
قال العلامة الشيخ عبد الرحمن الأخضري: ومن قام من ركعتين قبل الجلوس فإن تذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه رجع إلى الجلوس ولا سجود عليه، وإن فارقها تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام، وإن رجع بعد المفارقة وبعد القيام ساهيا أو عامدا صحت صلاته وسجد بعد السلام اهـ. يعني أن حكم من قام من اثنتين من صلاة الفريضة قبل أن يجلس أي تزحزح للقيام ثم تذكر قبل أن يفارق الأرض بيديه وبركبتيه فإنه يرجع ثم يتشهد ويتم صلاته ولا سجود عليه على المشهور لخفة الأمر في ذلك، فإن تمادى على القيام عامدا بطلت صلاته على المشهور؛ لأنه ترك ثلاث سنن عامدا.
وقيل لا تبطل على الخلاف في ترك السنة عمدا، فحكم الرجوع الوجوب على الأول والسنة على الثاني، وإن تمادى ناسيا سجد قبل السلام.
قوله فارقها تمادى ولم يرجع وسجد قبل السلام، وإن رجع بعد المفارقة وبعد القيام ساهيا أو عامدا صحت صلاته وسجد بعد السلام، هذا صادق بصورتين: الأولى: أن يفارق الأرض بيديه وركبتيه ولم يعتدل قائما، ثم تذكر بعد أن فارق الأرض بيديه وركبتيه، والثانية: أن يفارق الأرض ويعتدل قائما، والحكم
الجزء: 1 - الصفحة: 275
فيهما واحد وهو ما ذكره المصنف أنه يتمادى على صلاته ولا يرجع ويسجد قبل السلام، لكن عدم الرجوع في الأولى على المشهور وعليه لا تبطل صلاته إن رجع إلى الجلوس عمدا أو سهوا أو جهلا ويسجد بعد السلام لتحقق الزيادة، وفي الثانية: متفق عليه، فإن رجع إلى الجلوس عامدا ففي التوضيح المشهور الصحة، وعليه يسجد بعد السلام لتحقق الزيادة، وإن رجع جاهلا ففي النوادر عن سحنون تفسد صلاته، وإن رجع ناسيا فلا تبطل صلاته اتفاقا.
قاله العلامة الشيخ صالح بن عبد السميع الآبي الأزهري في هداية المتعبد، وفي شرحه على الرسالة المسمى بثمر الداني اهـ. قال خليل في المختصر: ورجع تارك الجلوس الأول إن لم يفارق الأرض بيديه وركبتيه ولا سجود، وإلا فلا تبطل إن رجع ولو استقل، وتبعه مأمومه وسجد بعده اهـ. انظر شراحه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " أما الأركان فلا يجزئ إلا الإتيان بها " يعني أن من ترك ركنا من أركان الصلاة فلا يجزئه السجود لأن السجود لا يجبر الركن بل الواجب الإتيان به قبل فوته.
قال المصنف: " ما لم يفت محل التلافي، فإن فات بطلت الركعة " فقط ويطالب بإتيانها إن كان بقرب ذلك بأن يرجع ويحرم بنية إتمام
الصلاة ويأتي بتلك الركعة المتروكة ويتشهد ويسلم ثم يسجد بعد السلام.
هذا إن كان الترك من الركعة الأخيرة.
قال في الرسالة: ومن انصرف من الصلاة ثم ذكر أنه بقي عليه شيء منها فليرجع إن كان بقرب ذلك، فيكبر تكبيرة يحرم بها ثم يصلي ما بقي عليه، وإن تباعد ذلك أو خرج من المسجد ابتدأ صلاته، وكذلك من نسي السلام اهـ. قال خليل: وبنى إن قرب ولم يخرج من المسجد بإحرام ولم تبطل بتركه وجلس له على الأظهر، وأعاد تارك السلام التشهد اهـ. وفي الأخضري: ومن نقص فريضة فلا يجزيه السجود عنها.
قال الشارح لأن جبر الخلل الواقع في الصلاة بالسجود مخصوص بغير الفرائض.
وأما الفرائض فلا تجبر بالسجود اتفاقا، بل إن أمكنه تدارك المتروك أتى به وإلا بطلت الصلاة،
الجزء: 1 - الصفحة: 276
فمن تيقن أنه ترك ركعة كاملة، أو شك في الترك حال تشهده وقبل سلامه فلا بد من الإتيان بتلك الركعة، وكيفية الإتيان بها أنه يأتي بها بانيا على ما سبق من الركعات، فلو كانت تلك الركعة إحدى الأوليين فإنه يسجد بعد ذلك قبل السلام لانقلاب الركعات فيتحقق له الزيادة والنقص، فإن لم تكن من إحدى الأوليين فإنه يسجد بعد الإتيان بتلك الركعة بعد السلام لتمحيض الزيادة.
انظر اختلاف العلماء فيمن سها عن قراءة الفاتحة في ركعة في هداية المتعبد اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن ذكر في آخر صلاته سجدة لا يعلم محلها سجد وأتى بركعة " واحدة " عند ابن القاسم " بأن يسجد تلك السجدة المتروكة ثم يأتي بركعة ويتشهد ويسلم ويسجد بعد السلام " وقال أشهب بركعة فقط " أي إذا كانت السجدة المتروكة من الركعة الأخيرة فيسجدها كما قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي كونها من الأخيرة يسجد لا غير " وحاصل ما ذكره المصنف وغيره على ما نقله العلامة الشيخ حسين بن إبراهيم المغربي ثم المكي أنه ذكر فائدة جليلة في فتاويه قال: إذا ترك ركنا من أركان الصلاة سهوا فإن كان من الركعة الأخيرة ولم يسلم فإنه يتداركه، فإن كان المتروك الفاتحة انتصب قائما فيقرؤها ثم يتم ركته، وإن كان الركوع رجع قائما ثم يركع، وإن كان الرفع منه رجع محدودبا فإذا وصل حد الركوع اطمأن ثم يرفع ويكمل ركعته، وإن كان سجودا واحدا سجده وهو جالس وأعاد التشهد وسلم، وإن كان سجدتين وتذكرهما وهو جالس وقد انحط بنية الجلوس فإنه يرجع قائما ليأتي بالسجدتين منحطا لهما منه، فإن لم يفعل وسجدهما من جلوس سهوا فقد نقص الانحطاط للسجدتين وهو ليس بواجب، إذ لو كان واجبا لم ينجبر بسجود السهو فإنه لو انحط أولا للجلوس
ثم سجد السجدتين منه فإن صلاته لا تبطل، لكنه يكره تعمد ذلك، فإن سلم من الأخيرة معتقدا الكمال ثم تذكر ترك ركن منها فات التدارك واستأنف ركعة بدلها إن
الجزء: 1 - الصفحة: 277
لم يطل فإن طال بطلت صلاته.
ويسجد بعد السلام في جميع ما تقدم للزيادة.
وإن كان الركن المتروك من غير الأخيرة وتداركه إن لم يعقد ركوع الركعة التي بعدها، فإن عقده برفع الرأس من الركوع بطلت ركعة النقص ورجعت الثانية أولى، فإن كانت ركعة النقص هي الأولى صارت الثانية مكانها ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويتشهد ويسجد بعد السلام، وإن كانت ركعة النقص هي الثانية صارت الثالثة ثانية، وهي بفاتحة فقط فيتشهد بعدها ويأتي بركعتين بفاتحة فقط ويسجد قبل السلام لنقص السورة من التي صارت ثانية مع الزيادة، وإذا كانت ركعة النقص هي الثالثة صارت الرابعة ثالثة ويسجد بعد السلام، وإذا تذكر وهو في الجلوس الثاني أنه ترك ركنا من الأولى رجعت الثانية أولى والثالثة ثانية والرابعة ثالثة فيأتي بركعة بالفاتحة فقط سرا ويسجد قبل السلام لنقص السورة والتشهد الأول لأنه صار ملغى بوقوعه بعد الأولى والزيادة ظاهرة، وكذا إن تذكر بعد السلام بقرب يلغه، فإن بطلت اهـ " قرة العين، بفتاوى علماء الحرمين " للشيخ حسين إبراهيم مفتي السادة المالكية بمكة المكرمة سابقا رحمه الله تعالى.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن جهل كم صلى بنى على الأقل " يعني من أن نسي عدد ما صلى فإنه يبني على اليقين؛ لأن الذمة لا تبرأ إلا باليقين.
قال في الرسالة: ومن لم يدر ما صلى أثلاث ركعات أم أربعا بنى على اليقين وصلى ما شك فيه وأتى برابعة وسجد بعد سلامه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن ترك الفاتحة من ركعة أجزأه السجود على الأشهر إلا أن تكون ثنائية فتبطل على قول القاضي " يعني أن المصلي إذا ترك الفاتحة في ركعة واحدة اختلف العلماء فقيل يعيد الصلاة، وقيل يلغي الركعة ويقضيها، وقيل يسجد للسهو قبل السلام والقول الأخير هو الذي مشى عليه المصنف بقوله أجزأه السجود على الأشهر إلخ.
وقوله على قول القاضي يعني به الشيخ أبا محمد عبد الله
الجزء: 1 - الصفحة: 278
بن أبي زيد القيرواني.
قال العلامة الشيخ صالح بن عبد السميع في هداية المتعبد: واختلف في السهو عن القراءة في ركعة من غير الصبح كالرباعية كالرباعية أو الثلايتة على ثلاثة أقوال كلها في المدونة، فقيل يجزئ عن القراءة في ركعة من غير الصبح سجود السهو قبل السلام، واختار هذا القول عبد الملك بناء على أنها فرض في الجل وقيل بلغيها أي الركعة التي ترك منها قراءة الفاتحة ويأتي بركعة بدلها لفوات تداركها ويسجد بعد السلام حيث جلس بعد ركعتين صحيحتين بحيث قرأ فيهما الفاتحة والسورة، وإلا سجد قبل السلام لزيادة
الركعة الملغاه ونقص الجلوس والسورة من الثانية التي ظنها ثالثة، واختار هذا القول ابن القاسم، وهذا يقتضي وجوبها في كل ركعة.
وصحح ابن الحاجب القول بوجوبها في كل ركعة.
وقال ابن شاس هي الرواية المشهورة.
وقيل يسجد قبل السلام ولا يأتي بركعة بدلها ويعيد الصلاة احتياطا.
قال الأجهوري: وإنما أمر بالاحتياط لبراءة ذمته مراعاة لمن يقول بوجوبها في كل ركعة وبإعادة افترقت الرواية الثالثة من الأولى اهـ. وتقدم لنا الكلام في تارك الفاتحة في الركن الرابع من أركان الصلاة عند قول المصنف: والمشهور وجوبها إلخ فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإن ترك تكبيرة الإحرام ابتدأ " يعني أن المصلي إذا ترك تكبيرة الإحرام وجب عليه أن يبتدئ صلاته لبطلانها لعدم الركن الأول وكأنه لم يدخل الصلاة.
قال مالك في الموطأ، ومثله في المدونة فيمن نسي تكبيرة الافتتاح أنه يستأنف صلاته.
وقال في إمام نسي تكبيرة الافتتاح حتى يفرغ من صلاته، قال أرى أن يعيد ويعيد من خلفه الصلاة، وإن كان من خلفه قد كبروا فإنهم يعيدون اهـ. وتقدم لنا الكلام على تكبيرة الإحرام في الركن الثاني من أركان الصلاة فراجعه إن شئت.
الجزء: 1 - الصفحة: 279
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمؤتم يحرم ويدرك ما لم يركع إمامه، وقيل ما لم يرفع " يعني أن المأموم يحرم ويدرك الإمام ما لم يعقد إمامه ركعة، فإذا عقدها فاته محل التدارك.
واختلف هل عقد الركعة يكون بالركوع أو برفع الرأس منه، والمشهور عند ابن القاسم أن عقد الركعة يكون برفع الرأس من الركوع إلا في مسائل فيتفقان فيها، على أن عقدها يحصل بوضع يديه على ركبتيه.
وتلك المسائل هي ترك سر أو جهر بموضعهما، وتقديم السورة على أم القرآن، وتكبير عيد، وسجدة تلاوة، وذكر بعض صلاة، وإقامة مغرب عليه وهو بها، فإن عقد الركعة يحصل في الجميع بالركوع أي بالانحناء.
وبه يفوت محل التدارك.
وقول المصنف ما لم يركع، وقيل ما لم يرفع إشارة إلى القولين.
وقال العلامة المحقق مفتي المالكية بمكة سابقا الشيخ حسين بن إبراهيم المغربي في " قرة العين " فيمن ترك ركنا من أركان الصلاة أنه يتداركه ما لم يعقد ركوع الركعة التي بعدها إلى أن قال: فإن عقده برفع الرأس من الركوع لأن عقده عند ابن القاسم برفع رأسه مطمئنا معتدلا، فمن لم يعتدل تدارك ما فاته.
قال: وكذا المسبوق إذا كبر للإحرام وانحنى بعد رفع الإمام رأسه وقبل اعتداله فقد أدرك الركعة معه إلا في مسائل فعقد الركوع فيها بالانحناء عند ابن القاسم، وهي كما تقدم ترك الركوع من ركعة فيفوت لمجرد الانحناء من التي تليها، وتقوم هذه الركعة مقام ما قبلها، أو ترك سر الفاتحة، أو سورة فيفوت تداركه بالانحناء، فإن خالف وعاد للقراءة على سنتها بطلت صلاته، أو ترك جهر كذلك، أو ترك تكبير عيد كلا أو بعضا حتى انحنى فكذلك، أو ترك سورة بعد فاتحة، أو ترك سجدة تلاوة في فرض أو نفل حتى انحنى ساهيا عنها، أو ذكر بعضا من صلاة أخرى قبل التي هو فيها، والمراد بالبعض المتروك ما يشمل البعض حقيقة أو حكما كالسجود القبلي المترتب عن ثلاث سنن فبالانحناء
الجزء: 1 - الصفحة: 280
يفوت التدارك وتبطل الصلاة التي ترك منها البعض الحقيقي أو الحكمي للطول بالركوع.
ثم قال: هذا حاصل ما في أقرب المسالك مع زيادة من حاشية الخرشي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن أدركه راكعا فأمكنه أن يحرم ويدركه قبل رفعه صحت، وبعد رفعه الصحيح أنه يبتدئ، وقيل إن كبر للركوع مضى وأعاد إيجابا.
وقال ابن الماجشون استحبابا " يعني أن المسبوق الذي أدرك الإمام راكعا فإن أمكنه أن يكبر وهو قائم قبل اعتدال الإمام قائما فعل ولحقه وقد حصلت له تلك الركعة وصحت.
وإن تحقق أنه ما حصل له الركوع إلا من بعد رفع رأسه واعتداله قائما فالصحيح أنه لا يعتد بتلك الركعة، فإن اعتد بها بطلت صلاته ووجب عليه الإعادة.
وقيل إن كبر للركوع مضى مع إمامه وأعاد صلاته إيجابا.
وقال ابن الماجشون يعيدها استحبابا، ولعل وجه قول ابن الماجشون ما رواه مالك رحمه الله في الموطأ من أهن قال: ولو سها مع الإمام عن تكبيرة الافتتاح وكبر في الركوع الأول رأيت ذلك مجزيا عنه إذا نوى بها تكبيرة الافتتاح اهـ. قال العلامة ابن رشد في المقدمات في الكلام على تكبيرة الإحرام: فإذا نسي المأموم تكبيرة الإحرام وكبر للركوع ولم ينو بها تكبيرة الإحرام تمادى مع الإمام وأعاد، وإن نوى بها تكبيرة الإحرام أجزأته صلاته وحمل عنه الإمام القراءة اهـ. وتقدم لنا الكلام في المسبوق الذي أدرك بعض صلاة الإمام فراجعه إن شئت في فصل المنفرد بصلاة من هذا الكتاب.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويسجد المؤتم لسهو إمامه " يعني أن المأموم غير المسبوق يسجد مع إمامه مطلقا قبليا أو بعديا، أي يلزمه أن يتابعه في سجود سهوه مهما كان.
الجزء: 1 - الصفحة: 281
قال رحمه الله: " فأما المسبوق إن سجد إمامه قبل سلامه سجد معه " على المشهور، وأما إن كان سجوده بعديا فلا يسجد معه حتى يأتي بقضاء ما عليه ثم يسجد بعدي إمامه، فإن قدمه على القضاء أو سجد مع الإمام عمدا، أو كان تقدمه ذلك عمدا أو جهلا بطلت صلاته، لا إن كان ذلك سهوا فيسجد بعد السلام، وكذلك تبطل صلاته إن سجد القبلي مع الإمام إن لم يدرك معه ركعة، ثم إن المأموم مطالب بالسجود إن تركه الإمام.
فإن كان السجود مترتبا عن ثلاث سنن
وتركه الإمام ولم يسجد له وسجده المأموم بطلت صلاة الإمام دون صلاة المأموم، وتزاد هذه على قولهم كل صلاة بطلت على الإمام بطلت على المأموم إلا في سبق الحدث ونسيانه اهـ شارح العزية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقام " أي المسبوق " للقضاء بعد سلامه " الضمير عائد للإمام، يعني أن المسبوق إذا سلم الإمام قام ليقضي ما فاته من الصلاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإن سجد بعد السلام لم يسجد معه " يعني أن المسبوق إذا ترتب على إمامه السجود البعدي فلا يسجد معه كما تقدم قال الأخضري: والمسبوق إن أدرك مع الإمام أقل من ركعة فلا يسجد معه لا فبليا ولا بعديا، فإن سجد معه بطلت صلاته، وإن أدرك ركعة كاملة أو أكثر سجد معه القبلي وأخر البعدي حتى يتم صلاته فيسجد بعد سلامه، فإن سجد مع الإمام فهو كالمصلي وحده، وإذا ترتب على المسبوق بعدي من جهة إمامه وقبلي من جهة نفسه أجزأه القبلي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل يقوم " المسبوق " للقضاء بعد سلامه من الصلاة أو من السجود؟ قولان " يعني اختلف أهل المذهب في المسبوق بعد سلام الإمام
الجزء: 1 - الصفحة: 282
هل يقوم لقضاء ما فاته من الصلاة قبل فراغ إمامه من السجود البعدي، أو ينتظره حتى يسلم منه، قال ابن جزي في القوانين: المسألة الخامسة المسبوق إن سها بعد سلام الإمام وأما سهو إمامه فإن كان قبليا سجد معه مطلقا.
وقال إسحاق يسجد بعد فراغه من قضائه مطلقا.
وقال الشافعي يسجد معه ثم يسجد بعد فراغه.
وعلى المذهب فاختلف هل يقوم لقضائه إذا سلم الإمام أو ينتظره حتى يفرغ من سجوده اهـ قلت: المشهور أن المسبوق لا يقوم لذلك إلا بعد سلام الإمام.
والله الموفق للصواب.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويسجد المؤتم بعد قضائه " يعني أن المسبوق يسجد بعد السلام بعد إتيانه بما عليه مما فاته مع الإمام، كما إذا زاد إمامه وسجد لسهوه فإنه يسجد بعد إتمام صلاته كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والإمام يحمل سهو المؤتم " يعني أن الإمام يحمل سهو المأموم، ما لم يترك ركنا من أركان الصلاة، فإذا ترك المؤتم ركنا من أركان الصلاة فإن الإمام لا يحمله عنه إلا إذا كان الركن المتروك فاتحة فيحملها عنه الإمام، بل إنه يكره للمأموم قراءتها خلف الإمام في الصلاة الجهرية عند المالكية.
وقول المصنف:
والإمام يحمل سهو المؤتم، قال العلامة الصاوي في حاشيته على أقرب المسالك: لا مفهوم السهو بل إذا تعمد ترك جميع السنن فإن الإمام يحملها عنه اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي تعمد ترك سنة قولان بالسجود وعدمه " يعني اختلف في ترك سنة واحدة عمدا من سنن الصلاة بالسجود قبل السلام وعدمه.
وقيل تبطل به الصلاة.
وفي العزية قال بعضهم: لو ترك الجهر عامدا فقيل يستغفر الله ولا شيء عليه.
وقيل تبطل صلاته لأن هذا من التهاون بالسنن كما يتهاون بالفريضة.
قال شارحها: ولا مفهوم للجهر بل كل سنة تركت عمدا في الصلاة فيها هذان القولان اهـ. وقال ابن جزي في
الجزء: 1 - الصفحة: 283
مبطلات الصلاة: وكذلك ترك سنة من سننها المذكورة عمدا يفسدها عند بعضهم اهـ. وفي المكروهات: وكره ترك سنة خفيفة عمدا من سننها كتكبيرة وتسميعة.
وحرم ترك المؤكدة، قاله الدردير.
وقال الصاوي في حاشيته: قوله وحرم ترك المؤكدة، أي وفيها قولان بالبطلان وعدمه والراجح يستغفر الله ولا شيء عليه.
قال والجزم بالحرمة مشكل غاية الإشكال حيث كان متفقا على سنتيها، ولم يكن فيها قول بالفريضة اهـ قلت: الحاصل أن الراجح فيمن ترك سنة واحدة عمدا أن يستغفر الله ولا شيء عليه.
والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا سجود لترك فضيلة " يعني أن الفضائل لا سجود لها، بل نصوا على أن من سجد قبل السلام لنقص فضيلة أعاد صلاته أبدا.
مثال ذلك ما لو ترك القنوت في الصبح فظن أنه يجبر بالسجود فسجد له قبل السلام بطلت صلاته ووجب عليه الإعادة أبدا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وعمدا الكلام لا لإصلاحها مبطل وإن قل لا سهوه إلا، يكثر " يعني أن من تكلم في الصلاة متعمدا بطلت صلاته، إلا لإصلاحها فلا تبطل بقليله بل بكثيره.
وقال في المدونة: من تكلم في صلاته ناسيا بنى على صلاته ثم سجد بعد السلام، وإن كان مع الإمام فإن الإمام يحمل ذلك عنه.
وفيها أيضا عن مالك بإسناده عن أبي هريرة يقول: " صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العصر فسلم في ركعتين، فقال ذو اليدين فقال أقصرت الصلاة يا رسول الله أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك ما لم يكن، فقال قد كان بعض ذلك يا رسول الله، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؛ فقالوا نعم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم ما بقي من الصلاة ثم سجد سجدتين بعد السلام وهو جالس " اهـ قال العلامة الشيخ عبد اللطيف المرداسي في عمدة البيان: أن من تكلم ساهيا وكان قليلا فإنه يجزئه
عن ذلك سجود السهو بعد السلام، لأن الكلام إذا كان سهوا وكان قليلا فمنجبر، وأما الكثير ولو كان سهوا فمبطل لكون المصلي يخرج بسببه عن معنى الصلاة.
وأما من تكلم عامدا
الجزء: 1 - الصفحة: 284
لغير إصلاح الصلاة بطلت صلاته سواء كان الكلام قليلا أو كثيرا، حراما كان أو واجبا.
وأما لإصلاح الصلاة فالمشهور لا تبطل صلاته.
وقال ابن كنانة تبطل.
وأما الجاهل قيل حكمه كحكم الساهي.
وقيل حكمه كحكم العامد.
وأما المكره على الكلام فقال ابن شاس تبطل صلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وسعال وعطاس وغلبة بكاء " يعني أن المصلي إذا عرضت له هذه الأشياء فلا سجود عليه ولا تبطل صلاته إلا إذا كانت شديدة ومنعته من الإتيان بشيء من الفرائض فتبطل صلاته وإلا فجميعها مغتفر.
قال الأخضري: وبكاء الخاشع في الصلاة مغتفر.
وقال ابن جزي في القوانين: المسألة الثالثة فيما يشبه القول فالنفخ غير مبطل.
وقيل يبطل عمده ويسجد لسهوه، والبكاء خشوعا حسن وإلا فهو كالكلام.
والأنين كالكلام إلا أن يضطر إليه.
والقهقهة تبطل مطلقا.
وقيل في العمد.
والتبسم مغتفر.
وقيل يسجد له بعد السلام لأنه زيادة.
وقيل قبل السلام لنقص الخشوع، والتنحنح لضرورة لا يبطل، ودونها فيه قولان.
وقراءة كتاب إن حرك به لسانه كالكلام، وإلا فمغتفر إلا أن يطول اهـ. وفي المدونة عن مالك فيمن عطس وهو في الصلاة أنه لا يحمد الله، فإن فعل ففي نفسه.
قال ابن القاسم: ورأيته يرى أن ترك ذلك خير له اهـ. ولذا قال بعضهم: ومن عطس في صلاته فلا يشتغل بالحمد، أي لا يقل الحمد لله، فإن فعل أي فإن قالها فلا شيء عليه، ولا ينبغي تشميت العاطس في حال الصلاة، فإن شمته أحد فلا يرد عليه لأنه في مناجاة مولاه.
ومن تثاءب في الصلاة سد فاه، أي فليضع يده على فيه، ولا ينفث إلا في ثوبه من غير إخراج حروف.
قال ابن القاسم: ورأيت مالكا إذا أصابه التثاؤب يضع يده على فيه وينفث في غير صلاة.
قال ولا أدري ما فعله في الصلاة اهـ المدونة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويبطلها سهو الحدث وغلبته " يعني أن الصلاة تبطل
الجزء: 1 - الصفحة: 285
بالحدث مطلقا سواء كان عمدا أو سهوا أو غلبة.
قال الدردير في مبطلات الصلاة: وبطرو ناقص، أي ناقص لوضوئه من حدث أو سبب أو تذكره، ولا يسري البطلان للمأموم بحصول ذلك للإمام إلا بتعمده لا بالغلبة والنسيان.
قاله الصاوي.
وعبارة الشيخ صالح في الإكليل عند قول الشيخ خليل وبحدث: أي
بطلت أي الصلاة بحصول ناقض فيها غلبة أو نسيانا لفذ أو مأموم، أو إمام.
ولا يسري البطلان لصلاة مأمومية، فيستخلف من يتم بهم، فإن لم يستخلف وكمل بهم، أو عمل عملا بعد حدثه واتبعوه فيه بطلت عليهم، كتعمده الناقض اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والقهقهة " وهي تقلص الشفتين مع التكشر عن الأسنان عند الإعجاب مع الصوت، وإلا فهو الضحك، والتبسم دونه.
وقيل هو أول الضحك كما في الخرشي.
والمعنى أن القهقهة من مبطلات الصلاة، لما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى ذات يوم مع أصحابه وبين يديه حفرة فأقبل رجل للصلاة وفي عينيه شيء فسقط في تلك الحفرة فضحك بعض أصحابه، فلما سلم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " من ضحك منكم فليعد الصلاة " اهـ قاله الليث بن سعد كما في المدونة.
قال العلامة عبد الرحمن الأخضري: ومن ضحك في صلاته بطلت صلاته سواء كان عامدا أو ساهيا، ولا يضحك في صلاته إلا غافل متلاعب، والمؤمن إذا قام للصلاة أعرض بقلبه عن كل ما سوى الله تعالى، ويترك الدنيا وما فيها حتى يحضر بقلبه جلال الله تعالى وعظمته، ويرتعد قلبه وترهب نفسه من هيبة الله جل جلاله، فهذه صلاة المتقين اهـ. قال الشيخ خليل في المختصر: وبطلت بقهقهة، وتمادى المأموم إن لم يقدر على الترك اهـ انظر الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا التبسم " أي لا تبطل به الصلاة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهل يسجد له قولان " يعني هل يسجد المصلي سجود السهو إذا تبسم أم لا سجود عليه؟ قال الخرشي وغيره إنه لا سجود عليه سواء كان
الجزء: 1 - الصفحة: 286
عمدا أو سهوا، غير أن العمد مكروه لأن التبسم حركة الشفتين فهو كحركة الأجفان والقدمين، وعرفه بعضهم بأنه انبساط الوجه واتساعه مع ظهور البشرى من غير صوت اهـ وفي الرسالة: ومن ضحك في الصلاة أعادها ولم يعد الوضوء، وإن كان مع إمام تمادى وأعاد، ولا شيء عليه في التبسم.
والنفخ في الصلاة كالكلام، والعامد لذلك مفسد لصلاته اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والتنحنح إن ظهر منه مقاطع الحروف فكالكلام وإلا فلا " يعني أن التنحنح في الصلاة لا شيء فيه إلا إذا ظهر منه خروج الحروف فيكون حكمه كحكم الكلام.
قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية: والتنحنح لضرورة لا يبطل، ودونها فيه قولان وقال الأخضري: والتنحنح للضرورة مغتفر، وللإفهام منكر ولا تبطل الصلاة به.
وقال الشارح: حاصل الكلام في التنحنح أنه إن كان لضرورة ولا تبطل به الصلاة ولا سجود فيه اتفاقا.
ولغير ضرورة قولان لمالك أحدهما يفرق بين العمد والسهو، والأخر لا يبطل مطلقا وبه أخذ ابن القاسم، واختاره الأبهري واللخمي لخفة الأمر اهـ. وقال الدردير: ولا تبطل بتنحنح ولو لغير حاجة اهـ.
ولما أنهى الكلام على السهو وما يتعلق به انتقل يتكلم في أحكام الرعاف فقال:
فَصْلٌ
في أحكام الرعاف
أي في الكلام على الرعاف وأحكامه قال رحمه الله: " الرعاف " يعني به خروج الدم من الأنف بلا سبب، وليس من نواقض الوضوء عند مالك رحمه الله.
قال المصنف:
الجزء: 1 - الصفحة: 287
" إن كان قبل ركعة وأمكن التمادي معه مضى في صلاته، وإلا قطع وغسل الدم " يعني كما في القوانين.
قال: ومن رعف وعلم أن الدم لا ينقطع صلى على حاله، وإن رجا انقطاعه فإن أصابه قبل الصلاة انتظر حتى ينقطع، فإن لم ينقطع إلى آخر الوقت صلى، وإن أصابه في الصلاة فتله بأصابعه وتمادى، فإن قطر أو سال خرج لغسله، وجاز له أن يقطع الصلاة بسلام أو كلام ثم يغسله ويبتدئ، وأن يبني على صلاته بعد غسل الدم.
والقطع اختيار ابن القاسم، والبناء اختيار مالك.
ولا يجوز البناء في غير المذهب، وإنما يجوز البناء في المذهب بخمسة شروط وهي: أن لا يتكلم، ولا يمشي على نجاسة، ولا يصيب الدم جسده ولا ثيابه، وأن يغسل الدم في أقرب المواضع، وأن يكون قد عقد ركعة بسجدتيها على خلاف في هذا.
والبناء جائز في المذهب للإمام والمأموم.
واختلف في المنفرد.
وإذا رعف المسبوق فأراد البناء فاختلف هل يبتدئ بالبناء أو بالقضاء اهـ. قال الدردير في أقرب المسالك: فإن اجتمع له قضاء وبناء قدم البناء وجلس في أخيرة الإمام ولو لم تكن ثانيته، وفي ثانيته كمن أدرك الوسطيين أو إحداهما.
فظهر على ذلك الخلاف أنه يقدم البناء على القضاء وهو المشهور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و: " وإن كان بعد عقد ركعة بنى " يعني أن الراعف يبني على صلاته بعد غسل الدم إن كان إماما أو مأموما، وأما الفذ ففيه خلاف كما قال خليل في المختصر: وفي بناء الفذ خلاف.
وقول المصنف وبنى، هو كذلك بشرط عقد الركعة فأكثر قبل أن يصيبه الرعاف وإلا فلا يبني.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " فإن كان إماما استحب أن يستخلف " يعني أنه إذا
أصاب الإمام رعاف، واضطر إلى الخروج ليغسل الدم يستحب له استخلاف غيره من المأمومين الذين أدركوا معه ركعة ليكمل بهم الصلاة لعذر قائم به.
وشبه في استحباب استخلافه لذلك فقال: " كغلبة الحدث " أي كما يستحب له الاستخلاف عند غلبة الحدث لبطلان صلاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى:
الجزء: 1 - الصفحة: 288
" فلو أتموا فرادى جاز إلا في الجمعة فيجب الاستخلاف " قال الأبي في جواهر الإكليل: فإن ترك الاستخلاف وجب عليهم في الجمعة وندب في غيرها اهـ. وقال في المختصر: إن كان بجماعة واستخلف الإمام وفي بناء الفذ خلاف اهـ قال الخرشي: يعني أن البناء إنما يكون لمن صلى مع جماعة إماما كان أو مأموما لكن إن كان إماما يستخلف استحبابا وإلا استخلفوا إن شاؤوا وإن شاؤوا صلوا أفذاذا غير الجمعة وإلا وجب الاستخلاف عليهم.
وأما الفذ فهل له البناء وهو قول مالك وظاهر المدونة عند الجماعة، أو ليس له البناء فيقطع وهو قول ابن حبيب وشهره الباجي فضل الجماعة فيبني على الأول دون الثاني اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمؤتم يخرج وعليه حرمة الصلاة فيغسل الدم في أقرب المواضع إليه " يعني أن المأموم إذا خرج إلى غسل الدم ما زال في حرمة الصلاة ولا يفعل شيئا يخالفها إلا ما خرج لأجله بشرط أن لا يجوز مكانا يمكنه أن يغسل الدم منه، فإن جاوزه بطلت صلاته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ثم إن ظن " أي ظن المؤتم الذي حصل منه الرعاف " إدراك البقية من الصلاة رجع " الحاصل أن المأموم الذي رعف مع الإمام إذا غسل الدم وظن أن يدرك بقية الصلاة مع إمامه وجب عليه الرجوع ليتم معه الصلاة، وإن لم يظن الإدراك معه فله أن يبني في المحل الذي هو فيه إن أمكن، وإلا فأقرب مكان ممكن.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وبنى " على صلاته التي أدرك مع الإمام منها ركعة فأكثر لا أقل.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " بشرط عدم الكلام " يعني يشترط عليه عدم الكلام حين خروجه لغسل الدم فلا يتكلم، فإن تكلم ولو سهوا بطلت صلاته كما تقدم.
قال رحمه الله: " و " بشرط عدم " وطئه نجاسة " كذلك " و " بشرط عدم " تجاوزه الموضع الأقرب " أي كذلك يشترط عليه أن لا يتجاوز الموضع الذي أمكنه غسل الدم
الجزء: 1 - الصفحة: 289
فيه إلى أبعد منه، فإن جاوزه بطلت كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى
: " و " بشرط عدم " حدثه " يعني فإن أحدث قبل بنائه أو خالف شرطا من الشروط المتقدمة، بطلت صلاته، كما تبطل باستدباره بلا عذر.
قال
المصنف رحمه الله تعالى: " وإلا أتم مكانه " يعني وإن لم يظن إدراك بقية الصلاة مع الإمام بأن تحقق أن الإمام سلم فإنه يتم في مكانه الذي هو فيه إن أمكن كما تقدم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " إلا في الجمعة فيرجع على كل حال " يعني إذا كان ذلك في صلاة الجمعة وجب عليه الرجوع إلى الجامع الذي صلى فيه إمامه.
قال أبو محمد في الرسالة: ومن رعف بعد سلام الإمام سلم وانصرف، وإن رعف قبل سلامه انصرف وغسل الدم ثم رجع فجلس وسلم.
وللراعف أن يبني في منزله إذا يئس أن يدرك بقية صلاة الإمام إلا في الجمعة فلا يبني إلا في الجامع اهـ يعني ولو ظن فراغ إمامه لأن الجامع شرط في صحة الجمعة، لكن لا يكلف بموضعه الذي صلى فيه مع الإمام، بل يكفيه أي موضع منه لأن ذلك يؤدي إلى كثرة الفعل وكثرته مبطلة لها، ولو أتم في جامع غير الذي صلى فيه أولا لبطلت صلاته وإن كان أقرب منه، قاله التتائي والأجهوري اهـ قال المصنف رحمه الله تعالى: " والصحيح أن الإمام " أي الذي استخلف غيره " إذا رجع ليس له إخراج المستخلف ليتم هو " يعني أن الإمام إذا رجع بعد زوال عذره ليس له إخراج المستخلف.
قال العلامة الشيخ خليل مشبها في عدم صحة الصلاة كعود الإمام لإتمامها، أي ليتم لهم الصلاة إماما كما كان قبل العذر فتبطل عليهم إن اقتدوا به سواء استخلف حال خروجه أم لا، فعلوا فعلا قبل عوده لهم أم لا، هذا هو المشهور.
قاله في جواهر الإكليل اهـ وأما عبارة الخرشي أنه قال: أي كما تبطل الصلاة إذا عاد الإمام بعد زوال عذره لإتمامها بهم سواء كأن خرج ولم يستخلف ولم يفعلوا لأنفسهم شيئا إلى أن عاد، أو استخلف عليهم ثم عاد فأخرج المستخلف وأتم بهم.
وظاهر كلام المؤلف كغيره بطلان الصلاة كان العذر حدثا أو رعافا، استخلف الإمام أم لا، عملوا عملا أم لا، وليس كذلك بل البطلان محمول على ما
الجزء: 1 - الصفحة: 290
إذا كان في حدث أو رعاف بناء واستخلف الإمام، أو لم يستخلف وعملوا وعملوا عملا بعده.
وأما لو لم يستخلف ولم يعملوا عملا بعده فلا تبطل اهـ.
فَصْلٌ
في بيان النوافل وأوقاتها وكيفيتها
أي في بيان أوقات النوافل، وكيفيتها، وأنواعها ليلا أو نهارا، حضرا أو سفرا، برا أو بحرا، قال رحمه الله تعالى: " يباح التنفل في سائر الأوقات " يعني
أنه يجوز صلاة النافلة في كل وقت من الليل والنهار إلا في وقت التحريم أو الكراهة، إليه أشار المصنف فقال: " إلا بعد صلاة الصبح " فتكره النافلة " حتى ترتفع الشمس " يعني تكره صلاة النافلة بعد صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح - بكسر القاف وفتح الدال - أي قدر رمح من الرماح التي قدرها اثنا عشر شبرا بالشبر المتوسط.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وبعد العصر حتى تغرب " يعني أنه يكره التنفل بعد فرض العصر حتى تغرب الشمس، لما رواه الإمام في الموطأ بإسناده عن أبي هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس، وعن الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس " اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفيه " أي إباحة النوافل وعدمها " عند الزوال خلاف " يعني أن الأئمة اختلفوا في إباحة النافلة وعدم الإباحة عند استواء الشمس وقبل زوالها عن كبد السماء، فكرهها الأئمة الثلاثة، لحديث عبد الله الصنابحي، وأجازها الإمام مالك رحمه الله لما جرى به عمل أهل المدينة، قال ما أدركت أهل الفضل إلا وهو يجتهدون ويصلون نصف النهار، وفي المدونة في جامع الصلاة، قال مالك: لا أكره الصلاة نصف النهار إذا استوت الشمس في وسط السماء، لا في يوم جمعة ولا في غيره.
قال: ولا أعرف
الجزء: 1 - الصفحة: 291
هذا النهي، وما أدركت أهل الفضل والعباد إلا وهو يهجرون ويصلون في نصف النهار في تلك الساعة، ما يتقون شيئا في تلك الساعة اهـ. وقال العلامة الشيخ أبو الحسن في العزية: يحرم عليه، أي على المكلف صلاة النفل عند طلوع الشمس، وعند غروبها، وعند خطبة الجمعة، وعند ضيق الوقت، أو بعد خروجه لمن عليه فرض ويكره بعد طلوع الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، وبعد فرض العصر إلى أن تصلي المغرب، وعند أذان الجمعة للجالس، وبعد فرض الجمعة في مصلاها.
ولا تكره عند وقت الاستواء اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وليس مع الصلوات رواتب محدودة " يعني أي ليس شيء محدود من النوافل بعد المفروضات، بل يصلي ما شاء منها مثنى مثنى، فإن زاد على الوارد فله ذلك، وإن نقص عنه فلا حرج عليه.
ومعنى الوارد ما ورد في الحديث نحو قوله عليه الصلاة والسلام: " من يحافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار " وفي الطبراني: " من صلى أربع ركعات قبل العصر حرم الله بدنه على النار " وفي رواية لأبي داود والترمذي: " رحم الله امرأ صلى قبل العصر أربعا " قال العلماء: ودعاؤه صلى الله عليه وسلم مقبول.
وقالوا أيضا: والأعداد الواردة في الأحاديث ليست للتحديد حتى لا يتعداه ولا ينقص عنه بل
للترغيب فقط.
قال العلامة عبد الوهاب الشعراني في الميزان: اتفق الأئمة الأربعة على أن النوافل الراتبة سنة، وهي ركعتان قبل الفجر، وركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء اهـ. وقال ابن الحاج في المدخل في آداب طالب العلم: ينبغي له أن يشد يده على مداومته على فعل السنن والرواتب وما كان منها تبعا للفرض قبله أو بعده، فإظهارها في المسجد أفضل من فعلها في بيته كما كان عليه الصلاة والسلام يفعل، عدا موضعين كان لا يفعلهما إلا في بيته بعد الجمعة وبعد المغرب، أما بعد الجمعة فلئلا يكون ذريعة لأهل البدع الذين لا يرون صحة الجمعة إلا خلف إمام معصوم، وأما بعد المغرب فشفقة على الأهل لأن الشخص قد يكون صائما فينتظره أهله وأولاده للعشاء
الجزء: 1 - الصفحة: 292
ويتشوقون إلى مجيئه فلا يطول عليهم اهـ. انظره في الحطاب.
وقال العدوي في حاشيته على الخرشي: تنبيه: إنما تطلب الرواتب القبلية ممن ينتظر جماعة، لا من الفذ، ولا ممن لا ينتظرها، وات تطلب إلا مع اتساع الوقت.
ولا خلاف في منعها إن ضاق اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وهي " أي الرواتب المذكورة، أو مطلق النوافل " في الليل والنهار مثنى مثنى " يعني أن نوافل الليل والنهار كلها ركعتان ركعتان.
وعن مالك في الموطأ أنه بلغه أن عبد الله بن عمر، رضي الله عنه، كان يقول: صلاة الليل والنهار مثنى مثنى يسلم من كل ركعتين.
قال مالك: وهو الأمر عندنا اهـ. قال النفراوي: ويكره أن يصلي أربعا من غير فصل بسلام.
قال الأجهوري: وإذا نوى شخص النفل أربعا خلف من يصلي الظهر ودخل معه في الأخيرة فهل له الاقتصار على ركعتين ويسلم مع الإمام أم لا، والأول هو المنقول بل يفيد النقل أنه مأمور بالاقتصار على ركعتين.
قال اللخمي: اختلف الناس في عدد ركعات النفل، فذهب مالك أنه مثنى مثنى بليل أو نهار، فإن صلى ثلاثا أتم أربعا لا يزيد على ذلك، وسواء على أصله نواه أربعا ابتداء أم لا فإنه مأمور بالسلام من ركعتين، وإن دخل على نية ركعتين فصلى ثلاثا فإنه يؤمر أن يتم أربعا اهـ. وما قررناه خلافا لما مشى عليه أهل الكوفة في إجازتهم عشر ركعات، وثمانيا، وستا، وأربعا بغير سلام اهـ قاله الزرقاني على الموطأ.
وقد عقد العلامة محمد بن عبد الرحمن الدمشقي فصلا في كتابه " رحمة الأمة " فقال: والسنة في تطوع الليل والنهار أن يسلم من كل ركعتين، فإن سلم من كل ركعة جاز عند مالك والشافعي وأحمد.
وقال أبو حنيفة لا يجوز.
وقال في صلاة الليل: إن شاء صلى
ركعتين أو أربعا أو ستا أو ثماني ركعات بتسليمة واحدة، وبالنهار يسلم من كل أربع اهـ.
قال المصنف: " والأفضل الجهر في الليل والسر في النهار " يعني كما في الرسالة يستحب في نوافل الليل الإجهار وفي نوافل النهار الإسرار، وإن جهر في النهار في تنفله
الجزء: 1 - الصفحة: 293
فذلك واسع اهـ. وقوله واسع أي جائز أي خلاف الأولى لا أنه جائز مستوى الطرفين.
وحكى ابن الحاجب في كراهته قولين اهـ الثمر الداني، قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الأفضل " تكثير الركوع والسجود " اعلم أن تكثير الركوع والسجود عند المصنف من تطويل القراءة مع قلة الركعات.
قال خليل في المختصر.
وهل الأفضل كثرة السجود أو طول القيام، قولان.
رجح المصنف الأول لما فيه من كثرة الفرائض، وما تشتمل عليه من تسبيح وتحميد وتهليل وصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولخبر " عليك بكثرة السجود فإنك لن تسجد لله سجدة إلا رفعك الله بها درجة وحط بها عنك خطيئة " اهـ. وقيل الأفضل طول القيام بالقراءة مع قلة الركعات لخبر " أفضل الصلاة القنوت " أي القيام، ولأنه صلى الله عليه وسلم كان يقوم حتى تورمت قدماه ولم يزد على إحدى عشرة ركعة في رمضان ولا في غيره.
وقال الدردير في شرحه على المختصر: ولعل الأظهر الأول.
وقال الحطاب: استظهر ابن رشد القول الثاني في رسم المحرم من سماع ابن القاسم من كتاب الصلاة.
ونصه: اختلف أهل العلم في الأفضل من طول القيام أو كثرة الركوع والسجود مع استواء من الصلاة، فمن أهل العلم من ذهب إلى أن كثرة الركوع والسجود أفضل، لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " من ركع ركعة وسجد سجدة رفعه الله بها درجة وحط عنه بها خطيئة " ومنهم من ذهب إلى أن طول القيام أفضل لما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل أي الصلوات أفضل؟ قال: " طول القنوت " وفي بعض الآثار " طول القيام " وهذا القول أظهر، إذ ليس في الحديث الأول ما يعارض هذا الحديث اهـ. انظر الحطاب إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " الأفضل فعلها خلوة وفي نصف الليل الأخير " يعني أن فعل النوافل في الخلوات والبيوت أفضل، وفي نصف الليل أو ثلثه أو سدسه أفضل وأستر وأبعد من الرياء، ولخبر " اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة " اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 294
وقال أبو محمد في الرسالة بعد أن ذكر فضل الصلاة في مسجده صلى الله عليه وسلم: وهذا كله في الفرائض، وأما النوافل ففي البيوت أفضل، ولذا قال بعضهم رحمه الله تعالى في نظمه:
وفي البيوت للنساء أولى ... وللرجال من يريد نفلا
وفي الحديث " أفضل الصلوات بعد الفريضة الصلاة في جوف الليل " وفي الخبر أيضا " عليكم بقيام الليل فإنه مرضاة لربكم ودأب الصالحين قبلكم " وفي الرسالة: وأفضل الليل آخره في القيام، فمن أخر تنفله ووتره إلى آخره فذلك أفضل، إلا من الغالب عليه أن لا ينتبه فليقدم وتره مع ما يريد من التنفل أول الليل، ثم إن شاء إذا استيقظ في آخره تنفل ما شاء منها مثنى مثنى، ولا يعيد الوتر اهـ وما ذكر صاحب الرسالة من التنفل ليس فيه شيء محدود، بل الأمر في ذلك بحسب ما تيسر منه، فإن تيسرت الركعات الواردة في السنة أعني العدد الذي كان يوتر بعده صلى الله عليه وسلم فهو الأولى، وإن زاد على ذلك فهو خير، وإن نقص بحسب الطاقة فقد أتى بالمطلوب.
وقد جاء في الخبر " قم من الليل ولو قدر حلب شاة " نسأل الله أن يوقفنا للعمل بالسنة آمين.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجوز الجلوس مع القدرة على القيام " يعني أنه يجوز للمتنفل أن يفتتح صلاته جالسا مع القدرة على القيام، أو يفتتحها قائما ويجلس كذلك.
قال الأخضري: وأما النافلة فيجوز للقادر على القيام أن يصليها جالسا وله نصف أجر القائم، ويجوز أن يدخلها جالسا ويقوم فيمتنع جلوسه بعد ذلك اهـ، قال الشارح: يعني أن القيام في الصلاة على جهة الوجوب والشرطية إنما هو في صلاة الفرض، وأما النفل فلا يشترط فيه
الجزء: 1 - الصفحة: 295
القيام ولو للقادر عليه، فله أن يصليه من جلوس ابتداء بأن يحرم به وهو جالس ويتممه كذلك، وله أن يحرم به من جلوس ثم يأتي به من قيام، وله أن يحرم به من قيام ثم يأتي به من جلوس، وله أن يأتي بركعة من قيام وركعة من جلوس، كل ذلك جائز إلا إذا نوى أن يأتي بالنافلة من قيام فلا يجوز له بعد ذلك أن يأتي بها من جلوس.
فجميع الأحوال التي تقدمت من حيث الجواز والصحة، وأما من حيث الثواب فليس له إلا النصف من الثواب لنقص بعض ما يحصل به التواضع وهو القيام، لأن الجزاء من جنس العمل اهـ، قاله الشيخ صالح عبد السميع في هداية المتعبد.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " تجوز صلاة النافلة " على الراحلة " أي على الدابة " في سفر القصر حيثما توجهت به " يعني يجوز أن يصلي النافلة على الدابة في حالة السفر حيثما توجهت به دابته بشرط أن يكون السفر يجوز له أن يقصر فيه الصلاة كما تقدم ذلك في الكلام على استقبال القبلة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي السفينة يستدبر " يعني أنه قد تقدم فيما نقلناه
من كلام ابن جزي أنه قال: ويصلي في السفينة إلى القبلة فإن دارت استدار.
روى ابن حبيب أن يتنفل حيث سارت به كالدابة والمشهور الأول اهـ. وفي المختصر: لا سفينة فيدور معها إن أمكن.
قال الخرشي: أي إن راكب السفينة يمنع تنفله صوب سفره كالفرض لتيسر استقباله بدورانه لجهة القبلة إذا دارت عنها مع إمكانه وإلا صلى فيها حيث توجهت كالدابة بجامع المشقة، ولكن لا يصلي إيماء، والفرض والنفل في هذا سواء اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومفتتحها جالسا يستحب إذا قارب الركوع قام فقرأ ما تيسر وركع وله إتمامها جالسا وبالعكس " اعلم أنه أشار بما روي عن عائشة من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي جالسا فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين أو أربعين آية قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع وسجد
الجزء: 1 - الصفحة: 296
ثم صنع في الركعة الثانية مثل ذلك.
وفي رواية " أنها لم تر رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعدا قط حتى أسن فكان يقرأ حتى إذا أراد أن يركع قام فقرأ نحوا من ثلاثين أو أربعين آية ثم ركع " اهـ رواه البخاري والموطأ واللفظ له.
وأما قول المصنف وله إتمامها جالسا إلخ.
تقدم بيانه آنفا عند قوله: ويجوز الجلوس مع القدرة فراجعه إن شئت.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والشروع ملزم في سائر النوافل، فإن أبطلها قضاها لا إن بطلت " يعني أن الشروع في سائر العبادة يوجب إتمامها كاملة سواء كانت صلاة أو غيرها، فمن أحرم بصلاة مثلا يلزمه أن يصليها، ولا يجوز قطعها إلا لموجب، لأنها بالشروع صارت واجبة عليه، فإن أبطلها عمدا وجب عليه قضاؤها، وأما إن فسدت فلا يلزمه قضاؤها، والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] وقال العلامة الصاوي في حاشيته على الجلالين: والحاصل أن الأصل في النوافل أنها لا تلزم بالشروع عند جميع الأئمة، واستثنى مالك وأبو حنيفة سبعا منها تلزم بالشروع، نظمها ابن عرفة من المالكية بقوله رحمه الله تعالى:
صلاة وصوم ثم حج وعمرة ... طواف عكوف.
والتمام تحتما
وفي غيرها كالوقف والطهر خيرن ... فمن شاء فليقطع ومن شاء تمما
ولابن كمال باشا من الحنفية:
من النوافل سبع تلزم الشارع ... أخذا لذلك مما قاله الشارع
صوم صلاة عكوف حجة الرابع ... طوافه عمرة إحرامه السابع
ونظمها أيضا بعضهم بقوله:
صلاة وصوم ثم حج وعمرة ... يليها طواف واعتكاف وإتمام
الجزء: 1 - الصفحة: 297
يعيدهم من كان للقطع عامدا ... لعودهم فرضا عليه وإلزام
وقال العلامة الشيخ عبد الرحمن الأخضري: ومن قطع النافلة عامدا، أو ترك منها ركعة، أو سجدة عامدا، أعادها أبدا اهـ. قال الشارح: بناء على أن النوافل تلزم بالشروع، فمن شرع فيها لزمته، فإذا أفسدها بإخلال ركن منها عمدا أو تعمد قطعها لزمه أن يأتي ببدلها لوجوبها عليه وجوب الفرائض بمجرد الشروع فيها، لأنه ألزم نفسه بها، ولا تبرأ ذمته إلا بفعلها صحيحة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وداخل المسجد في غير وقت كراهة يحييه بركعتين قبل جلوسه " يعني أن من دخل مسجدا وقت الإباحة متوضئا يستحب له أن يصلي ركعتين تحية المسجد قبل أن يجلس، ولا يفوتان بالجلوس.
وقال صاحب الرسالة: ومن دخل المسجد على وضوء فلا يجلس حتى يصلي ركعتين إن كان وقت يجوز فيه الركوع اهـ. قال شارحها: فالحاصل أن تحية المسجد لها ثلاثة شروط: أن يدخل على طهارة، وأن يكون مراده الجلوس في المسجد، وأن يكون الوقت وقت جواز، والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين " اهـ رواه مسلم.
وفي رواية له وللبخاري: " إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس " وورد أيضا: " أعطوا المساجد حقها، قالوا وما حقها يا رسول الله؟ قال صلاة ركعتين قبل الجلوس " اهـ. اعلم أنه لا فرق في الأمر بتحية المسجد بين مسجد الجمعة وغيره، إلا مسجد مكة فإنه يبدأ فيه بالطواف لأن تحية مسجد مكة الطواف للقادم بحج أو عمرة أو إفاضة أو المقيم الذي يريد الطواف، وأما من دخل للصلاة أو للمشاهدة فتحيته ركعتان كغيره.
ومسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم كذلك أيضا يبدأ بالتحية قبل السلام عليه صلى الله عليه وسلم، وأما المار، أو الداخل على غير وضوء، أو في وقت نهي فيستحب
الجزء: 1 - الصفحة: 298
له أن يقول أربع مرات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، لأن التحية بمعنى الصلاة وإن سقطت لا يسقط بدلها اهـ النفراوي مع حذف، وكذا في الخرشي.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومنها " أي من النوافل المرغوبة "
التراويح
" وتسمى بقيام الليل، وقيام رمضان.
قال المصنف: وهي " ثماني عشرة تسليمة " يعني ستا وثلاثين ركعة، هذا إشارة إلى ما كان يقومون به في زمن عمر بن عبد العزيز.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقيل عشر ما بين العشاء والوتر " يعني عشرين ركعة بين العشاء والوتر، هذا ما اتفق عليه العلماء من الأئمة الأربعة.
قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية: ويستحب قيام فيه بست وثلاثين ركعة سوى الشفع والوتر.
وقيل بعشرين وفاقا لهم اهـ. أي وفاقا للشافعية والحنفية والحنابلة.
وقال أبو محمد عبد الله بن أبي زيد: وكان السلف الصالح، أي هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم يقومون فيه في المساجد بعشرين ركعة، ثم يوترون بثلاث، ويفصلون بين الشفع والوتر بسلام، ثم صلوا بعد ذلك - أي في زمن عمر بن عبد العزيز - ستا وثلاثين ركعة غير الشفع والوتر، وكل ذلك واسع، ويسلم من كل ركعتين.
وقالت عائشة، رضي الله عنها: ما زاد رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان ولا في غيره على اثنتي عشرة ركعة بعدها الوتر اهـ.
والأصل في ذلك كما في الموطأ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرغب في قيام رمضان من غير أن يأمر بعزيمة، فيقول: " من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه " قال ابن شهاب: فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر وصدرا من خلافة عمر بن الخطاب اهـ. وعن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة فصلى بصلاته ناس، ثم صلى الليلة القابلة
الجزء: 1 - الصفحة: 299
فكثر الناس، ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة فلم يخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أصبح قال: " قد رأيت الذي صنعتم، ولم يمنعني الخروج إليكم إلا أني خشيت أن تفرض عليكم " وذلك في رمضان اهـ. رواه مالك في الموطأ، ثم في خلافة عمر بن الخطاب رأى أن يجمع الناس على قارئ واحد كما في الموطأ من رواية عبد الرحمن بن القاري أنه قال: " خرجت مع عمر بن الخطاب في رمضان إلى المسجد فإذا الناس أوزاع متفرقون، يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر والله إني لأراني لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، فجمعهم على أبي بن كعب، قال ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعمت البدعة هذه، والتي تنامون عنها أفضل من التي تقومون، يعني آخر الليل.
وكان الناس يقومون أوله اهـ.
وروى البيهقي عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنه قال: " أنا والله حرضت عمر على القيام في شهر رمضان، قيل وكيف ذلك يا أمير المؤمنين قال: أخبرته أن في السماء السابعة حظيرة يقال لها حظيرة القدس فيها ملائكة يقال لهم الروح، وفي لفظ، الروحانيون، فإذا كان ليلة القدر استأذنوا ربهم في النزول إلى الدنيا فيأذن لهم، فلا يمرون على مسجد يصلى فيه، ولا يستقبلون أحدا في طريق
إلا دعوا له فأصابه منهم بركة، فقال له عمر يا أبا الحسن فنحرض الناس على الصلاة حتى تصيبهم البركة، فأمر الناس بالقيام " اهـ الدر المنثور.
وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله تبارك وتعالى عن يمين العرش موضعا يسمى حظيرة القدس وهو من نور، فيها ملائكة لا يحصي عددهم إلا الله تعالى يعبدون الله عبادة لا يفترون ساعة، فإذا كان أول ليلة من شهر رمضان استأذنوا ربهم أن ينزلوا إلى الأرض فيصلون مع جماعة المؤمنين، فيأذن لهم ربهم تبارك وتعالى فينزلون كل ليلة إلى الأرض، فكل من مسهم أو مسوه سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا " اهـ وقال صاحب الرسالة: ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه.
وإن قمت فيه بما تيسر فذلك مرجو فضله وتكفير الذنوب
الجزء: 1 - الصفحة: 300
به، والقيام فيه في مساجد الجماعات بإمام، ومن شاء قام في بيته وهو أحسن لمن قويت نيته وحده اهـ. قال الصاوي: حاصله أن ندب فعلها في البيوت مشروط بشروط ثلاثة: أن لا تعطل المساجد، وأن ينشط لفعلها في بيته، وأن يكون غير آفاقي بالحرمين، فإن تخلف منها شرط كان فعلها في المسجد أفضل، كما أنه يستحب أن يختم القرآن في التراويح بأن يقرأ كل ليلة جزءا يفرقه على العشرين ركعة اهـ مع إيضاح.
والحاصل أن صلاة التراويح لها أصل في الشرع.
وقول عمر فيها نعمت البدعة هذه ليس راجعا لأصلها، وإنما أراد بقوله نعمت البدعة جمعهم على إمام على سبيل المواظبة في المسجد لأنهم حين امتنع المصطفى صلى الله عليه وسلم من الخروج صاروا يصلونها فرادى في بيوتهم، ثم بعد سنتين حصل الأمن من خشية فرضيتها لعدم تجديد الأحكام بعد موت المصطفى عليه الصلاة والسلام أمرهم عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، بفعلها جماعة، ولعله قصد بذلك إشهارها والمدوامة عليها وإحياء المساجد بفعلها لأن إخفاءها ذريعة لإهمالها وتضييعها انظر النفراوي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا بأس بالتنفل في جلسات الإمام بين الأشفاع " يعني يجوز التنفل بين جلسات الإمام في صلاة التراويح لأنهم كانوا في الزمن الأول يطولون القيام فيها ثم يجلسون بعد كل تسليمتين للاستراحة.
وفي المدونة: سئل مالك عن التنفل فيما بين الترويحتين؟ فقال لا بأس بذلك إذا كان يركع ويسجد ويسلم.
وقال في موضع آخر: ولا أرى بأسا، وما علمت أن أحدا كرهه اهـ. قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومدرك الناس فيها لا يصلي العشاء معهم " يعني من دخل المسجد فوجد الناس يصلون التراويح ولم يصل العشاء فلا يصليها معهم، بل إنه يخرج إلى محل آخر لأداء العشاء فيه ثم يدخل معهم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و
الوتر سنة مؤكدة
، ركعة عقب شفع منفصل بسلام، يدخل وقته بعد العشاء في وقتها المختار " يعني أن الوتر سنة مؤكدة،
الجزء: 1 - الصفحة: 301
وهو أوكد من صلاة العيد والكسوف والاستسقاء، ويدخل وقته الاختيار بعد العشاء الصحيحة والشفق إلى طلوع الفجر الصادق، ثم الضروري إلى صلاة الصبح، وهو ركعة واحدة يندب: أن يكون بعد الشفع، لكراهة الاقتصار على ركعة، كما يكره تأخيره إلى ضروريه.
وقال العلامة خليل: والوتر سنة آكد، ثم عيد، ثم كسوف، ثم استسقاء.
ووقته بعد عشاء صحيحة وشفع للفجر، وضروريه للصبح، وندب قطعها له لفذ، لا مؤتم، وفي الإمام روايتان اهـ وفي الرسالة: ثم يصلي الشفع والوتر جهرا.
وقال أيضا: وأقل الشفع ركعتان.
ويستحب أن يقرأ في الأولى بأم القرآن وسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بأم القرآن وقل يا أيها الكافرون، ويتشهد ويسلم، ثم يصلي الوتر ركعة يقرأ فيها بأم القرآن، وقل هو الله أحد، والمعوذتين.
وإن زاد من الأشفاع جعل آخر ذلك الوتر كما يأتي عن قريب عن المصنف اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والأفضل لذي الورد تأخيره إلى آخر الليل، وغيره لا ينام إلا عن وتر " ولفظ الوتر مثلث، والمعنى أن الأفضل لمن كان له ورد أي حزب معتاد يقوم به في كل ليلة تأخيره إلى آخر الليل للأحاديث الواردة في ذلك، وتقدم لنا بعضها في هذا الفصل عند قول المصنف وفعلها خلوة، وفي نصف الليل الأخير فراجعه إن شئت.
قال الصفتي: ويستحب فعله - أي الوتر - آخر الليل لمن الغالب عليه الانتباه آخر الليل، فإن غلب على ظنه عدم الانتباه فالأفضل تقديمه.
وكان الصديق يوتر أول الليل، وعمر كان يوتر آخر الليل، فقال صلى الله عليه وسلم: " إن الأول أخذ بالحزم والثاني أخذ بالعزم " انتهى فإن استوى الأمران عنده فالأفضل تأخيره كما في الرسالة، واعتمده الشيخ - أي العدوي - في حاشية الخرشي خلافا للمختصر اهـ. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " يقرأ في " ركعتين من " الشفع بسبح اسم ربك الأعلى والكافرون " يعني يستحب قراءة سورة الأعلى بعد أم القرآن في الركعة الأولى من الشفع، ويقرأ
الجزء: 1 - الصفحة: 302
سورة الكافرون بعد أم القرآن في الركعة الثانية منه.
ثم يجلس ويتشهد ويسلم.
ويكره وصل الشفع بالوتر من غير سلام بينهما ثم يقوم ويصلي الوتر.
قال المصنف رحمه الله تعالى " و " يقرأ بعد أم القرآن " في " ركعة " الوتر بالإخلاص والمعوذتين " لما ورد في الحديث من " أن عائشة رضي الله عنها، سئلت بأي شئ كان يوتر النبي صلى الله عليه وسلم؟ قالت يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد
والمعوذتين " اهـ رواه أبو داود والترمذي.
واتفق الأئمة على أن قراءة تلك السور المذكورة مستحبة في الشفع والوتر لمن له حزب كما في النفراوي.
وهنا فروع: تتعلق بالشفع أحدها إذا سها المصلي ولم يدر أهو في الوتر أو في ثانية الشفع فإنه يجعلها ثانية الشفع ويسجد بعد السلام، كمن شك أصلى واحدة أو اثنتين فإنه يبني على الأقل ويأتي بما شك فيه ويسجد بعد السلام ثم يوتر واحدة بعد ذلك، ثانيها إن شك أهو في ثانية الشفع أو أولاه أو في الوتر جعلها أولى الشفع، وأتى بواحدة، ويسجد بعد السلام، ثم يصلي الوتر بعد ذلك.
ثالثها من زاد ركعة في الوتر سهوا سجد بعد السلام.
رابعها من ذكر في تشهد وتره أنه نسي سجدة من شفعة فإنه يشفع وتره بنية الشفع، ولا يضر إحداث هذه النية، ثم يسجد لزيادة الجلوس الذي كان يسلم بعده ثم يوتر.
خامسها إذا شك هل شفع وتره فقال ابن المواز قيل يسلم ويسجد للسهو ويجزيه.
وقيل يسجد ويأتي بوتر آخر وهو أحب إلى قاله النفراوي اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ولا قنوت فيه على المشهور " يعني أن الوتر لا قنوت فيه على المشهور في المذهب.
قال ابن جزي في القوانين: لا يقنت في الوتر خلافا للشافعي وابن حنبل، وابن نافع في وتر النصف الآخر من رمضان ولأبي حنيفة في وتر السنة اهـ. وقال خليل في المختصر: وقنوت سرا بصبح فقط، وكذا في العزية الخرشي: والظاهر أن حكم القنوت في غير الصبح الكراهة اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 303
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وركعتا الفجر سنة " يعني أن ركعتي الفجر سنة من السنن لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليهما.
وقيل من الرغائب لقوله عليه الصلاة والسلام: " ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها " قال خليل: وهي رغيبة تفتقر لنية تخصها.
هذا قول الأكثر من أهل العلم.
قال في الرسالة: وركعتا الفجر من الرغائب وقيل من السنن اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وقيل نافلة " يعني قد اختلف في الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح قيل إنهما سنة.
وقيل رغيبة.
وقيل نافلة كسائر النوافل، لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: " لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر " رواه البخاري ومسلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ووقتها بعد طلوع الفجر " ولو عبر هنا بالتثنية في قوله ووقتها كما عبر أولا لكان أولى.
أو ووقتهما بعد طلوع الفجر، فإن تقدمتا عليه لم يجزيا.
وندب إيقاعهما في المسجد، ونابتا عن التحية ويحصل له بهما ثوابهما أي ركعتي الفجر وتحية المسجد إن نوى ذلك.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ومن دخل المسجد وقبل أن يركع فيه أقيمت عليه الصلاة يركع خارجه ثم يدركه " قال في الرسالة: ومن دخل المسجد ولم يركع الفجر أجزأه لذلك ركعتا الفجر اهـ. وقال غيره: ومن دخل المسجد فوجد اإمام يصلي الصبح تركهما ودخل معه، وإن أقيمت عليه الصلاة وهو خارج المسجد أنه يركعهما خارجه ما لم يخف فوات ركعة من الصبح، فإن خاف ذلك تركهما ودخل مع اإمام على طريق السنية لتحصل فضيلة الجماعة، ثم يقتضيهما بعد ارتفاع الشمس قدر رمح للزوال.
ويستحب أن يقرأ فيهما بأم القرآن فقط اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 304
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والنائم عن ورده إن تصبح " أي إن استيقظ أول الصبح ودخل المسجد " لانتظار الجماعة صلاة " الضمير عائد إلى الورد.
وفي نسخة صلاها، وكلاهما صواب.
يعني أن من نام عن ورده غلبة ثم انتبه من أول الفجر وجاء المسجد ينتظر الجماعة فله أن يصلي ورده حينئذ قبل أن تقام الصبح.
قال في الرسالة: ومن غلبته عيناه عن حزبه فله أن يصليه ما بينه وبين طلوع الفجر وأول الإسفار، ثم يوتر ويصلي الصبح اهـ. وكان الصحابة يصلون أورادهم حيث يغلبهم النوم، ثم يدركون الصلاة معه عليه الصلاة والسلام، وهو يقرأ بالسنتين إلى المائة، ويسلم والنجوم بادية مشتبكة اهـ. قاله الزروق على الرسالة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وإلا بادر إلى فرضه " يعني إن لم يستيقظ في أول الوقت بأن ضاق عليه ولم يبق لطلوع الشمس إلا مقدار ما يسع ركعة أو ركعتين فإنه يبادر لأداء الصبح وجوبا.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " و " النائم " عن الوتر ففي الوقت يصلي الجميع " يعني أن من نام عن الوتر ثم استيقظ وقد اتسع الوقت لسبع ركعات فأكثر قبل طلوع الشمس فإنه يصلي الجميع الشفع والوتر والفجر والصبح.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وفي ضيقه يقتصر على الوتر " يعني إذا ضاق الوقت عن النائم ولم يبق بين انتباهه وبين طلوع الشمس إلا مقدار ما يصلي ثلاث ركعات فإنه يصلي الوتر ثم الصبح.
قال رحمه الله تعالى: " ويصلي ركعتي الفجر بعد طلوع الشمس " يعني إذا ضاق الوقت ولم يتسع إلا لمقدار ما يصلي ركعة أو ركعتين فإنه يبادر إلى فرضه كما تقدم، ويترك الشفع والوتر لسقوطهما، ويصلي الصبح، ثم يقضي الفجر بعد
ارتفاع الشمس
الجزء: 1 - الصفحة: 305
قيد رمح إلى الزوال.
قال خليل: ولا يقضى غير فرض إلا هي فللزوال.
وحاصل ما في العزية: ومن نسي الوتر أو نام عنه ثم يستيقظ وقد بقي لطلوع الشمس مقدار ركعة أو ركعتين فإنه يترك الوتر ويصلي الصبح.
وإن اتسع لخمس ركعات صلى الشفع والوتر والصبح وترك الفجر.
وإن اتسع لسبع ركعات صلى الشفع والوتر والفجر والصبح اهـ.
ولما أنهى الكلام على النوافل وأوقاتها وما يتعلق بها من أنواعها وأوصافها ناسب أن يعقبها بذكر
سجود التلاوة
وبيان حكمه لما فيه من شروط الصلاة وبعض أركانها، وإن كان ليس في سجود التلاوة إحرام ولا ركوع ولا سلام.
فقال المصنف رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في سجود التلاوة
أي في بيان سجود التلاوة، وهو سنة على الراجح، وقيل مستحب.
وكذا اختلفوا في عدد مواضع السجود في القرآن.
والمشهور في المذهب أنها كما قال المصنف رحمه الله تعالى: " عزائم السجدات إحدى عشرة " يعني بالعزائم الأوامر، بمعنى المأمور بالسجود عند قراءتها، ويكره تركها إذا توافرت للقارئ شروطها، وهي أحد عشر موضعا في القرآن على المشهور.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " منها المص " أي سورة الأعراف عند قوله: ﴿وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُون﴾ [الأعراف: 206] وهو آخرها، أي آخر سورة الأعراف.
وثانيها: في سورة الرعد عند قوله تعالى: ﴿وَظِلالُهُم بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [الرعد: 15].
وثالثهما: في سورة النحل عند قوله
الجزء: 1 - الصفحة: 306
تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: 50] ورابعها: في سورة بني إسرائيل عند قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: 109] وخامسها: في سورة مريم عند قوله تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [مريم: 58].
وسادسها: في سورة الحج عند قوله تعالى: ﴿وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاء﴾ [الحج: 18].
قال المصنف رحمه الله تعالى: " لا آخرة الحج " يعني لا يسجد في آخرة الحج على المشهور، خلافا للشافعي القائل إن فيها سجدتين أولها وآخرها.
وقد قال ابن عباس والنخعي: " ليس في الحج إلا سجدة واحدة " رواه ابن القاسم في
المدونة.
وما في الموطأ من أن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله يسجد كل منهما سجدتين في سورة الحج ما أخذ به مالك.
وسابعها: في سورة الفرقان عند قوله تعالى: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ [الفرقان: 60].
وثامنها: في سورة الهدهد عند قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم﴾ [المؤمنون: 116]. وتاسعها: في سورة السجدة الم تنزيل عند قوله تعالى: ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15].
وعاشرها: في سورة ص عند قوله تعالى: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] هذا هو المشهور.
وقيل عند قوله: ﴿لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ [ص: 25] وحادي عشرها: في سورة فصلت عند قوله تعالى: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُون﴾ [فصلت: 37].
وهو كذلك على المشهور.
وقيل عند قوله: ﴿لَا يَسْأَمُونَ﴾ [فصلت: 38].
وفي المدونة.
قال سحنون: قال عبد الرحمن بن القاسم: قال مالك بن أنس: سجود القرآن إحدى عشرة سجدة ليس في المفصل منها شيء، المص، والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والحج أولها، والفرقان، والهدهد، والم تنزيل السجدة، وص، وحم تنزيل اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وليس في المفصل منها شيء " يعني ليس شيء
الجزء: 1 - الصفحة: 307
من العزائم في المفصل.
ولا يسجد القارئ إذا قرأ شيئا من المفصل.
قال النفراوي: والمراد بالمفصل ما كثر تفصيله بالبسملة لقصر سوره.
وأوله على الراجح من الحجرات إلى آخر القرآن، فلا يسجد لقراءة النجم، والانشقاق، والقلم، قال خليل: لا ثانية الحج والانشقاق والقلم اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " وأثبت ابن وهب الجميع " يعني أي جميع العزائم، وهي خمسة عشر موضعا على الخلاف في بعضها.
قال العلامة ابن جزي في القوانين الفقهية: فالعشرة بإجماع، أي اجتمع عليها الأئمة الأربعة، وأسقط الشافعي التي في ص وزاد هو وابن حنبل وابن وهب التي في آخر الحج، وفي النجم، وفي الانشقاق، وفي اقرأ، ومواضعها من الأيات معروفة، إلا أنه اختلف في التي هي في ص هل هي عند قوله وأناب، أو وحسن مآب.
واختلف في فصلت هل هي عند قوله تعبدون، أو وهم لا يسئمون.
وفي الانشقاق هل هي عند قوله لا يسجدون، أو هي في آخرها اهـ. وقال النفراوي في شرح الرسالة: وما روي من السجود لغير هذه الإحدى عشرة فهو محمول على النسخ عند مالك.
والذي استمر عليه عمل المصطفى عليه الصلاة والسلام الإحدى عشرة المذكورة، وإن صح أنه عليه
الصلاة والسلام سجد عند قوله تعالى في النجم فاسجدوا لله واعبدوا.
وأنها أول سجدة أعلن بها رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرم وسجد معه المؤمنون والمشركون من الإنس والجن سوى أبي لهب فإنه رفع حفنة من تراب إلى جبهته وقال: يكفي هذا فإنه نسخ، بدليل إجماع فقهاء المدينة وقرائها على ترك السجود فيها مع تكرار القراءة فيها ليلا ونهارا.
ولا يجمعون على ترك السنة مع أنهم أدرى بها وأحرص الناس باتباعها اهـ مع إيضاح.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " وشروطها كالصلاة " يعني يشترط في سجدة التلاوة شروط كالصلاة؛ كما قال خليل: سجد بشرط الصلاة إلخ.
وفي المواق قال ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 308
بشير: أجمعت الأمة على أن سجود التلاوة مشروع على الجملة، وهو جزء من الصلاة يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من طهارة الحدث والخبث وستر العورة واستقبال القبلة اهـ. قال في الرسالة: ولا يسجد السجدة في التلاوة إلا على وضوء.
وقال شارحها: أو بدله مع بقية شروط الصلاة، لأنها من جملة الصلاة والطهارة شرط في صحة مطلق الصلاة، وتبطل بدونها ولو مع العجز أو النسيان اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " يكبر لخفضها ورفعها بغير إحرام وسلام " يعني أن القارئ يكبر عند سجدة التلاوة، وعند رفعه منها، ولا يرفع يديه، ولا يحرم، وأما النية وتكبير الخفض فلا بد منهما، وكذلك لا يتشهد، ولا يسلم.
قال في الرسالة: ويكبر لها ولا يسلم منها.
وفي التكبير في الرفع منها سعة، وإن كبر فهو أحب إلينا اهـ. قال ابن جزي في القوانين: ويؤمر به القارئ والمستمع لا السامع، ويكبر له في الانحطاط والرفع، ويفتقر إلى شروط الصلاة، ولا إحرام ولا تسليم عند الأربعة اهـ. وقال ابن ناجي في شرح الرسالة:
لا خلاف في المذهب أنه يكبر خفضا ورفعا إذا كان في الصلاة، واختلف إن سجد في غير الصلاة.
فقيل يكبر خفضا ورفعا.
وقيل لا يكبر، والقولان لمالك، وخير ابن القاسم فيها، وكلها في المدونة اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويتجاوزها وقت الكراهة " يعني أن من قرأ السجدة وقت الكراهة فإنه يجاوزها، وذلك كبعد الإسفار والاصفرار.
وأما قبلهما فجائز أن يسجدها.
قال في الرسالة: ويسجدها من قرأها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفر الشمس قال خليل: وجاز جنازة وسجود تلاوة قبل إسفار واصفرار.
وفي المدونة: يسجدها بعد الصبح والعصر ما لم يحصل إسفار واصفرار لأنها سنة مؤكدة، ففارقت النوافل المحضة.
ومثلها
الجنازة.
انظر كلام الفاكهاني في النفراوي.
ثم قال المصنف عاطفا على وقت الكراهة: " والحدث ويتلو ما بعدها ولا يسجد " يعني أن
الجزء: 1 - الصفحة: 309
من قرأ السجدة وهو محدث فلا يسجد لها بل يتجاوزها.
قال النفراوي في الفواكه: فإن قرأ سورة السجدة في وقت نهي ـو على غير وضوء فهل يحذف - أي يجاوز - موضع السجود خاصة، كيشاء في الحج، وكالعظيم في النمل، أو يحذف الآية جملة؟ تأويلان.
أشار إليهما خليل بقوله: وإلا فهل يجاوز محلها أو الآية؟ تأويلان وفهم من عبارة الدردير في أقرب المسالك أنه رجح الثاني بقوله: وكره لمحصل الشرط وقت الجواز تركها وإلا ترك الآية التي فيها السجود برمتها على التحقيق، لا المحل فقط، أي فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ [السجدة: 15] يترك الآية برمتها لا خصوص ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة: 15] وفي المجموعة: وينبغي ملاحظة المتجاوز بقلبه لنظام التلاوة، بل لا بأس أن يأتي بالباقيات الصالحات كما في تحية المسجد.
وإنما أمر بمجاوزة الآية كلها لئلا يغير المعنى لو اقتصر على تجاوزه محل السجود.
والمراد أن الاقتصار على مجاوزته مظنة تغير المعنى، فلا ينافي أن مجاوزة محل السجود فقط في بعض المواضع لا يغير المعنى اهـ مع طرف من حاشية الصاوي عليه.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " والمستمع كالتالي لا السامع " يعني أن المستمع الذي جلس ليتعلم من القارئ فهو في توجيه الأمر إليه بالسجود فيسجد ولو ترك القارئ السجود إذا كان إنما جلس عنده ليتعلم منه الحروف أو الأحكام أو غير ذلك من أنواع التعليم، سواء كان المستمع ذكرا أو أنثى، فإنه إن سجد القارئ يسجد معه إن كان القارئ يصلح للإمامة بأن كان ذكرا محققا بالغا عاقلا متوضئا وإلا فلا يسجد المستمع، بل على القارئ الذي كملت لديه شروط الصلاة وحده كما تقدم.
وإذا كان إنما جلس السامع لمجرد ثواب فإن لم يسجد القارئ لم يسجد اتفاقا، وإن سجد فقيل يسجد معه وقيل لا يسجد، وكذا حكم السامع دون جلوس لاستماعه، فالأكثر على عدم السجود.
وإذا كان القارئ إماما وقرأها ولم يسجد، فإن المأموم يتركها، وإن سجدها المأموم دون إمامه، فإن كان عمدا
الجزء: 1 - الصفحة: 310
أو جهلا بطلت صلاته، وأما سهوا فلا تبطل، كما أنه لا تبطل صلاة المأموم بترك السجود خلف إمامه الساجد لها ولو عمدا في الإحدى عشرة المشهورة، ولكنه أساء بعدم تبعية الإمام.
قاله النفراوي اهـ.
ثم قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويكره تعمدها في الصلاة، فإن تلاها
سجد " يعني أنه يكره للقارئ 9 قراءة سجدة في الصلاة على المشهور في المذهب، فإن قرأها فليسجد سواء في الفرض أو النفل.
قال في الرسالة: ويسجدها من قرأها في الفريضة والنافلة اهـ. وفي المدونة عن مالك: لا أحب لإمام أن يقرأ في الفريضة بسورة فيها سجدة لأنه يخلط على الناس صلاتهم.
وقال أيضا: أكره للإمام أن يتعمد سورة فيها سجدة فيقرؤها لأنه يخلط على الناس صلاتهم، فإذا قرأ سورة فيها سجدة سجدها اهـ. قال خليل عاطفا في المكروهات: وتعمدها بفريضة أو خطبة لا نفل مطلقا.
وإن قرأها في فرض سجد لا خطبة.
قال الخرشي: يعني أنه يكره تعمد قراءة السجدة في الفريضة لإمام وفذ لأنه إن لم يسجد دخل في الوعيد، وإن سجد زاد في أعداد سجودها، وكذا يكره تعمدها في الخطبة لإخلالها بنظامها.
ولا يكره تعمدها في النفل فذا أو في جماعة؛ جهرا أو سرا، في حضر أو سفر، في ليل أو نهار، متأكدا أو غير متأكد، خشي على من خلفه التخليط أم لا اهـ.
قال المصنف رحمه الله تعالى: " ويجهر اإمام بها في السرية والله أعلم " يعني أنه إذا قرأ الإمام بأحد مواضع السجود المتقدمة، وهو في صلاة السرية كالظهر مثلا فإنه يجهر بمحل السجود ليعلم مأمومه بذلك.
قال خليل: وجهر إمام السرية وإلا اتبع.
اعلم أم جهر الإمام بها فعل مستحب، أما اتباع المأمومين فيها فواجب غير شرط، وترك
الجزء: 1 - الصفحة: 311
الواجب الذي ليس بشرط لا يقتضي البطلان، وفي الحطاب فإن لم يتبعوه صحت صلاتهم نقله ابن عرفة.
ومن مسائل ابن قداح: إذا صلى الإمام بسورة السجدة وسجد ولم يتبعه الجماعة فقد أساؤوا والصلاة صحيحة اهـ. وفي الحديث عن ابن عمر " كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ السورة التي فيها السجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد أحدنا مكانا لموضع جبهته " رواه البخاري ومسلم أبو داود.
وفي رواية " وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ علينا القرآن، فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا معه " رواه أبو داود والحاكم اهـ. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي، يقول يا ويله "، وفي رواية " يا ويلي أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار " رواه مسلم.
خاتمة
: نذكر فيها ما ورد فيما يقوله الساجد في سجود القرآن تتميما للفائدة.
قد روي عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في سجود القرآن بالليل في السجدة مرارا " " سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره بحوله وقوته " رواه أصحاب السنن اهـ، وقال ابن جزي في القوانين: ويسبح في السجدة أو يدعو.
ثم قال وورد في الحديث: " اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، وضع عني بها وزرا، واجعلها لي عندك ذخرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود " اهـ عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة وأتم التسليم.
والحمد لله رب العالمين.
ولما أنهى الكلام على سجدة التلاوة وما يتعلق بها انتقل يتكلم على صلاة السفر فقال رحمه الله تعالى وأدام نفعنا بعلومه في الدارين آمين:
الجزء: 1 - الصفحة: 312