أسهل المدارك «شرح إرشاد السالك في مذهب إمام الأئمة مالك»كتاب الزكاة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

أي هذا كتاب الزكاة التي هي أحد أركان الإسلام الخمسة.
" شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان " رواه الشيخان عن عبد الله بن عمر , وفرضت في السنة الثانية من الهجرة بعد زكاة الفطر.
دل على فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فآيات كثيرة منها قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: 43] وأما السنة فحديث الصحيحين المتقدم وغيره مما ورد في وجوب الزكاة، وأما الإجماع فقال القرافي: اتفقوا على وجوبها، فمن جحدها فهو كافر، إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام.
وأما من أقر بوجوبها وامتنع من أدائها فإنها تؤخذ منه كرها وإن بقتال وتجزئه.
ولوجوبها شروط خمسة: الملك التام، والنصاب، ومرور الحول في غير المعدن والحرث والركاز، ومجيء الساعي إن كان في الماشية، وعدم الدين في العين.
وأما الإسلام فشرط صحة فقط على المشهور، بناء على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، ولكن لا تصح إلا بالإسلام اهـ.

فَصْلٌ

في زكاة الذهب والفضة

قال رحمه الله تعالى: " نصاب الذهب عشرون مثقالا والورق مائتا درهم، فيجب ربع عشره والزائد بحسابه " قال في الرسالة: ولا زكاة من الذهب في أقل من عشرين دينارا، فإذا بلغت عشرين دينارا ففيها نصف دينار ربع العشر، فما زاد فبحساب ذلك وإن قل، ولا زكاة من الفضة في أقل من مائتي درهم.
وذلك خمس أواق والأوقية أربعون درهما من وزن سبعة، أعني أن السبعة دنانير وزنها عشرة دراهم، فإذا بلغت هذه الدراهم مائتي درهم ففيها ربع عشرها خمسة دراهم، فما زاد فبحساب ذلك اهـ. وقول المصنف عشرون مثقالا أي دينارا، وكل دينار وزنه اثنتان وسبعون حبة من الشعير المتوسط.

الجزء: 1 - الصفحة: 366

قال خليل: وفي مائتي درهم شرعي، أو عشرين دينارا فأكثر، أو مجمع منهما بالجزء ربع العشر.
قال الخرشي: أي والواجب ربع العشر في مائتي درهم شرعي.
وقد مر قدر الدرهم وهو المكي خمسون وخمسا حبة من مطلق الشعير، أو عشرون دينارا شرعيا وقدر الدينار اثنتان وسبعون حبة من مطلق الشعير، وما زاد على ذلك أخرج واجبه لأنه لا وقص في العين والحبوب اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويلفق منهما بالأجزاء لا بالقيمة ويخرج من كل بحسابه " قال في الرسالة: ويجمع الذهب والفضة في الزكاة، فمن كان له مائة درهم وعشرة فليخرج من كل مال ربع عشره.
قال خليل: أو مجمع منهما بالجزء ربع العشر.
وقال الخرشي: قوله أو مجمع إلخ كعشرة دنانير ومائة درهم، أو خمسة دنانير ومائة وخمسين درهما، أو خمسة عشر دينارا وخمسين درهما؛ لأن كل دينار يقابل عشرة دراهم، مرادهم بالأجزاء أي لا بالقيمة، فلا زكاة في مائة درهم وتسعة دنانير قيمتها مائة درهم.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وشروط وجوبها: الحول والنصاب في ملك كامل متحد " قد تقدم البيان في شروط وجوبها فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ويكمل النصاب بربحه لحوله " قال في الرسالة: وحول ربح المال حول أصله.
النفراوي: فإذا استلف قدرا ولو أقل من نصاب واشترى به ساعة ثم باعها بزيادة على ما تسلفه عشرين دينارا مثلا بعد حول من يوم السلف وجبت عليه الزكاة، وكذا لو اشترى سلعة بقدر في ذمته ثم باعها بعد حول بثمن زائد على ثمنها نصابا فإنه يجب عليه الزكاة اهـ قال خليل: وضم الربح لأصله، كغلة مكتر للتجارة، ولو ربح دين لا عوض له عنده اهـ قال الخرشي: ومعنى كلام المؤلف أن من عنده دون النصاب من العين فاخر فيه فصار نصابا قبل الحول ولو بيوم فإنه يزكي لتمام حول من يوم ملكه كالنتاج على المشهور، لا من

الجزء: 1 - الصفحة: 367

يوم الشراء، ولا من يوم حصول الربح، فلو ملك دينارا وأقام عنده أحد عشر شهرا ثم اشترى به سلعة باعها بعد شهرين فإنه يزكي الآن اهـ. ومن ذلك ما قاله ابن القاسم في المدونة لو اشترى إناء مصوغا فيه عشرة دنانير، وقيمته بصياغته عشرون دينارا ولا مال له غيره، فحال عليه الحول أنه لا زكاة عليه فيه إلا أن يبيعه بما تجب فيه الزكاة، فإنه باعه بما تجب فيه الزكاة فحال عليه الحول فربح فيه فباعة بما تجب فيه الزكاة فإنه يزكيه مكانه اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويجب في أوانيهما، وحلي التجارة، وآنية ما لا يجوز تحليته، والمتخذ ذخيرة " وفي نسخة في أوانيها بالإفراد، والأصح بالتثنية بعود الضمير إلى المذهب والورق كما في قوله ويلفق منهما، والأواني جمع إناء، يعني أن جميع ما لا يجوز اتخاذه قنية من أواني الذهب والفضة ففيه زكاة، وذلك مثل السرير والقمقم 1 والسرج، والإكاف، واللجام للفرس، والمبخرة، والقدر، والمدهن، والمكحلة، والمرود، والملعقة، والفنجان.
وآلة في اليد كالساعة، والمشط، والقفل، والكأس، وغيرها مما ورد المنع في اتخاذها؛ وكلها تجب فيها الزكاة سواء لرجل أو لامرأة، إلا ملبوسا للنساء فإنه جائز.
قال خليل: إلا محرما، أي الذي يحرم اقتناؤه كإناء نقد من قمقم ومبخرة، ومكحلة، ومرود ففيه الزكاة ولو لامرأة.
قاله الدردير.
وفي الدسوقي: كدواة وعدة فرس من لجام وسرج.
قال الباجي: وغيره وإن كان لرجل لكراء فإنه يزكيه.
وقال ابن رشد: أجمع أهل العلم على العين من الذهب والفضة في عينه الزكاة تبرا كان، أو مسكوكا، أو مصوغا صياغة لا يجوز اتخاذها اهـ المواق.
وقال الخرشي: يعني أن الحلي إذا كان محرم اللبس فإنه تجب زكاته بلا خلاف في ذلك؛ سواء كان لرجل كخاتم ذهب وسوار؛ أو لهما كمكحلة

الجزء: 1 - الصفحة: 368

أو مرود ذهب أو فضة أو لاقتناء كالأواني لهما اهـ وقال النفراوي: والمحرم على المرأة غير الملبوس كالمرود والمكحلة وآلة نحو الأكل.
وعلى الرجل خاتم الذهب، أو الخنجر أو الركاب ولو كان المحرم معدا للعاقبة ليجعل صداقا، أو منوبا به التجارة ففي جميع ذلك الزكاة.
وليس من الحلي ما تجعله المرأة على رأسها من القروش، أو الفضة العددية، أو الذهب المسكوك فإن عليها فيه الزكاة بخلاف ما صاغته لتلبسه لبنتها إذا كبرت أو وجدت فإنه لا زكاة فيه، بخلاف الرجل يشتري أو يصوغ حليا لما يحدثه الله له من الأولاد أو الإماء فعليه فيه الزكاة اهـ. وفي المواق: قال الكافي: لا يجوز اتخاذ الأواني من الذهب والفضة للرجال والنساء اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " لا لبس المباح " أي لا زكاة فيما أباح الشارع لبسه.
قال خليل: وجاز للمرأة الملبوس مطلقا ولو نعلا لا كسرير.
قال الخرشي: والمعنى أنه يجوز للمرأة اتخاذ ما هو ملبوس لها أو ما يجري مجراه كقفل الجيب، وزر الثوب، ولفائف الشعور من النقدين ومحلى بهما قل أو كثر، وهو مراده بالإطلاق، وإنما بالغ على جواز اتخاذ النعل للنساء، ومثله القبقاب من النقدين بقوله ولو نعلا لئلا يتوهم حرمة ذلك وأنه ليس من الملبوس.
وأما ما ليس من جنس الملبوس كسرير ومكاحل ومرايا فلا يجوز للنساء اتخاذه من النقدين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " جيد الجنس، ورديئه، وتبره، ومضروبه، وصحيحه، ومغشوشه، ومكسوره سواء " يعني يضم جنس الذهب جيده أي أحسنه، أدناه تبره ومضروبة وسبيكة صحيحة، ومكسوره، خالصه ومغشوشه، فإذا بلغ جميع ذلك نصابا زكاه إن حال عليه الحول، وكذلك الفضة تضم أجناسها كذلك أي كما تقدم، فمتى كمل نصابا زكيت إن حال عليها الحول وإلا فلا، والدليل في ذلك ما رواه أنس في الكتاب الذي كتبه له أبو بكر حين وجهه إلى البحرين في الصدقة التي فرضها رسول الله صلى الله

الجزء: 1 - الصفحة: 369

عليه وسلم على المسلمين: " وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس شيء إلا أن يشاء ربها ". وفي رواية " ليس فيهما دون خمس أواق من الورق صدقة ". وفي أخرى عن علي وساق حديثا إلى أن قال: " كانت لك مائتا درهم وحال عليهما الحول ففيها خمسة دراهم وليس عليك شيء حتى تكون لك عشرون دينارا، فإذا كانت لك عشرون دينارا وحال عليهما الحول ففيها نصف دينار فما زاد فبحساب ذلك " اهـ رواه أبو داود وصححه البخاري.

تنبيهان

: الأول: سكت المصنف عن النحاس اقتصارا على النقدين لما في النصوص أنه لا تجب الزكاة إلا في الذهب والفضة.
قال في المدونة: أرأريت لو كانت عند رجل فلوس في قيمتها مائتا درهم، فحال عليها الحول ما قول مالك في ذلك؛ قال: لا زكاة عليها فيها.
وهذا مما لا اختلاف فيه، إلا أن يكون ممن يدير فتحل محل العروض اهـ. وقال العلامة الدردير: فلا زكاة في النحاس والرصاص وغيرهما من المعادن.
ولو سكت كالفلوس الجدد، الوجوب في الدنانير والدراهم.
قال الصاوي في حاشيته عليه: قوله: فلا زكاة في النحاس إلخ أي ما لم تكن معدة للتجارة وإلا فتزكى زكاة العروض، أي فتقوم كالعروض كما يأتي اهـ. الثاني: وسكت أيضا عن الكلام عن هذه الأوراق الحادثة التي يتعامل بها الناس معاملة النقود، فقد اختلف فيها العلماء اختلافا كثيرا، منهم من أفتى بعدم وجوب الزكاة فيها لاقتصار النصوص على الذهب والفضة لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ [التوبة: 34].
والحديث المتقدم " ليس فيما دون خمس أواق من الورقة صدقة " إلخ.
ومنهم أي من العلماء من أفتى بوجوب الزكاة فيها أي في الأوراق الحادثة لتعامل الناس بها معاملة النقدين بدون توقف، لأن من ملكها يعد مالكا للنقود عرفا، ولذا ألحقوها بالنقود، والنفس تميل إلى هذا القول، بل الحق الذي نعتقده وندين الله به أن فيها زكاة ما دام الناس يتعاملون بها معاملة النقود إذا بلغ صرفها نصابا،

الجزء: 1 - الصفحة: 370

سواء صرفت أم لا كما قرروه في كتبهم.
وفي " الحبل المتين شرح مرشد المعين " في مائتي درهم شرعية، أو عشرين دينارا شرعية فأكثر، أو ما يتنزل منزلتها من هذه الأوراق الحادثة، ربع العشر فيهما، وما زاد على ذلك وإن قل فبحسابه اهـ وقال العلامة الشيخ منصور على ناصف في غاية المأمول بعد الكلام عن زكاة الذهب والفضة.
بقي الكلام على الأوراق البنكنوت فعليها الزكاة لأنها يتعامل بها كالنقدين، وتقوم مقامهما، وتصرف بهما، ولأنها سندات دين فتجب فيها الزكاة إذا بلغت النصاب وحال عليها الحول.
وعليه المالكية والحنفية.
وقال الشافعية لا تجب فيها لأنها حوالة على البنك غير صحيحة لعدم الإيجاب والقبول لفظا بين الطرفين، إلا إذا صرفت نقدا ومضى عليه الحول.
وقال الحنابلة: لا تجب زكاتها إلا إذا صرفت بنقد.
والله أعلم اهـ بحروفه.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتلفه قبل تمكنه من الأداء يسقطها، وبعده يوجب ضمانها " يعني إذا تلف النصاب كله أو بعضه بعد الحول وقبل تمكنه من دفعها لأربابها، لأنه يعد مفرطا، بل ولو لم يفرط.
قال الدردير في أقرب المسالك: وإن تلف جزء نصاب ولم يمكن الأداء سقطت، كعزلها بعد الوجوب فضاعت بلا تفريط، لا إن ضاع أصلها.
أي بعد الوجوب وبقيت هي فلا تسقط ووجب عليه إخراجها فرط أم لا، ولا إن عزلها قبل الوجوب فضاعت أو تلفت فيضمن أو يعتبر الباقي، ولا إن عزلها بعده وفرط بأن أمكن الأداء فلم يؤد، أو وضعها في غير حرزها فيضمن.
قال الصاوي: قوله: أو وضعها في غير حرزها أي إذا لم يجد فقراء يأخذونها فوضعها في غير حرزها فيضمن إن ضاعت، وأما لو وجد مستحقيها وأخرها عنهم فإنه يضمن إن ضاعت ولو في حرزها.
ومن ذلك الذين يكنزون الأموال السنين العديدة ثم تأتيها جائحة فإن زكاة السنين الماضية متعلقة بذممهم لا يخلصون منها إلا بأدائها اهـ. وفي العزية: إذا عزل الزكاة عند الحول فضاعت لم يضمن،

الجزء: 1 - الصفحة: 371

وإن عزلها بعد الحول ضمن، وإن عزلها ثم ضاع أصلها قبل إخراجها فإنه يدفعها لأربابها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن تلف البعض لزمه عن الباقي " تقدم بيانه عند قول الدردير: أو يعتبر الباقي، ولا حاجة لإعادته.
قال رحمه الله تعالى: " وبعد إفرادها يلزمه دفعها، فإن أتلفها ضمن لا إن تلفت " يعني إذا أخرج الزكاة أي عزلها وأفردها عن المال عند الحول وجب عليه دفعها لأربابها كما تقدم، وإن أتلفها أو تسبب في إتلافها ضمنها، وإن تلفت بلا تسببه فلا ضمان عليه.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والصحيح " أي من أقوال أئمة المذهب " أنه لا يخرجها قبل وجوبها وينويها زكاة " والمفهوم - والله أعلم - أنه إن أخرج الزكاة بنيتها قبل وجوبها لم تجزه كما في سماع أشهب، وهو مقابل المشهور.
قال خليل عاطفا على الجائزات: أو قدمت بكشهر في عين وماشية، أي فتجزئ مع الكراهة.
وقال الخرشي: يعني أن زكاة العين والماشية إذا لم يكن هناك سعادة إذا قدمت قبل الحول لأربابها أو وكيل فإنها تجزئ، بخلاف الحرث.
قال الحطاب: وهذا هو المشهور إذا قدمت قبل الحول بيسير، وكذا عند ابن هارون.
وقال ابن رشد: الأظهر تجزيه إذا أخرجها قبل الحول بيسير لأن الحول توسعة فليس كالصلاة اهـ. انظر المواق.
وقال ابن رشد في المقدمات: اختلف فيمن أخرج زكاة ماله قبل حلول الحول على: قولين أحدهما: أن ذلك لا تجزئه وهو رواية أشهب عن مالك، والثاني: أنها تجزئه إذا كان بقرب ذلك.
انظر اختلافهم في حد القرب في الكتاب المذكور اهـ. قال رحمه الله تعالى: " أوخذ الإمام العادل ينوب عنه، وغيره إن صرفها في وجوهها، أجزأته، وإلا لزمته الإعادة " يعني إذا أخذ الإمام العادل المحقق العدالة الزكاة أنه ينوب عن صاحب المال لأن الإمام العادل يدفعها لمستحقيها.
قال مالك في المدونة:

الجزء: 1 - الصفحة: 372

إذا كان الإمام يعدل لم يسع الرجل أن يفرق زكاة ماله الناض ولا غير ذلك، ولكن يدفع زكاة الناض إلى الإمام ويدفعها الإمام.
وأما ما كان من الماشية وما أنبتت الأرض فإن الإمام يبعث في ذلك اهـ. وقال خليل: ودفعت للإمام العدل وإن عينا.
قال الخرشي: يعني أن صاحب الزكاة يلزمه إذا كان الإمام عدلا في أخذها وصرفها أن يدفعها له سواء كانت عينا أو ماشية أو حرثا طلبها أو لا اهـ. وأما غيره أي غير العدل فإن صرفها في وجوهها أجزأت وإلا فلا تجزئ، ويلزمه الإعادة كما نص عليه المصنف.
وإليه أشار عاطفا على عدم الإجزاء بقوله: أو طاع بدفعها لجائر في صرفها.
قال ابن الحاجب: وإذا كان الإمام جائزا فيها لم يجزه دفعها إليه.
قال في التوضيح: أي جائزا في تفريقها وصرفها في غير مصارفها لم يجزه دفعها إليه لأنه من باب التعاون على الإثم، والواجب حينئذ جحدها والهروب بها ما أمكن.
وأما إذا كان جوره في أخذها لا في تفرقتها، بمعنى أنه يأخذ أكثر من الواجب فينبغي أن يجزيه ذلك على كراهة دفعها إليه اهـ نقله الحطاب.
ثم قال رحمه الله تعالى: ويخرج الولي عن الصبي والمجنون " يعني أن الولي مخاطب بإخراج الزكاة من مال الصبي والمجنون.
وفي المدونة: قال ابن القاسم: سألت مالكا عن أموال الصبيان والمجانين هل فيها زكاة؛ فقال في أموالهم الصدقة، وفي حروثهم، وفي ناضهم، وفي ماشيتهم، وفيما يديرون للتجارة اهـ. وفي الرسالة: وعلى الأصاغر الزكاة في أموالهم في العين والحرث والماشية وزكاة الفطر اهـ. قال زروق: يعني أن الزكاة حق تعلق بعين المال فلا يشترط في وجوبها بلوغ ولا عقل لثبوت الملك لها، ويخرجها الولي عن الصبي والمجنون وغيرهما

] 276] ممن تحت ولايته، وإذا أخرجها أشهد عليها فإن لم يشهد فقال ابن حبيب يصدق الولي إن كان مأموما.
قال الشيخ - يعني عبد الله بن أبي زيد - إنما يزكي الولي عن يتيمه إن أمن التعقب وجعل له ذلك وإلا فلا، كقولهم في التركة يجد فيها خمرا

الجزء: 1 - الصفحة: 373

فانظره اهـ. وقد أطال الحطاب في هذه المسألة عند قول خليل: وإن لطفل أو مجنون، فانظره إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " ويجزئ أحد النقدين عن الآخر بقيمته ما لم تنقص عن قدر الواجب " قال مالك في المدونة: وله أن يخرج في زكاة الدنانير دراهم بقيمتها، ويخرج عن الورق ذهبا بقيمتها اهـ. وقال خليل: وجاز إخراج ذهب عن ورق وعكسه بصرف وقته مطلقا السكة إلخ.
قال الخرشي: يعني أنه يجوز إخراج الذهب زكاة عن الورق، وكذلك عكسه، أي إخراج الورق زكاة عن الذهب إلى أن قال: وأما إخراج الفلوس عن أحد النقدين فالمشهور الإجزاء كما يأتي عن قريب.
وقال النفراوي في الفواكه: وأما إخراج الفلوس الجدد عن الذهب أو الفضة فلا يجوز ابتاء، ويجزئ بعد الوقوع كما قاله المصنف في نوادره اهـ. وفي الحطاب: قال ابن عرفة: ولا يخرج غيرهما عن أحدهما، فإن وقع فالمشهور لا يجزئ.
وقال أشهب: إن أعطى عرضا أجزأه اهـ. فالحاصل أن إخراج غير أحد النقدين عن زكاتهما ممنوع ابتداء، ويجزئ بعد الوقوع وإن كان مكروها، ويعتبر في ذلك بصرف الوقت وبما يفي الواجب.
قال الحطاب: يعني إذا أخرج ذهبا عن ورق مسكوك، أو ورقا عن ذهب مسكوك فإن قيمة السكة معتبرة اتفاقا.
قلت: هذا هو المراد بقول المصنف ما لم تنقص عن قدر الواجب.
والمقصود أن يكون الواجب وافيا.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن ابتاع بنصاب بعد حوله وقبل تزكيته فربح زكاة للأول وزكاهما للحول الثاني " يعني أن من فرط ولم يخرج الزكاة بعد تمام حول المال، ثم اشترى بها السلعة فعليه إذا باع السلعة زكاة حول الأول ثم يزكي جميع المال مع الربح في هذا الحول الذي هو الثاني.
قال مالك في المدونة: ولو أن رجلا كانت عنده

الجزء: 1 - الصفحة: 374

عشرون دينارا فحال عليها الحول، فابتاع بها سلعة ولم يكن أخرج زكاتها، فأقامت السلعة بعد الحول عنده حتى حال عليها حول آخر، ثم باعها بأربعين دينارا بعد الحول، فإنه يزكي عشرين دينارا للسنة الأولى نصف دينار، ثم يزكي للسنة الثانية تسعة وثلاثين دينارا ونصف دينار اهـ. قال رحمه الله تعالى: " إلا جزء زكاة النصاب " يعني كما في المدونة وإن اشترى سلعة بالعشرين دينارا بعد الحول ولم يكن زكى العشرين حتى مضى الحول ثم باع السلعة بعد ذلك بستة أشهر بثلاثين دينارا فإنه لا زكاة عليه إلا في العشرين دينارا، ويستقبل بالتسعة والعشرين دينارا والنصف حولا من يوم حال الحول على العشرين اهـ. قال رحمه الله تعالى: " إلا أن يكون له عرض يساوسه " وفيها قال أشهب: وإن كان عنده عرض يكون قيمته نصف دينار أو أكثر زكى الأربعين للسنة الثانية دينارا، وزكى الحول الأول نصف دينار لأن التفريط يحسب عليه شبه الدين وله عرض يحتمل دينه اهـ. الضمير في قوله يساويه عائد إلى النصف دينار الذي دفعه المزكي من الحول الأول، فإذا كان عنده عرض قيمته تنوب مناب نصف الدينار فيكون به تمام أربعين دينارا فيزكي الأربعين للسنة الثانية كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " وتضم أولى الفائدتين إلى الثانية كانت نصابا أو أكملته فإن كانت الأولى أو كل نصابا استقلت بحولها " يعني كما في الدردير على أقرب المسالك وتضم ناقصة لما بعدها إلخ، أي ولو تعددت الفائدة حتى يتم النصاب فيتقرر الحول، فمن استفاد عشرة من المحرم ومثلها في رجب فمبدأ الحول رجب فيزكي العشرين في رجب المستقبل ولو استفاد خمسة في المحرم، ومثلها في ربيع، ومثلها في رمضان، فمبدأ الحول رمضان فيستقبل بها حولا منه إلا أن تنقص الأولى أي من الفائدتين عن النصاب

الجزء: 1 - الصفحة: 375

بعد مرور الحول عليها وهي كاملة فحينئذ لا تضم لما بعدها لوجوب الزكاة عليها، كما لا تضم ما بعدها لها بل يزكي كلا في حولها ما دام في المجموع نصاب: مثاله استفاد عشرين في المحرم وحال حولها ووجب زكاتها، ثم نقصت واستفاد في رجب ما يكمل النصاب فأكثر فكل منهما على حولها، فإذا جاء المحرم زكى المحرمية، فإذا جاء رجب زكى الرجبية.
وقال الصاوي عليه: قوله: وتضم فائدة ناقصة؛ اعلم أن أقسام الفوائد أربعة: إما كاملتان، وإما ناقصتان، أو الأولى كاملة والثانية ناقصة، أو عكسه، فالكامل لا يضم، والناقص الذي بعده كامل يضم إليه، والناقص بعد الكامل لا يضم لسبقه بالكامل، والناقص يضم للناقص بعده كما يضم للكامل بعده.
وهذا التفصيل مخصوص بفائدة مخصوص بفائدة العين كما هو معلوم.
وأما الماشية فإن ما حصل من فائدتها بعد نصاب الأول يضم له اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ومن مكث دينه أحوالا فلا زكاة عليه حتى يقبضه، أو نصابا منه فيزكيه لعام واحد " يعني أن من كان له دين على أحد فلا زكاة عليه فيه حتى يقبضه ولو مكث أعواما، أو يقبض منه ما يتم به نصابا فيزكيه لعام واحد بعد قبضه.
قال في الرسالة: ولا زكاة عليه في دين يقبضه وإن قام أعواما فإنما يزكيه لعام واحد بعد قبضه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن قبض دونه لم يزك حتى يقبض تمامه، أبقى الأولى أو أتلفها كثمن عروض التجارة " والمعنى أنه إن قبض من الدين أقل من النصاب فلا يزكيه حتى يقبض ما يتم به النصاب سواء طال بين الأول والثاني أم لا، أتلفه أم لا، المعتبر حصول تمام النصاب ولو بتكرر المقبوض، وكذلك عروض التجارة حتى يبيعه ويقبض ثمنه عينا فيزكيه لعام واحد إن كان نصابا فأكثر.
قال خليل: وإنما يزكى دين إن كان أصله عينا بيده أو عرض تجارة وقبض عينا ولو بهية أو إحالة كمل بنفسه ولو تلف

الجزء: 1 - الصفحة: 376

المتم إلخ.
وعبارة الدردير في أقرب المسالك: ويزكي الدين لسنة من يوم ملك أصله، أو زكاة إن كان عينا من قرض أو عروض تجارة وقبض عينا ولو موهوبا له.
أو أحال، وكمل نصابا وإن بفائدة تم حولها، أو كمل بمعدن وحول المتم من التمام ثم زكى المقبوض ولو قل اهـ. وحاصل ما ذكروه أن لزكاة الدين شروطا أربعة: الأول: أن يكون الدين أصله عينا بيده أو بيد وكيله فيسلفه، أو عروض تجارة يبيعها بثمن معلوم لأجل.
الشرط الثاني: إن يقبض الدين حقيقة أو حكما، كإحالته لما عليه بعد حلول الأجل، أو هبته لغير المدين.
الشرط الثالث: أن يقبض عرضا لا إن قبض عرضا فلا زكاة عليه إلا بعد بيعها فيزكيه لسنة من يوم قبضه.
الشرط الرابع: أن يقبض نصابا، أي أن يكون المقبوض من الدين نصابا كاملا ولو في مرات كأن يقبض منه عشرة فيزكيه عند قبض ما به التمام، أو يقبض بعض نصاب وعنده ما يكمل النصاب وإن بفائدة تم حولها، كما لو قبض عشرة وعنده عشرة حال عليها الحول فيوكي العشرين.
هذا حكم المحتكر في دين له أو عروض تجاريه.
وأما الدين الذي استفاده كالهبة فإنه يستقبل به حولا من يوم قبضه.
وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " وإن استفاده فلا زكاة حتى يحول بعد قبضه ويعتبر في القبض ما تقدم " يعني بما تقدم، أي من الشروط المذكورة المتقدمة في زكاة الدين من تمام النصاب وحلول الحول وغير ذلك مما تقدم.
ثم ذكر أحكام المدير أي في التجارة، وهو الذي لا يستقر بيده عين ولا عرض، فقال رحمه الله تعالى: " ويعين المدير شهرا يقوم فيه عروضه، ويضم دينه وناضه ولو درهما، فإن كان لا ينض له شيء فلا زكاة " يعني أن المدير يجب عليه أن يعين شهرا معلوما في السنة ليزكية ماله بشرط وجود الشيء من النقود في يده وإن لم يكن شيء من ذاك فلا يجب عليه زكاة حتى يبيع بالنقود.
قال مالك في المدونة في رجل يدير ماله في التجارة فكلما باع اشترى، مثل الحناطين والبرازين والزياتين، ومثل التجار

الجزء: 1 - الصفحة: 377

الذين يجهزون الأمتعة وغيرها إلى البلدان قال: فليجعلوا لزكاتهم من السنة شهرا، فإذا جاء ذلك الشهر قوموا ما عندهم مما هو للتجارة، وما في أيديهم من الناض فزكوا ذلك كله.
قال: وإن كان له دين على الناس فليزكه مع ما يزكي من تجارته يوم يزكي تجارته إن كان دينا يرجى اقتضاؤه وإن كان لا يرجوه لم يقومه وإنما يقوم ما يرتجيه من ذلك.
ويقوم الحائط إذا اشتراه للتجارة، هذا إذا كان ممن يدير ماله.
وقال ابن القاسم لا يقوم الثمر لأن الثمر فيه زكاة، وكذلك لا يقوم الأواني والآلات وبهيمة العمل.
وقال مالك: إذا كان الرجل يدير ماله في التجارة ولا ينض له شيء إنما يبيع العرض بالعرض فهذا لا يقوم ولا شيء عليه، ولا زكاة، ولا تقويم حتى ينض له بعض ماله.
وقال: من باع بالعرض والعين فذلك الذي يقوم اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " والمرصع إن علم وزن نقده زكاه، وانتظر بجواهره البيع، وإن جهله ولم يمكن نزعه فالأظهر التحري، وقيل المقصود منهما متبوع " قال العدوي في حاشيته على الخرشي: قوله وإن رصع أي ألزق ورصع يصح قراءته بالتشديد والتخفيف، فقد قال الجوهري: الترصيع: التركيب.
وقد يقال رصع بالكسر والترصيع مصدر رصع بالتشديد اهـ. والمعنى إذا رصع أحد النقدين على الحلي أو غيره فالعبرة في الزكاة زنته.
قال خليل: وإن رصع بجوهر، وزكى الزنة إن نزع بلا ضرر، وإلا تحرى 2. وقال الدردير في الحلي المحرم: يجب فيه الزكاة وإن رصع بالجواهر، أو طرز بسلوك الذهب أو الفضة ثياب أو عمائم فإنها تزكى زنتها إن علمت وأمكن نزعها بلا فساد وإلا تحرى ما فيه من العين وزكى اهـ. وقال مالك في المدونة فيمن اشترى حليا للتجارة وهو ممن لا يدير التجارة، أي اشترى حليا فيه الذهب والفضة والياقوت والزبرجد واللؤلؤ فحال عليه الحول وهو عنده فإنه ينظر إلى ما فيه من الورق والذهب فيزكيه،

الجزء: 1 - الصفحة: 378

ولا يزكي ما كان فيه من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت حتى يبيعه، فإذا باعه زكاه ساعة بيعه إن كان قد حال عليه الحول.
قال: وإن كان ممن يدير ماله في التجارات إذا باع اشترى قوم ذلك كله في شهره الذي يقوم فيه ما له فزكى لؤلؤه وزبرجده وياقوته، وجميع ما فيه إلا التبر الذهب والفضة فإنه يزكي وزنه ولا يقومه اهـ. ثم ذكر المعدن أي معدن النقدين فقال رحمه الله تعالى: " ويشترط في المعادن اتصال النيل وكمال النصاب، لا الحول، فإن أخرج دونه فلا زكاة حتى يخرج تمامه أو يكون عنده ما يكمله قد حال حوله، وتضم المعادن وإن تناءت محالها كالزرع وغيرها بشرط اتصال النيل وإلا استقل كل بحكمه " قال في الرسالة: وفيما يخرج من المعدن من ذهب أو فضة الزكاة إذا بلغ وزن عشرين دينارا أو خمس أواق فضة ففي ذلك ربع العشر يوم خروجه.
وكذلك فيما يخرج بعد ذلك متصلا به وإن قل، فإن انقطع نيله بيده وابتدأ غيره لم يخرج شيئا حتى يبلغ ما فيه الزكاة اهـ. وقال خليل: وإنما يزكي معدن عين وحكمه للإمام، ولو بأرض معين، إلا مملوكة لمصالح فله، وضم بقية عرقه وإن تراخى العمل، لا معادن ولا عرق آخر إلخ.
النفراوي: وإنما وجبت زكاة الخارج بعد تمام النصاب وإن قل لأنه كالدين يزكى المقبوض منه بعد النصاب وإن قل اهـ. قال مالك في الموطأ إنه لا يؤخذ من المعادن مما يخرج منها شيء حتى يبلغ ما يخرج منها قدر عشرين دينارا عينا أو مائتي درهم، فإذا بلغ ذلك ففيه الزكاة مكانه وما زاد على ذلك أخذ بحساب ذلك ما دام في المعدن نيل، فإذا انقطع عرقه ثم جاء بعد ذلك نيل فهو مثل الأول تبتدئ فيه الزكاة كما ابتدأت في الأول.
قال مالك: المعدن بمنزلة الزرع يؤخذ منه مثل ما يؤخذ من الزرع، يؤخذ منه إذا خرج من المعدن من يومه ذلك ولا ينتظر به الحول، كما يؤخذ من الزرع إذا حصد العشر ولا ينتظر أن يحول عليه الحول اهـ ثم ذلك الندرة بفتح النون وسكون الدال المهملة، وفي المصباح: الندرة بالفتح

الجزء: 1 - الصفحة: 379

والضم لغة.
ولا يكون ذلك إلا نادرا اهـ. وهي المال الذي.
. يوجد في الأرض.
وحكمها كالركاز من أن فيها الخمس على المشهور.
وهو قول ابن القاسم.
وقال ابن نافع فيها الزكاة.
وعلى القول الأول مشى الشيخ خليل حيث قال: وفي ندرته الخمس كالركاز.
ومشى المصنف على أن القول الثاني أظهر له.
ولذا قال رحمه الله تعالى: " والأظهر أن الندرة كغيرها.
وقيل بل تخمس " وأنه رحمه الله حكى القول المشهور بقيل التي تدل على الضعف.
قال الخرشي: والمعنى أن ندرة معدن العين تخمس على المشهور.
قال العدوي: ومقابله ما رواه ابن نافع عن مالك ليس فيها إلا الزكاة، وإنما الخمس في الركاز اهـ وفي الحطاب: قال في التوضيح: المعتبر في تمييز الندرة من غيرها هو التصفية للذهب والتخليص فهي القطعة المشبهة بالركاز وفيها الخمس، وأما إذا كانت ممازحة للتراب وتحتاج إلى تخليص فهي المعدن وتجب فيها الزكاة، حكاه الباجي عن الشيخ أبي الحسن اهـ. والحاصل أن في الندرة قولان أشهرهما التخميس كما تقدم.
والله أعلم.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والأصح تخميس قليل الركاز وكثيره وعروضه " يعني أن الركاز.
. يخمس قليله وكثيره لا فرق بين النقدين والعروض.
قال الخرشي: المشهور أن الركاز يخمس ولو كان دون النصاب، وسواء كان عرضا أو عينا كالجواهر والنحاس والرصاص والعمد والرخام والصخور ما لم تكن مبنية وإلا فحكمها حكم جدرها اهـ مع إيضاح.
وقال زروق في شرحه على الرسالة: والمشهور تخميس القليل والكثير منه كان عينا أو لؤلؤا أو نحاسا أو غيرها، وإليه رجع مالك عن تخصيصه بالعين، واختاره ابن القاسم وغيره.
وما كثر العمل والنفقة في تحصيله فليس فيه إلا الزكاة على الأصح اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ثم أربعة أخماسه إن كان بفيفاء في الجاهلية فلواجده "

الجزء: 1 - الصفحة: 380

وفي المواق قال مالك في المدونة: ما وجد في أرض العرب كأرض اليمن والحجاز وفيافي الأرض من ركاز ذهب أو فضة فهو لمن وجده، وعليه فيه الخمس كان قليلا أو كثيرا، وإن نقص عن مائتي درهم، أصابه غني أو فقير أو مدين، ولا يسع الفقير أن يذهب بجميعه لموضع فقره اهـ. قوله في الجاهلية، قال النفراوي: لأن الغالب في الموجود في الأرض كونه من دفن الجاهلية.
وقوله فلواجده، قال وأشعر كلام المصنف أنه ليس حكمه للإمام كالمعدن، بل الباقي بعد إخراج خمسه لواجده ولو عبدا أو كافرا، حيث وجده في أرض لا مالك لها، كموات أرض الإسلام، أو فيافي العرب التي لم تفتح عنوة ولا أسلم عليها أهلها.
وأما لو وجد في أرض مملوكة فيكون ما فيه لمالك الأرض ولو جيشا.
انظره في الفواكه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وأما في أرض الصلح فلأهلها، أرض العنوة لمفتتحها " قال مالك في المدونة: ما وجد من ركاز بأرض الصلح فهو للذين صالحوا على أرضهم، ولا يخمس ولا يؤخذ منهم شيء.
قال سحنون: ويكون لأهل تلك القرية دون الإقليم، إلا أن يجده رب الدار وهو من أهل الصلح فهو له، إلا أن يكون رب الدار ليس من أهل الصلح فيكون ذلك لأهل الصلح دونه اهـ. وعبارة النفراوي في الفواكه أنه قال يستثنى من الركاز الذي يخمس ما وجد مدفونا في أرض الصلح سواء كان من دفنهم أو من دفن غيرهم، فهذا لا يخمس على المشهور ولا يكون لو اجده وإنما هو لأهل الصلح جميعا إلا أن يجده رب دار منهم بها فإنه يختص به، فلو لم يكن منهم فهو لهم اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وما علم أنه لمسلم لقطة " يعني كما قال النفراوي: وأما ما وجد عليه علامة مسلم أو ذمي فهو لقطة سواء وجد مدفونا أو على ظهر الأرض يجب على واجده تعريفه سنة، ما لم يغلب على الظن انقراض مستحقة فيوضع في بيت المال بلا

الجزء: 1 - الصفحة: 381

تعريف اهـ. وقال خليل: ودفن مسلم أو ذمي لقطة.
قال الدردير: كالموجود من مالهما على ظهر الأرض يعرف سنة إذا لم يعلم ربه أو وارثه، فإن قامت القرائن على توالي الأعصار عليه بحيث يعلم أن ربه لا يمكن معرفته ولا معرفة وارثه في هذا الأوان فهل ينوي تملكه أو يكون محله بيت مال المسلمين لقولهم كل مال جهلت أربابه فمحله بيت المال، وهو الظاهر بل المتعين اهـ. وإنما كان مال الذمي كالمسلم لأنه محترم بحرمة الإسلام لدخوله تحت حكم المسلمين.
ثم قال رحمه الله تعالى: " والدين إن استغرق أو أبقى ما لا زكاة فيه أسقطها عن النقد الحولي " يعني إذا كان عليه دين أكثر مما بيده من النقود.
أو يبقى أقل من النصاب بعد وفاء الدين فلا زكاة عليه في نقده.
قال رحمه الله تعالى: " لا المعدني والماشية والمعشرات " يعني أن الدين لا يسقط زكاة المعدن والماشية.
خمس الركاز، فمن خرج من زرعه خمسة أوسق، أو وجد في ماشيته نصابا وعليه دين يزيد على قيمة ذلك فإنه يجب عليه إخراج الزكاة ويوفي دينه من الباقي: قال خليل: ولا تسقط زكاة حرث ولا ماشية ومعدن بدين، أو فقد، أو أسر.
وقال القرافي: كان النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعمر بن عبد العزيز يبعثون الخراص والسعادة ولا ينقصون شيئا لأجل الدين من ثمرة ولا من ماشية.
وكانوا يسألونهم عن الدين في العين.
قاله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " إلا أن يكون له عرض يساويه ويجعل بإزائه ما يباع عليه في فلسه كدينه وكتابته وخدمة مدبره ونحو ذلك " والمعنى أن من عليه دين وله أي بيده من الذهب أو الفضة فليحسب ما بيده من النقد على ما عليه من الدين، فإن بقي ما فيه الزكاة بعد الدين زكاه وإلا فلا، إلا إذا كان عنده شيء يجعل بإزاء دينه فعليه أن يزكي ما بيده من النقد.
قال في الرسالة: ومن له مال تجب فيه الزكاة وعليه دين مثله أو ينقص عن

الجزء: 1 - الصفحة: 382

مقدار مال الزكاة فلا زكاة عليه إلا أن يكون عنده مما لا يزكي من عروض مقتناة أو رقيق أو حيوان مقتناة أو عقار أو ربع ما فيه وفاء لدينه فليزك ما بيده من المال، فإن لم تف عروضه بدينه حسب بقية دينه فيما بيده، فإن بقي بعد ذلك ما فيه الزكاة زكاه اهـ. قال النفراوي مثال ذلك أن يكون عنده ثلاثون دينارا، وعليه عشرون دينارا، وعنده من العروض التي تباع في الدين وحال عليها الحول ما يوفي عشرة، تبقى عشرة من الدين بحسبها ويأخذها من الثلاثين التي عنده ويعطيها لصاحب الدين، يبقى بعد وفاء الدين عشرون فيزكيها.
وأما لو بقي أقل من النصاب بعد وفاء دينه فلا تجب عليه الزكاة.
مثال ذلك أن يكون عنده عشرون وعليه عشرون دينارا، وعنده من العروض ما يفي بعشرة، يبقى من الدين عشرة يعطيها من العشرين التي عنده يفضل له بعد وفاء الدين عشرة لا زكاة فيها اهـ. وما ذكره المصنف من قوله إلا أن يكون له عرض يساويه، الضمير في يساويه عائد إلى الدين، وليس العرض بمخصوم، بل جميع ما كان ملكا له ولو دينا له على غيره نحو الكتابة وخدمة المدبر له وكل ما يباع على المفلس يجب عليه أن يجعل ذلك مقابلة لما عليه كما ذكره المصنف اهـ.

ولما أنهى الكلام على زكاة النقدين والمعدن وغيرهما انتقل يتكلم على زكاة النعم وهي

الإبل

و

البقر

والغنم، قال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

في زكاة الماشية وهي الإبل والبقر والغنم

وتسمى زكاة الماشية كما في عبارة الأكثر من المؤلفين.
قال رحمه الله تعالى: " لا زكاة فيما دون خمس من الإبل وفيها شاة جذعة أو ثنية " يعني أن أول نصاب الإبل خمسة من الإبل، فإذا بلغت هذا العدد ففيها شاة جذعة أو ثنية وهما ما أوفى سنة ودخل في الثانية دخولا بينا، لا فرق في الإجراء بين الذكر

الجزء: 1 - الصفحة: 383

والأنثى، وإنما قدم زكاة الإبل اقتداء بما في الحديث، ولأنها أشرف النعم، ولذا سميت جمالا للتجمل بها قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: 6] ثم اعلم أنه لا فرق عندنا في الماشية بين أن تكون سائمة أو عاملة، أو معلوفة، والإبل زكاتها من غير نوعها إلى أن تبلغ خمسة وعشرين بعيرا كما في صحيح البخاري " فيما دون خمس وعشرين من الإبل الغنم في كل خمس ذود شاة " أي جذعة، وتعطى من جل غنم البلد، ولا عبرة بغنم المزكي، فإن تساوى الضأن والمعز قيل من الضأن.
وقيل يخير الساعي، وإن لم يكن من أهل الغنم فيعتبر جل غنم أقرب البلاد إليهم.
ويكفي عنها بعير ولو من سنة بشرط أن تكون قيمته تساوي قيمة الجذعة، ففي العشر جذعتان، وفي خمسة عشر ثلاث شياه.
قال رحمه الله تعالى: " وفي العشرين أربع " يعني إذا بلغت الإبل عشرين ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين، وإذا زادت على الأربع والعشرين زكيت من جنسها لأنه كلما زاد المال تنبغي الزيادة في القدر الواجب تعظيما لشكر المنعم.
ولذا قال رحمه الله تعالى: " وفي خمس وعشرين بنت مخاض، فإن عدمها فابن لبون " قال في الرسالة: ثم في خمس وعشرين بنت مخاض، وهي بنت سنتين، فإن لم تكن فيها فابن لبون ذكر، قال العلامة الصاوي في حاشيته على الدردير: وليس لنا في الإبل ما يؤخذ فيه الذكر عن الأنثى إلا ابن اللبون عن بنت المخاض، وحينئذ لا يجزئ ابن المخاض عن بنت المخاض، وابن اللبون عن بنت اللبون اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي ست وثلاثين بنت لبون " يعني إ ... ذا بلغت الإبل ستا وثلاثين إبلا ففيها بنت لبون أنثى، وهي ما أوفت سنتين ودخلت في الثالثة، وسميت بذلك لأن أمها ذات لبن، فلو لم توجد عنده، أو وجدت معيبة لم يؤخذ عنها حق، بخلاف ابن اللبون فتقدم أنه يؤخذ عن بنت المخاض كما ذكروه.
ثم قال رحمه الله تعالى:

الجزء: 1 - الصفحة: 384

" وفي ست وأربعين حقة " وهي التي أوفت ثلاث سنين ودخلت في الرابعة.
وفي الرسالة: وهي التي يصلح على ظهرها الحمل ويطرقها الفحل، وهي بنت أربع سنين، أي أتمت ثلاثا ودخلت في الرابعة، ويستمر يدفعها إلى تمام ستين.
قال رحمه الله تعالى: " وفي إحدى وستين جذعة " يعني ثم إذا زادت واحدة على الستين ففيها جذعة، وهي التي أوفت أربع سنين ودخلت في الخامسة، سميت جذعة لأنها تجذع أي تسقط سنها وينبت غيرها، وهي آخر الأسنان التي تؤخذ في الزكاة من الإبل.
وغاية أخذها ينتهي إلى تمام خمس وسبعين، لأن الوقص في هذه أربعة عشر كالتي قبلها.
قال رحمه الله تعالى: " وفي ست وسبعين بنتا لبون " تؤخذان، وسنهما كما تقدم، ويستمر أخذهما إلى تمام تسعين، لأن الوقص في هذه أربعة عشر أيضا ثم إن زادت ففيه ما أشار إليه رحمه الله بقوله: " وإحدى وتسعين حقتان " تؤخذان، وسهما كما تقدم، فالوقص أربعة عشر أيضا وغاية أخذهما يستمر إلى تمام عشرين ومائة، فإن زادت ولو واحدة فالخيار للساعي، وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " وفي مائة وإحدى وعشرين يخير الساعي بين حقتين أو ثلاث بنات لبون " يعني إذا تمت إحدى وعشرين ومائة الخيار للساعي في أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون.
قال رحمه الله تعالى: " فإن وجد إحدهما تعينت " أي التي وجدها عند رب المال من الحقتين أو ثلاث بنات اللبون تعين أخذها.
وما ذكرناه من أن الزيادة الواحدة على مائة وعشرين فالخيار للساعي هو قول ابن شهاب، وتبعه فيه ابن القاسم.
قال العلامة الصاوي في حاشيته على الدردير: اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن بين ما تقدم من التقادير، وبين أن في الإحدى والتسعين إلى مائة وعشرين حقتين قال: " ثم ما زاد ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل

الجزء: 1 - الصفحة: 385

خمسين حقة " ففهم مالك أن الزيادة زيادة عقد أي عشرة، وهو الراجح.
وفهم ابن القاسم مطلق زيادة ولو حصلت بواحدة، ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون باتفاق.
وأما في مائة وإحدى وعشرين إلى تسع الخلاف بينهما، فعند مالك يخير الساعي بين حقتين وثلاث بنات لبون، وهو ما مشى عليه الدردير، وعند ابن القاسم يتعين ثلاث بنات لبون اهـ. قال النفراوي في الفواكه: وما ذكره المصنف من أن الواجب يتغير بمطلق الزيادة على المائة والعشرين ولو واحدة هو قول ابن شهاب.
قال ابن القاسم: وبه أقول، فيجب عنده في المائة وإحدى وعشرين إلى تسع وعشرين ثلاث بنات لبون من غير تخيير للساعي.
والذي ارتضاه مالك وهو المشهور كما قاله في المقدمات أن الزيادة التي يتغير بها الواجب هي زيادة العشرات على المائة والعشرين.
وأما زيادة أقل من عشرة على المائة والعشرين فالساعي بالخيار بين أخذ حقتين أو ثلاث بنات لبون، وجرى عليه العلامة خليل حيث قال: وفي مائة وإحدى وعشرين إلى تسع حقتان أو ثلاث بنات لبون الخيار للساعي، إلى أن قال: ثم في كل عشر يتغير الواجب فيتغير في مائة وثلاثين في كل أربعين بنت لبون وفي كللا خمسين حقة، انظر حاصله في الفواكه اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وما زاد ففي كل أربعين لبون وفي كل خمسين حقة " يعني فما زاد على ما تقدم يؤخذ في كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة، ففي مائة وثلاثين حقة وبنتا لبون، وفي مائة وأربعين حقتان وبنت لبون.
وفي مائة وخمسين بنات لبون، وفي مائة وثمانين حقتان وبنتا لبون، وفي مائة وتسعين ثلاث حقاق وبنت لبون.
وفي مائتين أربع حقاق أو خمس بنات لبون، الخيار للساعي أو لرب المال إن لم يكن ساع، ولا كلام لرب المال مع وجود الساعي.
قال رحمه الله تعالى: " وما بين ذلك أوقاص " قال في الرسالة: ولا زكاة

الجزء: 1 - الصفحة: 386

في الأوقاص وهي بين الفريضتين من كل الأنعام.
وذلك كما بين بنت المخاض وبنت اللبون في الإبل، وكما بين التبيع والمسنة في

البقر

، وكذا ما بين جذعة من الشاة وشاتين في

الغنم

. وهكذا في جميع الأجناس الثلاثة إلى آخر الفروض فتأمل.
ولما أنهى الكلام على زكاة الإبل انتقل يتكلم على زكاة البقر فقال رحمه الله تعالى: " ونصاب البقر ثلاثون ففيها تبيع " وفي الحديث عن معاذ بن جبل، رضي الله تعالى عنه، قال: " بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن وأمرني أن آخذ من كل ثلاثين بقرة تبعيا أو تبعية، ومن كل أربعين مسنة ". وعنه رضي الله عنه: " أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا آخذ من البقر شيئا حتى تبلغ ثلاثين، فإذا بلغت ثلاثين ففيها عجل تابع جذع أو جذعة حتى تبلغ أربعين فإذا بلغت ففيها بقرة مسنة " اهـ رواه النسائي، وفي الرسالة ولا زكاة من البقر في أقل من ثلاثين، فإذا بلغتها ففيها تبيع جل جذع أوفى سنتين، ثم كذلك حتى تبلغ أربعين فيكون فيها مسنة، ولا تؤخذ إلا أنثى وهي أربع سنين، وهي ثنية فما زاد ففي كل أربعين مسنة وفي كل ثلاثين تبيع اهـ. هذا مقصود المصنف رحمه الله بقوله: " وفي أربعين مسنة " أي إلى تسع وخمسين، ثم في ستين تبيعان إلى تسع وستين، ثم في سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاثة أتبعة.
وفي مائة مسنة وتبيعان، وفي مائة وعشر مسنتان وتبيع ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي مائة وعشرين يخير الساعي بين ثلاث مسنات وأربعة أتبعة " وما ذكره من التخيير إن وجدا معا وأما إن وجدت منفردة تعينت كما تقدم ذلك.
قال العلامة خليل: ومائة وعشرون كمائتي الإبل، التشبيه في الخيار بين أخذ أربع حقاق أو خمس بنات لبون هذا في الإبل وإن لم يتقدم ذكر مائتين فإنه مفهوم من قوله ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
ثم ذكر ما يضم بعضه لبعض من نوع البقر وغيرها فقال رحمه الله تعالى: " والجواميس

الجزء: 1 - الصفحة: 387

نوعها " الضمير عائد إلى البقر المذكور في أول النصاب.
والجواميس جمع جاموس وهي بقر سود ضخام صغيرة الأعين طويلة الخراطيم، مرفوعة الرأس إلى قدام بطيئة الحركة وقوية جدا، لا تكاد تفارق الماء، بل ترقد فيه غالب أوقاتها، يقال إنها إذا فارقت الماء يوما فأكثر هزلت، رأيناها بمصر وأعمالها، قاله زروق في شرحه على الرسالة اهـ. والمعنى أن الجاموس من نوع البقر يضم بعضه لبعض في الزكاة، لأن اسم الجنس جمعهما في قوله عليه الصلاة والسلام: " في كل ثلاثين من البقر تبيع " ومثلها باقي الأجناس التي تجمع مع الأخرى، فمن ملك خمس عشرة بقرة ومثلها جاموسا وحال عليها الحول وجب عليه أن يزكيها.
قال ابن جزي في القوانين: تجب الزكاة في الأنعام سواء كانت سائمة أو معلوفة، إلى أن قال: ويضم المعز إلى الضأن، والجواميس إلى البقر، والبخت من الإبل إلى العراب.
وقال خليل وضم بخت لعراب، وجاموس لبقر، وضأن لمعز، وخير الساعي إن وجبت واحدة وتساويا، وإلا فمن الأكثر.
قال الشيخ زروق في شرح الرسالة: والبخت إبل ضخمة مائلة إلى القصر لها سنامان أحدهما خلف الآخر، تأتي من ناحية العراق، وقد رأيناها بمصر والحجاز مع الأورام في حجهم.
فسبحان الخلاق العظيم اهـ قلت: نعم ونحن أيضا رأيناها بمكة أيام الحج سنة 1344 هجرية كما وصفها الشيخ.
وأما اليوم فلا يأتون بها، بل لا يأتون بالعراب إلا نادرا، وغالب المراكب اليوم السيارات والطيارات كما هو مشاهد.
والعراب إبل معروفة، وكذا الضأن والمعز معروفان.
قال الخرشي: يعني إذا اجتمع صنفان من ضأن ومعز، أو من بخت وعراب، أو من جاموس وبقر وتساويا، كعشرين ضائنة ومثلها معزا، أو خمس عشرة بقرة ومثلها جاموسا، فإن الساعي يخير في أن يأخذ الواجب من أي الصنفين شاء مع مراعاة الأحظ.
هذا إذا تساويا وأما إن لم يكونا متساويين كعشرين عرابا أو جاموسا أو ثلاثين ضأنا وعشرة من الصنف الآخر فيأخذ بنت المخاض في الإبل، والتبيع في البقر، والشاة في الغنم، أي يأخذ كذلك من

الجزء: 1 - الصفحة: 388

الأكثر، وهو العشرون من أحد الصنفين الأولين، ويأخذ الشاة من الثلاثين، ولا يأخذ من العشرة شيئا لأن الحكم للغالب اهـ مع إيضاح.
وإذا زاد الواجب على ذلك عليك بالمطولات كشراح المختصر وغيره.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويكمل النصاب بالعجاجيل كالفصلان، ويؤخذ السن الواجب " قال في الرسالة: ولا تؤخذ في الصدقة السخلة، وتعد على رب الغنم، ولا يؤخذ العجاجيل في البقر ولا الفصلان في الإبل وتعد عليهم.
ولا يؤخذ تيس، ولا هرمة، ولا المخاض، ولا فحل الغنم، ولا شاة العلف، ولا التي تربي ولدها، ولا خيار أموال الناس.
ولا يؤخذ في ذلك عرض ولا ثمن، فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعالم وغيرها أجزأه إن شاء الله اهـ والحاصل أنه لا يجوز أخذ الشرار مراعاة لحق الفقراء ولا الجياد مراعاة لحق أرباب المواشي.
قال القرافي: فإن أعطى واحدة من الخيار طيبة بها نفسه جاز ذلك، وإن أعطى من الشرار فلا يجزئ، وإن كانت كلها خيارا أو شرارا لزم الوسط على المشهور.
فإن امتنع أجبر على ذلك.
قاله النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " فلو ماتت الأمهات وبقيت الأولاد نصابا زكيت " قال مالك في المدونة: إذا كانت عجاجيل كلها أو فصلانا كلها، أو سخالا كلها، وفي عدد كل صنف منها ما يجب فيه الصدقة فعلى صاحب الأربعين من السخال أن يأتي بجذعة أو ثنية من الغنم، وعلى صاحب الثلاثين من البقر إذا كانت عجولا أن يأتي بتبيع ذكر.
وإن كانت فصلانا كلها خمسة وعشرين فعليه أن يأتي بابنة مخاض، ولا يؤخذ من هذه الصغار شيء اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " وتزكي العوامل والهوامل " يعني بالعوامل جمع عاملة وهي التي تستعمل في الحرث والحمل أو السقي أو نحو ذلك.
والهوامل جمع هاملة أو مهملة وهي التي تسرح وتترك بغير راع، وتسمى سائمة أيضا، وفي العزية: فصل في زكاة النعم وهي

الجزء: 1 - الصفحة: 389

الإبل والبقر و

الغنم

، معلوفة أو سائمة، عاملة أو مهملة.
والمعلوفة هي التي يعلفها ربها من عنده، والسائمة هي التي تأكل من المرعى.
وتقدم آنفا معنى العاملة والمهملة، قال خليل: وإن معلوفة وعاملة ونتاجا.
قال السادة المالكية: والتقييد بالسائمة في حديث " في سائمة الغنم زكاة " لأنه الغالب على مواشي العرب، فهو خرج مخرج الغالب ولبيان الواقع ولذا قالوا لا مفهوم له.
انتهى.
ولما أنهى الكلام على زكاة البقر انتقل يتكلم على الغنم فقال رحمه الله تعالى: " ونصاب الغنم أربعون وفيها شاة كالتي في الإبل " والغنم اسم جنس يطلق على الضأن والمعز، ولذا تضم مع الأخرى.
ولا زكاة من الغنم في أقل من أربعين، فإذا بلغتها ففيها شاة جذعة، أو ثنية أوفت سنة ودخلت في الثانية.
وفي كتاب ابن حزم في صدقة الغنم: ليس في الغنم صدقة حتى تبلغ أربعين شاة، فإذا بلغت أربعين شاة ففيها شاة، إلى عشرين ومائة، فإذا كانت إحدى وعشرين ومائة ففيها شاتان، إلى مائتي شاة، فإذا كانت شاة ومائتي شاة ففيها ثلاث شياه، إلى ثلاثمائة شاة، فما زاد ففي كل مائة شاة، وإليه أشار رحمه الله تعالى: " وفي مائة وإحدى وعشرين شاتان " أي جذعتان، أو جذعان إلى مائتين.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وفي مائتين وشاة ثلاث " أي من الشياة إلى ثلاثمائة وتسع وتسعين، ثم في أربعمائة أربع من الشياه.
قال رحمه الله تعالى: " ثم في كل مائة شاة " أي بعد الأربعمائة فلا يتغير الواجب بعدها إلا بزيادة المائة.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا تؤخذ هرمة، ولا هزيلة، ولا معيبة، ولا فحل، ولا كريمة الضأن " قال في المدونة كما في كتاب ابن حزم: ولا تخرج في الصدقة هرمة، ولا ذات عوار، ولا تيس إلا أن يشاء المصدق.
وتقدم لنا في شرح قول المصنف ويؤخذ السن الواجب فراجعه إن شئت.
قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: وتعين أخذ

الجزء: 1 - الصفحة: 390

الوسط ولو انفرد الخيار أو الشرار، إلا أن يتطوع المزكي أو يرى الساعي أخذ المعيبة أحظ اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والمعز جنس " وتقدم أن الغنم اسم جنس يطلق على الضأن والمعز، كما يشملهما لفظ الشاة.
قال مالك في الموطأ في الرجل يكون له الضأن والمعز إنها تجمع عليه في الصدقة، فإن كان فيها ما تجب فيه الصدقة صدقت.
وقال إنما هي غنم كلها اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وحكم الأولاد ما تقدم " أي عند قوله فلو ماتت الأمهات وبقيت الأولاد نصابا زكيت، فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتزكى السائمة والمعلوفة " وتقدم الكلام أيضا في السائمة والمعلوفة عند قوله: وتزكى العوامل والهوامل، فراجعه إن شئت، قال رحمه الله تعالى: " ومبدل نصابا بجنسه يبني، وبخلافه المشهور الاستئناف إلا أن يفعله فرارا " والمعنى أن من أبدل ماله بجنسه أي بنوعه - وهو نصاب وقت الإبدال فإنه يبني على حول ماله قبل الإبدال.
وأما إن أبدله بغير جنسه فالمشهور أنه يستأنف حولا من يوم التبديل، إلا أن يفعله فرارا من الزكاة فتؤخذ منه.
قال العلامة الدردير في أقرب المسالك: ومن أبدل أو ذبح ماشية فرارا أخذت منه ولو قبل الحول إن قرب.
وبنى في راجعة بعيب أو فلس أو فساد لا إقالة: قال الصاوي في حاشيته عليه: حاصله أن من كان عنده نصاب من الماشية سواء كان للتجارة أو للقنية ثم أبدله بعد الحول أو قبله بقرب كشهر بماشية أخرى من نوعها أو من غير نوعها، كانت الأخرى نصابا أو أقل من نصاب، أو أبدلها بعرض أو نقد فرارا من الزكاة، ويعلم ذلك من إقراره أو من قرائن الأحوال، فإن ذلك الإبدال لا يسقط عنه زكاة المبدلة، بل يؤخذ بزكاتها معاملة له بنقيض قصده.
ولا يؤخذ بزكاة البدل وإن كانت زكاته أكثر لأن البدل لم تجب فيه زكاة لعدم مرور الحول عليه اهـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 391

قال رحمه الله تعالى: " ومستفيد نصاب أو دونه من جنس ماشيته يبينه على حولها " أي يبينه على حول ماشيتها بشرط أن يكون في ماشيته نصاب قبل الفائدة.
قال مالك في الموطأ: ولو كانت لرجل إبل أو بقر أوغنم تجب في كل صنف منها الصدقة، ثم أفاد إليها بعيرا أو بقرة أو شاة صدقها مع ماشيته حين يصدقها.
وهذا أحب ما سمعت إلي في ذلك، قال أيضا في المدونة: وإنما تضاف الغنم إلى الغنم، والبقر إلى البقر، والإبل إلى الإبل، إذا كان الأصل الذي كان عند ربها قبل أن يفيد هذه الفائدة نصاب ماشية فإنه يضيف ما أفاد من صنفها إليها إذا كان الأصل نصابا فيزكي جميعها، وإن لم يفد الفائدة قبل أن يحول إلا بيوم زكاه مع النصاب الذي كان له اهـ. قال رحمه الله تعالى: " والخلطاء كالمالك الواحد بشرط كمال النصاب في ملك كل، واجتماعهم على وصفين: كالراعي والفحل والدلو والمراح والمبيت وطلب المصلحة ولو آخر الحول " يعني أن الخلطاء كالملك الواحد في الزكاة، ولا تؤخذ ممن لم تبلغ حصته عدد الزكاة على المشهور، وسواء كان خليطا أو غيره.

قال الشيخ زروق في شرح الرسالة: والمذهب أن الخلطاء كالمالك الواحد بشروط ستة: اتحاد النوع، وقصد الرفق، وكون ذلك قبل الحول ما لم يقرب جدا، ونية

الخلطة

، خلافا لأشهب، وملك كل نصابا على المشهور، وحلول حول كل نصاب، واجتماعها في ملك أو منفعة، في الجل من ماء ومبيت، وراع بإذنهم، وفحل لمرفق، ومراح وهو موضع إقامتها.
وقيل موضع الرواح للمبيت، فهي ستة يجمع جلها الراعي، فلذا قيل يكفي وجوده.
وقيل يكفي اثنان منها اهـ. وقال ابن ناجي: وشروط الخلطة خمسة، الراعي، والفحل، والدلو، والمراح، والمبيت.
ولا خلاف أنه لا يشترط جميعها، واختلف في أقل المجزي منها، قيل ثلاثة، وقيل اثنان، وقيل يكفي الراعي، ورجح المصنف الاثنين بقوله: واجتماعهم على وصفين كما تقدم.
وقال مالك في الموطأ في الخليطين: إذا كان الراعي واحدا، والفحل

الجزء: 1 - الصفحة: 392

واحدا، والمراح واحدا والدلو واحدا، فالرجلان خليطان، وإن عرف كل واحد منهما ماله من مال صاحبه.
قال والذي لا يعرف ماله من مال صاحبه ليس بخليط، إنما هو شريك.
قال مالك: ولا تجب الصدقة على الخليطين حتى يكون لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة.
وتفسير ذلك أنه إذا كان لأحد الخليطين أربعون شاة فصاعدا وللآخر أقل من أربعين شاة كانت الصدقة على الذي له الأربعون شاة ولم تكن على الذي له أقل من ذلك صدقة، فإن كان لكل واحد منهما ما تجب فيه الصدقة جمعا في الصدقة ووجبت الصدقة عليهما جميعا.
فإن كان لأحدهما ألف شاة أو أقل من ذلك مما تجب فيه الصدقة، وللآخر أربعون شاة أو أكثر فهما خليطان يترادان الفضل بينهما بالسوية على قدر عدد أموالهما على الألف بحتها وعلى الأربعين بحتها اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة " وتفسير لا يجمع بين مفترق أن يكون النفر الثلاثة الذين يكون لكل واحد منهم أربعون شاة قد وجبت على كل واحد في غنمه الصدقة، فإذا أظلهم المصدق جمعوها لئلا يكون عليهم فيها إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك.
وتفسير قوله ولا يفرق بين مجتمع أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا أظلهما المصدق فرقا غنمهما فلم يكن على واحد منهما إلا شاة واحدة، فنهى عن ذلك.
قاله مالك في الموطأ، ومثله في المدونة اهـ ثم ذكر أن الافتراق والاجتماع لهما تأثير كما فسر الإمام معناه.
قال رحمه الله تعالى: " وتؤثر التخفيف كمالكي مائة وعشرين " يعني هذا مثال التخفيف.
قال الخرشي: كاثنين لواحد ثمانون من العز، وللآخر أربعون من الضأن فإن عليهما واحدة من المعز على صاحب الثمانين ثلثاها وعلى الآخر ثلث.
قال رحمه الله تعالى: " أو التثقيل كمالكي مائتين وشاة " يعني كما يؤثر التخفيف كذلك يؤثر التثقيل يرجع معناهما بالتقليل والتكثير في الأخذ.
قال المواق نقلا عن

الجزء: 1 - الصفحة: 393

التلقين: للخلطة في الماشية تأثير في الزكاة، وتأثيرها أن يكون للاثنين ثمانون شاة لكل واحد أربعون، فيأخذ منها الساعي شاتين إذا كانا مفترقتين فإن خلطا أخذ عن الثمانين شاة واحدة، فتأثيرها في هذا الموضع التخفيف.
وقد تؤثر التثقيل، وهو أن يكون للاثنين مائتان وشاة فيؤخذ منها ثلاث شياه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن ظهر قصد الفرار أخذوا بحال الانفراد، ويصدقون في قصد المصلحة، فإن اتهموا حلفوا " قوله فإن ظهر قصد الفرار إلخ ومفهومه لو تفرقوا أو اجتمعوا لعذر لا حرمة، ويصدقون في العذر من غير يمين إن كانوا مأمونين ظاهري الصلاح، وإلا فبيمين كما ذكر المصنف اهـ النفراوي ومثله في العدوي.
ثم قال رحمه الله: " والنصاب المؤلف إن أخذ منه متأولا ترادوا بحسب أملاكهم، كما لو زاد الفرض بخلط دونه، وإلا فهي من مالكها كالمأخوذة من دون النصاب " قال خليل كتأول الساعي الأخذ من نصاب لهما أو لأحدهما وزاد للخلطة لا غصبا أو لم يكمل لهما نصاب اهـ وفي حاشية العدوي على الدردير: تنبيه يتراجعان بالقيمة لو أخذ الساعي من نصاب لهما متأولا كلكل عشرون من الغنم لا يملك غيرها أو لأحدهما نصاب للخلطة، كما لو كان لواحد مائة وللثاني أحد وعشرون لا يملك غيرها، وأخذ الساعي شاتين.
وأما لو كان عند الشريكين أقل من نصاب وأخذ الساعي من أحدهما فمصيبة على صاحبها كالغصب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ولا خلطة في غير الماشية، ولا زكاة في حيوان غيرها " يعني لا خلطة معتبرة شرعا إلا في الماشية، كما لا تجب الزكاة على ذات غيرها من الحيوان.
واسم الماشية لا يطلق إلا على الإبل والبقر والغنم فقط.
قال النفراوي: وهي التي تجب فيها الزكاة، فلا تجب في خيل وبغل وحمير، وإنما وجبت فيها دون غيرها

الجزء: 1 - الصفحة: 394

لوجود كمال النماء فيها من لبن وصوف ونسل وغير ذلك من أنواع الانتفاع، بخلاف غيرها من بقية أنواع الحيوان اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا ضمان لتلفها قبل مجيء الساعي " الضمير في تلفها عائد إلى الماشية.
وقد تقدم قول المصنف في زكاة العين، وتلفها قبل تمكنه من الأداء يسقطها، وبعده يوجب ضمانها، فراجعه إن شئت.
وفي المدونة: ولو كانت لرجل ألف شاة فمضى لها خمس سنين لم يأته المصدق فيها، وهي ألف شاة على حالها، فلما كان قبل أن يأتيه المصدق بيوم هلكت فلم يبق منها إلا تسع وثلاثون شاة، قال مالك: ليس عليه فيها شيء اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن نقصها فرارا ضمن " هذا كقوله سابقا فإن ظهر قصد الفرار أخذوا بحال الانفراد.
والمعنى أن من نقص نصابا بذبح أو بيع أو غيرهما بقصد الفرار من الزكاة ضمنها، لأي يعامل بنقيض قصده، كالهارب بمأشيته سنين فإنه ضامن ولو ماتت ماشيته، ولم يضع عنه موتها عما وجب عليه من الزكاة شيئا، بخلاف الذي لم يهرب لو هلكت ماشيته وجاءه المصدق بعد هلاكها لم يكن عليه شيء.
وسئل ابن القاسم فيمن هرب بماشيته من المصدق وقد حال عليها الحول وقد تموتت كلها أيكون زكاتها لأنه هرب من المصدق؟ فقال نعم.
وهو قول مالك.
قاله في المدونة اهـ. ولما فرغ من الكلام على زكاة الماشية انتقل يتكلم على زكاة الحبوب، وتسمى زكاة الحرث والثمار، فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 1 - الصفحة: 395

فَصْلٌ

في زكاة الحرث والثمار وما يتعلق بها من الأحكام

أي في بيان زكاة الحرث والثمار، وبيان النصاب والأنواع التي تجب فيها الزكاة وما لا تجب وغير ذلك مما يتعلق بأحكام الزكاة.
قال رحمه الله تعالى: " نصاب الحبوب والثمار خمسة أوسق " ابتدأ بما في صحيح مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم: " ليس في حب ولا تمر صدقة حتى تبلغ خمسة أوسق " وفي رواية للبخاري كما في الموطأ " ليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة " وفي الرسالة: ولا زكاة من الحب والتمر في أقل من خمسة أوسق.
وذلك ستة أقفزه وربع قفيز.
والوسق ستون صاعا بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أربعة أمداد بمده عليه الصلاة والسلام.
وقال النفراوي: والمد حفنة وهي ملء اليدين المتوسطتين لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، ووزنه رطل وثلث بالبغدادي، فيكون الصاع خمسة أرطال وثلثا بالبغدادي، وحينئذ فالخمسة أوسق بالأرطال الشرعية ألف وستمائة رطل، كل رطل مائة وثمانية وعشرون درهما بالوزن المكي والرطل اثنتا عشرة أوقية، والأوقية أحد عشر درهما، ووزن الدرهم خمسون حبة وخمسا حبة وخمسآ حبة من متوسط الشعير , وأما بالأرطال المصرية فالخمسة أوسق - كما قال الأجهورى - ألف رطل وأربعمائة رطل وخمسة وثمانون رطلا.
فعلم أن الخمسة أوسق بالصيعان ثلاثمائة صاع , وبالأمداد ألف مد ومائتا مد.
وبما ذكرنا علم قدر النصاب بالكيل الشرعي والمصري، وبالوزن الشرعي والمصري اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وهي ثلاثمائة صاع بالمدني " يعني فالخمسة الأوسق تعتبر بالصاع المدني وهو الذي تقدم وصفه.
قال العلامة الدردير: كل صاع أربعة أمداد، كل مد رطل وثلث , وكل رطل مائة وثمانية وعشرون درهما مكيا، لأنه ورد " الوزن وزن مكة والكيل كيل المدينة " لأن مكة محل التجارة الموزونة، والمدينة محل الزروع والبساتين

الجزء: 1 - الصفحة: 396

فيعتنون بالكيل.
وكل درهم خمسون حبة وخمسا حبة من وسط الشعير.
قال في المجموع: فيوزن القدر المعلوم من الشعير ويكال.
ثم الضابط مقدار الكيل، فلا يقال الوزن يختلف باختلاف الحبوب.
وتقريب النصاب بكيل مصر أربعة أرداب وويبة - كيلتين بالكيل المصري - وذلك لأن كل ربع مصري ثلاثة آصع، فالأربعة أرداب وويبة ثلاثمائة صاع، وذلك قدر الخمسة الأوسق لأن الجملة ألف مد ومائتان.
وهذا كيلها.
ووزنها ألف وستمائة رطل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فيجب العشر فيما سقي سيحا أو بعلا، ونصفه فيما سقي نضجا " يعني أن المأخوذ من النصاب باختلاف السقي.
قال النفراوي على الرسالة: لم يبين المصنف القدر المأخوذ من النصاب، وهو العشر فيما سقي بغير مشقة، فيدخل أرض السيح أي الماء الجاري، وما سقي من السماء، وما سقي بقليل ماء كالذرة الصيفي بأرض مصر فإنه يصب عليه قليل ماء عند وضع حبه في الأرض ثم لا يسقى بعد ذلك.
ونصف العشر فيما سقي بمشقة كالدواليب، والدلاء، والأصل في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم.
فيما سقت السماء والعيون العشر، وما سقي بالنضج نصف العشر وإن سقي بهما فعلى حكميهما.
حيث تساويا أو تقاربا، فيؤخذ العشر من ذي السيح، ونصفه من ذي الآلة، وإن سقي بأحدهما أكثر فقيل الحكم للأكثر ويلغى الأقل، قيل لا تبعية وتعتبر القسمة.
قال خليل: وإن سقي بهما فعلى حكميهما، وهل يغلب الأكثر؟ خلاف اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن اجتمعا وتساويا فثلاثة أرباعه " يعني كما في الفقه على قول المالكية إن سقى بالآلة وبغيرها نظر للزمن، فإن تساوت مدة السقيين أو تقاربت أخرج عن النصف العشر وعن النصف الآخر نصف العشر فيخرج عن الجميع ثلاثة أرباع العشر.
قال الدردير: وإن سقي بهما فعلى حكمهما، أي فالزكاة في ذلك الزرع تجري على حكم السقي بالآلة والسقي بغيرها بأن يقسم الخارج نصفين فيه العشر والآخر

الجزء: 1 - الصفحة: 397

فيه نصف العشر.
وظاهره سواء استوى السقي بكل منهما في الزمن أو في عدد السقيات أم لا، وهو أحد المشهورين، والثاني يعتبر الأغلب لأن الحكم للغالب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن تفاوت فالمشهور اعتبار المأخوذ بهما.
وقيل الأقل تابع " يعني تفاوت إحدى السقيات ينظر لكل، وأخذ بهما، فإذا كان السقي في ثلثي المدة بدون الآلة وفي ثلثها بالآلة أخرج عن ثلثي الخارج العشر، وعن ثلثه نصف العشر.
وقيل العبرة للأكثر والأقل تابع له، لأن الحكم للغالب، وعلى هذا فيخرج عن الكل العشر.
والحاصل أنهما قولان مشهوران.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويضم إلى البر الشعير والسلت والعلس " قال أبو محمد في الرسالة: ويجمع القمح والشعير والسلت في الزكاة.
قوله في الزكاة لأنها جنس واحد، لا في البيوع، فأجناس.
وما ذكره المصنف هنا من ضم العلس مع البر قيل بع، لكن المشهور في المذهب أن العلس يضم مع شيء، كالأرز والدخن والذرة لا يضم واحدة منها مع الأخرى.
والعلس نوع من القمح إلا أنه لا يضم معها، وتكون الحبتان منه في قشرة واحدة، وهو طعام أهل اليمن.
قال الدردير في أقرب المسالك: تضم القطاني لبعضها كقمح وسلت وشعير، لا علس وذرة ودخن وأرز وهي أجناس لا تضم.
والزيتون والسمسم وبذر الفجل.
والقرطم أجناس.
والزبيب جنس والتمر جنس اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويخرج من كل بحسابه " يعني يخرج من البر والشعير والسلت بقدر كل منها إذا حصل من اثنين أو مجموعها خمسة أوسق بحسبما تقدم في السقي من العشر أو نصفه.
قال النفراوي: وتقدم أنه عند الضم يخرج من كل نوع بحسابه، وإن أخرجت من بعض الأنواع فقط أجزأ إن كان المخرج منه أعلى من المخرج عنه اهـ. والمتبادر أن الإخراج من الأعلى أفضل من المتوسط.
قال في الفقه: فإن اجتمع النصاب من جيد ومتوسط ورديء أخرج زكاة الجميع من المتوسط، فإن أخرجها من

الجزء: 1 - الصفحة: 398

الجيد كان أفضل، ولا يجزئ الإخراج من الرديء لا عنه ولا عن غيره اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " كالقطاني " جمع القطنية كل ما له غلاف.
وهي سبعة " الحمص، والعدس، واللوبيا، والترمس، والفول، والجلبان، والبسلة.
قالا في الفقه: القطاني السبعة جنس واحد في الزكاة، تضم أنواعه بعضها إلى بعض، فإذا حصل من مجموعها نصاب فأكثر وجبت زكاة الجميع، ويخرج من كل نوع القدر الذي يخصه اهـ. قال رحمه الله تعالى: " بخلاف الذرة والأرز والدخن " وينبغي أن يكون العلس مع هذه الجملة كما تقدم.
وفي الفقه أيضا.
وأما الذي لا يضم بعضه إلى بعض: الأرز، والذرة، والعلس، والتمر، والزبيب، والدخن، فكل واحد منها ينظر إليه وحده، فإن حصل منه نصاب وجبت زكاته وإلا فلا، فلا يضم أرز لذرة، ولا تمر لزبيب، كما لا يضم فول إلى قمح، ولا عدس إلى شعير، مثلا اهـ. قال مالك في المدونة: القمح والشعير والسلت هذه الثلاثة الأشياء يضم بعضها إلى بعض في الزكاة.
والأرز والذرة والدخن لا يضم إلى الحنطة ولا إلى الشعير ولا إلى السلت، ولا يضم بعضها إلى بعض، ولا يضم الأرز إلى الذرة، ولا إلى الدخن، ولا تضم الذرة أيضا إلى الأرز ولا إلى الدخن، ولا يضم الدخن إلى الذرة، ولا إلى الأرز، ولا يؤخذ من الأرز ولا من الذرة، ولا من الذخن زكاة، حتى يكون في كل واحد منها خمسة أوسق.
والقمح والسلت والشعير يؤخذ من جميعها إذا بلغ ما فيها خمسة أوسق، يؤخذ من كل واحد منها بحساب ما فيه.
والقطاني كلها الفول والعدس والحمص والجلبان واللوبيا وما ثبتت معرفته عند الناس أنه من القطاني فإنه يضم بعضه إلى بعض، فإذا بلغ جميعه خمسة أوسق أخذ من كل واحد منها بحصته من الزكاة اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " فيجب في الحب بيبسه وفي الثمر بزهوه " وما ذكره

الجزء: 1 - الصفحة: 399

من وجوب زكاة الحب بيبسه أحد الأقوال الثلاثة: قيل تجب بالحصاد لقوله تعالى: ﴿وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام: 141] قال مالك في الموطأ: إن ذلك الزكاة، وقد سمعت من يقول بذلك.
وقيل إن وجوبها بالإفراك، هذا هو المشهور.
وقد ذكر ابن جزي وقت الوجوب في الثمار، قال الطيب.
وقيل الخرص.
وقيل الجذاذ.
وفي الزرع اليبس في المشهور.
وثمرة الخلاف إذا مات المالك أو باع أو أخرج الزكاة بعد أحد الأوجه الثلاثة أو قبله اهـ بتوضيح.
قال النفراوي: وقولنا وقت وجوب إخراج الزكاة لأن وقت الوجوب يدخل بمجرد الإفراك.
قال خليل: والوجوب بإفراك الحب وطيب الثمر، فما أكل بعد الإفراك زمن المسبغة من القمح والشعير والفول يجب عليه أن يتحراه، ويؤدي زكاته من جنسه حبا ناشفا أو من ثمنه إن باعه، كما يجب عليه أن يتحرى ما تصدق به أو ما استأجر به.
وأما الثمار فوقت الوجوب فيها يوم الطيب.
قال مالك: إذا زهت النخل، وطاب الكرم، واسود الزيتون أو قارب، وأفرك الزرع، واستغنى عن الماء وجب فيه الزكاة اهـ. واعلم أنه قد بين العلامة الخرشي وجه الجمع بين الإفراك واليبس بقوله: والمراد بالإفراك أن يبلغ حدا يستغنى معه عن السقي وذهاب الرطوبة وعدم النقص وذلك إنما يكون بيبسه.
والمراد بطيب الثمر بلوغه الحد الذي يحل بيعه فيه إلخ.
قد ظهر أن الإفراك هو يبس الحب عن الرطوبة خلاف ما نقله الصاوي عن التتائي.
قال في حاشيته على الدردير: والحق أن اليبس غير الإفراك كما هو معلوم بالمشاهدة اهـ. فتحصل في تعين وقت وجوب زكاة الحب ثلاثة أقوال، وشهر ابن جزي اليبس.
وقيل الحصاد كما في الآية الكريمة.
وشهر الجمهور الإفراك كما لخليل في المختصر وابن الحاجب وابن شاس كما هو نص المدونة، وضعفوا ما لابن عرفة من الوجوب باليبس اهـ. ذكره الصاوي في الحاشية، انظر الحطاب.
قال رحمه الله تعالى: " وتؤخذ بعد التصفية والجذاذ من عينه لا تجزئ قيمته

الجزء: 1 - الصفحة: 400

كان جيدا أو رديئا " المعنى: تؤخذ زكاة الحب بعد الوجوب والتصفية عن التبن والقشر الذي لا يخزن به عادة.
وفي المواق قال ابن رشد تجب زكاة الزرع حبا مصفى.
وقال القرافي العلس يخزن في قشرة كالأرز فلا يزاد في النصاب لأجل قشره.
وكذلك الأرز قياسا على نوى التمر وقشر الفول الأسفل خلافا للشافعية اهـ. وقوله من عينه، أي يخرج زكاة شيء من نفسه لا من غيره كما لا تؤخذ القيمة.
وتقدم لنا قول صاحب الرسالة أنه قال: ولا يؤخذ في ذلك عرض ولا ثمن، فإن أجبره المصدق على أخذ الثمن في الأنعام وغيرها أجزأه إن شاء الله.
وقال الشارح: وحاصل ما يتعلق بهذه المسألة أن إخراج العين عن الحرث والماشية يجزئ مع الكراهة على المشهور.
وإخراج العرض عنهما أو عن العين لا يجزئ من غير نزاع.
وكذا إخراج الحرث والماشية عن العين.
وكذا إخراج الحرث عن الماشية أو عكسه اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " فإن اجتمعا وتساويا ففي كل بحسابه " يعني فإن اجتمع الجيد والرديء وتساويا فإنه يخرج الزكاة في كل بقدر حساب كل منهما.
قال خليل: وأخذ من الحب كيف كان، كالتمر نوعا أو نوعين، وإلا فمن أوسطها.
وفي أقرب المسالك: وأخذ عن أصنافهما من الوسط بخلاف غيرهما فمن كل بحسبه اهـ. وفي الحطاب: يعني أن الزكاة تؤخذ من الحب كيف كان، فإن كان جيدا أخذت منه، وكذا إن كان رديئا أو وسطا، فإن كان نوعين أو أنواعا فإنه يؤخذ من كل نوع عشرة أو نصف عشرة.
قال اللخمي: إذا كان القمح مختلفا جيدا ورديئا أخذ من كل شيء بقدره، ولم يؤخذ الوسط، وكذلك إذا اجتمع القمح والشعير والسلت، أو اجتمع أصناف القطاني أخذ كل شيء بقدره.
ولم يؤخذ من الوسط، وكذلك أصناف الزبيب.
واختلف في التمر، فقال مالك إن كان جنسا واحدا أخذ منه ولم يكن عليه أن يأتي بأفضل منه، وإن كان أجناسا أخذ من الوسط.
وقال في كتاب محمد: يؤخذ من كل صنف بقدره اهـ.

الجزء: 1 - الصفحة: 401

ثم قال رحمه الله تعالى: " وإن تفاوتا فالظاهر أنه كذلك.
وقيل الأقل تابع، ومن المتنوع الوسط " يعني وإن تفاوتت الأصناف فالظاهر يخرج من كل صنف بقدره كما تقدم.
وقيل يعتبر الأكثر فيخرج الجميع منها إلا إذا كثر الأصناف جدا ففي المتوسط.
قال العدوي: فإذا كانت أربعة أعلى ودون ودون ودون كان الوسط صنفين، إذ الطرفان أعلاها وأدناها، ويبقى النظر إذا كانت خمسة متفاوتة فهل الوسط الثالث وهو الظاهر، أو ما بين الطرفين.
وإنما خالف التمر غيره لأنه لو أخذ من كل نوع من التمر ما ينويه لشق ذلك لاختلاف ما في الحائط اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ويخرص النخل والكرم إذا أزهيا بالحاصل جافا، فإن أكلوا أو باعوا ضمنوا " هذا شروع في بيان خرص النخل والعنب.
ويخرص ما على النخل من الرطب تمرا، ومن الكرم زبيبا.
قال رحمه الله تعالى: " وإن تركوا وتبين خطؤه وهو عارف فالظاهر الأخذ بما خرص " يعني أن الخارص إذا خرص النخل ثم ظهر خلاف ما خرص فإنه يؤخذ بهما خرص إذا كان عادلا عالما بذلك.
قال الدردير: وكفى مخرص واحد إن كان عدلا عارفا، قال الصاوي: أي لأنه حاكم فيجوز أن يكون واحدا.
وكان عليه الصلاة والسلام يبعث عبد الله بن رواحة وحده خارصا إلى خيبر اهـ قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يخرص من الثمار إلا النخل والأعناب فإن ذلك يخرص حين يبدو صلاحه ويحل بيعه، وذلك أن ثمر النخل والأعناب يؤكل رطبا وعنبا فيخرص على أهله للتوسعة على الناس، ولئلا يكون على أحد في ذلك ضيق فيخرص ذلك عليهم ثم يخلى بينهم وبينه يأكلونه كيف شاؤوا ثم يؤدون منه الزكاة على ما خرص عليهم عليهم اهـ. وفي المدونة: فإن خرص الخارص أربعة أوسق فجد فيه صاحب النخل خمسة أوسق قال مالك أحب إلى أن يؤدي زكاته.
لأن الخراص اليوم لا يصيبون، فأحب إلي أن يؤدي زكاته قبل أن يؤكل أول شيء منها.
قال

الجزء: 1 - الصفحة: 402

وكذلك في العنب اهـ. قال رحمه الله تعالى: " وإن خرص جماعة واختلفوا أخذ بقول أعرفهم " قال الصاوي: سواء كان رأي الأقل أو الأكثر.
والموضوع أنه وقع التخريص منهم في زمن واحد، وأما إذا وقع التخريص في أزمان فيؤخذ بقول الأول وأما استواؤهم في المعرفة فيؤخذ من كل واحد جزء على حسب عددهم، فإن كانوا ثلاثة أخذ من قول كل الثلث، وأربعة الربع، وهكذا.
وإليه أشار رحمه الله بقوله: " وإن استووا وزع الواجب بحسب اختلافهم " قال الخرشي: فلو رأى أحدهم مائة وآخر تسعين، وآخر ثمانين يزكى عن تسعين، وليس ذلك أخذا بقول من رأى تسعين، إنما هو لموافقة ثلث مجموع ما قالوه اهـ. ثم ذكر الجائحة فقال رحمه الله تعالى: " فإن أجيحت بعده فلا ضمان، فإن بقي نصاب لزم منه " يعني إن نزلت بها جائحة بعد التخريص بنحو أكل طير أو جراد أو دود أو جيش أو برد أو غير ذلك فإن بقي ما يوجب فيه الزكاة زكاه وإلا فلا.
قال مالك في الموطأ: الأمر المجتمع عليه عندنا أن النخل يخرص على أهلها وثمرها في رؤوسها إذا طاب وحل بيعه، ويؤخذ منه صدقته تمرا عند الجذاذ، فإن أصابت الثمرة جائحة بعد أن تخرص على أهلها وقبل أن تجذ فأحاطت الجائحة بالثمر كله فليس عليهم صدقة، فإن بقي من الثمر شيء يبلغ خمسة أوسق فصاعدا بصاع النبى صلى الله عليه وسلم أخذ منهم زكاتة , وليس عليهم فيما أصابت الجائحة زكاة.
وكذلك العمل فى الكرم اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ومن باع بعد الزهو ضمن , فإن أفلس فهل يتبع أو يؤخذ من يد المشترى؟ " يعنى كما قال مالك في الموطأ: ومن باع زرعه وقد صلح ويبس في أكمامه فعليه زكاته، وليس على الذي اشتراه زكاة.
وقال الزرقاني: لأن وجوبها بطيب الثمر فإذا باعها وقد وجبت زكاتها فقد باع حصته وحصة المساكين.

الجزء: 1 - الصفحة: 403

فيحمل على أنه ضمن ذلك لهم اهـ. وقوله فإن أفلس إلخ قال الخليل: والزكاة على البائع بعدهما إلا أن يعدم فعلى المشتري , يعني إذا افتكر البائع وجب على المشتري أن يدفع الزكاة نيابة عن البائع إن بقي المبيع بيد المشتري أو فوته هو ثم يرجع على البائع بحصة ما أخرجه زكاة من الثمن وهو العشر أو نصفه , فإن فات المبيع بسماوي أو أتلفه أجنبي فلا يزكيه المشتري , بل وجب أن يزكيه البائع إن أيسر اهـ. قاله فى الإكليل.
ومثله في الخرشي.
وقال الدسوقي: هذا التفصيل الذي ذكره الشارح مثله في أبي الحسن , إذ قال: إذا عدم البائع أخذت الزكاة من المشتري إن كان قائما بعينه أو أتلفه بأكل ونحوه.
وإن تلف بسماوي أو أتلفه أجنبي فلا تؤخذ من المشتري وهو موافق لقول ابن القاسم في الرجوع على المشتري.
ففي الأمهات: قال ابن القاسم: فإن لم يكن عند البائع شيء يأخذ منه المصدق ووجد المصدق الطعام بعينه عند المشتري أخذ المصدق منه الصدقة ورجع المشتري على البائع بقدر ذلك من الثمن.
وقال سحنون: وقد قال بعض أصحاب مالك: ليس على المشتري شيء مطلقا كان المبيع قائما أو تلف بسماوي أو أتلفه هو أو أجنبي , لأن البيع كان جائزا ويتبع بها البائع إذا أيسر اهـ فتبين أن الزكاة تؤخذ من البائع أصالة , وتارة من المشتري نيابة , ثم يرجع بها على البائع ولا يتبع المشتري في حال عدمه , ويتبع البائع وإن فى عدمه , فتأمل.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهل يرجع بقدر الثمن أو يكلف شراء الجنس؟ قولان كالذي لا يتناهى " يعني لما تقرر رجوع المشتري على البائع فدفع ما وجب عليه من الزكاة نيابة عنه عند عدمه فهل يرجع بقدر الثمن أو يكلف على البائع بشراء جنس الطعام الذي دفعه المشتري للمصدق قولان.
قال الدسوقي: والصواب أنه يرجع على البائع بما ينويه ما أداه زكاة من الثمن كما هو الواقع في عبارة ابن راشد اهـ. ومثله في الخرشي.
ونص المدونة صريح فى رجوع المشتري على البائع بقدر ذلك من الثمن وهو قول ابن القاسم.

الجزء: 1 - الصفحة: 404

وقوله كالذي لا يتناهى أي كما يلزم عليه شراء شيء لا ينقطع وجوده كالموز فى بعض الأقطار , هذا لمجرد التشبية بما يسهل وجوده في كل وقت لاأن الزكاة تتعلق بالمشبه لأنه من الفواكه التي لا زكاة فيها فتنبه.
ثم قال رحمه الله تعالى " وما يعتصر يوسق حبا ويؤخذ من دهنه " المعنى أن الذي يعتصر منه زيت إذا بلغ حبه النصاب تؤخذ زكاته من زيته.
قال في الرسالة: ويزكى الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق أخرج من زيته , فإن باع ذلك أجزأه أن يخرج من ثمنه إن شاء الله اهـ. قال النفراوي: والحاصل أن الزيتوت إذا كان له زيت يتعين الإخراج من زيته , ولا يجزئ الإخراج من حبه ولا ثمنه إذا باعه , وإن كان فى بلد لا زيت له فيها كزيتون مصر فيخرج من ثمنه من غير خلاف , ومثله ما لا يجف من رطب مصر وعنبها وحمصها وفولها وفريكها إذا بيعت قبل جفافها , إلا أن هذه يجوز إخراج زكاتها حبا يابسا كما تقدم في نحو الجلجلان اهـ. وفي الدردير: وزيت ما له زيت , وجاز من حب غير الزيتون , وثمن ما لا زيت له، وما لا يجف من عنب ورطب ولا يجزئ من حبه , وكفول أخضر , وجاز من حبه اهـ. فتحصل أن ذوات الزيوت الأربع وهي الزيتون والسمسم والقرطم وحب الفجل الأحمر كلها يجوز الإخراج من حبها وثمنها إذا باع , إلا الزيتون فقط فإنه لا يجزئ الإخراج من حبه ولا من ثمنه إذا باع , بل يتعين الإخراج من زيته على المعتمد , كما صدر به صاحب الرسالة بقوله: ويزكى الزيتون إلى قوله من زيته.
ثم قال رحمه الله تعالى " ولا زكاة في شيء من النبات غير ما ذكرنا " يعني أي لا تجب الزكاة في شيء من النبات إلا ما تقدم ذكرنا إياه؛ لأن الأصناف التي تجب فيها الزكاة تنحصر في عشرين صنفا كما تقدم , لا في تين ورمان وتفاح , ولا في بزر كتان ولا في سجلهم وهو اللفت , ولا جوز ولوز , ولا في حب الفجل الأبيض والعصفر , ولا في

الجزء: 1 - الصفحة: 405

التوابل وهى الفلفل والكزبرة واليانسون والشمار والكمون والحبة السوداء وغير ذلك من مصلحات الطعام وإن كانت ربوية , وكذلك لا تجب في الفواكه والخضر كالدباء والباذنجان والبطيخ الأخضر والأصفر , وكذلك القثاء والخيار والمشمش , ولا في البقول كالبصل والجزر وما شابهها مما ينبت بنفسه في الجبال أو يستنبت مما لا يعد منها ولا يحصى , وكلها لا تتعلق بذاتها الزكاة.
وقد قالت عائشة رضي الله عنها: " جرت السنة أن لا زكاة في الخضر على عهده عليه السلام وعهد الخلفاء من بعده " وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة: وعليه عامة الفقهاء , إلا أبا حنيفة فإنة أثبتها في جميع النبات حتى ما نبت على الجبال إلا الحشيش والحطب والقصب اهـ والله أعلم.
ولما أنهى الكلام على زكاة الحرث والثمار انتقل ليتكلم على صدقة الفطر فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

فى زكاة الفطر ومن تلزمه

أي في بيان صدقة الفطر , أي من آخر رمضان.
قال بعض المشايخ كما هو وارد.
وإنما وجبت تطهيرا للصائم ورفقا بالفقير وإغناء له يوم العيد وليلته؛ لأنه وقت سرور شامل فلا يختص به الغنى دون الفقير.
وقال بعضهم: ويقال لها زكاة الفطر.
فرضت في السنة الثانية من الهجرة , فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم كما صح فى الحديث.
قال العدوي فى حاشية الخرشي: من أنكر مشروعيتها يكفر , ومن أنكر وجوبها لا يكفر وروى أبو داود عن ابن عباس قال: " فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث , طعمة للمساكين , فمن أداها قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة , ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من الصدقات " اهـ صححه الحاكم.
قال رحمه الله تعالى: " صدقة الفطر تلزم من فضل عن قوتة ودينه ومؤنة

الجزء: 1 - الصفحة: 406

عياله , عنه وعمن تلزمه نفقته من المسلمين " وما ذكره من قوله ودينه فيه خلاف: قال النفراوى: تنبيه: وقع الخلاف في إسقاط الدين لصدقة الفطر , وظاهر المذهب عدم إسقاطها بالدين لوجوب تسلف الصاع عنه في الحال للقادر على وفائه في المستقبل.
واقتصر على هذا القول خليل اهـ. قال أبو الحسن في كفاية الطالب: وكذلك لا يسقط الدين زكاة الفطر عند أشهب , ويسقطها عند عبد الوهاب , ورجح العدوي في حاشيته القول الأول.
قال في الرسالة: وزكاة الفطر سنة واجبة فرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم على كل كبير أو صغير , ذكر أو أنثى , حر أو عبد من المسلمين صاعا عن كل نفس بصاع النبي صلى الله عليه وسلم وتؤدى من جل عيش أهل ذلك البلد من بر أو شعير أو سلت أو تمر أو أقط أو زبيب أو دخن أو ذرة أو أرز.
وقيل إن كان العلس 3 قوت قوم أخرجت منه , وهو حب صغير يقرب من خلقة البر , ويخرج عن العبد سيده والصغير لا مال له يخرج عنه والده.
ويخرج الرجل زكاة الفطر عن كل مسلم تلزمه نفقته مكاتبه وإن كان لا ينفق عليه لأنه عبد له بعد اهـ. وقال الدردير: زكاة الفطر واجبة بغروب آخر رمضان , أو بفجر شوال على الحر المسلم القادر , وإن بتسلف لراجي القضاء , عن نفسه وعن كل مسلم يمونه بقرابة أو زوجية أو رق أو مكاتبا , والمشترك بقدر الملك كالمبعض , ولا شيء على العبد وهي صاع فضل عن قوته وقوت عياله يومه , من أغلب قوت المحل , من قمح أو شعير أو سلت أو ذرة أو دخن أو أرز أو تمر أو زبيب أو أقط فقط , إلا أن يقتات غيرها فمنه اهـ. ثم بين قدرها كما تقدم بقوله رحمه الله تعالى: " قدوها وهو صاع وزنه خمسة أرطال وثلث بالبغدادي حبا "وقد تقدم بيان مقدار الصاع عند الكلام في نصاب الحبوب والثمار ولا حاجة بإعادته هنا فراجعه إن شئت.

الجزء: 1 - الصفحة: 407

قال رحمه الله تعالى: " والأفضل من غالب قوت بلده , وتجزئ من البر والشعير والسلت والتمر والزبيب والأقط " وتقدم البيان أيضا عن هذا كله.
والأقط على وزن كتف هو اللبن اليابس الذي أخرج زبده.
قال رحمه الله تعالى: " وعن العبد المشترك عن كل بقدر ملكه , كمن بعضه حر " يعني تلزم زكاة الفطر عن العبد المشترك بين اثنين فأكثر بأن يخرج عنه كل واحد بقدر حظه منه كالنصف والثلث بحسب ذلك , وليس على المبعض شيء في مقابلة بعضه الثاني لما فيه من شائبة الرقية كما هو معلوم.
ثم قال رحمه الله تعالى " والمشهور تعلق الواجب بطلوع الفجر يوم الفطر" يعنى أن المشهور من القولين يبتدئ وقت وجوب إخراج زكاة الفطر ودفعها لمستحقها من بعد طلوع الفجر الصادق يوم العيد وقبل صلاتها كما في الدردير.
وقال في الرسالة: ويستحب إخراجها إذا طلع الفجر من يوم الفطر.
هذا قول.
وشهر بعضهم الرواية الثانية من أن وجوبها بغروب آخر رمضان وهو المشهور الثاني.
قال صاحب العزية: تجب بأول ليلة عيد الفطر على أحد القولين المشهورين , والآخر تجب بطلوع فجر يوم العيد , وفائدة الخلاف تظهر فيمن مات أو ولد أو أسلم ونحو ذلك اهـ. قال رحمه الله تعالى " ومصرفها الفقراء والمساكين بالاجتهاد , فيدفع صاع لجماعة واصع لواحد " يعني أن زكاة الفطر تصرف للفقراء والمساكين بالاجتهاد من الحاكم إن جمعت عنده , أو باجتهاد المزكي , فله دفع صاع لجماعة الفقراء والمساكين , وآصع لواحد بشرط الإسلام والحرية.
قال خليل: وإنما تدفع لحر مسلم فقير.
قال مالك في المدونة: لا يعطى أهل الذمة ولا العبيد من صدقة الفطر شيئا اهـ. ويجوز دفعها للقريب الذي لا تلزمه نفقته.
وللزوجة دفعها لزوجها الفقير , لا عكسه ولو فقيرة لوجوب نفقتها عليه: ولم يجر الخلاف في دفع الزوجة.
لزوجها، وإنما الخلاف في زكاة المال.
وجاز

الجزء: 1 - الصفحة: 408

إخراجها قبل يوم العيد باليومين والثلاثة، ويستحب لمن زال فقره أو رقه يوم العيد أن يخرجها، كما يندب للمزكي إخراجها من قوته الأحسن.
ولا تسقط بمضي زمنها، فإن لم يقدر إلا على بعضها أخرجه، وأثم إن أخر للغروب لتفويته وقت الأداء وهو اليوم كله.
ولما أنهى الكلام على زكاة الفطر انتقل يتكلم على بيان من تصرف له الزكاة فقال رحمه الله تعالى:

فَصْلٌ

فيمن تصرف له الزكاة

أي في بيان من يستحق الزكاة.
وتدفع لأحد الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة: 60] وإليه أشار رحمه الله تعالى بقوله: " مصارف الزكاة الأصناف الثمانية التي ذكرها الله تعالى " وهي إنما الصدقات الآية , في سورة التوبة.
قال رحمه الله تعالى: " وقد سقط نصيب المؤلفة قلوبهم والعاملين " يعني أن هذين الصنفين سقط نصيبهما من الزكاة , لكن في ذلك خلاف في المذهب.
قال في المدونة: سئل ابن شهاب عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ﴾ الآية , قال: لا نعلمه نسخ من ذلك شيئا , إنما الصدقات بين من سمى الله فأسعدهم بها أكثرهم عددا أو أشدهم حاجة اهـ. قال خليل: ومؤلف كافر ليسلم أي يعطى منها ليسلم , وحكمه باق , قال العلامة الشيخ صالح عبد السميع: قوله ليسلم.
وقيل مسلم قريب عهد بالإسلام , فيعطى منها ليتمكن إسلامه.
قوله وحكمه باق أي لم ينسخ، هذا قول لبعض أهل المذهب والمشهور انقطاع سهم هذا النصف بعزة الإسلام والأول.
مبني على أن المقصود من دفعها له ترغيبه في الإسلام لإنقاذ مهجته من الخلود في النار , والثاني مبني على أن المقصود من دفعها له ترغيبه في الإسلام لإعانته لنا على الكفار.

الجزء: 1 - الصفحة: 409

وهذا الخلاف جار على أنه كافر يعطى ليسلم , وأما على أنه مسلم يعطى للتمكن فحكمه باق باتفاق.
اهـ قال ابن جزي في القوانين: وأما المؤلفة قلوبهم فالكفار يعطون ترغيبا في الإسلام , وقيل هم مسلمون ويعطون ليتمكن إيمانهم.
واختلف هل بقي حكمهم أو سقط للاستغناء عنهم اهـ. قلت ولعل المصنف اعتمد في إسقاط مؤلفة القلوب بما روى ابن مهدي عن إسرائيل بن يونس عن جابر عن الشعبي قال لم يبق من المؤلفة أحد , إنما كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما استخلف أبو بكر انقطع الرشا " اهـ ذكره في آخر قسم الزكاة من المدونة.
وقد جمع ابن عاشر الأصناف الثمانية مع أوصافهم في بيتين بقوله: مصرفها الفقير والمسكين ... غاز وعتق عامل مدين مؤلف القلب ومحتاج غريب ... أحرار إسلام ولم يقبل مريب وأما قوله رحمه الله تعالى: والعاملين , هذا ما رأيت من تكلم في إسقاط العامل على الزكاة , بل النصوص تشير إلى الابتداء به.
قال خليل: وبدئ به , قال الخرشي: أي بالعامل قبل الأصناف لأنه المحصل , حتى لو حصلت له مشقة وجاء بيسير لا يساوى مقدار أجرته أخذ جميعه.
قلت: والعامل يعطى الزكاة ولو كان غنيا , بل له أن يأخذ بوصفيه إن كان فقيرا.
قال خليل: وأخذ الفقير بوصفيه اهـ. وباقي الأصناف لا خلاف في دفع الزكاة لهم , والخلاف في المؤلفة القلوب فقط كما تقدم.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ويجوز صرفها إلى صنف , إلى واحد منه بقدر كفايته وإن زاد على النصاب " يعني يجوز دفع الزكاة لصنف واحد من الأصناف الثمانية , ولا يجب تعميمهم , بل متى دفعها لأي شخص موصوف بكونه منهم كفى لكن يندب إيثار المحتاج منهم بأن يخص بالإعطاء أو يزاد له أكثر مما أعطى غيره ولو كان مجموع ذلك يزيد على النصاب , إذ المقصود إعطاؤه كفايته وسد خلته.
قال مالك في المدونة: ومن لم يجد إلا صنفا مما ذكر الله تعالى في كتابه أجزأه أن يجعل زكاته فيهم ,

الجزء: 1 - الصفحة: 410

وإن وجد الأصناف كلها آثر أهل الحاجة منهم , وليس في ذلك قسم مسمى اهـ. قال رحمه الله تعالى " ولا يشترط عدم قدرته على الكسب , ولا تعففه عن المسألة " يعني أن المزكي يجوز دفع زكاته للفقير القادر على الكسب والسائل.
قال الدردير: وجاز دفعها لقادر على الكسب , أي إذا كان فقيرا ولو ترك التكسب اختيارا اهـ. وكذلك لا يشترط للفقير التعفف عن المسألة , لأن السائل تدفع له الزكاة بل هو أولى بها , وسؤاله دليل على احتياجه.
قال تعالى في مدح المزكين: ﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [المعارج: 24، 25] قال المفسرون: المراد بالسائل الذي يسأل الناس ويتكفف عليهم.
وبالمحروم أي الممنوع الذي يمنع عنه الزكاة لتعففه عن المسألة فيحسب غنيا , على حد: ﴿يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ﴾ [البقرة: 273] اهـ. قال رحمه الله تعالى: " ويصدق أنه مستحق إلا أنه يظهر خلافه " يعنى كما في الصاوي نقلا عن حاشية العدوي: وإذا ادعى شخص الفقر أو المسكنة ليأخذ من الزكاة فإنه يصدق بلا يمين إلا لريبة بأن يكون ظاهره يخالف ما يدعيه فإنه لا يصدق إلا ببينة , وهل يكفي الشاهد واليمين , أو لا بد من شاهدين؟ كما ذكروه في دعوى المدين المعدم , ودعوى الولد العدم لأجل نفقة والديه , وعلى أنه لا بد من شاهدين فهل يحلف معهما كما في المسألتين المذكورتين , أو لا يحلف كما في مسألة دعوى الوالد العدم لأجل أن ينفق عليه ولده في ذلك خلاف اهـ. ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا تنقل عن بلدها مع وجود المستحق فمن فعل كره وأجزأه , والأجرة عليه " هذه العبارة ضعفها الخرشي , والمعتمد عبارة خليل وهي: ووجب نيتها وتفرقتها بموضع الوجوب أو قربه إلا لأعدم فأكثرها له بأجر من الفيء إلخ قال العدوي في حاشية الخرشي: عبارة الإرشاد ولا تنقل عن بلدها مع وجود المستحق فإن فعل كره وأجزأت , والأجرة عليه , أي لأن عبارته عامة.
والحاصل أن المصنف

الجزء: 1 - الصفحة: 411

ـ يعنى الشيخ خليلا ـ فصل بين موضع الوجوب وقربه والبعيد , وأن موضع الوجوب وقربه حكمهما واحد دون البعيد.
وكلام الإرشاد جعل حكم الكل واحدا اهـ. وقال المواق من المدونة: قال مالك: العمل في الصدقة أن لا تخرج عن موضع جبيت منه , كانت من عين أو حرث أو ماشية , إلا أن يفضل عنهم فضلة فتجعل في أقرب البلدان إليهم.
وإن بلغه عن بعض البلدان أن سنة وحاجة نزلت بهم فينقل إليهم جل تلك الصدقة , رأيت ذلك صوابا لأن المسلمين أسوة فيما بينهم إذا نزلت الحاجة اهـ. وعقد صاحب العزية فصلا قال في أوله: وتجب نية الزكاة وتفرقتها بالموضع الذي وجبت فيه , ولا يجوز نقلها عنه إلا أن يكون موضع آخر به فقراء أشد إعداما فإنه يعطى منها في موضع الوجوب , وينقل أكثرها للأعدام اهـ. قال رحمه الله تعالى " ولا تصرف في شيء من وجوه البر غير مصارفها " يعني أن الزكاة لا تصرف لغير الأصناف الثمانية المذكورين في الآية الكريمة.
قال ابن جزي في القوانين: لا تصرف الزكاة في بناء مسجد , ولا تكفين ميت.
قال مالك في المدونة: لا تجزئه أن يعطي من زكاته في كفن ميت , لأن الصدقة إنما هي للفقراء والمساكين ومن سمى الله , فليست للأموات ولا لبنيان المساجد اهـ. قلت وما ذكره ابن جزي مثل نص المدونة , خلافا لما قرره الشعراني في الميزان في أول باب قسم الصدقات , فإنه قال: اتفق الأئمة الأربعة على أنه يجوز إخراج الزكاة لبناء مسجد أو تكفين ميت اهـ. والأول أصح وأشهر في الذهب انظره.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتبين الخطأ يوجب الإعادة إلا أن يتولاها الإمام العادل " فتجزئ.
قال الدردير , كما في خليل: أو دفعت لغير مستحق لها كعبد أو كافر أو هاشمي أو غني فلا تجزئ.
فقال الصاوي: أي إلا الإمام يدفعها باجتهاد فتبين أن الآخذ غير مستحق فتجزئ حيث تعذر ردها , والوصي ومقدم القاضي كذلك , فتحصل أن ربها

الجزء: 1 - الصفحة: 412

إذا دفعها لغير مستحقها لا تجزئه مطلقا , والإمام ومقدم القاضي والوصي تجزئه إن تعذر ردها , هذا هو المعول عليه اهـ. ومثله في الإكليل.
قال ابن جزي في القوانين: إذا كان الإمام عدلا وجب دفع الزكاة إليه , وإن كان غير عدل , فإن لم يتمكن صرفها عنه دفعت إليه وأجزأت , وإن تمكن صرفها عنه دفعت صاحبها لمستحقها , ويستحب أن لا يتولى دفعها بنفسه خوف الثناء اهـ. قال رحمه الله تعالى:" ولا يخص بها أقاربه , فإن كانوا في عياله لم يجزه والله أعلم " يعني كما في الدردير في سياق كلامه على عدم الإجزاء قال: أو دفعت لمن تلزمه نفقته , ومفهومه أن دفعها لمن لا تلزمه نفقته من الأقارب جائز , إلا إذا آثره بأن دفعها كلها له فيكره , كما كره للنائب إيثار أقاربه أو أقارب رب المال.
قال الخرشي: وكذلك يكره لرب المال أن يخصص قريبه نفقته بالزكاة , فإن أعطاه مثل غيره فلا كراهة.
ومفهوم قوله الذي لا تلزمه نفقته أنه لو كان ممن تلزمه نفقته فلا تجزئ كما مر والله أعلم اهـ بتوضيح.
ولما أنهى الكلام على الزكاة وما يتعلق بها انتقل يتكلم على ركن من أركان الإسلام وهو الصوم فقال رحمه الله تعالى:

الجزء: 1 - الصفحة: 413

فصول الكتاب · 32 فصل
جارٍ التحميل