وهو لغة القصد، وعرفا حضور جزء بعرفة ساعة من ليلة يوم النحر، وطواف بالبيت سبعا، وسعي بين الصفا والمروة سبعا بإحرام.
وقال بعض المعرفين: الحج ندب.
وهو عبادة عظيمة ينبغي أداؤها على الوجه الذي قرره الشارع، وإلا ردت على وجه صاحبها اهـ. واعلم أن الله تعالى أوجب على عباده حج بيته الحرام من استطاع إليه سبيلا.
قال سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97] وعن أبي هريرة قال " خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ثلاثا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو قلت نعم لوجبت، ولما استطعتم " الحديث، مسلم والنساء والترمذي.
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " رواه البخاري ومسلم.
ثم اعلم أن للحج أركانا وواجبات، وسننا، ومندوبات، وجائزات، ومكروهات، وممنوعات، ومبطلات.
وستقف عليها في مواضعها إن شاء الله تعالى.
وبدأ رحمه الله تعالى أن الإسلام شرط في صحة الحج، فالكافر لا يصح منه حتى يسلم، وكذا قد أخبر أن الحرية شرط في وجوبه، فالعبد ومن فيه بقية الرق لا يلزمه الحج وإن وقع منه نفلا، وإن عتق وجب عليه حجة الإسلام 1، ومثله الصبي والمجنون إذا أدخلهما وليهما في حرمة الإحرام، ثم إذا بلغ الصبي أو أفاق المجنون لزمهما حجة الإسلام.
وقوله مستطيع، سيأتي معنى الاستطاعة عن قريب.
الجزء: 1 - الصفحة: 441
قال رحمه الله تعالى: " على الفور مرة في العمر " يعني أن الحج واجب على الفور وجوبا موسعا، في العمر مرة، وما زاد على المرة مندوب.
وينبغي أن ينوي به القيام بفرض الكفاية الذي هو إقامة الموسم في كل سنة ليحصل له ثواب
ذلك.
وما ذكره من فورية الحج هو الراجح في المذهب.
وقيل على التراخي.
قال في الدر الثمين للعلامة محمد بن أحمد ميارة: وفي كون وجوبه على الفور أو على التراخي إلى خوف الفوات فيكون حينئذ واجبا على الفور قولان.
وخوف الفوات إما بفساد الطريق بعدم أمنها، أو بذهاب ماله، أو صحته، أو ببلوغ المكلف ستين سنة اهـ. انظر في الكتاب المذكور أقوال العلماء.
قال رحمه الله تعالى: " والاستطاعة إمكان الوصول مع الأمن كيفما تيسر " يعني أن الاستطاعة التي هي من شروط وجوب الحج هي إمكان الوصول.
قال العلامة الشيخ حسين بن إبراهيم مفتي المالكية بمكة سابقا في توضيح المناسك: والاستطاعة هي إمكان الوصول بلا مشقة عظمت، ولو بلا زاد وراحلة لذي صنعة تقوم به، ولو بالسؤال إذا كان ذلك عيشه في بلاده، وكانت العادة إعطاءه، وقدر على المشي، وأن يكون آمنا على نفسه وماله، ويعتبر ما يرجع به إلى محل يمكنه فيه التعيش إن خشي الضياع بالإقامة بمكة اهـ. وعبارة ميارة في الدر الثمين أنه قال: والاستطاعة هي إمكان الوصول إلى مكة بلا مشقة عظيمة مع القدرة على أداء الصلاة في أوقاتها المشروعة لها في السفر، وعدم الإخلال بشيء من فرائضها، ومع الأمن على النفس والمال من لص أو مكاس، وإلا لم يجب الحج إلا أن يكون المكاس مسلما يأخذ شيئا لا يجحف بالشخص ولا ينكث بعد أخذه.
ويجب الحج بلا زاد ولا راحلة إذا كان الشخص قادرا على المشي وله صنعة يقتات منها ولو بالسؤال إذا كان ذلك عيشه في بلده، وكانت العادة إعطاءه، وإن لم يكن ذلك عيشه في بلده فلا يجب عليه الحج، ويكره له الخروج، ومن قدر على المشي ووجد
الجزء: 1 - الصفحة: 442
من يؤاخره نفسه للخدمة ولا يرزي به ذلك وجب عليه الحج، ومن عجز عن المشي اعتبر في حقه وجود المركوب بشراء أو كراء.
ومن لم تكن له صنعة يفعلها في الطريق يتعيش بها اعتبر في حقه وجود الزاد، ومن عجز عنهما اعتبرا معا في حقه اهـ. وقال الشيخ خليل في مناسكه: وليس من شروط الاستطاعة وجود الناض، بل يلزمه أن يبيع من عروضه ما يباع على المفلس اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمرأة مع محرم أو رفقة مأمونة " يعني أن الاستطاعة في حق المرأة زيادة على ما تقدم وجود الزوج معها في السفر، أو المحرم ولو غير بالغ، ولو لم تكن فر رفقته لكن حيث يمكنها الوصول إليه بلا مشقة عند الحاجة، ويقوم مقام المحرم الرفقة المأمونة في سفر الفرض فقط.
والأصل في ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر سفرا يكون ثلاثة أيام فصاعدا إلا ومعها أبوها أو زوجها أو ابنها أو أخوها أو ذو
محرم منها " قال شارح هذا الحديث: وليس على المرأة حج إذا لم تجد محرما، كما في دلالة الحديث.
وعند مالك لا يجب المحرم في سفر الفريضة، وتكفي رفقة مأمونة.
والمراد بالمحرم من حرم عليه نكاحها على التأييد اهـ.
ثم انتقل رحمه الله تعالى يتكلم على أحكام النيابة بالحج وكيفيتها وتنفيذها فقال: " والميت الصرورة إن أوصى به يلزمه في ثلثه فليستأجر من يحج عنه " يعني أنه إذا أوصى الميت الصرورة وهو من لم يحج الفرض، أي إذا أوصى بالحج عنه وجب على الموصى له أن ينفذ الوصية، بأن يستأجر من يحج عنه في ثلث ماله، وإن كانت الوصية بالحج مكروهة عند مالك، والأولى الوصية بالصدقة، وإنما نفذ الوصية به مراعاة لمن يقول بجواز النيابة مطلقا، وعندنا لا تصح النيابة عن الحي مطلقا فرضا أو نفلا، صحيحا أو مريضا بأجرة أم لا قال الرماصي: المعتمد في المذهب أن النيابة عن الحي لا تجوز ولا تصح مطلقا
الجزء: 1 - الصفحة: 443
إلا عن ميت أوصى به فتصح مع الكراهة اهـ. وقال ابن جزي: وإذا أوصى الميت أن يحج عنه من ماله وكان صرورة نفذت الوصية من ثلث ماله، وإن لم يوص سقط عنه.
وقال الشافعي يحج عنه من رأس ماله، وينوي الأجير الحج لمن حج عنه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم الإجازة ضربان " يعني أن الإجازة لها صورتان: الأولى على البلاغ، والثانية على الضمان وهي أفضل.
قال خليل عاطفا على الأفضلية: وإجازة ضمان على بلاغ، أي فضلت إجازة ضمان على إجازة بلاغ لأن إجازة الضمان أحوط للمال، المعنى أن الاستئجار للحج على وجه الضمان أفضل من الاستئجار على وجه البلاغ.
انظر الحطاب.
ثم عرف إجازة البلاغ بقوله رحمه الله تعالى: " بلاغ وهي دفع مال بحسب كفايته، ذهابا وإيابا فما فضل لزمه رده " يعني أن الإجازة المسماة بالبلاغ هي إعطاء ما ينفقه الأجير في سفر الحج نيابة عن غيره بدءا وعودا بالعرف، وإن ضاع منه المال قبل الإحرام رجع ولا شيء عليه في الضائع وإذا فرغ منه المال قبل إتمام العمل استمر على إنفاق نفسه من ماله ورجع على من استأجره بما أنفقه من عنده أو تسلف، ويرجع عليه بالسرف، أي إذا شهد عليه به، وإذا مات قبل التمام أو صد يرجع للحساب كأجير الضمان اهـ النفراوي.
قال رحمه الله تعالى: " فإن تلف قبل إحرامه فله الترك، فإن مضى لم يكن له رجوع بنفقته " قال النفراوي: وقدمنا أنه إن ضاع المال قبل إحرامه يرجع، فإن لم يرجع واستمر على العمل والإنفاق من عنده فلا شيء له في الذهاب ولا في الإياب إلى موضع الضياع، بخلاف ما لو ضاع بعد الإحرام فإنه يستمر على عمل الحج ويكمل العمل ويجب على المستأجر الإنفاق عليه من مال نفسه لتفريطه بعدم الاستئجار على الضمان الذي هو الأحوط كما قدمنا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وبعده يلزمه إتمامه، وله الرجوع بنفقته " يعني إذا
الجزء: 1 - الصفحة: 444
تلف المال بعد الإحرام بالحج لزم الأجير إتمامه ويرجع على المستأجر بما أنفق.
قال خليل: وإن ضاعت قبله رجع وإلا فنفقته على آجره إلا أن يوصي بالبلاغ ففي بقية ثلثه ولو قسم.
قوله وإلا فنفقته إلخ يعني إذا ضاع المال بعد إحرام الأجير أو قبله ولم يعلم إلا بعده، أو لم يمكنه الرجوع فإنه يستمر إلى تمام الحج ونفقته على مستأجره إلا أن يوصي الميت بالبلاغ ففي بقية ثلثه إن بقي منه شيء، وإلا فعلى عاقد إجارة البلاغ لتفريطه بالعدول عن إجارة الضمان.
قال رحمه الله تعالى: " قال ابن القاسم على المستأجر " كما تقدم وهو المشهور " وقال ابن حبيب في بقية الثلث " هذا إذا أوصى بالبلاغ.
قال ابن حبيب أيضا الحج وقد ضاع المال بعد الإحرام تكون على المستأجر على المشهور، إلا إذا أوصى الميت بأن يحج عنه على البلاغ فتكون حينئذ في بقية الثلث إن بقي شيء فإن لم يبق من ثلثه شيء فعلى المستأجر.
قال الحطاب قال في الطراز: فإن لم يبق للميت ثلث، فذلك على العاقد من وصي أو غيره اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " الثاني مضمونة، وفيها يتعين قدر الأجرة وصفة الحج وموضع ابتداء " يعني الضرب الثاني من ضربي الإجازة وهي إجازة الضمان التي هي أفضل من غيرها.
قال الخرشي: ومعنى الأفضلية، أن الضمان أحوط للمستأجر لوجوب المحاسبة للأجير فيما إذا لم يتم لصد أو غيره، لا بمعنى أنها أكثر ثوابا إلى آخر ما قال، انظره.
وقال العلامة ابن جزي في القوانين: وهي - أي الإجازة - على وجهين: إجازة بأجرة معلومة تكون ملكا للأجير كسائر الإجازات، فما عجز عن كفايته وفاه من ماله، وما فضل كان له.
والثاني البلاغ وهو أن يدفع إليه المال ليحج عنه فإن احتاج إلى زيادة أخذها من المستأجر، وإن فضل شيء رده إليه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمشهور اشتراط تعين السنة.
وقيل بل تتعين السنة
الجزء: 1 - الصفحة: 445
الأولى بالإطلاق " يعني أن المشهور من القولين اشتراط تعيين السنة حين العقد، فإن لم يعين تتعين السنة الأولى.
قال خليل: وصح إن لم يعين العام، وتعين الأول وعلى عام مطلق.
وقال الحطاب: يعني أن الإجازة تصح وإن لم يعين في العقد العام الذي يحج فيه الأجير.
وقيل لا تصح الإجازة للجهالة.
قال في التوضيح: والأول أظهر كما في سائر عقود الإجازة إذا وقعت مطلقة فإنها تصح وتحمل على
اقرب زمن يمكن وقوع الفعل فيه.
ابن شاس: والقولان للمتأخرين اهـ. فإذا صحت الإجازة مع عدم تعيين العام الذي يحج فيه الأجير فإنه يتعين عليه أن يحج في أول عام يمكنه فيه، فإن لم يحج في أول سنة لزمه الحج فيما بعدها.
قاله في البيان.
ونقله في التوضيح اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم ما فضل أو أعوز فله وعليه " يعني إذا دفع الأجرة للأجير بالضمان وفضل منها شيء فهو له، وإن نقص عنه شيء قبل تمام النسك وجب عليه إتمام الحج على سنته، ولا يرجع على المستأجر بشيء مما نقص عنه لأن الإجازة وقعت على الضمان.
وقال الحطاب نقلا عن مصنفنا في شرحه على العمدة: الفرق بين البلاغ والضمان أن أجير البلاغ يملك التصرف في المال على وجه مخصوص، والأجير على الضمان يملك رقبة المال، ولذلك يكون الفضل له والتلف عليه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يستأجر له عبد أو صبي، بخلاف غيره إلا أن يمنع من ذلك " قوله ولا يستأجر له الضمير في له راجع إلى الميت الصرورة الذي لم يحج حجة الإسلام وأوصى أن يحج عنه بعد موته.
قوله بخلاف غيره الضمير في غيره راجع لغير صرورة وإن لم يتقدم ذكره، وهو مذكور بالجملة في المعنى، وهو الذي أوصى بأن يحج عنه تطوعا بعد حجة الإسلام فيجوز أن يستأجر له من يحج عنه ولو عبدا أو صبيا إلا أن يمنعه السيد أو الولي فيرجع المال إلى الورثة.
قال خليل: ثم أوجر للصرورة فقط غير عبد وصبي، وإن امرأة، ولم يضمن وصي دفع لهما مجتهدا اهـ.
قال الحطاب: لا شك
الجزء: 1 - الصفحة: 446
أن قوله ثم أوجر للصرورة فقط من تمام ما قبله.
قال رحمه الله تعالى: " فلو عين شخصا فأبى عاد المال ميراثا، كما لو عين قدرا فوجد من يرضى بدونه إلا إن قصد دفعه إليه " يعني كما في الحطاب أنه إذا عين الميت شخصا يحج عنه ولم يسم ما يعطى فإنه إن لم يرض بأجرة مثله زيد عليها قدر ثلثها، فإن لم يرض بذلك تربص به قليلا لعله يرضى، فإن لم يرض فإنه يستأجر للميت من يحج عنه إن كان صرورة، وأما إن كان غير صرورة فإنه لا يحج عنه ويرجع المال ميراثا.
ونص المدونة: ولو كان صرورة فسمى رجلا بعينه يحج فأبى ذلك الرجل فليحج عنه غيره بخلاف المتطوع الذي قد حج إذا أوصى أن يحج عنه رجل بعينه تطوعا، فإن أبى الرجل أن يحج عنه رجعت ميراثا اهـ قوله: كما لو عين قدرا يعني لو عين الميت قدرا من المال كمائه مثلا فوجد من يحج عنه بأقل منها أو تطوع أحد رجع باقي المال ميراثا في مثال الأول، أو كلها في الثاني إلا إذا قصد الميت إعطاءه ما زاد على أجرة مثله فيدفع له جميع المسمى إن كان غير
الوارث، أما إن كان وارثا فأجرة المثل فقط.
قال خليل: ودفع المسمى وإن زاد على أجرته لمعين لا يرث فهم إعطاؤه اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولو عين صفة فأحرم بغيرها لم يجزه " يعني إذا شرط الميت صفة من صفات الإحرام وعينها على الأجير وخالفه الأجير بأن أحرم بخلافها لم تجز عن الميت.
قال بعضهم: أما لو كان الشرط من الوارث أو من وصي الميت وخالف الأجير تلك الصفة المشروطة من أحدهما فيجزئ وإلا فلا اهـ. قال خليل: أو خالف إفرادا لغيره إن لم يشترطه الميت، أي فيجزئ وإلا فلا اهـ. قال ابن عبد السلام: والحاصل أنه إذا خالف شرط الميت لم يجزئه، وتنفسخ الإجازة إذا خالفه إلى القران، سواء كان العام معينا أو غير معين، وإن خالفه إلى تمتع لم تنفسخ وأعاد إن لم يكن العام معينا، ونحوه في التوضيح، قال خليل: كتمتع بقران أو عكسه، أو هما بإفراد اهـ. ونحوه في التوضيح، قال خليل: كتمتع بقران أو عكسه، أو هما بإفراد اهـ. قال الحطاب: هذه أربع صور نص سند على عدم الإجزاء
الجزء: 1 - الصفحة: 447
فيها: الأولى: أن يشترط عليه التمتع فيأتي بالقران.
الثانية: عكسها أن يشترط عليه القران فيأتي بالتمتع.
الثالثة: أن يشترط عليه القران فيفرد.
الرابعة: أن يشترط عليه التمتع فيفرد اهـ. وعبارة الخرشي أنه قال: وكذلك لا يجزئ الحج عن الميت إذا شرط على الأجير أن يحج عنه متمتعا فخالف وحج قارنا، لأنه أتى بغير المعقود عليه.
وكذلك لو شرط عليه أن يحج متمتعا أو قارنا فخالف الأجير وحج مفردا، لأنه بغير المعقود عليه.
وسواء كان المشترط لذلك في هذه الأربع هو الميت أو الوصي كما هو مقتضى كلامهم.
وزاد سند فيما إذا خالف التمتع إلى الإفراد لا يجزئه أن يعتمر بعد الحج.
قال: لأن الشرط لا يتناوله، فإن قيل الإفراد عندكم أفضل من التمتع ومن القران، قلنا الأجرة متعلقة بشرط الإجازة ولا ينظر إلى غيره، ألا ترى أنه لو استؤجر على العمرة فحج لم يجزئه، وإن كان لا يختلف أن الحج أفضل من العمرة اهـ مع التوضيح.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فلو أحرم عن نفسه انفسخت الإجازة " يعني كما في المواق عن ابن شاس: حكم الأجير أن ينوي الحج لمن حج عنه، وإن نوى لنفسه انفسخت الإجازة، إلا أن يكون استؤجر على عام لا بعينه اهـ. وفي الحطاب نقلا عن الطراز ونصه: إذا أحرم الأجير عن الميت ثم بدا له فصرف إحرامه لنفسه لم يجزه عن حجه عن نفسه ولا عن حج الإجازة، لأنه قصد بالفعل نفسه دون المستأجر، فلا يستحق أجرة في عمل لم يقصد به عمل الإجازة اهـ. وكذا نقل في الذخيرة عن القرافي قال: إذا أحرم الأجير عن الميت ثم صرفه لنفسه لم يجز عن
واحد منهما اهـ. وفي الجواهر الإكليل للشيخ صالح الآبي الأزهري عند قول خليل أو صرفه لنفسه: أي صرف الإحرام لنفسه فلا يجزئ عن الميت ولا عن الأجير، فتفسخ وترد الأجرة لأنه خلاف شرطه، ولأن الحج لا ينتقل لغير من وقع له وسواء كان العام معينا أم لا اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 448
قال رحمه الله تعالى: " ومن تطوع أو حج عن غيره قبل فرضه كره ووقع على ما نواه " يعني أنه يكره أن يحرم بالحج تطوعا أو عن غيره قبل أداء حجة الإسلام.
قال القاضي عبد الوهاب: وإنما كره أن يحج عن غيره قبل نفسه لقوله صلى الله عليه وسلم للذي سمعه يقول لبيك عن شبرمة، قال من شبرمة؟ قال أخ لي، قال حججت؟ قال لا، قال: " حج عن نفسك ثم عن شبرمة " قال شيخ مشايخنا محمد علي المالكي في إيضاح المناسك، فلو نوى الإحرام بنافلة انعقد نافلة وحرم عليه ذلك ولم يجزه عن الفرض.
قال وعند الشافعية يقع فرضا، ولو نوى النفل فالأسهل تقليدهم بعد الوقوع بلا مراعاة لهم في شروط الحج، لجواز التقليد بعد الوقوع، وجواز التلفيق كما في حاشية الخرشي اهـ.
ولما أنهى الكلام على الإجازة والنيابة في الحج انتقل يتكلم على المواقيت، فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في مواقيت الحج والعمرة
أي في بيان مواقيت الحج , وهي جمع ميقات.
وأصله أن يجعل للشيء وقت يختص به كوقت الصلاة، ويطلق على المكان والزمان.
قال بعضهم: المواقيت جمع ميقات وهو ما حدد ووقت للعبادة من زمان ومكان.
وميقات الحج ينقسم إلى قسمين: ميقات زماني وميقات مكاني، وإلى الأول أشار رحمه الله تعالى بقوله: " الميقات زماني: شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة " قال الله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197] والأشهر جمع شهر، وأقل الجمع ثلاثة، وهي شوال وذو القعدة وذو الحجة، يعني أن الوقت الزماني في الحج أوله إثبات هلال شهر شوال، وآخره بالنسبة للإحرام يمتد لقرب طلوع فجر يوم النحر.
وفي إيضاح المناسك لشيخ مشائخنا العلامة محمد علي بن حسين الأزهري المكي المتوفى سنة 1367 هجرية أنه قال: الوقت الأكمل لإحرام الحج ابتداء شوال إلى مقدار ما يسع الوقوف
الجزء: 1 - الصفحة: 449
من ليلة النحر فيصح الإحرام به قبله مع الكراهة اهـ. وأما آخر وقته بالنسبة لتمام النسك فيمتد لكمال شهر ذي الحجة.
ووقت الإحرام
بالعمرة في حق غير محرم بحج جميع السنة.
أما في حق المحرم بالحج فبعد أيام التشريق كما يأتي عن المصنف.
ثم ذكر القسم الثاني وهو الميقات المكاني، فقال رحمه الله تعالى: " ومكاني ذو الحليفة، والجحفة، ويلملم، وقرن المنازل، وذات عرق " يعني هذه الخمسة هي المواقيت المكانية للحج والعمرة.
وفي الموطأ عن عبد الله بن عمر أنه قال: " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل المدينة أن يهلوا من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن " قال عبد الله بن عمر: أما هؤلاء الثلاثة فسمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ويهل أهل اليمن من يلملم " اهـ ولأحمد وأبي داود والنسائي " وقت النبي صلى الله عليه وسلم لأهل العراق ذات عرق " اهـ وعن ابن عباس، رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم: " وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ولأهل اليمن يلملم وقال: هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة " اهـ. رواه الخمسة.
وقال العلامة الدردير: ومكانه له - أي للحج - لمن بمكة مكة.
وندب بالمسجد، وخروج ذي النفس لميقاته.
ولها - أي العمرة - وللقران الحل، وصح بالحرم وخرج، وإلا أعاد طوافه وسعيه بعده وافتدى إن حلق قبله.
ولغيره - أي غير المكي - لهما - أي بالنسبة للحج والعمرة - ذو الحليفة للمدني، والجحفة لكالمصري، ويلملم لليمن والهند، وقرن لنجد، وذات عرق للعراق وخراسان ونحوهما، ومسكن دونها، وحيث حاذى واحدا منها أو مر به ولو ببحر إلا كمصري يمر بالحليفة فيندب منها وإن حائضا، ومن مر غير قاصد مكة، أو غير مخاطب به، أو قصدها مترددا، أو عاد لها
الجزء: 1 - الصفحة: 450
من قريب فلا إحرام عليه، وإلا وجب، ورجع له وإن دخل مكة ما لم يحرم، ولا دم إلا لعذر كخوف فوات فالدم، كراجع بعد إحرامه، إلا أن يفوت فتحلل بعمرة اهـ. وقال الشيخ حسين بن إبراهيم في التوضيح: وأما الآفاقي القادم إلى مكة برا فميقاته مختلف: فميقات أهل مصر والشام والمغرب والتكرو الجحفة، ومنها رابغ على الراجح.
وميقات أهل نجد قرن.
وميقات أهل اليمن والهند يلملم.
وميقات أهل العراق وخراسان ذات عرق.
وميقات أهل المدينة ذو الحليفة، ويستحب الإحرام من أول الميقات إلا بذي الحليفة فالأفضل الإحرام من مسجدها لأنه محل إحرامه صلى الله عليه وسلم.
ويجب على كل من مر بواحد من هذه المواقيت وهو يريد أحد النسكين أن يحرم من الميقات الذي مر به، أو محاذيها ولو كان غير ميقاته، إلا المصري ومن ذكر معه إذا مروا بذي الحليفة فالأفضل لهم أن يحرموا منها، ولهم التأخير للجحفة اهـ بتوضيح.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فهي لأهلها ومن مر بها " يعني أن المواقيت المذكورة هي لأهل الجهات التي كانت بها، وهي أيضا ميقات لمن مر بها من غير أهل تلك الجهات، لما تقدم في الحديث من قوله صلى الله عليه وسلم: " هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة " الحديث.
قال بعضهم في شرح هذا الحديث: والمراد بأن هذه الأماكن جعلت ميقاتا أن كل من يريد الحج لا يتعداها إلا وهو محرم، والإجماع على إجزاء الإحرام في مكان يسبقها حتى يوافيها محرما اهـ. قلت: قد أفتى العلماء المعتبرون من أهل العصر بوجوب الهدي على من تعدى الميقات على الطائرة وغيرها قبل الميقات المكاني لسقط عنه الدم، وإن كان الإحرام قبل الميقات مكروها، والكراهة لا تنافي الجواز، بل قد قال الحافظ أحمد الطبري في كتاب " القرى لقاصد أم القرى " والتقديم جائز بالإجماع، وإنما كرهه قوم اهـ فراجعه إن شئت.
الجزء: 1 - الصفحة: 451
قال رحمه الله تعالى: " فمن تجاوزه حلالا لزمه دم إلا أن يرجع غير محرم " يعني فمن تجاوز ميقاتا مكانيا حلالا وهو ممن يخاطب بالأحرار منه لزمه دم تعدي الميقات قال في التوضيح: المار بالميقات إما أن يريد مكة أم لا فإن كان لا يريد مكة، أو كان غير مخاطب بالنسك كالعبد والصبي فلا إحرام عليه، فإن بدا له دخول مكة بعد تعدي الميقات فأحرم فلا دم عليه ولو كان صرورة مستطيعا على تأويل ابن زيد، وصوبه ابن يونس كما في حاشية الخرشي، وإن كان يريد مكة وجب عليه الإحرام ولو لم يرد نسكا فلو دخلها بغير إحرام وجب عليه أن يرجع إلى الميقات ليحرم منه، إلا أن يغلب على ظنه فوات الحج أو الرفقة التي لا يجد غيرها فيحرم من مكانه الذي هو به ولا يرجع، ويلزمه هدي، وإن أحرم بعد تعدي الميقات وجب عليه الهدي ولو لم يرد نسكا لأن قصد مكة كقصد النسك كما في نقل ابن عرفة، واعتمدوه، سواء رجع إلى الميقات بعد الإحرام أم لا، أفسده أم لا لوجوب إتمام المفسد؛ لا إن فاته الحج فلا دم عليه حيث تحلل بفعل عمرة، وإن لم يتحلل بفعل عمرة وبقي على إحرامه لعام القابل فدم تعدي الميقات باق عليه مع دم الفوات، أما لو تحلل بفعل عمرة فلا يلزمه دم تعدي الميقات لأنه كأنه تعدى الميقات غير مريد نسكا ثم بدا له الإحرام بالعمرة فأحرم بها، فقد انقلب حجة لعمرة ولم يتسبب في فواته، فقد سقط عنه إتمام العبادة التي نقصها بترك الإحرام من الميقات وانقلبت لغيرها، ولا فائدة في جبران عبادة قد عدمت من أصلها، إذ لا بد من قضائها على الكمال كما في الخرشي اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " ومن منزله بعد ميقات فهو ميقاته " يعني أن من كان
منزله عند الميقات أو وراءه فميقاته منزله، فإن كان منزله قريبا من الميقات فيستحب له أن يذهب إلى الميقات ليحرم منه، فإن سافر إلى وراء الميقات فله التأخير إلى منزله، وله أن يحرم من الميقات.
ومن كان منزله بين ميقاتين فميقاته منزله كأهل الصفراء وبدر، ومن
الجزء: 1 - الصفحة: 452
كان منزله بين مكة والميقات كأهل جدة فميقاتهم منزلهم ويخيرون بين بيوتهم ومساجدهم، فإن أحرموا بعد أن تعدوا منازلهم فعليهم الهدي.
ومن كان منزله في الحرم فميقاته منزله، ويستحب أن يكون إحرامه في المسجد الحرام.
قال في توضيح المناسك: أما أهل مكة والمستوطنون بها فالمستحب لهم أن يحرموا من مكة إن أرادوا الإحرام بالحج مفردا.
والأفضل الإحرام من المسجد الحرام.
وإنما كان هذا هو الأفضل لأن مكة ليست من المواقيت؛ لأن المواقيت أقتت لئلا يدخل الإنسان إلى مكة بغير إحرام، فمن كان عند البيت فليس البيت ميقاتا له، بدليل أن المعتمر لا يحرم منها، والمواقيت يستوي في الإحرام منها الحج والعمرة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومكة ميقات أهلها، والمعتمر يخرج منها إلى أدنى الحل، وفي المكي منها خلاف، ولا يدخل أفقي (1) مكة إلا محرما " يعني كما قال خليل في منسكه.
فمن يحرم منها لا بالعمرة فلا بد أن يخرج منها إلى أدنى الحل من أي جهة كانت.
والأفضل الجعرانة أو التنعيم.
ولا يحرم بالقران أيضا إلا من الحل على المشهور خلافا لعبد الملك.
وإنما قلنا إنه يخرج في العمرة لأن كل إحرام لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم اهـ.
ولما أنهى الكلام على ما تقدم من بيان المواقيت الزماني والمكاني انتقل يتكلم على الأركان فقال رحمه الله تعالى.
فَصْلٌ
في أركان الحج وكيفية الإحرام
أي في بيان أركان الحج والأركان جمع ركن وهو ما لا ينجبر بالدم، بل لا بد من الإتيان به.
وأركان الحج أربعة: النية، والحضور بعرفة في جزء من ليلة عاشر ذي الحجة،2
الجزء: 1 - الصفحة: 453
وطواف الإفاضة، والسعي.
وأركان العمرة ثلاثة: النية، والطواف، والسعي.
وإلى ذلك أشار رحمه الله تعالى بقوله: " أركان الحج أربعة:
الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي " يعني أن أركان الحج عند معاشر المالكية أربعة كما تقدم: الأول الإحرام، وحقيقته نية الدخول في أحد النسكين مع قول أو فعل يتعلقان به كالتلبية، والتوجه على الطريق كما قال خليل في منسكه.
وأما حقيقة الوقوف فهو أيضا كما تقدم حضور بعرفة بإحرام في جزء من ليلة عاشر ذي الحجة ولو مارا، علم بأنه بعرفة ونوى.
وأما الطواف المراد به هنا طواف الإفاضة الذي يكون بعد رمي جمرة العقبة، فهو ركن بلا خلاف.
وأما السعي فالمشهور أنه ركن خلافا لأبي حنيفة.
قال الصاوي: اعلم أن الركن هو ما لا بد من فعله ولا يجزئ عنه دم ولا غيره، وهو الإحرام والطواف، والسعي، والوقوف بعرفة.
وهذه الأركان ثلاثة أقسام: قسم يفوت الحج بتركه ولا يؤمر بشيء وهو الإحرام.
وقسم يفوت بفواته ويؤمر بالتحلل بعمرة وبالقضاء في العام القابل وهو الوقوف، وقسم لا يفوت بفواته ولا يتحلل من الإحرام، ولو وصل لأقصى المشرق أو المغرب رجع لمكة ليفعله وهو طواف الإفاضة والسعي، والثلاثة غير السعي متفق على ركنيتها.
وأما السعي فقيل بعدم ركنيته وإن كان قولا ضعيفا، وبه قال أبو حنيفة اهـ. انظر بلغة السالك.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فالإحرام ثلاثة أضرب " يعني أن الإحرام له أنواع ثلاثة، وعبر بها بعضهم بالأقسام، وبعضهم بالأوجه، وبعضهم بالأضرب كالمصنف، وكلها معنى واحد، وهي الإفراد، والقران، والتمتع.
وعدها بعضهم خمسة أنواع باعتبار مطلق الإحرام، وإحرام بما أحرم به والده مثلا.
وأشار رحمه الله تعالى إلى النوع الأول فقال: " إفراد وهو أفضلها " يعني أن الإفراد هو أفضل أوجه الإحرام، بأن يحرم بالحج وحده.
قال في الرسالة: والإفراد بالحج أفضل عندنا من التمتع ومن القران.
وفي توضيح المناسك: وأوجهه - أي الإحرام - خمسة: أولها: الإفراد، وهو أفضلها لأنه لا هدي فيه، ولأنه
الجزء: 1 - الصفحة: 454
صلى الله عليه وسلم حج مفردا قلت: بشهادة حديث عائشة أم المؤمنين أنها قالت: إن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أفرد الحج كما في الموطأ.
والإفراد: هو أن يحرم بالحج بأن ينوي بقلبه الدخول في حرمة الإحرام بالحج مفردا، وهو أفضل عند مالك.
وينوي به حج الفرض إن لم يكن حج الفرض، أو فرض الكفاية إن كان حج الفرض ليثاب عليه ثواب الواجب، فهو أفضل من كونه ينوي به التطوع اهـ.
ثم ذكر النوع الثاني من أنواع الإحرام فقال رحمه الله تعالى: " وتمتع وهو أن يأتي الأفقي بالعمرة أو بعضها في أشهر الحج، ثم يحج من عامه قبل رجوعه إلى أفقه، أو مثل مسافته، ويلزمه به الهدي إلا لحاضري المسجد الحرام " يعني أن من
حج متمتعا يلزمه هدي بأربعة شروط.
أولها: عدم الاستيطان بمكة أو قربها وقت الإحرام، وأما من قدم محرما بعمرة في أشهر الحج ونيته الاستيطان فإنه يجب عليه هدي.
ثانيها: أن يحج من عامه، ثالثها: أن لا يرجع بعد اعتماره وقبل إحرامه بالحج إلى بلده أو مثله ولو بالحجاز، لا لأقل إلا أن يكون بلده بعيدة كالإفريقي فيكفيه في سقوط الدم رجوعه إلى نحو مصر.
رابعها: أن يفعل بعض أركان العمرة ولو بعض شوط من السعي في أشهر الحج، لا إن حلق للعمرة في أشهره فلا يكون متمتعا.
ولا يشترط في التمتع صحة العمرة، فلو أفسد عمرته ثم حج من عامه بعد تمامها وقبل قضائها فهو متمتع، وعليه قضاء عمرته إذا حل من حجه وحجه تام، ولو كرر العمرة في أشهر الحج فعليه هدي واحد، ولا يشترط كون الحج والعمرة عن واحد، فلو حج عن نفسه واعتمر عن غيره لزمه الدم على الراجح.
ولو أحرم بعمرة وحل منها في أشهر الحج ثم بقران فعليه هديان: هدي للتمتع وهدي للقران اهـ.
ثم ذكر النوع الثالث من أنواع الإحرام فقال رحمه الله تعالى: " وقران: وهو جمع العمرة والحج في إحرام مقدما للعمرة لفظا أو نية أو يردف الحج عليها في أثنائها
الجزء: 1 - الصفحة: 455
ويلزم به الهدي " يعني أن القران يلي الإفراد في الفضل مع وجوب الهدي، وله صورتان كما في توضيح المناسك: الأولى: أن يحرم بعمرة وحجة معا، فإن رتب في نيته بأن نوى أحدهما ثم الآخر وجب البدء بالعمرة، وإن لم يرتب بأن أحرم بهما بنية واحدة وقصد القران أو النسكين استحب له أن يقدم العمرة، الثانية: أن يردف الحج على العمرة بأن يحرم بالعمرة أولا ثم يردف عليها الحج، ويصح الإرداف بلا كراهة ما لم يكمل طواف العمرة فإن أردف في طوافها كمل الطواف تطوعا للزومه بالشروع، فلا يسعى بعده واندرج طوافها في طواف الإفاضة.
ويصح مع الكراهة بعد الطواف وقبل تمام الركوع.
ولا يصح بعد الركوع وقبل تمام السعي، فإن أحرم بالحج بعد كمال سعي العمرة وقبل الحلاق صح إحرامه، ولم يكن مردفا وحرم الحلق ويجب عليه هدي لوجوب تأخير الحلق عليه بسبب إحرامه بالحج، فإن حلق لم يسقط عنه الهدي، ولزمته فدية أيضا لحلقه وهو محرم.
ويشترط في صحة الإرداف أن تكون العمرة صحيحة، فلو أفسدها بجماع مثلا ثم أردف الحج عليها لم يرتدف على المشهور.
قال في أقرب المسالك: ووجب إتمامها فاسدة، ثم يقضيها وعليه دم اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وتدخل العمرة في الحج " وما ذكره المصنف من قوله وتدخل العمرة في الحج مثله لابن جزي في القوانين الفقهية خلافا للمشهور
في المذهب.
قال خليل ولغا عمرة عليه كالثاني في حجتين أو عمرتين.
وقال الخرشي: يعني أن العمرة لا ترتدف على الحج لضعفها وقوته، وكذلك لا ترتدف العمرة على مثلها، وكذلك لا يرتدف الحج على مثله لأن المقصود من الثاني حاصل بالأول.
وأما إرداف الحج على العمرة فإنه يصح وضعفها؛ ولأنه يحصل منه ما لا يحصل منها، فالقسمة رباعية صح منها المسألة الأخيرة.
ومعنى اللغو عدم الانعقاد اهـ. وفي الحطاب يعني أن من أحرم بحج ثم أحرم بعده بعمرة فإن العمرة لغو، وكذا إذا أحرم بحجة ثم أحرم بحجة أخرى، أو
الجزء: 1 - الصفحة: 456
بعمرة ثم أحرم بعمرة أخرى، فإن الحجة الثانية والعمرة الثانية لغو، يريد ويكره له ذلك اهـ. وقال المواق فيها: كره مالك لمن أحرم بالحج أن يضيف إليه عمرة ولا يلزمه شيء مما أردف، ولا قضاء ولا دم قران اهـ. وفي الموطأ عن مالك أنه سمع أهل العلم يقولون.
من أهل بحج مفرد ثم بدا له أن يهل بعده بعمرة فليس له ذلك: قال مالك: وذلك الذي أدركت عليه أهل العلم ببلدنا اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فمريد الإحرام إذا أتى الميقات إن كان معه هدي قلده وأشعره " يعني أن مريد الإحرام إذا وصل إلى الميقات المكاني، وأراد أن يحرم بحج أو عمرة يندب له أن يقلد هديه إن كان معه، وأن يشعره هناك.
قال في توضيح المناسك: يسن له أن يقلد هديه إن كان من الإبل أو البقر، ثم يشعره إن كان من الإبل سواء كان لها أسنمة أم لا، أو من البقر إن كان لها أسنمة، ولا تقلد ولا تشعر.
والتقليد: شيء في عنق
الهدي.
والأفضل أن يكون شيئا مما تنتبه الأرض ويجعل فيه نعلين ويعلقه في عنق الهدي.
والإشعار: أن يشق في الجانب الأيسر من السنام بادئا من جهة الرقبة إلى جهة المؤخر قدر أنملتين ونحو ذلك قائلا على جهة الاستحباب باسم الله والله أكبر ويستحب أن يكون مستقبل القبلة هو وهديه عند إشعاره، وأن يجعل الهدي عن يمينه، وأن يمسك خطامه بيساره، وأن يقدم التقليد على الإشعار.
ويستحب أن يجلل الهدي إن كان من الإبل بأن يجعل من الثياب بقدر طاقته اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " واغتسل وصلى ركعتين نافلة استحبابا، ويتجرد عن محيط في إزار ورداء ونعلين، ثم ينوي ما يريد عقده ملبيا ومتوجها " قوله: عن محيط بضم الميم وبالحاء المهملة، وفي نسخة مخيط بالخاء المعجمة كما في الرسالة، وهما روايتان صحيحتان.
والمعنى ثم بعد تمام التقليد والإشعار وما يتعلق بذلك يسن الغسل للإحرام، وهذا الغسل سنة من سنن الإحرام، ثم يتجرد عن المحيط والمخيط، يلبس
الجزء: 1 - الصفحة: 457
إزارا ونعلين، ويندب أن يكون الإزار والرداء
أبيضين نظيفين.
قال في توضيح المناسك: ويسن له بعد فعل ما تقدم أن يركع للإحرام ركعتين فأكثر إن كان متوضئا، وإلا بأن لم يجد ماء وكان مسافرا، أو كان مقيما ووجد ماء ولكن خاف باستعماله مرضا أو زيادته تيمم وركعها، ويستحب له أن يقرأ في الأولى ﴿قل يأيها الكافرون﴾، وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾، فإن كان الوقت وقت نهي انتظر وقت الجواز، إلا أن يخاف فصلاها أغنته عن ركعتي الإحرام، والأفضل تخصيصه بركعتين، ويدعو الله عقب تنقله بأن يسأل الله العون على إتمام نسكه، ثم يركب راحلته وينوي ما أراد من حج أو عمرة ملبيا متوجها كما قال المصنف.
والركوب في الحج والعمرة لمن قدر عليه أفضل من المشي للاقتداء به عليه الصلاة والسلام.
ثم بعد نية الدخول في الإحرام يلبي.
قال رحمه الله تعالى: " ولفظها " أي التلبية التي ينبغي الاقتصار عليها هي " لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنغمة لك والملك، لا شريك لك " فهذه هي تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويستحب للملبي الاقتصار عليها، ففي البخاري عن ابن عمر " إن تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم لبيك اللهم لبيك " إلخ.
ومثله عن عائشة أنها قالت: " إني لأعلم كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يلبي لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " يعاودها في كل صعود وهبوط وتلقي الرفاق ودبر الصلوات، ويلزم الدم بتركها جملة " يعني كما تقدم أن مريد أحد النسكين بعد أن يحرم يلبي حين توجهه إلى مكة.
قال في الرسالة: ولا يزال يلبي دبر الصلوات، وعند كل شرف، وعند ملاقاة الرفاق، وليس عليه كثرة الإلحاح بذلك.
فإذا دخل مكة أمسك عن التلبية حتى يطوف ويسعى ثم يعاودها حتى تزول الشمس من يوم عرفة
الجزء: 1 - الصفحة: 458
ويروح إلى مصلاها اهـ. انظره في الفواكه الدواني.
وما كره من لزوم الدم بترك التلبية جملة هو كذلك.
قال في إيضاح المناسك: فمن تركها من أول الإحرام إلى آخره لزمه هدي وكذا من فصل بينها وبين الإحرام بنصف يوم اهـ بتصرف.
قال رحمه الله تعالى: " ثم إن كان الوقت واسعا أتى مكة لطواف القدوم " يعني إن كان بين إحرامه بالحج وبين الوقوف بعرفة وقت واسع وجب عليه أن يأتي مكة لطواف القدوم؛ ومفهوم الشرط أنه إن ضاق الوقت ولم يسع الطواف والسعي بعده وخاف بفعلهما فوات الحج فإنه يترك طواف القدوم ويتوجه إلى عرفة لإدراك الوقوف ولا يلزمه الهدي في ترك القدوم لأنه مراهق، ويكون السعي بعد الإفاضة.
قال رحمه الله تعالى: " فيدخلها من التثنية العليا " قوله: فيدخلها الضمير عائد إلى مكة، يعني أن المحرم يدخل مكة من الثنية العليا، وهي التي يهبط منها على المقبرة المسماة بالمعلى التي بها أم المؤمنين خديجة، رضي الله تعالى عنها.
قال في الرسالة: ويستحب أن يدخل مكة من كداء الثنية التي بأعلى مكة، وإذا خرج خرج من كدا، وإن لم يفعل في الوجهين فلا حرج اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " حتى يأتي المسجد فيدخل من باب بني شيبة " يعني كما في توضيح المناسك يستحب له أن يدخل المسجد من باب بني شيبة المعروف الآن بباب السلام، ويدور إليه إن لم يكن على طريقه كما هو ظاهر إطلاقهم.
ويستحب له أن يقدم رجله اليمنى عند دخوله، وأن يقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم باسم الله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك وهذا مستحب كلما دخل المسجد الحرام أو غيره من المساجد.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا رأى البيت قطع التلبية " قال العلامة الشيخ محمد علي رحمه مولاه في إيضاح المناسك: وانتهاء التلبية بيوت مكة لمن أحرم بالعمرة أو الحج
الجزء: 1 - الصفحة: 459
أو القران من الحل، وحدود الحرم لمن أحرم بالعمرة من الميقات ولم يفته الحج فهل يقطعها عند بيوت مكة، أو إذا ابتدأ الطواف؟ قولان مشهوران.
وانتهاؤها لمن بمكة إذا أحرم بالحج مفردا أو قارنا قبل زوال يوم التاسع الأقصى من الرواح للمصلى والزوال، وكذا من عاودها بعد سعي الحج الواقع بعد القدوم.
وانتهاؤها لمن أحرم بعرفة بعد الزوال جمرة العقبة اهـ. ويستحب عند رؤية البيت أن يستحضر ما أمكنه من الخشوع، وأن يدعو بما أحب من أمر الدنيا والآخرة.
وأهمها سؤال المغفرة، والموت على الإسلام، وكفاية هول الموقف، ورضوان الله تعالى، والنظر إلى وجهه من غير سابقة عذاب.
وقال ابن حبيب: يستحب إذا وقع بصره على البيت أن يقول: اللهم أنت السلام ومنك السلام فحينا ربنا بالسلام.
وقال رحمه الله تعالى أي عند رؤية البيت: " وقال اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما، وزد من شرفه وعظمه ممن حجه أو اعتمره تشريفا وتعظيما ومهابة وتكريما " قال ابن الحاج في مناسكه: ويكبر عند رؤية البيت قبل أن يقول هذا ثلاث تكبيرات.
والحاصل أن التكبير والدعاء عند رؤية البيت مستحب، لأن الدعاء عند رؤية البيت مستجاب فيها الدعاء كما في الحديث.
قال رحمه الله تعالى: " فيأتي الحجر الأسود فيقبله " يعني فإذا دخل المسجد
لا يركع تحية المسجد فإن تحيته حينئذ الطواف، بل يقصد الحجر الأسود ويقبله بفيه إن قدر، وإلا فبيده ثم يضعها على فيه من غير تقبيل، وإن تعذر ذلك كبر بلا رفع يد على المشهور في المذهب.
قال رحمه الله تعالى: " ويقول " أي عند شروعه في الطواف: " اللهم إيمانا بك، ووفاء بعهدك، وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك " سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
قال رحمه الله تعالى: " ويبتدئ الطواف منه " أي من الحجر الأسود لأن الابتداء
الجزء: 1 - الصفحة: 460
منه واجب بل الأولى الاحتياط بالوقوف قبله بقليل، فمن بدأ من غيره وأتم لمحل بدئه أجزأه الطواف وبعث بهدي إذا خرج من مكة، وإلا ابتدأه، انظره في إيضاح المناسك.
قال رحمه الله تعالى: " فيطوف سبعة أشواط من وراء الحجر 3 جاعلا البيت عن يساره " يعني أنه يطوف سبعة أشواط، وإكمال سبعة أشواط شرط في صحة الطواف، فيعيده من بمكة إذا ترك شوطا أو بعض شوط منه مطلقا، ورجع على إحرامه واستأنفه إن خرج من مكة حيث كان الطواف ركنا، وبعث بهدي حيث كان واجبا ولا شيء عليه حيث كان نفلا.
ويبني الشاك غير المستنكح على الأقل ويأتي بما شك فيه كالصلاة، فإن لم يبن كان كمن ترك شوطا أو بعضه، ويعمل بخبر من كان معه في الطواف ولو واحدا وقوله: من وراء الحجر بالكسر أي من وراء حجر إسماعيل، وأصله من البيت، فلو طاف الإنسان ماسحا بيده على جدار الحجر لم يصح طوافه إلا أنه إذا بعد عن مكة ينبغي أن لا يلزم بالرجوع بل يبعث بهدي مراعاة لمن يقول إن الحجر ليس من البيت.
وقوله: جاعلا البيت إلخ، وأيضا كون البيت عن يسار الطائف شرط في صحة الطواف، فمن طاف والبيت عن يمينه أو وجهه أو ظهره للبيت لم يجزه.
قال خليل: وجعل البيت عن يساره.
قال الخرشي: يعني أن الطائف يجب عليه في طوافه أن يجعل البيت في دورانه عن يساره فكأنه لم يطف ورجع إليه ولو من بلده إن كان ذلك الطواف ركنا، وهذا هو المشهور لطوافه عليه الصلاة والسلام هكذا، وقوله: " خذوا عني مناسككم " وفي الصاوي على أقرب المسالك: المراد عن يساره وهو ماش مستقيما جهة أمامه، فلو جعله عن يساره إلا أنه رجع القهقرى من الأسود إلى اليماني لم يجزه.
قال الحطاب: حكمة جعل البيت
الجزء: 1 - الصفحة: 461
عن يساره ليكون قلبه إلى جهة البيت ووجهه إلى وجه
البيت؛ إذ باب البيت هو وجهه، فلو جعل الطائف البيت عن يمينه لأعرض عن باب البيت الذي هو وجهه ولا يليق بالأدب الإعراض عن وجوه الأمثال اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " الثلاثة الأول خببا، كلما مر بالحجر قبله وبالركن اليماني لمسه بيده " يعني أنه يطوف بالبيت سبعة أشواط ثلاثة خببا وأربعة مشيا كما في الحديث، ويسن استلام الحجر الأسود في أول شوط، ويندب في كل شوط، وكذلك اليماني لكنه باليد فقط.
وعبر رحمه الله بالخبب وعبر غيره بالرمل وهما لفظان متقاربان في المعنى وكلاهما واردان.
وفي الحديث الصحيح " كان عليه السلام إذا طاف بالبيت الطواف الأول خب ثلاثة ومشى أربعة، وكان يسعى ببطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة " اهـ أخرجه الشيخان عن ابن عمر.
وفي الموطأ عن نافع " أن عبد الله بن عمر يرمل من الحجر الأسود ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة أطواف " اهـ وفيه عن جابر بن عبد الله أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم رمل من الحجر الأسود حتى انتهى إليه ثلاثة أطواف " قال مالك " وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا اهـ. وفي الرسالة: سبعة أطواف ثلاثة خببا وأربعة مشيا.
وقال خليل عاطفا على المندوبات: ورمل رجل في الثلاثة الأول ولو مريضا وصبيا حملا اهـ. وما ذكرناه من الخبب والرمل من أنهما لفظان متقاربان في المعنى هو كذلك؛ لأن الخبب فوق الرمل ودون الجري.
والرمل فوق المشي مع هز المنكبين.
قال العلامة الدردير على أقرب المسالك: والرمل الإسراع في المشي دون الخبب اهـ. وأما قوله: كلما مر بالحجر قبله إلخ قد روينا عن جابر بن عبد الله في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: " حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثة ومشى أربعة، ثم أتى مقام إبراهيم فصلى ورجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا ". وفي الحديث: " إن مسح الركن اليماني والركن الأسود يحط الخطايا حطا " اهـ. أخرجه النسائي.
الجزء: 1 - الصفحة: 462
ثم قال رحمه الله تعالى: " واستيفاء العدد شرط كالطهارة " يعني كما تقدم أن إكمال سبعة أشواط شرط في صحة الطواف فراجعه إن شئت عند قول المصنف فيطوف سبعة أشواط إلخ.
وكما أن استيفاء العدد شرط في صحة الطواف كذلك الطهارة شرط في صحته.
قال في إيضاح المناسك: الثاني: أي من شروط صحة الطواف طهارة الحدث الأكبر والأصغر في ابتداء الطواف ودوامه على الذاكر القادر وغيره، فلا يصح طواف المحدث ولو غلبة أو سهوا أو نسيانا.
ولا يجوز له البناء على ما مضى بعد تطهره ولو بالقرب.
وكذا يشترط في صحة الطواف طهارة الخبث على الذاكر القادر في ابتداء الطواف فقط، فلا إعادة على من لم يعلم بها إلا بعد فراغه.
ولا يبطل طواف
من علم بها في أثنائه، بل يبني على ما فعله بعد طرحها أو غسلها كمن رعف في أثنائه بشرط أن لا يمشي على نجاسة، وأن لا يبعد المكان جدا، وأن لا يتعدى موضعا قريبا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإذا فرغ صلى ركعتين، والأفضل وراء المقام " يعني فإذا انقضى الطواف بأن تم سبعة أشواط صلى ركعتين في أي موضع تيسر له ذلك من المسجد، لكن الأفضل أن يصليها خلف مقام إبراهيم امتثالا لقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125] قال في توضيح المناسك.
ثم يصلي ركعتي الطواف، ويستحب له أن يقرأ في الركعة الأولى ﴿قل يأيها الكافرون﴾ [الكافرون: 1]، وفي الثانية: ﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: 1]، وإن اقتصر على الفاتحة أجزأه، ويستحب أن يركعهما بالمسجد وأن يكون خلف المقام إن لم يؤد إلى مروره بين يدي المصلين أو مرروهم بين يديه.
وأما صحتهما ففي أي مكان حتى لو طاف بعد العصر أو بعد الصبح وأخر الركعتين فإنه يصليهما حيث كان ولو في الحل، ما لم ينتقص وضوؤه، وإلا فراجع حكم موالاة الطواف وركعتيه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يخرج إلى الصفا فيرقى حتى يرى البيت فيتوجهه
الجزء: 1 - الصفحة: 463
ويكبر ويقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
لا إله إلا الله لا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين " هذا الدعاء من الواردات.
والمعنى أنه يفعل كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع؛ لأنه عليه الصلاة والسلام استلم الحجر الأسود بعد ركعتي الطواف، ثم خرج إلى السعي من باب الصفا.
قال بعضهم في منسكه: فلما دنا صلى الله عليه وسلم من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللهِ﴾ [البقرة: 158] الآية ثم قال: " أبدأ بما بدأ الله به " وفي رواية " ابدأوا " ثم رقي عليه حتى رأى البيت فاستقبله فوحد الله وكبره وقال: " لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
لا إله إلا الله وحده أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده " ثم دعا، وقال هذا ثلاث مرات يدعو بين ذلك، ثم ينزل إلى المروة يمشي فلما انصبت قدماه في بطن الوادي سعى حتى إذا جاوز الوادي وأصعد مشى.
هذا الذي صح عنه صلى الله عليه وسلم قبل وجود الميلين الأخضرين.
وكان صلى الله عليه وسلم لما وصل إلى المروة رقي عليها واستقبل البيت وكبر الله ووحده وفعل كما على الصفا حتى ختم السابع على المروة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم ينزل فيسعى حتى يجاوز الميلين الأخضرين، ثم
يمشي حتى يأتي المروة، فيفعل عليها كالصفا، وذلك شوط، ثم يأتي بتمام سبعة أشواط كذلك " وما ذكره رحمه الله مثله في الرسالة، ونصها: فإذا تم طوافه ركع عند المقام ركعتين، ثم استلم الحجر إن قدر، ثم يخرج إلى الصفا فيقف عليه للدعاء، ثم يسعى إلى الصفا، يفعل ذلك سبع مرات فيقف بذلك أربع وقفات على الصفا وأربعا على المروة اهـ قال ابن عاشر في المرشد المعين:
الجزء: 1 - الصفحة: 464
واخرج إلى الصفا فقف مستقبلا ... عليه ثم كبرن وهلا
واسع لمروة فقف مثل الصفا ... وخب في بطن المسيل ذا اقتفا
أربع وقفات بكل منهما ... تقف والأشواط سبعا تمما
وادع بما شئت بسعي وطواف ... وبالصفا ومروة مع اعتراف
وقول الناظم وادع بما شئت بسعي وطواف، إشارة إلى أن ليس في السعي والطواف دعاء مخصوص، بل يندب أن يدعو الطائف والساعي بما أحب من خيري الدنيا والآخرة.
وكان عبد الله بن عمر، رضي الله عنه، يدعو وهو على الصفا يقول.
اللهم إنك قلت: ادعوني استجب لكم، وإنك لا تخلف الميعاد، وإني أسألك كما هديتني للإسلام أن لا تنزعه مني حتى تتوفاني وأنا مسلم اهـ. رواه مالك في الموطأ.
ومما يقال في الطواف " اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق والشقاق وسوء الأخلاق " اهـ. أخرجه البزار.
ولابن ماجه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " وكل بالركن اليماني سبعون ملكا، فمن قال اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار قالوا آمين " وعنه أيضا " من طاف بالبيت سبعا ولا يتكلم إلا سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله محيت عنه عشر سيئات، وكتبت له عشر حسنات، ورفع له بها عشر درجات " اهـ. ويستحب القيام على الصفا والمروة للدعاء، وأن يطيل الوقوف.
وكذلك يستحب أن يكثر قول لا إله إلا الله مع الصلاة على النبي في السعي بين الصفا والمروة وغير ذلك من أنواع الذكر بلا تخصيص بدعاء معين على ما اتفق عليه الأئمة؛ لأن الطواف والسعي ليس لهما دعاء مخصوص كما تقدم.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهذا السعي هو الركن " أي هو ركن من أركان الحج
الجزء: 1 - الصفحة: 465
كما أنه ركن من أركان العمرة.
وتقدم أن أركان الحج أربعة.
الإحرام، والوقوف، والطواف، والسعي، فراجعه في أول الفصل إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن لم يأت بطواف القدوم، أو أخره عنه سعى مع
طواف الإفاضة " يعني أن المحرم بالحج إن لم يطف طواف القدوم، بأن كان مرهقا وأخر السعي إلى بعد النزول من عرفة، فإنه يسعى بعد طواف الإفاضة هذا إن كان تأخيره السعي لعذر كما وصفنا، وإلا فعليه الهدي لوجوب تقديم السعي على الوقوف.
وأما لو أحرم بحج من مكة كالتمتع، أو كان من أهلها فإنه يجب عليه إعادته بعد الإفاضة ما دام بمكة، فإن لم يعاوده حتى سافر إلى بلده وجب عليه أن يرسل بهدي لإيقاعه السعي بعد طواف التطوع؛ لأن طوافه قبل الوقوف تطوعا، ولا يلزم عليه الرجوع، بخلاف من لم يسع أصلا فإنه يرجع له وجوبا ولو وصل إلى أقصى المشرق أو المغرب؛ لأن السعي ركن على المشهور، خلافا لأبي حنيفة القائل إنه واجب ينجبر بالدم.
وروى ابن قصار عن الإمام أن السعي واجب يجبر بدم وليس بركن، فحينئذ إن رجع إلى بلده يرسل بهدي فقط، لكن المشهور الذي عليه الجمهور الأول، فتنبه.
قال رحمه الله تعالى: " وشرطه أن يكون عقيب طواف " يعني أن شرط صحة السعي أن يكون بعد تقديم طواف صحيح مطلقا.
قال في توضيح المناسك: وشرط صحته في الحج والعمرة أن يتقدمه طواف تام صحيح سواء كان فرضا أو واجبا أو تطوعا، فلو سعى من غير طواف لم يجزه، فإن كان محرما بعمرة وجب أن يكون إثر طواف العمرة وإن كان محرما بحج أو بقران من الحل وجب عليه تقديم من ترك طواف القدوم.
وتركهما معا كترك أحدهما أحدهما من حيث لزوم الدم، فإن أحرم بالحج من مكة، أو أردف الحج بالحرم فلا
الجزء: 1 - الصفحة: 466
يطوف ولا يسعى حتى يرجع من عرفة، وكذا يرخص للمراهق في تأخيره وهو من قدم في اليوم الثامن ومعه أهل أو في التاسع وإن لم يكن معه أهل، فإن أوقعه مطلقا سواء كان من حج أو عمرة بعد طواف تطوع أعاده ما دام بمكة، فإن لم يعاوده حتى بعد عن مكة لزمه الهدي اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يخرج في اليوم الثامن إلى منى ويعاود التلبية " يعني كما في الرسالة: ثم يخرج يوم التروية أي يوم الثامن من ذي الحجة متوجها إلى منى فيصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والصبح، ثم يمضي إلى عرفات ولا يدع في هذا كله حتى تزول الشمس من يوم عرفة ويروح إلى مصلاها اهـ. وتقدم لنا عند قول المصنف ويعاودها في كل صعود وهبوط فراجعه إن شئت.
قال في توضيح المناسك: ويكره التقديم إلى منى بقصد النسك قبل اليوم الثامن ولو بتقديم الأثقال.
وإلى عرفات بقصد النسك قبل التاسع والتراخي
في مكة إلى آخر النهار من ذلك اليوم من غير عذر، فإذا وصل إلى منى نزل بها حيثما تيسر له النزول.
قال رحمه الله تعالى: " ويستحب المبيت بها فإذا صلى الصبح دفع إلى عرفة فينزل بها " يعني كما في توضيح المناسك، ويسن المبيت بها وأن يصلي بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء، كل صلاة في وقتها قصرا إلا المغرب، وهذه الليلة يطلب إحياؤها، فليكثر فيها من الصلاة والدعاء والذكر، والسنة أن لا يخرج من منى حتى تطلع الشمس على ثبير، وإنما كان القصر سنة مع قصر المسافة لأجل السنة، والقصر لجميع الحجاج سواء المكي وغيره سنة في ذهابه للحج وفي رجوعه لبلده أيضا، حيث بقي عليه عمل من النسك بغيرها، وإلا أتم حال رجوعه، كمنوي راجع من مكة بعد الإضافة لمنى، فإنه لا يقصر في رجوعه لأنه وإن كان رجوعه لوطنه إلا أن عليه النزول بالمحصب وهو بغير وطنه اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 467
قال رحمه الله تعالى: " فإذا زالت الشمس قطع التلبية وجمع بين الصلاتين ثم وقف، وعرفة كلها موقف إلا بطن عرنة، فإذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب دفع إلى المزدلفة " والمعنى كما ذكرنا في الرسالة المختصرة في صفة الحج، فإذا زالت الشمس من يوم التاسع وأنت بعرفة فاغتسل بإمرار اليد من غير إزالة الوسخ وصل الظهر والعصر مجموعتين جمع تقديم، ولا تصل النفل بينهما، ثم تذهب إلى موقف عرفة، وعرفة كلها موقف ما عدا بطن عرنة، ويستحب لك أن تقف موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت جبل الرحمة، وأن تستقبل القبلة وأنت متوضئ مشتغلا بالدعاء والذكر والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والتضرع وسؤال العافية في الدنيا والآخرة وطلب المغفرة لنفسك ولوالديك ولمن أوصالك بالدعاء ولجميع المسلمين والمسلمات، ولا تزال مشتغلا مجتهدا بذلك إلى غروب الشمس، وبعد الغروب تقف قليلا وتنوي الوقوف الركن ولو بقدر سبحان الله، لأن الوقوف نهارا واجب ينجبر بدم، والوقوف الركن لا يكون إلا عند تحقق الغروب عند المالكية، ولذا أشار رحمه الله بقوله: " ومن خرج من عرفة قبل تواريها بطل حجه إلا أن يعود جزءا من الليل، ومن تركه نهارا متمكنا فعليه دم " قال مالك: إن عبد الله بن عمر كان يقول: من لم يقف بعرفة من ليلة المزدلفة قبل أن يطلع الفجر فقد فاته الحج، ومن وقف بعرفة من ليلة المزدلفة من قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج اهـ. قال في الموطأ: وتقرر لنا في دماء الحج أن نية الخروج من عرفة قبل الغروب من موجبات الهدي، فمن نوى الخروج من عرفة قبل الغروب ولم يخرج إلا بعد الغروب وجب عليه الهدي فإن خرج فعلا والحال أنه لم تغرب الشمس فقد فاته الحج إن لم يرجع قبل طلوع الفجر، وندب له التحلل بفعل عمرة، ووجب عليه القضاء والهدي في العام القابل اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإذا أتى المزدلفة جمع بين العشاءين فإن لم ينزلها
الجزء: 1 - الصفحة: 468
لزمه الدم، والأفضل المبيت ويلتقط منها حصى الجمار، فإذا طلع الفجر أتى المشعر الحرام فصلى الصبح ووقف ذاكرا " يعني كما في صفة الحج إذا تحقق غروب الشمس من يوم عرفة تدفع بوقار وسكينة قبل صلاة المغرب حتى تصل إلى مزدلفة فتجمع بها المغرب والعشاء وتقصرها دون المغرب، ويسمى هذا الجمع جمع التأخير بأذان واحد وإقامتين، ولا تصل النفل بينهما.
وأما الجمع بعرفة فإنه بأذانين وإقامتين، ولا تصل النفل بينهما.
وأما الجمع بعرفة فإنه بأذانين وإقامتين لكل من الظهر والعصر على المشهور، ويسمى جمع التقديم.
والنزول بالمزدلفة واجب، ويلزم في تركه الدم كما قال المصنف، ويستحب المبيت بها وأن يصلى الصبح في أول وقتها، وأن تقف عند المشعر الحرام مستقبل القبلة، وأن تكثير من الذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسفار، وأن تلتقط القبلة، وأن تكثر من الذكر والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسفار، وأن تلتقط سبع حصيات لرمي جمرة العقبة.
ومما ينبغي إحياء تلك الليلة بكثرة العبادة من الذكر والصلاة وغيرها، لما رواه الطبراني في التكبير عن عبادة بن الصامت مرفوعا " من أحيا ليلة الفطر وليلة الأضحى لم يمت قبله يوم تموت القلوب " اهـ. قال ابن جزي: إذا غربت الشمس يوم عرفة دفع الإمام والناس معه إلى المزدلفة، وهي ما بين منى وعرفة، وينصرفون على طريق المأزمين فيجمعون بالمزدلفة بين المغرب والعشاء مقصورة بعد مغيب الشفق، ويبيتون بها تلك الليلة، ومن صلى قبلها من غير على أعاد إذا أتاها، ولا ينزل ببعض المياه لعشاء أو استراحة، فإذا طلع الفجر صلوا الصبح بغلس ثم نهضوا إلى المشعر الحرام وهو آخر أرض المزدلفة فيقفون للتضرع والدعاء إلى الإسفار، ثم يدفعون منها قبل طلوع الشمس إلى منى ويخب في وادي محسر اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يدفع قبل الطلوع إلى منى فيرمي بها جمرة العقبة بعد الطلوع بسبع حصيات " قال في توضيح المناسك: يستحب له إذا وصل إلى منى أن يرمي جمرة العقبة حين وصوله إلى هيئته ماشيا أو راكبا إلا أن يكون في إتيانه كذلك أذى للناس، فيحط رحله ويأتي إليها ماشيا.
وأصل رميها واجب، ويندب المشي في غيرها،
الجزء: 1 - الصفحة: 469
ويدخل وقتها بطلوع الفجر أي في يوم النحر، ويمتد وقت أدائها إلى الغروب، وأفضله من طلوع الشمس إلى الزوال، والليل وقت قضاء لها، فإن أخر إليه لزمه دم، ويستحب أن يستقبلها حالة الرمي ومنى عن يمينه
وطريق مكة عن يساره ثم يرميها بسبع حصيات متفرقا، فإن رماها من فوقها من الطريق العليا في أصل المرمى من تلك الجهة أجزأه ويستغفر الله.
ولا يرمي يوم النحر إلا جمرة العقبة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم ينزل فيحلق أو يقصر وينحر هديه " يعني إذا تم رمي جمرة العقبة بسبع حصيات فإنه يبادر إلى الحلق أو التقصير، وينحر هديه إن كان معه هدي، لكن يستحب تقديم النحر على الحلق وأن يفعلهما قبل الزوال بلا عذر مكروه؛ لأن الذبح بعده مكروه؛ لأن الذبح مقدم على الحلق لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّه﴾ [البقرة: 196] وأول ما يفعل في يوم النحر الرمي ويجب تأخير الحلق والطواف، فتقديم الطواف قبل الرمي يوجب هديا، وتقديم الحلق يوجب فدية، وتقديمهما معا يوجب هديا وفدية.
وأما تأخير الذبح عن الرمي وتأخير الحلق عن الذبح فمستحب كتأخيري الإفاضة عن الذبح.
وحاصل ما يطلب في يوم النحر أربعة أشياء وهي: الرمي، والذبح، ثم الحلق، ثم الطواف، وإليها أشار بعضهم بقوله: " رنحط " الراء للرمي، والنون للنحر، والحاء للحلق، والطاء لطواف الإفاضة اهـ. ويجب استيعاب جميع الرأس بالحلق أو التقصير، والحلق أفضل، وإن أخره حتى رجع لبلده لزمه الهدي ولو قربت.
وفي المدونة: والحلاق يوم النحر بمنى أحب إلي وأفضل، فإن حلق بمكة أيام التشريق أة بعدها، أو حلق في الحل في أيام منى فلا شيء عليه اهـ.
قال الحطاب: لعله مقيد بأنه رحل ولم يرجع لبلده ليوافق ما في المدونة وهو قولها: وإن أخره حتى رجع لبلده لزمه الهدي، ولو قربت كما تقدم اهـ. فتقرر أن تأخير
الجزء: 1 - الصفحة: 470
الحلق إلى بلده يوجب الهدي، وكذلك الطول، كبعد خمسة أيام بعد أيام التشريق.
ويكره الجمع بين الحلق والتقصير لغير ضرورة.
ويتعين الحلق في الشعر القصير جدا، وفي عديم الشعر كالأقرع فيجر الموسى على رأسه، ويستحب استقبال القبلة حالة الحلق أو التقصير والبدء بالأيمن، وأن يذكر الله ويدعوه لأن الرحمة تغشى الحاج عند حلاقه، وكذلك يستحب إيقاع الحلاق بمنى من غير إيجاب، وأن يكون عند جمرة العقبة.
ويتعين التقصير في حق الأنثى ولو بنت تسع، ويحرم عليها الحلق، لأنه مثله في حقها، والحرمة في حق الصغيرة متعلقة بوليها، وأما بنت أقل من تسع فيخير فيها بين الحلق والتقصير.
والتقصير أن تأخذ المرأة قدر أنملة أو أقل أو أكثر، ويأخذ الرجل في تقصيره من قرب أصله استحبابا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ثم يأتي مكة فيطوف طواف الإفاضة وهذا هو
الركن " يعني إذا رمى جمرة العقبة وفعل ما ذكر بعدها من النحر والحلق فإنه يستحب له أن يأتي مكة لطواف الإفاضة ليتحصل له التحلل الأكبر، لأن التحلل الأصغر قد حصل برمي جمرة العقبة كما يحصل بخروج وقت أدائها ولو لم يرمها، وبرميها يحل لك كل شيء إلا الجماع ومقدماته، وعقد النكاح، والصيد فحرمتها باقية حتى يطوف طواف الإفاضة.
ويكره الطيب، فلا فدية، وطواف الإفاضة به يحصل التحلل الأكبر وهو الركن الرابع من أركان الحج في حق من قدم السعي إثر طواف القدوم.
وهو آخر أركانه.
قال النفراوي في الفواكه: اعلم أنه قد تقرر أن للحج تحللين أصغر وأكبر، فالأكبر طواف الإفاضة لأنه يحل به كل ما كان محرما على المحرم، والأصغر رمي جمرة العقبة لأنه إنما يحل به غير النساء والصيد، ويكره معه مس الطيب، ومثل رميها بالفعل فوات وقت أدائها وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، لأن الليل قضاء اهـ. وفي توضيح المناسك: ويستحب له أن يأتي مكة لطواف الإفاضة إثر الحلق في يوم النحر، وأن يدخلها طاهرا ليبادر بفعله،
الجزء: 1 - الصفحة: 471
وأن يطوف في ثوبي إحرامه، ثم يصلي ركعتي الطواف وجوبا، ثم يسعى سبعة أشواط إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم كما تقدم.
ويدخل وقت طواف الإفاضة بطلوع الفجر من يوم النحر ويستحب الرمل في الثلاثة الأشواط الأول منه للرجال فقط.
ولا رمل في طواف لا سعي بعده اهـ، وفي صفة الحج: ثم تتوجه إلى مكة فتطوف بالبيت سبعة أشواط طواف الإفاضة وهو ركن من أركان الحج، وتسعى بين الصفا والمروة سبعة أشواط كذلك إن لم تقدم السعي بعد طواف القدوم، ثم ترجع إلى منى من يومك لأجل المبيت والرمي بعد زوال كل يوم ثلاث جمرات، كل جمرة بسبع حصيات، تبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، ثم الجمرة الوسطى، ثم الكبرى، تفعل ذلك ثلاثة أيام إن لم تتعجل، أو يومين إن تعجلت ثم تدفع إلى مكة اهـ. ومثله في الرسالة، ونصها: فإذا وصل إلى منى رمى جمرة العقبة بسبع حصيات مثل حصى الخذف، ويكبر مع كل حصاة، ثم ينحر إن كان معه هدي، ثم يحلق.
ثم يأتي البيت فيفيض ويطوف سبعا ويركع، ثم يقيم بمنى ثلاثة أيام، فإذا زالت الشمس من كل يوم منها رمى الجمرة بمثل ذلك تلي منى بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة ثم يرمي الجمرتين كل جمرة بمثل ذلك، ويكبر مع كل حصاة، ويقف للدعاء بإثر الرمي في الجمرة الأولى والثانية، ولا يقف عند جمرة العقبة ولينصرف، فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه وإن شاء تعجل في يومين من أيام منى فرمى وانصراف اهـ.
وإلى جميع ذلك أشار رحمه الله تعالى فقال: " ثم يعود إلى منى فيبيت بها
ليالي التشريق لرمي الجمار، فيرمي الأيام الثلاثة كل يوم بعد الزوال، ولا يجزئ قبله ولا ليلا، يبدأ بالجمرة السفلى فيرميها بسبع حصيات رميا لا وضعا، ويكبر مع كل حصاة، ويتقدم أمامها فيتوجه العقبة ويبتهل بالدعاء، ثم يأتي الوسطى فيفعل كذلك، ثم يأتي العليا وهي العقبة فيرميها " يعني إذا تم طواف
الجزء: 1 - الصفحة: 472
الإفاضة وجب عليه الرجوع إلى منى للمبيت والرمي، فالمبيت بمنى أيام التشريق واجب وتركه يوجب الهدي، إلا من رخص لهم وهو رعاة الإبل ومن ولي السقاية بمكة.
قال في توضيح المناسك: يسقط المبيت عن الرعاة، فإذا رموا جمرة العقبة يوم النحر فلهم أن يذهبوا ويرخص لهم في تأخير رمي جمار اليوم الثاني، فيأتوا في الثالث فيرموا لليوم الثاني ثم للثالث ولا دم عليهم.
قال ويسقط المبيت أيضا عمن ولي السقاية بمكة، فيرمي الجمار نهارا في كل يوم ثم يعود لمكة لأجل المبيت، ومن ترك المبيت بمنى ليلة كاملة أو جلها أو جميع الليالي لزمه الدم، ويشترط في المبيت بها أن يكون فوق جمرة العقبة وجمرة العقبة من منى كما في المجموع.
فمن بات دونها جهة مكة لم يبيت بمنى اهـ.
وأما الرمي فله شروط الصحة وشرط الكمال، فشروط صحته عشرة، الأول أن يكون في اليوم الأول من أيام النحر بعد الفجر وفي اليوم الثاني والثالث والرابع بعد الزوال.
الثاني أن يكون بحجر.
الثالث أن يكون رميا.
الرابع أن يكون بيده.
الخامس أن يكون على الجمرة وهي البناء وما تحته من موضع الحصا المجتمع أو السائل فيه.
السادس الترتيب بين رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث والرابع من أيام النحر.
السابع أن تكون الحصاة قدر حصى الخذف، واستحب مالك أن يكون أكبر منه قليلا.
الثامن أن يكون الرمي لكل جمرة سبعا من المرات يقينا ولو بحصاة واحدة.
التاسع أن لا ينوي بواحدة من المرات السبع نفسه وغيره وإلا لم تجز عن واحد منهما.
العاشر عدم صرف الرمي بالنية لغير النسك اهـ وأما شروط الكمال وتسمى آداب الرمي فكثيرة، منها أن يكون بالأصابع لا بالقبضة، وباليد اليمنى لا باليسرى إلا إذا كان أعسر.
ومنها تطهير الحصى إن كان متنجسا، وأن يلقطه بنفسه، وأن يكون غير مرمى به، ولو في عام مضى.
ومنها أن يرمي الأولى والوسطى من جهة مسجد الخيف حال كونه مستقبلا طريق مكة، , وأن يستقبل جمرة العقبة حال رميها ومنى عن يمينه وطريق مكة عن يساره، وأن ينصرف بعد رميها من ورائها.
ومنها أن يكبر
الجزء: 1 - الصفحة: 473
مع كل حصاة في جميع الجمار، ويفوت المندوب بمفارقة الحصاة ليده قبل النطق به ولو قبل وصولها لمحلها.
ومنها أن يوالي بين رمي الحصيات في جميع الجمار، وأن يوالي بين رمي الجمار الثلاث في اليوم الثاني والثالث والرابع.
ومنها أن يتقدم بعد رمي الجمرة الأولى
والوسطى في الثاني والثالث والرابع أمام الجمرة فيقف مستقبل القبلة ثم يدعو قدر قراءة سورة البقرة بإسراع، ولا يقف للدعاء عند جمرة العقبة لضيق موضعها.
ومنها أن يذهب إذا تحقق زوال الشمس من اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع لرمي الجمار الثلاث قبل صلاة الظهر ماشيا متوضئا , وأن يذهب في يوم النحر لرمي جمرة العقبة حين وصوله من المزدلفة إلي منى بعد طلوع الشمس على هيئته ماشيا أو راكبا ما لم يؤذ أحدا وإلا حط رحله وأتى إليها ماشيا , قاله في الإيضاح اهـ.
وأشار رحمه الله لبعض ما تقدم من شروط صحة الرمي بقوله: " والترتيب شرط فإن نكس أعاد ما نكس " يعنى أن ترتيب الجمار الثلاث شرط في صحة الرمي , فلا يصح رمي الجمرة الثانية حتى يكمل ومي الجمرة الأولى , ولا يصح رمى الثالثة حتى يكمل رمى الثانية , فلزم الابتداء بالجمرة الأولى التي تلي مسجد مني , ثم يرمي الوسطى , ثم يرمى جمرة العقبة , وإن نكس أعاد ما نكس بأن ابتدأ بالعقبة أو الوسطي في اليوم الثاني أو الثالث أو الرابع.
قال الدردير: وصحته بترتيبهن لا إن نكس بأن قدم العقبة أو الوسطى أو ترك بعضا ولو سهوا.
قال خليل في المختصر: وبترتبهن وأعاد ما حضر بعد المنسية وما بعدها في يومها فقط , وندب تتابعه.
قال في توضيح المناسك: مثال ذلك لو نسي الجمرة الأولى من ثاني النحر، ثم رمى ثالث النحر بتمامه، ثم رمى رابع النحر بتمامه، ثم ذكر فإنه يرمي الجمرة المنسية وما بعدها وجوبا، وهي الجمرة الوسطى، ثم جمرة العقبة لأنه رمى باطلا لعدم الترتيب، ثم يرمي اليوم الرابع بتمامه استحبابا وهو مراده بقوله: ما حضر وقته وإنما أعاد الرابع لأجل استدراك فضيلة الترتيب؛ لأن الترتيب بين المنسي وما حضر وقته واجب
الجزء: 1 - الصفحة: 474
مع الذكر لا مع النسيان فلذا استحب إعادته، بخلاف ترتيب المنسيات في اليوم الواحد فإنه واجب ولو مع النسيان.
وأما اليوم الثالث فإن رميه صحيح وقد خرج وقته.
ومثاله في الصلاة لو نسي الصبح وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم ذكر فإنه يصلي الصبح والمغرب والعشاء لبقاء وقتهما ولا يعيد الظهر والعصر لخروج وقتهما اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يرمي بما قد رمي به، ومن ترك المبيت ولو ليلة أو الرمي ولو حصاة لزمه الدم " قد تقدم البيان لهذا في جملة ما ذكرناه ولا حاجة في تكراره.
قال رحمه الله تعالى: " ولو فضل في يده حصاة لا يدري من أيهن، يرمي في كل جمرة حصاة على الترتيب " 4 يعني كما قال خليل: وإن لم يدر
موضع حصاة اعتد بست من الأولى.
وقال الصاوي: حاصله أنه إذا رمى الجمار الثلاث ثم تيقن أنه ترك حصاة واحدة منها ولم يدر من أيها تركها، أو شك في ترك حصاة ولم يدر من أيها فإنه يعتد بست من الجمرة الأولى لاحتمال كونها منها فيكملها بحصاة، ثم يرمي الثانية والثالثة بسبع سبع، ولا دم عليه إن كمل الأولى وفعل الثانية والثالثة في يومه، فإن رمى الجمار الثلاث في يومين وحصل الشك في ترك حصاة ولم يدر من أي الجمار، وهل هي من اليوم الأول أو الثاني فإنه يعتد بست من الأولى في كلا اليومين ويكمل عليها ويعيد ما بعدها، ويلزمه دم التأخير رمي اليوم الأول لوقت القضاء اهـ وفي جواهر الإكليل فإن تحقق إتمام سبع الأولى وشك في الثانية منها ورماها بحصاة ورمى الثالثة بسبع وإن شك في الثالثة رماها بحصاة فقط اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 475
قال رحمه الله تعالى: " ثم يدفع إلى مكة لطواف الوداع وهو آخر المناسك " يعني إذا تم أيام التشريق وتسمى الأيام المعدودات فإنه يتوجه إلى مكة لطواف الوداع الذي هو آخر أعمال الحج وهو مندوب.
قال في الرسالة: فإذا رمى في اليوم الثالث وهو رابع يوم النحر انصرف إلى مكة وقد تم حجه، إلى أن قال: فإذا خرج من مكة طاف للوداع وركع وانصرف اهـ.
قال خليل عاطفا على المندوب: وطواف الوداع إن خرج لكالجحفة لا كالتنعيم وإن صغيرا إلخ.
قال النفراوي وغيره: ولا ينصرف من المسجد بعد الركعتين حتى يقبل الحجر، ولا يرجع القهقرى، وإذا فعل الطواف وأقام بمكة ولو بعض يوم أعاده إلا لشغل خف.
والدليل على ندب طواف الوداع قوله صلى الله عليه وسلم: " لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر عهده بالبيت الطواف ". قال مالك: ولو أن رجلا جهل أن يكون آخر عهده الطواف بالبيت حتى صدر لم أر عليه شيئا إلا أن يكون قريبا فيرجع فيطوف بالبيت ثم ينصرف إذا كان قد أفاض اهـ. وفي الرسالة وغيرها: ويستحب لمن انصرف من مكة من حج أو عمرة أن يقول: آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده اهـ. وقد تقدم أن طواف الوداع هو آخر أعمال الحج، وبعده لم يبق إلا الارتحال.
قال أبو الحسن الشاذلي صاحب العزية في آخر باب الحج: خاتمة، إذا خرج الإنسان من مكة فلتكن نيته وعزمته زيارة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ زيارته صلى الله عليه وسلم سنة مجمع عليها، وفضيلة مرغب فيها إلى آخر كلامه، رضي الله عنه.
وسنذكرها في الخاتمة إن شاء الله وقد نظم بعض الصالحين
قصيدة
في المناسك ونقلنا منها أبياتا لما تضمنت من الفوائد العظيمة وهي هذه كما ترى قال رحمه مولاه: وما زال وفد الله يقصد مكة ... إلى أن بدا البيت العتيق وركناه
الجزء: 1 - الصفحة: 476
فضجت ضيوف الله بالذكر والدعا ... وكبرت الحجاج حين رأيناه وقد كادت الأرواح تزهق فرحة ... لما نحن من عظم السرور وجدناه فطفنا به سبعا رملنا ثلاثة ... وأربعة مشيا كما قد أمرناه كذلك طاف الهاشمي محمد ... طواف قدوم مثل ما طاف طفناه وسالت دموع من غمام جفوننا ... على ما مضى من عظم ذنب كسبناه ونحن ضيوف الله جئنا لبيته ... نريد القرى نبغي من الله حسناه فنادى بنا أهلا ضيوفي تباشروا ... وقروا عيونا فالحجيج قبلناه فيا مرحبا بالقادمين لبيتنا ... إلي حججتم لا لبيت بنيناه علي الجزا مني المثوبة والرضى ... ثوابكم يوم الجزا أتولاه فطيبوا سرورا وافرحوا وتباشروا ... وتيهوا وهيموا بابنا قد فتحناه ولا ذنب إلا قد غفرناه عنكم ... وما كان من عيب عليكم سترناه ومن بعد ما طفنا دخلناه دخلة ... كأنا دخلنا الخلد حين دخلناه ونلنا أمانة الله عند دخوله ... كذا أخبر القرآن فيما قرأناه فهذا الذي نلنا بيوم قدومن ... وأول ضيق للصدور شرحناه وصلى بأركان المقام حجيجنا ... وفي زمزم ماء طهورا وردناه وفيه الشفا فيه بلوغ مرادنا ... لما نحن ننويه إذا ما شربناه وبين الصفا والمروة الوفد قد سعى ... فإن تمام الحج تكميل مسعاه فسبعا سعاها سيد الرسل قبلنا ... ونحن تبعناه فسبعا سعيناه نهرول في أثنائها كل مرة ... فهاذاك من فعل الرسول فعلناه كذلك ما زلنا نحاول سيرنا ... نهارا وليلا عيسنا ما أرحناه إلى أن بدا إحدى المعالم من منى ... وهب نسيم بالوصال نشقناه
الجزء: 1 - الصفحة: 477
ونادى بنا حادي البشارة والهنا ... فهذا الحمى هذا ثراه غشيناه وبتنا بأقطر الثبير ملبيا ... فيا طيب ليل من منى قد أبتناه وفي صبحنا سرنا إلى الجبل الذي ... من البعد جئناه لحج وصلناه فلا حج إلا أن نكون بأرضه ... وقوفا وهذا في الصحيح رويناه إليه ابتدرنا قاصدين إلهنا ... فلولاه ما كنا لحج سلكناه وسرنا إليه قاصدين وقوفنا ... عليه ومن كل الجهات أتيناه وبعد زوال الشمس كان وقوفنا ... إلى الليل نبكي والدعاء أطلناه فكم خاضع كم خاشع متذلل ... وكم سائل مدت إلى الله كفاه وكم حامد كم ذاكر ومسبح ... وكم مذنب يشكو لمولاه بلواه ورب دعانا ناظر لخضوعنا ... خبير عليم بالذي قد أردناه ولما رأى تلك الدموع التي جرت ... وطول خشوع في خضوع خضعناه تجلى علينا بالمتاب وبالرضى ... وباهى بنا الأملاك حين وقفناه وقال انظروا شعثا وغبرا جسومهم ... وقد وفدوا والكل يطلب مولاه وقد هجروا أموالهم وديارهم ... وأولادهم والكل يرفع شكواه ألا فاشهدوا أني غفرت ذنوبهم ... ألا فانسخوا ما كان عنهم نسخناه فيا صاحبي من مثلنا في مقامنا ... ومن ذا الذي قد نال ما نحن نلناه على عرفات قد وقفنا بموقف ... به الذنب مغفور وفيه محوناه وقد أقبل الباري علينا بوجهه ... وقال ابشروا فالعفو فيكم نشرناه وقد كان جمع الظهر والعصر سنة ... لدى عرفات ذاك جمع فعلناه وظل إلى وقت الغروب وقوفنا ... وقيل ادفعوا فالكل منكم قبلناه أفيضوا وأنتم حامدون إلهكم ... إلى مشعر جاء الكتاب بذكراه
الجزء: 1 - الصفحة: 478
وسيروا إليه واذكروا الله عنده ... فسرنا وفي وقت العشاء نزلناه وفيه جمعنا مغربا وعشاءها ... ترى عائدا جمعا لجمع جمعناه وبتنا به حتى لقطنا حصاتنا ... هناك شكرنا ربنا ودعوناه ومنه أفضنا حيثما الناس قبلنا ... أفاضوا وغفران الإله طلبناه ونحو منى ملنا لنشهد نفعنا ... ونلنا بها ما القلب كان تمناه وبالجمرة القصوى بدأنا وعندها ... حلقنا وقصرنا لشعر حضرناه ولما حلقنا حل لبس مخيطنا ... فيا حلقة منها المخيط لبسناه ومن بعدها يومان للرمي عاجلا ... ففيها رمينا والإله دعوناه وإياه أرضينا برمي جمارنا ... وشيطاننا المرجوم ثم رجمناه وردت إلى البيت الحرام وفودنا ... نحن له كالطير حن لمأواه وطفنا طوافا للإفاضة حوله ... وفزنا به بعد الجمار وزرناه نطوف به والله يخصي ... ليسقط عنا ما نسيناه وأحصاه وبالحجر الميمون عجنا فإنه ... يمين لرب الخلق في الأرض صفحناه نقبله من حبنا لإلهنا ... وكم لثمة طي الطواف لثمناه وكم موقف فيه يجاب لنا الدعا ... دعونا به والقصد فيه نويناه وبعد تمام الحج والنسك كلها ... حللنا وباقي عيسنا قد أنخناه فمن شاء وافى الصيد والطيب والنسا ... فقد تم حج للإله حججناه ولما قضيناه للإله مناسكا ... ذكرناه والمطلوب منه سألناه فمن طالب حظا بدنيا فما له ... خلاق بأخراه إذا الله لاقاه ومن طالب حسنا بدنيا لدينه ... وحسنا بأخراه وذاك يوفاه وآخر لا يبغي من الله حاجة ... سوى نظرة في وجهه يوم عقباه
الجزء: 1 - الصفحة: 479
نطوف وداعا للرحيل بلادنا ... وأعيننا كالسيل إذ سال مجراه
تداعت رفاقا بالرحيل فما ترى ... سوى دمع عين بالدماء مزجناه
وودعت الحجاج بيت إلهها ... وكلهم تجري من الفرح عيناه
لفرقة بيت الله والحجر الذي ... نقبله لله نطلب رحماه
وبات حجيج الله بالبيت محدقا ... ورحمة رب العرش ثمة تغشاه
ومن بعد ما طفنا طواف وداعنا ... رحلنا لمعى المصطفى ومصلاه
وكم يا أخي في الحج من حكمة بدت ... فدونك منها بعض ما قد بسطناه
ولنمسك العنان عن هذا الميدان.
انتهى ما أردنا نقله من تلك القصيدة الميمونة مع تقديم وتأخير وتصحيح بعض المعنى، لله در ناظمها رحمه مولاه آمين.
ولنرجع إلى ما نحن بصدده.
ولما تم المناسك وكيفية الحج انتقل يتكلم في محرمات الإحرام مما يوجب الجزاء وغيره فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في الفدية وما يتعلق بها من الأحكام
أي في بيان الفدية، وما يترتب فيها، وما يجزئ منها، وما لا يجزئ وكيفيتها، وأنواعها وما يجوز لبسه للمحرم، وما لا يجوز.
وسيأتي تفصيله في ذلك إن شاء الله تعالى.
قال رحمه الله تعالى: " يلزم المحرم الفدية بلبس المخيط لبسا معتادا ولو بإدخال كتفيه القباء " يعني أن المحرم ممنوع من لبس المخيط سواء كان محيطا
بالجسد كالقميص , أو بالعوض كالخاتم.
قال خليل عاطفا في تحريم لبس المخيط: وعلى الرجل محيط بعضو وإن بنسج أو أرز أو عقد كخاتم وقباء وإن لم يدخل كما.
قال الخرشي: يعني وكذلك يحرم على الرجل بسبب الإحرام أن يلبس المخيط , فلو ارتدى بثوب مخيط , أو بثوب مرقع برقاع أو بازار كذلك فلا شيء عليه وهو جائز لأنه لم يلبسه.
ولا فرق في
الجزء: 1 - الصفحة: 480
حرمة لبس المخيط بين أن يكون محيطا بكل البدن أو ببعضه, ولا فرق بين ما أحاط بنسج أو زر يقفله عليه أو عقد يربطه أو يخلله بعود.
والمراد بالرجل الذكر حرا كان أو عبدا بالغا كان أو غير بالغ , وعلى وليه أن يجنبه المخيط مخيطا أو غيرة اهـ. قال المواق نقلا عن الكافي: لا يلبس المحرم قميصا , ولا مخيطا , ولا عمامة , ولا سراويل , ولا خفين , ولا بأس، أن يأتزر , كما له أن يرتدى إلا أنه يكره له أن يستتر بالمئزر عند ركوبه , ولا يشد فوق مئزره تكة ولا مخيطا , ولا بأس بلبس الهميان على البشرة , ونحوه المنطقة والحزام اهـ بتصرف.
وقال في توضيح المناسك: والمحرم ضربان رجل وأنثى , فأما الرجل فإحرامه في وجهه ورأسه فيحرم عليه سترهما بما يعد ساترا من عمامة وقلنسوة وخرقة وعصابة وطين , ومثله من جعل على وجه دقيقا ونحوه كجير لأنه جسم ويعد ساترا عرفا.
وأما بقيه بدنه فلا يحرم سترة بالإزار والرداء ونحوهما , وإنما يحرم سترة بالملبوس المعمول على قدر البدن أو عضو منه إذا لبسه باعتبار ما خيط له , وذلك كالقميص والسراويل والجبة والقبا ـ أي القفطان ـ سواء أخرج يديه من كمي الجبة أو القفطان أم لا , لأن ذلك في معنى الملبوس , فلو نكس القفطان مثلا بأن جعل أسفلة على منكبيه فلا فدية علية إذا لم يدخل رجليه في كميه وإلا افتدى.
وفى معنى الخياطة التزرير , والنسيج , والتلبيد , والتخليل , والملصقة بعضه على بعض , ودرع الحديد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولبس الخف إلا أن يعطيه أسفل من الكعب " يعني ويلزم المحرم الفدية بسبب لبس الخف إلا أن يقطع الخف أسفل من الكعب , لما في الموطأ من عبد الله بن عمر " أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تلبسوا القمص , ولا العمائم , ولا السراويلات , ولا البرانس , ولا الخفاف إلا أحدا لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما
الجزء: 1 - الصفحة: 481
أسفل من الكعبين , ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران أو الورس " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والترفه بحلق شعر وتقليم ظفر وإزالة شعث وتطيب " قوله والترفه معطوف على المخيط , يعني ويلزم المحرم الفدية بسبب الترفه أي التنعم بحلق الشعر , وتقليم الظفر , وإزالة الشعث , أي الوسخ والتطيب , ومنه
التدهن بدهن مطيب أو غيره كما يأتي مفصلا إن شاء الله.
وهذا كله يستوي فيه الرجل والمرأة أي في تحريم ما ذكر ولزوم الفدية بذلك.
قوله بحلق شعر يعني ترفه بحلق شعره بأن حلقه بعد الإحرام , أو أزال أكثر من عشر شعرات في موضع الحجامة أو غيرها ولو لضرورة فتلزم الفدية بذلك.
قال في الإيضاح: ففي الشعر تلزم الفدية بإبانة أكثر من اثني عشر ولو لغير إماطة الأذى , وبإبانة اثنتي عشرة فأقل إن كان لإماطة الأذى , وإلا فحفنة من الطعام لمسكين , والحفنة هنا ملء يد واحدة متوسط اهـ. ومن الترفه قلم الأظفار.
ومن قلم ظفرا واحدا أو أظافر لإماطة الأذى وجبت علية الفدية.
قال في الإيضاح: وفي قلم الأظفار تلزم الفدية , وفي قلم ظفرين مطلقا إن لم يخرج للأول ما يترتب علية.
وفي قلم ظفر واحد لإماطة الأذى كأن يقلقه طوله أو يريد مداواة جرح تحته , لا إن انكسر فقط فقطع المكسور بمقدار ما يزول به الألم فإنه يجوز ولا فديه , وفي قلم الظفر الواحد لا لإماطة أذى ولا لكسر أو لكسر بلا ألم حفنه تطعم لمسكين اهـ. ومن الترفه إزالة الوسخ بأن يغسل بدنه بقصد إزالة شعثه فتلزم عليه الفدية , وأما يغسل يديه بالأشنان والصابون ونحوهما وإنقاء ما تحت الأظفار من الوسخ فجائز اهـ. قاله في الإيضاح ومن الترفه مس الطيب كالمسك والعنبر وسائر العطريات ففيه الفدية إذا مسه , ومنه الحناء فمن اختضب بالحناء وكانت كالدرهم البغلي لزمه الفديه وإلا فلا , كجعل الحناء في فم جرح أو شربها أو حشو شقوق الرجلين بها كثرت أو قلت اهـ. ومن الترفه التدهن بدهن مطيب.
قال في توضيح المناسك: يحرم على المحرم الرجل والمرأة دهن: اللحية والرأس , ودهن
الجزء: 1 - الصفحة: 482
الجسد أو بعضه لغير الضرورة أما لضرورة فيجوز الإدهان.
وأما الفدية ففيها تفصيل.
وحاصلة أنه إذا ادهن بدهن مطيب ففيه الفدية في أربع صور , وهي ما إذا ادهن لعلة أو لغير علة , وفي كل إما أن يكون دهن الجسد كله أو باطن كف يده ورجله فهذه أربع صور , فإذا ادهن بغير مطيب لغير علة ففيه الفدية أيضا مطلقا سواء دهن الجسد كله أو باطن الكف والرجل وهاتان صورتان , وإذا ادهن بغير مطيب لعلة في باطن الكف والرجل كشقوق فلا فدية عليه ولا حرمة اتفاقا , وإذا ادهن بغير مطيب لعلة في بقية الجسد ولو ظاهر يده ورجله ففي الفدية قولان , فالصور ثمان ويجوز له أكل السمن والزيت وسائر الأدهان التي لا طيب فيها وتقطيرها في الأذن اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وتغطية الرجل رأسه أو وجهة " يعني من الترفه تغطية الرجل رأسه أو وجهه بما يعد ساترا قال في العزبة: وإحرام الرجل في وجهه ورأسه فيحرم سترهما بما يعد ساترا كالعمامة والخرقة وكل ما ينتفع به من الحر والبرد ويحرم عليه لبس الخاتم اهـ قال فى توضيح المناسك: خاتمة تجب
الفدية في جميع ما تقدم من اللباس الممنوع في حق الرجل والمرأة بشرط حصول الانتفاع من حر أو برد أو طول كاليوم , وما قارب اليوم كاليوم , وإلا فلا فدية عليه , وذلك كما لو لبس قميصا ونحوه لقياس ونحوه دون اليوم ولم ينتفع به ثم نزعه فلا فدية , وأما ما لا يقع إلا منتفعا به كحلق الشعر وما عطف عليه فالفدية فيه من غير تفصيل اهـ بتوضيح.
ثم اعلم أن التجرد من المخيط واجب , فمن تركه لزمه الفدية ولو مع ضرورة , وإن كان لغير ضرورة فعليه الفدية والإثم معا.
ثم ذكر رحمه الله تعالى إحرام المرأة فقال " والمرأة وجهها وكفيها " يعني كما قال الدردير: يحرم على الأنثى بالإحرام لبس مخيط بكف أو إصبع إلا الخاتم وستر وجهها , أي يحرم سترها إلا لفتنه بلا غرز وربط , وإلا ففدية اهـ. ومثله في المختصر , ونصه:
الجزء: 1 - الصفحة: 483
حرم بالإحرام على المرأة لبس قفاز وستر وجهه إلا لستر بلا غرز وربط , وإلا ففدية اهـ.
قال رحمه الله تعالى " واكتحالها لغير ضرورة " يعني مما يوجب الفدية اكتحال المحرم للزينة ولو مع الضرورة.
قال في توضيح المناسك: خاتمة في الكحل والحناء وإن اكتحل المحرم بمطيب وكان لضرورة جاز وفيه الفدية على الرجل والمرأة , وإن كان بغير مطيب فإن كان لضرورة الحر أو برد فالمندوب جوازه لهما ولا تجب عليهما الفدية على ما في المجموع وغيره.
وقيل تجب عليهما , وقيل تجب على المرأة دون الرجل , وإن كان لغير ضرورة بأن كان للزينة فلا يجوز وفيه الفدية , وإن اكتحل بغير مطيب لقصد الدواء والزينة فقال ابن القاسم: عليه الفدية تغلبا لقصد الزينة اهـ. ومثله في إيضاح المناسك.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولها لبس المخيط والخف وسدل ثوب على وجهها غير مربوط خوف فتنتها " يعني أن المرأة لها أن تلبس المحيط بالجسد كالقميص , أو بالعضو كالخف والخاتم , ولا فدية عليهما , ولا يجوز لها أن تلبس القفاز , كما يحرم عليها تغطية وجهها لكن أن تسدل الثوب على وجهها من غير ربط ولا غرز وإلا افتدت.
قال في توضيح المناسك: وأما المرأة فإحرامها في وجهها وكفيها , فيحرم عليها ستر وجهها بنقاب وهو ما يصل للعيون , أو لثام على الفم أو برقع إلا أن تكون مخشية الفتنة فيجب عليها ستره بلا غرز وربط , بل تسدل شيئا عليه , فإن سترته غير مخشية الفتنة افتدت ولو لم تغرزه أو تربطه.
وفي البناني: لها أن تسدل علي وجهها شيئا ولو لم تكن وخشية الفتنة ولا فدية عليها , ولو لصق بوجهها حيث قصدت الستر عن أعين الناس إذا كان بلا غرز ولا ربط , وإلا افتدت قطعاً اهـ
قال رحمه الله تعالى: (وَبِلَفِّ خِرقَة عَلَى ذَكَرِهِ، وَشَدِّ تَعْوِيذٍ عَلَى عَضُدِهِ وَتِكَّةٍ أَوْ خَيْطٍ فَوْقَ إِزَارِهِ) يعنى من موجبات الفدية على المحرم الرجل فقط لبسُ المُحيط ببعض الأعضاء كلفّ الخرقة على ذكره، أو شد التعويذ على عضده، أو ربط تكة أو حبل
الجزء: 1 - الصفحة: 484
أو خيط أو غيرها على وسطه، فإذا لبس ذلك فوق الإزار لغير ضرورة عليه الإِثم والفدية، وإن كان لضرورة عليه الفدية فقط كما تقدم.
ثم ذكر الأشياء التي لا توجب الفدية بفعلها فقال رحمه الله تعالى: (لا بِحَمْلِ مَتَاعِهِ لِلضَّرُورَةِ، وَشَدِّ نَفَقَتِهِ تَحْتَ إِزَارِهِ، وَتَسَاقُطِ شَعْرٍ بِحِكَّة أَوْ رِكَابٍ أَوْ تَخْلِيلِ وُضُوءٍ) يعني كما في توضيح المناسك قال: ويجوز له أن يحمل متاعه على رأسه إن كان محتاجاً بأن لا يجد ما يحمل خرجه لا بأجرة ولا بغيرها، وهذا لا فدية عليه.
وكذا إذا كان فقيراً كأن يحمل حزمة حطب أو غيره ليتعيش بثمنها، أو يحمل شيئاً لغيره بأجرة كذلك فلا بأس بذلك.
وأمّا لو كان غَنِيّاً وحمل بخلاً بالأجرة فلا يجوز ذلك وعليه الفدية، وإن حمل لكسر نفسه ففي عبد الباقي ينبغي المنع، وكلام أبي الحسن يفيد أنه لا شيء عليه كما في حاشية الخرشي اهـ. وقوله وشد نفقته إلخ قال في التوضيح أيضاً: وله أن يشد نفقته في وسطه على لحمه بأن يضعها في كمر أو نوار أو غير ذلك، سواء كان من جلد أو قماش ويدخل خيوط ما ذكر في الأثقاب، أو الكلاب، أو الإبريم مثلاً.
وأمّا لو عقدها على جلده فإنه يفتدى.
وله أن يضيف نفقة غيره إلى نفقته، فإذا ذهبت نفقة نفسه وأمكنه رد نفقة غيره وجب الرد، وإلا افتدى.
وإن ذهب صاحبها وهو عالم افتدى، وإن لم يعلم أبقاها معه ولا شيء عليه اهـ. وقوله وتساقط شعر إلخ قال في التوضيح أيضاً: تنبيه لا شيء عليه فيما تساقط من شعر رأسه ولحيته عند وضوئه وغسله ولو كان للتبرد، ولا شيء عليه أيضاً إذا جريده على لحيته أو حمل متاعه على رأسه لحاجة أو فقر فتساقط شعر، ولا شيء عليه إذا أدخل أصبعه في أنفه لمخاطة ينزعها فتساقط شعر، وكذلك إذا تساقط بالركاب أو السرج، وله أن يحك جسده ولو يدميه إن تحقق عدم الهوامّ في محل الحكّ، وأن يحلق للحلال إن تحقق نفي القمل اهـ بإيضاح.
ثم أراد رحمه الله بيان حقيقة الفدية وأنواعها قال: (وَهِيَ إِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ مُدَّيْنِ مُدَّيْنِ، أَوْ صِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ نُسْكُ شَاةٍ فَمَا فَوْقَهَا غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِمكَانٍ)
الجزء: 1 - الصفحة: 485
ولا بزمان.
يعني أن أنواع الفدية ثلاثة: إمّا إطعام ستة مساكين مدين مدين، أو صيام ثلاثة أيام ولو أيام منى أو ذبح شاة تجزئ أضحية وهي على التخيير، أي ولك أن تختار واحداً من أنواعها الثلاثة، ولا تختص الفدية بسائر أنواعها بمكان أو زمان إلا أن ينوي بالذبح الهدي فمحله حينئذ مكة أو منى بشروطها.
قال العلامة الدسوقي: فيجوز الصوم في أي زمان , كما يجوز في أي مكان , وكذا يجوز الإطعام في أي زمان وفي أي مكان , وكذا يجوز له ذبح الشاة وإعطاؤها للفقراء في أي زمان وفي أي مكان اهـ. وهل الأفضل طيب اللحم كالضحايا أو كثرته كالهدايا؟ الراجح الثاني.
ولا يجوز أكل الفدية , وإن أكل فعليه بدلها , ولو نوى بها الهدى على المشهور.
قال العلامة الشيخ خليل في منسكة: تنبيه: إذا فعل ما يوجب الفدية فإن كان لضرورة فالفدية واجبة ولا إثم , وإن كان لغير ضرورة فالفدية والإثم , وربما ارتكب بعض العامة شيئا من المحرم وقال أنا أفتدي , متوهما أنه بالفدية يتخلص من الإثم , وذلك خطأ صريح وجهل قبيح وهو كمن قال أشرب الخمر والحد يطهرني اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وتعددت بتعدد موجبها لا يفعلها في فور أو مرض واحد " وفي نسخة بإسقاط أو مرض , والمعنى أن الفدية تتعدد بتعدد موجبها إلا أن يفعل موجبها في فور واحد أو في مرض واحد.
قال خليل: واتحدت إن ظن الإباحة أو تعدد موجبها بفور , أو نوى التكرار , أو قدم الثوب على السراويل اهـ. ومثله في أقرب المسالك.
وفي توضيح المناسك: فإن فعل موجبات الفدية بأن لبس وتطيب وحلق وقلم وأزال الوسخ وقتل القمل , فإن كان ذلك في وقت واحد أو متقارب ففدية واحدة , وإن كان ذلك في أوقات متباعدة تعددت الفدية.
ويقال مثل ذلك في الحفنة.
وكذلك تتحدد الفدية وإن تراخى الثاني عن الأول إن ظن الإباحة كالذي يطوف على غير وضوء في عمرته ناسيا ثم يسعى , ثم بعد أن تحلل من عمرته تبين فساد طوافه فاعتقد أنه خرج
الجزء: 1 - الصفحة: 486
من إحرامه ففعل سائر الممنوعات التي توجب الفدية فلا يلزمه إلا فدية واحدة , وأما إن يظن الإباحة جهلا محضا فإن الفدية تتعدد , وكذا يلزمه فدية واحدة إن أعتقد أن الإحرام يرتفض ويباح له فعل الممنوعات فرفضه , وفعل جميع ما يوجب الفدية , ومنه من أفسد إحرامه بالوطء , ثم فعل موجبات الفدية متأولا أن الإحرام تسقط حرمته بالفساد وكذا تتحد الفدية إذا كانت نيته أن يفعل جميع ما يحتاج اليه من موجبات الفدية ولم يخرج للأول قبل فعل الثاني وألا تعددت , وكذا تتحد الفدية إذا نوى التكرار وهو أن يلبس لعذر مثلا ثم يزول فيخلع ما لبسه وينوي عند خلعه أنه إن عاد إليه العذر عاد إلى اللبس أو يتداوى بدواء فيه طيب ينوى أنه كلما احتاج إلى الدواء فعله , ومحل النية من حين لبسه لأجل العذر إلى حين نزعه.
وأما من لبس ثوبا ثم نزعه ليلبس غيره , أو نزع ثوبه عند النوم ليلبسه إذا استيقظ فقال سند هذا فعل واحد متصل في العرف ولا تضره تفرقته في الحس اهـ. ثم انتقل يتكلم في تحريم الصيد فقال رحمه الله تعالى
فَصْلٌ
في الصيد وما يترتب فيه من الجزاء وعدمه
أي في بيان أحكام صيد المحرم، ومن في الحرم ولو لم يكن محرما، وما يتعلق بذلك من تحريم أكل ذبحه، ووجوب جزائه إن قتله.
قال الله تعالى في سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ وَمَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاء مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95] الآية دالة على منع الصيد مطلقا للمحرم ومن بالحرم، ثم خصصت الآية الثانية تحريم صيد البر دون البحر كما يأتي عن قريب.
ولذا قال رحمه الله تعالى: " يحرم على المحرم اصطياد جميع البري طائرا كان أو غيره " والبري بفتح الباء نسبة للبر ضد البحر، ويحل صيد البحر.
قال تبارك وتعالى في سورة المائدة: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ
الجزء: 1 - الصفحة: 487
وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] يعني يجوز صيد البحري للمحرم وغيره ولو في الحرم ويحرم صيد البري في الحرم ولو للحلال.
وأما إذا خرج الحلال المقيم بالحرم إلى الحل وأتى بصيد نفسه أو للحلال فإنه يجوز له وللمحرم أكله.
وحاصل ما في المقام: أن الحلال إذا خرج للحل وأتى بصيد منه وأدخله الحرم فيجوز له تملكه وذبحه , فإن كان من أهل الأفاق وجب عليه إرساله ولو أقام بمكة إقامة تقطع حكم السفر , فإنه ذبحه حرم عليه سواء ذبحه وهو بمكة أو خرج به عن الحرم , وإن كان أكله ولو بعد خروجه من الحرم دفع جزاءه سواء كان محرما أو حلالا.
أما الحرم فواضح , وأما الحلال فلأنه لما أدخله الحرم صار من صيد الحرم.
وإن كان من أهل مكة جاز له ذبحه وأكله ولو اشتراه من آفاقي صاده في الحل.
وفي حاشية الخرشي: أنه يجوز للحلال المقيم بالحرم ذبحه في الحرم , ويباح أكله ولو كان الصائد له محرما قد تعدى ووهبه للحل في الحرم.
وأما ما صيد بالحرم فلا يجوز ذبحه لساكن الحرم ولو كان الصائد حلالا اهـ.
قال رحمه الله تعالى " وقتله وأكله " معطوف على يحرم , يعني يحرم على المحرم ومن بالحرم قتل الصيد البري , وبقتله يلزمه جزاؤه , ولا يجوز أكله لأنه ميتة.
وحاصل المسألة أن من قتل حيوان البري لزمه الجزاء مثل ما قتل من النعم مطلقا باشر قتله بنفسه أو أمر غلامه بقتله , سواء قتله عمدا أو خطأ أو نسيانا , كان الصيد طائرا أو غيره مأكولا أو غير مأكول , وحشيا أو متأنسا , مملوكا لغيره أو مباحا , قتله المحرم في الحل أو في الحرم , وهو ميته لا يحل لأحد أكله اهـ وفي أقرب المسالك: وما صاده محرم أو صيد له , أو ذبحه أو أمر بذبحه , أو عليه فميتة كبيضه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " لا ما صاده حلال لغير محرم " فيجوز أكله كما تقدم.
قال الدردير وجاز أكل ما صاده حل لحل كإدخاله الحرم وذبحه به إن كان من ساكنيه , أي أنه
الجزء: 1 - الصفحة: 488
يجوز لسكان الحرم أن يخرجوا للحل فيصطادوا ويدخلوا بالصيد الحرم فيذبحوه به وهو يجوز أكله لكل أحد , بخلاف غيرهم إذا اصطادوا بالحل صيدا وخلوا به الحرم فيجب عليهم إرساله , فإن ذبحوه به فميتة اهـ ومثله في الخرشي.
وسئل مالك عما يوجد في لحوم الصيد على الطريق هل يبتاعه المحرم؟ فقال: أما ما كان من ذلك يعترض به الحاج ومن أجلهم صيد فإني أكرهه وأنهي عنه فأما أن يكون عند رجل لم يرد به المحرمين فوجده محرم فابتاعه فلا بأس به اهـ. وفي الحديث عن البهزي " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يريد مكة وهو محرم , حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير , فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " دعوه فإنه يوشك أن يأتى صاحبه " فجاء البهزي وهو صاحبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم
فقال: يا رسول الله شأنكم بهذا الحمار , فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر فقسمه بين الرفاق " الحديث رواه مالك في الموطأ اهـ. قال رحمه الله تعالى: " فإن صاده أو أحرم وهو معه لزمه إرساله "يعني فإن صاد مريد الإحرام صيدا وأحرم بأحد النسكين , أو أحرم والصيد معه لزمه إرساله والمشهور أن ملكه يزول عنه بنفس الإحرام , وأنه يجب عليه إرساله فلو أرسله صاحبه فأخذه غيره قبل لحوقه بالوحش ولم يزل بيده حتى حل صاحبه ليس له أخذه ممن أخذة , وهو لا خذه , فلو لم يرسله صاحبه بل أبقاء بيده حتى حل لوجب عليه أن يرسله , فلو لم يرفع صاحبه يده عنه حتى مات فإنه يلزمه جزاؤه , وكذلك يلزمه جزاؤه إذا أبقاه بيده حتى حل ثم ذبحه قاله الخرشي اهـ. وقال الدردير: وزال به ـ أي بالإحرام ـ ملكه عنه فيرسله إن كان معه لا ببيته ولو أحرم منه أى من بيته , فلا يلزمه إرساله بإحرامه من بيته على المعتمد.
قال الصاوي: والفرق بين البيت والقفص أن القفص حامل له وينتقل بانتقاله , والبيت مرتحل عنه وغير مصاحب له اهـ. ومثله في الخرشي.
قال رحمه الله تعالى " فأن عطب لزمه جزاؤه كما لو نفره , أو تعلق
الجزء: 1 - الصفحة: 489
بحبالته , أو سقط في بئر احتفرها لسبع ونحوه ذلك " يعني أنه إذا مات الصيد بأي سبب من الأسباب الذي تسبب المحرم في موته كمناولة سقوط , أو إشارة , أو أفزعه فوقع في حفرة وهلك , أو نصب له شركا ومات به , أو جرحه , أو نتف ريشه ولم يتحقق سلامته فعليه الحزاء في كل واحدة من ذلك فإن بري ناقصا فلا جزاء عليه على المشهور.
وما ذكره من لزوم الجزاء بسبب هو المذهب.
قال خليل: وبسبب ولو اتفق كفزعه فمات , أي فيلزم الجزاء بذلك عند ابن القاسم كما في الخرشي.
ونصه: المشهور ـ وهو قول ابن القاسم في المدونة ـ أن الجزاء يلزم المحرم بالتسبب الاتفاقي , ومعناه أن المحرم لم يقصد قتل الصيد بوجه , وإنما اتفق أن الصيد رآه ففزع منه فعطف فمات فإنه يلزمه جزاؤه , لأنه من رؤيته , وكذلك يلزمه الجزاء إذا ركز رمحا فعطف فيه صيد اهـ.
قال رحمه الله تعالى " فإن أكله فجزاؤه واحدا " يعني إذا أكل المحرم أو من بالحرم شيئا مما حرم عليه أكله فلا يتكرر عليه الجزاء بأكله بل عليه جزاء واحدا , وغاية أمره أنه يستغفر الله بأكله الميتة إذ كان ذلك اختبارا , وإن كان لمخمصة فلا جناح عليه في ذلك.
وفي المواق: وما صاده المحرم فكالميتة لا يأكله حلال ولا حرام , ولو وداه ثم أكل من لحمه فلا جزاء عليه لما أكل كأكله الميتة.
وفيها: ما صاده المحرم فأذى جزاءه فلا يأكله , فإن أكل منه لم يكن عليه جزاء آخر لأنه لحم ميتة وما لا يحل اهـ. وإليه أشار خليل بقوله: لا في أكلها.
قال الخرشي: والمعنى أن المحرم إذا أكل من لحم صيد صاده , أو صيد له فأخرج جزاؤه فإنه لا يلزمه جزاؤه ثانيا إذا أكل منه ثانيا لأنه ميتة ولا يلزمه شيء لأكل الميتة على المشهور اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولو كسره وتركه مخوفا لزمه جزاؤه " وتقدم أنه إذا تسبب
الجزء: 1 - الصفحة: 490
في إيقاعه في المهالك بأي سبب كان ولم يتحقق سلامته لزم عليه الجزاء فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " فإن تلف فجزاءان لا إن برئ ولحق بالصيد " يعني إذا جرح المحرم الصيد , أو نتف ريشه , أو ضربه ضربا وجيعا مثلا وتركه مخوفا وشك في سلامته ودفع جزاؤه ثم تحقق موته فإنه يلزم عليه جزاء آخر إن تحقق تقدم الجزاء قبل موته وإلا فلا يتكرر , كما إن برئ ولحق بالوحش.
قال خليل: وكرر إن أخرج لشك ثم تحقق موته.
وقال الخرشي: قد علمت أن الجزاء لا يجب إلا بعد تحقق موت الصيد , فإذا جرح الصيد وغاب عنه ولم يعلم هل مات أم لا فأخرج جزاؤه على شك من موته ثم تحقق أنه مات بعد الإخراج فإنه يلزم أن يخرج جزاؤه ثانيا ولو كانت الرمية أنفذت مقاتله لأنه أخرج قبل الوجوب اهـ.
ثم ذكر رحمه الله تعالى كيفية الجزاء وأنواعه فقال " ثم الجزاء مثل الصيد من الأنعام أو ما يقاربه خلقة " يعني أن جزاء الصيد أحد الثلاثة على التخيير: إما مثل ما قتل من النعم وهو الإبل والبقر والغنم , أو ما يقارب الصيد خلقه , أو قيمته طعاما , أو عدل ذلك صياما.
ثم فسر الجزاء بقوله رحمه الله تعالى: " ففي النعامة بدنه " أي ففي قتل النعامة تلزمه بدنه تجزئ في الأضحية وإن عن صغيرة أو مريضة.
وكذلك إذا قتل
الزرافة تلزمه البدنة.
قال رحمه الله تعالى: " وفي الظبي شاة كحمام الحرم " يعنى تلزم في قتل الظبي والضبع والثعلب شاه , كما تلزم شاة تجزئ في الأضحية بقتل حمام الحرم.
قال الدردير: وفي الضبع والثعلب شاة كحمام مكة والحرم ويمامة بلا حكم اهـ. قوله بلا حكم راجع إلى ما بعد الكاف.
وأما الظبي والثعلب فلا بد لهما من الحكم.
وقد ورد في الموطأ أن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف , رضي الله عنهما , حكما على رجل أصاب ظبيا بعنز.
وأما ما لا مثل له كضب وأرنب
الجزء: 1 - الصفحة: 491
ويربوع وحمام الحل ويمامه وسائر الطيور فحكومة بأن يحكمها على القاتل بإطعام أو صيام كما يأتي عن المصنف.
قال رحمه الله تعالى: " وفي حمام الحل حكومة " وتقدم أن حمام الحرم فيه شاة.
وأما حمام الحل ويمامه ففيه حكومة.
قال في إيضاح المناسك: وأما صيد الحمام واليمام بالحرم فلا تخيير في جزائه , بل يجب على الصائد في الواحدة شاة كالهدي بلا حكم فإن لم يجدها صام عشرة أيام.
وإنما خرج حمام الحرم عن الحكومة التي هي الأصل في الجزاء لقضاء سيدنا عثمان فيه بالشاة.
قال رحمه الله تعالى: " وفي حمار الوحش بقرة كالإبل " يعني وفي قتل حمار الوحش وبقره بقرة إنسية , وتقدم أن في قتل الزرافة بدنة.
والزرافة هي إبل الوحش.
وفي توضيح المناسك: فأما جزاء الصيد فهو على التخيير , وصفه التخيير أن يحكم القاتل حكمين عدلين فقيهن فيخيرانه بين أنواع الجزاء الثلاث: إما أن يخرج مثل ما قتل من الصيد أو ما قاربه , فمثل بقر الوحش وحماره بقرة , والنعامة بدنة , والفيل بدنة خراسانية ذات سنامين لقرب الفيل من خلقتها , والضبع والثعلب شاة.
وأما ما صيد بمكة والحرم من الحمام واليمام وإن لم يتولد فيهما فإن قتل شيئا من ذلك والحال أنه بالحرم لزمه في كل واحدة شاة بلا حكم.
فإن لم يجدها صام عشرة أيام.
وأما إن كان بالحل فإنه يخير بين قيمته طعاما والصوم , كبقية الطير مطلقا سواء كان في الحل أو الحرم فإنه يخير بين الإطعام والصوم.
ويخير أيضا بين الإطعام والصوم في الضب والأرنب واليربوع اهـ هذا كالتلخيص لما تقدم
ثم قال رحمه الله تعالى: " أو قيمه الصيد حيا طعاما يطعمه المساكين مدا مدا , والكسر مسكينا ولا يلزمه تكميله ـ بل يندب ـ أو يصوم عن كل مد أو كسره يوما يحكم به ذوا عدل " يعنى كما في توضيح المناسك: وإما أن يخرج قيمة الصيد طعاما وذلك بأن يقال كم يساوى هذا الصيد من الطعام بمحل تلفه , فيقال كذا وكذا كمائه
الجزء: 1 - الصفحة: 492
مد فتدفع لفقراء محل التلف , فإن لم يكن للصيد قيمة في محل تلفه قوم بأقرب مكان له قيمة فيه , وكذا إن لم يكن بمحل التلف فقراء فإن الطعام
المقوم به يدفع إلى فقراء أقرب مكان إلى موضع التلف، لكل مسكين مد بمده صلى الله عليه وسلم، ولا يجزئ التقويم ولا الإطعام بغير محل التلف أو القريب منه، ولا يجزئ زائد ولا ناقص عن مد لمسكين، وإما أن يصوم أياما بعدد الأمداد، وكمل لكسر المد يوما كاملا وجوبا لأن الصيام لا يتبعض.
أما إذا اختار الإطعام فإنه يندب له تكميل المنكسر وبعد أن يخيره الحكمان بين هذه الأنواع الثلاثة، فإذا اختار أحدها حكما عليه به، ثم بعد ذلك له أن يتنقل عما حكما به عليه إلى غيره من الأنواع إلا أن يلتزم ما حكما به عليه فقولان، والراجح أن له الانتقال، إن عرف ما حكما به والتزمه اهـ. قال مالك رحمه الله: أحسن ما سمعت في الذي يقتل الصيد فيحكم عليه في أن يقوم الصيد الذي أصاب فينظر كم ثمنه من الطعام فيطعم كل مسكين مدا، أو يصوم مكان كل مد يوما، وينظر كم عدة المساكين فإن كانوا عشرة صام عشرة أيام، وإن كانوا عشرين مسكينا صام عشرين يوما عددهم ما كانوا وإن كانوا أكثر من ستين مسكينا اهـ الموطأ.
قال رحمه الله تعالى: " وفيما لا مثل له إطعام أو صيام، وصغير الصيد ككبيره " وقد تقدم الكلام فيما لا مثل له من الصيد كضب وأرنب وقنفذ ويربوع وغيرها فراجعه إن شئت.
وأما الصيد الذي له المثل الصغير منه والكبير والمعيب والسليم المأكول وغيره سواء في لزوم الجزاء في ذلك كالدية.
قال رحمه الله تعالى: " وفي البيضة عشر ما في أمها " يعني كما في توضيح المناسك قال: إن كسر بيض الصيد، أو أنزله ناقصا، أو ضرب صيدا فألقى جنينا ميتا، ففي كل واحدة من البيض والجنين عشر دية الأم، والمراد بدية الأم قيمتها من الطعام أو عدله صياما، أي خير بين عشر قيمة أمه من الطعام وبين عدل ذلك صياما، بأن يصوم مكان كل مد يوما، وذلك فيما في جزاء أمه طعام، وهو غير حمام
الجزء: 1 - الصفحة: 493
الحرم ويمامه كما تقدم، وأما إن لم يكن في جزاء أمه طعام كالحمام واليمام إذا صيد بالحرم فإنه يلزم في جنينهما وبيضهما عشر قيمة الشاة طعاما، وهذا هو المراد بدية الأم هنا، فإن عجز عن عشر قيمة الشاة صام يوما.
والمراد بالبيض غير المذر، وأما هو فلا شيء في كسره.
وما ذكر في الجنين محله إن لم يستهل، فإن استهل فجزاؤه كأمه، ويندرج في أمه إن ألقته ميتا وهي ميتة.
والاستهلال هنا كناية عن تحقق الحياة.
وظاهر قول الشيخ خليل: والبيض أن فيه العشر من غير حكومة، كان بيض حمام أو غيره.
وذكر سند أنه لا بد من حكم عدلين في البيض ولو كان بيض حمام الحرم.
قال لأنه من باب الصيد والصيد لا بد فيه من حكمين اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى مخبرا بما استثناه الشارع، أي ما يباح قتله شرعا في
الحل والحرم بقوله: " ويجوز قتل ما يخاف كالسباع، والحية، والعقرب، والزنبور , والفأرة , والحدأة , والأبقع , ودفع الصائل " يعني أنه يستثنى مما حرم قتله من الصيد ما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: " خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح: الغراب والحدأة والعقرب والفأرة والكلب العقور " اهـ رواه مسلم كما في الموطأ , قال شارحه: فنبه بالخمس على خمسه أنواع من الفسق: فنبه بالغراب على ما يجانسه من سباع الطير , وكذا بالحدأة وبالعقرب على كل ما يلسع كالحية والزنبور , وبالفأرة على ما يجانسها من هوام المنزل المؤذية , وبالكلب العقور على كل مفترس اهـ. وقال العلامة المحقق الشيخ حسين بن إبراهيم في توضيح المناسك: ويستثنى من ذلك أيضا الغراب والحدأة إن كبرا , وفي صغيرهما خلاف , والفأرة والعقرب والحية وابن عرس فيقتلهن المحرم والحلال في الحل والحرم وإن لم تبدأ بالأذى , وصغيرها ككبيرها , وكذا عادي السباع كالأسد والنمر والذئب ونحوها إن كبرت , ويكره قتل صغارها , فإن قتلت فلا جزاء في قتلها , وأما الكلب الإنسي فيجوز قتله في الإحرام وغيره ولا شيء في قتله.
الجزء: 1 - الصفحة: 494
وفي حاشية الخرشي: بل يندب قتله على المشهور.
وكذا لا يجوز للحلال في الحرم قتل الوزغ , ويكره قتله للمحرم وعليه جزاؤه وهو إطعام حفنة.
وفي حاشية الخرشي: المراد بالكراهة الحرمة.
وفي الدسوقي: وقد يقال الإطعام في قتله على جهة للندب فلا ينافي أن الكراهة على بابها للتنزيه.
ومثله في المجموع.
ولا يقتل سباع الطير إلا أن تبدأ بالأذى.
ويجوز قتل الزنبور وهو ذكر النحل، وإذا رأى الصيد معرضا للتلف فلا يجب عليه تخليصه، ويجوز للمحرم في الحل وفي الحرم ذبح ستة للأكل: الإبل، والبقر، والغنم ومن الطير البط والأوز.
والدجاج اهـ.
قوله والأبقع لأنه مذكور في الحديث وهو الغراب الذي فيه بياض وسواد.
وقوله ودفع الصائل يعني مما يجوز قتله في الحل والحرم، بل يجب قتل كل مؤذ.
والصائل هو الذي يصول ويعدو على الإنسان سواء آدميا كالمحارب، أو غيره كالكلب العقور، وهو كل ما يعقر الناس ويعدو عليهم كالأسد ونحوه كما في الموطأ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " ولا يحل صيد الحرم لحلال ولا لمحرم ولو رماه من الحل " يعني لا يجوز لأحد من المسلمين أن يقتل الصيد في الحرم لا لمحرم ولا لحلال، كما لا يجوز أكله وعليه جزاؤه، ولو كان الصائد من الحل والصيد في الحرم لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْتُلُواْ الصَّيْدَ وَأَنتُمْ حُرُمٌ﴾ [المائدة: 95] الآية، كما تقدم.
ثم ذكر مسألة من المسائل التي فيها اختلاف كمسألة الدلالة على الصيد
وتفزيعه، أو سقوطه في بئر حفرها لماء فعطب فيها الصيد، ومنها هذه.
قال رحمه الله تعالى: " وفي العكس خلاف كفرع شجرة الحل في الحرم وبالعكس " يعني إذا كان الصائد بالحرم ورمى الصيد في الحل ففيه خلاف، وأما لو كان الصائد بالحل ورمى الصيد في الحرم فلا خلاف في تحريمه ووجوب جزائه.
وإن رماه على الغصن والأصل في أحدهما هل عليه الجزاء ولا يؤكل؟ أم يؤكل ولا جزاء؟ أم الجزاء على المحرم دون الحلال في الحل؟ في ذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 495
خلاف، فقال أبو البركات الشيخ أحمد الدردير في أقرب المسالك: والجزاء بقتله مطلقا ولو برمي من الحرم، أو له أو مرور سهم بالحرم، أو كلب تعين طريقه، أو إرساله بقربه فأدخله وقتله خارجه، أو على كسبع أو نصب شرك له اهـ. قال خليل: ورمي منه أو له.
وقال الخرشي: أي من رمى من الحرم صيدا في الحل فقتله فعليه الجزاء ولا يؤكل على المشهور نظرا لابتداء الرمية، وكذلك لا يؤكل الصيد اتفاقا وعليه أنه قتل صيدا في الحرم ولو أصابه في الحل فلا شيء عليه سواء قرب من الحرم أو بعد على المشهور اهـ.
وقال المواق نقلا عن المدونة: ومن رمى صيدا في الحرم من الحل، أو في الحل من الحرم فقتله فعليه الجزاء.
وقال الباجي عند قول خليل كسهم مر بالحرم: أي ومن رمى من الحل صيدا في الحل إلا أن سهمه يمر على الحرم، فقال ابن القاسم: لا يأكله وعليه جزاؤه اهـ. هذه المسألة من المسائل ذوات الخلاف كما تقدم.
قال خليل: ورميه على فرع أصله بالحرم، أو بحل وتحامل فمات به إن أنفذ مقتله، وكذا إن لم ينفذ على المختار اهـ. وقال الخرشي: المشهور أيضا أنه لا جزاء في هذه الصورة، وهي شجرة ثابتة أصلها بالحرم ومنها فرع في الحل وعليه طائر فرماه الحلال بسهمه فقتله، لأنه في الحل وهو مذهب المدونة.
وقال الأبي: إذا كان الفرع خارجا عن حد الحرم يؤكل ولا جزاء.
قال العدوي في الحاشية: أي وهو خارج عن جدار الحرم ويؤكل.
وأما لو كان الفرع مسامتا لجدار الحرم والطير فوقه فالظاهر أن فيه الجزاء كما لو كان الطير على الجدار نفسه، أو على غصن بالحرم وأصله في الحل، وأولى في الحرمة والجزاء وعدم الأكل إذا كان الغصن والأصل في الحرم اهـ. انظر شراح خليل والله أعلم تنبيه: اعلم أنه لم يذكر المصنف رحمه الله حكم قتل المحرم الجراد إلا عموم قوله يحرم على المحرم اصطياد جميع الصيد البري طائرا كان أو غيره.
ونحن نذكر شيئا من ذلك فأقول كما قال الدردير: ولا شيء في الجراد إن عم واجتهد، وإلا فقيمته طعاما بالاجتهاد إن كثر، وفي الواحدة لعشرة حفنة، كتقريد البعير
الجزء: 1 - الصفحة: 496
والدود والنمل ونحوهما قبضة من طعام
من غير تفصيل بين قليله وكثيره اهـ. قال في توضيح المناسك: ولا شيء في جراد عم ولم يتحرز من إصابته، وأما إذا لم يعم أو عم ولم يتحرز من إصابته ففي الواحدة منه إلى العشرة حفنة، وفيما زاد على العشرة قيمته طعاما سواء قتله عمدا أو نسيانا أو انقلب عليه في نوم، ومتى قلنا بجواز قتل المحرم لحيوان بري فشرط الجواز أن ينوي بقتله دفع أذيته أو لا نية له.
ولا يجوز له أن يقتله بنية تذكيته فإن وقع ونزل حرم عليه ذلك، وفي الجزاء نظر، والأظهر عدمه اهـ.
ثم انتقل إلى بيان حكم قطع الشجرة فقال رحمه الله تعالى: " ولا يجوز قطع شجره " أي لا يجوز للمحرم وغيره قطع شجر الحرم أو نباته الذي شأنه أن ينبت بنفسه إلا ما استثني منها لضرورة كما يأتي عن قريب.
قال رحمه الله تعالى: " وكره الاحتشاش " أي في الحرم، وهو قول مالك في المدونة وغيرها أنه كره الاحتشاش في الحرم لمحرم أو حلال خيفة قتل الدواب، وكذلك للمحرم في الحال قال - أي الإمام - فإن سلموا من قتل الدواب فلا شيء عليهم، وأكره لهم ذلك.
حمل أبو الحسن وسند الكراهة على بابها، وحمل ابن عبد السلام الكراهة في هذا على التحريم، قال أبو الحسن: أما لو تيقن قتل الدواب في الاحتشاش لمنع اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " بخلاف الرعي وقطع الإذخر والسنا وما غرس " يعني قد استثنوا من حرمة قطع الشجر أشياء مما ذكروه لحاجة الناس إليه.
قال في توضيح المناسك: وحرم قطع ما ينبت في الحرم بنفسه ولو استنبت إلا الإذخر والسنا والسواك والعصا، وقطع الشجر للبناء والسكنى بموضعه، وقطعه لإصلاح الحوائط والبساتين، والهش وهو تحريك الشجر بالمحجن ليقع الورق ولا يخبط ولا يكسر، ويجوز قطع ما شأنه أن يستنبت وإن نبت بنفسه كخس وحنطة وبطيخ، ويجوز أن يرعى دوابه في الحرمين الشريفين في الشجر والحشيش اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 497
ثم قال رحمه الله تعالى: " وحرم المدينة كحرم مكة، وفي جزاء صيده خلاف " يعني أن حرم المدينة المنورة بأنوار ساكنها عليه أفضل الصلاة والسلام كحرم مكة المكرمة، إلا أن صيدها اختلف فيه هل فيه الجزاء أم لا.
المشهور في المذهب عدم الجزاء.
وفي إيضاح المناسك نقلا عن توضيحها وحد الحرم المدني الذي يحرم فيه الصيد ما بين الحرار الأربع، والمدينة داخله في حريم الصيد، ولا جزاء في صيد المدينة على مشهور المذهب.
وأما حرمها الذي يحرم فيه قطع الشجر فهو بريد 5 من كل جهة مبدؤه من سورها الآن الذي هو طرف بيوتها
القديمة التي كانت في زمنه صلى الله عليه وسلم، فما كان خارجا عن سورها من البيوت يحرم قطع ما ينبت به، ولا يحرم قطع الأشجار التي بالمدينة، ويحرم نقل أجزاء الحرمين فإن وقع ففي وجوب رده إلى موضعه خلاف اهـ. قوله ويحرم نقل أجزاء الحرمين أي من الأحجار والأشجار والأغصان والكيزان المعمولة من ترابهما والأباريق ونحوها.
كذا في كبير الخرشي اهـ.
وحد الحرم المكي الذي يحرم فيه الصيد وقطع الأشجار من جهة المدينة أربعة أميال.
والمبدأ من الكعبة والانتهاء للتنعيم المسمى الآن بمساجد عائشة، والعوام يسمونه عمرة، ومن جهة العراق ثمانية أميال للمقطع وهو اسم مكان، ومن جهة عرفة تسعة أميال إلى حد عرفة، ومن جهة الجعرانة تسعة أميال أيضا إلى موضع سماه التادلي شعب آل عبد الله بن خالد، ومن جهة جدة عشرة أميال لآخر الحديبية، فهي داخلة، بخلاف اهـ. قاله في توضيح المناسك.
وقال ابن مؤلفها العلامة محمد عابد في حاشيته نقلا عن حاشية الخرشي: أول من نصب الحدود للحرم سيدنا إبراهيم عليه السلام، ثم قصي، وقيل إسماعيل، ثم قصي ثم قريش بعد قلعهم لها، ثم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عام الفتح، ثم عمر بن الخطاب، ثم
الجزء: 1 - الصفحة: 498
عثمان بن عفان، ثم معاوية، ثم عبد الملك بن مروان، ثم المهدي العباسي.
وهؤلاء أظهروا ما حدده سيدنا إبراهيم بعد درسه لا أنهم أحدثوا حدودا من عند أنفسهم اهـ مع زيادة من الحطاب على منسك خليل.
ثم اعلم أنه لا جزاء عندنا في قطع شجر الحرم، بل يجب على من قطعه الاستغفار كعقد المكاح.
قال مالك في الموطأ: ليس على المحرم فيما قطع من الشجر في الحرم شيء، ولم يبلغنا أن أحدا حكم عليه فيه بشيء وبئس ما صنع اهـ وقال ابن جزي في القوانين: ولا يقطع شيئا من شجر الحرم يبس أم لا، فإن فعل استغفر الله ولا شيء عليه.
وقال الشافعي: في الشجرة الكبيرة بقرة، وفي الصغيرة شاة اهـ.
ثم انتقل يتكلم على دماء الحج فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في دماء الحج مطلقا وسن الهدي وغيره مما يجزئ وما لا يجزئ
أي في بيان أحكام دماء الحج والعمرة أو غيرهما كالنذر، أما دماء الحج فهي على ثلاثة أنواع: الهدي والفدية وجزاء الصيد.
قال رحمه الله تعالى: " دماء الحج كلها هدي إلا نسك الأذى " يعني أن دماء الحج كلها تسمى هديا إلا ما استثنى منها
فهي فدية الأذى وجزاء الصيد، فكل منهما يختص بأحكام وشروط تأتي بمحلها إن شاء الله تعالى.
قال خليل: وغير الفدية والصيد مرتب هدي، ثم ذكر مراتب الدماء فقال رحمه الله تعالى: " وأعلاه بدنة وأدناه شاة " يعني الأفضل ما يهدى به من الأنعام البدنة لكثرة لحمها.
قال الصاوي: لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان أكثر هداياه الإبل، نحر في حجة الوداع مائة باشر منها ثلاثا وستين، ونحر علي سبعا وثلاثين.
ويؤخذ من هذا الحديث أن مباشرة النحر بيده أفضل إلا للضرورة فيستنيب المسلم، لأن الكافر لا مدخل له في القرب، عكس الضحايا فإن الأفضل فيها الضأن لأنه صلى الله عليه وسلم ضحى بكبشين اهـ. قال خليل:
الجزء: 1 - الصفحة: 499
وندب إبل فبقر، قال الخرشي: قد علمت السلام كان أكثر هداياه الإبل.
وضحى بكبشين ثم البقر، ثم الغنم لأن الأفضل في باب الهدايا كثرة اللحم، عكس باب الضحايا اهـ. وفي الرسالة: وأما في الهدايا فالإبل أفضل، ثم البقر، ثم الضأن، ثم المعز.
وفي توضيح المناسك: ويستحب في الهدي واجبا كان أو تطوعا كونه من الإبل، ثم من البقر، ثم من الضأن، ثم من المعز، وكونه ذكرا وفحلا إن لم يكن الخصي أسمن، وكونه سمينا وأبيض وأقرن اهـ. وسيأتي في الضحايا أنه عليه السلام: " ضحى بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد وينظر في سواد.
زاد النسائي: ويأكل في سواد " رواه مسلم وغيره اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وتقليده تعليق نعل في عنقه، وإشعاره شق صفحة سنامه اليسرى " وفي الموطأ عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا أهدى هديا من المينة قلده وأشعره بذي الحليفة، يقلده قبل أن يشعره، وذلك في مكان واحد وهو متوجه إلى القبلة، يقلده بنعلين، ويشعره من الشق الأيسر ثم يساق معه حتى يقف به مع الناس بعرفة، ثم يدفع به معهم إذا دفعوا، فإذا قدم منى غداة النحر نحره قبل أن يحلق أو يقصر، وكان هو ينحر هديه بيده يصفهن قياما ويوجههن إلى القبلة ثم يأكل ويطعم اهـ. وقد تقدم الكلام في التقليد والإشعار في فصل أركان الحج عند قوله: " فمن يريد الإحرام إذا أتى الميقات إن كان معه هدي قلده وأشعره " فراجعه إن شئت.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وهو في السلامة والسن كالأضحية " يعني كما قال خليل: وسن الجميع وعيبه كالضحية.
والمعتبر حين وجوبه وتقليده قال الشارح: والمعنى أن سن جميع دماء الحج من إبل وبقر وغنم: نسك، أو جزاء، أو هدي عن نقص أو نذر، أو تطوع.
وعيبه مما يجزئ معه وما لا يجزئ
كالأضحية الآتية في بابها.
والمعتبر في مساواة الدماء بالضحايا في السن والعيب إنما هو من حين وجوبه وتقليده , لا يوم نحره
الجزء: 1 - الصفحة: 500
على المشهور اهـ. في توضيح المناسك: ويشترط فيه ـ أي في الهدي ـ سواء كان واجبا أو تطوعا من السن والسلامة من العيب ما يشترط في الأضحية.
فالسن إن كان من الإبل أن يكون ابن خمس سنين ودخل في السادسة , وإن كان من البقر أن يكون ابن ثلاث سنين ودخل في الرابعة , وإن كان من الضأن أن يكون ابن سنه ودخل في الثانية أي دخول , فلو ولد الضأن يوم عرفة في العام الماضي كفى ذبحه يوم النحر , وأن كان من المعز أن يكون ابن سنة ودخل في الثانية دخولا بينا كشهر.
والسلامة من العيوب أن لا يكون مكسور القرن يدمى , وأما إن برئ فيجزئ , وأن لا يكون دائم الجنون بأن كان لا يهتدي معه لما ينفعه ولا يتجنب ما يضره , وأن لا يكون بين المرض والجرب والبشم والهزال والعرج والعور , وأما خفيف ما ذكر فيجزئ.
والمراد بالبشم التخمة.
والمراد بين العور ذاهب بصر إحدى العينين , ولو كانت صورة العين قائمة.
وكذا ذاهب أكثره , فإن كان بالعين بياض لا يمنع البصر أجزأ وأن لا يكون أبتر لا ذنب له ولا أبكم أي فاقد الصوت , ولا أبخر ولا يابس الضرع جميعه , فإن أرضعت الشاة ببعضه فلا يضر.
ولا مشقوق أكثر من ثلث الأذن.
ولا مكسور أكثر من سن إن كان لغير إثغار أو كبر , والواحدة لا تمنع الإجزاء على الأصح.
ولا ذاهب ثلث الذنب ولا نصفه الأذى.
ولا ناقص شيء من الأعضاء إلا إن كانت الخصية فلا يمنع الإجزاء.
وأن لا يكون صغير الأذنين صغرا فاحشا , وأن لا تكون أمه وحشية وأبوه من الأنعام باتفاق.
وكذلك إن كان أبوه وحشيا وأمه من الأنعام على المعتمد.
والمعتبر في سلامته من العيوب المذكورة وقت التقليد والإشعار والتعيين , فلو كان سالما وقت تعيينه ثم طرأ عليه عيب أجزأ سواء كان واجبا وتطوعا على المذهب.
ولو عين الهدى وهو معيب ثم سلم لم يجزه اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " فيوقفه بعرفة وينحره بمنى وما لم يوقف منحره مكة , وسبيل ولدها سبيلها " يعنى يجب أن يقف به بعرفة وينحره بمنى إن ساقه
الجزء: 1 - الصفحة: 501
في الحج , وإن لم يوقف بعرفة فمحل ذبحه مكة.
قال في الرسالة: فمن قرن أو تمتع من غير أهل مكة فعليه هدى يذبحه أو ينحره بمنى إن أوقفه بعرفه , وإن لم يوقفه بعرفة فلينحره بمكة بالمروة بعد أن يدخل به من الحل , فإن لم يجد هديا فصيام ثلاثة أيام في الحج , يعني من وقت أن يحرم ألي يوم عرفة فإن فاته ذلك صام أيام منى وسبعة إذا اهـ. وقال خليل عاطفا على المندوبات: ووقوفه به المواقف , والنحر بمنى إن كان في حج ووقف به هو أو نائبه , كهو بأيامها وإلا فمكة.
قال
الحطاب: الاستحباب راجع لإيقافه جميع المواقف , وليس المراد أن إيقافه في كل موقف مستحب لأن إيقافه بعرفه شرط في ذبحه بمنى.
وقال ابن هارون نقلا عن التوضيح: وأما اشتراط كون الوقوف بالهدى ليلا فلا أعلم في ذلك خلافا.
لأن كل من اشترط الوقوف بعرفه جعل حكمه حكم ربه فيما يجزى من الوقوف اهـ. قال في توضيح المناسك: ويستحب إحضار الهدي المشاعر كالمشعر الحرام ومنى وعرفة ألا منحور منى فإحضاره عرفة واجب.
ثم قال: اعلم أن الهدى مطلقا كان لنقص في حج أو عمرة , أو تطوعا لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم , فلا يجزئ ما اشترى بمنى وذبح بها لأن من الحرم.
وكل هدي استوفى شروطا ثلاثة يجب ذبحه بمنى على الراجح.
وقيل يندب.
والوجوب ليس شرطا فيصح ذبحه بمكة مع الشروط: الشرط الأول أن يساق الهدى في إحرام حج , الثاني أن يقف به هو أو نائبه جزءا من الليل بعرفه , فلا يكفى وقوف التجار به , إلا إذا اشتراه منهم ووكلهم في الوقوف به , الثالث أن يكون ذبح الهدى أو نحره في يوم النحر أو تالييه , فإن فقدت هذه الشروط أو بعضها وجب ذبحه بمكة , والأفضل بمكة المروة , ومكة كلها منحر , ولا يجزئ ذبحه بمنى حينئذ , والأفضل بمنى عند جمرة العقبة , ولا يجوز النحر دونها مما يلي مكة لأنه ليس من منى اهـ مع طرف من الدسوقي.
قوله: وسبيل ولدها سبيلها يعنى إذا ولدت الهدى ولدا فسبيل ولدها سبيل الأم يجب نحره معها حيث نحرت , هذا إذا ولدته بعد التقليد
الجزء: 1 - الصفحة: 502
والأشعار , وأما لو ولدته قبل ذلك فحمله ونحره معها مندوب إن أمكن , وإلا فحكمه كهدى التطوع إذا عطبت قبل محلها من أنها تنحر ويترك بينها وبين الناس يأكلون , ولا يأكل هو , فإن أكل منها شيئا ضمن بدله.
قال خليل: وحمل الولد على غير إلخ قال الخرشي: يعني أن الإنسان إذا أهدى بدنه وقلدها وأشعرها ثم ولدت فإنه يلزمه أن يحمل ولدها وجوبا معها ألي مكة , إذ لا محل له دون البيت , فإن لم يجد غيرها يحمله عليه على أمه إن كان فيها قوة , وإن نحره دون البيت وهو قادر على تبليغه هدى بدله , فإن لم يمكن حمله عليها لعجزها عن ذلك إما لضعفها أو لخوف موتها فإنه يتركه من يحفظه حتى يشتد , فإن لم يمكن تركه عند من يحفظه بأن كان في فلاة من الأرض مثلا فإنه يصير حكمه كهدي التطوع , وإن كانت من الهدى الواجب.
قاله عبد الملك اهـ.
ثم انتقل في بيان ما تقدم من الترتيب في الهدي بعد العجز عن الذبح فقال رحمه الله تعالى " فمن عدمه صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع " تلك عشرة كاملة كما في الآية.
في المدونة إنما يجوز الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج إن لم يجد هديا صام قبل يوم النحر ثلاثة أيام وسبعة إذا رجع , فإن لم
يصمها قبل يوم النحر صامها أيام التشريق يفطر يوم النحر الأول ويصومها فيما بعد يوم النحر , فإن لم يصمها في أيام التشريق فليصمها بعد ذلك إذا كان معسرا اهـ. وإلى ما تقدم أشار رحمه الله تعالى بقوله: " ويجوز قبل رجوعه " يعني يجوز لمن عدم الهدى وفاته صيام الثلاثة قبل الوقوف أن يصوم ثلاثة أيام بمنى , أو بمكة قبل رجوعه إلى مكة أو إلى بلده , ويصوم السبعة حيث شاء.
هذا إذا حصل موجب الهدى قبل الوقوف.
أما إذا حصل بعد الوقوف بعرفة فإنه إذا لم يجد هديا صام عشرة أيام حيث شاء , ويستحب تتابعها.
وإن قدر على الهدى قبل أن يصوم وجب الرجوع إلى الأصل وهو الهدى , فلا يجزيه الصيام حينئذ فتأمل.
وقال في توضيح المناسك:
الجزء: 1 - الصفحة: 503
وما ذكر من صوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع محله إذا تقدم النقص على وقوفه كدم التمتع , والقران , وترك التلبية , وتعدي الميقات.
وتأخير الثلاثة أو بعضها لغير عذر إلي أيام منى مكروه على المعتمد , فيصوم الأيام الثلاثة التي بعد يوم النحر , وهى أيام التشريق , وإن حرم صوم ثاني النحر وثالثه في غير هذا.
وكره صوم رابعة تطوعا.
فإن لم يصمها وأخرها ولو عمدا صامها متى شاء, وصلها بالسبعة أولا.
,وأما إذا تأخر النقص عن الوقوف بعرفة كترك النزول بالمزدلفة , وترك رمى الجمار أو المبيت بمنى , فإنه يصوم العشرة متى شاء اهـ.
قال رحمه الله تعالى:" والمعتمر يتطوع به , ثم يصير قارنا يلزمه آخر لقرانه " وما ذكره من إلزامه هديا آخر خلافا لما في خليل ونصه: وإن أردف لخوف فوات أو لحيض أجزأ التطوع لقرانه.
قال الخرشي: المشهور أن الهدى يجب بالتقليد أو الإشعار , أحرم الإنسان بعمرة وساق معه هديا تطوعا وقد قلده أو أشعره ثم خاف إن تشاغل بعمل العمرة فاته الحج , أو حاضت وخافت فوات الحج فإنهما يردفان الحج على العمرة ويصير كل منهما قارنا ويجزئه هذا الهدى الذي قلده أو أشعر قبل الإرداف عن دم القران.
وهدي التطوع هو ما سيق لغير شيء وجب أو يجب في المستقبل اهـ. وقال في توضيح المناسك: إن ساق هدي التطوع في إحرام العمرة ثم أردف عليها الحج , أو حج متمتعا أجزأ عن القران والتمتع , ولو وجب بالتقليد والإشعار اهـ خلافا لما قال المصنف من أنه يلزمه هدي آخر لقرانه.
لكن في الحطاب ما يؤيده.
والله أعلم بالصواب اهـ.
ثم انتقل يتكلم في بيان ما يتعلق بجواز الأكل وما لا يجوز أكله , فقال رحمه الله تعالى: " ويجوز الأكل منه " أي من كل هدى ترتب عن نقص أي بترك الواجب في حج وعمرة ونحو ذلك , كهدى الفساد , أو الفوات , أو المذي , أو التمتع والقران , وكهدى التطوع بلغ المحل.
وقال في توضيح المناسك: تنبيه يجوز
لرب هدي التمتع والقران
الجزء: 1 - الصفحة: 504
ونحوهما الأكل منه قبل المحل لأنه يلزمه بدله , ويجوز له الأكل بعده , والتزود وإطعام الغنى والقريب , والتصدق والإهداء بالكل والبعض بلا حد.
وكره أكله كله.
ثم ذكر ما استثني عن أكله فقال رحمه الله تعالى: " إلا جزاء الصيد , وفديه الأذى , ونذر المساكين , وهدى التطوع يعطف قبل محله " يعني يحرم عليه أكل ما استثنى من جزاء الصيد وما عطف عليه.
قال في الرسالة: ولا يأكل من فدية الأذى , وجزاء الصيد , ونذر المساكين , وما عطب من هدى التطوع قبل محله.
ويأكل مما سوى ذلك إن شاء اهـ. وقال الدردير في اقرب المسالك: ولا يؤكل من نذر مساكين عين ولو لم يبلغ الحل كهدى تطوع نواه لهم وفديه , كنذر لم يعين وجزاء صيد , وفديه نوى بها الهدى بعد المحل , وهدى تطوع عطب قبله , ويأكل مما سوى ذلك مطلقا واه إطعام الغنى والقريب.
ورسوله كهو.
والخطام والجلال كاللحم فإن أكل ربه من الممنوع أو أمر غير مستحق ضمن بدله إلا نذر مساكين عين فقدر أكله اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن أكل مما ليس له أكله ضمن.
وهل لحما أو قيمة قولان " قال العلامة الصاوي في حاشيته على الدردير: الحاصل أن رب الهدي الممنوع من الأكل منه إن أكل لزمه هدي كامل إلا في نذر المساكين المعين، إذا أكل منه فقولان في قدر اللازم له، وإن أمر أحدا بالأكل فإن أمر غنيا لزمه هدي كامل إلا في نذر المساكين المعين فلا يلزمه إلا قدر أكله فقط.
ويحتمل أن يجري فيه القولان الجاريان في أكله هو.
وأما الرسول فإن أمر غير مستحق أو أكل وهو غير مستحق فإنه يضمن قدر ما أمر به أو أكله فقط في جميع الممنوع منه، وإلا فلا ضمان.
هذا هو الصواب اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا يركب ولا يحمل عليه إلا لضرورة فإذا زالت بادر إلى النزول والحط عنه " يعني أن المطلوب في الهدي عدم ركوبها إلا لضرورة.
قال خليل: وندب عدم ركوبها بلا عذر.
قال الخرشي: يعني أن الهدي يندب لصاحبه
الجزء: 1 - الصفحة: 505
عدم ركوبه إذا كان لا عذر له ولا يحمل عليها زاده ولا شيئا يتبعها، وأما مع العذر فإنه يجوز له أن يركبها، فلو تلفت في هذه الحالة فإنه لا شيء عليه، وإذا ركبها لغير عذر وتلفت ضمنها.
وقال ابن عبد السلام: ركوب الهدي لضرورة جائز، ولغير ضرورة المشهور كراهته، والقول الثاني جوازه ما لم يكن ركوبا فادحا اهـ الحطاب.
والدليل على جواز ركوبها ما في الحديث عن أبي هريرة: " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يسوق بدنة مقلدة فقال: اركبها، فقال يا رسول الله إنها
بدنه فقال اركبها " وفي راوية لمسلم " ويلك اركبها , ويلك اركبها " وفي أخرى للبخاري أى من رواية عكرمة قال الراوي " فلقد رايته راكبها يساير النبي صلى الله عليه وسلم والنعل في عنقها " اهـ وعن مالك: لا يلزمه النزول بعد الراحة.
وإذا نزل لحاجه أو لليل لم يركبها أيضا حتى يحتاج إلى ذلك كأول مرة اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا تجوز الشركة في الهدي " يعني كما في الموطأ عن مالك أنه سمع بعض أهل العلم يقول: لا يشترك الرجل وامرأته في بدنه واحدة , لينحر كل منهما بدنه اهـ وقال في المدونة: لا يجوز أن يشترك في شيء من الهدى لا في تطوعه , ولا في واجبه , ولا في هدي نذر , ولا في هدي نسك , ولا جزاء الصيد اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويفسد الحج بالوطء واستدعاء المنى ما بين الإحرام ورمى جمرة العقبة , ويلزمه إتمامه والقضاء , والهدى يسوقه في حجة القضاء " يعنى كما في الدردير عاطفا على ما يحرم على المحرم.
قال والجماع ومقدماته.
وأفسد مطلقا , كاستدعاء منى وإن بنظر أو فكر إن وقع قبل يوم النحر أو فيه فبل رمى عقبه وإفاضة , أو قبل تمام سعى العمرة وإلا فهدى , كإنزال بمجرد نظر أو فكر , وإمذاؤه وقبلة بفم , ووجب إتمام المفسد إن لم يفته الوقوف , وإلا تحلل بعمرة , فإن لم يتمه فهو باق على إحرامه , فإن أحرم فلغو.
وقضاؤه , أي ووجب قضاؤه , وفوريته , وقضاء القضاء ,
الجزء: 1 - الصفحة: 506
وهدى له , وتأخير للقضاء , وأجزأ إن قدم واتحد , أي هدي الفساد وإن تكرر موجبه بنساء اهـ. وقال في توضيح المناسك: يحرم على المحرم مغيب الحشفة أو مثلها من مقطوعها في القبل والدبر من آدمي أو غيرة , وإن لم ينزل , ناسيا أو عامدا , مكرها أو طائعا , فاعلا أو مفعولا.
ويفسد بذلك الحج ولو من صبى , أو في غير مطيقة , أو كان على الحشفة ساتر كثيف , أو غابت في هو الفرج , كذا لعبد الباقي , وخصه البناني بموجب الغسل.
ويفسد أيضا بإخراج المنى بقبلة أو جسة أو غير ذلك ولو لم يستدم , وباستدامة , نظر أو فكر فإن أنزل بمجرد النظر أو بمجرد الفكر من غير استدامة لم يفسد , ولكن يجب الهدى بذلك.
وفساد الحج بما ذكر إن وقع قبل التحللين: الأصغر وهو رمى جمرة العقبة كما تقدم , والأكبر وهو طواف الإفاضة , وقبل مضي يوم النحر.
وحيث فسد الحج فيجب إتمامه إن أدرك الوقوف , فإن لم يدركه لصد ونحوه وجب تحلله منه بفعل عمرة.
ولا يجوز له البقاء على إحرامه لقابل , لأن فيه التمادي على الفاسد مع إمكان التخلص منه.
ويجب القضاء على الفور في قابل سواء كان ما أفسده واجبا أو تطوعا.
ويجب الهدي وينحره في حجة القضاء , وإن قدمه أجزأه
وكذلك يجب إتمام العمرة وقضاؤها على الفور إن فسدت.
ولا يتكرر الهدي بتكرر الوطء سواء كان في امرأة واحدة أو أكثر , فإن لم يتم حجة الفاسد , وأحرم بقضائه في السنة الثانية فهو باق على إحرامه الفاسد , ويكمله في السنة الثانية , ولا يكون ذلك قضاء عما أفسده , ويقضيه في السنة الثالثة.
وإن أفسد القضاء لزمه قضاء القضاء أيضا , وأما إن وقع ذلك المفسد بعد رمى جمرة العقبة وقبل طواف الإفاضة أو وقع قبلهما بعد يوم النحر , أو وقع بعد الطواف وقبل ركعتيه , أو وقع بعد الطواف بركعتيه وقبل السعي , فيجب عليه هدى وعمرة في هذه الصور الأربع.
وإنما طولب بالعمرة ليأتي بطواف وسعي لا خلل فيهما.
وأما إن وقع منه ذلك بعد طواف الإفاضة وركعتيه وبعد السعي وقبل رمي جمرة العقبة أو وقع بعد ما ذكر وقبل الحلق فيجب عليه هدي فقط ولم يطلب بالعمرة في هاتين الصورتين لسلامه الطواف والسعي من الخلل اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 507
قال رحمه الله تعالى: " ويفارق الموطوءة فيها من حين إحرامه إلى التحلل , ويقضي على صفة ما أفسد " قال العلامة الصاوي نقلا عن الدسوقي: ويجب علية مفارقة من أفسد معها من حين إحرامه بالقضاء لتحلله خوفا من عوده لمثل ما مضي , ولا يراعى في القضاء زمن إحرامه بالمفسد , فلمن أحرم في المفسد من شوال أن يحرم بالقضاء من ذي الحجة بخلاف الميقات المكاني إن شرع فإنه يراعي , فمن أحرم بالمفسد من الجحفة مثلا تعين إحرامه بالقضاء منها , بخلاف ما إذا لم يشرع بأن أحرم في العام الأول قبل المواقيت فلا يجب الإحرام في القضاء إلا منها , فإن تعدى الميقات المشروع الذي أحرمه منه أولا فدم ولو تعداه بوجه جائز , كما لو استمر بعد الفساد بمكة إلى قابل وأحرم بالقضاء منها.
وأما لو تعداه في عام الفساد فلا يتعداه في عام القضاء اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ولا ينكح المحرم ولا ينكح حتى يحل.
ويحل بالإفاضه جميع محظورات الإحرام " قوله: حتى يحل , وفي نسخة حتى يتحلل بلامين.
وفي الموطأ عن عثمان بن عفان كان يقول: " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لا ينكح المحرم ولا ينكح , ولا يخطب " " اهـ. وقد ورد أن عمر بن الخطاب , رضي الله عنه , رد نكاح المحرم كما في الموطأ اهـ. بمعناه.
قال ابن جزي في القوانين الفقهية: فلا يجوز للمحرم أن يقرب امرأة بوطء ولا تقبيل ولا لمس , ولا ينكح ولا ينكح , ولا يخطبها لنفسه ولا لغيره.
ويفسخ نكاحه وإنكاحه قبل البناء وبعده , خلافا لأبى حنيفة في العقد والخطبة.
ويجوز له ارتجاع المطلقة الرجعية ما دامت في عدتها.
ويجوز له شراء الجواري من غير وطء اهـ. قال في توضيح المناسك:
يحرم على المحرم أن يعقد نكاحا لنفسه أو لغيره.
وكل نكاح كان الولي فيه محرما أو الزوج أو الزوجة فهو باطل , يفسخ قبل البناء وبعده بطلاق , ولو ولدت الأولاد ولا يتأبد تحريمها , لكن إن كان الفسخ قبل الدخول فلا شيء لها , وإن كان بعده فلها الصداق , لأن كل مدخول بها الصداق.
ويستمر التحريم
الجزء: 1 - الصفحة: 508
حتى يفرغ من حجة أو عمرته.
فإن حصل العقد بعد السعي وطواف الإفاضة وصلاة ركعتي الطواف كان عقدا صحيحا وإن لم يكن رمي جمرة العقبة.
وأما إن حصل بعد السعي والطواف وقبل الركعتين فيفسخ إن قرب , لا إن بعد.
وهذا في الحج.
وأما في العمرة فيصح بعد تمام سعيها , ويستحب تأخيره حتى يحلق , ولا يكون واسطة بين الرجل والمرأة في أمر النكاح , ولا يحضر العقد بين الزوجين لكن لا يفسخ النكاح بذلك.
ويكره له محادثة النساء وتقليب الجواري.
ويجوز له شراؤهن وبيعهن , ومراجعة زوجته والفتوى في أمور النساء , وأن يري شعر امرأته اهـ. ثم انتقل يتكلم في أحكام حج الصبي والعبد والمرأة والسفيه والمجنون , فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
فيما يتعلق بحج الصبي والعبد والمرأة وغيرهم
أي في بيان ما يتعلق بحج الصبي والعبد والمرأة وغيرهم، وما يطرأ عليهم من بلوغ الصبي أو عتق العبد، أو إذن لأحد المذكورين قبل الإحرام أو بعده، وحكم المحصر وغيره.
وبدأ بما يتعلق بحج الصبي والعبد اهتماما بشأنهما فقال رحمه الله تعالى: " حج الصبي والعبد نالفلة وإن أعتق أو بلغ في أثنائها " يعني أن العبد والصبي إذا حجا وقع حجمهما نفلا وإن طرأ على الصبي بلوغ أو على العبد عتق بعد الإحرام، فلا ينقلب حج أحدهما فرضا، بل يتمادى على إحرامه حتى يتمه تطوعا، وهو مذهب الجمهور لما رواه الشافعي والطيالسي كما في القرى والحاكم والبيهقي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم عتق فعليه حجة أخرى " اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " وليس له الإحرام بغير إذن سيده وله تحليله كالزوجة في التطوع " يعني أن العبد إذا لم يأذن له سيده في الإحرام فله أن يحلله، ويجب عليه
الجزء: 1 - الصفحة: 509
القضاء إذا عتق أو أذن له السيد على المشهور اهـ. قاله الحطاب.
وقال خليل: وللولي منع سفيه، كزوجة في تطوع، وإن لم يأذن فله التحلل وعليها القضاء كعبد.
قوله: كزوجه إلخ.
قال الخرشي: يعني أن المرأة إذا أحرمت بالحج التطوع بغير إذن زوجها فله أن يحللها، لأنها من جملة المحاجير كالسفيه وتحلل
كالمحصر، هذا ما لم يكن الزوج محرما وإلا فلا يحللها لأنها لم تفوت عليه الاستمتاع.
وأما حجة الإسلام فليس لزوجها منعها من الخروج لها إن قلنا إن الحج على الفور، وكذا على القول بالتراخي اهـ. وقل خليل: وعليها القضاء كعبد هو المشهور، ومقابله ما ذكره الحطاب نقلا عن شارح العمدة، ونصه: فإن أحرمت المرأة بغير إذن زوجها فله أن يحللها ولا قضاء عليها على الأصح لأنها التزمت شيئا بعينه فمنعت من إتمامه إجبارا كالمحصر اهـ. قال الخرشي يلزم العبد القضاء عن ذلك إذا أذن له سيده أو عتق، ويقدمه على الفرض، فإن قدم حج الفرض صح.
ومثل العبد في وجوب القضاء لما حلله منه المرأة إذا حللها زوجها مما أحرمت به من غير إذنه اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " فإن كان الصبي قويا يتعقل باشر الأفعال وإلا أحرم وطاف وسعى به وليه ". يعني كما في توضيح المناسك: أن الولي يأمر محجوره بما يطيقه، ومنه إحضاره المشاهد كعرفة ومزدلفة ومنى والمشعر الحرام وجوبا بعرفة، وندبا بغيرها.
وأما ما لا يطيقه فما أمكن فعله به فعله معه، فيطوف به بعد أن يطوف عن نفسه.
وأما إن قصد بطوافه نفسه ومحموله فلم يجز عن واحد منهما لأن الطواف كالصلاة، بخلاف السعي به وإن حاملا له وأجزأ عنهما إن قصد ذلك لخفة أمر السعي اهـ. وفي إيضاح المناسك: ويحرم المميز من أول الميقات إن قارب البلوغ وإلا فقرب الحرم، ويندب إحرام الولي عن الصبي غير المميز بقرب مكة لا من الميقات للمشقة بأن ينوي إدخاله في النسك، لما ورد أن له أجرا، ولا يجرده إن خاف عليه الضرر فيفدي اهـ.
الجزء: 1 - الصفحة: 510
قال رحمه الله تعالى: " فإن كان وصيا وخاف عليه ضيعة فنفقته من ماله، وإلا ضمن الزائد على نفقة الحضر " قال الخرشي: إن الولي أو الوصي إذا أخذ الصبي الذي في حجره إلى الحجاز فإن نفقة الصبي تكون في ماله، فإن كانت نفقة السفر مثل الحضر فلا كلام، أي لا له ولا عليه، وإن زادت نفقة السفر على الحضر فالزائد في مال الصبي إن كان يخشى الولي على الصبي الضياع لو تركه؛ لأن النفقة حينئذ من مصالحه، فإن كان لا يخشى عليه الضياع إذا سافر وليه وتركه فزيادة نفقة الصبي حينئذ على الولي لأنه أدخله في ذلك من غير ضرورة اهـ. وعبارة الصاوي على الدردير أنه قال: تنبيه، كل ما ترتب على الصبي بالإحرام من هدي وفدية وجزاء صيد فعلى وليه مطلقا خشي عليه الضيعة أم لا، إذ لا ضرورة في إدخاله في الإحرام، كزيادة نفقة السفر وجزاء صيد صاده في الحرم إن كان غير محرم إن لم يخف ضياعه بعدم سفره معه، فإن خاف ضياعه فزيادة النفقة في السفر وجزاء صيد الحرم في مال الصبي كأصل النفقة المساوي لنفقة الحضر فإنه في مال
الصبي مطلقا اهـ. ومثله في هداية الناسك.
وقال في إيضاح المناسك: المسألة الرابعة يجزي في المجنون المطبق مثل ما ذكر في الصبي من تأخير إحرامه وتجريده قرب مكة وإدخاله في حرمات الإحرام وغير ذلك.
والمطبق ما لا يفهم الخطاب ولا يحسن رد الجواب ولو ميز بين الإنسان والفرس، ولا يجزئه عن الفرض، فلو أفاق بعد إدخاله في الإحرام فليس له رفضه وانتظر المجنون الذي يفيق أحيانا كالمغمى عليه، ولا ينعقد عليهما إحرام غيرهما إلا أن المجنون الذي يفيق أحيانا يدخله وليه في حرمات الإحرام إذا خاف فوات الحج عليه بخلاف المغمى عليه لأن الإغماء مظنة عدم الطول، ثم إن أفاق في زمن يدرك الوقوف فيه أحرم وأدركه ولا دم عليه في عدم إحرامه من الميقات اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ومن أسلم أو أعتق أو بلغ يوم عرفة فأحرم ووقف سقط
الجزء: 1 - الصفحة: 511
فرضه " يعني - كما تقدم - أن الإسلام شرط في صحة الحج والعمرة على المشهور، وحينئذ فإذا أسلم الكافر بعرفة قبل طلوع الفجر يوم النحر ونوى، أي أحرم ووقف ولو بقدر سبحان الله قبل الفجر فقد أدرك الحج أي فحجه صحيح.
وعن عطاء أنه سئل عن الرجل إذا أسلم بعرفات فوقف مسلما فقال أجزأه الحج اهـ. أخرجه سعيد بن منصور، كذا في " القرى لقاصد أم القرى " ومثل الذي أسلم بعرفة العبد إذا أعتق يوم عرفة وأدرك الوقوف فحجه صحيح أيضا كالمراهق بلغ يوم عرفة ونوى بأن أحرم ووقف قبل طلوع فجر يوم النحر.
فالحاصل أن كلا من الثلاثة وقع حجه فرضا بزوال المانع الذي تعلق به قبل ذلك.
ومما يلحق بهؤلاء ما لو أحرم الصبي المراهق بغير إذن وليه ولم يعلم الولي بذلك حتى بلغ فللولي تحلله من هذا الإحرام النفل ليحرم بفريضة الحج، هذا إن بلغ سفيها، لا إن بلغ فللولي تحلله من هذا الإحرام النفل ليحرم بفريضة الحج، هذا إن بلغ سفيها، لا إن بلغ رشيدا على الظاهر من كلامهم وليس العبد كذلك بل هو يتمادى على حجة النفل ولو أذن له سيده لا يكون حجه فرضا بل عليه حجة الإسلام إذا أعتق كما تقدم.
قال رحمه الله تعالى: " والمحصر بعدو يتحلل مكانه ولا قضاء عليه ولا يسقط فرضه " يعني أن المحصر بعد ويتحلل في الموضع الذي أحصر منه، ولا يجب عليه قضاء ما تحلل عنه من حج أو عمرة، لكن لا تسقط عنه حجة الإسلام بذلك إن كان ضرورة، وكذا لا يسقط عنه سنية العمرة بذلك اهـ. وقد قال العلامة خليل في منسكه: من موانع الحج العدو والفتنة بين المسلمين، وهو مبيح للتحلل ونحو الهدي حيث كان إذا طرأ ذلك بعد الإحرام، أو كان قبله ولم يعلم، أو ظن أنهم لا يصدونه، وأما إن علم منعهم فلا يجوز له الإحلال، نقله ابن المواز عن مالك.
ثم إن حصر العدو على ثلاثة أقسام: الأول: أن يحصر عن البيت وعن عرفة وحكمه ما تقدم، الثاني: أن يحصر عن عرفة فقط فلا يحل إلا بأفعال
العمرة.
الثالث: أن يحصر عن البيت فقط، ففي المدونة: تم حجه ولا يحله إلا الإفاضة، وعليه لجميع مافاته من الرمي والمبيت بنمى أو مزدلفة هدي كما لو نسي
الجزء: 1 - الصفحة: 512
الجميع.
وقيل لا هدي عليه.
قلت والصحيح الأول اهـ بحذف وزيادة إيضاح.
وقال في المختصر: وإن منعه عدو أو فتنة أو حبس لا بحق بحج أو عمرة فله التحلل إن لم يعلم به وأيس من زواله قبل فوته ولا دم اهـ. قال الأبي: وقول خليل: ولا دم، أي إن تحلل فلا دم عليه لفوات الحج بحصر العدو على المشهور، وأوجبه عليه أشهب لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196] وتأوله ابن القاسم على المحصر بمرض.
ورده اللخمي بنزول الآية في قضية الحديبية وكان حصرها بعدو، وبقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنتُمْ﴾ [البقرة: 196] وهو إنما يكون من عدو.
وأجاب التونسي وابن يونس بأن الهدي فيها لم يكن لأجل الحصر، وإنما كان بعضهم ساقه تطوعا فأمروا بتذكيته، ورد قول أشهب بقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: 196] والمحصر بعدو يحلق أين كان، وهو رد قوي ظاهر اهـ. وقال ابن جزي في القوانين الفقهية: الإحصار بعدو الإحرام وهو مبيح للتحلل إجماعا، فالمحصر بعدو أو فتنة في حج أو عمرة بتربص ما رجى كشف ذلك، فإذا يئس تحلل بموضعه حيث كان من الحرم وغيره ولا هدي عليه، أي على المشهور في المذهب.
وإن كان معه هدي نحره.
وقال الشافعي وأشهب عليه الهدي ويحلق أو يقصر ولا قضاء عليه ولا عمرة إلا إن كان ضرورة فعليه حجه الإسلام اهـ. وقال خليل في منسكيه: المانع الثاني ـ أي من موانع الحج ـ حبس السلطان شخصا أو شرذمه في دم أو دين , فمذهب المدونة وغيرها أنه كالمحصر بالمرض لا يحلله إلا البيت , ونقل عن المتأخرين أنه كحصر العدو , ونقل عن مالك إن حبسوا بحق فكالمرض وإلا فكالعدو , ولم يعده صاحب البيان خلافا , وعده ابن الحاجب خلافا اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " والمحصر بمرض لا يحلله إلا البيت " يعني ـ كما قال ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 513
جزي ـ: من أصابه المرض بعد الإحرام لزمه أن يقيم على إحرامه حتى يبرأ وإن طال ذلك خلافا لأبى حنيفة فإن عنده كالمحصر بالعدو , فإذا برأ اعتمر وحل من إحرامه بعمرته وليس عليه عمل ما بقى من المناسك , فإذا كان العام القابل قضى حجته فرضا كان أو تطوعا وأهدى هديا بقدر استطاعته , فإن لم يجد هديا صام صيام المتمتع ثلاثة في الحج وسبعه إذا رجع , فإن تمادى به المرض حتى دخلت عليه أشهر الحج من قابل وهو محرم أقام على إحرامه حتى يقضى حجه ولا عمرة عليه , وعليه الهدى استحبابا.
وحكم المحبوس بعد إحرامه , والضال عن الطريق , والغالط في حساب الأيام , والجاهل بأيام الحج حتى فاته
كحكم المريض في كل ذكرنا اهـ. وإلي جميع ما تقدم أشار خليل بقوله: وإن حصر على الإفاضة أو فاته الوقوف بغير كمرض أو خطأ عدد أو حبس بحق لم يحل إلا بعمل عمرة بلا إحرام إلخ.
راجع ما قاله الأجهوري عند قول خليل أو حبس بحق، انظره في حاشية العدوي على الخرشي اهـ.
ولما أنهى الكلام فيما يتعلق بحج الصبي ومن عطف عليه انتقل يتكلم على بيان العمرة وأحكامها.
فقال رحمه الله تعالى:
فَصْلٌ
في العمرة وأحكامها
أي في بيان فضل العمرة وأحكامها.
وفي الحديث عن أبي هريرة قال:: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه " وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما.
والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة " اهـ. رواهما البخاري ومسلم كلاهما عن مالك.
وفيهما أيضا عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " عمرة في رمضان تعدل حجة معي " اهـ. والأحاديث في فضلها كثيرة.
وبدأ بحكمها فقال رحمه الله تعالى:
الجزء: 1 - الصفحة: 514
" العمرة سنة مرة في العمر " وهي في اللغة الزيارة، وفي الشرع: عبادة يلزم المحرم بها الطواف بالبيت سبعا والسعي بين الصفا والمروة كذلك.
يعني أن العمرة سنة مؤكدة مرة في العمر.
قال مالك: العمرة سنة، ولا نعلم أحدا من المسلمين أرخص في تركها، قال: ولا أرى لأحد أن يعتمر في السنة مرارا.
قاله في الموطأ اهـ. وقال خليل في منسكه: وهي سنة على المشهور، وفي توضيح المناسك: وتستحب في كل عام مرة، ويكره تكرارها في العام على المشهور، وأجاز تكرارها مطرف وابن الماجشون.
وقال ابن حبيب: لا بأس بالعمرة في كل شهر مرة، ويستثنى من كراهة تكرارها في العام الواحد من تكرر دخوله إلى مكة من مواضع يجب عليه الإحرام منها اهـ. قال ابن جزي: وحكمها في الاستطاعة والنيابة والإجازة كحكم الحج.
قال رحمه الله تعالى: " ومحظوراتها كالحج " يعني أن ممنوعات العمرة كممنوعات الحج، وما كان ممنوعا في الحج فهو ممنوع في العمرة.
قال في الرسالة: ويجتنب في حجه وعمرته النساء والطيب ومخيط الثياب والصيد وقتل الدواب وإلقاء التفث ولا يغطي رأسه في الإحرام، ولا يحلقه إلا من ضرورة ثم يفتدي اهـ.
ثم قال رحمه الله تعالى: " وأركانها الإحرام والطواف والسعي " يعني أن
أركان العمرة كأركان الحج سوى الوقوف بعرفه جزءا من ليله النحر.
قال في توضيح المناسك: وأركانها ثلاثة: الإحرام , والطواف , والسعي.
فإذا أتم سعيه كرة له أن يفعل شيئا من ممنوعات الإحرام غير الوطء قبل الحلاق , فإن فعلها أو شيئا منها فلاشيء عليه , ومن ذلك أن يغسل رأسه بغاسول ونحوه كما قال ابن القاسم.
وإن حصل منه مذي فلا هدى عليه , وإن وطئ أو أنزل وجب عليه الهدى.
وهذا ما عليه الأجهوري.
وقال
الجزء: 1 - الصفحة: 515
السنهوري: إن كل ما أوجب هديا في الحج يوجب هديا في العمرة , فإن حصل منه مذى مثلا قبل الحلاق وجب عليه هدي , كذا في المحموع وغيره اهـ.
قال رحمه الله تعالى: " ويحل بالحلاق أو التقصير " يعني إذا أتم سعي العمرة فإنه يحلق رأسه أو يقصره.
قال في الرسالة: ثم يحلق رأسه وقد تمت عمرته.
والحلاق أفضل في الحج والعمرة.
والتقصير يجزئ.
وليقصر من جميع شعره.
وسنه المرأة التقصير اهـ كما تقدم في الحج.
قال رحمه الله تعالى: " ويصح الإحرام بها في جميع السنة إلا أيام التشريق " قال ابن جزئ في القوانين الفقهية: وتجوز في جميع السنة إلا في أيام الحج لمن كان مشغولا بأفعال الحج.
وأفضلها في رمضان.
وقال أبو حنيفة تكره للحاج وغيره في خمسة أيام متوالية.
عرفة , والنحر , وأيام التشريق اهـ. وفي توضيح المناسك وللعمرة ميقاتان: زماني ومكاني فالزماني جميع السنة ولو يوم عرفه ويوم النحر وأيام التشريق لمن لم يحرم بحج , فيعمل عمل العمرة والناس في الموقف بعرفه لأمر عمر , رضي الله عنه , لأبي أيوب الأنصاري وهبار بن الأسود حين قدما عليه يوم النحر , وقد فاتهما الحج , أن يتحللا بفعل عمرة من إحرامهما بالحج ويقضياه قابلا ويهديا كما في الموطأ.
وأما من كان محرما بحج مفردا أو قارنا فإنه يمتنع إحرامه بها حتى يكمل حجه وتمضى أيام التشريق , فإن أحرم بها قبل الزوال من اليوم الرابع من أيام منى لم تنعقد , وإن أحرم بها بعد الزوال منه وكان قد طاف وسعي لحجه وأكمل رمى الجمار انعقد إحرامه بها مع الكراهة , إلا أنه لا يفعل فعلا من أفعالها إلا بعد الغروب من ذلك اليوم , وإن طاف وسعي قبل الغروب فهما كالعدم , وإن خرج إلى الحل فلا يدخل الحرم حتى تغرب الشمس لأن دخول الحرم بسبب العمرة عمل لها , وهو ممنوع من عملها , فإذا دخل قبل الغروب لأجلها أعادة والمكاني يختلف باختلاف الناس , فالواصل إلى مكة من الآفاق
الجزء: 1 - الصفحة: 516
إذا أراد الإحرام بالعمرة ميقاته أحد مواقيت الحج الخمسة المتقدمة , ويستمر يلبى حتى يصل إلى حدود الحرم فيقطعها حينئذ كما مر , وإن كان منزله من دون المواقيت
فميقاته منزله على ما تقدم، وإن كان من أهل مكة أو مقيما بها فميقاته الحل من أي جهة، والأفضل أن يبعد عن طرف الحل، وأفضل جهات الحد الجعرانة، ثم التنعيم.
قال النووي: ثم الحديبية، فإذا أحرم بها من الحل فيستمر يلبي إلى بيوت مكة، فإذا أحرم وصل البيوت قطع التلبية حينئذ، ولا يجوز الإحرام بها من مكة أو الحرم، فإن أحرم بها منهما فالمعروف من المذهب انعقادها ولا دم عليه على المعروف، ويؤمر بالخروج إلى الحل قبل أن يطوف ويسعى لها، فإن طاف وسعى لها قبل خروجه إلى الحل فطوافه وسعيه كالعدم، وإن حلق رأسه لزمته الفدية، ويؤمر بإعادة الطواف والسعي والحلاق بعد الخروج إلى الحل اهـ.
وإلى ما تقدم أشار رحمه الله تعالى فقال: " ومن أحرم من الميقات قطع التلبية إذا دخل الحرم، ومن الجعرانة إذا دخل مكة، ومن التنعيم إذا دخل الحرم لطول زمانه بالتلبية والمحرم بها أيضا من الجعرانة أو التنعيم يقطع إذا دخل بيوت مكة، هذا مذهب المدونة، وفي الجلاب: لا يقطع في التنعيم إلا إذا رأى البيت اهـ. وتقدم الكلام في قطع التلبية عند قول المصنف فإذا رأى البيت قطع التلبية فراجعه إن شئت.
قال رحمه الله تعالى: " وإذا حاضت المعتمرة قبل طوافها انتظرت الطهر فإن ضاق الوقت أردفت الحج وسقط عمل العمرة " قال مالك في المرأة التي تهل بالعمرة ثم تدخل مكة موافيه للحج وهي حائض لا تستطيع الطواف بالبيت: إنها إذا خشيت الفوات أهلت بالحج وأهدت وكانت مثل من قرن الحج والعمرة وأجزأ عنها طواف واحد كما في الموطأ اهـ. قال الباجي: قوله إنها إذا خشيت الفوات أهلت
الجزء: 1 - الصفحة: 517
بالحج وأهدت يريد لقوانها، قال وكانت مثل من قرن الحج والعمرة، يريد أنها في أحكامها مثل التي قرنت الحج والعمرة، إلا أن التي أحرمت بهما من ميقاتها يلزمها طواف الورود، وهذه التي أردفت الحج بمكة لا يلزمها ذلك لأنها أحرمت بالحج من الحرم ولا يلزمها للحج الورود، والمعتمر لا يلزمه ذلك أيضا، وإنما يطوف عند ورود طواف عمرته اهـ. وعن ابن عباس مرفوعا " أن النفساء والحائض تغتسل وتحرم وتقضي المناسك كلها غير أنها لا تطوف بالبيت حتى تطهر " اهـ أخرجه الترمذي.
قال رحمه الله تعالى: " والمستحاضة تغتسل تحرم وتقف وتنتظر الطهر للطواف.
والله أعلم " وفي الحديث عن عائشة، رضي الله عنها: " أن فاطمة بنت أبي حبيش سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إني أستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال: " لا
إن ذلك عرق وليس بالحيضة، ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي " اهـ.
فعلمنا أن دم الاستحاضة ليس بالحيض، ولا يمنع شيئا من العبادة.
والمعنى أن المستحاضة تغتسل بالإحرام لأنه سنة لكل من يريد الإحرام ولو حائضا أو نفساء، لما في الموطأ عن أسماء بنت عميس أنها ولدت محمد بن أبي بكر بالبيداء وذكر ذلك أبو بكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: " مرها فلتغتسل ثم لتهل " اهـ والاستحاضة لا تمنع شيئا مما يمنعه الحيض، لكن يستحب لها أن تتوضأ لكل صلاة كما يسن لها الغسل عند الإحرام بحج أو عمرة، وكذلك إذا انقطع عنها الدم إن ميزت به، قال ابن جزي: وأما دم الاستحاضة فهو الخارج من الفرج على المرض فلا تنتقل المستحاضة إلى حكم الحائض إلا بثلاثة شروط: أحدها أن يمضي لها من الأيام في الاستحاضة مقدار أقل الطهر.
ثانيها أن يتغير الدم عن صفة الاستحاضة إلى الحيض فإن دم الحيض أسود غليظ ودم الاستحاضة أحمر رقيق والصفرة والكدرة حيض.
ثالثها أن تكون المرأة مميزة ولا تمنع الاستحاضة شيئا مما يمنع من الحيض، ويستحب للمستحاضة
الجزء: 1 - الصفحة: 518
أن تتوضأ لكل صلاة وأوجبه الشافعي اهـ. وقوله وتقف وتنتظر الطهر للطواف، يعني أن المستحاضة يجوز لها أن تقف بعرفة وتؤدي جميع المناسك مثل الحائض إلا أن الحائض تمكث حتى تطهر لا بد منه أو يمضي من الزمان قدر ما يحبس النساء الدم فإذا مضى ذلك ولم ينقطع صارت مستحاضة بعد أيام الاستظهار.
قال مالك في المرأة حاضت بمنى قبل أن تفيض فإن كريها يحبس عليها أكثر مما يحبس النساء الدم.
قال الشارح أبو الوليد الباجي: أي يحبس عليها بقدر ما يحكم للمرأة بأنها حائض، فإذا حكم لها بالاستحاضة اغتسلت وطافت ورجعت اهـ. قال الحطاب: فإن مضى قدر حيضها والاستظهار ولم ينقطع الدم فظاهر المدونة أنها تطوف لأنها مستحاضة اهـ. وقال الدردير في المستحاضة: لكن يندب إذا انقطع أن تغتسل.
وقال الصاوي أي لأجل النظافة وتطييب النفس كما يندب غسل المعفوات إذا تفاحش ذلك والاستحاضة من جملتها والله أعلم.
ولما كان المصنف لم يذكر زيارة النبي صلى الله عليه وسلم في إرشاده معتمدا لشهرتها أو لغرض آخر أتيت هنا بذكر شيء منها، وختمت بها هذا الجزء تبركا، كما ختم بذكرها بعض الصالحين مناسكهم، فقلت مستعينا بالله تعالى:
الجزء: 1 - الصفحة: 519
خاتمة
في زيارة النبي صلى الله عليه وسلم
وزيارته عليه الصلاة والسلام سنة مجمع عليها وفضيلة مرغب فيها قاله القاضي عياض في في الشفاء.
وقال بعض مشايخنا زيارة النبي صلى الله عليه وسلم سنه لكل احد حتى النساء اتفاقا ولو لغير حاج ومعتمر , وسن أن ينوي الزائر مع زيارته صلى الله عليه وسلم التقرب بالسفر إلى مسجده صلى الله عليه وسلم والاعتكاف فيه وأن يكثر في طريقه من الصلاة والسلام عليه , فإذا رأى حرم المدينة وأشجارها زاد في ذلك اهـ. وينبغي للذكر القادر أن ينزل خارج المدينة ويغتسل ويتوضأ إن وجد ماء وإلا تيمم , وأن يلبس أنظف ثيابه ويقدم البياض على الأغلى , ويتطيب ويتصدق ولو بقليل , ويدخل المسجد ماشيا حافيا بسكينه ووقار.
ويستحب أن يقدم رجله اليمنى قائلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم باسم الله اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ال سيدنا محمد , اللهم اغفر لى ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك , وأما عند الخروج فيقدم رجله اليسرى ويقول ذلك إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك.
ثم يقول: اللهم إن هذا حرمك وحرم رسولك فاجعله لي وقاية من النار وأمانا من العذاب وسوء الحساب , وارزقني في زيارته ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك.
ثم يقصد الروضة ويصلى ركعتين تحيه المسجد إن كان وقت تجوز فيه النافلة وإلا بدأ بالقبر الشريف , ويندب ركوعهما في محراب النبي صلى الله عليه وسلم إن قدر , وإلا ففي أو غيرها.
ثم يتقدم ـ إلى القبر الشريف مستقبلا له مستديرا للقبلة , يقف قبالة وجهه صلى الله عليه وسلم ويكون متصفا بكثرة الذل والسكينة والانكسار , ويعلم أنه واقف بين يديه صلى الله عليه وسلم إذ لا فرق بين موته وحياته ويطيل في السلام
الجزء: 1 - الصفحة: 520
عليه.
ومن أكمله ما يسلم المسلم عليه أن يقول: السلام عليك يا خاتم النبيين.
السلام عليك يا شفيع المذنبين.
السلام عليك يا طه.
السلام عليك يا إمام المتقين.
السلام عليك يا قائد الغر المحجلين.
السلام عليك يا رسول الله رب العالمين.
السلام عليك يا منة الله على المؤمنين , وعلى أزواجك الطيبات الطاهرات أمهات المؤمنين.
السلام عليك وعلى أصحابك أجمعين ورحمة الله وبركاته.
جزاك الله يا رسول الله أفضل الجزاء.
وصلى عليك أفضل الصلوات.
فقد بلغت الرسالة , وأديت الأمانة , وعبدت ربك , وجاهدت في سبيله , ونصحت
لعباده صابرا محتسبا حتى أتاك اليقين.
صلى الله تعالى عليك أفضل الصلوات وأتمها وأطيبها وأزكاها.
صلى الله تعالى عليك يا نبي الله ورسوله وخيرته من عباده , القائل بالحق والصادق بالوعد، والنافذ لله بالأمر الذي أقام به شرائع دينه، وأوضح به سبيله، وختم به أنبياءه ورسله، وأمر بالصلاة عليه وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
واجز عنا سلفنا ومن تبعهم بإحسان مرافقة نبيك والحلول في أعلى درج جناتك.
وألحقنا بهم، واسلك بنا سبيلهم، واقف بنا آثارهم إنك على كل شيء قدير.
وصلاة ربنا ورحمته وبركاته على ملائكته ورسله وأنبيائه.
ويسن للزائر إذا وصاه أحد بالسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول: السلام عليك يارسول الله من فلان بن فلان، بل يتعين إذا استؤجر لذلك لجواز الإجازة على الزيارة كما قرروه.
ثم يتنحى - إلى يمينه نحو ذراع فيقول: السلام عليك ياأبا بكر الصديق ورحمة الله وبركاته، صفي رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثانيه في الغار، أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده جزاك الله عن أمة سيدنا محمد خيرا رضي الله تعالى عنك وأرضاك وجعل الجنة متقلبك ومثواك.
ورضي الله تعالى عن كل الصحابة أجمعين.
ثم يتنحى - إلى يمينه نحو ذراع أيضا ثم يقول: السلام عليك يا أبا حفص عمر الفاروق السلام عليك يا صاحب رسول الله،
الجزء: 1 - الصفحة: 521
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته أشهد أنك جاهدت في الله حق جهاده، جزاك الله تعالى عن أمة سيدنا محمد خيرا، رضي الله تعالى عنك وأرضاك وجعل الجنة متقلبك ومثواك.
ورضي الله تعالى عن كل الصحابة أجمعين ثم يرجع إلى موقفه الأول يستقبل القبلة ويدعو بما شاء لنفسه وللمسلمين.
قاله بعض مشايخنا في منسكه.
ويستحب أن يزور البقيع والقبور المشهورة فيه فيسلم على أهله مثل ما مر في السلام على الصاحبين، وينبغي أن يخص المشهورين بالسلام كسيدنا عثمان بن عفان ومن كان معروف القبر هناك كسيدنا عباس عم النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم يعم بأن يقول السلام عليكم أيها الشهداء، السلام عليكم يا مجاهدون في سبيل الله حق جهاده " سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبي الدار " ثم يزور شهداء أحد كسيدنا حمزة عم النبي رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيره من الشهداء.
وينبغي أن يزور المساجد المشهورة كمسجد قباء لما صححه الترمذي عنه عليه الصلاة والسلام قال: " صلاة في مسجد قباء كعمرة " وأن يتوضأ من الآباري المباركة كبئر أريس وبئر عثمان.
وأن يشرب منها: قال خليل في منسكه: وهذا إنما هو فيمن كثرت إقامته
بالمدينة المنورة وإلا فالمقام عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن ليغتنم مشاهدته عليه الصلاة والسلام ويسن أن يقيم في الروضة فيكثر فيها من الصلاة والدعاء، بل إن أمكن أن لا يجعل صلاته مدة إقامته بالمدينة المنورة إلا فيها فليفعل، ويتحرى الوقوف والدعاء عند المنبر تأسيا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وينبغي للزائر أن يصاحب أحدا من سكان المدينة ليدله على الآثار والمزارات المذكورة ليفوز بزيارتها كلها، ثم إذا أراد الخروج وعزم الرجوع إلى بلده ووطنه ينبغي له أن يودع رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقف عند القبر الشريف ويقول: السلام عليك يا رسول الله.
السلام عليك يا نبي الله.
الوداع يا خير خلق الله.
الرحال يا شفيع المذنبين.
لا جعله الله آخر العهد لا منك ولا من
الجزء: 1 - الصفحة: 522
زيارتك.
ثم يخرج من المسجد وقلبه مملوء شوقا له عليه الصلاة والسلام ولأهل المدينة ونية العود إليها.
فتحفظ على هذه الآداب فإن من فعلها مع الشوق وفراغ القلب من الأغيار بلغ كل ما يتمنى إن شاء الله تعالى، وأعظمه حسن الختام.
ختم الله لنا بخاتمة السعادة، وبلغنا الحسنى وزيادة، آمين.
وفي هذا القدر كفاية.
تم الجزء الأول من كتاب " أسهل المدارك "
ويليه الجزء الثاني وأوله " كتاب الجهاد "
الجزء: 1 - الصفحة: 523
أسهَل المدارِك «شَرْح إرْشَادِ السَّالِك فِي فِقْه إِمَام الْأَئِمَّة مَالِك»
لجامعه الْفَقِير لرحمة ربه أبي بكر بن حسن الكشناوي
[الْجُزْء الثاني]
دَار الْفِكر