وهبار وإن لم يكن حين السب مسلمًا ولكنا ذكرنا قصته هنا لأجل ورود لفظ الحديث فيها على هذا السبب لنعلم دخوله في العموم.
2 - ومنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم استغفر لكل المؤمنين والمؤمنات.
قال رجل لعبد الله بن سرجس الصحابي: أستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم ولك، ثم تلا قوله تعالى: (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [محمد: 19]، فهذا الشخص الذي رع وحسنت سريرته وصح إسلامه قد استغفر النبي صلى الله عليه وسلم له، ومن استغفر له النبي صلى الله عليه وسلم غفرت ذنوبه التي بينه وبين الله، [وهي] لا تختص بالنبي صلى الله عليه وسلم، فالتي تختص به أولى، لأن الذي يشفع للشخص أول راضٍ عنه.
3 - ومنها: أنه تحقق أنه من أمة النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم اختبأ دعوته شفاعة لأمته، وليس له همة يوم القيامة إلا الشفاعة لهم، فلو كان حقه باقيًا على من مات مسلمًا بحيث أنه يطالبه به في عَرَصاتِ القيامة لتعوق بسببه عن الجنة إذا لم يكن قد أخذ به في الدنيا حتى يعفو عنه في القيامة، ولا نشك أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرضى أن يتأخر أحد من أمته عن الجنة لحق غيره فضلاً عن أن يكون لحقه، ولا يطالبه به وهو يجتهد في خلاص أمته.
4 - ومنها: قوله: "عليكم بسنتي.. "، ومن سننه أنه لم يقتل مسلمًا قط، هذا ما لا شك فيه، ولو كان ذلك جائزًا لبينه.
5 - ومنها: علمنا برضاه عن كل من حسن إسلامه، وأنه لا يقصد من أمته غير ذلك.
6 - ومنها: كمال شفقته عليهم.
7 - ومنها:/ أن الأئمة بعده إنما يقومون مقامه في الأمور العامة المتعلقة بمصلحة الخلق، فاستيفاء هذا الحق إما أن يكون لخصوص النبي صلى الله عليه وسلم، فيحتاج قيام الإمام بعده فيه مقامه إلى دليل، ولم يوجد، وإما أن يكون لمصلحة الخلق فيلزم أن لا يكون له إسقاطه في حياته، وقد عفا عن ابن أبي سرح، وإما أن يكون لحق الله تعالى لاجترائه على أنبيائه ورسله وأمناء وحيه وما يجر ذلك من الطعن في دينه، وكل ذلك حق لله تعالى،
فيسقط بالإسلام عملاً بقول نبيه المبلغ عنه: "الإسلام يجب ما قبله"، وقوله هو: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف) [الأنفال: 38].
فإن قلت: السب جريمة كالزنا والقتل لا يذهب أثره بالإسلام بخلاف الردة المجردة، فإنها اعتقاد يزول بالإسلام.. قلت: السب أيضًا إنما قتل به لأنه يدل على خبث باطن وسوء عقيدة، فإذا أسلم زال ذلك.
فإن قلت: أما قلت في المسألة الثانية من الفصل الأول: إن خصوص السب وحده موجب للقتل لا لعموم الكفر؟ قلت: بلى، ولكن فيه مزيد بحث، وهو أن خصوص [السب] كفر خاص، وفيه اعتباران: أحدهما: من حيث كونه كفرًا، وهذا يزول أثره بالإسلام، كما أن الردة قطع الإسلام، وهو شيء وقع في الوجود لا يمكن زواله، ومع ذلك يذهب أثره بالإسلام نظرًا إلى ما قطعه به وهو الكفر المستمر.
والثاني: من حيث كونه سبًا فقط، مع قطع النظير عن كونه كفرًا، وهذا المعنى لا شك أنه لا يذهب بالإسلام، ولكن ترتيب القتل عليه من جهة هذا المعنى يحتاج إلى دليل، والأدلة التي قدمناها ـ كقوله: "من سب نبيًا فاقتلوه" ـ وغيرها صحيح أنها تقتضي ترتيب الحكم على خصوص السب الخاص، ولكن في السب الخاص معنيان، أحدهما: كونه سبًا هو كفر يزول بالإسلام، والآخر: مطلق السب، وإذا كان في محل النص معنى معتبر لا يجوز إلغاؤه، ولا شك أن جهة كونه كفرًا معنى معتبر صالح لأن يكون علة أو جزء علة، فالإعراض عنه بالكلية وعله لمطلق السب يتوقف على دليل.
وهذا لا ينافي قولنا فيما تقدم: إن القتل لعلتين: إحداهما: عموم الردة، والثانية: خصوص السب، لأنا أردنا به السب الخاص الذي هو كفر، وهو مشتمل على المعنيين اللذين ذكرناهما هنا، وهما: جهة الكفر من حيث هو، وجهة السب من حيث هو، بحيث لو فرض عدم التكفير به اقتضى القتل، وهذا المعنى هو الذي يبقى أثره بعد الإسلام، ولا يتم البحث لمدعي القتل بعد الإسلام إلا بتقريره، وفي تقريره تسكب العبرات أو
تتجاذب الاحتمالات، فالأولى الكف عن الدماء بعد الإسلام، وامتطاء حبل العصمة، وحسبانه على الله.
وقولنا: "لو فرض عدم التكفير به" نعني على سبيل الفرض والتقدير للأمور المستحيلة، فإن التكفير بكل سب لا شك فيه، ولكن فيه جهتان يميز العقل إحداهما عن الأخرى، فأردنا بالفرض تحرير إحدى الجهتين.
فإن قلت: هل ثبوت القتل لمجرد السب من حيث كونه سبًا مع قطع النظر عن كونه سبًا مكفرًا: محتمل أو لا؟ قلت: نعم، هو محتمل، ولكن يحتاج في إثباته إلى دليل بين من الشرع، فإذا لم نجده ووجدنا أدلة قوية عاصمة لكل مسلم فالأولى التمسك بها، والواجب الوقوف عندها.
فإن قلت: هل تقول هذا في كل من تلفظ بكلمتي الشهادتين أو فيمن انضم إلى ذلك قرائن تدل على صدقه وحسن سريرته وصحة إسلامه؟ قلت: هذا هو الذي كنت وعدت بأني أتكلم عليه وأبين تقارب حكم الساب والزنديق، فإن في الساب مأخذين، أحدهما: حق الأدمي، والثاني: الزندقة، والذي أقوله بعون الله تعالى بعد أن قدمت قولي: "اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، أهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم"، وسألت الله أن يسددني
ويعصمني من الزيغ والهوى، ويحفظ قلبي ولساني وقلمي في هذا المقام العظيم عن الخطأ في حكمه، إنه على كل شيء قدير، لا عاصم إلا هو، فأقول وبالله التوفيق: إن من ظهرت قرائن تدل على حسن سريرته وصفاء باطنه ومعاملته مع الله تعالى وإخلاصه وندمه وإقلاعه على ما فرط منه فلا شك عندي في سقوط القتل عنه للأدلة التي قدمتها.
وحق الآدمي في هذا المقام لما كان لأشرف الآدميين بل لأشرف الخلق وأكرمهم على الله؛ والجناية عليه جناية على الله باعتبار صفة النبوة والرسالة التي هي أخص من/ البشرية، ولذلك كانت عقوبتها القتل بخلاف غيره من البشر؛ وكان هذا البشر الذي هو سيد ولد آدم لم ينتقم لنفسه قط، ولا يلاحظ بهمته العلية إلا حق الله تعالى: كان حقه في القتل تابعًا لحق الله تعالى في الثبوت والسقوط، فإذا سقط حق الله بالإسلام سقط الآخر تبعًا كما ثبت تبعًا.
وهكذا إذا لم تقم قرائن تدل القاضي على ذلك، ولكن علم الله من حال هذا الشخص ذلك، فحكمه عند الله هذا وإن لم نطلع نحن عليه، بل هو يعرف من نفسه ذلك، ونعلم أنه ليس كمن علم من نفسه أنه زنى وهو محصن، أو قتل ولم يطلع القاضي ولا أولياء المقتول عليه، فإن دمه مستحق مع إسلامه، أما في مسألتنا فالقتل ساقط عنه فيما بينه وبين الله، بخلاف الزاني والقاتل، وكذلك عند القاضي إذا دلت قرائن على صدقه.
أما من لم تقم قرائن على صدقه وقد أتى به إلى القاضي الذي لا يعلم باطن حاله ولا ما في قلبه فهذه فيها شبه من مسالة الزنديق من جهة أن سبه
دل على خبث باطنه، فهو كمن علم منه أنه يخفي الكفر ويظهر الإيمان، وهو الزنديق.
وبهذا الشبه أخذت المالكية والحنابلة فألحقوه بالزنديق، وحكموا بقتله، ومقتضى كلام الشافعية والحنفية أنهم لا يراعون هذا الشبه من جهة أن الساب جاهز بسبه وأظهر ما في نفسه، فهو كالمرتد، وليس كمن قامت البينة عليه بأنه يخفى خلاف ما يظهر، فإن صح هذا الفرق ـ وهو الظاهر ـ قطع بقبول توبته.
وإن روعي الشبه فهذه هي مسألة الزنديق، والخلاف في قبول توبته مشهور، والصحيح قبولها، لقوله صلى الله عليه وسلم: "هلا شققت عن قلبه؟! "، ولقوله: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله".
وإيمان الزنديق ممكن، إذا ادعاه ولا يعلم إلا من جهته يقبل قوله فيه، وهذا هو المشهور من مذهب الشافعي المنصوص في "المختصر" الذي قطع به العراقيون، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة.
ولنا وجه آخر أنه لا تقبل توبته، وبه قال مالك وأحمد، وربما يستدلون بقول عمر في كثير من المنافقين: "دعني أضرب عنقه"، ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم علته، بل علل ترك قتلهم بعلة أخرى.
وجواب هذا الاستدلال: أن عمر ما قال ذلك إلا فيمن ظهر منه قول أو فعل يدل على نفاقه، وكلامنا فيمن ادعى أنه رجع عن ذلك واحتمل صدقه، فكيف نقتله مع احتمال إسلامه؟ وإذا دار الأمر بين تركه مع
احتمال كفره وقتله مع احتمال إسلامه تعين تركه لخطر الدماء، ولأنا رأينا الشارع ترك كثيرًا من الكفار فلم يقتلهم، ولم نره قط قتل مسلمًا، وهذا المعنى/ وحده كافٍ في عدم قتل الزنديق إذا تلفظ بالإسلام.
وقولهم: إنه يتخذ ذلك ذريعة، كلما خشي القتل تلفظ بالإسلام، وإذا رفع عنه القتل عاد، جوابه: بأنا نؤدبه التأديب البليغ، وخوفه من ذلك ومن قيام السيف كل وقت يمنعه من ذلك.
وأيضًا ليس لنا أن ننصب زواجر لم يأذن بها الشرع، ونحن تبع للشرع، حيث قال: اقتلوا، قتلنا، وحيث لم نجد نصًا توقفنا، ولا ننصب سياسات واستصلاحات من أنفسنا.
ولنا وجه ثالث قاله الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني: أنه إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل توبته، وإن جاء تائبًا وظهرت عليه مخايل الصدق قبلت، ومأخذه ما تقدم في الحرابة والفرق بين أن يتوب قبل القدرة عليه أو لا، ولكنه لم يسلك به مسلك الحرابة من كل وجه.
وأيضًا فالحرابة جريمة كالزنا يقتل عليها مع الإسلام، وهنا إنما يقتل على الكفر، فلا وجه لإلحاق هذا بالحرابة، لا سيما مع خطر الدماء، فالوجه الكف عنها وأن لا تراق بمثل هذه الأقيسة الضعيفة حتى يأتي نص أو دليل قوي.
إذا عرف هذا فالصحيح من المأخذين في مسألة الساب عند القائلين بقتله أنه ملحق بالزنديق، فإن السب دل على خبث باطنه كما لو شهدت البينة على أنه تلفظ بالكفر في الخفية فإنه ثبت به الزندقة.
فقد بان بهذا أن مأخذ القتل في الساب والزنديق سواء، وأنا قد ذكرت تفصيلاً في الساب أنه إن دلت القرائن على صدقه قبلت توبته، وإلا ففيه تردد، الأصح القبول، وكذلك أقول في الزنديق إنه يجب أن يكون محل الخلاف ما دمنا نتهمه، وإن كان الأصح قبول توبته.
أما إذا اختبر مدة طويلة وظهرت قرائن على حسن إسلامه فينبغي القطع بارتفاع القتل عنه، وقد كان جماعة من المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم بعد ذلك، وصاروا من خيار المسلمين.
فالحاصل أن الساب والزنديق كلاهما متى ظهرت قرائن الريبة أو اتهم بسوء الباطن اتجه الخلاف فيه، والأقوى قبول إسلامه ودرء القتل عنه،/ ومتى ظهرت قرائن حسن سريرته فعندي: القطع بقبول إسلامه ودرء القتل عنه.
والإقدام على قتل مثل هذا جمود على غير نص ولا ظاهر ولا دليل قوي، أخشى أن النبي صلى الله عليه وسلم يكون أول سائل عن دمه يوم القيامة.
وأرى أن مالكًا وغيره من أئمة المسلمين لا يقولون بذلك إلا في محل التهمة، فهو محل قول مالك ومن وافقه.
ولقد أقمت برهة من الدهر متوقفًا في قبول توبته مائلاً إلى عدم قبولها لما قدمته من حكاية الفارسي الإجماع، ولما يقال من التعليل بحق الآدمي، حتى كان الآن نظرت في المسألة حق النظر، واستوفيت الفكر، فكان هذا منتهى نظري، فإن كان صوابًا فمن الله، وإن كان خطأ فمني، والله ورسوله بريء منه، ولكنا متعبدون بما وصل إليه علمنا وفهمنا.
اللهم إنك تعلم أن هذا الذي وصل إليه علمي وفهمي لم أحاب فيه أحدًا، ولا قلدت فيه إمامًا غير ما فهمته من نفس شريعتك وسنة نبيك صلى الله عليه وسلم وأخلاقه ومكارمه ورحمته وشفقته ورأفته، فلم يحصل لنا خير في الدنيا ولا في الأخرة إلا منه، والله يختم لنا بخير في عافية بلا محنة، وكذلك آباؤنا وأمهاتنا وأولادنا وأهلونا، بمنه وكرمه إنه قريب مجيب.
فإن قلت: قد قدمت أن في حديث أبي بكر ما يدل على أنه يجوز للنبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل من أغضبه، بل سأله أبو داود أحمد بن حنبل عن حديث أبي بكر فقال أحمد: "لم يكن لأبي بكر أن يقتل رجلاً إلا بإحدى الثلاث التي قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: كفر بعد إيمان، وزنًا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس، والنبي صلى الله عليه وسلم كان له أن يقتل"، فإن كان مراد أحمد: كان له أن يقتل من أغضبه، فهو الذي قلته، وإن كان مراده كان له أن يقتل بغير الثلاثة وذلك من خصائصه بمعنى أن له أن يأمر بقتل من لا يعلم الناس له شيئًا يبيح دمه وعلى الناس أن يطيعوه في ذلك لأنه لا يأمر/ إلا بما أمر الله
به، وهاتان الخصيصتان ليستا لغيره صلى الله عليه وسلم، وبعد موته انسد باب الخصلة الثانية، وأما الخصلة الأولى وهي قتل من أغضبه فلم ينسد، فيقوم الأئمة بعده مقامه في استيفائه.
قلت: من أغضبه بسب أو نحوه مما حكمنا بأنه كفر فلا شك أنه يقتل ما لم يسلم، وأما من أغضبه من الجهال وجفاة الأعراب بشيء لم يقصد قائله التنقيص ولا حكم بكفره فهذا إن ثبت جواز قتله وأن ذلك من خصائصه مع الحكم بإسلامه قائله فإنا نعلم ونتحقق أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفعل ذلك ولم يقتل مسلمًا قط، فإما أن يحمل خبر أبي بكر على من أغضبه بما يكفر به، وغالب من يغضبه كذلك، وإما أن يحمل على أن ذلك كان له ولم يفعله تكرمًا وإغضاء، وبعده لا يفعل لأمرين، أحدهما: الاقتداء بسنته، والثاني: أن ذلك كان له على جهة الجواز لا على جهة الوجوب، والأئمة لا ينوبون عنه فيما اختص به من الجائزات التي جعلها الله تعظيمًا لقدره العلي.